Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٣٥
٣٢١
سٌلايَسْ
وقيل: على التفجير المفهوم من ((فجَّرنا)) والمرادُ بـ «ثمره)) فوائدُه،
كما تقول: ثمرةُ التجارةِ الرِّبح. أو هو على ظاهره، والإضافةُ لأدنَى ملابسة.
والکلُّ كما ترى.
وجوِّز أن يكونَ الضميرُ له عزَّ وجلَّ، وإِضافةُ الثمرِ إليه تعالى لأنَّه سبحانه
خالقُه، فكانَّه قيل: ليأكلوا ممَّا خلقه الله تعالى من الثَّمر. وكان الظاهر: مِن ثمرنا،
لضمير العَظَمة، على قياس ما تقدَّم، إلَّا أنَّه التفت من التكلُّم إلى الغَيبة لأنَّ الأكلَ
والتعيُّش ممَّا يَشغل عن الله تعالى، فيناسب الغَيبة، فالالتفاتُ في موقعه.
وزعم بعضُهم أنَّ هذا ليس من مظانِّه؛ لأنَّه أَوْلى بضمير الواحدِ المطاع،
لأنَّه المقصودُ بالإِحياء والجعلِ والتفجير، وقد أُسندت إليه. ورُدَّ بأنَّ ما سبق
أَفخم؛ لأنَّها أفعالٌ عامّة النفع ظاهرةٌ في كمال القدرة، والثمرُ أحظُ مرتبةً من
الحَبّ؛ ولذا لم يورَدْ على سبيل الاختصاص، فلا يستحقُّ ذلك التفخيم، كيف
وقد جعل بعضُهم الثمرَ خلقَ اللهِ تعالى، وكمالَه بفعل الآدميّ، وبما تقدَّم
يستغنَى عمَّا ذكر.
وقرأ طلحةُ وابن وثَّاب وحمزةُ والكِسائي: ((مِن ثُمُرِه) بضمَّتين، وهي لغةٌ فيه،
أو هو جمعُ: ثمار. وقرأ الأَعمش: ((من ثُمْرِه)) بضمٌّ فسكون(١).
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيَدِيهِمْ﴾ ((ما)) موصولةٌ في محلِّ جرِّ عطف على ((ثمره)). وجَعلُه في
محلِّ نصبٍ عطفاً على محلِّ ((من ثمره)) خلافُ الظاهر، أي: وليأكلوا من الذي
عملوه أو صنعوه بقُواهم. والمرادُ به ما يتَّخذ من الثَّمر، كالعصير والدِّبسِ
وغيرِهما. وقال الزمخشريّ(٢): أي: من الذي عملته أيديهم بالغرس والسَّقي
والآبار. وليس بذاك.
وجوِّز أن تكونَ ((ما)) نكرةً موصوفة، أي: ومن شيءٍ عملته أيديهم. والأوَّل
آَظھر .
(١) البحر ٣٣٥/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.
(٢) في الكشاف ٣٢٢/٣.

سُورَةُيَسْ
٣٢٢
الآية : ٣٥
وقيل: ((ما)) نافية، وضميرُ ((عملته)) راجعٌ إلى الثمر، والجملةُ في موضع
الحال، والمرادُ من نفي عملٍ أيديهم إيَّاه أنَّه بخَلْق اللهِ تعالى لا بفعلهم، ولا تقول
المشايخُ بالتولید.
ورُوي القولُ بأنَّها نافيةٌ عن ابن عباسٍ والضخَّاك. وظاهرُ كلامِ الحَبر أنَّ
الضميرَ راجعٌ إلى: شيئاً، الموصوفِ المحذوف، والجملةُ حالٌ منه، فقد روى
سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذرِ عنه أنَّه قال: وجدوه معمولاً لم تعملْه أيديهم، يعني
الفراتَ ودِجلةَ ونهرَ بلخٍ وأشباهَها. وفيه بُعد.
وأُيِّد القولُ بالموصولية بقراءة طلحةً وعيسى وحمزةَ والكسائيِّ وأبي بكر:
(ما عَمِلَت)) بلا هاء(١). ووجهُ التأييدِ أنَّ الموصولَ مع الصِّلة كاسمٍ واحد،
فيحسُن معه [الحذف](٢) لاستطالته، ولاقتضائه إيَّاه ودَلالتِه عليه يكون كالمذكور.
وتقديرُ اسمٍ ظاهرٍ غيرُ ظاهر.
وقال الطَّيبي: جَعلُها نافيةً أَولى مِن جعلها موصولة؛ لئلا يوهمَ استقلالَهم
بالعمل؛ لأنَّ ذِكرَ الأيدي للتأكيد في هذا المقام، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
◌َلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَمًا﴾ [يس: ٧١] لأنَّ التركيبَ من باب: أَخذتُه بيدي،
ورأيتُه بعيني، وحينئذٍ لا يناسب أن يكونَ قولُه تعالى: (أَحْبَيْتَهَا) إلخ تفسيراً لكون
الأرضِ الميتةِ آية .
وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّه ليس بشيءٍ؛ لأنَّ العملَ من العبادِ بمعنی الکسب،
وقد جاء: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] و: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]
فهذا التأكيدُ دافعٌ للإِيهام. انتهى، فلا تغفل.
وجوِّز على هذه القراءةِ كونُ ((ما)) مصدرية، أي: وعَمَلٍ أيديهم، ویراد
بالمصدر اسمُ المفعول، أي: معمولِ أيديهم، فيعودُ إلى معنى الموصولة. ولا يخفَى
ما فيه .
(١) البحر ٣٣٥/٧، وقراءة حمزة والكسائي وأبي بكر في التيسير ص ١٨٤، والنشر ٣٥٣/٢.
(٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٤١/٧، والكلام فيه بنحوه.

الآية : ٣٦
٣٢٣
سُوَلُكَسْنَ
(٥)• إنكارٌ واستقباحٌ لعدم شكرِهم للمنعِم بالنِّعم المعدودةِ
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ
بالتوحيد والعبادة، والفاءُ للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي: أَيرون هذه النِّعم
- أو: أيتنعَّمون بها - فلا يشكرون المنعِمَ بها؟!
﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتنزيهه تعالى عمَّا فعلوه من
ترك شكرِه عزَّ وجلَّ، واستعظام ما ذُكر في حيِّز الصلةِ من بدائع آثارٍ قدرتِه وأسرارٍ
حكمته، وروائعٍ نَعمائه الموجبة لشكره تعالى، وتخصيصٍ العبادة به سبحانه،
والتعجيبٍ من إِخلالهم بذلك والحالُ هذه.
وقد تقدَّم الكلامُ في ((سبحان)). وفي ((الإرشاد))(١) هنا أنَّه عَلَم للتسبيح الذي
هو التبعيدُ عن السُّوء، اعتقاداً وقولاً، أي: اعتقادُ البعدِ عنه والحكمُ به، من: سبَّح
في الأرض والماء: إذا أبعد(٢) فيهما وأَمعن، وانتصابُه على المصدرية، أي: أُسبِّح
سبحانَه، أي: أنزِّهه عمَّا لا يَليق به عقداً وعملاً، تنزيهاً خاصّاً به حقيقاً بشأنه عزَّ
شأنُه. وفيه مبالغةٌ من جهة الاشتقاق، وجهةِ العدولِ إلى التفعيل، وجهةِ العدولِ
عن المصدر الدالِّ عن الجنس إلى الاسم الموضوعِ له خاصَّة، لاسيَّما العلم،
وجهةِ إقامته مُقَامَ المصدرِ مع الفعل. وقيل: هو مصدرٌ كغفران، أُريد به التنزُّه التامّ
والتباعدُ الكلِّيُّ عن السُّوء، ففيه مبالغةٌ من جهة إِسناد التنزُّه إلى الذات المقدَّس،
فالمعنى: تنزَّه بذاته عن كلِّ ما لا يَليق به تعالى تنزُّهاً خاصّاً به سبحانه. فالجملةُ
على هذا إخبارٌ منه تعالى بتنزُّهه وبراءتِهِ عن كلِّ ما لا يليق به ممَّا فعلوه وما تركوه.
وعلى الأوَّل حكمٌ منه عزَّ وجلَّ بذلك، وتلقينٌ للمؤمنين أن يقولوه ويعتقدوا
مضمونَه، ولا يُخِلُّوا به ولا يغفُلوا عنه.
وقدَّر بعضُهم الفعلَ الناصبَ أمراً، أي: سبِّحوا سبحانَ.
والمرادُ بالأزواج: الأنواعُ والأصناف، وقال الرَّاغب(٣): الأزواجُ: جمعُ
زوج، ويقال لكلِّ واحدٍ من القرينين، ولكلِّ ما يقترن بآخَرَ مماثلاً له، أو مضادّاً،
(١) إرشاد العقل السليم ٧/ ١٦٧ .
(٢) في الأصل و(م): بعد. والمثبت من إرشاد العقل السليم.
(٣) في المفردات (زوج).

٣٢٤
الآية : ٣٧
وكلُّ ما في العالمَ زوجٌ من حيث إنَّ له ضدّاً ما أو مِثْلاً ما أو تركيباً ما، بل لا ينفكُ
بوجهٍ من تركيبٍ صورةٍ ومادة، وجوهٍ وعَرَض.
﴿مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ بيانٌ للأزواج، والمرادُ به كلُّ ما ينبت فيها من الأشياء
المذكورةِ وغيرِها ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: وخلق الأزواجَ من أنفسهم، أي: الذكرِ
والأنثى ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: والأَزواجَ ممَّا لم يُطلعهم الله تعالى، ولم
يجعلْ لهم طريقاً إلى معرفته بخصوصيَّاته، وإنَّما أطلعهم سبحانه على ذلك بطريق
الإِجمال، على منهاج: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] لِمَا نَبِطَ به وقوفُهم على
عِظَم قدرتِهِ، وسَعةِ ملكه، وجلالةِ سلطانه عزَّ وجلَّ. ولعلَّه لمَّا كان العلمُ من أخصِّ
صفاتِ الرُّبوبيَّة، لم يَثبت على وجه الكمالِ والإِحاطةِ لأحدٍ سواه سبحانه ولو كان
بطريق الفيضٍ منه تبارك وتعالى، على أنَّ ظرفَ الممكِنِ يضيق عن الإِحاطة،
فما يجهله كلُّ أحدٍ أكثرُ ممَّا يعلمه بكثير.
وقد يقال على بعضٍ الاعتبارات: إنَّ ما يعلمه كلُّ أحدٍ متناهٍ وما يجهله غيرُ
متناهٍ، ولا نسبةً بين المتناهي وغيرِ المتناهي أصلاً، فلا نسبةً بين معلومٍ كلِّ أحدٍ
ومجهولِه. وتأمَّل في هذا مع دعوى بعضٍ الأَكابر الوقوفَ على الأَعيان الثابتةِ
والاطلاع عليها، وقل ربِّ زدني علماً.
﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ﴾ بيانٌ لقدرته تعالى الباهرةِ في الزمان، بعدما بيَّنها سبحانه
في المكان. و((آية)) خبرٌ مقدَّم، و((الليل)) مبتدأٌ مؤخّر، وقوله تعالى: ﴿نَسْلَغُ مِنْهُ
النَّهَارَ﴾ استئنافٌ لبيان كونِه آية، وفي التركيب احتمالاتٌ أُخَرُ تُعلم مما مرّ، إلَّا أنَّ
الأرجحَ ما ذُكر، أي: نَكشف ونُزيل الضوءَ من مكان الليلِ وموضعِ إلقاءِ ظلِّه
وظُلمتِهِ، وهو الهواء. فالنهارُ عبارةٌ عن الضوء، إمَّا على التجوُّز، أو على حذف
المضاف.
وقوله تعالى: ((منه)) على حذف مضاف، وذلك لأنَّ النهارَ والليلَ عبارتان عن
زمان كونِ الشمسِ فوق الأُفقِ وتحته، ولا معنى لكشف أَحدِهما عن الآخَر.
وأصلُ السَّلخِ: كَشْطُ الجِلدِ عن نحو الشاة، فاستُعير لكشف الضوءِ عن مكان
الليلِ ومُلقَى ظُلمَته وظلِّه، استعارةً تبعيةً مصرِّحة، والجامعُ ما يُعقل من ترتّب أمرٍ

الآية : ٣٧
٣٢٥
سُوْن لا يَسْ
على آخَر، فإنَّه يترتَّب ظهورُ اللحم على كَشطِ الجلد، وظهورُ الظلمةِ على كشف
الضوءِ عن مكان الليل.
وجوِّز أن يكونَ في ((النهار)) استعارةٌ مكنيَّة، وفي السَّلخ استعارةٌ تخييليَّة،
والجمهورُ على ما ذكرنا .
و((مِن)) ابتدائية، وقيل: تبعيضية. وجَعلُها سببيةً ليس بشيء. وهذا التفسيرُ
محكيٌّ عن الفرَّاء(١). ونحوُه تفسيرُ السلخِ بالتَّرع.
واستعمالُ الفاءِ - في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ ﴾﴾ أي: داخلون في
الظّلام كما يُفيده همزةُ الإِفعال - عليه ظاهر.
ووقع في عبارة الشيخ عبدِ القاهر والإِمام السّاكيّ(٢) أنَّ المستعارَ له في الآية
ظهورُ النهارِ من ظلمة الليل، والمستعارُ منه ظهورُ المسلوخ من جلده، وذلك - على
ما قال العلّامة الطيبيُّ والفاضلُ اليمني - مأخوذٌ من قول الزجَّاجِ(٣): معنى ((نسلخُ
منه النهار)): نُخرج منه النهارَ إِخراجاً لا يبقَى معه شيءٌ من ضوئه، فالظهورُ في
عبارتهما بمعنى الخروج، وهو يتعدَّى بـ ((مِن))، فلا حاجةً إلى جعلها بمعنى ((عن)).
وقد جاءَ بهذا المعنى، كما في قول عمرَ لأبي عبيدةً ◌ّا: إِظهر بمَن معك من
المسلمين إليها، أي: الأرض، يعني: اخرج إلى ظاهرها. وفي حديث
عائشة(٤) رِّ: كان ◌َّهِ يصلِّي العصرَ ولم يظهر الفيءُ بعدُ من الحجرة، أي: لم
يخرجْ إلى ظاهرها. فسقط ما أُورد عليه من أنَّه لو أُريد الظهورُ لَقيل: فإذا هم
مُبصِرون، ولم يقل: ((فإذا هم مظلمون)) لأنَّ الواقعَ عقيب ظهورِ النهارِ من ظلمة
الليلِ إنَّما هو الإبصارُ لا الإِظلام، من غير حاجةٍ إلى حمل العبارةِ على القلب،
أي: ظهور ظلمةِ الليلِ من النهار.
(١) انظر معاني القرآن ٣٧٨/٢.
(٢) دلائل الإعجاز ص ٥٢١، ومفتاح العلوم ص ٣٨٩.
(٣) في معاني القرآن ٢٨٧/٣.
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٢) و(٥٤٤) و(٥٤٦)، ومسلم (٦١١).

الآية : ٣٧
٣٢٦
وبعضُهم (١) رفع هذا الإيرادَ بأنَّ النهارَ عبارةٌ عن مجموع المدَّة من طلوع
الفجرِ - أو الشمسِ - إلى الغروب، لا عن بعضها، فالواقعُ عقيبَ هذه المدةِ كلِّها
الدخولُ في الظلام. وتعقّبه السيالكوتيُّ بأنَّ الدخولَ في الظلام مترتّبٌ على السَّلخ،
لا علی انقضاء مدةِ النهار.
ولعلَّ مرادَ البعضِ أنَّ السلخَ بمعنى ظهورِ النهارِ لا يتحقَّق إلَّا بظهور كلٌّ
أجزائه، ومتى ظهرت أجزاءُ النهارِ كلُّها انقضت مَّته.
وذكر العلّامة القطبُ أنَّ السلخَ قد يكون بمعنى النَّزع، نحو: سلخت الإِهابَ
عن الشاة، وقد يكون بمعنى الإِخراج، نحو: سلخت الشاةَ عن الإِهاب، والشاةُ
مسلوخة، فذهب الشيخُ عبد القاهرِ والسّاكيُّ إلى الثاني، وغيرُهما إلى الأوَّل،
فاستعمالُ الفاءِ في: ((فإذا هم)) ظاهرٌ على قول الغير، وأمَّا على قولهما، فإنَّما يصُ
من جهة أنَّها موضوعةٌ لما يعدُّ في العادة مرتَّباً غيرَ متراخٍ، وهذا يختلف باختلاف
الأمورِ والعادات، فقد يطول الزمانُ والعادةُ في مثله تقتضي عدمَ اعتبارِ المهلة، وقد
يكون بالعكس، كما في هذه الآية، فإنَّ زمانَ النهارِ وإن توسَّط بين إِخراج النهارِ
من الليل وبين دخولِ الظلام، لكن لعِظَم دخولِ الظلامِ بعد إِضاءة النهارِ وكونِه
مما ينبغي ألَّ يحصلَ إلَّا في أضعاف ذلك الزمان، عُدَّ الزمانُ قريباً، وجُعِل الليلُ
كأنَّه يفاجئهم عقيبَ إِخراج النهارِ من الليل بلا مُهلة.
ثم لا يخفى أنَّ ((إذا)) المفاجأة إنَّما تصحُّ إذا جُعِل السلخُ بمعنى الإخراج،
كما يقال: أَخرج النهارَ من الليل ففاجأه دخولُ الليل، فإنَّه مستقيم، بخلاف ما إذا
جُعِل بمعنى النَّزع، فإنَّه لا يستقيمُ أن يقال: نزع ضوءَ الشمس عن الهواءِ ففاجأه
الّلام، كما لا يستقيم أن يقال: كسرت الكوزَ ففاجأه الانكسار؛ لأنَّ دخولَهم في
الظلام عينُ حصولِ الظلام، فيكون نسبةُ دخولهم في الظلام إلى نزع ضوءِ النهارِ
كنسبة الانكسارِ إلى الكسر؛ فلهذا جعلا السلخَ بمعنى الإِخراجِ دون النَّزع. اهـ
كلامُه. وقوَّاه العلَّامة الثاني بأنَّه لا شكَّ أنَّ الشيءَ إنَّما يكون آيةً إذا اشتمل على
(١) جاء في هامش الأصل و(م): شيخ الإسلام في حراضيه على المطول. اهـ منه.

الآية : ٣٧
٣٢٧
سُوَ لاَيَسْ
نوع استغرابٍ واستعجاب، بحيث يفتقر إلى نوع اقتدار، وذلك إنَّما هو مفاجأةٌ
الظلامِ عقيبَ ظهورِ النهار، لا عقيبَ زوالٍ ضوءِ النهار.
وقال السيالكوتيّ: إنَّ عدمَ استقامةِ المفاجأةِ فيما ذكر؛ لأنَّها إنَّما تُتصوَّر
فيما لا يكون مترقَّباً، بل يحصل بغتةً، وحينئذٍ يمكن أن يقالَ في الجواب: إنَّ نزعَ
الضوءِ عن الليل لكون ظهورِه في غاية الكمالِ كان المترقَّبُ فيه أن يكونَ في مدَّة
مديدة، فحصولُ الظلامِ بعده في مدَّةٍ قصيرةٍ أمرٌ غيرُ مترقّب. ثم قال: وبهذا ظهر
الجوابُ عن التقوية.
وقيل: إنَّ الظلمةَ لكونها ممَّا تنفر عنها الطَّاعُ وتكرهها النفوس، يكون
حصولُها كأنه غيرُ مترقّب، ويكفي نفسُ السلخِ في الدَّلالة على الاقتدار. والذي
يقتضيه ما سبق عن الطّيبي واليمنيِّ أنَّ الشيخَ والسِّاكيَّ أرادا إِخِراجَ النهارِ من الليل
إِخراجاً لا يبقى معه شيءٌ من ضوئه، كما قال الزّجَّاج، ومالُه إزالةُ ضوءِ النهارِ من
مكان الليلِ وموضع ظُلمته، كما قال الفرَّاء، وجاءً في كلامهم الظهورُ بمعنى
الزّوال، کما في قول أبي ذؤيب:
وعيَّرها الواشون أنِّي أحبُّها وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(١)
وحكى الجوهريّ(٢): يقال: هذا أمرٌ ظاهرٌ عنك عارُه، أي: زائل. وقال
المرزوقيُّ في قول الحماسيّ:
وذلك عارٌ يا ابن ريطةً ظاهرُ(٣)
أيضاً كذلك. فلا مانعَ من أن يكونَ في كلام الشَّيخين بهذا المعنى ويُراد
بالظهور الإظهار، والتعبيرُ به مساهلة؛ لظهور أنَّ ((نسلخ)) متعدٍّ، فيرجع الأمرُ إلى
الإزالة، فيتَّحد كلامُهما بما قاله الفرَّاء، وكذا - على ما قيل - المرادُ بالظهور
(١) شرح أشعار الهذليين ٧٠/١، وسلف ١٦٥/١٣.
(٢) في الصحاح (ظهر).
(٣) شرح ديوان الحماسة ٢٣٨/١، وصدر البيت: أعيَّرتَنا ألبانَها ولحومَها. وهو لسَبْرة بن عمرو
الفقعسي .

سٌلايَسْن
٣٢٨
الآية : ٣٨
الخروجُ على وجهِ المفارقة؛ لظهور الزوالِ فيه حينئذ، وأمرُ المساهلةِ على حاله.
وعلى القول بالاتِّحاد يجيءُ اعتراضُ العلّامة، والجوابُ هو الجواب، فتأمَّل واللهُ
تعالى الهادي إلى الصَّواب.
وفي الآية - على ما قال غيرُ واحد - دلالةٌ على أنَّ الأصلَ الظلمة، والنور
طارئٌّ عليها يسترها بضوئه، وفي الحديث ما يُشعر بذلك أيضاً، روى الإمام أحمدُ
والترمذيُّ(١) عن عبد اللهِ بن عمرو بنِ العاص قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَل﴿ يقول:
((إنَّ اللهَ تعالى خلق الخلقَ في ظُلمة، ثم أَلقى عليهم من نورِهِ، فمَن أَصابه من نورِهِ
اهتدی، ومَن أَخطأه ضلّ).
﴿وَالشَّمْسُ﴾ عطفٌ على ((الليل)) أي: وآيةٌ لهم الشمس. وقولُه تعالى:
﴿َتَجْرِى﴾ إلخ استئنافٌ لبيان كونِها آية. وقيل: ((الشمس)) مبتدأ، وما بعده خبر،
والجملةُ عطفٌ على ((الليل نسلخ)). وقيل غيرُ ذلك، فلا تغفُل.
والجري: المرُّ السريع، وأصله لمرِّ الماءِ ولما يَجري بجريه، والمعنى: تسير
سريعاً ﴿لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأ﴾ لحدِّ معيَّن تنتهي إليه من فَلَكها في آخر السَّنة، شبّه بمستقرِّ
المسافرِ إذا قطع مسيرَه، من حيث إنَّ في كلِّ انتهاءً إلى محلٌّ معيَّن وإنْ كان
للمسافر قرارٌ دونها. ورُوي هذا عن الكلبيِّ واختاره ابن قتيبة(٢).
والمستقَرُّ - عليه - اسمُ مكان، واللامُ بمعنى ((إلى))، وقُرىء بها بدلَ اللام(٣). وجُوِّز
أن تكونَ تعلیلیة .
أو: لمنتهَى لها من المشارق اليوميةِ والمغارب؛ لأنَّها تتقصَّاها مشرقاً مشرقاً،
ومغرباً مغرباً، حتى تبلغَ أَقصاها، ثم ترجع، فذلك حدُّها ومستقرُّها؛ لأنَّها
لا تعدوه.
ورُوي هذا عن الحسن، وهو مثَّفِق في أنَّ المستقرَّ اسمُ مكانٍ واللام على
ما سمعت، ومختلفٌ باعتبار أنَّ الأوَّل من استقرار المسافرِ تشبيهاً لانتهاء الدورةِ
(١) مسند أحمد (٦٦٤٤)، وجامع الترمذي (٢٦٤٢) وحسّنه.
(٢) في غريب القرآن ص ٣٦٥.
(٣) البحر المحيط ٣٣٦/٧.

الآية : ٣٨
٣٢٩
سُوَ ةٌ يَسْن
بانتهاء السَّفرة، وهذا باعتبار مقنطراتِ الارتفاع وبلوغ أقصاها، ومقنطراتٌ
الانخفاضِ كذلك، والاستقرارُ باعتبار عدم التجاوزِ عن الأوَّل في استقصاءِ
المشارق، وعن الثاني في استقصاءِ المغارب، أو لحدٍّ لها من مسيرها كلَّ يومٍ في
رأي عيوننا، وهو المغرب، والمستقرُّ - عليه - اسمُ مكانٍ أيضاً، واللامُ كما سمعت،
أو لكبد السماءِ ودائرةٍ نصفِ النهار، فالمستقرُّ واللامُ على نظير ما تقدَّم.
وكونُ ذلك محلَّ قرارِها إمّا مجازٌ عن الحركة البطيئة، أو هو باعتبار ما يتراءى،
قال ذو الرمَّة يصف فرسَه وجريَه في الظهيرة وشدَّةَ الحرّ:
مُعْرَوْرِياً رَمَضَ الرَّضراضِ يَركُضُه والشمسُ حَيْرَى لها بالجوِّ تدويمُ(١)
أو: لاستقرارٍ لها، ومكثٍ في كلِّ برجٍ من البروج الاثني عشرَ على نهجٍ
مخصوص، فالمستقرُّ مصدرٌ ميميّ، واللامُ داخلةٌ على الغاية أو الحامل.
وقيل: تجري لبيتها، وهو برجُ الأسد، واستقرارُها عبارةٌ عن حُسن حالِها فيه.
وهذا غيرُ مقبولٍ إلَّا عند أَهل الأحكام، ولا يخفى حكمُهم على محقِّقي الإسلام.
وقال قتادةُ ومقاتل: المعنى: تجري إلى وقتٍ لها لا تتعدَّاه.
قال الواحديّ(٢): وعلى هذا مستقرُّها انتهاءُ سيرِها عند انقضاءِ الدنيا. وهذا
اختيارُ الزّجَّاج كما قال النوويُّ في ((شرح صحيح مسلم))(٣). ومستقرٌّ - عليه - اسمُ
زمان. وفي غيرٍ واحدٍ من الصِّحاح(٤) عن أبي ذرِّ قال: كنت مع النبيِّ وَّ في
المسجد عند غروب الشمس، فقال: ((يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهب هذه الشمسُ؟»
قلت: اللهُ تعالى ورسولُه أعلم. قال: «تذهب لتسجد(٥)، فتستأذنُ فيؤذَن لها،
(١) الديوان ٤١٨/١. معرورياً: ليس دونه شيء يستره، والرمض: شدة الحر، والرضراض:
الحصى الصغار، وتدويم: تدوير.
(٢) ينظر الوسيط ٥١٤/٣.
(٣) ١٩٦/٢.
(٤) صحيح البخاري (٣١٩٩)، وصحيح مسلم (١٥٩).
(٥) جاء في هامش الأصل: أي في الرجوع، كما جاء مصرحاً به في حديث آخر رواه أحمد
والترمذي وغيرهما فلا تغفل. اهـ منه.

الآية : ٣٨
٣٣٠
ويوشكُ أن تسجدَ فلا يُقبلَ منها، وتستأذنَ فلا يؤذَّنَ لها، فيقال لها: ارجعي من
حيث جئتٍ، فتطلعُ من مغربها، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: (وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ
گھا)).
وفي رواية(١): ((أَتدرون أين تذهبُ هذه الشمس؟)) قالوا: اللهُ تعالى ورسولُه
أَعلم، قال: ((إنَّ هذه تجري حتى تنتهيَ إلى مستقرِّها تحتَ العرشِ، فتخرُّ
ساجدة .. )) الحديثَ. وفي ذلك عدَّةُ روايات، وقد رُوي مختصراً جدّاً.
وأخرج أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابنُ
أبي حاتم، وأبو الشَّيخ، وابنُ مردويه، والبيهقيّ(٢)، عن أبي ذرِّ قال: سألتُ
رسولَ اللهِ و ◌َ ﴿ عن قوله تعالى: ((والشمس تجري لمستقر لها)) قال: ((مستقرُّها تحتَ
العرش».
فالمستقرُّ اسمُ مكان، والظاهرُ أنَّ للشمس فيه قراراً حقيقةً، قال النوويّ(٣):
قال جماعةٌ بظاهر الحديث، قال الواحديّ: وعلى هذا القولِ إذا غربت الشمسُ كلَّ
يوم، استقرَّت تحت العرشِ إلى أنْ تطلع. ثم قال النوويّ: وسجودُها بتمييزٍ وإدراكٍ
یخلقه الله تعالی فیها .
وذكر ابنُ حجرٍ الهيتميُّ في ((فتاويه الحديثيَّةِ)) (٤) أنَّ سجودَها تحت العرشِ
إنَّما هو عند غروبِها، وحكى فيها عن بعضهم أنَّها تطلعُ من سماءٍ إلى سماءٍ حتى
تسجدَ تحت العرشِ، وتقول: يا ربِّ، إنَّ قوماً يعصونك، فيقال لها: ارجعي من
حيث جئت، فتنزل من سماءٍ إلى سماءٍ حتى تطلعَ من المشرق، وبنزولها إلى سماءِ
الدُّنيا يطلع الفجر.
(١) هي رواية مسلم.
(٢) الدر المنثور ٢٦٣/٥، ومسند أحمد (٢١٤٠٦)، وصحيح البخاري (٧٤٣٣)، ومسلم
(١٥٩): (٢٥١)، والعظمة لأبي الشيخ (٦٦٣)، والأسماء والصفات (٨٣٧). ولم نقف
عليه في باقي المصادر.
(٣) في شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٥ -١٩٦ .
(٤) ص ١٨٦ .

الآية : ٣٨
٣٣١
سُدَلُكَسَنْ
وفيها أيضاً (١): أَخرج أبو الشَّيخ عن عكرمةَ أنَّها إذا غربت دخلت نهراً تحتَ
العرش، فتسبِّح ربَّها، حتى إذا أصبحت، استعفت ربَّها عن الخروج، فيقول
سبحانه: لِمَ؟ فتقول: إنِّي إذا خرجتُ عُبدتُ من دونِك.
والسجودُ تحت العرشِ قد جاء أيضاً من روايات الإِمامية، ولهم في ذلك أخبارٌ
عجيبة، منها أنَّ الشمسَ عليها سبعون ألفَ كُلَّاب، وكلُّ كلَّابٍ يجرُّه سبعون ألفَ
مَلَك، من مشرقها إلى مغربها، ثم يَنزعون عنها النُّور، فتخرُّ ساجدةً تحتَ العرش،
ثم يسألون ربّهم: هل نُلبسها لباسَ النُّور أم لا؟ فيُجابون بما يريده سبحانه، ثم
يسألونه عزَّ وجلَّ: هل نُطلعها من مشرقها أو مغربِها؟ فيأتيهم النداءُ بما يريد جلَّ
شأنُه، ثم يسألون عن مقدار الضوءِ، فيأتيهم النداءُ بما يحتاج إليه الخلقُ من قِصَر
النهارِ وطولِه.
وفي ((الهيئة السَّنيَّة)) للجلال السيوطيّ أخبارٌ من هذا القبيل، والصحيحُ من
الأخبار قليل، وليس لي على صحَّة أخبار الإماميةِ وأكثرٍ ما في ((الهيئة السنيةٍ))
تعويل، نعم ما تقدَّم عن أبي ذرِّ مما لا كلامَ في صحَّته، وماذا يقال في أبي ذرِّ
وصدقٍ لهجتِهِ، والأمرُ في ذلك مشكلٌ إذا كان السجودُ والاستقرارُ كلَّ ليلةٍ تحتَ
العرش، سواءٌ قيل: إنَّها تطلع من سماءٍ إلى سماءٍ حتى تصل إليه فتسجد، أم قيل:
إِنَّها تستقرُّ وتسجد تحتَه من غيرِ طلوع، فقد صرَّح إمامُ الحرمين وغيرُه بأنَّه لا خلافَ
في أنَّها تغرب عند قومٍ وتطلع على آخَرين، والليلُ يطول عند قومٍ ويقصُرُ عند
آخرين، وبين الليلِ والنهارِ اختلافٌ ما في الطُول والقصرِ عند خطّ الاستواء، وفي
بلاد بلغار قد يطلع الفجرُ قبل أن يغيبَ شفقُ الغروب، وفي عرض تسعين لا تزال
طالعةً مادامت في البروج الشَّمالية، وغاربةً مادامت في البروج الجنوبية، فالسَّنة
نصفُها ليلٌ ونصفُها نهارٌ على ما فصّل في موضعه. والأدلَّة قائمةٌ على أنَّها لا تسكن
عند غروبِها، وإلا لكانت ساكنةً عند طلوعِها، بناءً على أنَّ غروبَها في أفقٍ طلوٌ
في غيره، وأيضاً هي قائمةٌ على أنَّها لا تفارق فَلَكَها، فكيف تطلع من سماءٍ إلى
(١) ص ١٨٦

الآية : ٣٨
٣٣٢
سماءٍ حتى تصلَ إلى العرش؟ بل كونُ الأمرِ ليس كذلك أظهرُ من الشمس، لا يحتاج
إلى بيانٍ أصلاً، وكذا كونُها تحت العرشِ دائماً بمعنى احتوائه عليها، وكونُها في
جوفِه كسائر الأفلاكِ التي فوق فلكها والتي تحته.
وقد سألتُ كثيراً من أجلَّة المعاصرين عن التوفيق بين ما سمعتَ من الأخبار
الصحيحةِ وبين ما يقتضي خلافَها من العِيان والبرهان، فلم أوفَّق لأن أفوزَ منهم
بما يَروي الغليلَ ويَشفي العليل.
والذي يخطر بالبال في حلِّ ذلك الإِشكال، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال، أنَّ
الشمس - وكذا سائرُ الكواكب - مدرِكةٌ عاقلة، كما ينبىءُ عن ذلك قولُه تعالى
الآتي: (وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ) حيث جيءَ بالفعل مسنداً إلى ضمير جمعِ العقلاء،
وقولُه تعالى: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوَّكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيْنُهُمْ لِ سَِّدِينَ﴾
[يوسف: ٤] لنحو ما ذكر، ويدلُّ عليه ظاهرُ ما رُوي عن أبي ذرٍّ من أنَّها تسجد
وتستأذن، فإنَّ المتبادرَ من الاستئذان ما يكون بلسان القالِ دون لسانِ الحال.
وَخَلْقُ اللهِ تعالى الإدراكَ والتمييزَ فيها حالَ السجودِ والاستئذانِ ثم سلبُه عنها،
ممَّا لا حاجةَ إلى التزامه، بل هو بعيدٌ غايةَ البعد، والشواهدُ من الكتابِ والسُّنة
وكلامِ العِترة على كونها ذاتَ إدراكٍ وتمييزٍ مما لا تكاد تحصَى كثرةً، وبعضٌ يدلُّ على
ثبوتٍ ذلك لها بالخصوص، وبعضُها يدلُّ على ثبوته لها باعتبار دخولها في العموم،
أو بالمقايسة، إذ لا قائلَ بالفرق، ومتى كانت كذلك، فلا يَبعد أن يكونَ لها نفْسٌ
ناطقةٌ كنفس الإنسان، بل صرَّح بعضُ الصوفيةِ بكونها ذاتَ نفسٍ ناطقةٍ كاملٍ جدّاً،
والحكماءُ أثبتوا النفسَ للفلك، وصرَّح بعضُهم بإِثباتها للكواكب أيضاً، وقالوا: كلُّ
ما في العالم العُلويِّ من الكواكب والأفلاكِ الكليةِ والجزئيةِ والتداوير حيٌّ ناطق.
والأنفسُ الناطقةُ الإنسانيةُ إذا كانت قدسيةً قد تنسلخ عن الأبدان، وتذهب
متمثِّلةً ظاهرةً بصور أَبدانها، أو بصورٍ أخرى - كما يتمثَّل جبريلُ عليه السلام ويظهر
بصورةٍ دحية، أو بصورة بعضٍ الأَعراب(١)، كما جاء في صحيح الأخبار - حيث
(١) سلف ١٤/ ١٢٥.

الآية : ٣٨
٣٣٣
سُاَلُكَسْ
يشاء اللهُ عزَّ وجلَّ، مع بقاء نوع تعلُّقٍ لها بالأَبدان الأصليةِ يتأتّى معه صدورُ الأفعالِ
منها، كما يُحكى عن بعض الأولياءِ قدِّست أسرارُهم أنهم يُرَوْنَ في وقتٍ واحدٍ في
عدَّة مواضع، وما ذاك إلَّا لقوَّة تجرُّد أنفسِهم وغايةٍ تقدُّسها، فتُمثَّلُ وتظهر في
موضعٍ ويدنُها الأصليُّ في موضعٍ آخَر:
لا تقل دارُها بشرقيٍّ نجدٍ
كلُّ نجدٍ للعامريَّة دارُ(١)
وهذا أمرٌ مقرَّر عند السادةِ الصوفيةِ مشهورٌ فيما بينهم، وهو غيرُ طيِّ المسافة،
وإنكارُ مَن ينكر كلَّ منهما عليهم مكابرةٌ لا تصدر إلَّا من جاهلٍ أو معاند، وقد عجب
العلّامة التفتازانيُّ(٢) من بعض فقهاءِ أهلِ السُّنة - أي: كابْنِ مقاتل - حيث حكم بالكفر
على معتقد ما رُوي عن إبراهيمَ بنِ أدهمَ قدِّس سرُّه أنَّهم رأوه بالبصرة يوم الترويةِ
ورُئي ذلك اليوم بمَّة، ومبناه زعمُ أنَّ ذلك من جنس المعجزاتِ الكبار، وهو ممَّا
لا يثبت كرامةً لوليّ، وأنت تعلم أنَّ المعتمدَ عندنا جوازُ ثبوتِ الكرامةِ للوليِّ مطلقاً،
إلَّا فيما يثبت بالدليل عدمُ إِمكانه، كالإِتيان بسورةٍ مثلٍ إحدى سورِ القرآن.
وقد أثبت غيرُ واحدٍ تمثَّلَ النفسِ وتطوُّرَها لنبيِّنا نَّهِ بعدَ الوفاة، وادَّعى أنَّه عليه
الصلاة والسلام قد يُرى في عدَّة مواضعَ في وقتٍ واحدٍ مع كونه في قبره الشريفِ
يصلِّي، وقد تقدَّم الكلامُ مستوفّی في ذلك.
وصحَّ أنَّه وَ له رأى موسى عليه السلام يصلِّي في قبره عند الكثيبِ الأحمر، ورآه
في السماءِ وجرى بينهما ما جرى في أَمر الصلواتِ المفروضة(٣)، وكونُه عليه
السلام ◌ُرج إلى السماءِ بجسده الذي كان في القبر بعد أن رآه النبيُّ وَّهِ ممَّا لم يقله
أحدٌ جزماً، والقولُ به احتمالاً بعيدٌ.
وقد رأى ◌ِّله ليلةَ أُسري به جماعةً من الأنبياءِ غير موسى عليه السلام في السماوات
مع أنَّ قبورهم في الأرض، ولم يقل أحدٌ: إنَّهم نُقلوا منها إليها، على قياس ما سمعتَ
(١) نسبه في الكشكول ١/ ٨٠ لمجنون ليلى.
(٢) في شرح المقاصد ٥/ ٧٥.
(٣) انظر ١٥/ ١٦٢، ٣٢٧.

سُوٌ لا يَسْن
٣٣٤
الآية : ٣٨
آنفاً، وليس ذلك ممَّا ادَّعى الحكميون استحالتَه مِن شغلِ النفسِ الواحدةِ أكثرَ من بدنٍ
واحد، بل هو أمرٌ وراءه كما لا يخفى على مَن نوَّر اللهُ تعالى بصيرته.
فيمكن أن يقال: إنَّ للشمس نَفْساً مثلَ تلك الأنفسِ القُدسية، وإنَّها تنسلخ عن
الجِرم المشاهَدِ المعروفِ مع بقاءِ نوعٍ من التعلَّق لها به، فتعرجُ إلى العرش، فتسجد
تحتَه بلا واسطةٍ، وتستقرُّ هناك وتستأذن، ولا ينافي ذلك سيرُ هذا الجِرم المعروفِ
وعدمُ سكونِهِ حَسبما يدَّعيه أهلُ الهيئةِ وغيرُهم، ويكون ذلك إذا غربت وجاوزت
الأُفْقَ الحقيقي، وانقطعت رؤيةُ سكانِ المعمورِ من الأرض إياها، ولا يضرُّ فيه
طلوعُها إذ ذاك في عرض تسعين ونحوه؛ لأنَّ ما ذكرنا من كون السجودِ والسكونِ
باعتبار النفسِ المنسلخةِ المتمثِّلة بما شاء اللهُ تعالى لا ينافي سيرَ الجِرم المعروف،
بل لو كانا نصفَ النهارِ في خطّ الاستواء، لم يضرَّ أيضاً.
ويجوز أنْ يقال: سجودُها بعد غروبِها عن أفقِ المدينة، ولا يضرُّ فيه كونُها
طالعةً إذ ذاك في أفقٍ آخَر؛ لِمَا سمعت، إلَّ أنَّ الذي يغلب على الظنِّ ما ذكر
أوَّلاً. وعلى هذا الطرزِ يخرَّج ما يُحكَّى أنَّ الكعبةَ كانت تزور واحداً من الأَولياء،
بأن يقال: إنَّ للكعبة حقيقةً غيرَ ما يعرفه العامَّة، وهي باعتبار تلك الحقيقةِ تزور،
والناسُ يشاهدونها في مكانها أحجاراً مبنيَّة.
وقد ذكر الشيخُ الأكبر قدِّس سرُّه في ((الفتوحات))(١) كلاماً طويلاً ظاهراً في أنَّ
لها حقيقةً غيرَ ما يعرفه العامَّة، وفيه أنَّه كان بينه وبينها زمانَ مجاورتِه مراسلاتٌ
وتوسُّلات ومعاتبةٌ دائمة، وأنَّه دوَّن بعضَ ذلك في جزءٍ سمَّاه: ((تاج الوسائلِ
ومنهاج الرَّسائل)).
وقد سئل نجمُ الدِّين عمرُ النسفيُّ(٢) مفتي الإنس والجنِّ عمَّا يحكى أنَّ الكعبةَ
كانت تزور .. إلخ: هل يجوز القولُ به؟ فقال: نقضُ العادةِ على سبيل الكرامةِ لأَهل
الولايةِ جائزٌ عند أهلِ السُّنة. وارتضاه العلّامة السعدُ(٣) وغيرُه، لكن لم أرَ مَن خرَّج
(١) ٧٠٠/١-٧٠١.
(٢) أبو حفص، من فقهاء الحنفية، توفي سنة (٥٣٧هـ). السير ١٢٦/٢٠.
(٣) في شرح المقاصد ٥/ ٧٥.

الآية : ٣٨
٣٣٥
سُوَ لاكس
زيارتَها على هذا الطرز، وظاهرُ كلام بعضِهم أنَّ ذلك بذهاب الجسم المشاهدِ منها
إلى المَزُور وانتقالِه من مكانه، ففي ((عُدَّة الفتاوى)) و((الولوالجية)) وغيرهما: لو
ذهبت الكعبةُ لزيارة بعض الأَولياء، فالصلاةُ إلى هوائها. ويمكن أن يكونَ أُريد به
غيرُ ما يحكَى؛ فإنَّه - والله تعالى أعلم - لم يكن بانتقال الجسمِ المشاهَد.
ثم الجمعُ بين الحديثِ في الشمس وبين ما يقتضيه الحسُّ وكلامُ أهلِ الهيئةِ
بهذا الوجهِ لم أره لأحد، بيدَ أنِّي رأيت في بعض مؤلَّفاتِ عصريِّنا الرشتيِّ رئيسٍ
الطائفةِ الإماميةِ الكشفيةِ أنَّ سجدةَ الشمسِ عند غروبِها تحت العرشِ عبارةٌ عن رفع
الإِنِّيَّة، ونزعٍ جلبابِ الماهيَّة. وهو عندي نوعٌ من الرَّطانة، لا يفهمه من لا خبرةَ له
باصطلاحاته ولو كان ذا فَطانة.
وقال في موضعٍ آخَرَ بعد أن ذكر حديثَ الكلاليبِ السابق: إنَّ ذلك لا ينافي
كلامَ أهلِ الهيئةِ ولاَ بقَدْر سَمِّ الخِياط. ولم يبيِّن وجهَ عدمِ المنافاة، مع أنَّها أظهرُ
من الشمس، معتذراً بأنَّ الكلامَ فيه طويل. ولا أظنُّه لو كان آتياً به إلَّا من ذلك
القبيل. وهذا ما عندي فليتأمَّل، واللهُ تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقرأ عبدُ الله، وابنُ عباس، وزينُ العابدين، وابنُه الباقر، وعِكرمة، وعطاءُ بن
أبي رباح: ((لا مُستقرَّ لها))(١) بـ ((لا)) النافيةِ للجنس، وبناء ((مستقرَّ)) على الفتح،
فتقتضي انتفاءَ كلِّ مستقَرِّ حقيقيٍّ لجِرمها المشاهَد، وذلك في الدنيا، أي: هي
تجري في الدُّنيا دائماً لا تستقرّ.
وقرأ ابنُ أبي عبلةَ بـ ((لا)) أيضاً، إلَّا أنَّه رفع ((مستقرّ)) ونوَّنه(٢) على إِعمالها
إِعمال («لیس»، كما في قوله:
تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيا ولا وَزَرٌ ممَّا قضى اللهُ واقيا (٣)
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الجري المفهوم من ((تجري)) أي: ذلك الجريُ البديعُ
(١) المحتسب ٢١٢/٢، والبحر ٣٣٦/٧.
(٢) البحر ٣٣٦/٧.
(٣) شرح الألفية لابن عقيل ٣١٣/١، والبحر ٣٣٦/٧ دون نسبة.

الآية : ٣٩
٣٣٦
الشأن، المنطوي على الحكم الرائقةِ التي تحار في فهمها العقولُ والأَذهان ﴿تَقْدِيرُ
اٌلْعَزِيزِ﴾ الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدور ﴿اَلْعَلِيمِ ﴾﴾ المحيطِ علمُه بكلِّ معلوم.
وذكر بعضُهم في حكمة جريها حتى تسجدَ كلَّ ليلةٍ تحت العرش - على
ما يقتضيه الخبرُ السابق - تجدُّدَ اكتسابِ النورِ من العرش، ويترتَّب عليه في عالم
الطبيعةِ والعناصرِ ما يترتَّب، وباكتسابها النورَ من العرش صرَّح غيرُ واحد.
ومن العجيب ما ذكره الرشتيُّ أنها تستمدُّ النورَ من ظاهر العرشِ وتَمدُّ فلكَ
القمر، ومن باطن العرشِ وتمدُّ فلكَ زُحَل، وتستمدُّ من ظاهر الكرسيِّ وتَمدُّ فلكَ
عُطارِدٍ، ومن باطنه وتمدُّ فلك المشتري، وتستمدُّ من ظاهر تقاطع نقطتي المنطقتين
وتمدُّ فلكَ الزُّهَرة، ومن باطنه وتمدُّ فلك المِرِّيخ. وليت شِعري من أين استمدَّ فقال
ما قال، وذلك ممَّا لم نجد فيه نقلاً ولا نظنُّ أنه مرَّ بخَيال!
وقال الشيخُ الأَكبر قدِّس سرُّه: إنَّ نورَ الشمسِ ما هو من حيث عينُها، بل هو
من تجلِّ دائمٍ لها من اسمه تعالى النُّور، ونورُ سائرٍ السيّارات من نورها، وهو في
الحقيقة من تجلِّي اسمِه سبحانه النُّور، فما ثَمَّ إلَّا نورُه عزَّ وجلَّ.
وادَّعى كثيرٌ من أجلَّة المحقّقين أنَّ نورَ جميع الكواكب - ثوابتِها
وسيَّاراتِها - مستفادٌ من ضوءِ الشمس، وهو مفاضٌ عليها من الفيَّاض المطلقِ جلَّ
جلالُه وعمَّ نوالُه.
وفي الآية ردٌّ على القائلين بأنَّ الشمسَ ساكنةٌ وهي مركزُ العالم، والكواكبُ
والأرضُ كراتٌ دائرةٌ عليها .
﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ﴾ أي: صيَّرنا مسيرَه، أي: محلَّه الذي يسير فيه ﴿مَنَازِلَ﴾
فـ : قدَّر بمعنى صيَّر الناصبِ لمفعولَين، والكلامُ على حذف مضاف، والمضافُ
المحذوفُ مفعولُهُ الأوَّل، و(«منازل» مفعولُه الثاني.
واختار أبو حيَّان(١) تقديرَ مصدرٍ مضاف، و((قدَّر)) متعدٍّ إلى واحد، و((منازل))
(١) في البحر ٣٣٦/٧.

الآية : ٣٩
٣٣٧
منصوبٌ على الظرفية، أي: قدَّرنا سيرَه في منازل.
وقدَّر بعضُهم: نوراً، أي: قدَّرنا نورَه في منازل، فيزيد مقدارُ النورِ كلَّ يومٍ في
المنازل الاجتماعية، وينقص في المنازلِ الاستقبالية؛ لمَا أنَّ نورَه مستفادٌ من ضوءِ
الشمس، لاختلاف تشكّلاتِه بالقرب والبُعدِ منها، مع خسوفِه بحيلولة الأرضِ بينه
وبينها، وبهذا يتمُّ الاستدلال.
والحقُّ أنَّه لا قطعَ بذلك، وليس هناك إلَّا غلبةُ الظنِّ. ويجوز أن يكونَ «قدَّر)»
متعدِّياً لاثنين، و((منازل)) بتقدير: ذا منازل، وأن يكونَ متعدِّياً لواحد، وهو
((منازل)) والأصلُ: قدَّرنا له منازل، على الحذف والإِيصال، واختاره
أبو السعود (١). ونصب ((القمر)) بفعلٍ يفسِّره المذكور، أي: وقدَّرنا القمرَ قدَّرناه،
وفي ذلك من الاعتناءِ بأمر التقديرِ ما فيه، وكأنَّه لِمَا أنَّ شهرَهم باعتباره، ويُعلم
منه سرُّ تغييرِ الأسلوب.
وقرأ الحِرْمِيَّان، وأبو عَمرو، وأبو جعفر، وابنُ محيصن، والحسنُ بخلافٍ
عنه: ((والقمرُ)) بالرفع(٢)، قال غيرُ واحد: على الابتداء، وجملةُ («قدرناه)) خبرُه.
ويجوز فيما أرى أن يَجريَ في التركيب ما جرى في قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ
تَجْرِى) من الإِعراب، فتدبَّر.
والمنازلُ جمعُ: منزل، والمرادُ به المسافةُ التي يقطعها القمرُ في يومٍ وليلة،
وهي عند أهلِ الهندِ سبعةٌ وعشرون؛ لأنَّ القمرَ يقطع فلكَ البروجِ في سبعةٍ وعشرين
يوماً وثُلُث، فحذفوا الثُّلث لأنَّه ناقصٌ عن النِّصف كما هو مصطلحُ أهلِ التنجيم.
وعند العربٍ وساكني البدوِ ثمانيةٌ وعشرون، لا لأنَّهم تمَّموا الثلثَ واحداً
كما قال بعضُهم، بل لأنَّه لمَّا كانت سِنُوهم باعتبار الأهِلَّة مختلفةَ الأوائل؛ لوقوعها
في وسط الصيفِ تارةً وفي وسط الشتاءِ أخرى، وكذا أوقاتُ تجارتِهم وزمانُ
(١) في إرشاد العقل السليم ٧/ ١٦٨ .
(٢) التيسير ص ١٨٤، والنشر ٣٥٣/٢، عن الحرميين وأبي عمرو، وهي رواية روح عن أبي
جعفر، والكلام من البحر ٣٣٦/٧.

سٌُبَةُ يَسْن
٣٣٨
الآية : ٣٩
أَعيادهم، احتاجوا إلى ضبط سَنَة الشمسِ لمعرفة فصولِ السنة، حتى يشتغلوا في
استقبال كلِّ فصلٍ بما يهمُّهم في ذلك الفصل، من الانتقال إلى المراعي وغيرِها،
فاحتالوا في ضبطها، فنظروا أوَّلاً إلى القمر، فوجدوه يعودُ إلى وضعٍ له من الشمس
في قريبٍ من ثلاثين يوماً، ويختفي آخرَ الشهرِ لليلتين أو أقلَّ أو أكثر، فأَسقطوا
يومَين من زمان الشهرِ فبقي ثمانيةٌ وعشرون، وهو زمانُ ما بين أولٍ ظهورِه بالعشيّات
مستهلًا أولَ الشهر، وآخرِ رؤيته بالغَدَوات مستتراً آخرَه، فقسموا دورَ الفلكِ عليه،
فكان كلُّ قسم اثنتي عشرةَ درجةً وإحدى وخمسين دقيقةً تقريباً، وهو ستةُ أسباع
درجة، فنصيبُ كلِّ برجٍ منه منزلان وتُلُث، ثم لمَّا انضبط الدورُ بهذه القسمة،
احتالوا في ضبط سَنَة الشمسِ بكيفية قطعِها لهذه المنازل، فوجدوها تستَر دائماً ثلاثةً
منازل، ما هي فيه بشعاعها، وما قبلها بضياءِ الفجر، وما بعدَها بضياءِ الشمس،
ورصدوا ظهورَ المستترِ بضياء الفجرِ ثم بشعاعها ثم بضياءِ الشَّفَق، فوجدوا الزمانَ
بين كلٌّ ظهورَي منزلتين ثلاثةَ عشرَ يوماً تقريباً، فأيامُ جميع المنازلِ تكون ثلاثَ مئةٍ
وأربعةً وسِتِين، لكن الشمسَ تقطع جميعَها في ثلاث مئةٍ وخمسٍ وستين، فزادوا
يوماً في أيام منزلٍ غَفْر(١)، وزادوه هاهنا اصطلاحاً منهم، أو لشرفه على ما تسمعه
إن شاءَ اللهُ تعالى، وقد يحتاج إلى زيادة يومين ليكونَ انقضاءُ الثمانيةِ والعشرين مع
انقضاء السَّنة، ويرجع الأمرُ إلى النَّجم الأوَّل.
واعلم أنَّ العربَ جعلت علاماتِ الأقسامِ الثمانيةِ والعشرين من الكواكب الظاهرةِ
القريبةِ من المنطقة ممَّا يقارب طريقةَ القمرِ في ممرِّه أو يحاذيه، فيُرى القمرُ كلَّ ليلةٍ
نازلاً بقرب أحدِها، وأحوالُ كواكبِ المنازلِ مع المنازل كأَحوال كواكبِ البروجِ مع
البروج عند أهلِ الهيئة، من أنَّها مسامتةٌ للمنازل وهي في فلك الأفلاك، وإذا أَسرع
القمرُ في سيره فقد يُخلي منزلاً في الوسط، وإنْ أبطأ فقد يبقَى ليلتَين في منزل، أوَّلُ
الليلتين في أوَّله وآخرُهما في آخره، وقد يُرى في بعض الليالي بين منزلتَين.
وما يقال في الشُّهور: إنَّ الظاهرَ من المنازل في كلِّ ليلةٍ يكون أربعةَ عشرَ وكذا
الخفيّ، وأنَّه إذا طلع منزلٌ غاب رقيبُه، وهو الخامسَ عشرَ من الطالع، سمِّي به
(١) منزل للقمر، ثلاثة أنجم صغار. القاموس (غفر).

الآية : ٣٩
٣٣٩
سُوَلاَ يَسْنُ
تشبيهاً له برقيبٍ يرصده ليسقطّ في المغربِ إذا ظهر ذلك في المشرق = ظاهرُ
الفساد؛ لأنَّها ليست على نفس المنطقة، ولا أَبعادُ ما بينها متساوية، ولهذا قد
يكون الظاهرُ ستةَ عشرَ وسبعةَ عشر، وقد يكون الخفيُّ ثلاثةَ عشر.
وهذه الكواكبُ المسمَّاة بالمنازل المسامتةُ للمنازل الحقيقية - على ما رُوي عن
ابن عباسٍ وغيرِه - أوَّلُها الشَّرَطان، بفتح الشِّين والراء، مثَّى شَرَطِ، بفتحتين، وهي
العلامة، وهما كوكبان نيِّران من القدر الثالثِ على قرنَي الحَمَل، معترضان بين
الشَّمالِ والجنوب، بينهما ثلاثةُ أشبار، وبقرب الجنوبيِّ منهما كوكبٌ صغير، سمَّت
العربُ الكلَّ أَشراطاً؛ لأنَّها بسقوطها علاماتُ المطرِ والرِّيح، والقمرُ يحاذيهما،
وبقرب الشماليٍّ منهما كوكبٌ نيِّر، هو الشَّرَطان عند بعض، ويقال للشَّرَطين الناطحُ
أيضاً.
ثم البُطَين: تصغيرُ: البطن، وهو ثلاثةُ كواكبَ خفية من القدر الخامسٍ على
شكلٍ مثلَّثٍ حادِّ الزوايا على فخذَي الحَمَل، بينه وبين الشَّرطين قِيدُ رُمح، والقمرُ
يجتاز بها أحياناً .
ثم القُّريا(١): تصغيرُ: ثَرْوَى، من الثَّراء، وهو الكثرة، ويسمَّى بالنَّجم،
وهي - على المشهور عند المنجّمين - ستةُ كواكبَ مجتمعةٌ كشكل مِروحة، مقبضُها
نحو المشرقِ وفيه انحناءٌ في جانب الشَّمال، وقيل: هي شبيهةٌ بعُنقود عِنَب، وعليه
قولُ أحيحةَ بنِ الجُلاحِ أو قيسٍ(٢) بن الأَسلت:
وقد لاح في الصبح الثُّريا كما ترى كمُنقودٍ مُلَّاحيةٍ حين نوَّرا(٣)
(١) جاء في هامش الأصل: رأيت منها بواسطة بعض الآلات ما يزيد على ثلاثين كوكباً. اهـ
منه .
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أبو قيس، ونسب البيت له صاحب الأغاني ١٧/ ١٣٠،
ومعاهد التنصيص ١٧/٢، والخزانة ٤١٣/٣. ونسبه الجرجاني في أسرار البلاغة ص ٧٥
لقيس بن الخطيم، وقال الشيخ محيي الدين عبد الحميد في تعليقاته على معاهد التنصيص:
وليس بشيء.
(٣) الملاحية: عنب أبيض طويل، ونوَّر: أدرك وتفتَّح نَورُه.

٣٤٠
الآية : ٣٩
والمرصودُ منها أربعة، كلَّها من القدر الخامس، وموضعُها سَنامُ الثَّور. وفي
(الكشف)): هي أَليةُ الحَمَل، وربَّما يكسفها القمر.
ثم الدَّبَران: بفتحتين، سمِّي به؛ لأنَّه دَبْرَ الثُّريا وخلفَها، وهو كوكبٌ أحمرُ نَيِّر
من القدر الأوَّل على طرفِ صورة السبعةِ من رقوم الهند، ويسمى: المِجْدح،
وموقعُه عينُ الثور، والذي على طرفه الآخَرِ من القدر الثالثِ على عينه الأخرى،
والثلاثةُ الباقية - وهي من الثالث أيضاً - على وجهه، وزاويةُ هذا الرقم على خَطم
الثَّور، وبعضُهم يسمِّي الدَّبَران بقلب الثَّور، وقد يكسفه القمر.
ثم الهَقْعَة: بفتح الهاء وسكونِ القافِ وفتح العينِ المهملة، وهي ثلاثةُ كواكبَ
خفيَّة مجتمعةٌ شبيهةٌ بنُقَط الثاءِ، كأنَّها لَطخةٌ سحابيَّة، شبّهت بالدائرة التي تكون في
عرض زور الفرس، أو بحيث تصيب رِجلَ الفارس، أو بلمعة بياضٍ تكون في جنب
الفرسِ الأَيسر، تسمَّى بذلك، وتسمَّى الأَثافي أيضاً، وهي على رأس الجبَّارِ
المسمَّى بالجوزاء، والقمرُ يحاذيها ولا يقاربها .
ثم الهَنْعة: بوزن الهَفْعة، وثانيه نون، وهي كوكبان من القدر الرابع والثالث،
شبِّهت بسِمَةٍ في منخفضٍ عُنُق الفرس، وهما على رِجلَي التوأمين(1) مما يلي
الشَّمال. وفي ((الكشف)): هي منكبُ الجوزاءِ الأيسر والقمرُ يمرُّ بهما .
ثم الذِّراع: وهما كوكبان أزهران من القدر الثاني على رأسَي التوأمَين، يعنون
بهما ذراعَ الأسدِ المبسوطة؛ إذ المقبوضةُ هي الشِّعرى الشاميةُ مع مِرْزَمها، والقمرُ
يقارب المبسوطة .
ثم النَّثْرة: وهي الفُرْجةُ بين الشاربَين حيالَ وَتَرةِ الأنف، وهو أنفُ الأسد،
وهما كوكبان خفيَّان من الرابع، بينهما قِيدُ ذراعٍ ولطخةٌ سحابيَّة، وهي على وسط
السَّرطان، ويقربها كوكبان يسمَّيان بالحمارَين، واللطخةُ التي بينهما بالمعلف، تشبيهاً
لها بالتِّن وبمَمخطة (٢) الأسد، أي: موضع استتارِهِ، ويكسف القمرُ كلَّا منهما.
(١) في هامش الأصل: الجوزاء. اهـ منه.
(٢) في (م): وبممحظة. وهي غير مقروءة في الأصل الخطي، ولعلَّ المثبت هو الصواب،
والممخطة: مكان خروج المخاط من أنف الأسد.