Indexed OCR Text

Pages 301-320

الآية : ٢٣
٣٠١
فقال: ((مالي لا أعبد الذي فطرني)) أي: أيُّ شيءٍ لي إذا لم أعبدْ خالقي ((وإليه
ترجعون)» تُرتُّون عند البعث، فيَجزيكم بكفركم.
ورُدَّ عليه بأنَّه إذا رجع الإِنكارُ إليه دون القوم، لم يكن لخطابهم بـ (تُرجعون)»
معنّى، وكان الظاهر: أُرجع.
وأُجيب بأنَّه يمكن أن يقال: إنَّ الرجلَ كان في غيظٍ شديدٍ من تكذيبهم الرُّسلَ
وتوعُدِهم إياهم، فانتهز الفرصة للانتقام، فلمَّا تمكَّن من تهديدهم، أَوقع قولَه:
((وإليه ترجعون)) في البَين، أي: ماليَ لا أَعبد الذي مَنَّ عليَّ بنعمة الإِيجاد ونعمةٍ
الانتقام منكم والتشفّي من غيظكم إذ تُرجَعون إليه، فيجزيكم بكفركم وتكذيبِکم
الرسلَ وعنادِكم.
وأنت تعلم أنَّ النظمَ الجليلَ لا يساعد على هذا، وهو ظاهرٌ فيما تقدَّم، وقد
عاد إلى المساق الأوَّلِ من التلطّف بالإِرشاد فقال: ﴿وَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ مَالِهَةٌ﴾ إنكارٌ
ونفيٌّ لاتِّخاذ جنسٍ الآلهة على الإِطلاق، وفيه من تحميق مَن يعبد الأصنامَ ما فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِن يُرِذْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ استئنافٌ سيق
التعليل النَّفي المذكور، وجَعلُه صفةً لآلهة - كما ذهب إليه البعض - ربّما يوهم أنَّ هناك
آلهةً ليست كذلك. ومعنى («لا تغني)) إلخ: لا تنفعني شيئاً من النَّفع، وهو إمّا على حدٍّ:
لا ترى الضَّبَّ بها ينجحرْ(١)
أي: لا شفاعةً لهم حتى تنفعَني، وإمَّا على فَرْض وقوعِ الشفاعة، أي: لا تُغني
عني شفاعتُهم لو وقعت شيئاً ﴿وَلَا يُقِذُونِ ) يُخلِّصونِ من ذلك الضُّرِّ بالنصر
والمظاهرة، وهو ترقٌّ من الأدنَى إلى الأعلى، بدأ أوَّلاً بنفي الجاه، وذكر ثانياً
انتفاءَ القدرة، وعبَّر عنه بانتفاء الإنقاذِ لأنَّه نتيجتُه.
وفتح ياءً المتكلِّم في ((يُرِدنيَ)) طلحةُ السمَّان، على ما قال ابنُ عطية(٢)، وقال
ابنُ خالويه: طلحةُ بن مصرِّف وعيسى الهمدانيُّ وأبو جعفر. ورُويت عن نافعٍ
(١) سلف ٨٨/٤.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٥١/٤، ونسبها أيضاً لعيسى الهمداني.

سُوٌلا يَسْن)
٣٠٢
الآية : ٢٤ - ٢٥
وعاصمٍ وأبي عَمرو (١). وقال الزمخشريّ(٢): وقُرئ: (إنْ يَرِدني الرَّحمنُ بضُرِ))
بمعنى: إِنْ يُوردني ضَرّاً، أي: يجعلني مورداً للضُرّ. اهـ.
قال أبو حيَّان(٣): كأنَّه - والله تعالى أعلم - رأى في كتب القراءاتِ ((يردني))
بفتح الياء، فتوهّم أنها ياءُ المضارعة، فجعل الفعلَ متعدِّياً بالياء المعدِّية كالهمزة،
فلذلك أَدخل عليه همزةَ التعدية، ونصب به اثنين، والذي في كتب الشواذِ أنَّها ياءُ
الإِضافة المحذوفةِ خطّاً ونطقاً لالتقاء الساكنين، قال في كتاب ابنٍ خالويه: بفتح
الياءِ ياءِ الإِضافة (٤)، وقال في ((اللَّوامح)): ((إِنْ يُردنيّ الرَّحمنُ)) بالفتح، وهو أصلُ
الياءِ البَصَرية، أي: المثبتة بالخطّ الذي يُرى بالبصر، لكن هذه محذوفة. انتهى
كلامُه. وحسنُ الظنِّ بالزمخشريِّ يقتضي خلافَ ما ذكره.
﴿إِّ إِذَا﴾ أي: إذا اتّخذتُ من دونه آلهةً ﴿لَِّى ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾ فإنَّ إِشراكَ
ما يُصنع وليس من شأنه النفعُ ولا دفعُ الضرِّ بالخالق المقتدرِ الذي لا قادرَ غيرُه
ولا خيرَ إلَّا خيرُه، ضلالٌ وخطأ بيِّن، لا يخفى على مَن له أدنى تمييز.
﴿إِنِّ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الظاهرُ أنَّ الخطابَ لقومه، شافَهَهم بذلك وصدع
بالحقِّ إِظهاراً للتصلَّب في الدِّين وعدمِ المبالاةِ بما يصدر منهم. والجملةُ خبريةٌ
لفظاً ومعنّى. والتأكيدُ قيل: لأنَّهم لم يعلموا من كلامه أنَّه آمن، بل تردَّدوا في ذلك
لمَّا سمعوا منه ما سمعوا.
وإضافةُ الربِّ إلى ضميرهم لتحقيق الحقِّ، والتنبيهِ على بطلانِ ما هم عليه من
اتّخاذ الأصنامِ أرباباً، أي: إِنِّي آمنت بربِّكم الذي خلقكم ﴿فَاسْمَعُونِ (٥)﴾ أي:
فاسمعوا قولي هذا، فإِنِّي لا أبالي بما يكون منكم على ذلك. وقيل: مرادُه دعوتُهم
إلى الخيرِ الذي اختاره لنفسه.
(١) البحر ٣٢٩/٧. وهي منسوبة في المطبوع من كتاب ابن خالويه ص ١٢٥ لطلحة بن مصرف
فقط .
(٢) في الكشاف ٣١٩/٣.
(٣) في البحر ٣٢٩/٧.
(٤) كذا في البحر، وليس في المطبوع من كتاب ابن خالويه ص ٢١٥ قوله: ياء الإضافة.
1

الآية : ٢٥
٣٠٣
سُوْ لاَكَسَ
وقيل: لم يُرِد بهذا الكلامِ إلَّا أن يُغضبَهم ويَشغلَهم عن الرُّسل بنفسه، لمَّا رآهم
لا ينجح فيهم الوعظُ وقد عزموا على الإِيقاع بهم. وليس بشيء.
وقدَّر بعضُهم المضافَ المحذوفَ عامّاً، وفسَّر السَّماعَ بالقبول، كما في:
سَمِعَ اللهُ تعالى لمن حمده، أي: فاسمعوا جميعَ ما قلتُه واقبلوه. وهو ممَّا
يُسمَع.
وجعلُ الخطابِ للقوم في الجملتين هو المرويُّ عن ابن عباسٍ وكعبٍ
ووهب.
وأَخرج الحاكمُ(١) عن ابن مسعودٍ أنَّه قال: لمَّا قال صاحبُ يس: ((يا قوم
اتبعوا المرسلين)» خنقوه ليموت، فالتفت إلى الأنبياءِ فقال: ((إني آمنت بربكم
فاسمعون)) أي: فاشهدوا. فالخطابُ فيهما للرُّسل بطريق التلوين، وأكِّد الخبرُ
إظهاراً لصدوره عنه بكمال الرغبةِ والنشاط، وأضاف الربَّ إلى ضميرهم روماً لزيادة
التقرير، وإظهاراً للاختصاص والاقتداءِ بهم، كأنَّه قال: بربِّكم الذي أَرسلكم، أو:
الذي تدعوننا إلى الإِيمان به، وطلب السَّماعَ منهم ليشهدوا له بالإِيمان عند اللهِ عزَّ
وجلّ، کما يُشیر إلیه کلامُ ابن مسعودٍ
وقيل: الخطابُ الأوَّل لقومه، والثاني للرُّسل، خاطبهم على جهة الاستشهادِ
بهم، والاستحفاظِ للأمر عندهم.
وقيل: الخطابانِ للناس جميعاً .
ورُوي عن عاصمِ أنَّه قرأ: ((فاسمعونَ) بفتح النُّون (٢). قال أبو حاتم: هذا خطأ
لا يجوز؛ لأنَّه أمر، فإمَّا أن تُحذفَ كما حُذفت نونُ الإِعراب ويقال: فاسمعوا،
وإمَّا أن تبقى وتُكسَر. ومن الناس مَن وجَّهه بأنَّ الأصلَ: فاسمعونا، أي: فاسمعوا
كلامَنا، أي: كلامي وكلامَهم لتشهدوا بما كان منِّي ومنهم.
(١) في المستدرك ٤٢٩/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٤٥١/٤، والبحر ٣٢٩/٧.

سُوٌاُسْنِ
٣٠٤
الآية : ٢٦
﴿قِيلَ أَدْخُلٍ لَلْنَّةُ﴾ استئنافٌ لبيان ما وقع له بعد قولِهِ ذلك، والظاهرُ أنَّ الأمرَ
إذنٌ له بدخول الجنةِ حقيقة، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ الرجلَ قد فارق الدُّنيا، فعن
ابن مسعودٍ أنَّه بعد أنْ قال ما قال، قتلوه بوطء الأَرجُل حتى خرج قُصْبُه من دُبُره،
وأُلقي في بئرٍ وهي الرَّسّ. وقال السُّدِّي: رمَوه بالحجارةِ وهو يقول: اللهمَّ اهدٍ
قومي، حتى مات. وقال الكلبيّ: رمَوه في حفرةٍ وردُّوا الترابَ عليه فمات. وعن
الحسن: حرقوه حتى مات، وعلَّقوه في بَرِّ المدينة، وقبرُه في سور أنطاكية. وقيل:
نشروه بالمنشارٍ حتى خرج من بين رجليه.
ودخوله الجنةَ بعد الموتِ دخولُ روحِه وطوافُها فيها، كدخول سائرِ الشهداء.
وقيل: الأمرُ للتبشير لا للإِذن بالدخولِ حقيقة، قالت له ملائكةُ الموتِ ذلك بشارةً
له بأنَّه من أهل الجنَّة، يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعدَ البعث. وحُكي نحوُ ذلك
عن مجاهد؛ أَخرج عبد بن حُميد وابن جَريرٍ وابنُ المنذر وابن أبي حاتمٍ عنه أنَّه
قال في قوله تعالى: (قِيلَ أَدْخُلِ الْتَّةٌ): وَجَبت له الجنّة (١).
وجاء في روايةٍ عن الحسن أنَّه قال: لمَّا أراد قومُه قتلَه، رفعه اللهُ تعالى إلى
السماءِ حيّاً، كما رفع عيسى عليه السلام إلى السَّماء، فهو في الجنَّة لا يموت إلَّا
بفَناء السماءِ وهلاكِ الجنة، فإذا أعاد اللهُ تعالى الجنة، أُعيد له دخولُها، فالأمر
كما في الأوَّل.
والجمهورُ على أنه قُتل. وادَّعى ابنُ عطيةً(٢) أنَّه تواترت الأخبارُ والرِّوايات
بذلك، وقولُ قتادةَ: أَدخله اللهُ تعالى الجنةَ وهو فيها حيٌّ يرزق، ليس نصّاً في نفي
القتل. وفي ((البحر))(٣) أنَّه أراد بقوله: وهو فيها حِيٌّ يرزق، قولَه تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقال بعضُهم: الجملةُ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: ما حالُه عند لقاءِ ربِّه
(١) الدر المنثور ٥/ ٢٦٢، وتفسير الطبري ٤٢٥/١٩-٤٢٦.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٥١/٤ .
(٣) ٣٢٩/٧.

الآية : ٢٧
٣٠٥
عزَّ وجلَّ بعد ذلك التصلُّبِ في دينه؟ فقيل: ((قيل: ادخُل الجنة))، والتعبيرُ بالماضي
لتحقُّق الوقوع. ولعل الأَوْلى ما أشرنا إليه أوَّلاً. وإنَّما لم يقل: قيل له؛ لأنَّ
الغرضَ المهمَّ بيانُ المقول، لا القائلِ والمقولِ له.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ بَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونٌ (٨) بِمَا غَفَرَ لِ رَبٍِ وَحَعَلِىِ مِنَ الْمُكْرَمِينَ
استئنافٌ بيانيٍّ أيضاً، كأنَّه قيل بعد أن أَخبر عنه بما أَخبر: فماذا قال عند نيلِه تلك
الكرامةَ السَّنِية؟ فقيل: قال .. إلخ. وإنَّما تمَّى علمَ قومِه بحاله؛ ليحملَهم ذلك على
اكتساب مثلِه بالتَّوبة عن الكفرِ والدخولِ في الإِيمان والطاعة، جرياً على سَنَن الأَّولياءِ
في كظم الغيظِ والترحُمِ على الأعداء، وفي الحديث: ((نصح قومَه حيّاً وميِّناً) (١).
وقيل: يجوز أن يكونَ تمنِّيه ذلك ليعلموا أنَّهم كانوا على خطأ عظيم في أمره،
وأنَّه كان على صوابٍ ونصيحةٍ وشفقة، وأنَّ عداوتَهم لم تُكسبه إلَّا فوزاً، ولم تُعقبه
إلَّا سعادة؛ لأنَّ في ذلك زيادةَ غِبطةٍ له، وتضاعفَ لذَّةٍ وسرور. والوجهُ الأوَّل
أَولی.
والظاهرُ أنَّ ((ما)» مصدرية، ويجوز أن تكونَ موصولة، والعائدُ مقدَّر، أي:
يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به - أي: بسببه - ربِّي، أو بالذي غفره، أي:
بالغفرانِ الذي غفره لي ربِّي، والمرادُ تعظيمُ مغفرتِه تعالى له، فتَؤُول إلى المصدريَّة.
وقال الزمخشريّ(٢): أي: بالذي غفره لي ربِّي من الذُّنوب. وتعقِّب بأنَّه ليس
بجيِّد؛ إذ يَؤُول إلى تمنِّي علمِهم بذنوبه المغفورة، ولا يَحسُن ذلك. وكذا عطفُ
(وجعلني من المكرمين)) عليه لا ينتظم. وما قيل من أنَّ الغرضَ منه الإِعلامُ بعظم
مغفرةِ اللهِ تعالى ووفورٍ كرمِه وسَعة رحمته، فلا يَبعد حينئذٍ إرادةُ معنى الاطّلاعِ
عليها لذلك، بل هو أوقعُ في النفس من ذِكر المغفرةِ مجرَّدَةً عن ذِكر المغفور؛
لاحتمال حقارتِه = تكلُّف.
(١) أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٠ - من حديث المغيرة بن شعبة
مطولاً .
(٢) في الكشاف ٣/ ٣٢٠.

سُوٌلايَسْ
٣٠٦
الآية : ٢٨
وأجاز الفرَّاءُ(١) أن تكونَ استفهامية، والجارُّ صلة ((غفر)) أي: بأيِّ شيءٍ غفر
لي ربِّي، يريد به المهاجرةَ عن دِينهم، والمصابرةَ على أذَّتهم حتى قُتل.
وتعقّبه الكسائيُّ بأنه لو صحَّ ذلك لقيل: بمَ، بغير ألف؛ فإنَّ اللغةَ الفصيحةَ
حذفُها إذا جُرَّت ((ما)) الاستفهاميةُ(٢) بحرف جرّ، نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ﴾ [النبأ: ١]،
وقولِه :
علامَ أقول الرُّمحُ أَثقل عاتقي إذا أنا لم أَطعَنْ إذا الخيلُ كرَّتٍ(٣)
فرقاً بينها وبين الموصولة، وإثباتُها نادر، وقيل: مختصِّ بالضرورة، نحو قوله:
على ما قام يشتمني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرَّغْ في رمادِ(٤)
وقولِه :
إنَّا قتلنا بقتلانا سَرَائَكمُ أهلَ اللواءِ ففيما يكثر القِيلُ(٥)
وقراءةُ عكرمةَ وعيسى: ((عما يتساءلون))(٦).
وقُرئ: ((من المُكَرَّمين)) مشدَّدَ الراءِ مفتوحَها مفتوحَ الكاف(٧).
﴿وَمَآ أَنْنَا عَلَى قَوْمِهِ.﴾ أي: قومِ الرجلِ الذي قيل له: ادخُل الجنةَ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾
أي: من بعد قتلِه. وقيل: من بعد رفعِه إلى السماء حيّاً ﴿مِن جُندٍ﴾ أي: جنداً،
فـ (من)) مزيدةٌ لتأكيد النفي، وقيل: يجوز أن تكونَ للتبعيض، وهو خلافُ الظاهر.
والجندُ: العسكر؛ لِمَا فيه من الغلظة، كأنَّه من الجَنَد، أي: الأرضِ الغليظةِ التي
فيها حجارة.
(١) في معاني القرآن ٣٧٤/٢-٣٧٥.
(٢) جاء في هامش الأصل: وخص الاستفهام لأنه اسم تام، فهي معه كاسم واحد. اهـ منه.
(٣) البيت لعمرو بن معد يكرب، وهو في الحماسة (شرح المرزوقي ١٥٩/١)، والخزانة ٤٣٦/٢.
(٤) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص ٧٩.
(٥) البيت لكعب بن مالك، وهو في ديوانه ص ٢٠٢. وجاء في الأصل و(م): القتل، بدل:
القیل.
(٦) المحتسب ٣٤٧/٢.
(٧) البحر ٣٣٠/٧.

الآية : ٢٩
٣٠٧
والظاهرُ أنَّ المرادَ بهذا الجندِ جندُ الملائكة، أي: ما أنزلنا لإِهلاكهم ملائكةً
﴿مِّنَ السَّمَاِ وَمَا كُنَّا مُنْزِينَ ﴾﴾ وما صحَّ في حكمتنا أن ننزلَ الجندَ لإِهلاكهم؛
لِمَا أنَّا قدَّرنا لكلِّ شيءٍ سبباً، حيث أَهلكنا بعضَ مَن أَهلكنا من الأُمم بالحاصب،
وبعضَهم بالصَّيحة، وبعضَهم بالخسف، وبعضهم بالإِغراق، وجعلنا إنزالَ الجندِ من
خصائصك في الانتصارِ لك من قومك، وكَفينا أمرَ هؤلاء بصيحةٍ مَلَكِ صاح بهم
فهلكوا، كما قال سبحانه: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ خَكِدُونَ
وفي
٢٩
ذلك استحقارٌ لهم ولإِهلاكهم، وإيماءٌ إلى تفخيم شأنِ النبيِّ وَلّ .
وفسَّر أبو حيَّان(١) الجندَ بما يعمُّ الملائكةَ فقال: كالحجارة والريحِ وغيرِ ذلك.
والمتبادرُ ما تقدَّم.
وقيل: الجندُ: ملائكةُ الوحي الذين ينزلون على الأنبياءِ عليهم السلام، أي:
قطعنا عنهم الرِّسالةَ حين فعلوا ما فعلوا، ولم نعبأُ بهم وأهلكناهم.
وعن الحسن ومجاهدٍ قالا: قطع اللهُ تعالى عنهم الرسالةَ حين قتلوا رسلَه.
وهذا التفسيرُ بعيدٌ جدّاً. وقتلُ الرسلِ الثلاثةِ محكيٍّ في ((البحر)) بـ: قيل(٢)، وهو
ظاهرُ هذا المرويّ، لكن المعروفَ أنَّهم لم يُقتَلوا، وإنَّما قُتل حبيبٌ فقط.
وذهبت فِرقةٌ إلى أنَّ ((ما)) في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُنِينَ) موصولةٌ معطوفةٌ على
((جند))، والمراد: ما أنزلنا على قومِه من بعده جنداً من السَّماء، وما أنزلنا الذي كنّا
منزلیه علی الذین مِن قبلهم من حجارةٍ وریحٍ وغير ذلك.
وتعقّبه أبو حيانَ(٣) بأنَّه يلزم عليه زيادةُ (مِن)) في المعرفة، ومن هنا قيل:
الأَولى جعلُها نكرةً موصوفة. وأُجيب بأنَّه يُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع.
ولا يخفَى أنَّ هذا لا يَدَفَعِ بُعدَه.
(١) في البحر ٧/ ٣٣١.
(٢) هذا وهم من المصنف رحمه الله تعالى؛ ففي البحر ٧/ ٣٣٢: وقيل: هو من قول الرسل
الثلاثة، قالوا ذلك حين قتلوا [أي: القوم] ذلك الرجل وحل بهم العذاب. اهـ. فالمؤلّف
قطع العبارة عند: قتلوا، وجعلها مبنية للمجهول.
(٣) في البحر ٣٣٢/٧.

سُوٌمَلُكَسَ
٣٠٨
الآية : ٢٩
ومِن أبعدِ ما يكون قولُ أبي البقاءِ: يجوز أن تكونَ ((ما)) زائدة (١)، أي: وقد
كنَّا منزلين على غيرهم جنداً من السماءِ، بل هو ليس بشيء.
و((إن)) نافية، و((كان)) ناقصة، واسمُها مضمَر، و((صيحة)) خبرُها، أي: ما كانت
هي - أي: الأَخذةُ أو العقوبة - إلَّا صيحةٌ واحدة. رُوي أنَّ اللهَ تعالى بعث عليهم
جبريل عليه السلام حتى أَخذ بعضادتَي بابِ المدينة، فصاح بهم صيحةٌ واحدة،
فماتوا جميعاً .
و ((إذا)) فجائية، وفيها إشارةٌ إلى سرعة هلاكِهم بحيث كان مع الصَّيحة، وقد
شُبِّهوا بالنار على سبيل الاستعارةِ المكنية، والخمودُ تخييل، وفي ذلك رمزٌ إلى أنَّ
الحيَّ كشعلة النارِ والميِّتَ كالرَّماد، كما قال لبيد:
وما المرءُ إلَّا كالشِّهاب وضَوئه يحورُ رماداً بعدَ إذ هو ساطعُ(٢)
ويجوز أن تكونَ الاستعارةُ تصريحيةً تبعيةً في الخمود بمعنى البرودةِ والسُّكون؛
لأنَّ الروحَ لفزعها عند الصيحةِ تندفع إلى الباطن دفعةً واحدة، ثم تنحصر فتنطفىءُ
الحرارةُ الغريزيةُ لانحصارها. ولعلَّ في العدولِ عن: هامدونَ، إلى: ((خامدون))،
رمزاً خفيًّا إلى البعثِ بعد الموت.
والظاهرُ أنَّه لم يؤمنْ منهم سوى حبيب، وأنَّهم هلكوا عن آخِرهم. وفي
بعض الآثارِ أنَّه آمن الملكُ وآمن قومٌ من حواشيه، ومَن لم يؤمن هلك
بالصَّيحة. وهذا بعيد؛ فإنَّه كان الظاهرُ أن يظاهرَ أولئك المؤمنون الرُّسلَ
كما فعل حبيب، ولَكان لهم في القرآن الجليلِ ذِكرٌ ما بوجهٍ من الوجوه، اللهم
إلَّا أن يقال: إنَّهم آمنوا خفيةً وكان لهم ما يُعذَرون به عن المظاهرة، ومع هذا
لا يخلو بَعدُ عن بُعْدٍ.
وقرأ أبو جعفرٍ وشيبةُ ومعاذ بن الحارثِ القارىء: ((صيحةٌ))(٣) بالرفع على أنَّ
(١) قال في الإملاء ٢٢٤/٤: وقيل: هي زائدة.
(٢) ديوانه ص ١٦٩ .
(٣) النشر ٣٥٣/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٣٣٢/٧.

الآية : ٣٠
٣٠٩
((كان)) تامَّة، أي: ما حدثت ووقعت إلَّا صيحة. وينبغي ألَّا تَلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيثِ
في مثل هذا التركيب، فلا يقال: ما قامت إلَّا هند، بل: ما قام إلَّا هند؛ لأنَّ
الكلامَ على معنى: ما قام أحدٌ إلَّا هند، والفاعلُ فيه مذكَّر، ولم يجوِّز كثيرٌ من
النحويين الإلحاقَ إلَّا في الشِّعر، كقول ذي الرقّة:
طوى النَّحزُ والأَجرازُ ما في غُروضها وما بقيت إلَّا الضلوعُ الجَراشعُ(١)
وقولِ الآخَر:
ما برئت من ريبةٍ وذَّ في حربنا إلَّا بناتُ العمّ (٢)
ومن هنا أَنكر الكثير - كما قال أبو حاتم - هذه القراءة، ومنهم مَن أجاز ذلك
في الكلام على قِلَّة، كما في قراءة الحسن، ومالكِ بن دينار، وأبي رجاءٍ،
والجَحدري، وقتادة، وأبي حَيوَة، وابنٍ أبي عبلة، وأبي بحرية: ((لا تُرَى إِلَّا
مساكنُهم))(٣) [الأحقاف: ٢٥] بالتاء الفوقية، ووجهُه مراعاةُ الفاعلِ المذكور، وكأني
بك تميلُ إلى هذا القول.
وقرأ ابنُ مسعود: ((إلَّا زَقيةً))(٤) مِن: زقى الطائرُ يَزقو ويَزقي، زَقْواً وزُقاء: إذا
صاح، ومنه المثل: أثقلُ من الزَّواقي، وهي الدِّيَكة؛ لأنَّهم كانوا يَسمُرون إلى أنْ
تزقوا، فإذا صاحت تفرَّقوا.
﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَأْدِ﴾ الحسرةُ على ما قال الراغب(٥): الغمُّ على ما فات والندمُ
عليه، كأنَّ المتحسِّر انحسر عنه قُواه من فَرْط ذلك، أو أَدركه إِعياءٌ عن تدارك
(١) الديوان ١٢٩٦/٢. والنحز: ضرب الأعقاب والاستحثاث في السير، والأجراز: الأمحال،
والغروض جمع غَرْض: وهو حزام الرحل، والجراشع: جمع جُرشُع: وهو المنتفخ
الجنبين.
(٢) البحر المحيط ٣٣٢/٧، واللباب ٢٠٠/١٦ دون نسبة.
(٣) البحر ٣٣٢/٧.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والمحتسب ٢٠٦/٢.
(٥) في المفردات (حسر).

سُوٌ لايَسْن
٣١٠
الآية : ٣٠
ما فَرَطَ منه. وفي ((البحر))(١): هي أن يركبَ الإنسانَ من شدَّة الندم ما لا نهايةَ بعده
حتی یبقی حسیراً.
والظاهرُ أنَّ ((يا)) للنِّداء، و((حسرة)) هو المنادَى، ونداؤها مجازٌ بتنزيلها منزلةً
العقلاء، كأنَّه قيل: يا حسرة احضُري، فهذه الحالُ من الأحوال التي من حقِّها أن
تحضُري فيها، وهي ما دلَّ عليها قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ
والمرادُ بالعباد مكذِّبو الرُّسل، ويدخل فيهم المهلَكون المتقدِّمون دخولاً
أوليّاً - وقيل: هم المرادُ. وليس بذاك - وبالحسرة المناداةِ حسرتُهم. والمستهزؤون
بالنَّاصحين المخلِصين المنوطِ بنصحهم خيرُ الدارين أحِقَّاءُ بأن يتحسَّروا على
أنفسهم، حيث فوَّتوا عليها السعادةَ الأبديةَ وعوَّضوها العذابَ المقيم.
ويؤيِّد هذا قراءةُ ابنِ عباس، وأُبَيّ، وعليٍّ بن الحسين، والضخّاك، ومجاهدٍ،
والحسن: ((يا حسرةَ العباد)) بالإِضافة(٢). وكونُ المرادِ حسرةَ غيرِهم عليهم
والإِضافة لأَدنَى ملابسة، خلافُ الظاهر.
وأخرج ابن جَريرٍ (٣) وغيرُه عن قتادةَ أنَّه قال: في بعض القراءات: ((يا حسرةً
العبادِ على أَنفُسها ما يأتيهم .. )) إلخ.
وجوِّز أن تكونَ حسرةَ الملائكة - عليهم السلام - والمؤمنين من الثَّقلين، وعن
الضخَّاك تخصيصُها بحسرة الملائكةِ عليهم السلام، وزعم أنَّ المرادَ بالعباد الرسلُ
الثلاثة. وأبو العاليةِ فسَّر ((العباد)) بهذا أيضاً، لكنَّه حمل الحسرةَ على حسرة الكفارِ
المهلكين، قال: تحسَّروا حين رأوا عذابَ اللهِ تعالى، وتلقّفوا على ما فاتهم.
وقيل: المرادُ بالعباد المهلَكون، والمتحسِّر الرجلُ الذي جاءً من أَقصى
المدينة، تحسَّر لمَّا وثب القومُ لقتله.
(١) ٣٣٢/٧ نقلاً عن الزجاج في معاني القرآن ٢٨٥/٤.
(٢) البحر ٣٣٢/٧، والمحتسب ٢٠٨/٢ ولم يذكر الحسن، ونسبها للحسن فقط ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص ١٢٥ .
(٣) في تفسيره ٤٢٩/١٩.

الآية : ٣٠
٣١١
سُوٌَّ لُكَسْن
وقيل: المرادُ بالعباد أولئك، والمتحسِّر الرسلُ حين قتلوا ذلك الرجلَ وحلَّ
بهم العذابُ ولم يؤمنوا.
ولا يخفى حالُ هذه الأقوال. وكأنَّ مرادَ مَن قال: المتحسِّر الرجل، ومَن
قال: المتحسِّر الرسل، عنَى أنَّ القولَ المذكورَ قولُ الرجلِ أو قولُ الرُّسل، وفي
كلام أبي حيَّان(١) ما هو ظاهرٌ في ذلك، ومع هذا لا ينبغي أن يعوَّلَ على شيءٍ ممَّا
ذكر.
وجوِّز أن يكونَ التحسُّر منه سبحانه وتعالى مجازاً عن استعظام ما جَنَوه على
أنفسهم، وأُيِّد بأنه قُرىء: ((يا حسرَتًا على العباد))(٢) فإنَّ الأصلَ عليها: يا حسرتي،
فقُلبت الياءُ ألفاً. ونحوُها قراءةُ ابنِ عباس - كما قال ابنُ خالويه(٣) -: ((يا حسرةَ
على العباد)) بغير تنوين، فإنَّ الأصلَ أيضاً: يا حسرتي، فقُلبت الياءُ ألفاً، ثم
حُذفت الألفُ واكتُفي عنها بالفتحة.
وقرأ أبو الزِّناد وابنُ هُرمُزِ وابنُ جُندب: ((يا حسرَهْ على العباد)» بالهاءِ
الساكنة(٤). قال في ((المنتقى)): وَقَفَ على ((حسره)) وقفاً طويلاً تعظيماً للأمر، ثم
قيل: ((على العباد)). وفي ((اللَّوامح)): وقفوا على الهاءِ مبالغةً في التحسُّر؛ لما في
الهاءِ من التأمُّه، كالتأوُّه، ثم وصلوه على تلك الحال.
وقال الطّيبي: إنَّ العربَ إذا أَخبرت عن الشيءِ غيرِ معتدٍّ به، أَسرعت فيه ولم
تأتِ على اللفظ المعبَّرِ عنه، نحو:
قلتُ لها قفي قالت لنا قاف(٥)
أي: وقفتُ، فاقتَصَرَت من جملة الكلمةِ على حرفٍ منها تهاوناً بالحال،
وتثاقلاً عن الإِجابة. ولا يخفى أنَّ هذا لا يناسب المقام.
(١) في البحر ٧/ ٣٣٣.
(٢) البحر ٣٣٢/٧.
(٣) في القراءات الشاذة ص ١٢٥ .
(٤) المحتسب ٢٠٨/٢، والبحر ٣٣٢/٧. ونسبها ابن خالويه ص ١٢٥ لابن هرمز.
(٥) الرجز الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وسلف ٢١٣/١٦.

سُلَ ا يَسْ
٣١٢
الآية : ٣١
وينبغي على هذه القراءةٍ أَلَّا يكونَ ((على العباد)) متعلِّقاً بـ ((حسرة)) أو صفةً له؛
إذ لا يَحسُن الوقفُ حينئذ، بل يُجعل متعلِّقاً بمضمَرٍ يدلُّ عليه ((حسرة)» نحو:
يتحسَّر، أو: أَتحسَّر على العباد - وتقديرُ: انظروا، ليس بذاك(١) - أو خبرَ مبتدأ
محذوفٍ لبيان المتحسَّر عليه، أي: الحسرةُ على العباد، وتخريجُ قراءةٍ: ((يا حسرتا))
بالألف على هذا الطرز بأن يقال: قدِّر الوقفُ على المنصوب المنوَّن، فإنَّه يوقف
عليه بالألف، كـ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وضرب زيدٌ
عَمراً، ليس بشيء، ولو سَلِم أنَّه شيء، لا ينافي التأييد.
وقيل: ((يا)) للنِّداء، والمنادَى محذوف، و((حسرة)) مفعولٌ مطلقٌ لفعل مضمَر،
و ((على العباد)» متعلِّق بذلك الفعل، أي: يا هؤلاء تحسَّروا حسرةً على العباد.
ولعل الأَوفقَ للمقام المتبادرَ إلى الأَفهام أنَّ المرادَ نداءُ حسرةٍ كلٌّ مَن يتأتّى منه
التحسُّر، ففيه من المبالغة ما فيه.
وقولُه تعالى: (مَا يَأْنِيهِم) إلخ استئنافٌ لبيان ما يتحسَّر منه، و((به)) متعلّق
بـ ((يستهزؤون))، وقدّم عليه للحصر الادِّعائي، وجوِّز أن يكونَ لمراعاة الفواصل.
﴿أَلَمْ يَرَوْ كُمْ أَهْلَكَنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ الضميرُ لأهل مَّة، والاستفهامُ
للتقرير، و(كم)) خبريةٌ في موضع نصبٍ بـ ((أَهلكنا))، و((من القرون)) بيانٌ لـ ((كم))،
وجوَّز بعضُ المتأخِّرين كونَ ((كم)) مبتدأً، والجملة بعدَه خبره، وهو كلامُ مَن لا خبرَ
عنده. والجملةُ معمولةٌ لـ ((يروا)) نافذٌ معناها فيها، و((كم)) معلِّقة لها عن العمل في
اللفظ؛ لأنَّها وإنْ كانت خبرية لها صدرُ الكلام كالاستفهامية، فلا يعمل فيها عاملٌ
متقدِّم على اللغةِ الفصيحة، إلَّا إذا كان حرفَ جرِّ أو اسماً مضافاً، نحو: على كم
فقيرٍ تصدَّقتُ أرجو الثواب، و: ابنَ كم رئيسٍ صحبتُه.
(١) قوله: وتقدير: انظروا، ليس بذاك. لم يتضح لنا مراد المصنف من ذكره في هذا الموضع،
ولعل موضعه فيما سيأتي من القول بأن المنادى محذوف في قوله: ((يا حسرة))، والتقدير:
يا هؤلاء تحسروا حسرة، ويؤيد ذلك أن الشهاب قال في الحاشية ٢٣٩/٧ بعد ذكر هذا
القول: ويجوز تقدير انظروا أو اسمعوا. وقد أجاز المصنف تقدير انظروا ولكن في قوله:
(يا ويلنا مَن بعثنا ... )) كما سيرد.

الآية : ٣١
٣١٣
سُرَةٌ يَسْنَ
وحكى الأَخفشُ - على ما في ((البحر)) (١) - جوازَ تقدُّم عاملٍ عليها غيرِ ذلك عن
بعضهم، نحو: ملكتُ كم غلام، أي: ملكتُ كثيراً من الغِلمان، عاملوها معاملةَ كثير.
والرؤيةُ علميّةٌ لا بَصَرِيَّة، خلافاً لابن عطية(٢)؛ لأنَّها لا تعلَّق على المشهور،
ولأنَّ أهلَ مكةَ لم يحضروا إِهلاكَ مَن قبلَهم حتى يروه، بل عَلِموه بالأخبار
ومشاهدة الآثار.
والقرونُ جمعُ: قَرن، وهم القومُ المقترنون في زمنٍ واحد، كعادٍ وثمودَ وغيرِهم.
﴿َهُمْ﴾ الضميرُ عائدٌ على معنى ((كم)) وهي القرون، أي: أنَّ القرونَ المهلَكين
﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي: إلى أهل مَّة ﴿لَا يَزَجِعُونَ ﴾﴾ و((أنَّ)) وما بعدها في تأويل المفردِ
بدل من جملة ((كم أهلكنا)) على المعنى، كما نُقل عن سيبويه وتَبِعه الزجَّاج (٣)،
أي: ألم يرَوا كثرةَ إِهلاكنا مَن قبلَهم وكونَهم غيرَ راجعين إليهم.
وقيل: على المعنى؛ لأنَّ الكثرةَ المذكورةَ وعدمَ الرجوعِ ليس بينهما انِّحادٌ
بجزئية، ولا كلِّيَّة، ولا ملابسة، كما هو مقتضى البدليَّة، لكن لمَّا كان ذلك في
معنى: الذين أَهلكناهم، و ((أنَّهم لا يرجعون)) بمعنى: غير راجعين، اتَّضح فيه
البدليَّة، على أنَّه بدلُ اشتمالٍ، أو بدلُ كلٍّ من كلّ. قاله الخفاجيّ(٤).
وأفاد صاحبُ ((الكشف)) على أنَّه من بدل الكلِّ بجعل كونِهم غيرَ راجعين كثرةً
إهلاكٍ تجوُّزاً .
وعندي أنَّ هذا الوجهَ وإنْ لم يكن فيه إِبدالُ مفردٍ من جملةٍ وتحقَّق فیه مصحِّحُ
البدلية على ما سمعتَ، لا يخلو(٥) عن تكلّف، وسيبويه ليس بنبيِّ النحوِ ليجبَ اتِّاعُه.
وقال السّيرافي: يجوز أن يُجعلَ ((أنهم .. )) إلخ صلةَ (أهلكناهم))، أي:
أهلكناهم بأنَّهم لا يرجعون، أي: بهذا الضربِ من الهلاك.
(١) ٣٣٣/٧.
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٢ .
(٣) في معاني القرآن ٢٨٥/٤.
(٤) في حاشيته ٢٣٩/٧.
(٥) في (م): ولا يخلو. ولا يصح به المعنى.

سُوٌلا كس
٣١٤
الآية : ٣١
وجوَّز ابنُ هشامٍ في («المغني))(١) أن يكونَ ((أنَّ) وصلتُها معمولَ ((يروا))، وجملةُ
(كم أهلكنا)) معترضة بينهما، وأن يكون معلّقاً عن ((كم أهلكنا)) و((أنهم إليهم
لا يرجعون)) مفعولاً لأجله؛ قال الشُّمُنِّي: لـ ((يَروا)»، والمعنى أنَّهم علموا لأجل
أنَّهم لا يرجعون إِهلاكهم (٢).
ورُدَّ بأنه لا فائدةَ يعتدُّ بها فيما ذكر من المعنى.
وتعقّبه الخَفاجئُّ(٣) بقوله: لا يخفى أنَّ ما ذكر واردٌ على البدليَّة أيضاً، والظاهرُ
أنَّ المقصودَ من ذِكره إمّا التهكُم بهم وتحميقُهم، وإمَّا إفادةُ ما يفيد تقديم ((إليهم))
من الحصر، أي: أنَّهم لا يرجعون إليهم بل إلينا، فیکون ما بعده مؤكّداً له. اهـ،
وهو كما ترى.
وقال الجلبي: لعلَّ الحقَّ أن يجعلَ أولُ الضميرَين لمعنى ((كم))
وثانيهما للرُّسل، و((أنَّ) وصِلَتُها مفعولاً لأَجله لأَهلكناهم، والمعنى: أهلكناهم
لاستمرارهم على عدم الرُّجوعِ عن عقائدهم الفاسدةِ إلى الرُّسل وما دعَوهم
إليه، فاختيارُ ((لا يرجعون)) على: لم يرجعوا؛ للدَّلالة على استمرار النفيٍ مع
مراعاةٍ الفاصلة. انتهى.
وهو على بُعده ركيكٌ معنًى، وأردُ منه ما قيل: الضميران على ما يتبادرُ
فيهما من رجوع الأوَّل لمعنى ((كم)) والثاني لمن نُسبت إليه الرُّؤية، و((أنَّ) وصلتُها
علَّة لـ ((أَهلكنا))، والمعنى: أنَّهم لا يَرجعون إليهم فيُخبروهم بما حلَّ بهم من
العذاب وجزاءِ الاستهزاءِ حتى (٤) ينزجرَ هؤلاء؛ فلذا أهلكناهم.
ونُقل عن الفرَّاء(٥) أنَّه يعمل ((يروا)) في ((كم أهلكنا)) وفي ((أنهم .. )) إلخ من غير
إِبدال، ولم يبيِّن كيفيةَ ذلك.
(١) ص ٢٤٤.
(٢) حاشية الشمني على المغني ١٦/٢ .
(٣) في حاشيته ٢٣٩/٧.
(٤) في (م): حق.
(٥) معاني القرآن ٣٧٦/٢.

الآية : ٣١
٣١٥
وزعم ابنُ عطية(١) أنَّ ((أنَّ)) وصلتَها بدلٌ من ((كم))، ولا يخفى أنَّه إذا جعلها
معمولَ ((أهلكنا)) كما هو المعروفُ، لا يسوغ ذلك؛ لأنَّ البدلَ على نيَّة تكرارِ
العامل، ولا معنى لقولك: أَهلكنا أنَّهم لا يَرجعون، ولعلَّه تسامح في ذلك،
والمرادُ: بدلٌ من ((كم أهلكنا)) على المعنى، كما حُكي عن سيبويه. وأمَّا جعلُ
(كم) معمولةً لـ ((يروا))، والإبدالُ منها نفسها إذ ذاك، فلا يخفى حالُه.
وقال أبو حيَّان(٢): الذي تقتضيه صناعةُ العربيةِ أنَّ ((أنهم .. )) إلخ معمولٌ
المحذوفٍ دلَّ عليه المعنى، وتقديرُه: قضينا، أو: حكمنا أنَّهم إليهم لا يرجعون،
والجملةُ حالٌ من فاعل ((أهلكنا)) على ما قال الخَفاجي(٣). وأراه أبعدَ عن القيلِ
والقال، بيدَ أنَّ في الدَّلالة على المحذوف خفاءً؛ فإنْ لم يلصق بقلبك لذلك،
فالأقوالُ بين يديك، ولا حَجْرَ عليك.
وكأنِّي بك تختار ما نُقل عن السّيرافي، ولا بأسَ به.
وجوِّز على بعض الأَقوالِ أن يكونَ الضميرُ في ((أنهم)) عائداً على مَن أُسند إليه
(روا)، وفي ((إليهم)) عائداً على المهلَكين، والمعنى أنَّ الباقين لا يرجعون إلى
المهلكين بنسبٍ ولا ولادة، أي: أَهلكناهم وقطعنا نسلَهم، والإهلاكُ مع قطع
النسلِ أتمّ وأعمّ. ويَحسُن هذا على الوجه المحكيِّ عن السيرافي.
وقرأ ابنُ عباسٍ والحسن: ((إنَّهم))(٤) بكسر الهمزة على الاستئناف، وقطع
الجملةِ عمَّا قبلها من جهة الإِعراب.
وقرأ عبدُ الله: (ألم يَرَوا مَن أَهلكنا)) إلخ(٥)، فـ ((أنَّهم)) على قراءة الفتحِ بدلُ
اشتمال.
ورُدَّ بالآية على القائلين بالرَّجعة كما ذهب إليه الشيعة.
(١) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٢.
(٢) في البحر ٣٣٤/٧.
(٣) في حاشيته ٢٣٩/٧ .
(٤) البحر ٣٣٤/٧، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٥ للحسن.
(٥) البحر ٣٣٤/٧.

٣١٦
الآية : ٣٢
وأخرج عبد بن حُميد وابنُ المنذر عن أبي إسحاقَ قال: قيل لابن عبّاس: إنَّ
ناساً يزعمون أنَّ عليّاً كرَّم اللهُ تعالى وجهَه مبعوثٌ قبلَ يوم القيامة؟ فسكت ساعةً ثم
قال: بئس القومُ نحن إنْ نكحنا نساءه واقتسمنا ميراثَه، أَمَا تقرؤون: (أَلَمْ بَرَوَا كَمْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَزْجِعُونَ)(١).
﴿وَإِن كُلّ ◌َّمَّا جَمِيعٌ لََّيْنَا مُحْضَرُونَ (*) بيانٌ لرجوع الكلِّ إلى المحشر بعد بيانِ
عدمِ الرُّجوع إلى الدنيا، و((إن)) نافية، و((كل)) مبتدأ، وتنوينُه عوضٌ عن المضاف
إليه، و((لما)) بمعنى ((إلَّا))، ومجيئُها بهذا المعنى ثابتٌ في لسان العربِ بنقل
الثِّقات، فلا يُلتفت إلى زعم الكسائيِّ أنَّه لا يُعرف ذلك.
وقال أبو عبد اللهِ الرازيّ(٢): في كونها بهذا المعنى معنّى مناسب، وهو أنَّها
كأنها حرفا نفي أكّد أولُهما بثانيهما، وهما: ((لم)) و((ما))، وكذلك ((إلَّا))، كأنَّها
حرفا نفي، وهما (إن)) النافيةُ و((لا))، فاستُعمل أحدُهما مكانَ الآخر. وهو عندي
ضرب من الوساوس.
و((جميع)) خبرُ المبتدأ، وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، فيفيد ما لا تفيده ((كل)) لأنَّها
تفيد إحاطةَ الأفراد، وهذا يفيد اجتماعَها وانضمامَ بعضِها إلى بعض، و((لدينا))
ظرفٌ له، أو لـ ((محضَرون))، و((محضرون)) خبرٌ ثانٍ، أو نعتٌ، وجُمِع على المعنى،
والمعنى: ما كلُّهم إلَّا مجموعون لدينا محضَرون للحساب والجزاءِ.
وقال ابن سلام: ((محضَرون)) أي: معذَّبون، فـ ((كلٌّ)) عبارةٌ عن الكَفَرة. ويجوز
أن يرادَ به هذا المعنى على الأوَّل. وفي الآية تنبيه على أنَّ المهلَكَ لا يترك.
وقرأ جمعٌ من السَّبعة: ((لَمَا)) بالتخفيف، على أنَّ ((إنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة،
واللامُ فارقة، و((ما)) مزيدة للتأكيد، والمعنى: إنَّ الشأنَ كلَّهم مجموعون .. إلخ.
وهذا مذهبُ البصريين، وذهب الكوفُّون إلى أنَّ ((إنْ)) نافية، واللامُ بمعنى ((إلَّا))،
و ((ما)) مزيدة، والمعنى كما في قراءةِ التشديد(٣).
(١) الدر المنثور ٢٦٣/٥.
(٢) في التفسير الكبير ٦٤/٢٦ - ٦٥ .
(٣) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر بالتشديد، والباقون بالتخفيف. التيسير ص ١٢٦،
والنشر ٢٩١/٢.

الآية : ٣٣
٣١٧
سُوٌرَ ؤُ يَسْ
﴿وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْمَيْنَةُ﴾ بالتخفيف. وقرأ نافعٌ بالتشديد(١). و((آية)) خبرٌ مقدَّم
للاهتمام به، وتنكيرُها للتفخيم، و((لهم)) إمَّا متعلّق بها؛ لأنَّها بمعنى العَلَامة، أو
متعلِّق بمضمَر هو صفةٌ لها، وضميرُ الجمعِ لكفَّار أهلِ مكةَ ومَن يَجري مَجراهم في
إِنكار الحشر. و((الأرض)) مبتدأ، و((الميتة)) صفتُها.
وقولُه تعالى: ﴿أَحْيَيْتَهَا﴾ استئنافٌ مبيِّن لكيفية كونِها آية. وقيل: في موضعٍ
الحال، والعاملُ فيها آية؛ لمَا فيها من معنى الإِعلام. وهو تكلُّف ركيك.
وقيل: ((آية)) مبتدأٌ أوَّل، و((لهم)) صفتُها، أو متعلّق بها، وكلٌّ من الأمرين مسؤِّيٌ
للابتداء بالنَّكرة، و((الأرض الميتة) مبتدأٌ ثانٍ وصفة، وجملةُ ((أحييناها)) خبرُ المبتدأ
الثاني، وجملةُ المبتدأ الثاني وخبرُه خبرُ المبتدأ الأوَّل؛ ولكونها عينَ المبتدأ - كخبر
ضميرِ الشأن - لم تحتجْ لرابط. قال الخفاجيّ(٢): وهذا حسنٌ جدّاً، إلّا أنَّ النُّحاة
لم يصرِّحوا به في غير ضميرٍ الشأن. وقيل: إنَّها مؤوَّلة بمدلول هذا القول؛ فلذا لم
يُحتجْ لذلك. ولا يخفى بُعده.
وقيل: ((آية)) مبتدأ، و((الأرض)) خبرُه، وجملة ((أحييناها)) صفةُ الأرض؛ لأنَّها
لم يُرَد بها أرضٌ معيَّنة بل الجنس، فلا يلزم توصيفُ المعرفةِ بالجملة التي هي في
حكم النَّكرة، ونظيرُ ذلك قولُه:
ولقد أَمرُّ على اللئيم يسبُّني
فمضيت ثُمثَّ قلت لا يعنيني (٣)
وأَنكر جوازَ ذلك أبو حيَّانَ(٤) مخالفاً للزمخشريّ وابنِ مالكٍ في ((التسهيل))(٥)
وجَعَلَ جملةً: يسبُّني، حالاً من اللئيم، وأنت تعلم أنَّ المعنى على استمرار مرورِه
على مَن يسبُّه وإغماضِه عنه؛ ولهذا قال: أَمرُّ، وعطف عليه: فمضيتُ، والتقييدُ
بالحال لا يؤدِّي هذا المؤذَّى. ثم إنَّ مدارَ الخبريةِ إرادةُ الجنس، فليس هناك إخبارٌ
(١) التيسير ص ١٠٦، والنشر ٢٢٤/٢.
(٢) في حاشيته ٢٣٩/٧.
(٣) البيت لرجل من بني سلول، وسلف ٢٢٥/٦.
(٤) في البحر ٧/ ٣٣٤.
(٥) الكشاف ٣٢١/٣، والتسهيل ص ١٦٧ .

سٌ وَ يَسْ
٣١٨
الآية : ٣٤
بالمعرفة عن النَّكرة ليكونَ مخالفاً للقواعد كما قيل، نعم أَرجحُ الأوجهِ ما قرِّر
أولاً، وقد مرَّ المرادُ بموت الأرضٍ وإحيائها، فتذكَّر.
﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ أي: جنسَ الحَبّ، من الحنطة والشعيرِ والأَرزِّ وغيرِها،
والنكرةُ قد تعمّ، كما إذا كانت في سياق الامتنانِ أو نحوهِ. وفي ذِكر الإخراج - وكذا
الجعلُ الآتي - تنبيهٌ على كمال الإحياء.
﴿فَمِنْهُ﴾ أي: من الحَبِّ بعد إِخراجنا إياه. والفاءُ داخلةٌ على المسبّب، و((مِن))
ابتدائيةٌ أو تبعيضية، والجارُّ والمجرورُ متعلِّق بقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ
والتقديم للدَّلالة على أنَّ الحبَّ معظمُ ما يؤكل ويعاش به؛ لِمَا في ذلك من إيهام
الحصرِ للاهتمام به، حتى كأنَّه لا مأكولَ غيرُه.
﴿وَحَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ﴾ جمعُ: نخل، كعَبيد جمع: عبد، كما ذهب
إليه أكثرُ الأئمَّة، وصرَّح به في ((القاموس))(١). وقيل: اسمُ جمع، وقال
الجوهريُّ(٢): النخلُ والنخيلُ بمعنّى واحد. وعلى الأوَّل المعوَّل.
﴿وَعْتَبٍ﴾ جمع: عِنَب، ويقال على الكرْم نفسِه، وعلى ثمرتِه، كما قال
الراغب(٣)، ولعلَّه مشتركٌ فيهما. وقيل: حقيقةٌ في الثمرة، مجازٌ في الشجرة.
وأيَّما كان فالمرادُ الأول، بقرينة العطفِ على النخيل.
وجُمعا دون الحبّ، قيل: لتدلَّ الجمعيَّةُ على تعدُّد الأنواع، أي: من أنواع
النخل وأنواعِ العنب، وذلك لأنَّ النخلَ والعنبَ اسمان لنوعين، فكلٌّ منهما مقولٌ
على أفرادِ حقيقةٍ واحدة، فلا يدلَّن على اختلاف ما تحتَهما وتعدُّدِ أنواعه إلَّا إذا
عبِّر عنهما بلفظ الجمع، بخلاف الحبّ، فإنَّه اسمُ جنس، وهو يُشعر باختلاف
ما تحته؛ لأنَّه المقولُ على كثرةٍ مختلفة الحقائقِ قولاً ذاتياً، فلا يُحتاج في الدَّلالة
على الاختلاف إلى الجمعيَّة، وقولُهم: جُمِعَ العالَم في قوله تعالى: (الْحَمْدُ للَّهِ
(١) مادة (نخل).
(٢) في الصحاح (نخل).
(٣) في المفردات (عنب).

الآية : ٣٤
٣١٩
رَبِّ الْعَلَمِينَ) - وهو اسمُ جنسٍ - ليشملَ ما تحته من الأجناس، لا ينافي ذلك
كما قيل؛ لأنَّ المرادَ: ليشملَ شمولاً ظاهراً متعيِّناً وإن حصل الإِشعارُ بدونه.
وقيل: جُمعا للدَّلالة على مزيد النِّعمة، وأمَّا الحبُّ، ففيه قِوامُ البدن، وهو
حاصلٌ بالجنس.
وامتنَّ عزَّ وجلَّ في معرض الاستدلالِ على أمر الحشرِ بجعل الجنَّاتِ من
النخيل والأعنابِ المرادِ بها الأشجار، ولم يمتنَّ سبحانه وتعالى بجعل ثمراتٍ تلك
الأشجارِ من الثَّمر والعنبِ كما امتنَّ جلَّ جلالُه بإِخراج الحبّ؛ إعظاماً للمنَّة،
لتضمُّن ذلك الامتنانَ بالثِّمار وغيرِها من منافع تلك الأشجارِ أنفسِها بسائر أجزائها
للإِنسان نفسِه بلا واسطة، لاسيَّما النخيل.
ولا دلالةَ في الكلام على حصر ثمرةِ الجَعل بأكل الثَّمرة، وثمرةُ التنصيصٍ على
ذلك من بين المنافع ظاهرة، وهذا بخلاف أشجارِ الحبوب، فإنَّها ليست بهذه
المثابة؛ ولذا غيِّر الأسلوبُ ولم يعامَل ثمرُ ذلك معاملةَ الحبوب.
وكلامُ البيضاويٌّ(١) عليه الرحمةُ ظاهرٌ في أنَّ المرادَ بالأَعناب الثمارُ المعروفةُ
لا الكروم، وعلَّل ذِكرَ النخيلِ دون ثمارِها - مع أنَّه الأوفقُ بما قبل
وما بعد - باختصاصها بمزيد النفعِ وآثارِ الصنع. وتفسيرُ الأعنابِ بالثِّمار دون
الكرومِ بعيدٌ عندي؛ لمكان العطفَ، مع أنَّ الجارَّ والمجرورَ في موضع الصفةِ
لـ ((جثَّات))، والمعروفُ كونُها من أشجارٍ لا من ثمار؛ قال الراغب(٢): الجنةُ: كلُّ
بستانٍ ذي شجرٍ يستر بأَشجاره الأرض، وقد تسمَّى الأشجارُ السائرةُ جنَّة، وعلى
ذلك حُمِل قولُه :
من النَّواضح تَسقي جنَّةً سُحُقا(٣)
على أنَّ في الآية بَعْدُ ما يؤيِّد إرادةَ الثمار، فتدبَّر.
(١) في تفسيره ٧/٤.
(٢) في المفردات (جنن).
(٣) قائله زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ٣٧، وصدره: كأن عينَيَّ في غربَي مقتَّةٍ.
٠

سُوْ اَلالسن
٣٢٠
الآية : ٣٥
﴿وَفَجَّرْنَا فِيَهَا﴾ أي: شققنا في الأرض. وقرأ جناحُ بن حبيش: ((فَجَرْنا))
بالتخفيف (١)، والمعنى واحدٌ، بيد أنَّ المشدَّد دالٌّ على المبالغة والتكثير.
﴿مِنَ الْعُيُونِ ﴾ أي: شيئاً من العيون، على أنَّ الجارَّ والمجرورَ في موضع
الصفةِ لمحذوف، و((مِن)) بيانيَّة، وجوِّز كونُها تبعيضيَّة، وليس بذاك.
وقيل: المفعولُ محذوف، و((من العيون)) متعلِّق بِفَجَّرَ، و((مِن)) ابتدائيَّةٌ، على
معنى: فجَّرنا من المنابع ما يُنتفع به من الماء.
وذهب الأخفشُ إلى زيادة ((مِن)) وجَعلِ ((العيونِ)) مفعولَ ((فجَّرنا))؛ لأنَّه یری
جوازَ زيادتِها في الإِثبات مع تعريف مجرورِها.
﴿ِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَرِهِ﴾ متعلّق بـ ((جعلنا))، وتأخيرُه عن تفجير العيونِ؛ لأنَّه من
مبادي الثمر، أي: وجعلنا فيها جناتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ، ورَّبنا مبادي ثمرِها
لیأکلوا .
وضميرُ ((ثمره)) عائدٌ على المجعول، وهو الجنَّات؛ ولذا أُفرد وذكّر، ولم يقل:
من ثمرها، أي: الجنَّات، أو: مِن ثمرهما، أي: النخيلِ والأَعناب. ومثلُه ما قيل:
عائدٌ على المذكور، والضميرُ قد يجري مَجرى اسم الإِشارة، كما في قول رؤبة:
فيها خطوطٌ من سَوادٍ وبَلَقْ كأنَّه في الجلد توليعُ البَهَقْ(٢)
فإِنَّه أراد - كما قال لأبي عبيدةَ وقد سأله -: كأن ذاك(٣).
وقيل: عائدٌ على الماء؛ لدَلالة العيونِ عليه، أو لكون الكلام على حذف
مضاف، أي: ماءِ العيون.
وقيل: على النَّخيل، واكتُفي به للعلم باشتراك الأَعنابِ معه في ذلك.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والبحر ٣٣٥/٧.
(٢) سلف ٢٩٨/٥، وهو في ديوان رؤبة بن العجاج ص ١٠٤. وجاء في هامش الأصل و(م):
ظهور النقط البيض على الشيء. اهـ منه.
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٢٣.