Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ١٥ ٢٠١ سُالأَنَظِ الإنسان، وضعفُهم ليس كضعفه، فلا حاجةً إلى إدخالهم في الناس تغليباً، على أنَّه قيل: لا يضرُّ ذلك، إذ الكلامُ مع من يُظهِرُ القوَّة والعناد من الناس. والقول إنَّ القصر إضافيٍّ بالنسبة إليه تعالى، لا يخفى ما فيه. وقال صاحب ((الفرائد)): الوجهُ أن يقال - والله تعالى أعلم -: المرادُ الناس وغيرهم، وهو على طريقة تغليبٍ الحاضر على الغائب، وأولي العلم على غيرهم. وهو بعيدٌ جدًّا. وقال العلامة الطيبيُّ: الذي يقتضيه النظم الجليل أنْ يُحمَل التعريفُ في (الناس)) على العهد، وفي الفقراء على الجنس؛ لأنَّ المخاطبين هم الذي خوطبوا في قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ) الآية، أي: ذلكم المعبودُ هو الذي وُصِف بصفات الجلال، لا الذين تدعونَ من دونه، وأنتم أشدُّ الخلائق احتياجاً إليه عزَّ وجلَّ. ولا يخلو عن حسن. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ عن كلِّ شيءٍ لا غيرِهِ ﴿الْحَمِيدُ ﴾﴾ المنعمُ على جميع الموجودات، المستحقُّ بإنعامه سبحانَه للحمد، وأصله المحمود، وأريد به ذلك على طريق الكناية؛ ليناسب ذكرَه بعد فقرهم، إذ الغنيُّ لا ينفع الفقير إلَّا إذا كان جواداً منعِماً، ومثلُه مستحقٌّ للحمد، وهذا كالتكميل لما قبله، كما في قول كعب الغنويّ: حليمٌ إذا ما الحلمُ زيَّن أهلَه مع الحلم في عين العدوِّ مهيبُ(١) ويدخلُ في عموم المستغنى عنه المخاطبونَ وعبادتُهم، وفي كلام الطيبيِّ رائحةٌ التخصيص، حيث قال ما سمعتَ نقلَه(٢): وهو سبحانه غنيٌّ عنكم وعن عبادتكم؛ لأَنَّه تعالى حميدٌ، له عبادٌ يحمدونَه وإن لم تحمدوه أنتم. والأولى التعميم. (١) أمالي القالي ١٤٩/٢، وخزانة الأدب ٤٣٥/١٠، ونسبه في الأصمعيات ص ١٠٠ لغُرَيقَة بن مسافع العبسي. وهو في البيان والتبيين ٣٣٢/٣ دون نسبة. قال عبد السلام هارون في تعليقه على البيان والتبيين: الأبيات من قصيدتين متشابهتين متداخلتين يخلط الرواة بين أبياتهما، إحداهما لكعب بن سعد الغنوي، والأخرى لعريقة (كذا) بن مسافع العبسي. (٢) لعله يريد: إثر ما سمعت نقله. سُؤُالأَنَظِل ٢٠٢ الآية : ١٦ - ١٨ وما روي في سبب النزول من أنَّه لمَّا كَثُرُ من النبيِّ نَّهِ الدعاءُ، وكثرَ الإصرارُ من الكفار قالوا: لعلَّ الله تعالى محتاجٌ لعبادتنا، فنزلت = لا يقتضي شيئاً من التخصيص في الآية كما لا يخفى. ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: إن يشأ سبحانه إذهابَكم أيُّها الناس والإتيان بخلقٍ جديدٍ يذهبكم ﴿وَيَأْتِ ◌ِخَلْقِ سَدِيدٍ ﴾﴾ بعالم غيرِ الناس لا تعرفونه، هذا إذا كان الخطابُ عامّاً، أو: إنْ يشأ يذهبكم أيُّها المشركون أو العرب ويأتِ بخلقٍ جديدٍ ليسوا على صفتكم، بل مستمرُّون على طاعته وتوحيده، وهذا إذا كان الخطابُ خاصًّا. وتفسيرُ الجديد بما سمعت مرويٌّ عن ابن عباس ◌َُّهَا، وأيّاً ما كان فالجملةُ تقریرٌ لاستغنائه عزَّ وجلَّ. ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من إذهابهم والإتيان بخلقٍ جديدٍ ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي: بصعبٍ، فإنَّ أمرَه تعالى إذا أراد شيئاً أنْ يقول له: كن، فيكون. ١٧ وإن كان في ((الناس)) تغليب الحاضر على الغائب، وأولي العلم على غيرهم، وكان الخطابُ هنا على ذلك الطرز، وقلنا: إنَّ الآية تشعرُ بأنَّ ما يأتي به سبحانه من العالم أبدعُ = أشكلَ بحسب الظاهر قول حجَّة الإسلام: ليس في الإمكان أبدعُ ممَّا كان(١) . وأُجيب بأنَّ ذلكَ على فرض وقوعِه داخلٌ في حيِّز ما كان، وهو مع هذا العالم كبعضٍ أجزاء هذا العالم مع بعض، أو بأنَّ الأبدعيَّة المشعور بها بمعنَى، والأبدعيَّة في كلام حجَّة الإسلام بمعنى آخر، فتدبّر. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ أي: لا تحملُ نفسٌ آئمةٌ ﴿وَزْدَ أُخْرَىْ﴾ أي: إثمَ نفسٍ أخرى، بل تحملُ كلُّ نفسٍ وزرَها. ولا منافاة بين هذا، وقولِه تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَتْقَالِهِمْ﴾ [الآية: ١٣] فإنَّه في الضَّالين المضلِّين، وهم يحملون إثمَ إضلالهم مع إثم ضلالِهم، وكلُّ ذلك آثامُهم، ليس فيها شيءٌ من آثام غيرهم، ولا ينافيه قوله (١) انظر إحياء علوم الدين ٢٥٨/٤. الآية : ١٨ ٢٠٣ سُؤُالآنَظلم سبحانه: (مَعَ أَتْقَالِهِمٌ) لأنَّ المرادَ بأثقالهم ما كان بمباشرتهم، وبما معها ما كان بسَوقِهم وتسبُّبهم، فهو للمضلِّين من وجهٍ، وللآخرين من آخر. ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ﴾ أي: نفسٌ أثقلتْها الأوزارُ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ الذي أثقلَها، ووزرِها الذي بَهَضَها (١)؛ ليُحمَل شيءٌ منه ويخفّف عنها. وقيل: أي: إلى حَمْل حملها ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾ لم تُجَب بحملٍ شيءٍ منه. والظاهر أنَّ ((ولا تزر)) إلخ نفيٌّ للحمل الاختياريِّ تكرُّماً من نفس الحامل ردّاً لقول المضلِّين: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] ويؤيِّدُه سببُ النزول، فقد رويَ أنَّ الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين: اكفروا بمحمدٍ (َّ﴾) وعليَّ وزرُكم، فنزلت. وهذا نفيٌّ للحمل بعد الطلب من الوازرة أعمُّ من أن يكون اختياراً أو جبراً، وإذا لم يجبر أحدٌ على الحمل بعد الطلب والاستعانة، عُلِمَ عدمُ الجبر بدونه بالطريق الأولى، فيعمُّ النفيُ أقسامَ الحمل كلِّها، وكذا الحاملُ أعمُّ من أن يكون وازراً أم لا، وجاء العموم من عدم ذكر المدعوِّ ظاهراً، وقد يقال مع ذلك: إنَّ في الأولى نفيَ حمل جميع الوزر، بحيث يتعرَّى منه المحمول عنه، وفي الثاني نفيَ التخفيف، فلا اتِّحاد بين مضموني الجملتين كما لا يخفى. وقيل في الفرق بينهما: إنَّ الأولَ نفيُ الحمل إجباراً، والثاني نفيٌ له اختياراً. وتعقِّبَ بأنَّ المناسب على هذا: ولا يوزر على وازرةٍ وزر أخرى، وإن تَدْعُ مثقلةٌ إلى حملها أحداً لا يحملْ منه شيئاً. وأيضاً حقُّ نفي الإجبار أنْ يُتَعرَّض له بعد نفي الاختيار. وقيل: إنَّ الجملة الأولى كما دلَّت على أنَّ المثقلَ بالذنوب لا يحملُ أحدٌ من ذنوبه شيئاً دلَّت على عدله تعالى الكامل، والجملةُ الثانية دلَّت على أنَّه لا مستغاثَ من هول ذلك اليوم أيضاً، وهما المقصودان من الآيتين، فالفرقُ باعتبار ذلك. ولعلَّ ما ذكرنَاه أوَّلاً أولى. وذكر بعض الأفاضل في الجملة الأولى ثلاثةً أسئلة، قال في الأخيرين منها: لم أرَ من تفطّن لهما، وقد أجابَ عن كلِّ : (١) أي: شقَّ عليها وفدحها. انظر القاموس واللسان (بهض). ٠ سُؤالأوظلم ٢٠٤ الآية : ١٨ الأول: أنَّ عدمَ حمل الغير على الغير عامٌّ في النفس الآثمة وغيرِ الآثمة، فَلِمَ خصَّ بالآئمة مع أنَّ التصريح بالعموم أتمُّ في العدل، وأبلغُ في البشارة، وأخصرُ في اللفظ؟ وذلك بأنْ يقال: ولا تحمل نفسٌ حملَ أخرى. وجوابه: أنَّ الكلامَ في أرباب الأوزار المعذَّبين لبيان أنَّ عذابَهم إنَّما هو بما اقترفوه من الأوزار، لا بما اقترفَه غيرهم. الثاني: أنَّ معنى وَزَرَ: حَمل الوزرَ، لا مطلق الحمل، على ما في ((النهاية)) الأثيرية، حيث قال: يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازِرٌ، إذا حَمل ما يُثْقِل ظهرَه من الأشياء المثقلة ومن الذنوب(١). فکیف صحّ ذکر وزر مع یزر؟ وجوابه: أنه من باب التجريد. الثالث: أن ((وازرة)) يفهمُ من ((تَزِر))، كما يفهم ضارب من يضرب مثلاً، فأيُّ فائدةٍ في ذكره؟ وجوابه: أنَّه إذا قيل: ضربَ ضاربٌ زيداً، فالذي يُستفاد من ضرب إنَّما هو ذاتٌ قام بها ضربٌ حدث من تعلُّق هذا الفعل بتلك الذات، ولمَّا عبَّر عن شيءٍ بما فيه معنى الوصفيَّة، وعُلِّق به معنى مصدريٌّ في صيغة فَعَلَ أو غيرها، فُهِم منه في عرف اللغة أنَّ ذلك الشيءَ موصوفٌ بتلك الصفة حالَ تعلُّق ذلك المعنى به لا بسببه، كما حققه بعض أجلَّة شراح («الكشاف))، فيجبُ أنْ يكون معنى ضارب في المثال: متصفاً بضربٍ سابق على تعلُّق ضربّ به، وكذا يقال في ((لا تزر وازرة))، وهذه فائدةٌ جليلةٌ، ويزيدها جلالةً استفادةُ العموم إذ(٢) أورد اسم الفاعل نكرةً في حيِّز نفي، وبذلك يسقطُ قول العلّامة التفتازانيّ: إنَّ ذكرَ فاعل الفعل بلفظ اسم فاعله نكرةً قليلُ الجدوی جدّاً. انتھی. وأنت تعلم أنَّه من مجموع الجملتين يستفادُ ما ذكره في السؤال الأوَّل من العموم، وفي خصوص هاتين الجملتين وذِكْرِهما معاً ما لا يخفى من الفائدة. (١) النهاية (وزر). (٢) في (م): إذا. وهي غير واضحة في الأصل. ولعلَّ المثبت هو الصواب. الآية : ١٨ ٢٠٥ سُوَالأَ نَظِ وفي ((القاموس)): وزَرَهُ - كوعده - وِزْرًا، بالكسر: حَمَلَهُ(١). وفي ((الكشاف)): وزرَ الشيءَ إذا حمله. ونحوه في ((البحر))(٢). وعلى ذلك لا حاجةً إلى التجريدِ فلا تغفل. وأصلُ الحِمْل ما كان على الظهر من ثقيلٍ، فاستعير للمعاني من الذنوب والآثام. وقرأ أبو السمَّال عن طلحة وإبراهيم عن الكسائيّ: ((لا تَحمِل)) بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الميم(٣)، وتقتضي هذه القراءةُ نصبَ ((شيء)» على أنَّه مفعولٌ به لـ «تحمل))، وفاعله ضمير عائدٌ على مفعول ((تَدْعُ))(٤) المحذوف، أي: وإن تَدْعُ مثقلةٌ نفساً إلى حملها، لم تَحمل منه شيئاً . ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: المدعوُّ، المفهوم من الدعوة ﴿ذَا قُرْبٌ﴾ ذا قرابةٍ من الدَّاعي. وقال ابن عطية (٥): اسم (كان)) ضمير الداعي، أي: ولو كان الداعي ذا قرابةٍ من المدعو. والأول أحسنُ؛ لأنَّ الداعيَ هو المثقلةُ بعينه، فيكونُ الظاهرُ عود الضمير علیه وتأنیثه. وقول أبي حيَّان: ذَكَّرَ الضميرَ حملاً على المعنى؛ لأنَّ قوله تعالى: ((مثقلة)) لا يراد بها مؤنَّثُ المعنى فقط، بل كلُّ شخصٍ، فكأنَّه قيل: وإن يدعُ شخصٌ مثقلٌ(٦) = لا يخفى ما فيه. وقرئ: ((ولو كان ذو قربى)) بالرفع (٧). وخُرِّجَ على أنَّ ((كان)) ناقصةٌ أيضاً، و((ذو قربى)) اسمها، والخبر محذوف، أي: ولو كان ذو قربى مدعوّاً. (١) القاموس (وزر). (٢) الكشاف ٣٠٥/٣، والبحر المحيط ٣٠٧/٧. (٣) البحر المحيط ٣٠٧/٧، وقراءة الكسائي المتواترة عنه كقراءة الجمهور، (٤) في الأصل و(م): تدعو. والمثبت من البحر المحيط ٧/ ٣٠٧ والكلام منه. (٥) في المحرر الوجيز ٤٣٥/٤ . (٦) البحر المحيط ٣٠٨/٧. (٧) البحر المحيط ٣٠٨/٧. سُوَ الأَوَظِل ٢٠٦ الآية : ١٨ وجُوِّزَ أنْ تكون تامَّةً، وتُعقِّبَ بأنَّه لا يلتئم معها النظمُ الجليل؛ لأنَّ الجملة الشرطيَّة كالتتميم والمبالغة في أنْ لا غياثَ أصلاً، فيقتضي أن يكونَ المعنى أنَّ المثقلةَ إنْ دَعَتْ أحداً إلى حملها لا يجيبُها إلى ما دعته إليه ولو كان ذو القربى مدعوّاً، ولو قلنا: إنَّ المثقلةَ إنْ دعت أحداً إلى حملها لا يَحْمِلُ مدعوُّها شيئاً ولو حضر ذو قربى، لم يحسُن ذلك الحُسْنَ، وملاحظةُ كونِ ذي القربى مدعوّاً بقرينة السياق، أو تقدير: فدعته - كما فعل أبو حيَّان(١) - خلافُ الظاهر، فيخفى عليه أمرُ الانتظام. ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ﴾ إلخ استئنافٌ مسوقٌ لبيان من يتَّعظ بما ذُكر، أي: إنَّما تنذرُ بهذه الإنذارات ونحوها ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشونه تعالى غائبين عن عذابه سبحانه، أو عن الناس في خلواتهم، أو يخشون عذابَ ربِّهم غائباً عنهم، فالجارُّ والمجرور في موضع الحال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿وَقَامُواْ السَّلَوَةَ﴾ أي: راعوها كما ينبغي، وجعلوها مناراً منصوباً وعَلَماً مرفوعاً، أي: إنَّما ينفعُ إنذارك وتحذيرُك هؤلاء من قومك دونَ مَن عَدَاهم من أهل التمرُّد والعناد. ونكتة اختلاف الفعلين تُعلَم ممَّا مَّ في قوله تعالى: (وَاللَّهُ الَِّىّ أَرْسَلَ الْرَّحَ فَتْيُرُ سَحَابًا) فتذگَّر، ما في العهد من قدم. ﴿وَمَن تَزََّى﴾ تَطَهَّرَ من أدناس الأوزار والمعاصي بالتاثَّر من هذه الإنذارات ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ﴾ لاقتصار نفعه عليها، كما أنَّ من تدَّس بها لا يتدنَّس إلَّا عليها، والتزِّ شاملٌ للخشية وإقامة الصلاة، فهذا تقريرٌ وحثٌّ عليهما. وقرأ العباس عن أبي عمرو: (ومن يزََّّى فإنَّما يزَّى)) بالياء من تحت، وشدٍّ الزاي فيهما(٢)، وهما مضارعان أصلهما: ومن يتزَّى فإنما يتزَّى، فأدغمت التاءُ في الزاي، كما أدغمت في ((يذَّگّرون». (١) في البحر ٧/ ٣٠٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٢٣، والبحر المحيط ٣٠٨/٧. الآية : ١٩ - ٢٢ ٢٠٧ سُوَالأَفَظِل وقرأ ابن مسعود وطلحة: ((ومن الزَّكَّى)) بإدغام التاء في الزاي، واجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وطلحة أيضاً: ((فإنَّما يزََّّى)(١) بإدغام التاء في الزاي. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ لا إلى أحدٍ غيره استقلالاً أو اشتراكاً، فيجازيهم على تَزَكِّيهم أحسنَ الجزاء. ®﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ((وما يستوي ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ البحران))، والأعمى والبصيرُ مَثَلان للكافر والمؤمن، كما قال قتادة والسُّدِّيُّ وغيرهما. وقيل: هما مَثَلان للصنم ولله عزَّ وجلَّ، فهو من تتمَّة قوله تعالى: ((ذلكم الله ربكم له الملك)) والمعنى: لا يستوي اللهُ تعالى مع ما عبدتم. ﴿وَلَا الْقُلُمَتُ وَلَا النُّورُ ◌َ ﴾ أي: ولا (٢) الباطل ولا الحق. ﴿وَلَّا الْظِلُّ وَلَا الْرُورُ ﴾﴾ ولا الثواب ولا العقاب. وقيل: ولا الجنَّة ولا النار. و((الحرور)) فعولٌ من الحرِّ، وأطلق - كما حُكي عن الفرَّاء - على شدَّةِ الحرِّ ليلاً أو نهاراً. وقال أبو البقاء: هو شِدَّة حرِّ الشمس. وفي ((الكشاف)): الحرور السموم، إلّا أنَّ السموم يكونُ بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل: بالليل(٣) . ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَّّْهُ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ تمثيلٌ آخر للمؤمنين الذين دخلوا في الدين بعدَ البعثة، والكافرين الذين أصرُّوا واستكبروا، فالتعريفُ - كما قال الطيبيُّ - للعهد. وقيل: للعلماء والجهلاء. والثعالبيُّ جعلَ ((الأعمى والبصير)) مَثَلين لهما(٤)، وليس بذاك. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ﴾ أن(٥) يسمعَه ويجعله مدركاً للأصوات. وقال (١) في الأصل و(م): تزكى. والمثبت من البحر المحيط ٣٠٨/٧، والدر المصون ٢٢٣/٩. (٢) لفظة: ولا. ليست في الأصل. (٣) الكشاف ٣٠٦/٣. (٤) أي: للجاهل والعالِم. تفسير أبي إسحاق الثعلبي ١٠٤/٨. (٥) في (م): أي. سُواأَفَظلم ٢٠٨ الآية : ٢٢ الخفاجيُّ(١) وغيره: ولعلَّ في الآية ما يقتضي أنَّ المرادَ: يسمعُ من يشاءُ سماعَ تدبُّرٍ وقَبولٍ لآياتِه تعالى. ﴿وَمَا أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِ الْقُبُورِ (®﴾ ترشيحٌ لتمثيل المصرِّين على الكفر بالأموات، وإشباعٌ في إقناطه عليه الصلاة والسلام من إيمانهم. والباء مزيدةٌ للتأكيد، أي: وما أنت مسمعٌ، والمراد بالسماع هنا ما أريدَ به في سابقه، ولا يأبى إرادةَ السماعِ المعروف ما وردَ في حديث القَليب (٢)؛ لأنَّ المرادَ نفيُّ الإسماع بطريق العادة، وما في الحديث من باب: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَعَّ﴾ [الأنفال: ١٧]، وإلى هذا ذهبَ البعض، وقد مرَّ الكلامُ في ذلك، فلا تغفل. وما ألطفَ نظمَ هذه التمثيلات، فقد شبَّه المؤمن والكافرَ أوَّلاً بالبحرين، وفضَّل البحرَ الأُجَّاج على الكافر؛ لخلوِّه من النفع، ثم بالأعمى والبصير مستتبعاً بالظلماتِ والنور والظلِّ والحرور، فلم يكتفِ بفقدان نورِ البصر، حتى ضمَّ إليه فقدان ما يمدُّه من النور الخارجيِّ، وقرنَ إليه نتيجةً ذلك العمى والفقدان، فكان فيه ترقٌّ من التشبيه الأوَّل إليه، ثم بالأحياء والأموات تَرَقِّياً ثانياً، وأردفَ قوله سبحانه: (وما أنت بمسمع من في القبور)). وذكر الطيبيُّ أنَّ إخلاءَ الثاني من ((لا)) المؤكِّدة؛ لأنَّه كالتمهيد لقوله تعالى: ((وما يستوي الأحياء ولا الأموات))، ولهذا كَرّر: ((وما يستوي))، وأمَّا ذكرُها في التمثيلين بعدَه، فلأنَّهما مقصودان في أنفسهما، إذ ما فيهما مَثَلان للحقِّ والباطل، وما يؤدِّيان إليه من الثواب والعقاب، دون المؤمن والكافر كما في غيرهما، وإنَّما حُمِلت على أنَّها زائدة للتأكيد، إذ ليس المرادُ أنَّ الظلمات في نفسها لا تستوي، بل تتفاوت، فمن ظلمة هي أشدُّ من أخرى مثلاً، وكذا يقال فيما بعد، بل المراد أنَّ الظلمات لا تساوي النور، والظلَّ لا يساوي الحرور، والأحياء لا تساوي الأموات. وزعم ابن عطية أنَّ دخول ((لا)) على نيَّة التكرار، كأنه قيل: ولا الظلمات (١) في حاشيته ٧/ ٢٢٣. (٢) سلف ٤٨٦/٢٠. الآية : ٢٢ ٢٠٩ سُؤَدَلاَ فَظِّم والنور ولا النور والظلمات، وهكذا، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودلّ مذكورُ الكلام على متروکه(١). والقولُ بأنَّها مزيدةٌ لتأكيد النفي يغني عن اعتبار هذا الحذف الذي لا فائدةً فيه. وقال الإمام: كُرِّرت ((لا)) فيما كررت؛ لتأكيد المنافاة، فالظلمات تنافي النور وتضادُّه، والظلُّ والحرور كذلك؛ لأنَّ المرادَ من الظلِّ عدمُ الحرِّ والبرد، بخلاف الأعمى والبصير، فإنَّ الشخصَ الواحدَ قد يكونُ بصيراً، ثمَّ يَعْرِضُ له العمى، فلا منافاةَ إلَّا من حيث الوصف، وأمَّا الأحياء والأموات فيهما؛ وإنْ كانا كالأعمى والبصير من حيث إنَّ الجسمَ الواحد قد يكون حيّاً، ثم يعرضُ له الموت، لكنَّ المنافاةَ بين الحيِّ والميت أتُّ من المنافاة بين الأعمى والبصير، فإنَّهما قد يشتركان في إدراك أشياء، ولا كذلك الحيُّ والميت، كيف والميتُ مخالفُ الحيِّ في الحقيقة على ما تبيَّن في الحكمة الإلهية(٢). وقيل: لم تكرَّر قبلُ وكَرِّرت بَعْدُ؛ لأنَّ المخاطبَ في أوَّل الكلام لا يقصر في فهم المراد. وقيل: كُرِّرَت فيما عدا الأخير؛ لأنَّه لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات والنور مثلاً، لتوهِّم نفي الاستواء بين مجموع الأعمى والبصير، ومجموع الظلمات والنور، وفي الأخير للاعتناء، وإدخال ((لا)) على المتقابلين؛ لتذكير نفي الاستواء. وقَدَّمَ الأعمى على البصير مع أنَّ البصيرَ أشرف؛ لأنَّه إشارةٌ إلى الكافر، وهو موجودٌ قبل البعثة والدعوة إلى الإيمان، ولنحو هذا قَدَّمَ الظلمات على النور، فإنَّ الباطلَ كان موجوداً، فدمغَه الحقُّ ببعثته عليه الصلاة والسلام، ولم يقدِّم الحرور على الظلِّ؛ ليكون على طرز ما سبقَ من تقديم غير الأشرف، بل قدَّمَ الظلَّ رعايةً لمناسبتِه للعمى والظلمة من وجه، أو لسبق الرحمة، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة. (١) المحرر الوجيز ٤ /٤٣٥. (٢) تفسير الرازي ١٦/٢٦. سُوَالأَ فَظِم ٢١٠ الآية : ٢٢ وقدَّم الأحياءَ على الأموات، ولم يعكس الأمرَ؛ ليوافق الأوَّلين في تقديم غير الأشرف؛ لأنَّ الأحياء إشارةٌ إلى المؤمنين بعد الدعوة، والأمواتَ إشارةٌ إلى المُصِرِّين على الكفر بعدها، ولذا قيل بعد: ((إنَّ الله يُسمعُ من يشاء)) إلخ، ووجودُ المصرِّين بوصف الإصرار بعد وجود المؤمنين. وقيل: قدَّم ما قدَّم فيما عدا الأخير؛ لأنَّه عدم وله مرتبة السبق، وفي الأخير؛ لأنَّ المرادَ بالأموات فاقدو الحياة بعد الاتِّصاف بها، كما يشعرُ به إرداف ذلك بقوله تعالى: (وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ)، فيكون للحياة مع أنَّها وجوديَّةٌ رتبةُ السبق أيضاً. وقيل: إنَّ تقديم غير الأشرف - مع انفهام أنَّه غير أشرف - على الأشرف؛ للإشارة إلى أنَّ التقديمَ صورةً لا يخلُّ بشرف الأشرف: فالنارُ يعلوها الدخان وربَّما يعلو الغبارُ عمائمَ الفرسان(١) وجمعُ الظلمات مع إفراد النور؛ لتعدُّد فنون الباطل واتِّحاد الحق. وقيل: لأنَّ الظلمةَ قد تتعدَّدُ فتكون في محالَّ قد تخلَّل بينها(٢) نورٌ، والنور في هذا العالم - وإن تعدَّد - إلَّا أنَّه يَتَّحد وراءَ محلٌّ تعدُّده. وجمعُ الأحياء والأموات على بابه؛ لتعدُّد المشبّه بهما. ولم يجمع الأعمى والبصير لذلك؛ لأنَّ القصدَ إلى الجنس، والمفردُ أظهرُ فيه، مع أنَّ في: البصراء، تركَ رعاية الفاصلة، وهو على الذوق السليم دونَ: البصير، فتدبّر جميعَ ذلك، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه وهو العليم الخبير. وقرأ الأشهب والحسن: ((بُمُسْمِعِ مَن)) بالإضافة(٣). (١) سلف ١٦/ ١١٧. (٢) في (م): بينهما. (٣) البحر المحيط ٣٠٩/٧، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٣ لعليٍّ ◌ُه، ونسبها النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٣٧٠، وتبعه القرطبي في تفسيره ٣٧١/١٧ للحسن وعيسى الثقفي وعمرو بن میمون. الآية : ٢٣ - ٢٤ ٢١١ سُوَالأَفَظِل ﴾ أي: ما عليك إلَّا أنْ تبلِّغ وتنذرَ، فإن كان المنذَر ممَّن ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذُِِّ ٢٣ أرادَ الله تعالى هدايته سمعَ واهتدى، وإنْ كان ممَّن أرادَ سبحانَه ضلالَهُ وطبعَ على قلبه فما عليك من تبعة. ﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقِ﴾ أي: محقِّين، على أنَّه حالٌ من الفاعل، أو محقّاً، على أنَّه حالٌ من المفعول، أو إرسالاً مصحوباً بالحقِّ، على أنَّه صفةٌ لمصدرٍ محذوف. وجَوَّزَ الزمخشريُّ تعلُّقه بقوله سبحانه: ﴿بَشِيرًا﴾، ومتعلّق قوله تعالى: ﴿وَنَذِيرًا﴾ محذوفٌ لدلالة المقابل على مقابله، أي: بشيراً بالوعد الحقِّ، ونذيراً بالوعيد الحقِّ(١). ﴿وَإِن مِنْ أُتَّةٍ﴾ أي: ما من جماعةٍ كثيرةٍ أهل عصر وأمةٍ من الأمم الدارجة في الأزمنة الماضية ﴿إِلَّ خَلَا﴾ مضى ﴿فِيَهَا نَذِيرٌ ﴾﴾ من نبيٍّ أو عالمٍ ينذرُها، والاكتفاء بذكره للعِلْم بأنَّ النذارة قرينةٌ(٢) البشارة، لا سيَّما وقد اقترنا آنفاً، مع أنَّ الإنذارَ أنسبُ بالمقام. وقيل: خُصَّ النذير بالذكر لأنَّ البشارةَ لا تكونُ إلَّا بالسمع، فهو من خصائص الأنبياء عليهم السلام، فالبشيرُ نبيٍّ أو ناقلٌ عنه، بخلاف النذارة، فإنَّها تكونُ سمعاً وعقلاً، فلذا وجّه النذير في كلِّ أمةٍ، وفيه بحث. واستدلَّ بعضُ الناس بهذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] على أنَّ في البهائم وسائر الحيوانات أنبياء أو علماء ينذرون. والاستدلالُ بذلك باطلٌ لا يكاد يخفى بطلانُه على أحدٍ حتى على البهائم، ولم نسمع القولَ بنبوّة فردٍ من البهائم ونحوها إلَّا عن الشيخ محيي الدين ومن تابعه قدَّس الله سرَّه، ورأيتُ في بعضٍ الكتب أنَّ القولَ بذلك كفرٌ، والعياذُ بالله تعالی. (١) الكشاف ٣٠٦/٣. (٢) في (م): قريبة، وهو تصحيف. سُؤَادَةَ فَظِ ٢١٢ الآية : ٢٥ - ٢٧ ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم العاتية، فلا تحزن من تكذيب هؤلاء إِيَّاك. ﴿ِجَتَهُمْ رُسُلُهُم﴾ في موضع الحال على ما قال أبو البقاء(١)، إمَّا بدون تقدير ((قد)) أو بتقديرها، أي: كذَّب الذين من قبلهم وقد جاءتهم رسلهم بِالْبَيْنَةِ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرة الدالّة على صدقهم فيما يدَّعون ﴿وَيِالزُّيُرِ﴾ كصُحُف إبراهيم عليه السلام ﴿وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴾﴾ كالتوراة والإنجيل على إرادة التفصيل، يعني أنَّ بعضَهم جاء بهذا، وبعضهم جاء بهذا، لا على إرادةٍ الجمع وأنَّ كلَّ رسولٍ جاء بجميع ما ذكر، حتى يلزم أن يكون لكلِّ رسولٍ كتاب، وعددُ الرسل أكثر بكثيرٍ من عدد الكتب كما هو معروف، ومآلُ هذا إلى منع الخلوِّ. ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب واحدٌ، والعطفُ لتغاير العنوانين، لكن فيه بُعْدٌ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وضع الظاهر موضع ضميرهم؛ لذمِّهم بما في حيِّز الصلة والإشعارِ بعلَّة الأخذ. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾﴾ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة، وفيه مزيدُ تشديدٍ وتهويلٍ، وقد تقدَّم الكلامُ في نظير هذا في ((سبأ)) فَتَذَكَّر. وفي الآية من تسليته وَليم ما فيها . ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ إلخ استئنافٌ مسوقٌ على ما يخطر بالبال لتقرير ما أشعرَ به قوله تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ) من عظيم قدرته عزَّ وجلَّ. وقال شيخ الإسلام: هو لتقرير ما قبله من اختلاف الناس ببيان أنَّ الاختلافَ والتفاوت أمرٌ مطَرَدٌ في جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان(٢). (١) في الإملاء ٢١٩/٤. (٢) تفسير أبي السعود ٧/ ١٥٠ . الآية : ٢٧ ٢١٣ سُؤَالأَفَظِل وقال أبو حيان: تقريرٌ لوحدانيَّته تعالى بأدلّةٍ سماويَّةٍ وأرضيَّةٍ، إثرَ تقريرها بأمثالٍ ضربها جلَّ شأنُه(١). وهذا کما تری. والاستفهامُ للتقرير، والرؤية قلبيّةٌ؛ لأنَّ إنزالَ المطر، وإن كان مدركاً بالبصر، لكنَّ إنزالَ الله تعالى إِيَّاه ليس كذلك، والخطابُ عامٌّ، أي: ألم تعلم أنَّ الله تعالى أنزلَ من جهة العلوِّ ماء ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِ﴾ أي: بذلك الماء، على أنَّه سببٌ عاديٌّ للإخراج، وقيل: أي: أخرجنا عنده. والالتفاتُ لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة. ﴿ثَمَزَتٍ تُخْلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ أي: أنواعُها، من التفّاح والرمَّان والعنب والتين وغيرها ممَّا لا يحصر، وهذا كما يقال: فلانٌ أتى بألوانٍ من الأحاديث، و: قدَّم كذا لوناً من الطعام، واختلافُ كلِّ نوع بتعدُّد أصنافه كما في التفّاح، فإنَّ له أصنافاً متغايرةً لذَّةً وهيئة، وكذا في سائر الثمرات، ولا يكاد يوجدُ نوعٌ منها إلَّ وهو ذو أصنافٍ متغايرة. ويجوز أنْ يُرَاد اختلافُ كلِّ نوعٍ باختلاف أفراده. وأخرجَ عبدُ بن حميد وابن جرير عن قتادة أنَّه حملَ الألوانَ على معناها المعروف، واختلافها بالصفرة والحمرة والخضرة وغيرها (٢)، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وهو الأوفقُ لما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ بُّدَهُ بِيضٌُ وَحُمْرٌ﴾ وهو إمَّا عطفٌ على ما قبله بحسب المعنى، أو حالٌ، وكونه استئنافاً مع ارتباطه بما قبله غیرُ ظاهر. و((جدد)) جمع: جُدَّةٍ بالضَّمِّ، وهي الطريقة، من جَدَّه: إذا قطعه. وقال أبو الفضل: هي من الطرائق ما يخالف لونُه لونَ ما يليه، ومنه جُدَّة الحمار للخطّ الذي في وسط ظهره يخالف لونه. (١) البحر المحيط ٣١١/٧. (٢) الدر المنثور ٢٤٩/٥، وأخرجه الطبريُّ في تفسيره ٣٦٣/١٩. سُؤُالأَنَظ ٢١٤ الآية : ٢٧ وسأل ابنُ الأزرق ابنَ عباس ◌ًِّا عن الجُدَد، فقال: طرائق؛ طريقةٌ بيضاء، وطريقةٌ خضراء، وأنشدَ قول الشاعر: قد غادرَ السبعُ في صفحاتها جُدَداً كأنَّها طُرقٌ لاحت على أكمٍ (١) والكلامُ على تقدير مضاف إن لم تُقصد المبالغة؛ لأنَّ الجبالَ لیست نفس الطرائق، أي: ذو جدد. وقرأ الزهريُّ: ((جُدُد)) بضمَّتين(٢)، جمع: جَدِيدة، كسفينة وسفن، وهي بمعنى جُدَّة. وقال صاحب ((اللوامح)): هو جمعُ جديد بمعنى: آثارٌ جديدةٌ واضحةُ الألوان. وقال أبو عبيدة: لا مدخلَ لمعنى الجديد(٣) في هذه الآية. ولعلَّ من يقول بتجدُّد حدوث الجبال وتكونُها من مياهٍ تنبعُ من الأرض وتتحجّر أولاً فأولاً، ثم تنبعُ من موضعٍ قريبٍ ممَّا تحجَّر، فتتحجَّرُ أيضاً، وهكذا حتى يحصل جبل = لا يأبى حملَ الآية على هذه القراءة على ما ذكر. والظاهر من الآيات والأخبار أنَّ الجبالَ أحدثَها اللهُ تعالى بُعَيْدَ خلق الأرض؛ لئِلَّا تميدَ بسكّانها، والفلاسفةُ يزعمون أنَّها كانت طيناً في بحار انحسرت ثمَّ تحجَّرت، وقد أطال الإمام الكلامَ على ذلك في كتابه ((المباحث المشرقية)»، واستدلَّ على ذلك بوجود أشياء بحرية كالصدف بينَ أجزائها. وهذا عند تدقيق النظر هباءٌ، وأكثرُ الأدلَّة مثله، ومن أراد الاطّلاعَ على ما قالوا فليرجع إلى كتبهم. وروي عنه أيضاً أنه قرأ: ((جَدَد)» بفتحتين(٤)، ولم يُجِز ذلك أبو حاتم، وقال: إنَّ هذه القراءة لا تصحّ من حيث المعنى. وصحَّحها غيرُه وقال: الجَدَد: الطريقُ الواضح المبين، إلَّا أنَّه وضعَ المفرد موضعَ الجمع، ولذا وُصِف بالجمع. (١) الدر المنثور ٢٤٩/٥، وعزاه للطستي. (٢) المحتسب ١٩٩/٢، والكشاف ٣٠٧/٣، والبحر المحيط ٣١١/٧. (٣) في الأصل و(م): الجديدة، والمثبت من البحر ٣١١/٧، وعنه نقل المصنف. (٤) القراءات الشاذة ص ١٢٣-١٢٤، والمحتسب ١٩٩/٢، والبحر المحيط ٣١١/٧. الآية : ٢٧ ٢١٥ سُؤَلاَ فَظِل وقيل: هو من باب: نطفةٌ أمشاج، وثوبٌ أخلاق؛ لاشتمال الطريق على قِطَعٍ. وتعقِّبَ بأنَّه غيرُ ظاهر ولا مناسبٍ لجمع الجبال. ﴿ُخْتَلِفُ أَلْوَثُهَا﴾ أي: أصنافُها بالشدَّةِ والضعف؛ لأنَّها مقولةٌ بالتشكيك(١)، فـ (مختلف)) صفة ((بيضٌ وحمرٌ))، و((ألوانها)) فاعلٌ له، وليس بمبتدأ و((مختلف)) خبره؛ لوجوب مختلفة حينئذٍ، وجُوِّز أن يكون صفة ((جدد)). ﴿وَغَِيبُ﴾ عطفٌ على ((بيض))، فهو من تفاصيل الجدد والصفات القائمة بها، أي: ومن الجبال ذو ◌ُدَدٍ بیض وحمر وغرابيب. والغِرْبِيبُ هو الذي أَبْعَدَ في السواد وأَغْرَبَ فيه، ومنه الغراب، وكثر في كلامهم إتباعُه للأسود على أنَّه صفةٌ له أو تأكيدٌ لفظيّ، فقالوا: أسودٌ غربيبٌ، كما قالوا: أبيضُ يَقَقٌّ، وأصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانٍ. وظاهر كلام الزمخشري(٢) أنَّ ((غرابيب)) هنا تأكيدٌ لمحذوف، والأصل: وسودٌ غرابيب، أي: شديدة السواد. وتُعقّب بأنَّه لا يصحُّ إلَّا على مذهب من يُجوِّزُ حذفَ المؤكَّد، ومن النحاة من مَنع ذلك - وهو اختيارُ ابن مالك - لأنَّ التأكيدَ يقتضي الاعتناء والتقوية وقصدَ التطويل، والحذف يقتضي خلافه. وردَّه الصفَّار كما في ((شرح التسهيل)) لأنَّ المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده، وفي بعض شروح ((المفصّل)) أنه صفةٌ لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه، وقوله تعالى: ﴿سُوءٌ ﴾﴾ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له، وهو مفسِّرٌ للمحذوف، ونظير ذلك قول النابغة: والمؤمِنِ العائذاتِ الطيرَ يمسحُها ركبانُ مَّةَ بين الغَيْلِ والسَّنَدِ (٣) وفيه التفسيرُ بعد الإبهام، ومزيدُ الاعتناء بوصف السواد، حيث دلَّ عليه من طريق الإضمار والإظهار. (١) اللفظ المقول بالتشكيك: هو لفظ يدل على أمر عامّ مشتركٍ بين أفرادٍ لا على السَّواء، بل على التفاوت. المعجم الوسيط (شكك). (٢) في الكشاف ٣٠٧/٢. (٣) ديوان النابغة ص ٣٥، وفيه: والسَّعَد، بدل: والسَّند. سُو الأنظلم ٢١٦ الآية : ٢٨ ويجوز أن يكون العطفُ على ((جدد)» على معنى: ومن الجبال ذو جددٍ مختلف اللون، ومنها غرابيب متحدةُ اللون، كما يؤذنُ به المقابلةُ وإخراجُ التركيبِ على الأسلوب الذي سمعته، وكأنَّه لمَّا اعتنى بأمرٍ السواد بإفادة أنَّه في غاية الشدّة، لم يذكر بعده الاختلاف بالشدَّة والضعف. وقال الفرَّاء: الكلامُ على التقديم والتأخير، أي: سودٌ غرابيب. وقيل: ليس هناك مؤَّدٌ ولا موصوفٌ محذوف، وإنَّما ((غرابيب)» معطوفٌ على (جُدَد)) أو على ((بيض)) من أوَّل الأمر و((سود)) بدلُ منه. قال في ((البحر)): وهذا حسنٌّ، ويحسِّنُه كونُ غربيب لم يلزم فيه أن يستعملَ تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث: ((إنَّ الله تعالى يبغضُ الشيخَ الغربيب)» (١) وهو الذي يخضبُ بالسواد - وفسَّره ابنُ الأثير بالذي لا يشيب(٢)، أي: لسفاهتِه أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته، وحَكَى(٣) ما في ((البحر)) بصيغة قيل - وقولُ الشاعر: العینُ طامحةٌ والیدُ شامخةٌ والرجلُ لائحةٌ والوجهُ غربيبُ(٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآنِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَتُهُ﴾ أي: ومنهم بعضٌ مختلفٌ ألوانُه، أو: وبعضُهم(٥) مختلفٌ ألوانُه على ما ذَكروا في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]. والجملةُ عطفٌ على الجملة التي قبلَها، وحكمُها حكمها. وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنَّ إيرادَ الجملتين اسميتين، مع مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعليَّة في الاستشهاد بمضمونها على تباين الناس في الأحوال الباطنة؛ لمَا أنَّ اختلافَ الجبال والناس والدوابِّ والأنعام فيما ذكر من الألوان أمرٌ (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٠١٦/٣. قال محمد بن طاهر المقدسي في ذخيرة الحفاظ ٦٠٣/٢: وهذا لا يرويه غير رشدين، وهو ضعيف جداً. (٢) النهاية (غربب). (٣) أي: ابن الأثير. (٤) البحر ٣١٢/٧، وفيه: واليد سابحة، والبيت في ديوان امرئ القيس برواية: والعين قادحة واليدُ سابحةٌ والرجلُ طامحةٌ واللونُ غربیبُ (٥) في الأصل و(م): أو بعضهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٥١/٧، والكلام منه. الآية : ٢٨ ٢١٧ سُوَالأَنَظلم مستمرٌّ، فعبّر عنه بما يدلُّ على الاستمرار، وأمَّا إخراجُ الثمرات المختلفة، فحيث كان أمراً حادثاً، عبَّرَ عنه بما يدلُّ على الحدوث، ثمَّ لمَّا كان فيه نوعُ خفاءٍ، علّق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريريِّ المنبئ عن الحمل عليها والترغيب فيها، بخلافٍ أحوال الجبال والناس وغيرهما، فإنَّها مشاهدةٌ غنيّةٌ عن التأمُّل، فلذلك جُرِّدَت عن التعليق بالرؤية، فتدبّر(١). اهـ. وما ذكرَه من أمر تعليقِ الرؤية مخالفٌ لما في ((البحر))، حيث قال: وهذا استفهامُ تقريرٍ، ولا يكونُ إلَّا في الشيءِ الظاهرِ جدّاً (٢). فتأمَّل. وقرأ الزهريُّ: ((والدوابِ)) بتخفيف الباء(٣)، مبالغةً في الهرب من التقاء الساكنين، كما همز بعضهم: ((ولا الضألِين)) (٤) لذلك. وقرأ ابن السميفع: ((ألوانُها)»(٥). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ في محلِّ نصبٍ صفةٍ لمصدرٍ ((مختلف)) المؤكِّد، والتقدير: مختلفٌ اختلافاً كائناً كذلك، أي: كاختلاف الثمرات والجبال، فهو من تمام الكلام قبلَه، والوقف عليه حسن بإجماع أهل الأداء. وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ تكملةٌ لقوله تعالَى: ((إنَّما تنذرُ الذين يخشون ربَّهم بالغيب)) بتعيين من يخشاه عزَّ وجلَّ من الناس بعد الإيماء إلى بيان (٦) شرف الخشية، ورداءة ضدِّها، وتوعُّد المتَّصفين به، وتقرير قدرته عزَّ وجلَّ المستدعي للخشية، على ما نقول. أو بعد بيان اختلاف طبقات الناس، وتباين مراتبهم؛ أمَّا في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل، وأمَّا في الأوصاف الصوريَّة فبطريق التصريح؛ توفيةً لكلِّ واحدةٍ منهما حقَّها اللائقَ بها من البيان. وقيل: ((كذلك)) في موضع رفعِ خبرٍ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمر كذلك، أي: (١) تفسير أبي السعود ١٥١/٧ . (٢) البحر ٣١١/٧. (٣) المحتسب ٢/ ٢٠٠، والبحر المحيط ٣١٢/٧. (٤) هي قراءة أيوب السختياني كما في القراءات الشاذة ص ١، والمحتسب ٤٦/١. (٥) المحتسب ٢/ ٢٠٠، والبحر المحيط ٣١٢/٧. (٦) لفظة: بيان. ليست في الأصل. سُالأَنَظ ٢١٨ الآية : ٢٨ كما بُيِّن ولُخِّص، ثم قيل: ((إنَّما يخشَى الله)) إلخ، وسلك به مسلكَ الكناية من باب: العرب لا تخفر الذمم (١)؛ دلالةً على أنَّ العلم يقتضي الخشية ويناسبُها، وهو تخلُّصٌ إلى ذكر أوليائه تعالى، مع إفادةِ أنَّهم الذين نفعَ فيهم الإنذار، وأنَّ لك بهم غنيةً عن هؤلاء المصرِّين. قال صاحب ((الكشف)): والرفعُ أظهر ليكون من فصل الخطاب. وقال ابن عطية(٢): يحتملُ أن يكون ((كذلك)) متعلِّقاً بما بعده، خارجاً مخرج السبب، أي: كذلك الاعتبارِ والنظر في مخلوقات الله تعالى واختلاف ألوانها يخشَى اللهَ العلماءُ. وردَّه السمينُ بأنَّ ((إنَّما)) لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلها، وبأنَّ الوقفَ على (كذلك)) عند أهل الأداء جميعاً(٣). وارتضاه الخفاجيُّ وقال: وبه ظهر ضعفُ ما قيل: إنَّ المعنى: الأمرُ كذلك، أي: كما بُيِّنَ ولُخِّص، على أنه تخلُّصٌ لذكر أولياء الله تعالى(٤). وفيه أنَّه ليس في هذا المعنى عملُ ما بعدَ ((إنَّما)) فيما قبلها، وإجماعُ أهلٍ الأداء على الوقف على ((كذلك)) - إن سُلِّم - لا يظهرُ به ضعفُ ذلك، وفي بعض التفاسير المأثورة عن السلف ما يُشعرُ بتعلَّق ((كذلك)) بما بعده؛ أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: كما اختلفت هذه الأنعام تختلفُ الناس في خشية الله تعالى كذلك(٥). وهذا عندي ضعيفٌ، والأظهر ما عليه الجمهور، وما قيلَ أدقُّ وألطف. والمراد بالعلماء: العالمون بالله عزَّ وجلَّ وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الحميدة وسائر شؤونه الجميلة، لا العارفون بالنحو والصرف مثلاً، فمدار (١) ينظر شرح ذلك في الكشاف ٣/ ٤٦٢-٤٦٣. (٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٣٧ . (٣) أي: وقف تامّ. الدر المصون ٢٣١/٩. (٤) حاشية الشهاب ٢٢٤/٧-٢٢٥. (٥) الدر المنثور ٢٤٩/٥. الآية : ٢٨ ٢١٩ سُوَالأَفَظلم الخشية ذلك العلم لا هذه المعرفة، فكلُّ من كان أعلم به تعالى كان أخشى. روى الدارميُّ عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام: يا ربّ، أيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكمُ للناس كما يحكم لنفسه. قال: يا ربّ، أيُّ عبادِك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمتُ له. قال: يا ربّ، أيُّ عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بي(١). وصحَّ عنه وَّ أنه قال: ((أنا أخشاكم لله وأتقاكم له))(٢). ولكونه المدار ذُكِرت الخشيةُ بعدَ ما يدلُّ على كمال القدرة، ولهذه المناسبة فسَّر ابن عباس - كما أخرج عنه ابن المنذر وابن جرير - ((العلماء)) في الآية بالذين يعلمون أنَّ الله تعالى على كلِّ شيءٍ قدير(٣). وتقديمُ المفعول؛ لأنَّ المقصودَ بيانُ الخاشين، والإخبارُ بأنَّهم العلماءُ خاصَّةً دون غيرهم، ولو أخّرَ لكان المقصودُ بيانَ المخشيِّ، والإخبارَ بأنَّه الله تعالى دونَ غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩] والمقامُ لا يقتضيه، بل يقتضي الأوَّلَ؛ ليكونَ تعريضاً بالمنذَرين المصرِّين على الكفر والعناد، وأنهم جهلاءُ بالله تعالى وبصفاته، ولذلك لا يخشونَ الله تعالى ولا يخافون عقابه. وأنكر بعضهم إفادة ((إنما)) هنا للحصر. وليس بشيء. وروي عن عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة ﴿يا أنَّهما قرأ: ((إنما يخشى الله) بالرفع ((العلماءَ)) بالنصب(٤)، وطعنَ صاحب ((النشر)) في هذه القراءة(٥)، وقال أبو حيان: لعلها لا تصحُّ عنهما، وقد رأينا كتباً في الشواذِّ، ولم يذكروا هذه (١) سنن الدارمي (٣٦٢). (٢) أورده بهذا اللفظ البغوي في تفسيره ٤٠٧/٣، وأبو السعود في تفسيره ٧/ ١٥١. وأخرج البخاري في صحيحه (٢٠) من حديث عائشة قوله وَله: ((إنَّ أتقاكم وأعلمَكم بالله أنا)). وبرقم (٦١٠١) و(٧٣٠١) عن عائشة أيضاً بلفظ: ((فوالله إنِّي لأعلمُهم بالله وأشدُّهم له خشية)). وأخرج مسلم في صحيحه (١١١٠) من حديث عائشة أيضاً: ((والله إنِّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلم بما أنَّقي». (٣) الدر المنثور ٢٥٠/٥، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٦٤/١٩. (٤) الكشاف ٣٠٨/٣، وتفسير القرطبي ٣٧٧/١٧، والبحر المحيط ٧/ ٣١٢. (٥) النشر ١٦/١. ٢٢٠ الآية : ٢٩ القراءة، وإنَّما ذكرها الزمخشريُّ، وذكرها عن أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة(١) في كتابه ((الكامل))(٢). وخُرِّجت على أنَّ الخشيةَ مجازٌ عن التعظيم بعلاقة اللزوم، فإنَّ المعظّم يكون مهيباً . وقيل: الخشيةُ تَرِد بمعنى الاختيار، كقوله: خشيت بني عمِّي فلم أَرَ مثلهم(٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾﴾ تعليلٌ لوجوب الخشية؛ لأنَّ العزَّة دالَّةٌ على كمال القدرة على الانتقام، ولا يوصَفُ بالمغفرة والرحمة إلَّا القادرُ على العقوبة. وقيل: ذكر ((غفور)) من باب التكميل نظير ما في بيت الغنوي المذكور آنفاً (٤). والآية - على ما في بعض الآثار - نزلت في أبي بكر الصديق ظُبه، وقد ظهرت عليه الخشیةُ حتی عُرِفت فيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اَللَّهِ﴾ أي: يداومون على قراءته، حتى صارت سمةً لهم وعنواناً، كما يُشعرُ به صيغةُ المضارع ووقوعُه صلةً واختلافُ الفعلين. والمراد بـ ((كتاب الله)) القرآن، فقد قال مطرف بن عبد الله بن الشِّخير: هذه آية القُرَّاء. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في ((تفسيره)) عن ابن عباس أنَّها نزلت في حصين بن الحارث بن عبد المطلب القرشيّ(٥). ثم إنَّ العبرةَ بعموم اللفظ، فلذا قال السُّدّيُّ في الثَّالِين: هم أصحابُ رسول الله وَّ﴾. وقال عطاء: هم المؤمنون. أي: عامَّة، وهو الأرجح، ويدخلُ الأصحابُ دخولاً أوَّلِيّاً . (١) في (م): جنادة. وهو خطأ. وهو الهذلي المتوفى سنة (٤٦٥ هـ). له ترجمة مطولة في غاية النهاية ٢/ ٣٩٧-٤٠١. (٢) البحر المحيط ٣١٢/٧. (٣) أورده الخفاجي في حاشيته ٧/ ٢٢٥ دون نسبة. (٤) ص٢٠١ من هذا الجزء. (٥) الدر المنثور ٢٥١/٥، ولباب النقول ص ١٨١. والصواب كما في الإصابة ٢٥٥/٢، والاستيعاب ٣٤/٣ (بهامش الإصابة): حصين بن الحارث بن المطلب. والله أعلم.