Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٥١ - ٥٣
٦١
سُوَدَّةُ الصَنَّافَاتِ
محادثةُ الكرامِ على الشَّرابِ
وما بَقِيت من اللذَّات إلَّا
يجول بوجهه ماءُ الشبابِ
ولثمُكَ وجنتَي قمرٍ منيرٍ
وعبَّر بالماضي مع أنَّ المعطوفَ عليه مضارع؛ للإِشعار بالاعتناءِ بهذا المعطوفِ
بالنّسبة إلى المعطوفِ عليه، فكيف لا يُقبلون على الحديثِ وهو أعظمُ لذَّاتهم التي
يتعاطونها، مع ما في ذلك من الإِشارة إلى تحقّق الوقوع حتماً، وتساؤلهم عن
المعارف والفضائلِ وما جرى لهم وعليهم في الدُّنيا، وما أَحلى تذكُّرَ ما فات عند
رفاهيةِ الحالِ وفراغِ البال.
﴿قَالَ قَِّلٌ مِنْهُمْ﴾ في تضاعيف محاورتهم: ﴿إِنّ كَانَ لِ﴾ في الدُّنيا ﴿قَرِينٌ
٥١
مُصاحِبٌ ﴿يَقُولُ﴾ لي على طريق التوبيخ بما كنتُ عليه من الإِيمان والتصديقِ بالبعث
﴾ أي: بالبعث، كما يُنبئ عنه
٥٢
المفضي إلى ما أَنا عليه اليومَ: ﴿أَوَتَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (
أي: لَمبعوثون ومجازَون، من
OF
قولُه سبحانه: ﴿أَذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَيِظَمَا أَيِنَا لَدِينُونَ
الدِّين بمعنى الجزاء. وقيل: لَمسوسون مربوبون، من: دانه: إذا ساسَه، ومنه
الحديثُ: ((العاقلُ مَن دان نفسَه))(١).
وقُرئ: ((المصَّدِّقين)) بتشديد الصادِ، من التصدُّق(٢).
واعتُرضت هذه القراءةُ بأنَّ الكلامَ عليها لا يلائم قولَه سبحانه: (أَِذَا مِثْنَا) إلخ.
وتعقّب بأنَّ فيه غفلةً عن سبب التُّزول، أَخرج عبدُ الرزاق(٣) وابنُ المنذر عن
عطاءِ الخراسانيٌّ قال: كان رجلان شريكان، وكان لهما ثمانيةُ آلافِ دینارٍ،
فاقتسماها، فعَمَدَ أكبرُهما فاشترى بألف دينارٍ أرضاً، فقال صاحبُه: اللهمَّ إنَّ
فلاناً اشترى بألف دينارٍ أرضاً، وإنِّي أَشتري منك بألف دينارٍ أرضاً في الجنة،
فتصدَّق بألف دينار، ثم ابتنى صاحبُه داراً بألف دينار، فقال: اللهم إنَّ فلاناً قد
(١) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩) وحسّنه، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث
شداد بن أوس طه، ولفظه عندهم: ((الكيِّس .. )) وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو
ضعيف .
(٢) البحر ٧/ ٣٦٠.
(٣) في تفسيره ٢/ ١٤٩ مختصراً، والكلام من الدر المنثور ٢٧٥/٥ .

سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ
٦٢
الآية : ٥٣
ابتنى داراً بألف دينار، وإنِّي أَشتري منك في الجنة داراً بألف دينار، فتصدَّق
بألف دينار، ثم تزوَّج امرأةً فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهمَّ إنَّ فلاناً تزوَّج
امرأةً فأنفق عليها ألفَ دينار، وإني أَخطُب إليك من نساءِ الجنةِ بألف دينار،
فتصدَّق بألف دينار، ثمَّ اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال: اللهمَّ إنَّ فلاناً
اشترى خدماً ومتاعاً بألفِ دينار، وإني أَشتري منك خدماً ومتاعاً في الجنَّة بألف
دينار، فتصدَّق بألف دينار، ثم أَصابته حاجةٌ شديدة، فقال: لو أتيتُ صاحبي هذا
لعلَّه ينالني منه معروف، فجلس على طريقه حتى مرَّ به في حَشَمه وأهلِه، فقام
إليه، فنظر الآخرُ فعرفه، فقال: فلان، قال: نعم، فقال: ما شأنُك؟ فقال:
أصابتني بعدَك حاجة، فأتيتك لتصيبَتي بخير، قال: فما فعلتَ بمالك؟ فقصَّ عليه
القصَّة، فقال: أَثْنَّك لَمن المصدِّقين بهذا؟ اذهب فواللهِ لا أُعطيك شيئاً، فردّه،
فقضي لهما أن توقَّيا، فكان مآلُ المتصدِّقِ الجنةَ ومآلُ الآخَرِ النار، وفيهما نزلت
الآية.
وقيل: هما أَخوان ورثا ثمانيةَ آلافٍ دينارٍ واقتسماها، فكان من خبرِهما ما كان،
وكان الاثنانِ من بني إِسرائيل.
وهذا السببُ يدلُّ على أنَّ أحدَهما كان مصدِّقاً ومتصدِّقاً أيضاً، والآخَرَ - وهو
القرين - أَنكر عليه أنَّه أنفق ليجازَى على إِنفاقه بما هو أعظمُ وأبقَى، فقد ضيَّع بزعمه
مالَه فيما لا أصلَ له، وهو الجزاءُ الأخرويّ، ولا يكونُ هذا بدون البعث؛ فلذا
أَنكره. وليت شِعري كيف يتوهّم عدمُ الملاءمةِ مع قوله تعالى: (أَِّنَا لَمَدِيُونَ) ولعلَه
أَنسبُ بتلك القراءة.
وحاصلُ المعنى: أنت المتصدِّق طلباً للجزاءِ في الآخرة، فهل نحن بعد ما نفنَی
نُبعث ونجازَى؟ وذِكرُ العظام مع التُّراب مع أنَّ ذكرَ الترابِ يكفي ويُغني عن ذلك؛
لتصوير حالٍ ما يشاهده ذلك الشخصُ من الأجساد البالية، من مصير اللحم وغيره
تراباً عليه عظامٌ نَخِرة؛ ليذكِّرَه ويُخْطِرَ بباله ما ينافي مدَّعاه. وكونُه للتنزّل في الإِنكار
أو للتأکید، لا یرجحه بل یجوِّزه.

الآية : ٥٤ - ٥٥
٦٣
سُورَةُ الصَنَافَاتُ
﴿قَالَ﴾ أي: ذلك القائلُ الذي كان له قرينٌ لجلسائه بعد ما حكى لهم مقالةً
﴾ على أهل النارِ لأُريَكم ذلك القرينَ الذي
قرينِه له في الدنيا: ﴿هَلْ أَنْتُم مُطَلِعُونَ
٥٤
قال لي ما حکیتُ لكم.
والمرادُ من الاستفهامِ العرض، أو الأمرُ على ما قيل. والغرضُ من ذلك
إِراءتُهم سوءَ حالِ القرين ليؤنسَهم نوعَ إِيناس. وقيل: يريد بذلك بيانَ صدقِه
فيما حكاه. ولا يخفى أنَّ ظنَّ الكذبِ في غاية البعد.
واطّلاعُ أهلِ الجنةِ على أهل النارِ ومعرفةُ مَن فيها مع ما بينهما من التباعد غيرُ
بعيد، بأن يخلقَ اللهُ تعالى فيهم حدَّة نظرٍ ويعرِّفَهم مَن أَرادوا الاطلاع عليه، ولعلهم
إذا أرادوا ذلك، وقفوا على الأَعراف فاطّلعوا على مَن أَرادوا من أهل النَّار.
وقيل: إنَّ لهم طاقاتٍ في الجنَّة ينظرون منها من علوٍّ إلى أهل النَّار.
وعَلِمَ القائلُ بأنَّ القرينَ من أهل النارِ لعلمه بأنَّه كان يُنكر البعث، ومنكرُه منهم
قطعاً، والأصلُ بقاؤه على الكفر. وقيل: علم ذلك بإِخبار الملائكةِ عليهم السلام إِيَّاه.
وقيل: قائلُ: ((هل أنتم .. )) إلخ هو الله تعالى، أو بعضُ الملائكةِ عليهم السلام
يقول للمتحادثين من أَهل الجنَّة: هل تحبُّون أن تطّلعوا على أهل النارِ لأُريَكم ذلك
القرينَ فتعلموا أين منزلتُكم من منزلتهم.
وقيل: القائلُ مَن كان له قرين، والمخاطبون بـ ((أنتم)) الملائكةُ عليهم السلام،
وفي الكلامِ حذف، كأنَّه قيل: فقال لهذا القائلِ حاضروه من الملائكة: قرينُك هذا
يعذّب في النار، فقال للملائكة الذين أَخبروه: هل أنتم مطّلعون. ولا يخفَى ما فيه.
﴿فَلَعَ﴾ أي: على أهل النَّارِ ﴿فَرَاءُ﴾ أي: فرأى قرينَه ﴿فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ
أي: في وسطها، ومنه قولُ عيسى بن عمرَ لأبي عُبيدة: كنت أكتب حتى ينقطعَ
سَوائي. وسمِّ الوسَطُ سواءً لاستواءِ المسافةِ منه إلى الجوانب.
وقرأ أبو عَمرٍو في رواية حسينِ الجُعفي: ((مُطْلِعونَ)) بإِسكان الطاءِ وفتحِ النون
(فأُطْلِعَ)) بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الطاءِ وكسرٍ اللام، فعلاً ماضياً مبنيّاً للمفعول. وهي
قراءةُ ابنِ عباس، وابنٍ محيصن، وعمارٍ بن أبي عمار، وأبي سرَّاج.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
٦٤
الآية : ٥٥
وقُرئ: ((مُطّلعون)) مشدّداً (فأطَّلِعَ)) مشدّداً أيضاً، مضارعاً منصوباً على جوابٍ
الاستفهام.
وقُرئ: (مُطْلِعون)) بالتخفيف ((فأَظْلَعَ)) مخفَّفاً، فعلاً ماضياً، و: ((فَأَطْلُعَ)) مخفَّفاً
مضارعاً منصوباً .
وقرأ أبو البرهسم، وعمارُ بن أبي عمارٍ فيما ذكره خَلَفٌ عنه: ((مُطْلِعونٍ)) بتخفيف
الطاءِ وكسرِ النُّون (فأُظْلِعَ)) ماضياً مبنيًّ للمفعول(١). ورَ هذه القراءةَ أبو حاتم وغيرُه؛
لجمعها بين نونِ الجمعِ وياءِ المتكلِّم، والوجه: مُظْلِعِيَّ، كما قال عليه الصلاةُ
والسلام: ((أَوَمُخرِجِيَّ هم))(٢)، ووجَّهها أبو الفتح(٣) على تنزيل اسم الفاعلِ منزلةً
المضارع، فيقال عنده: ضاربونه، مثلاً، كما يقال: يضربونه، وعليه قولُه:
إذا ما خشُوا مِن مُحدَث الدهرِ مُعظَما (٤)
هم الآمِرون الخيرَ والفاعلونهُ
وأنشد الطبريُّ(٥) قول الشاعر:
أَمُسلمني إلى قومي شَراحي(٦)
وما أدري وظنِّي كلّ ظنِّ
ومثلُه قولُ الآخَر:
فهل فتّى من سَرَاة الحيٍّ يحملني
وليس حاملَني إلَّا ابنُ حمَّالٍ(٧)
(١) ذكر هذه القراءات صاحب البحر ٣٦١/٧، وليس في المتواتر منها شيء، والقراءة الأولى*
في القراءات الشاذة ص١٢٧-١٢٨، والمحتسب ٢١٩/٢ -٢٢٠.
(٢) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث السيدة عائشة .
ـتا.
(٣) في المحتسب ٢٢٠/٢.
(٤) البيت في الكتاب ١٨٨/١، والخزانة ٢٦٦/٤ دون نسبة.
(٥) في تفسيره ٥٤٩/١٩، وذكره أيضاً الفراء في معاني القرآن ٣٨٦/٢، وقال البغدادي في
شرح شواهد المغني ٥٧/٦: لم أقف على قائله، وقال العيني: قائله يزيد بن مخرم
الحارثي. اهـ.
(٦) في هامش الأصل: قال الفراء [٣٨٦/٢]: يريد: شراحيل. اهـ منه.
(٧) الإنصاف ١٢٩/١، والبحر المحيط ٣٦١/٧، وعزاه المبرد في الكامل لأبي مُحلّم السَّعدي
برواية :
أَلَا فَتَّى من بني ذُبيانَ يحملُني وليس يحملُني إلا ابنُ حَمَّالٍ

الآية : ٥٥
٦٥
سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ
وهذه النونُ عند جمع نونُ الوقاية، أُلحقت مع الوصف حملاً له على الفعل،
وليست مثلَ النونِ في القراءة وفي البيت، وإنْ كان إلحاقُ كلِّ للحمل.
وقال بعضُهم: إنَّها نونُ التنوين؛ وحرِّكت لالتقاء السَّاكنين. ورُدَّ بأنه سمع
إلحاقُها مع ((ال))، كقوله:
وليس الموافيني(١)
ومع أفعل التفضيل، كما وقع في الحديث: ((غيرُ الدَّالِ أَخوفُني عليكم)»(٢).
ويُعلَم من هذا عدمُ اختصاصٍ إلحاقها بالشِّعر، نعم هو في غيرِه قليل.
وضعَّف بعضُهم ما وجَّه به أبو الفتحِ وقال: إنَّ ذلك لا يقع إلَّا في الشِّعر.
وخرّجت أيضاً على أنَّها من وضع المتصلِ موضعَ المنفصل، وأُريد بذلك أنَّ
الأصل: مطلعونَ إياي، ثم جعل المنفصلُ متصلاً، فقيل: مطلعوني، ثم حُذفت
الياءُ واكتُفي عنها بالكسرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ [الملك:١٨]
ومثلُه يقال في: الفاعلونه، في البيت السَّابق.
وردّ ذلك أبو حيَّان(٣) بأنَّ ما ذكر ليس من محالِ المنفصلِ حتى يدَّعي أنَّ
المتصلَ وقع موقعَه، وادَّعى أولويةَ تخريج أبي الفتح، والبيتُ قيل: مصنوعٌ لا يصحُّ
الاستشهادُ به، وقيل: إنَّ الهاءَ هاءُ السكت، حرِّكت للضَّرورة. وهو فرارٌ من
ضرورةٍ لأخرى؛ إذ تحريكُها وإثباتُها في الوصل غيرُ جائز.
وللُّحاة في مسألة إِثبات النونِ مع إِضافة الوصفِ إلى الضمير كلامٌ طويل،
حاصلُه أنَّ نحو: ضاربُك وضارباك وضاربوك، ذهب سيبويه (٤) إلى أنَّ الضميرَ فيه
في محلِّ جرِّ بالإضافة؛ ولذا حُذف التنوينُ ونونُ التثنيةِ والجمع. وذهب الأخفشُ
(١) الدر المصون ٣١١/٩، والمغني ص ٤٥١، وشرح الأشموني ١٢٦/١ وتمامه:
وليس الموافيني ليُرفَدَ خائباً فإنَّ له أَضعافَ ما كان أمَّلا
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان
(٣) في البحر ٧/ ٣٦١.
(٤) انظر الكتاب ١٨٤/١ فما بعد.
مطولاً .

سُوَّةُ الصَّافَاتِ
٦٦
الآية : ٥٥
وهشامٌ إلى أنَّ الضميرَ في محلٌّ نصب، وحذفهمًا للتخفيف، حتى وردتا ثابتين،
كما في: الفاعلونه، و: أَمُسلمني، فالنونُ عندهما في الأخير ونحوِه تنوينٌ حرِّك
لالتقاء السَّاكنين. وقد سمعتَ ما فيه. وحديثُ الحملِ على الفعل - على
العِلَّات - أحسنُ ما قيل في التوجيه.
هذا، وطلع واّلع - بالتشديد - وأَطلع - بالتخفيف - بمعنَى واحد، والكلُّ
لازم، ويجيءُ الإِطلاعُ متعدِّياً، يقال: أَطلعه على كذا فاطّلع. و((مُظْلِعونَ)) في
قراءة أبي عَمرٍو بمعنى ((مُطّلعون)) - بالتشديد - ونائبُ فاعلِ ((أُظْلِعَ)) ضميرُ القائل،
والفاعلُ هم المخاطَبون، وإِطلاعُهم اياه باعتبار التسبُّب، كأنه لمَّا أراد الاطلاعَ
وأحبَّ ألَّا يستبدَّ به أدباً، عرض عليهم أن يطَّلعوا، فرغبوا واطّلعوا، فكان ذلك
وسيلةً إلى اطلاعه، فكأنَّهم هم الذين أَطلعوه، ففاء ((فأُطْلِعَ)) فصيحة، والعطفُ
على مقدَّر.
والمعنى على القراءةِ التي بعدها: هل أنتم مطّلعون حتى أَطَّعَ أنا أيضاً؟
فاطّلعوا واطّلع هو بعد ذلك، فرآه في سواءِ الجحيم. ولا بدَّ من تقديرِ اطّلعَ بعد
ذلك؛ ليصلحَ ترتُّبُ ((فرآه)) على ما قبلَه، و((هل أنتم مطلعون)) عليه بمعنى الأَمر،
تأذُّباً ومبالغة.
وعلى القراءةِ الثانية، وهي قراءةُ التخفيفِ في الكلمتين والثانيةُ فعلٌ ماض،
المعنى كما في قراءة الجمهور. وكذا على قراءةِ التي بعدها .
وعلى قراءة أبي البرهسم ومَن معه: هل أنتم مُطلعيّ؟ فأَطلعوه فرآه .. إلخ،
وإِطلاعُهم إيَّه - إذا كان الخطابُ للجلساء - بطريق التسبُّب، كأنَّه طلب أن يطَّلعوا
ليوافقَهم فيطّلع، وهو إذا كان الخطابُ للملائكة عليهم السلامُ على ما يتبادر إلى
الذِّهن.
وعن صاحب ((اللوامح)) أنَّ طلع واطّلع [إذا بدا وظهر، وأَطْلَعَ] إطلاعاً بمعنى:
أَقبلَ وجاء، والقائمُ مقامَ الفاعلِ على قراءة ((أُطلِع)) مبنيّاً للمفعول ضميرُ المصدر،
أو جارٌّ ومجرورٌ محذوفان، أي: أُطلع به؛ لأنَّ أَطلع لازمٌ كأقبل.

الآية : ٥٦ - ٥٩
٦٧
سُورَةُ الصَنَافَاتُ
وقد علمتَ أنَّ أَطلعَ يجيء متعدِّياً، كأَطلعتُ زيداً. وردَّ أبو حيَّان(١) الاحتمالَ
الثانيّ بأنَّ نائبَ الفاعلِ لا يجوز حذفُه كالفاعل. فتأمَّل جميعَ ما ذكرنا ولا تغفُل.
﴿قَالَ﴾ أي: القائلُ لقرينه ﴿ثَلَّهِ إِن كِدتَّ لَتُِّينِ ﴾﴾ أي: لَتُهلكني. وفي قراءة
عبدِ الله: (لَتُغْوِينِ)(٢).
و ((إن)) مخفَّفة من الثقيلة، واللامُ هي الفارقة. وفي ((البحر))(٣) أنَّ القَسَمَ فيه
التعجّبُ من سلامته منه، إذ كان قرينُه قارَبَ أن يُردیَه.
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ﴾ عليّ، وهي التوفيقُ والعصمة ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
للعذاب، كما أُحضرتَه أنت وأضرابُك.
ov
- إلخ، رجوعٌ إلى محاورةٍ جلسائه بعد إِتمام الكلامِ مع
٥٨
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
قرينه، تبجّحاً وابتهاجاً بما أَتاح الله تعالى له من الفضل العظيم والنعيم المقيم،
وتعريضاً للقرين بالتوبيخ. وجوِّز أن يكونَ من كلامِ المتسائلين جميعاً، وأن يكونَ
من تتمَّة كلامِ القائلِ يُسْمِعُ قرينَه على جهة التوبيخِ له. واختير الأوَّل.
والهمزةُ للتقرير، وفيها معنى التعجُّب، والفاءُ للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه نظمُ
الكلام، على ما ذهب إليه الزمخشريُّ(٤) ومتَّبعوه، أي: أنحن مخلَّدون فما نحن
بميِّتين؟ أي: ممَّن شأنُه الموت، كما يؤذِن به الصفةُ المشبّهة.
وقرئ: ((بمائتين))(٥) .
﴿إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى﴾ التي كانت في الدُّنيا. وهي متناولةٌ عند أهل السنَّة لمَا في
القبر بعد الإِحياءِ للسؤال؛ لعدم الاعتدادِ بالحياة فيه، لكونها غيرَ تامَّةٍ ولا قارَّة،
وزمانُها قليلٌ جدّاً .
(١) في البحر ٧/ ٣٦١-٣٦٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) الكشاف ٣٤١/٣.
(٣) ٣٦٢/٧.
(٤) في الكشاف ٣٤١/٣.
(٥) البحر ٣٦٢/٧.

سُورَةُ الصَنَافَاتِ
٦٨
الآية : ٦٠
والاستثناءُ مفرَّع من مصدرٍ مقدَّر، كأنَّه قيل: أَفما نحن بميِّتين موتةً إلَّا موتتنا
الأُولى؟ وجوِّز أن يكونَ منقطعاً، أي: لكن الموتة الأُولى كانت لنا في الدُّنيا.
وعلمُهم بأنَّهم لا يموتون ناشئٌ من إِخبار أنبيائهم لهم في الدُّنيا، وإِعلامِهم
إِيَّاهم بأنَّ أهلَ الجنةِ لا يموتون، أو من قول الملائكةِ عليهم السلام لهم حين
دخولِ الجنَّة: ﴿ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقولِهم: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَيٍ ءَاِنِينَ﴾
[الحجر: ٤٦].
وقيل: إنَّ أهلَ الجنةِ أولَ ما دخلوا لا يعلمون أنَّهم لا يموتون، فإذا جيءَ بالموت
على صورة كَبشٍ أَملحَ وذبح، فنودي: يا أهلَ الجنة، خلودٌ بلا موت، ويا أهلَ النار،
خلودٌ بلا موت(١)، فحينئذٍ يعلمونه، فيقولون ذلك تحدُّثاً بنعمة اللهِ تعالى واغتباطاً
بها. ولا يخفى أنَّ كونَ هذا القولِ المحكيِّ هنا عند علمِهم بعدم الموتِ من ذبحه بعيدٌ
في هذا المقام، والظاهرُ أنَّ هذا بعد الاطلاعِ والكلامِ مع القرين.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
، كأصحاب النار. والمرادُ استمرارُ النفيٍ وتأكيدُه، وكذا
٥٩
فيما تقدَّم، واستمرارُ هذا النفي نعمةٌ جليلة، وهو متضمِّن نفيَ زوالِ نعيمهم
المحكيِّ في قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ الآيات [الصافات: ٤١]، فإنَّ زوالَ
النعيمِ نوعٌ من العذاب، بل هو من أَعظم أنواعِه، بل تصوُّر الزوالِ عذابٌ
أيضاً لاَ يلذَّ معه عيش؛ ولذا قيل:
إذا شئتَ أن تحيا حياةً هنيَّةً فلا تتّخذ شيئاً تخاف له فقدا
وكذا يتضمَّن نفيَ الهرم واختلالِ القُوى الذي يوهمه نفيُ الموت؛ فإنَّ ذلك نوعٌ
من العذاب أيضاً، وكأنَّه إنمَّا اختير التعرُّض لاستمرار نفي العذابِ دون إِثبات
استمرارِ النعيم؛ لأنَّ نفيَ العذابِ أسرعُ خطوراً ببال مَن لم يعذَّب عند مشاهدةِ مَن
يعذَّب. وقيل: إنَّ ذاك لأنَّ درءَ الضررِ أهمُّ من جلب المنفعة.
الظاهرُ أنَّ الإِشارةَ إلى ما أُخبروا به من استمرار
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيُ ®
نفيٍ الموتِ واستمرارِ نفي التعذيبِ عنهم. ويجوز أن تكونَ إشارةً إلى ما هم فيه من
(١) حديث سلف ٤٨٥/١.

الآية : ٦١ - ٦٢
٦٩
سُورَةُ الصَنَافَاتِ
النَّعيم مع استمرارِ النَّفيين، فإذا كان الكلامُ من تتمَّة كلام القائل: ((أفما نحن
بميتين)) إلخ، فهو متضمِّن إشارةَ ذلك القائل إلى ظهور النَّعيم، ويكون تركُ التعرُّضِ
للتصريح به؛ للاستغناءِ بذلك الظهور.
وجوِّز أن يكونَ هذا كلامَه تعالى، قاله سبحانه تقريراً لقول ذلك القائلِ
وتصديقاً له، مخاطباً جلَّ وعلا به حبيبَه عليه الصلاة والسلام وأمَّتَه، والتأكيدُ
للاعتناءِ بشأن الخبر.
وقُرئ: ((لَهو الرِّزقُ العظيمُ)»(١) وهو ما رزقوه من السَّعادة العُظمى.
﴿لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ ﴾﴾ أي: لنيل مثلِ هذا الأمرِ الجليلِ ينبغي أن
يَعملَ العاملون، لا للحظوظ الدُّنيويةِ السريعةِ الانصرام، المشوبةِ بفنون الآلام،
فتقديمُ الجارِّ والمجرور للحصر. و((هذا)) إن كان إشارةً إلى مشخَّصٍ من حيث
تشخّصُه، فـ ((مِثل)) غيرُ مقحَمة، وإنْ كان إشارةً إلى الجنس، فهي مقحَمة، كما في:
مِثُلك لا يبخل.
والكلامُ يحتمل أن يكونَ من تتمَّة كلامِ القائل، ولا يعكِّر عليه أنَّ الآخرةَ ليست
بدار عمل؛ إذ ليس المرادُ الأمرَ بالعمل فيها، ويحتمل أن يكونَ من كلامه عزَّ
وجلَّ.
وأما قولُه سبحانه: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴾﴾ فمن كلامه جلّ
وعلا عند الأَكثرين، وهو متعلِّق بقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الآية: ٤١]
والقصّةُ بينهما ذُكرت بطريق الاستطراد، فالإِشارةُ إلى الرِّزق المعلوم.
وزعم بعضُهم جوازَ كونِه من كلام القائلِ السابق، وما هو من كلامه عزَّ وجلَّ
قطعاً هو ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأصلُ النُّزُلِ: الفضل، والرَّيعُ في الطعام، ويستعمل في الحاصل من الشيء،
ومنه: العسلُ ليس من إِنزال الأرض، أي: ممَّا يحصل منها، وقولُ الشافعيّ:
لا يجب في العسل العُشر؛ لأنَّه نُزُلُ طائر، ويقال لما يُعدُّ للنازل من الرِّزق.
(١) الكشاف ٣٤٢/٣.

سُوَّةُ الصَّافَاتِ
٧٠
الآية : ٦٣ - ٦٥
والزّقُّوم: اسمُ شجرةٍ صغيرةٍ الورق، مُرَّةٍ كريهة الرائحة، ذاتٍ لبن، إذا أَصاب
جسدَ إنسانٍ تورَّم، تكون في تِهامةَ وفي البلاد المُجدبةِ المجاورةِ للصحراء، سمِّيت
بها الشجرةُ الموصوفةُ بما في الآية.
وكلا المعنيين للنُّزل محتمل هنا، بيدَ أنَّه يتعيّن على الأوَّل انتصابُه على التمييز،
أي: أذلك الرِّزقُ المعلومُ الذي حاصلُه اللَّذة والسرورُ خيرٌ نزلاً وحاصلاً أم شجرةٌ
الزقُّوم التي حاصلُها الألمُ والغَمّ؟ ومعنى التفاضلِ بين النُّزلين التوبيخُ والتھُم،
وهو أسلوبٌ كثيرُ الوردِ في القرآن، والحملُ على المشاكلة جائز.
وعلى الثاني الظاهرُ انتصابُه على الحال، والمعنى أنَّ الرِّزقَ المعلومَ نزلُ أهلِ
الجنة، وأهلُ النارِ نزلُهم شجرةٌ الزقُّوم، فأيُّهما خيرٌ حالَ كونِه نزلاً؟ وفيه ما مرَّ من
التھگُم.
والحملُ على التمييز لا مانعَ منه لفظاً، كما في نحو: هم أَكفاهم ناصراً، ولكنَّ
المعنى على الحال أَسدّ؛ لأنَّ المعنى المفاضلةُ بين تلك الفواكهِ وهذا الطعامِ في هذه
الحال، لا التفاضلُ بينهما في الوصف، وإنَّ ذلك في النُّزُليَّةِ أَدخلُ من الآخَر، فافهم.
﴿إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِظَّالِمِينَ (٣٣)﴾ محنةً وعذاباً لهم في الآخرة، وابتلاءً في
الدنيا؛ فإنَّهم لمَّا سمعوا أنَّها في النار، قالوا: كيف يُمكن ذلك والنارُ تحرق
الشَّجر، كذا قال أبو جهل، ثم قال استخفافاً بأمرها لا إِنكاراً للمدلول اللغويّ:
واللهِ ما نعلم الزقُّومَ إلَّا التمرَ والزُّبد فتزقَّموا. ولم يعلموا أنَّ مَن قَدَرَ على خلق
حَيَوانٍ يعيش في النار ويتلذَّذ بها، أقدرُ على خلق الشجرِ في النارِ وحفظهِ من
الإِحراق، فالنارُ لا تُحرق إلَّا بإِذنه، أو أنَّ الإِحراقَ عندها لا بها.
منبتُها في قعر النار، وأغصانُها ترتفع
٦٤
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِ أَصْلِ الْجَحِيمِ
إلى دَرَكاتها. وقُرئ: ((ثابتةٌ في أَصلِ الجحيم)»(١).
◌ِطَلْعُهَا﴾ أي: حملُها، وأصلُه: طلع النَّخل، وهو أولُ ما يبدو وقبل أن تخرجَ
شماريخُه، أبيضُ غضّ مستطيلٌ كاللَّوز، سُمِّي به حملُ هذه الشَّجرة، إمّا لأنه
(١) الكشاف ٣٤٢/٣.

الآية : ٦٥
٧١
سُؤَّةُ الصَنَّافَاتِ
يشابهه في الشَّكل. أو الطُّلوع، ولعله الأَولى؛ لمكان التشبيهِ بعد، فيكون استعارةً
تصريحية، أو لاستعماله بمعنى ما يطلع مطلقاً، فيكون كالمَرسن(١) للأنف، فهو
مجاز مرسل.
﴿كَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ ﴾﴾ أي: في تناهي الكراهةِ وقُبح المنظر، والعرب تشبّه
القبيحَ الصورةِ بالشَّيطان، فيقولون: كأنَّه وجهُ شيطان، أو رأسُ شيطان، وإن لم
يروه؛ لمَا أنَّه مستقبحٌ جدّاً في طباعهم، لاعتقادهم أنَّه شرٌّ محضّ لا يخلِطه خير،
فيرتسم في خيالهم بأقبحِ صورة، ومن ذلك قولُ امرئٍ القيس:
ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنيابٍ أَغوالٍ(٢)
أَتقتلُني والمَشرَفيُّ مُضاجعي
فشبَّه بأنياب الأَغوال - وهي نوعٌ من الشياطين - ولم يرها؛ لِمَا ارتسم في
خيالِهِ، وعلى عكس هذا تشبيهُهم الصورةَ الحسنةَ بالمَلَك، وذلك أنَّهم اعتقدوا فيه
أنَّه خيرٌ محضّ لا شرَّ فيه، فارتسم في خيالِهم بأَحسنٍ صورة، وعليه قولُه تعالى:
﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وبهذا يُردُّ على بعض الملاحدةِ
حيث طعن في هذا التشبيهِ بأنَّه تشبيهٌ بما لا يعرف، وحاصلُه أنَّه لا يشترط أن يكونَ
معروفاً في الخارج، بل يكفي كونُه مركوزاً في الذِّهن والخيال.
وحملُ التشبيهِ في الآية على ما ذُكر هو المرويُّ عن ابن عباسٍ ومحمدِ بن كعب
القرظيِّ وغيرهما، وزعم الجبَّائيُّ أنَّ الشياطينَ حين يدخلون النارَ تشوَّه صورُهم
جدّاً وتستبشع أَعضاؤهم، فالمرادُ: كأنَّه رؤوسُ الشياطينِ الذين في النَّار. وفيه أنَّ
التشبيه عليه أيضاً غيرُ معروفٍ في الخارج عند التُّزول.
وقيل: ((رؤوسُ الشياطين)) شجرةٌ معروفةٌ تكون بناحية اليمنِ منكَرةُ الصورة،
يقال لها: الأَسْتَن، وإِيَّاها عنَى النابغةُ بقوله:
تَحيد عن أَستَنِ سودٍ أسافلُهُ مِثلَ الإِماءِ الغوادي تحمل الحُزُما(٣)
(١) في (م): كالمرسل.
(٢) الديوان ص٣٣. والمشرفي: سيف نسب إلى قرى بالشام يقال لها: المشارف، وأراد
بالمسنونة الزرق سهاماً محدَّدةَ الأزجَّة صافية.
(٣) الديوان ص١٠٣ .

سُورَةُ الصَّافَاتِ
٧٢
الآية : ٦٦ - ٦٧
قال الأصمعيّ: ويقال لها: الصَّوم، وأَنشد:
موثَّلٌ بشُدوف الصومِ يرقبهُ من المغارب مهضومُ الحشا زَرِمُ(١)
۔
وقيل: الشياطين: جنسٌ من الحيَّات ذواتُ أَعراف، وأَنشد الفرَّاء:
كمثل شيطانِ الحَمَاطِ(٣) أَعْرَفُ
عجيز(٢) تحلفُ حين أَحلفُ
أي: له عرف. وأَنشد المبرّد(٤):
وفي البقل إنْ لم يدفع اللهُ شرَّه
شياطينُ يعدو بعضُهنَّ على بعضٍ
﴿فَإَِهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا﴾ تفريعٌ على جَعْلِها فتنةً، أي: محنةً وعذاباً للظالمين.
وضميرُ المؤنَّث للشَّجرة، و((مِن)) ابتدائيةٌ أو تبعيضية، وهناك مضافٌ مقدَّر، أي: مِن
طلعِها. وقيل: ((مِن)) تبعيضيّة، والضميرُ للطلع، وأنِّث لإِضافته إلى المؤنَّث، أو
لتأويله بالثَّمرة، أو للشَّجرة على التجوُّز. ولا يخلو كلٌّ عن بُعدٍ ما.
﴿فَمَالِثُونَ مِنْهَا الْبُونَ ﴾﴾ لغلبة الجوعِ وإنْ كرهوها، أو للقَسرِ على أَكلها.
﴿ِثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَيْهَا﴾ أي: على الشَّجرة التي ملؤوا منها بطونَهم ﴿لَشَوْبًا مِنْ
أي: لشراباً ممزوجاً بماءٍ شديد الحرارة. وهذا الشرابُ هو
جِیمٍ
الغسَّاق، أي: ما يقطر من جراح أهلِ النارِ وجلودِهم. وقيل: هذا هو الصَّديد،
وأما الغسَّاق: فعينٌ في النار تسيل إليها سمومُ الحيَّاتِ والعقارب، أو دموعُ
الكفرةِ فيها، وشُربُهم ذلك لغَلَبة عطشِهم بما أَكلوا من الشجرة، فإذا شربوا
تقطّعت أَمعاؤهم.
(١) البيت لساعدة بن جؤية، وهو في ديوان الهذليين ١/ ١٩٤، وفيه: مخطوف الحشا. وجاء في
هامش الأصل: يصف وعلاً يظن هذا الشجر قنَّصاً، فهو يرقبه، والشدوف: الشخوص،
واحدها: شدف. اهـ منه. والزَّرِم: هنا معناه: الذي لا يثبت في مكان. اللسان (زرم).
(٢) كذا في البحر ٣٦٣/٧. وفي معاني القرآن ٢/ ٣٨٧، وثمار القلوب ص٤٢٢: عَنْجَرِد. وهي
المرأة الخبيثة السيئة الخلق، كما في تهذيب اللغة ٣٦٩/٣-٣٧٠، واللسان والتاج (عنجرد)
عند ذكر هذا البيت.
(٣) الحماط: نبت.
(٤) في الكامل ٩٩٩/٢.

الآية : ٦٨
٧٣
سُورَةُ الصَّافَاتِ
وقُرئ: ((لَشُوباً)) بضمِّ الشين(١)، وهو اسمٌ لِمَا يشاب به، وعلى الأوَّل هو
مصدرٌ سمِّي به.
وكلمة ((ثم)) قيل: للتَّراخي الزمانيّ، وذلك أنَّه بعد أن يملؤوا البطونَ من تلك
الشَّجرة يعطشون، ويؤثّر سقيُهم زماناً؛ ليزدادَ عطشُهم فيزدادَ عذابُهم.
واعتُرض بأنَّه يأباه عطفُ الشربِ بالفاء في قوله تعالى: ﴿فَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسِيمِ ﴾﴾ فلا بدَّ من عدم توسُّطِ زمان.
وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكونَ شربُ الشرابِ الممزوجِ بالحميم متأخِّراً بزمانٍ عن
ملئهم البطونَ دون شربِ الحميم وحده، وكذا يجوز أن يكونَ الحالُ مختلفاً، فتارةً
يتأخَّر الشربُ مطلقاً زماناً، وأخرى لا يتأثّر كذلك. وقال بعضُهم: ملؤهم البطونَ
أمرٌ ممتدٌ، فباعتبار ابتدائه يُعطف بـ ((ثمّ))، وباعتبار انتهائه بالفاء.
وجوِّز كونُ ((ثم)) للتراخي الرُّتْبِي؛ لأنَّ شرابَهم أشنعُ من مأكولهم بكثير،
وعطف مَلئهم البطونَ بالفاء لأنَّه يعقب ما قبله، ولا يَحسُن فيه اعتبارُ التفاوتِ
الرتبيِّ حُسنَه في شُرب الشرابِ المشوبِ بالحميم مع الأكل.
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أي: مصيرَهم، وقد قُرئ كذلك، وقرئ أيضاً: ((ثم إنَّ
مَنْفَذَهم))(٢).
﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي: إلى مقرِّهم من النار؛ فإنَّ في جهنمَ مواضعَ أُعدَّ في
كلِّ موضعٍ منها نوعٌ من البَلاء، فالقومُ يُخرجون من محلٌّ قرارِهم حيث تأجَّج النار،
ويُساقون إلى موضعٍ آخَرَ ممَّا دارت عليه جهنمُ فيه ذلك الشَّراب؛ ليَرِدوه ويُسقَوا
منه، ثم يُردُّون إلى محلِّهم، كما تخرج الدوابُّ إلى مواضع الماءِ في البلد مثلاً
لترِدَه ثم تُردُّ إلى محلِّها. وإلى هذا المعنى أَشار قتادة، ثم تلا قولَه تعالى: ﴿هَذِهِ،
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ ◌َانٍ﴾ [الرحمن: ٤٣-٤٤] ويؤيِّده
٤٣
جَهَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (
قراءةُ ابنِ مسعود: (ثَّ إنَّ مُنقلبَهم))(٣) إذ الانقلابُ أَظهرُ في الردّ.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٨، والمحتسب ٢٢٠/٢، والبحر ٣٦٣/٧.
(٢) الكشاف ٣٤٣/٣.
(٣) أخرجها الطبري ٥٥٦/١٩ عن السدي.

سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
٧٤
الآية : ٦٩ - ٧١
أو المراد: ثم إنَّ مرجعَهم إلى دَرَكات الجحيم، فهم يردّدون في الجحيم من
مكانٍ إلى آخَرَ أدنى منه.
وقيل: إنَّ الشرابَ يقدَّم اليهم قبلَ دخولِ النار، فيشربون ويصيرون إلى
الجحيم. وهذا يحتاج إلى توقيف، وإلَّا فهو خلافُ الظاهر.
وكأنَّ بين خروجِ القومِ للشُّرب وعودِهم إلى مساكنهم زماناً غيرَ يسيرٍ يتجرَّعون
فيه ذلك الشَّراب؛ ولذا جيءَ بـ (ثُمّ)). وهذا الشرابُ في مقابلة ما لأَهل الجنةِ من
بَيَّْةَ لَذَّةٍ
٤٥
الشراب المدلولِ عليه بقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ
، إلخ، كما أنَّ الزقُّوم في مقابلة ما لهم من الفواكه.
لِلشَّرِبِينَ
وقد جاء عن ابن عباسٍ ﴾: لو أنَّ قطرةً من زقُّومِ جهنمَ أُنزلت إلى الأرض،
لَأَفسدت على الناس معايشَهم. أخرجه ابنُ أبي شيبة(١). فكيف بمَن هو طعامُه
وشرابُهُ الغسَّاقُ والصديدُ مع الحميم؟ نسأل اللهَ تعالى رضاه والجنَّة، ونعوذ به عزَّ
وجلَّ من غضبه والنَّار.
وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْقَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِّيْنَ
فَهُمْ عَلَى ءَاتَزِمْ يُهْرَعُونَ
٦٩
· تعليلٌ
V
لاستحقاقهم ما ذُكر من فنون العذاب بتقليد الآباءِ في أصول الدِّين من غير أن يكونَ
لهم ولا لآبائهم شيءٌ يتمسَّك به أصلاً، أي: وجدوهم ضالِّين في نفس الأمر، ليس
لهم ما يصلُح شبهةً فضلاً عن صلاحية كونِه دليلاً، فهم [على آثارهم يهرعون](٢)
من غير أن يتدبَّروا أنَّهم على الحقِّ أوّلاً مع ظهور كونِهم على الباطل بأدنَى تأمُّل.
والإِهراع: الإِسراعُ الشديد. وقيل: هو إِسرائعٌ فيه شبهُ رِعدة. وفي بناء الفعلِ
للمفعول إِشارةٌ إلى مزيد رغبتهم في الإِسراع على آثارهم، كأنَّهم يُزْعَجون ويُحثُّونَ
حثّاً عليه.
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبلَ هؤلاءِ الظالمين الذين جُعلت شجرةُ الزقُّوم فتنةً
· من الأُمم السابقة، وهو جوابُ نَسَمٍ
لهم، وهم قريشٌ ﴿أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ
(١) في المصنف ١٣/ ١٦١.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٩٥/٧، والكلام منه.

الآية : ٧٢ - ٧٥
٧٥
سُورَةُ الصَنَافَاتِبُ
محذوف، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنْذِرِينَ (®﴾ أنبياءَ أنذروهم سوءَ
عاقبةٍ ما هم عليه من الباطل. وتكريرُ القسم لإِبراز كمالِ الاعتناءِ بتحقيق مضمونٍ
كلٍّ من الجملتين.
◌َ﴾ من الهول والفظاعةِ لمَّا لم يلتفتوا إلى
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ
الإِنذار ولم يرفعوا إليه رأساً.
والخطابُ إمَّا لسيِّد المخاطَبين ◌َه أو لكلِّ مَن يتأتَى منه مشاهدةُ آثارِهم.
وحيث كان المعنى أنَّهم أُهلكوا إِهلاكاً فظيعاً، استثنَى عنهم المخلّصين بقوله
3﴾ أي: الذين أَخلصهم الله تعالى بتوفيقهم
عزَّ وجلّ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
للإِيمان والعملِ بموجب الإِنذار.
وقُرئ: ((المخلِصين)) بكسر اللام(١). أي: الذين أخلصوا دينَهم الله سبحانه
وتعالى.
والاستثناءُ على القراءتين إمَّا منقطعٌ إنْ خصِّص ((المنذرين))، وإمَّا متصل إنْ عمِّم.
﴿وَلَقَدْ نَادَىنَا نُوحٌ﴾ نوعُ تفصيلٍ لما أُجمل فيما قبلُ ببيان أحوالِ بعض المرسَلين
وحُسنِ عاقبتهم، متضمِّن لبيان سوءِ عاقبةِ بعضِ المنذرين، كقوم نوح عليه السلام،
ولبيان حُسنٍ عاقبةِ بعضِهم الذين أَخلصهم اللهُ تعالى أو أَخلصوا دينَهم، على
القراءتين، كقوم يونسَ عليه السلام. وتقديمُ قصَّة نوح عليه السلام على سائر
القصصِ غنيٌّ عن البيان. ونداؤه عليه السلام يتضمَّن الدعاءَ على كفار قومِه وسؤالَه
النجاةَ وطلبَ النُّصرة.
واللامُ واقعةٌ في جواب فَسَمِ محذوف، وكذا ما في قوله تعالى: ﴿فَلَنِعْمَ
﴾ والمخصوصُ بالمدح فيه محذوفٌ، والفاءُ فصيحة، أي: وتاللهِ لقد
٧٥
الْمُجِيبُونَ
دعانا نوحٌ حين أَيِسَ من إِيمان قومِه بعد أنْ دعاهم أَحقاباً ودهوراً، فلم يزدهم
دعاؤه إلَّا فراراً ونفوراً، فأَجبناه أحسنَ الإِجابة، فواللهِ لَنعم المجيبون نحن، فحذف
ما حذف ثقةً بدلالةٍ ما ذُكر عليه.
(١) قرأ الكوفيون ونافع وأبو جعفر بالفتح، والباقون بالكسر. التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
٧٦
الآية : ٧٦ - ٧٧
والجمع للعظمة والكبرياء، وفيه من تعظيم أمر الاجابة ما فيه. وأخرج ابنُ
مردويه عن عائشةَ ﴿ّا قالت: كان النبيُّ ونَ﴿ إذا صلَّى في بيتي فمرَّ بهذه الآية:
﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُورٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: ((صدقتَ ربَّنا، أنت أَقربُ مَن دُعي، وأقربُ
مَن بُغي، فنِعمَ المدعوُّ ونعم المعطي، ونِعمَ المسؤولُ ونِعم المولى أنت ربَّنا ونِعمَ
النصير))(١).
﴾ من الغرق، على ما رُوي عن السُّدِّي.
﴿وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وقيل: أذى قومِه. ولا مانعَ من الجمع. والكَرْبُ - على ما قال الراغب(٢) -: الغمُّ
الشديد، وأصلُ ذلك مِن كَرْبِ الأرض، وهو قلبُها بالحفر، فالغمُّ يثير النفسَ إثارةَ
ذلك، ويصحُّ أن يكونَ من: كَرَبت الشمس: إذا دنت للمغيب، وقولهم: إناءٌ
كَرْبَان، نحو قربان، أي: قريبٌ من المِلء. أو من الكَرَب، وهو عَقدٌ غليظٌ في
رِشاء الدَّلْو، وقد يوصف الغمُّ بأنه عُقّدةٌ على القلب.
» فحسب، حيث أَهلكنا الكفرةَ بموجب دعائه:
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقد رُوي أنَّه مات كلُّ مّن في
السفينة ولم يُعقبوا عقباً باقياً غيرَ أبنائه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وأزواجهم،
فإنَّهم بقُوا متناسلين إلى يوم القيامة.
أخرج الترمذيُّ وحسَّنه، وابنُ سعد، وأَحمد، وأَبو يعلى، وابنُ المنذر، وابنُ
أبي حاتم، والطبرانيّ، والحاكمُ وصحَّحه(٣)، عن سَمُرة، أنَّ النبيَّ وَّ قال:
(سامٌ أبو العرب، وحامٌ أبو الحبش، ويافثُ أبو الرُّوم))، وأخرج ابنُ مردويه عن
أبي هريرةَ مرفوعاً نحوَه. نعم أَخرج البزَّار وابنُ أبي حاتمٍ والخطيبُ في ((تالي
التلخيص)) عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ولدُ نوحِ ثلاثة: سامٌ وحامٌ ويافث،
فولدُ سام: العربُ وفارس والرُّوم، والخيرُ فيهم، وولدُ يافث: يأجوج ومأجوجُ
(١) الدر المنثور ٢٧٨/٥، وفي مطبوعه: من يعطي، بدل: من بُغي.
(٢) في المفردات (کرب).
(٣) جامع الترمذي (٣٢٣١) و(٣٩٣١)، وطبقات ابن سعد ٢٥/١-٢٦، ومسند أحمد (٢٠٠٩٩)
و(٢٠١٠٠)، والمعجم الكبير (٦٨٧١)، والمستدرك ٥٤٦/٢.

الآية : ٧٧
٧٧
سِوَرَةُ الصَنَّافَاتِ
والتركُ والصقالبة، ولا خيرَ فيهم، وولدُ حام: القِبطُ والسودان)) ولا أَعرف حالَ
الخبر(١).
والأكثرون على أنَّ الناسَ كلَّهم في مشارق الأرض ومغارِها من ذرِّية نوحٍ عليه
السلام؛ ولذا قيل له: آدمُ الثاني. وإن صحَّ أنَّ لكنعانَ المغرقِ ولداً في السفينة،
لا يَبعد إدراجُه في الذُّرِّية، فلا يُقتصر على الأولاد الثلاثة.
وعلى كون الناسِ كلِّهم من ذرِّيَّتَه عليه السلام استدلَّ بعضُهم بالآية.
وقالت فِرقة: أبقى اللهُ تعالى ذريةَ نوح عليه السلام ومدَّ في نسله، وليس الناسُ
منحصرين في نسله، بل من الأُمم مَن لا يرجع إليه، حكاه في ((البحر))(٢). وكأنَّ
هذه الفرقةَ لا تقول بعموم الغَرَق، ونوحٌ عليه السلام إنَّما دعا على الكفَّار، وهو لم
يُرسَل إلى أهل الأرضِ كافَّة؛ فإنَّ عمومَ البعثةِ ابتداءً من خواصِّ خائَمٍ
المرسلين وَله، ووصولُ خبرِ دعوته وهو في جزيرة العربِ إلى جميع الأقطارِ - كقطر
الصينِ وغيرهِ - غيرُ معلوم.
والحصرُ في الآية بالنِّسبة إلى مَن في السَّفينة ممَّن عدا أولادَه وأزواجَهم، فكأنَّه
قيل: وجعلنا ذرِّيتَه هم الباقين، لا ذرِّيةَ مَن معه في السفينة، وهو لا يستلزم عدمَ
بقاءِ ذريةٍ مَن لم يكن معه وكان في بعض الأقطارِ الشاسعةِ التي لم تصل إليها
الدَّعوة، ولم يستوجب أهلُها الغَرَق، كأَهل الصينِ فيما يزعمون.
ويجوز أن تكونَ قائلة بالعموم، وتجعل الحصرَ بالنسبة إلى المغرقين، وتلتزم
القولَ بأنَّه لم يبقَ عَقِبٌ لأحدٍ من أهلِ السفينةِ هو من ذرِّية أحدٍ من المغرقين، أي:
وجعلنا ذريَّته هم الباقين لا ذريةً أحدٍ غیرِه من المغرقين، وولدُ کنعان - إن صحّ،
وصحَّ بقاءُ نسلِه - داخلٌ في ذرِّيته، والله تعالى أعلم.
(١) وهو ضعيف، فقد أخرجه البزار (٢١٨ - كشف) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
به. وفي إسناده يزيد بن سنان الرُّهاوي، قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٧٠ بعد
أن ذكر الحديث: ضعيف بمرة، لا يعتمد عليه. اهـ، وأخرجه الطبري في تاريخه ٢١٠/١
عن سعيد بن المسيب قوله، وهو المحفوظ كما قال ابن كثير.
(٢) ٣٦٤/٧ .

سُورَةُ القَنَافَاتِ
٧٨
الآية : ٧٨ - ٧٩
﴿وَتَكِنَا عَيْهِ فِ الْآَخِينَ
٧٨
في الباقين غابرَ الذَّهر.
﴿سَلَمُ عَلَى نُوج﴾ مبتدأ وخبر، وجاز الابتداءُ بالنَّكرة لِمَا فيه من معنى الدُّعاء،
والكلامُ واردٌ على الحكاية، كقولك: قرأت: ((سورة أنزلناها)) [النور: ١] وهو على
ما قال الفرَّاءُ وغيرُه من الكوفيين محكيٌّ بـ ((تَرَكَ)) في موضع نصبٍ بها، أي: تركنا
عليه هذا الكلام بعينه.
وقال آخرون: هو محكيٍّ بقولٍ مقدَّر، أي: تركنا عليه في الآخرين قولَهم:
سلامٌ على نوح، والمراد: أَبقينا له دعاءَ الناسِ وتسليمَهم عليه أمَّةً بعد أمَّة.
وقيل: هذا سلامٌ منه عزَّ وجلَّ لا من الآخَرين.
ومفعولُ ((تركنا)) محذوف، أي: تركنا عليه الثناءَ الحسنَ وأَبقيناه له فيمن بعده
إلى آخر الذَّهر. ونُسب هذا إلى ابن عباسٍ ومجاهدٍ وقتادةً والسُّدِّي.
وجملةُ ((سلام على نوح)) معمولٌ لقولٍ مقدَّرٍ على ما ذكر الخَفاجي(١)، أي:
وقلنا: سلام .. إلخ. وقال أبو حيَّان: مستأنَفة، سلَّم اللهُ تعالى عليه عليه السلام
ليقتديَ بذلك البشر، فلا يذكره أحدٌ بسوء (٢).
وقرأ عبدُ الله: ((سلاماً) بالنَّصب على أنَّه مفعولُ ((تركنا))(٣).
متعلّق بالّرف؛ لنيابته عن عامله، أو بما تعلَّق
وقولُه تعالى: ﴿فِ الْعَلَمِينَ
٧٩
الظرفُ به. وجوِّز كونُه حالاً من الضمير المستترِ فيه. وأيَّما كان، فهو من تتمَّة
الجملةِ السابقة، وجيءَ به للدَّلالة على الاعتناءِ التامِّ بشأن السَّلام، من حيث إنَّه
أفاد الكلامُ عليه ثبوتَه في العالمين من الملائكة والثَّقلين، أو إنَّه حالَ كونِه في
العالمين على نوح، وهذا كما تقول: سلامٌ على زيدٍ في جميع الأمكنةِ وفي جميع
الأَزمنة. وزعم بعضُهم جوازَ جعلِه بدلاً من قوله تعالى: (فِ الْآَخِينَ) ويوشك أن
يكونَ غلطاً كما لا يخفَى.
(١) في حاشيته ٢٧٤/٧.
(٢) البحر ٧/ ٣٦٤.
(٣) البحر ٧/ ٣٦٤.

الآية : ٨٠ - ٨٣
٧٩
سُوَدَّةُ القَنَّافَاتِبُ
تعليلٌ لما فعل به مما قصَّه اللهُ عزَّ
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وجلَّ بكونه عليه السلام من زمرة المعروفين بالإِحسان الرَّاسخين فيه، فيكون ما وقع
من قَبيل مجازاةِ الإِحسان بالإِحسان، وإِحسانُه مجاهدتُه أعداءَ اللهِ تعالى بالدَّعوة
إلى دينه، والصبرِ الطويلِ على أذاهم، ونحوِ ما ذكر، وذلك إشارة إلى ما ذُكر من
الكرامات السَّنيةِ التي وقعت جزاءً له عليه السلام. وما فيه من معنى البُعد؛ للإِيذان
بعلوِّ رتبتِهِ، وبُعدٍ منزلتِه في الفضل والشَّرف. والكافُ متعلِّقة بما بعدها، أي: مثلَ
ذلك الجزاءِ الكاملِ نجزي الكاملين في الإِحسان لا جزاءً أدنَى منه.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ تعليلٌ لكونه عليه السلام محسناً
المفهوم من الكلام بخلوص عبوديَّته وكمالِ إيمانِهِ، وفيه من الدَّلالة على جلالة
قدرِهما ما لا يخفَى، وإلَّا فمنصبُ الرسالةِ منصبٌ عظيم، والرسولُ لا ينفكُّ عن
الخلوص بالعبودية وکمالِ الإِيمان، فالمقصودُ بالصفة مدحُها نفسها، لا مدحُ
موصوفِها .
مَ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴾﴾ أي: المغايرين لنوح عليه السلام وأهلِه، وهم كفارُ
قومِه أجمعين. و((ثم)) للتراخي الذُّكري؛ إذ بقاؤه عليه السلام ومَن معه متأخِّر عن
الإِغراق.
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيَيْهِ﴾ أي: ممَّن شايع نوحاً وتابعه في أُصول الدِّين ﴿لَإِتَرَهِيمَ
وإن اختلفت فروعُ شريعتيهما. أو ممَّن شايعه في التصلَّب في دين اللهِ تعالى ومصابرةٍ
المكذِّبين، ونُقل هذا عن ابن عبّاس. وجوِّز أن يكونَ بين شريعتيهما اتفاقٌ كلِّ أو
أكثريّ، وللأَكثر حكمُ الكلّ.
ورأيتُ في بعض الكتب - ولا أدري الآنَ أيّ كتابٍ هو - أنَّ نوحاً عليه السلام
لم يُرسَل إلَّا بالتوحيد ونحوِه من أُصول العقائد، ولم يُرسَل بفروع. قيل: وكان بين
إبراهيمَ وبينه عليهما السلام نبيَّان: هودٌ وصالحٌ لا غير. ولعله أُريد بالنبيِّ الرسول،
لا ما هو أعمُّ منه. وهذا بناءً على أنَّ ساماً كان نبيّاً، وكان بينهما - على ما في
((جامع الأصول)) - ألفُ سنةٍ ومئةٌ واثنتان وأربعون سَنَة، وقيل: ألفان وستُ مئةٍ
وأربعون سنة.

سُورَةُ القَنَانَاتِ
٨٠
الآية : ٨٤
وذهب الفرَّاءُ(١) إلى أنَّ ضمير ((شيعته)) لنبيِّنا محمدٍ وَّةِ، والظاهرُ ما أشرنا إليه،
وهو المرويُّ عن ابن عبّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ والسُّدِّي، وقلَّما يقال للمتقدِّم: هو
شيعةٌ للمتأخِّر، ومنه قولُ الکمیتِ الأصغرِ بن زيد:
وما ليَ إلَّا آل أحمدَ شيعةٌ وماليَ إلَّا مَشعبُ الحقِّ مشعبٌ(٢)
وذكر قصّة إبراهيمَ عليه السلام بعد قصَّة نوحٍ؛ لأنَّه كآدَمَ الثالثِ بالنّسبة إلى
الأنبياءِ والمرسَلين بعده؛ لأنَّهم من ذرِّيته إلَّا لوطاً، وهو بمنزلة ولدِه عليهما السلام،
ويزيد حُسنَ الإِرداف أنَّ نوحاً نجَّاه اللهُ تعالى من الغرق، وإبراهيمَ نجَّاه الله تعالى
من الحرق.
﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ﴾ منصوبٌ بـ ((اذكر))، كما هو المعهودُ في نظائره. وجوِّز تعلُّقه
بفعلٍ مقدَّر يدلُّ عليه قولُه تعالى: (وَإِنَ مِن شِيعَيْهِ،) كأنَّه قيل: متى شايعه؟ فقيل:
شایعه إذ جاء ربّه.
وقيل: هو متعلّق بشيعة؛ لِمَا فيه من معنى المشايعة.
وردّ بأنَّه يلزم عملُ ما قبل لام الابتداءِ فيما بعدها، وهم لا يجوِّزون ذلك؛
للصَّدارة، فلا يقال: إنَّ ضارباً لقادمٌ علينا زيداً، وكذا يلزم الفصلُ بين العاملِ
والمعمولِ بأجنبيّ، وهو لا يجوز.
وأُجيب بأنَّه لا مانعَ من كلٍّ إذا كان المعمولُ ظرفاً؛ لتوسُّعهم فيه.
أي: سالمٍ من جميع الآفات كفساد العقائدِ والنّيَّات السيئةِ
﴿بِقَلٍْ سَلِيمٍ ﴾
والصفاتِ القبيحة، كالحسد والغِلِّ وغيرِ ذلك. وعن قتادةَ تخصيصُ السلامةِ
بالسَّلامة من الشِّرك. والتعميمُ الذي ذكرناه أَوْلى.
أو سالمٍ من العلائق الدُّنيوية، بمعنى أنَّه ليس فيه شيءٌ من محبَّتها والرُّكونِ
إليها وإلى أهلها .
(١) في معاني القرآن ٣٨٨/٢.
(٢) الدیوان ص٥١٧.