Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٥٢
١٤١
وليس إلى تناوشها سبيلٌ(١)
تمثَّى أنْ تؤوبَ إليَّ مَيٍّ
ولا يخفى أنَّه ليس بنصِّ في ذلك. والمرادُ تمثيلُ حالهم في الاستخلاص
بالإيمان بعدما فاتَ عنهم وبَعُدَ بحالِ مَن يريدُ أن يتناول الشيءَ بعد أنْ بَعُدَ عنه
وفات في الاستحالة.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وأبو عمرو وأبو بكر: ((التناؤش)) بالهمز(٢)، وخُرِّج على
قلب الواو همزةً.
قال الزجاج: كلُّ واوٍ مضمومةٍ ضمَّةً لازمةً، فأنت بالخيار فيها، إن شئت
أبقيتَها، وإن شئتَ قلبتَها همزةً، فتقول: ثلاث أَدْوُرٍ بلا همز، وثلاث أدور
بالهمز(٣).
وتعقَّب ذلك أبو حيان فقال: إنَّه ليس على إطلاقه، بل لا يجوز ذلك في
المتوسطة إذا كانت مدغماً فيها نحو: تعوُّد وتعوُّذ، مصدرين، وقد صَرَّحَ بذلك في
(التسهيل))، ولا إذا صحَّت في الفعل نحو: تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكاً، وتعاونَ تعاوُناً، وعلى
هذا لا يصحُّ التخريج المذكور؛ لأنَّ التناوش كالتعاون في أنَّ واوه قد صحّت في
الفعل، إذ تقول: تناوش، فلا يهمز.
وقال الفراء (٤): هو من نَأَشْتُ، أي: تأخّرتُ، وأنشد قولَ نهشل:
تمنّى نَئِيْشاً أنْ يكون أطاعني
وقد حَدَثت بعد الأمور أمورٌ(٥)
(١) الزاهر لابن الانباري ٢٤٤/١، وهو أيضاً في النكت والعيون ٤٥٩/٤، والمحرر الوجيز
٤٢٧/٤، وتفسير القرطبي ٣٣٦/١٧، والبحر المحيط ٢٩٣/٧.
ووقع في الزاهر والمحرر: إليك. بدل: إلي.
(٢) التيسير ص ١٨١، والنشر ٣٥١/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٥٩/٤.
(٤) في معاني القرآن له ٣٦٥/٢.
(٥) نسبه الزمخشري في المستقصى ٣٠٢/١، والبصري في حماسته ٣٧/٢، وابن منظور في
اللسان (ناش) لنهشل بن حَرِّي.
=

١٤٢
الآية : ٥٣
أي: تمنَّى أخيراً، والضميرُ للمولَى في قوله:
ومولّى عصاني واستبدَّ برأيه كما لم يُطَع فيما أشار(١) قصيرُ
فالهمزةُ فيه أصليّةٌ، واللفظ ورد من مادتين.
وقال بعضهم: هو من نأشت الشيءَ، إذا طلبتَه، قال رؤية:
أقحمني جارُ أبي الخابوش إليك نأش القدر النؤوش (٢)
فالهمزة أصليَّةٌ أيضاً.
قيل: والتناؤش على هذين القولين بمعنى التناول من بُعْدٍ؛ لأنَّ الأخير يقتضي
ذلك، والطلب لا يكون للشيء القريب منك الحاضر عندك، فيكون ((من مكان
بعيد)) تأكيداً، أو يجرَّد التناوش لمطلق التناول. وحمل البعد في قيده على البعد
الزمانيّ بحثَ فيه الشهاب بأنَّه غيرُ صحيح؛ لأنَّ المستعارَ منه هو في المكان،
وما ذكر من أحوال المستعار له (٣).
﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ حالٌ أو معطوفٌ أو مستأنفٌ، والأول أقرب، والضمير
المجرور لما عاد عليه الضميرُ السابق في ((آمنا به)). ﴿مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل ذلك
في أوان التكليف.
= وهو في معاني القرآن للفراء ٣٦٥/٢، وتفسير الطبري ٣١٥/١٩، والزاهر ٢٤٤/١،
والصحاح (نأش) دون نسبة.
(١) في (م): أشاء. وهي غير واضحة في الأصل. والمثبت من اللسان (نأش)، وحاشية
الشهاب ٢١٢/٧. ورواية البيت في الحماسة البصرية: في البقتين. بدل: فيما أشار.
(٢) ديوان رؤبة ص٧٧-٧٨، وفيه: أبي الخاموش، وقد اضطربت المصادر فيه، فجاء في غريب
الحديث لإبراهيم الحربي ٨٨٤/٢: أبي الحاشوش. وفي المخصص لابن سيده ٥١/١٣ :
أفحمني جار أبي الخاموش. وفي تفسير البيضاوي (ومعه حاشية الشهاب) ٧/ ٢١٢ :
أبي الخاموش، مثل رواية الدیوان.
قال الشهاب الخفاجي في حاشيته: وأقحمني في بيت رؤبة بالقاف والحاء المهملة، بمعنى
ألجأني، وأبو الخاموش بالخاء والشين المعجمتين عَلَم رجلٍ. وقيل: أفحم بالفاء،
والجاموس بالجيم. ولست على ثقة منه. اهـ.
(٣) حاشية الشهاب ٢١٣/٧.

الآية : ٥٣
١٤٣
سُورَلا ◌َبًا
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ أي: وكانوا يرجمون بالمظنون، ويتكلَّمون بما لم يظهر
لهم ولم ينشأ عن تحقيق في شأن الله عزَّ وجلَّ، فينسبونَ إليه سبحانه الشريكَ،
ويقولون: الملائكةُ بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، أو في شأن الرسول
عليه الصلاة والسلام، فيقولون فيه - وحاشاه -: شاعر، وساحر، وكاهن، أو في
شأن العذاب، أو البعث، فيبُّون القولَ بنفيه.
﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ من جهةٍ بعيدة من أمر مَن تكلَّموا في شأنه، والجملة
عطف على ((وقد كفروا))، وكان الظاهر: وقَذَفوا، إلَّا أنه عدلَ إلى صيغة المضارع
حكايةً للحال الماضية.
والكلام قيل: لعله تمثيلٌ لحالهم مِنَ التكلُّم بما يظهرُ لهم ولم ينشأ عن تحقيقٍ
بحالٍ من يرمي شيئاً لا يراه من مكانٍ بعيد. لا مجال للظنِّ في لحوقه.
وجَوَّز الزمخشريُّ كونَه عطفاً على ((قالوا آمنا به)) على أنَّهم مُثِّلوا في طلبهم
تحصيلَ ما عطّلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم: آمنا في الآخرة - وذلك مطلبٌ
مستبعدٌ - بمن يقذفُ شيئاً من مكانٍ بعيدٍ لا مجال للظنِّ في لحوقه، حيث يريد أنْ
يقع فيه لكونه غائباً عنه شاحطاً(١).
وقرأ مجاهد وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو: ((يُقْذَفون)) مبنيّاً للمفعول(٢).
قال مجاهد: أي: ويَرجمهم الوحيُّ بما يكرهون ممَّا غاب عنهم من السماء، وكأنَّ
الجملةَ في موضع الحال من ضمير ((كفروا))، كأنه قيل: وقد كفروا به من قبل، وهم
يُقْذَفون بالحقِّ الذي غاب عنهم وخفيَ عليهم. والمراد تعظيم أمر كفرهم.
وجُوِّزَ أن يُرَاد بالغيب ما خفي من معايبهم، أي: وقد كفروا، وهم يقذفهم
الوحيُّ من السماء ويرميهم بما خفي من معايبهم.
وقال أبو الفضل الرازي: أي: ويُرمون بالغيب من حيث لا يعلمون، ومعناه:
(١) الكشاف ٢٩٦/٣-٢٩٧.
(٢) البحر المحيط ٢٩٤/٧، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٢، والمحتسب ١٩٧/٢ عن
مجاهد فقط .

سُالأنباء
١٤٤
الآية : ٥٤
يجازَون بسوء أعمالهم، ولا علم لهم بمأتاه؛ إمَّا في حال تعذّر التوبة عند معاينة
الموت، وإمّا في الآخرة. انتهى. وفي حالية الجملة عليه نوعُ خفاء.
وقال الزمخشريُّ: أي: وتَقذفهم الشياطينُ بالغيب ويلقِّنونهم إِيَّاه(١). وكأنَّ
الجملة عطف علی «قد کفروا».
وقيل: أي: يلقونَ في النار. وهو كما ترى.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: هو الرجوع إلى الدنيا. وقال
الحسن: هو الإيمان المقبول. وقال قتادة: طاعةُ الله تعالى. وقال السُّدِّيُّ: التوبة.
وقال مجاهد: الأهلُ والمال والولد.
وقيل: أي: حيل بين الجيش والمؤمنين بالخسف بالجيش، أو بينهم وبين
تخريب الكعبة، أو بينهم وبين النجاة من العذاب، أو بينهم وبين نعيم الدنيا ولذَّتِها،
وروي ذلك عن مجاهد أيضاً .
و((حيل)) مبنيٌّ للمجهول، ونائب الفاعل - كما قال أبو حيان - ضميرُ المصدر،
أي: وحيل هو، أي: الحول، وحاصله: وقعت الحيلولة، ولإضماره لم يكن
مصدراً مؤكّداً، فناب مناب الفاعل، وعلى ذلك يخرَّجُ قوله:
وقالت متى يُبْخَل عليك ويُعْتَلِلْ يَسؤكَ وإن يُكْشِفْ غرامُك تَدربٍ(٢)
أي: يعتلل هو، أي: الاعتلال.
وقال الحوفيُّ: قام الظرفُ مقام الفاعل. وتعقَّبه في ((البحر))(٣) بأنه لو كان
كذلك لكان مرفوعاً، والإضافة إلى الضمير لا تسوِّغُ البناء، وإلا لساغ: جاء
غلامَك، بالفتح، ولا يقوله أحد. نعم للبناء للإضافة إلى المبنيِّ مواضعُ أحكمت
في النحو، وماذا يقول الحوفيُّ في قوله:
(١) الكشاف ٢٩٦/٣.
(٢) البحر المحيط ٢٩٥/٧. والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٤٢.
(٣) ٢٩٤/٧.

التفسير الإشاري (١٠-٥٠)
١٤٥
وقد حيل بين العير والشَّزوان(١)
فإِنَّه نصب ((بینَ)) مع إضافتها إلى معرب
وقرأ ابنُ عامر والكسائي بإشمام الضَّمِّ للحاء (٢).
﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلٌ﴾ أي: بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة. و((من
قبل)) متعلِّق بـ ((أشياعهم))، على أنَّ المراد مَن انَّصفَ بصفتهم ((من قبل)) أي: في
الزمان الأول. ويرجِّحه أنَّ ما يفعل بجميعهم في الآخرة إنَّما هو في وقت واحدٍ.
أو متعلّقٌ بفعل إذا كانت الحيلولة في الدنيا .
وعن الضحاك أنَّ المرادَ بـ ((أشياعهم)) أصحاب الفيل، والظاهر أنَّه جعل الآية
في السفیانيّ ومن معه.
أي: مُوقعٍ في ريبة، على أنَّه من أَرَابه: أَوْقَعه
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شٍَّّ تُّرِيبٍ (®
في ريبة وتهمة، أو: ذي ريبة، من أرابَ الرّجلُ: صارَ ذا ريبة، فإمّا أن يكون قد
شَبَّه الشكَّ بإنسانٍ يصحُّ أن يكون مريباً على وجه الاستعارة المكنيّة التخييلية، أو
يكون الإسنادُ مجازيًّا أسند فيه ما لصاحب الشكِّ للشكِّ مبالغةً، كما يقال: شعر
شاعر، وكأنه من هنا قال ابن عطية: الشكُّ المريبُ أقوى ما يكونُ من الشَّكِّ(٣)،
وضميرُ الجمع للإشباع، وقيل: لأولئك المحدَّث عنهم. والله تعالى أعلم.
ومن باب الإشارة في بعض آيات السورة ما قيل: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً
يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَاَلَيْرٌ﴾ أشير بالجبال إلى عالم المُلك، وبالطير إلى عالم
الملكوت، وقد ذكروا أنه إذا تمكن الذكر سرى في جميع أجزاء البدن، فیسمعُ
الذاكرُ كلَّ جزءٍ منه ذاكراً، فإذا ترقّى حالُه يسمعُ كلَّ ما في عالم الملك كذلك، فإذا
ترقَى يسمعُ كلَّ ما في الوجود كذلك ﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
(١) سلف ٢٣٣/١، وهو لصخر بن عمرو بن الشريد، وصدره:
أهمُّ بأمر الحزم لا أستطيعه
(٢) التيسير ص ١٨١، والنشر ٢٠٨/٢، وهي قراءة رويس راوية يعقوب من العشرة أيضاً.
(٣) المحرر الوجيز ٤٢٧/٤.

١٤٦
التفسير الإشاري (١٠- ٥٠)
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ القلب ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾ وهي الحِكَمُ البالغة التي تظهر من
القلب على اللسان ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ أي: في سرد الحديث، بأن تتكلّم بالحكمة
على قَدْرِ ما يتحمّله عقل مخاطبك، وقد ورد: كلِّموا الناس بما يعرفون، أتريدونَ
أن يكذَّب الله تعالى ورسوله ◌َليَ (١).
ومن هنا يصعبُ الجوابُ عمَّن تكلم من المتصوفة بما ينكرُه أكثر من يسمعُه من
العلماء، وبه ضلَّ كثيرٌ من الناس.
﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ﴾ ريح العناية ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ فكان يتصرَّف بالهمَّة
وقذف الأنوار في قلوب متَّبعيه من مسافة شهر ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ
رَبِّهِّ﴾ إشارةٌ إلى قوة باطنه، حيث انقادَ له مَن جُبِلَ على المخالفة وفعل الشرور.
﴿وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ وهو مَن شَكَرِه بالأحوال، أعني التخلَّقَ بأخلاق الله
تعالی.
﴿فَلَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْنِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ فيه
إشارةٌ إلى أن الضعيفَ قد يفيد القويَّ علماً.
﴿وَحَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اُلْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ وهي مقامات أهل الباطن من
العارفين ﴿قُرَى ظَاهِرَةٌ﴾ وهي مقامات أهل الظاهر من الناسكين ﴿سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ﴾
في ليالي البشرية ﴿وَأَيَّامًا﴾ في أيام الروحانية ﴿مَامِنِينَ﴾ في خفارة الشريعة.
وقال بعض الفرقة الجديدة الكشفيَّة(٢): القرى المبارك فيها: الأئمّة
والقرى الظاهرة: الدعاة إليهم والسفراء بينهم وبين شيعتهم.
﴿وَظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بميلهم إلى الدنيا وتركِ السير لسوء استعدادهم.
﴿حَّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ الهيبة تمنع الفهم.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ﴾ أي: ما أخرجناك من العدم إلى الوجود ﴿إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ﴾
،
(١) هو من قول سيدنا علي، وسلف ٣٠٨/١٣.
(٢) سلف التعريف بهذه الطائفة ١٣٥/٢١ .

١٤٧
التفسير الإشاري (١٠- ٥٠)
الأولين والآخرين ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وهذا حاله عليه الصلاة والسلام في عالم
الأرواح وفي عالم الأجساد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إذ لا نورَ لهم
يهتدون به .
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيْنَا يَتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُرُّ عَمَّا كَانَ يَعْبُ ءَابَاؤُكُمْ﴾
هؤلاء قُطّاع الطريق على عباد الله تعالى، ومِثْلُهم المنكرون على أولياء الله تعالى،
الذين يُنَِّّرون الناس عن الاعتقادِ بهم واتِّباعهم.
﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌ﴾: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ﴾ [يوسف: ٥٣]،
﴿وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَىَّ رَبِّتٍ﴾ من القرآن، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه نورٌ لا يبقى معه
ديجور، أو مراتبُ الاهتداء به متفاوتةٌ حسب تفاوت الفهم الناشئ من تفاوت صفاء
الباطن وطهارته، وقد ورد أنَّ للقرآن ظاهراً وباطناً(١)، ولا يكاد يصلُ الشخص إلى
باطنه إلَّا بتطهير باطنه، كما يرمز إليه قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩].
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم ظاهره وباطنه إلى ما شاء من البطون، فإنَّه جلَّ
وعلا القادر الذي يقول للشيء كن فيكون.
(١) ولم يصح في ذلك شيء، ومع ذلك فقد قالوا: إن الظاهر هو اللفظ، والباطن هو المعنى،
وينظر ما سلف ١٠٩/١.

سُورَةُ فَطل
وتسمَّى: سورة الملائكة، وهي مكِّيَّةٌ كما رُوي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما.
وفي (مجمع البيان)): قال الحسن: مكِّيَّةٌ إلَّا آيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ﴾
الآية [٢٩]، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ﴾ الآية [٣٢](١).
وآيُها ستٌّ وأربعون في المدنيّ الأخير والشامي، وخمس وأربعون في الباقين.
والمناسبة - على ما في ((البحر)) - أنَّه عزَّ وجل لمَّا ذكر في آخر السورة المتقدِّمة
هلاك المشركين أعداءِ المؤمنين وإنزالَهم منازل العذاب، تعيَّن على المؤمنين حمدُه
تعالى وشكره، كما في قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ
اْعَلَمِينَ﴾(٢) [الأنعام: ٤٥].
وينضمُّ إلى ذلك تواخي السورتين في الافتتاح بالحمد، وتَقَارُيِهما في المقدار
وغير ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اَلَْمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: موجِدهما من غير مثالٍ يحتذيه ولا قانونٍ
ينتحيه، فالفَظْرُ: الإبداع. وقال الراغب: هو إيجادُه تعالى الشيءَ وإبداعُه على هيئةٍ
مترشّحةٍ لفعلٍ من الأفعال(٣).
(١) مجمع البيان ٢٢/ ٢٢٤.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٢٩٧.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (فطر).

الآية : ١
١٤٩
سُؤَدُلّفَظِل
وأخرج عبد بن حميد، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وغيرهما عن ابن عباس
قال: كنتُ لا أدري ما ((فاطر السماوات والأرض)) حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان
في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتُها، يعني ابتدأتها (١).
وأصلُ الفَظْرِ: الشَّقُّ. وقال الراغب: الشَّقُّ طولاً (٢). ثم تُجوِّزَ فيه عمَّا تقدَّم،
وشاع فيه حتى صار حقيقةً أيضاً. ووجه المناسبة أنَّ السماوات والأرض - والمراد
بهما العالم بأسرِه - لكونهما ممكنين، والأصل في الممكن العدمُ كما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله عليه الصلاة والسلام:
(ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن))(٣)، وصرَّح بذلك فلاسفةُ الإسلام، قال
رئيسُهم(٤): الممكنُ في نفسه ليس، وهو عن علَّته أيس = كأنَّ العدم كامنٌ فيهما،
وبإيجادهما يُشَقَّان، ويخرجُ العدمُ منهما.
وقيل في ذلك: كأنَّه تعالى شقَّ العدم بإخراجهما منه.
وقيل: لا مانع من حمله على أصله هنا، ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات،
فكأنَّه قيل: الحمد لله فاطر السماوات بالأمطار، وفاطر الأرض بالنبات. وفيه نظرٌ
ستأتي الإشارةُ إليه قريباً .
وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا﴾ على القولين يحتملُ أنْ يكون معناه: جاعل
الملائكة عليهم السلام وسائطً بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلِّغون إليهم
رسالته سبحانه بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة. أو: جاعلهم وسائط بينه وبين
خلقه عزَّ وجلَّ؛ يوصلون إليهم آثارَ قدرته وصنعه، كالأمطار والرياح وغيرها(٥)،
(١) شعب الإيمان (١٦٨٢)، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٦، والطبري
٩ / ١٧٥.
(٢) المفردات (فطر).
(٣) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في سننه (٥٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (٩٧٥٦) عن
بعض بنات النبيِّ أَچ.
(٤) وهو الشيخ الرئيس ابن سينا، كما صرَّح بذلك المصنّف عند تفسير الآية (٣) من سورة الحديد.
(٥) في (م): وغيرهما.

سُوَالأَنَظِل
١٥٠
الآية : ١
وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم. وهذا أنسبُ بالقول الثاني، لكن يَرِدُ عليه أنَّه
لا معنى لكون الأمطار شاقّةٌ للسماوات.
وقال الإمام: إنَّ الحمد يكون على النعم، ونعمه تعالى عاجلةٌ وآجلةٌ، وهو في
سورة ((سبأ)) إشارةٌ إلى نعمة الإيجاد والحشر، ودليله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ﴾ [سبأ: ٣]، والحمدُ في هذه السورة إشارةٌ إلى نعمة البقاء في
الآخرة، ودليله: ((جاعل الملائكة رسلا)) أي: يجعلهم سبحانه رسلاً يتلقّون عبادَ الله
تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَنَشَلَقَّلُهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فيجوز أنْ يكون
المعنى: الحمد لله شاقِّ السماوات والأرض يومَ القيامة؛ لنزول الأرواح من
السماء، وخروج الأجساد من الأرض، وجاعل الملائكة رسلاً في ذلك اليوم
يتلقّون عباده. وعليه فأوَّلُ هذه السورة متَّصلٌ بآخر ما مضى؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿كَمَا
فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم﴾ [سبأ: ٥٤] بيانٌ لانقطاع رجاءٍ مَن كان في شكٌّ مُريب، ولما ذكر
سبحانه حالَهم ذكر حال المؤمنين وبشَّرهم بإرسال الملائكة إليهم، وأنَّه تعالی یفتحُ
أبواب الرحمة لهم(١). انتهى. وفيه من البعد ما فيه.
و((فاطر)) صفةٌ لـ ((الله))، وإضافته محضة؛ قال أبو البقاء: لأنَّه للماضي لا غير(٢).
وقال غيره: هو معرَّف بالإضافة، إذ لم يجر على الفعل، بل أُريدَ به الاستمرار
والثبات، كما يقال: زيدٌ مالك العبيد جاء، أي: زيد الذي من شأنه أن يملك
العبيد جاء.
ومَن جعل الإضافة غيرَ محضةٍ جعلَه بدلاً، وهو قليلٌ في المشتقَّات، وكذا
الكلام في ((جاعل))، و((رسلاً)) - على القول بأنَّ إضافته غيرُ محضة - منصوبٌ به
بالاتّفاق، وأمَّا على القول الآخر فكذلك عند الكسائيّ.
وذهبَ أبو عليٍّ إلى أنَّه منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ هو عليه؛ لأنَّ اسمَ الفاعل إذا كان
(١) تفسير الرازي ٢/٢٦-٣.
(٢) إملاء ما من به الرحمن ٢١٦/٤.

الآية : ١
١٥١
سُؤَادَلاَ فَظِل
بمعنى الماضي لا يعملُ عنده كسائر البصريين إلَّا معرَّفاً باللام.
وقال أبو سعيد السيرافيُّ: اسمُ الفاعلِ المتعدِّي إلى اثنين يعملُ بالثاني؛ لأنَّه
بإضافته إلى الأوَّل تعذّرت إضافته إلى الثاني، فتعيَّنَ نصبُه له.
وعلَّلَ بعضُهم ذلك بأنَّه بالإضافة أشبهُ بالمعرَّف باللام، فعملَ عملَه. هذا على
تقدير كون الجعل تصييريّاً، أمَّا على تقدير كونه إبداعيّاً فـ ((رسلاً)) حالٌ مقدرة.
وقرأ الضَّحَّاك والزهريُّ: ((فَطَر)) جعله(١) فعلاً ماضياً، ونصبَ ما بعده. قال
أبو الفضل الرازي: يحتملُ أنْ يكون ذلك على إضمار ((الذي)) نعتاً لـ ((الله)) تعالى،
أو على تقدير ((قد)) فتكون الجملة حالاً.
وأنت تعلم أنَّ حذف الموصول الاسميّ لا يجوز عند جمهور البصریین،
وذهب الكوفيون والأخفش إلى إجازته، وتبعَهم ابنُ مالك(٢)، وشَرَطَ في بعض كتبه
كونَه معطوفاً على موصولٍ آخر، ومن حُجَّتهم: ﴿ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ
إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقول حسان:
وينصرُهُ ويمدحُهُ سواءٌ(٣)
أمَن يهجو رسولَ الله منكم
وقول آخر :
ما الذي دأبُه احتياطٌ وحزمُ وهواهُ أطاعَ يستويانٍ(٤)
واختار أبو حيَّان كونَ الجملةِ خبرَ مبتدأ محذوف، أي: هو فطر (٥).
وقرأ الحسن: ((جاعلُ)) بالرفع على المدح، وجرِّ ((الملائكة))(٦).
(١) في الأصل و(م): جعل، والمثبت من البحر المحيط ٢٩٧/٧، والكلام منه. والقراءة عن
الضحاك في القراءات الشاذة ص ١٢٣، والمحتسب ١٩٨/٢.
(٢) انظر شرح التسهيل لابن مالك ٢٣٥/١.
(٣) ديوان حسان ص ٩، وفيه: فمن. بدل: أمن.
(٤) هو من شواهد المغني ص ٨١٦، ونسبه ابن مالك في شرح التسهيل ٢٣٥/١ لبعض
الطائيين. وانظر شرح أبيات المغني للبغدادي ٣٩/٧.
(٥) البحر المحيط ٢٩٧/٧.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٢٣، والمحتسب ١٩٨/٢، والبحر المحيط ٢٩٧/٧.

سُؤَادَةٌ فَظلم
١٥٢
الآية : ١
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((جاعلٌ)) بالرفع بلا تنوين، ونصب
((الملائكة))(١)، وخُرِّجَ حذفُ التنوين على أنَّه لالتقاء الساكنين، ونصبُ ((الملائكة))
إذا كان ((جاعل)) للمضيّ على مذهب الكسائيِّ وهشام في جواز إعمال الوصف
الماضي النصب.
وقرأ ابن يعمر وخليد: (جَعَلَ)) فعلاً ماضياً ((الملائكةَ)) بالنصب، وذلك بعد
قراءته: ((فاطر)) كالجمهور(٢)، كقراءة من قرأ: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا﴾(٣)
[الأنعام: ٩٦].
وفي ((الكشاف))(٤): قرئ: ((فطر)) و((جعل)) كلاهما بلفظ الفعل الماضي.
وقرأ الحسن وحميد بن قيس: ((رُسْلاً)) بسكون السين(٥)، وهي لغة تميم.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلِيِّ أَجْنِحَةٍ﴾ صفةٌ لـ ((رسلاً))، وأولو اسم جمع لـ ((ذو))، كما أنَّ
أولاء اسم جمع لـ ((ذا))، ونظيرُ ذلك من الأسماء المتمكنة: المخاض، قال
الجوهريُّ: هي الحوامل من النوق، واحدتها: خَلِفَةٍ (٦).
و((أجنحة)) جمع: جناح، صيغة جمع القلَّة، ومقتضى المقام أنَّ المراد به
الكثرة. وفي ((البحر)): قياسُ جمع الكثرة فيه: جُنُح، فإن كان لم يُسمع كان أجنحة
مستعملاً في القليل والكثير(٧).
والظاهر أنَّ الجناحَ بالمعنى المعروف عند العرب، بيد أنَّا لا نعرفُ حقيقته
وکیفیته، ولا نقولُ إنَّه من ریشٍ کریش الطائر.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٣. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٢٩٧، وهي عن الأول في القراءات الشاذة ص ١٢٣، وعن الثاني في
المحتسب ١٩٨/٢.
(٣) هي قراءة الكوفيين كما في التيسير ص ١٠٥، وانظر ما سلف عند تفسير الآية.
(٤) ٢٩٧/٣.
(٥) البحر المحيط ٧/ ٢٩٧، وهي عن الحسن في القراءات الشاذة ص ١٢٣.
(٦) الصحاح (مخض).
(٧) البحر المحيط ٢٩٨/٧.

الآية : ١
١٥٣
سُوَالأَفَظِلى
نعم أخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج أنَّ أجنحةَ الملائكة عليهم السلام
زغبة(١).
ورأيتُ في بعض كتب الإماميَّة أنَّ الملائكةَ تزدحمُ في مجالس الأئمَّة، فيقع من
ريشها ما يقع، وأنَّهم يلتقطونه ويجعلونَ منه ثياباً لأولادهم.
وهذا عندي حديثُ خرافة، والكشفيَّة منهم يؤوِّلونه بما لا يُخرجه عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مََّ وَثُلَكَ وَرُبَعْ﴾ الظاهرُ أنَّه صفةٌ لـ ((أجنحة))، والمنعُ من
الصرف على المشهور للصفة والعدل عن: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.
وقال الزمخشريُّ: إنَّما لم تنصرف هذه الألفاظُ لتكرار العدل فيها، وذلك أنَّها
عُدِلت عن ألفاظ الأعداد من صيغٍ إلى صيغٍ أُخَرَ، كما عُدِل عمر عن عامر، وحَذَام
عن حاذمة (٢)، وعن تكريرٍ إلى غير تكرير، ففيها عدلان، وأمَّا الوصفيَّة فلا يفترقُ
الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها، ألا تراك تقول: مررت بنسوةٍ أربعٍ،
وبرجالٍ ثلاثةٍ، فلا يعرَّج عليها(٣).
وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنَّه قاسَ الصفة في هذا المعدول على الصفة في أربع
وثلاثة، وليس بصحيح؛ لأنَّ مطلقَ الصفة لم يعدُّوه علَّة، بل اشترطوا أنْ تكون
الوصفيَّةُ غيرَ عارضة، كما في أربع، وأن لا يقبل تاء التأنيث أو تكون(٥) فيه،
کثلاث وثلاثة.
وقال صاحب ((الكشف)): فيه أنَّ العدول عن التكرر لا يعتبر فيه للصيغة،
واعتبر في تحقّق العدل ذلك، ثم العدولُ عن الصيغة الأصليَّة لإفادة التكرر،
فلا عدولين بوجه، وبعد تسليم أنَّ المعتبرَ في الوصف مقارنتُه لوضع المعدول،
(١) الدر المنثور ٢٤٤/٥.
(٢) في (م): وحزام عن حازمة.
(٣) الكشاف ٢٩٨/٣.
(٤) في البحر ٢٩٨/٧.
(٥) في الأصل: وتكون.

الآية : ١
١٥٤
فلا يضرُّ عروضه في المعدول عنه، لا اتجاه للمنع ولا معوَّل على السند، وهو
قول سيبويه، على ما نقَلَهُ الجوهريُّ(١)، وهو المنصورُ على ما نبَّهت إليه.
انتھی .
وتعقَّبه أيضاً صاحبُ ((الفرائد)) وصاحب ((التقريب)) بعروض الوصفيَّة في
المعدول عنه، وعدمِه في المعدول، لكن قال الطيبيُّ: وجدتُ لبعض المغاربة كلاماً
يصلحُ أن يكون جواباً عنه؛ وهو أنَّ ((ثُلاث)) مثلاً لا يخلو من أن يكون موضوعاً
للصفة من غير اعتبار العدد، أو لا يكون، فإن كان الأول لم يكن فيه العدد والمقدَّرُ
خلافه، وإن كان الثاني كان الوصف عارضاً لثلاث، كما كان عارضاً لثلاثة،
فيمكن أن يقال: إنَّ هذه الأعداد غير منصرفةٍ للعدل المكرَّر كالجمع وألفي
التأنيث. انتهى.
وفيه ما لا يخفى.
وقال ابنُ عطية: إنَّ هذه الألفاظ عُدِلَتْ في حال التنكير، فتعرَّفت بالعدل، فهي
لا تنصرفُ للعدل والتعريف(٢). وهذا قولٌ غريب، ذكر في ((البحر))(٣) أنه (٤) لبعض
الکوفیین.
وفي ((الكشاف))(٥): هي نكراتٌ يعرَّفنَ بلام التعريف، تقول: فلانٌ ينكح المثنى
والثلاث والرباع.
وقيل: «مثنی)» إلخ حالٌ من محذوف، والعامل فیه محذوف یدُّ علیه ((رسلاً))،
أي: يرسَلُون مثنى وثلاث ورباع. والمعوَّل عليه ما تقدَّم، والمراد: ذوي أجنحةٍ
متعددةٍ متفاوتةٍ في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها ويعرجون،
أو يسرعون بها حین يؤمرون.
(١) في الصحاح (ثلث). وانظر كلام سيبويه في الكتاب ٢٢٥/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٤٢٨/٤ .
(٣) ٢٩٨/٧.
(٤) لفظة: أنه. ليست في (م).
(٥) ٤٩٦/١.

الآية : ١
١٥٥
سُوَالأَ نَظِ
ويجوزُ أن تكون كلّاّ أو بعضاً لأمور أخر، كالزينة فيما بينهم، وكالإرخاء على
الوجه حياءً من الله تعالى، إلى غير ذلك، والمعنى أنَّ من الملائكة خلقاً لكلِّ واحدٍ
منهم جناحان، وخلقاً لكلِّ منهم ثلاثةُ أجنحة، وخلقاً لكلِّ منهم أربعة أجنحة.
ولا دلالة في الآية على نفي الزائد، بل قال بعض المحققين: إنَّ ما ذُكر من العدد
للدلالة على التكثير والتفاوت، لا للتعيين ولا لنفي النقصان عن اثنين.
وقد أخرج الشيخان والترمذيُّ عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَايَتِ
رَيِّدِ الْكُبْرَةِ﴾ [النجم: ١٨]: رأى جبريل له ستُّ مئة جناح(١).
والترمذيُّ عن مسروق عن عائشة أنَّ رسول الله وَّهِ لم يَرَ جبريل في صورته إلَّا
مرتين؛ مرَّةً عند سدرة المنتهى، ومرَّةً في جيادٍ له ستُّ مئة جناح قد سدَّ الأفق(٢).
وقال الزمخشريّ: مرَّ بي في بعض الكتب أنَّ صنفاً من الملائكة عليهم السلام
لهم ستّةُ أجنحة، فجناحان يلفُّون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في أمرٍ
من أمور الله تعالى، وجناحان مرخيَّان على وجوههم حياءً من الله عزَّ وجلَّ (٣).
والبحث عن كيفية وضع الأجنحة - شفعاً كانت أو وتراً - فيما أرى ممَّا لا طائلَ
تحته، ولم يصحَّ عندي في ذلك شيءٌ. ولقياس الغائب على الشاهد، قال بعضهم:
إنَّ المعنى: إنَّ في كلِّ جانبٍ لبعض الملائكة عليهم السلام جناحين، ولبعضهم
ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثةً لواحد لما اعتدلت. وهو كما ترى.
وقال قوم: إنَّ الجناحَ إشارةٌ إلى الجهة، وبيانه أنَّ الله تعالى ليس فوقه شيء،
وكلُّ شيءٍ سواه فهو تحت قدرته سبحانه وتعالى، والملائكة عليهم السلام لهم وجه
إلى الله تعالى، يأخذون منه نعمه، ويعطون مَنْ دونَهم ممَّا أخذوه بإذنه سبحانه،
[الشعراء: ١٩٣]، وقال تعالى:
قَلْكَ﴾
١٩٢
عَلَى
كما قال تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّعُ الْأَمِينُ
﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْمُدََِّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]،
(١) صحيح البخاري (٣٢٣٢)، وصحيح مسلم (١٧٤)، وسنن الترمذي (٣٢٧٧).
(٢) سنن الترمذي (٣٢٧٨).
(٣) الكشاف ٢٩٨/٣.

سُورَلاَ فَظِل
١٥٦
الآية : ١
وهما جناحان، وفيهم مَنْ يفعلُ ما يفعل من الخير بواسطة، وفيهم من يفعلُه
لا بواسطة، فالفاعلُ بواسطةٍ: منهم مَنْ له ثلاثُ جهات، ومنهم من له أربع جهات
وأكثر.
وهذا خلاف الظاهر جدّاً، ولا يحتاج إليه السُّنِّيُّ القائل بأنَّ الملائكةَ عليهم
السلام أجسامٌ لطيفة نوريَّة، يقدرون على التشكُّل بالصور المختلفة وعلى الأفعال
الشاقَّة، وإنَّما يحتاجُ إليه أو إلى نحوه الفلاسفةُ وأتباعهم؛ فإنَّ الملائكةَ عندهم هي
العقول المجرّدة، ويسميها أهل الإشراق بالأنوار الظاهرة، وبعض المتصوفة
بالسرادقات النوريَّة، وقد ذكر بعضُ متأخِّريهم أنَّ لها ذواتٍ حقيقيّةً، وذواتٍ إضافيّةً
مضافة إلى ما دونها إضافةً النفس إلى البدن، فأمَّا ذواتُها الحقيقيَّة فإنَّما هي أمريَّةٌ
قضائيَّةٌ قوليَّةٌ، وأمَّا ذواتُها الإضافية فإنَّما هي خلقيَّة قدريَّة تنشأ منها الملائكة
اللوحيَّة، وأعظمهم إسرافيل عليه السلام، وتطلق الملائكة عندهم على غير العقول،
كالمدبِّرات العلويَّة والسفليَّة من النفوس والطبائع، وأطالوا الكلام في ذلك،
وظواهرُ الآيات والأخبار تكذّبهم، والله تعالى الموفق للصواب.
﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله من تفاوت الملائكة عليهم
السلام في عدد الأجنحة، ومُؤْذِنٌ بأنَّ ذلك من إحكام مشيئته تعالى، لا لأمرٍ راجعٍ
إلى ذواتهم، ببيان حكم كُلِّيِّ ناطقٍ بأنَّه عزَّ وجلَّ يزيدُ في أيِّ خلقٍ كان كلَّ ما يشاء
أن يزيدَه بموجب مشيئته سبحانه، ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها
الوصف. وقال الفراء والزجاج: هذا في الأجنحة التي للملائكة(١)، أي: يزيدُ في
خلق الأجنحة للملائكة ما يشاء، فيجعلُ لكلِّ ستَّةً أجنحة أو أكثر، وروي ذلك عن
الحسن، وكأنَّ الجملةَ لدفع توقُّم عدم الزيادة على الأربعة.
وعن ابن عباس: يزيدُ في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء.
وقيل: ((الخلق)) خلق الإنسان، و((ما يشاء)» الخلق الحسن، أو الصوت
الحسن، أو الحظّ الحسن، أو الملَاحَةُ في العينين، أو في الأنف، أو في الوجه،
(١) معاني القرآن للفراء ٣٦٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٦١.

الآية : ٢
١٥٧
سُوَالأَفَظلم
أو خفَّةُ الروح، أو جعودة الشعر وحسنه، أو العقل، أو العلم، أو الصنعة، أو
العقَّة في الفقراء، أو حلاوة النطق. وذكروا في بعض ذلك أخباراً مرفوعةً، والحقُّ
أنَّ ذلك من باب التمثيل لا الحصر، والآيةُ شاملةٌ لجميع ذلك، بل شاملةٌ
لما يُستحسن ظاهراً، ولما لا يستحسن، وكلُّ شيء من الله عزَّ وجلَّ حسن.
﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ تعليلٌ بطريق التحقيق للحكم المذكور، فإنَّ
شمولَ قدرته تعالى لجميع الأشياء ممَّا يوجبُ قدرتَه سبحانه على أن يزيدَ في كلِّ
خلقٍ كلَّ ما يشاؤه تعالى إيجاباً بيِّناً .
﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ أي: ما يطلقها ويرسلها، فالفتح مجازٌ عن
الإرسال بعلاقة السببيَّة، فإنَّ فتحَ المغلق سببٌ لإطلاق ما فيه وإرساله، ولذا قوبل
بالإمساك والإطلاق كنايةً عن الإعطاء، كما قيل: أطلق السلطانُ للجند أرزاقَهم،
فهو كنايةٌ متفرِّعةٌ على المجاز.
وفي اختيار لفظ الفتح رمزٌ إلى أنَّ الرحمةَ من أَنْفَس الخزائن وأعزّها منالاً،
وتنكيرُها للإشاعة والإبهام، أي: أيَّ شيءٍ يفتح الله تعالى من خزائن رحمته، أيِّ
رحمةٍ كانت، من نعمةٍ وصحَّةٍ، وأمنٍ وعلم وحكمةٍ، إلى غير ذلك ممَّا لا يحاط
به، حتى إنَّ عروة كان يقول - كما أخرج ابنُّ المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير
عنه في ركوب المَحْمِل(١): هي والله رحمةٌ فُتِحت للناس، ثمَّ يقول: (مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ) إلخ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ: الرحمة: المطر. وعن ابن عباس:
التوبة(٢). والمراد التمثيل،
والجارُّ والمجرور في موضع الحال، لا في موضع الصفة؛ لأنَّ اسم الشرط
لا یوصف.
﴿فَلَ مُمَِّكَ لَهَا﴾ أي: فلا أحد يقدرُ على إمساكها ﴿وَمَا يُمْسِكَ﴾ أي: أيَّ شيءٍ
يمسك ﴿فَلاَ مُرْبِلَ لَهُ﴾ أي: فلا أحد يقدرُ على إرساله. واختلاف الضميرين لِمَا أنَّ
(١) المحمل: الهودج. المعجم الوسيط (حمل).
(٢) الدر المنثور ٢٤٤/٥.

سُؤُالأَ فَظِلم
١٥٨
الآية : ٢
مرجعَ الأول مبيَّنٌ بالرحمة، ومرجع الثاني مطلقٌ يتناولها وغيرها .
وفي ذلك - مع تقديم أمر فتح الرحمة - إشعارٌ بأنَّ رحمته تعالى سبقت غضبه
عزَّ وجلَّ، كما ورد في الحديث الصحيح(١).
وقيل: المراد: وما يمسك من رحمةٍ، إلّا أنَّه حذف المبيّن لدلالة ما قبلُ عليه،
والتذكيرُ باعتبار اللفظ، وعدمٍ ما يقوِّي اعتبارَ المعنى في التلفُّظ.
وأُيِّد بأنَّه قُرئ: ((فلا مرسل لها)) بتأنيث الضمير(٢).
﴿مِنْ بَعْدِيِةٍ﴾ أي: من بعد إمساكه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على كلِّ ما يشاء من
الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك ﴿اَلْحَكِيمُ ﴾﴾ الذي يفعلُ كلَّ ما يفعل
حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلَها، ومعرِبٌ عن كون كلٌّ من الفتح والإمساك
بموجب الحكمة التي يدورُ عليها أمر التكوين(٣).
وما أدعَى هذه الآية إلى الانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عمَّا سواه عزَّ
وجلَّ، وإراحةٍ البال عن التخيلات الموجبة للتهويش وسهر الليال.
وقد أخرج ابنُ المنذر عن عامر بن عبد قيس قال: أربع آياتٍ من كتاب الله
تعالى إذا قرأتُهُنَّ فما أبالي ما أصبحُ عليه وأمسي: ﴿مَّا يَفْتَجِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا
مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْمِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِيْ﴾، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ*
إِلَّا هُوِّ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] و﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
[الطلاق: ٧]، ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٤) [هود: ٦].
وبعد ما بَيَّن سبحانه أنه الموجدُ للملك والملكوت، والمتصرِّف فيهما على
(١) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١)، وانظر ما سلف عند تفسير الآية (١٢) من
سورة الأنعام.
(٢) البحر المحيط ٢٩٩/٧.
(٣) في الأصل: التمكين. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧/ ١٤٢، والكلام منه.
(٤) الدر المنثور ٢٤٤/٥ .

الآية : ٣
١٥٩
سُورَلأَنَظِل
الإطلاق، أَمَرَ الناس قاطبةً، أو أهل مكَّة - كما روي عن ابن عباس، واختاره
الطيبيُّ - بشكر نعمه عزَّ وجلَّ، فقال تعالى: ﴿وَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
أي: إنعامه تبارك وتعالى عليكم، إنْ جُعلت النعمةُ مصدراً، أو: كائنةً عليكم،
إن جُعلت اسماً، أي: راعوها واحفظوها بمعرفة حقٌّها والاعتراف بها
وتخصيص العبادة والطاعة بموليها، فليس المرادُ مجرَّدَ الذكر باللسان، بل هو
كنايةٌ عما ذكر.
وعن ابن عباس - وقد جعل الخطاب لمن سمعت -: اذكروا نعمةَ الله علیکم،
حيث أسكنّكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم، والناسُ يتخطّفون من حولكم.
وعنه أيضاً: نعمة الله تعالى: العافية. والأَوْلى عدم التخصيص.
ولمَّا كانت نِعَمُ الله تعالى مع تشغُّب فنونها منحصرةً في نعمة الإيجاد ونعمة
الإبقاء، نَفَى سبحانَه أن يكون في الوجود شيءٌ غيره سبحانه يصدرُ عنه إحدى
النعمتين بطريق الاستفهام الذي هو لإنكار التصديق وتكذيب الحكم، فقال عزَّ
وجلَّ: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ الَِّ﴾، و((هل)) تأتي لذلك، كما في ((المطوَّل)) وحواشيه.
وقولُ الرضيِّ: إنَّ((هل)) لا تستعملُ للإنكار: أرادَ به الإنكارَ على مُدَّعي الوقوع،
كما في قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] ويلزمه النفي، والإنكارَ
على من أوقعَ الشيء، كما في قولك: أتضربُ زيداً وهو أخوك(١).
أي: هل خالقٌ مغايرٌ له تعالى موجودٌ لكم أو للعالم؟! على أنَّ ((خالق)) مبتدأ
محذوفُ الخبر، زيدت عليه ((من)) لتأكيد العموم، و((غير الله)) صفةٌ له باعتبار محلِّه،
وصحَّت الوصفيَّةُ به مع إضافته إلى أعرف المعارف؛ لتوغُّله في التنكير، فلا يكتسب
تعريفاً في مثل هذا التركيب.
وجُوِّزَ أنْ يكون بدلاً من ((خالق)) بذلك الاعتبار، ويعتبر الإنكار في حكم
النفي؛ ليكون ((غير الله)) هو الخالق المنفيّ، ولأنَّ المعنى على الاستثناء، أي:
(١) وثالث قسمي الإنكار المذكورين أن ((هل)) لإنكار وقوع الشيء. قال الخفاجي في حاشيته
٢١٥/٧: ويستعمل ((هل)) في الأخير دون الأولين.

سُالأَنَظ
١٦٠
الآية : ٣
لا خالقَ إلَّ الله تعالى، والبدليَّةُ في الاستثناء بـ ((غير)) إنَّما تكون في الكلام المنفيِّ،
وبهذا الاعتبار زيدت ((من)) عند الجمهور، وصحَّ الابتداء بالنكرة.
وكذا جُوِّزَ أن يكون فاعلاً بـ ((خالق)) لاعتماده على أداة الاستفهام، نحو: أقائمٌ
زيد، في أحد وجهيه، وهو حينئذٍ سادٍّ مسدّ الخبر.
وتعقَّبهُ أبو حيَّان بقوله: فيه نظر، وهو أنَّ اسمَ الفاعل أو ما يجري مجراه، إذا
اعتمدَ على أداة الاستفهام وأجريَ مجرى الفعل، فرفع ما بعده، هل يجوزُ أن
تدخل عليه ((من)) التي للاستغراق، فيقال: هل من قائم الزيدون، كما تقول: هل
قائم الزيدون؟ والظاهرُ أنَّه لا يجوزُ، ألا ترى أنَّه إذا أجريَ مجرى الفعل لا يكون
فيه عموم، بخلافه إذا دخلت عليه ((من))، ولا أحفظُ مثله في لسان العرب، وينبغي
أن لا يُقْدَمَ على إجازة مثل هذا إلَّا بسماعٍ من كلامهم(١).
وفيه أنَّ شرط الزيادة والإعمال موجودٌ، ولم يُبدِ مانعاً يُعَوَّل عليه، فالتوقُّفُ
تعنُّتَّ من غير توقُّفُ.
وفي ((الكشف)): لا مانعَ من أن يكون ((غير)) خبراً، ومنعه الشهاب بأنَّ المعنى
لیس عليه(٢).
وقرأ ابن وثَّاب وشقيق وأبو جعفر وزيد بن عليٍّ وحمزةُ والكسائيُّ: ((غيرِ))
بالخفض (٣) صفةً لـ ((خالق)) على اللفظ، وهذا متعَيِّنٌ في هذه القراءة، ولأنَّ توافق
القراءتين أولى من تخالفهما كان الأظهرُ في القراءة الأولى كونَه وصفاً لـ ((خالق))
أيضاً.
وقرأ أبو الفضل بن إبراهيم النحويُّ: ((غيرَ)) بالنصب على الاستثناء(٤).
(١) البحر المحيط ٣٠٠/٧.
(٢) حاشية الشهاب ٢١٥/٧.
(٣) البحر المحيط ٣٠٠/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥١/٢،
وفي الأخير قراءة أبي جعفر، وقرأ بها أيضاً من العشرة خلف.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٣، والبحر المحيط ٣٠٠/٧.