Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٢٧ ١٠١ ﴿قُلْ أَرُونِيَ أَلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ﴾ استفسارٌ عن شبهتهم بعد إلزام الحجَّة علیهم زيادةً في تیکیتهم. و ((أرى)) - على ما استظهره أبو حيان(١) - بمعنى أَعْلَمَ، فتتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل: ياء المتكلم، والموصول، و((شركاء))، وعائد الموصول محذوفٌ، أي: ألحقتموهم، والمراد: أعلموني بالحجَّة والدليل كيف وجهُ الشركة؟! وجُوِّزَ كون ((رأى)) بصريَّةً تعدَّت بالنقل لاثنين: ياء المتكلم، والموصول. و ((شركاء)) حالٌ من ضمير الموصول المحذوف، أي: ألحقتموهم متوهَّماً شركتهم، أو مفعولٌ ثانٍ لـ ((أَلْحَقَ))؛ لتضمينه معنى الجعل أو التسمية، والمراد: أرونيهم لأنظرَ بأيِّ صفةٍ ألحقتموهم بالله عزَّ وجلَّ الذي ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة، أو ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم أو مسمِّيهم شركاء، والغرضُ إظهارُ خطئهم العظيم. وقال بعض الأجلَّة: لم يُرد من ((أروني)) حقيقته؛ لأنَّه ◌َلّز كان يراهم ويعلمهم، فهو مجازٌ وتمثيل، والمعنى: ما زعمتموه شريكاً إذا برزَ للعيون، وهو خشبٌ وحجر، تمَّت فضيحتُكم. وهذا كما تقولُ للرجل الخسيس الأصل: اذكر لي أباك الذي قايستَ به فلاناً الشريف، ولا تريدُ حقيقة الذكر، وإنَّما تريدُ تبكيته، وأنَّه إن ذکر أباه افتضح. ﴿كَلَا﴾ ردٌ لهم عن زعم الشركة بعدما كسره بالإبطال، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] بعدما حجَّ قومه. ﴿بَّ هُوَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ أي: الموصوفُ بالغلبة القاهرة المستدعية لوجوب الوجود ﴿الْحَكِيمُ ﴾﴾ الموصوفُ بالحكمة الباهرة المستدعية للعلم المحيط بالأشياء. وهؤلاء الملحَقون عن الاتِّصاف بذلك في معزلٍ، وعن الحوم حول ما يقتضيه بألف ألف منزل. والضميرُ إمّا عائدٌ لما في الذهن، وما بعده - وهو ((الله)) الواقع خبراً له - يفسِّره، و((العزيز الحكيم)) صفتان للاسم الجليل. أو عائدٌ لـ ((ربنا)) في قوله سبحانه: ((يجمع (١) في البحر ٧/ ٢٨٠. سُورَةٌ تَنُبًا ١٠٢ الآية : ٢٨ بيننا ربنا))(١)، على ما قيل. أو هو ضمير الشأن، و((الله)) مبتدأ، و((العزيز الحكيم)) خبره، والجملة خبر ضمير الشأن؛ لأنَّ خبرَه لا يكون إلَّ جملةً على الصحيح. ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ المتبادرُ أنَّ ((كافَّة)) حالٌ من الناس، قُدِّم مع (إلّا)) عليه للاهتمام، كما قال ابن عطية(٢). وأصلُه من الكفّ بمعنى المنع، وأريد به العموم؛ لما فيه من المنع من الخروج، واشتهر في ذلك حتى قطع النظر فيه عن معنى المنع بالكليَّة، فمعنى جاء الناس كافَّةً: جاؤوا جميعاً، ويشير إلى هذا الإعراب ما أخرج ابن أبي شيبة وابنُ المنذر عن مجاهد أنَّه قال في الآية: أي: إلى الناس جميعاً. وما أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنَّه قال: أي: للناس كافّةٌ(٣). وكذا ما أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنَّه قال في الآية: أرسلَ اللهُ تعالى محمَّداً وَِّ إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على الله تعالى أطوعُهم له(٤). وما نقل عن ابن عباس أنَّه قال: أي: إلى العرب والعجم وسائر الأمم. وهو مبنيٌّ على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف، وهو الذي ذهب إليه - خلافاً لكثير من النحاة - أبو عليّ وابنُ كيسان وابنُ بَرْهان والرضيّ وابنُ مالك، حیث قال: وسَبْقَ حالٍ ما بحرفٍ جُرَّ قد أَبَوْا ولا أمنعُهُ فقد ورد(٥) وأبو حيان، حيث قال بعد أن نقل الجوازَ عمَّن عدا الرضي من المذكورين: وهو الصحيح، ومن أمثلة أبي عليٍّ: زيدٌ خيرَ ما يكون خيرٌ منك، وقال الشاعر: إذا المرء أعيته المروءةُ ناشئاً فمطلبُها كهلاً عليه شديد (٦) (١) في الأصل و(م): يفتح بيننا ربنا، والصواب المثبت. ينظر حاشية الشهاب ٢٠٣/٧. (٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٢٠. (٣) الدر المنثور ٢٣٧/٥. (٤) الدر المنثور ٢٣٧/٥، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٨٨/١٩. (٥) البيت من ألفيته المشهورة. انظر شرح ابن عقيل ١/ ٦٤٠. (٦) نسب لأعرابي من بني قريع، كما في شرح الحماسة للتبريزي ٨٨/٣، والحماسة البصرية = الآية : ٢٨ ١٠٣ سُوَلاَ نُبًا وقال آخر: تسلَّيتُ طرّاً عنكم بعد بَيْنِكم بذكراكمُ حتى كأنكُمُ عندي(١) وقد جاء تقديمُ الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلَّق به، ومن ذلك قوله : مشغوفةً بك قد شُغِفْتُ وإنَّما حَتَمَ الفراقُ فما إليك سبيلٌ(٢ وقول آخر: غافلاً تَعرِضُ المنيَّةُ للمَرْ ءِ فيُدعى ولاتَ حينَ إِياءُ(٣) وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل فتقديمُها عليه دون العامل أجوز (٤). انتھی . وجعلوا هذا الوجه أحسن الأوجه في الآية، وقالوا: إنَّ ما عداه تكلُّف. واعترِضَ بأنَّه يلزمُ عليه عملُ ما قبل ((إِلَّا)) - وهو ((أَرْسَلَ)) - فيما بعدها وهو ((للناس))، وليس بمستثنى ولا مستثنى منه ولا تابع(٥) له، وقد منعوه. وأجيب بأنَّ التقدير: وما أرسلناك للناس إلَّا كافَّةً، فهو مقدَّمٌ رتبةً، ومثله كافٍ في صحة العمل، مع أنهم يتوسَّعون في الظرف ما لا يتوسَّعون في غيره. = ص٩٣٨ (تحقيق عادل جمال، مطبعة الخانجي)، وخزانة الأدب ٢١٩/٣-٢٢٠. ونسبه ابن قتيبة في عيون الأخبار ٢٤٦/١-٢٤٧ للمعلوط. وهو في البيان والتبيين ٢٧٤/١ دون نسبة . (١) هو في شرح الشواهد الكبرى للعيني ١٦٠/٣، والبحر المحيط ٢٨١/٧، والدر المصون ١٨٧/٩ دون نسبة. (٢) هو في شرح الشواهد الكبرى للعيني ١٦٢/٣، والبحر المحيط ٢٨١/٧، والدر المصون ١٨٧/٩ دون نسبة. (٣) هو في شرح الشواهد الكبرى ١٦١/٣، والبحر المحيط ٢٨١/٧، والدر المصون ١٨٧/٩ دون نسبة . (٤) البحر المحيط ٧/ ٢٨١. (٥) في الأصل و(م): ولا تابعاً. والمثبت من حاشية الشهاب. ١٠٤ الآية : ٢٨ وقال الخفاجيُّ عليه الرحمة: الأحسن أن يجعل ((للناس)) مستثنّى، على أنَّ الاستثناء فيه مفرَّغ، وأصله: ما أرسلناك لشيءٍ من الأشياء إلّا لتبليغ الناس كافَّةً، وأما تقديره بـ: ما أرسلناك للخلق مطلقاً إلَّا للناس كافَّةً، على أنَّه مستثنَى، فركيكٌ جدًّا(١). اهـ. ولا يخفى أنَّ في الآية - على ما استحسنَه - حذفَ المضاف، والفصلَ بين أداة الاستثناء والمستثنى، وتقديمَ الحال على صاحبها، والكلُّ خلافُ الأصل، وقلَّما يجتمعُ مثل ذلك في الكلام الفصيح. واعترض عليه أيضاً بأنَّه يلزم حينئذٍ جعلُ اللام في (للناس)) بمعنى ((إلى)). وليس بشيءٍ؛ لأنَّ (أرسل)) يتعدَّى باللام و((إلى))، كما ذكره أبو حيان(٢) وغيره، فلا حاجةً إلى جعلها بمعنى ((إلى))، على أنَّه لو جعلت بمعناها لا يلزم خطأً أصلاً؛ لمجيء كلٍّ من اللام و((إلى)) بمعنى الآخر، وكذا لا حاجةً إلى جعلها تعليليَّةً، إلَّا على ما استحسنه الخفاجيُّ. وقال غير واحد: إنَّ ((كافةً)) اسمُ فاعل من كَفَّ، والتاء فيه للمبالغة، کتاء راوية ونحوه، وهو حالٌ من مفعول ((أرسلناك))، و(للناس)) متعلُّقٌ به، وإليه ذهب أبو حيان(٣)، أي: ما أرسلناك إلّا كافّاً ومانعاً للناس عن الكفر والمعاصي. وإلى الحاليّة من الكاف ذهب أبو عليٍّ أيضاً(٤)، إلّا أنَّه قال: المعنى: إلَّا جامعاً للناس في الإبلاغ. وتعقّبهُ أبو حيان بأنَّ اللغةَ لا تساعدُ على ذلك؛ لأنَّ كفَّ لیس بمحفوظِ أنَّ معناه جمع. وفيه منعٌ ظاهرٌ؛ لأنه يقال: كفَّ القميص إذا جمع حاشيته، وكفَّ الجرح إذا (١) حاشية الشهاب ٧/ ٢٠٤. (٢) في البحر ٧/ ٢٨٢. (٣) ينظر البحر ٧/ ٢٨١. (٤) قوله: أبو علي، سبق قلم. والصواب: أبو إسحاق. وهو الزجاج. وكلامه في معاني القرآن له ٤ / ٢٥٤، ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٨١. الآية : ٢٨ ١٠٥ ربطّه بخرقة تحيظُ به، وقد قال ابن دريد: كلُّ شيءٍ جمعتَه فقد كففته (١)، مع أنَّه جُوِّزَ أنْ يكون مجازاً من المنع؛ لأن ما يُجمع يَمتنعُ تفرُّقه وانتشاره. وقيل: إنه مصدرٌ، كالكاذبة والعاقبة والعافية، وهو أيضاً حالٌ من الكاف؛ إمَّا باقٍ على مصدريَّته بلا تقدير شيءٍ مبالغةً، وإمَّا بتأويل اسم الفاعل، أو بتقدير مضاف، أي: إلَّا ذا كافة، أي: ذا كفّ، أي: منعٍ للناس من الكفر. وقيل: ذا منعٍ من أن يشذُّوا عن تبليغك. وذهب بعضهم إلى أنَّه مصدرٌ وقع مفعولاً له، ولم يشترط في نصبه اتحادُ الفاعل، كما ارتضاه الرضي. وذهب العلامة الزمخشريُّ إلى أنَّه اسم فاعل من الكفِّ، صفة لمصدرٍ محذوفٍ، وتاؤه للتأنيث، أي: ما أرسلناك إلَّا إرسالةً كافَّةً، أي: عامَّةً لهم، محيطةً بهم؛ لأنَّها إذا شملتهم فقد كفتهم عن أن يخرج منها أحدٌ منهم (٢). واعترِضَ عليه بأنَّ ((كافة)) لم ترد عن العرب إلَّا منصوبةً على الحال، مختصَّةً بالمتعدِّد من العقلاء، وأنَّ حذف الموصوف، وإقامةَ الصفة مقامه إنَّما يكون لما عُهِدَ وصفُه بها، بحيث لا تصلحُ لغيره. وأجيب بأنَّ ((كافة)) ها هنا غيرُ ما التزم فيه الحالية، وإن رجعا إلى معنّى واحد، وما قيل من أنَّه لم تستعمله العربُ إلَّا كذلك ليس بشيءٍ، وإقامةُ الصفة مقامَ موصوفها منقاسٌ مطَّردٌ بدون شرط إذا قامت عليه قرينة، وذكرُ الفعل قبلَه دالٌّ على تقدير مصدره، كما في: قمت طويلاً وحسناً، أي: قياماً طويلاً وحسناً. وفي ((الحواشي الخفاجيَّة)): قد صحَّ أنَّ عمر ظلُبه قال في كتابه لآل بني كاكلة: قد جعلتُ لآل بني كاكلة على كافَّةٍ بيت المسلمين لكلِّ عامٍ مئتي مثقالٍ ذهباً إبريزاً. وقاله عليّ كرم الله وجهه حين أمضاه(٣). (١) جمهرة اللغة ١/ ١١٧ . (٢) الكشاف ٣/ ٢٩٠. (٣) حاشية الشهاب الخفاجي ٧/ ٢٠٣، والخبر سلف ٣١٦/١٠. سُورَلا ◌َباء ١٠٦ الآية : ٢٩ فقد استعملَ هذان الإمامان ((كافَّةً)) في غير العقلاء، وغير منصوبٍ على الحاليّة. ولا يخفى أنَّ بعض ما اعترض به على هذا الوجه يُعترَضُ به على بعض الأوجه السابقة أيضاً، والجواب هو الجواب. والذي أختاره في الآية ما هو المتبادر، ولا بأس بالتقدُّم، والاستعمال واردٌ عليه، ولا قياسَ يمنعُه، وأمرُ تخطّ العامل ((إلا)) إلى ما ليس مستثنى ولا مستثنى منه سهلٌ؛ لحديث التوسُّع في الظرف، والآيةُ عليه أظهرُ في الاستدلال على عموم رسالته وَّة، وهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ولو استدلَّ بها القاضي أبو سعيد لبهت اليهوديّ، وقد يستدلُّ عليه بما لا يكادُ يُنكِره من فعله وَّ مع اليهود في عصره ودعوته عليه الصلاة والسلام إيَّاهم إلى الإسلام. ﴿بَثِيرًا﴾ لمن أسلم بالثواب ﴿وَنَذِيرًا﴾ لمن لم يسلم بالعقاب، والوصفان حالان من مفعول ((أرسلناك))، وقد يجعلان على بعض الأوجه السابقة بدلاً من ((كافة)) نحو بدل المفصَّلِ من المجمل، فتأمَّل. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ ذلك، فيحملهم جهلُهم على الإصرار على ما هم عليه من الغيِّ والضلال. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: لجهلهم حقيقةً أو حكماً، ولذا لم يعطف بالفاء. وقيل: (يقولون)) أي: من فرط تعتُّتهم، وعدم العطف بالفاء لذلك. وقيل: الحاملُ فرط الجهل، وعدمُ العطف بالفاء لظهور تفرُّعِه على ما قبله، ومثلُه يُوكَّلُ إلى ذهن السامع، وقيل: إنَّ ذاك لأنَّ فرطَ الجهل غير الجهل. وهو كما ترى، وقيل: لأنَّ هذا حالُ بعضٍ، وعدم العلم في قوله تعالى: ((لا يعلمون)) حال بعضٍ آخر. والذي يظهر لي أنَّ القائلين بالفعل هم بعضُ المشركين المعاصرين له وَّيقول لا أكثرُ الناس مطلقاً، وأنَّ المراد بصيغة المضارع الاستمرار التجدُّديّ. وقيل: عبَّر بها استحضاراً للصورة الماضية لنوع غرابة، والأصل: وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بطريق الاستهزاء يعنون المبشَر به والمنذرَ عنه، أو الموعود بقوله الآية : ٣٠ ١٠٧ ﴾ مخاطبين تعالى: ((يجمعُ بيننا ربنا ثمَّ يفتحُ بيننا)) ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ رسول الله صل﴾ والمؤمنين به. ﴿قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ أو وعدُ يومٍ، على أنَّ ((ميعاد)) مصدرٌ ميميٍّ، أو اسمٌ أقيم مُقام المصدر - على ما نقل عن أبي عبيدة (١) - وهو بمعنى الموعود. وقيل: الكلام على تقدير مضاف، أي: لكم وقوع وعد يوم، أو نجزُ وعدِ يومٍ. وتنوين (يوم)) للتعظيم، أي: يومٍ عظيم. وجُوِّزَ أن يكون الميعادُ اسم زمان، وإضافته إلى ((يوم)) للتبيين، أي: لبيان زمان الوعد بأنَّه يومٌّ مخصوصٌ، نحو: سَحْقُ ثوب (٢)، وبعيرُ سانيةٍ(٣). وأُيِّدَ الوجهُ الأول بوقوع الكلام جواباً لقولهم: ((متى هذا الوعد)). والوجه الثاني أنَّه قرئ: ((ميعادٌ يومٌ)) برفعهما وتنوينهما(٤)، فإنَّ ((يوم)) على هذه القراءة بدل، وذلك يقتضي أنَّ الميعادَ نفسُ اليوم، وكونُه بدلَ اشتمالٍ بعيد، وكذا ما قال أبو حيَّان(٥) من أنَّه على تقدير محذوف، أي: قل لكم ميعادٌ ميعادُ يومٍ، فلما حُذِف المضافُ أُعرِب ما قام مقامه بإعرابه. وقرأ ابن أبي عبلة: ((ميعادٌ)) بالرفع والتنوين ((يوماً)) بالنصب والتنوين (٦)، قال الزمخشريُّ: وهو على التعظيم بإضمار فعل، تقديره: لكم ميعاد، أعني يوماً من صفته كيت وكيت، ويجوز الرفع على هذا أيضاً(٧). وجُوِّزَ أن يكون على الظرفيَّة لـ ((ميعاد)» على أنَّه مصدر بمعنى الموعود لا اسم زمان. (١) انظر مجاز القرآن ١٤٩/٢. (٢) السَّحق: الثوب الخلق الذي انسحق وبلي، ويضاف للبيان، فيقال: سحق بُرْدٍ، وسحق عمامة، وسحق ثوب. ينظر النهاية (سحق)، والمغرب ص٣٨٦. (٣) السانية: البعير الذي يسقى عليه، ومن أمثالهم: أذل من بعير سانية. المستقصى ١٣٢/١. (٤) الكشاف ٣/ ٢٩٠، والبحر المحيط ٧/ ٢٨٢. (٥) في البحر ٧/ ٢٨٢. (٦) البحر المحيط ٧/ ٢٨٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٢ لليزيدي. (٧) الكشاف ٣/ ٢٩٠، وفيه: ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعني التعظيم. ١٠٨ الآية : ٣٠ وقال في ((البحر)): يجوز أن يكون انتصابه على الظرف، والعامل فيه مضافٌ محذوف، أي: إنجازُ وعدٍ يوماً من صفته کیتَ وکیت. وقرأ عيسى: ((ميعادٌ)) منوَّناً ((يومَ)) بالنصب من غير تنوين، مضافاً إلى الجملة(١)، ووجهُ النصب ما مرَّ آنفاً. ﴿لَّا تَسْتَشْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ﴾ إذا فاجأكم ﴿وَلَا تَسْتَقْدِعُونَ ﴾﴾ أي: عنه ساعةً، والهاء - على ما قال أبو البقاء - يجوزُ أن تعود على ((ميعاد))، وأن تعود على ((يوم))، وعلى أيِّهما عادت كانت الجملةُ وصفاً له(٢). وفي ((الإرشاد)»: هي صفةٌ لازمةٌ لـ ((میعاد)»، وفي الجواب - على تقدير تقييد النفي بالمفاجأة - من المبالغة في التهديد ما لا يخفى(٣). ويجوز أنْ يكون النفيُ غير مقيَّدٍ بذلك، فيكون وصفُ الميعاد بما ذكر لتحقيقه وتقريره(٤)، وقد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الجملة فتذكَّر. ولمَّا كان سؤالهم عن الوقت على سبيل التعنُّت أجيبوا بالتهديد، وحاصله أنَّه لوحظ في الجواب المقصودُ من سؤالهم لا ما يعطيه ظاهر اللفظ، وليس هذا من الأسلوب الحكيم، فإنَّ البليغَ يلتفتُ لفت المعنى. وقال الطيبيُّ: هو منه، سألوا عن وقت إرساء الساعة، وأجيبوا عن أحوالهم فيها، فكأنَّه قيل: دعوا السؤال عن وقت إرسائها، فإنَّ كينونَته لا بدَّ منه، بل سلوا عن أحوال أنفسكم حيث تكونون مبهوتين متحيِّرين فيها من هول ما تشاهدون، فهذا ألیڤُ بحالکم من أن تسألوا عنه. وهو كما ترى. وقيل: إنَّه متضمِّنٌّ الجوابَ بأنَّ ذلك اليومَ لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ؛ لمكان تنكير ((يوم)). وهو تعسُّفٌ لا حاجةً إليه. واختلف في هذا اليوم، فقيل: يوم القيامة، وعليه كلام الطيبيّ. وقيل: يوم مجيء أجلهم وحضور منيّتهم. وقيل: يوم بدر. (١) البحر المحيط ٧/ ٢٨٢. (٢) إملاء ما من به الرحمن ٢١٣/٤. (٣) إرشاد العقل السليم ١٣٣/٧ . (٤) في (م): وتقديره. الآية : ٣١ ١٠٩ سُورَا سَيَّاء ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم مشركو العرب ﴿لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِلَِّى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب القديمة، كما روي عن قتادة والسديِّ وابن جريج. ومرادهم نفي الإيمان بجميع ما يدلُّ على البعث من الكتب السماويَّة المتضمِّنة لذلك، ويروى أنَّ كفارَ مَّة سألوا أهل الكتاب عن الرسول وَلِّ، فأخبروهم أنَّهم يجدونَ صفتَه عليه الصلاة والسلام في كتبهم، فأغضبَهم ذلك فقالوا ما قالوا. وضُعِّفَ بأنَّه ليس في السياق والسباق ما يدلُّ عليه. وقيل: الذي بين يديه القيامة. وخَّأ ابنُ عطيّة قائلَه بأنَّ ما بين اليد في اللغة المتقدّم(١). وتُعقّبَ بأنَّه قد يراد به ما مضى، وقد يراد به ما سيأتي. نعم يضعِّفُ ذلك أنَّ ما بين يدي الشيء يكون من جنسه، لكن محصَّل كلامهم على هذا أنَّهم لم يؤمنوا بالقرآن ولا بما دلَّ عليه. وأمَّا ادّعاءُ أنَّ الأكثر كونُه لما مضى، فقد قيل أيضاً: إنَّه غير مسلّم. وحكى الطبرسيُّ أنَّ المراد بالذين كفروا اليهود(٢)، وحينئذٍ يُرادُ بما بين يديه الإنجيل. ولا يخفى أنَّ هذا القول ممَّا لا ينبغي أنْ يُلتَفت إليه، وليس في السباق والسياق ما يدلُّ عليه. ﴿وَلَوْ تَرَّ إِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ﴾ الخطابُ للنبيِّ وَّهِ، أو لكلِّ واقفٍ عليه. ومفعول ((ترى)): ((إذ))، أو محذوفٌ و((إذ)) ظرفٌ له، أي: أي(٣) حال الظالمين، و((لو)) للتمنِّي مصروفاً إلى غيره تعالى، لا جوابَ لها، أو هو مقدَّرٌ، أي: لرأيتَ أمراً فظيعاً، أو نحوه، و((الظالمون)) ظاهرٌ وُضِع موضعَ الضمير؛ للتسجيل وبيان علَّة استحقاقهم، والأصلُ: ولو ترى إذ هم موقوفون عند ربهم، (١) المحرر الوجيز ٤٢١/٤. (٢) مجمع البيان ٢١٠/٢٢. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعلَّ تكرار لفظة: أي. لا معنى له. ١١٠ الآية : ٣٢ - ٣٣ أي: في موقف المحاسبة ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي: يتحاورونَ ويتراجعونَ القول، والجملةُ في موضع الحال. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ﴾ استئنافٌ لبيان تلك المحاورة، أو بدلٌ من ((يرجع)) إلخ، أي: يقولُ الأتباعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ في الدنيا واستتبعوهم في الغيِّ والضلال: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الهدى ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ بما جاءَ به الرسول النهـ ﴿قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا قال الذين استكبروا لمَّا اعترَضَ عليهم الأتباعُ ووبَّخوهم؟ فقيل: قالوا: ﴿أَفْنُ صَدَدْتَكُمْ عَنْ اَلْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَكُ بَلْ كُنْتُم تُجِمِينَ ﴾﴾ أنكروا أن يكونوا هم الذين صدُّوهم عن الإيمان، وأثبتوا أنَّهم هم الذين صدُّوا أنفسهم، أي: لسنا نحن الذين حلْنَا بينكم وبين الإيمان بعد إذ صَمَّمتم على الدخول فيه، بل أنتم منعتم أنفسَكم حظّها بإجرامكم وإيثاركم الكفرَ على الإيمان. ووقوع ((إذ)) مضافاً إليها الظرفُ شائعٌ في كلامهم، كوقوعها مضافة، وذلك من باب الاتِّساع في الظروف لا سيما الزمانية. وبهذا يُجَاب عمَّا قيل: إنَّ ((إذ)) من الظروف اللازمة للظرفيَّة، فكيف وقعت ها هنا مجرورةً مضافاً إليها؟ وقال صاحب ((الفرائد)): إنَّ ((إذ)) هاهنا جُرِّدَت عن معنى الظرفية، وانسلخت عنه رأساً، وصيِّرت اسماً صرفاً؛ لأنَّ المرادَ من وقت مجيء الهدى هو الهدى، لا الوقتُ نفسه، فلذا أضيف إليها . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ إضراباً عن إضرابهم، وإبطالاً له: ﴿بَلّ مَكْرُ الََّّلِ وَاَلنَّهَارِ﴾ أي: بل صدَّنا مكرُكم بنا في الليل والنهار، فحُذِف المضاف إليه، وأقيم مقامه الظرفُ اتِّساعاً، أو جعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي. وقيل: لا حاجةً إلى ذلك، فإنَّ الإضافة على معنى ((في)). وتُعقِّبَ بأنَّها - مع أنَّ المحققين لم يقولوا بها - يَقُوتُ باعتبارها المبالغة. الآية : ٣٣ ١١١ سُؤَلا سيا ويُعلَم ممَّا أشرنا إليه أنَّ ((مكر)) فاعلٌ لفعلٍ محذوف، وجُوِّزَ أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: سبب كفرنا مكرُ الليل والنهار، أو: مكر اللیل والنھار سببُ کفرنا . وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر: ((بل مكرٌ الليلَ والنهارَ)) بالتنوين ونصب الظرفين(١)، أي: بل صدَّنا مكرُكم - أو: مكرٌ عظيم(٢) - في الليل والنهار. وقرأ محمد بن جعفر (٣) وسعيد بن جبير وأبو رزين وابن يعمر أيضاً: ((مَكَرُّ الليل والنهار)) بفتح الميم والكاف وتشديد الراء والرفع مع الإضافة، أي: بل صَدَّنا كرور الليل والنهار واختلافهما، وأرادوا - على ما قيل - الإحالة على طول الأمل والاغترارِ بالأيام مع [أمر](٤) هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله عزَّ وجلَّ. وقرأ ابن جبير أيضاً وراشد القارئ وطلحة كذلك، إلَّا أنَّهم نصبوا: ((مَكَرَّ)) على الظرف(٥)، أي: بل صددتمونا مَكَرَّ الليل والنهار، أي: في مَكَرِّهما، أي: دائماً، وجُوِّزَ أنْ يكون مفعولاً مطلقاً، أي: تكرون الإغراءَ مَكَرّاً دائماً لا تفترون عنه. وجَوَّزَ صاحب ((اللوامح)) كونه ظرفاً لـ ((تأمروننا)) بعد، وتَعقَّبه أبو حيان(٦) بأنَّه وهمٌ؛ لأنَّ ما بعد ((إذ)) لا يعمل فيما قبلها . وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾ بدل من الليل والنهار، أو تعليلٌ للمكر، وجَعَله في (١) البحر المحيط ٧/ ٢٨٣. وهي عن قتادة في المحتسب ١٩٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٢١/٤، وتفسير القرطبي ٣١٨/١٧. (٢) قوله: مكرٌ عظيمٌ، على اعتبار أن التنوين للتفخيم، وقوله قبله: مكركم، على اعتبار أنه عوض عن المضاف إليه. ينظر تفسير أبي السعود ٧/ ١٣٤ . (٣) في القراءات الشاذة ص١٢٢: جعفر بن محمد. ووقع في مطبوع البحر المحيط ٢٨٣/٧: وقرأ سعيد بن جبير بن محمد وأبو رزين. وهي في المحتسب ١٩٣/٢ عن سعيد بن جبير وأبي رزین. (٤) ما بين حاصرتين من المحرر الوجيز ٤٢١/٤، والبحر ٢٨٣/٧. (٥) القراءات الشاذة ص١٢٢، والمحتسب ١٩٣/٢، والبحر ٢٨٣/٧، وعنه نقل المصنف. قال أبو حيان: وراشد هذا من التابعين، ممن صحح المصاحف بأمر الحَجَّاج. اهـ. وهو ابن نجيح الحِمَّاني، أبو محمد البصري، من رجال التهذيب. (٦) في البحر ٢٨٣/٧. سٌ لانيا ١١٢ الآية : ٣٣ (الإرشاد)) ظرفاً له، أي: بل مكركُم الدائمُ وقتَ أمركم لنا ﴿أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ على أنَّ مكرهم إمَّا نفسُ أمرهم بما ذُكر، وإمّا أمورٌ آخر مقارِنةٌ لأمرهم، داعيةٌ إلى الامتثال به من الترغيب والترهيب وغير ذلك(١). وجملة: ((قال الذين استضعفوا)) إلخ عطفٌ على جملة ((يقول الذين استضعفوا)) إلخ وإن تغايرتا مضيّاً واستقبالاً. ولمّا كان هذا القول رجوعاً منهم إلى الكلام دون قول المستكبرين: ((أنحن صددناكم)) - فإنَّه ابتداءُ كلامٍ وقعَ جواباً للاعتراض عليهم - جيء بالعاطف هاهنا، ولم يجئ به هناك على ما اختاره بعضهم. وقيل: إنَّ النكتة في ذلك أنَّه لمّا حكى قول المستضعفين بعد قوله تعالى: (يرجع بعضهم إلى بعض القول)) كان مظنَّة أن يقال: فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا، وهل كان بين الفريقين تراجع؟ فقيل: قال الذين استكبروا كذا، وقال الذين استضعفوا كذا، فأخرجَ مجموع القولين مخرجَ الجواب، وعطفَ بعض الجواب على بعض، فتدَّر. والأنداد جمع: نِدِّ، هو شائع فيمن يَدَّعي أنَّه شريكٌ مطلقاً، لكن ذكر الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه في تفسيره الجاري فيه على مسلك المفسِّرين ((إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن)) . وبخطّه الشريف النورانيّ رأيتُه - أنه مخصوصٌ بمن يدَّعي الألوهيَّة كفرعون وأضرابه؛ لأنَّه بذلك نَدَّ عن الله تعالى، وشردَ عن رحمته سبحانه. وقال الشيخ: لأنَّه شردَ عن العبودية له جلَّ شأنه. ﴿وَأَسَرُوا﴾ أي: أضمرَ الظالمون من الفريقين: المستكبرين والمستضعفين ﴿التَّدَامَةَ﴾ على ما كان منهم في الدنيا من الضلال والإضلال نظراً للمستكبرين، ومن الضلال فقط نظراً للمستضعفين، والقول بحصول ندامتهم على الإضلال أيضاً - باعتبارٍ قَبوله - تكلُّفٌ، ولم يظهروا ما يدلُّ عليها من المحاورة وغيرها . (١) تفسير أبي السعود ٧/ ١٣٤. الآية : ٣٣ ١١٣ سُوَلاَ تَنُبًا ﴿لَمَّا رَأَوْ الْعَذَابَ﴾ لأنَّهم بُهِتوا لمَّا عاينوه، فلم يقدروا على النطق، واشتغلوا عن إظهارها بشغل شاغل. وقيل: أخفاها كلٌّ عن صاحبه مخافةً التعبير. وتُعقّب بأنَّه كيف يتأتَى هذا مع قول المستضعفين لرؤسائهم: ((لولا أنتم لكنَّا مؤمنين))، وأيُّ ندامةٍ أشد من هذا؟ وأيضاً مخافةُ التعيير في ذلك المقام بعيدةٌ. وقيل: ((أسرُّوا الندامةَ)) بمعنى أظهروها، فإنَّ أسرَّ من الأضداد، إذ الهمزةُ تصلحُ للإثبات وللسلب، فمعنى أسرَّه: جعله سرًّا، أو: أزالَ سرَّه، ونظيره: أَشْكَيْتُ؛ وأنشد الزمخشريُّ لنفسه: ومن عجب باكٍ تشكَّى(١) إلى المُبْكي شکوتُ إلی الأيام سوء صنيعها وما زالت الأيامُ تُشْكِي ولا تُشْكِي فما زادت الأيَّامُ إلَّا شكايةً وتعقّبَ ابنُ عطيّة هذا القول بأنَّه لم يثبت قطٌّ في لغةٍ أنَّ ((أسرّ)) من الأضداد(٢). وأنت تعلم أنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، فلا تغفل. ﴿وَحَعَلْنَا اُلْأَغْلَلَ﴾ أي: القيود ﴿فِىَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم المستكبرون والمستضعفون، والأصل: في أعناقهم، إلّا أنَّه أظهرَ في مقام الإضمار؛ للتنويه بذمِّهم، والتنبيه على موجب إغلالهم. واستظهر أبو حيان عمومَ الموصول، فيدخل فيه الفريقان المذكوران وغيرهم؛ لأنَّ من الكفار من لا يكون له أتباعٌ تراجعه القولَ في الآخرة، ولا يكون هو تابعاً الرئيسٍ له، کالغلام الذي قتلَه الخضر عليه السلام(٣). ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لا يجزون إلَّا مثلَ الذي كانوا يعملونَه من الشرِّ، وحاصله: لا يجزونَ إلَّا شرّاً. (١) في (م): فشكى. (٢) المحرر الوجيز ٤٢١/٤ . (٣) البحر المحيط ٢٨٣/٧. الآية : ٣٤ ١١٤ و((جزى)) قد يتعدَّى إلى مفعولين بنفسه، كما يشيرُ إليه قولُ الراغب، يقال: جزيتُه كذا وبكذا(١). وجُوِّزَ كونُ ((ما)) في محلِّ النصبِ بنزع الخافض، وهو إمَّا الباء، أو ((عن))، أو ((على))، فإِنَّه ورد تعديةُ ((جزى)) بها جميعاً. وقيل: إنَّ هذا التعدِّي لتضمينه معنى القضاء. ومتى صحَّ ما سمعت عن الراغب لم يحتَج إلى هذا. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ﴾ من القرى ﴿مِّن نَّذِيٍ﴾ أي: نذيراً من النُّذر ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أي: المتوسِّعون في النعم فيها، والجملة في موضع الحال: ﴿إِنَّا بِمَاًّ أُرْسِلْتُم بِهِ.﴾ بزعمكم من التوحيد وغيره. والجارُّ الثاني متعلِّق بما عنده، والأول متعلِّق بقوله تعالى: ﴿كَفِرُونَ ﴾﴾، وهو خبرُ ((إنَّ). وظاهر الآية أنَّ مترفي كلِّ قريةٍ قالوا لرسولهم ذلك، وعليه فالجمع في ((أرسلتم)) للتهكُّم. وقيل: لتغليب المخاطب على جنس الرسل، أو على أتباعه المؤمنین به . وقال بعض الأجلَّة: الكلام من باب مقابلة الجمع بالجمع، فقيل: الجمعُ الأول الرسل المدلول عليه بقوله تعالى: ((أرسلتم))، والثاني ((كافرون))، فقد كفر كلّ برسوله، وخاطبه بمثله، فلا تغليبَ في الخطاب في ((أرسلتم)). وقيل: الجمع الأول: ((نذير))؛ لأنَّه يفيد العموم في الحكاية لا المحكيّ؛ لوقوعه في سياق النفي. وليس كلُّ قومٍ مُنْكِراً لجميع الرسل، فحمل على المقابلة. والكلام مسوقٌ لتسلية رسول الله وَهُ ممَّا ابتلي به من مخالفة مترفي قومه وعداوتهم له عليه الصلاة والسلام، وتخصيص المترفين بالتكذيب؛ لأنَّهم في الأغلب أوَّل المكذِّبين للرسل عليهم السلام؛ لِمَا شُغلوا به من زخرفة الدنيا، وما غلب على قلوبهم منها، فهم منهمكون في الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها، بخلاف الفقراء، فإنَّ قلوبَهم لخلوِّها من ذلك أقبلُ للخير، ولذلك تراهم أكثرَ أتباع الأنبياء عليهم السلام، كما جاء في حديث هرقل(٢). (١) المفردات (جزی). (٢) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) عن ابن عباس الآية : ٣٥ ١١٥ سُوالانتها ﴿وَقَالُواْ﴾ الضمير للمترفين الذين تقدَّم ذكرُهم. وقيل: لقريش. والظاهر المتبادر هو الأول، والمراد حكايةُ ما شجَّعهم على الكفر بما أُرسل به المنذِرون، أي: وقال المترفون: ﴿فَحْنُ أَكْثَرُ أَنْوَلًا وَأَوْلَدًا﴾ أي: أموالنا وأولادنا كثيرةٌ جدّاً، فأفعل للزيادة المطلقة، وجُوِّزَ بقاؤه على ما هو الأكثرُ استعمالاً، والمفضَّل عليه محذوف، أي: نحن أكثرُ منكم أموالاً وأولاداً. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِنَ ٤٥)﴾ بشيءٍ من أنواع العذاب الذي يكدِّرُ علينا لذَّة كثرة الأموال والأولاد، من خوف الملوك، وقهر الأعداء، وعدم نفوذ الكلمة، والكدِّ في تحصيل المقاصد، ونحو ذلك. وإيلاء الضمير حرفَ النفي للإشارة إلى أنَّ المخاطبين أو المؤمنين ليسوا كذلك. وحاصل قولهم: نحن في نعمةٍ لا يشوبُها نقمة، وهو دليلُ كرامتنا على الله عزَّ وجلَّ ورضاه عنَّا، فلو كان ما نحنُ عليه من الشرك وغيره ممَّا تدعونا إلى تركه مخالفاً لرضاه لما كنَّا فيما كنَّا فيه من النعمة. ويجوز أن يكونوا قد قاسُوا أمور الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمور الدنيا، وزَعموا أن المنعَمَ عليه في الدنيا منعَمٌ عليه في الآخرة، وإلى هذا الوجه ذهب جمعٌ، وقالوا: نَفيُّ كونهم معذَّبين؛ إمّا بناءً على انتفاء العذاب الأخرويِّ رأساً، وإمّا بناءً على اعتقاد أنَّه تعالى أكرمهم في الدنيا، فلا يهينهم في الآخرة، على تقدير وقوعها . وقال الخفاجيُّ في وجه إيلاء الضمير حرفَ النفي: إنَّه اشارةٌ إلى أنَّ المؤمنين معذَّبون استهانةً بهم؛ لظنِّهم أنَّ المالَ والولد يدفعُ العذاب عنهم، كما قاله بعض المشركين(١). وأنت تعلم أنَّ الأظهرَ عليه التفريع. وذهب أبو حيَّان(٢) إلى أنَّ المرادَ بالعذاب المنفيّ أعمُّ من العذاب الأخرويّ (١) حاشية الشهاب الخفاجي ٢٠٦/٧. (٢) في البحر المحيط ٢٨٥/٧. سُورَةُنَبًا ١١٦ الآية : ٣٦ والعذاب الدنيوي الذي قد ينذِر به الأنبياءُ عليهم السلام ويتوعَّدون به قومهم إن لم يؤمنوا بهم. ولعل ما ذكرناه أوَّلاً أنسبُ بالمقام، فتأمَّل جدّاً. ﴿قُلْ﴾ ردّاً لما زعموه من أنَّ ذلك دليلُ الكرامة والرضى: ﴿إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ أن يبسطَه ﴿وَيَقْدِرُ﴾ على من يشاء أنْ يقدرَه عليه، فربَّما يوسِّع سبحانه على العاصي، ويضيِّقُ على المطيع، وربَّما يعكس الأمرَ، وربَّما يوسِّع عليهما معاً، وقد يضيِّقُ عليهما معاً، وقد يوسِّعُ على شخصٍ مطيعٍ أو عاصٍ تارةً، ويضيِّقُ عليه أخرى، يفعل كلّ من ذلك حسبما تقتضيه مشيئتُه عزَّ وجلَّ المَبْنِيَّةُ على الحِكَم البالغة، فلو كان البسط دليل الإكرام والرضى لاختصَّ به المطيع، وكذا لو كان التضييق دليلَ الإهانة والسخط لاختصَّ به العاصي، ولیس فلیس. والحاصل - كما قيل - منعُ كون ذلك دليلاً على ما زعموا؛ لاستواء المُعادي والمُوالي فيه. وقال جمعٌ: أريد أنَّه تعالى يفعلُ ذلك حسب مشيئته المبنيَّة على الحكم، فلا ينقاس عليه أمرُ الثواب والعقاب اللذين مناطُهما الطاعة وعدمها . وقال ناصر الدين: لو كان ذلك لكرامةٍ أو هوانٍ يوجبانه لم يكن بمشيئته تعالى(١). وهو مبنيٌّ على أنَّ الإيجاب ينافي الاختيار والمشيئة، وقد قال به الخفاجيُّ(٢) أخذاً من كلام مولانا جلال الدين، ورَدَّ به على من ردّ. ولا يخفى أنَّ دعوى المترفين الإيجاب على الله تعالى فيما هم فيه من بسط الرزق، وكذا فيما فيه أعداؤهم من تضييقه، غيرُ ظاهرةٍ حتى يُرَدَّ عليهم بإثبات المشيئة التي لا تجامعُ الإيجاب. وقرأ الأعمش: ((ويقدِّر)) مشدداً هنا وفيما بعد(٣). (١) تفسير البيضاوي ٤/ ١٧٥ . (٢) في حاشيته ٢٠٦/٧. (٣) البحر المحيط ٢٨٥/٧، والدر المصون ١٩٢/٩. الآية : ٣٧ ١١٧ سُوَلاَ سَبًا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ ذلك، فمنهم من يزعم أنَّ مدار البسط الشرفُ والكرامة، ومدارَ التضييق الهوانُ والحقارة، ومنهم من تحيّر واعترضَ على الله تعالى في البسط على أناسٍ والتضييق على آخرين، حتى قال قائلهم: وجاهلٍ جاهلٍ تَلْقَاه مرزوقا كم عالمٍ عالمٍ أعيت مذاهبُه وصيّر العالِمَ النحريرَ زنديقا(١) هذا الذي ترك الأفهام حائرةٌ وعنَى هذا القائلُ بالعالم النحرير نفسَه، ولعمري إنه بوصف الجاهل البليد أحقُّ منه بهذا الوصف، فالعالم النحرير من يقول: بؤسُ اللبيب وطيبُ عيش الأحمقِ(٣) ومن الدليلِ على القضاء وحكمِه(٢). ﴿وَمَّآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِأَلَّتِى تُقَرِّيَّكُرْ عِندَنَا زُلْفَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ من جهته عزَّ وجلَّ، خُوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغةً في تحقيق الحقِّ وتقرير ما سبق، كذا في ((إرشاد العقل السليم)) (٤). وجُوِّزَ أن يكون ما تقدَّم لنفي أن يكون القرب والكرامة مداراً وعلَّةٌ لكثرة الرزق، وهذا لنفي أن تكون(٥) كثرة الرزق سبباً للقرب والكرامة، ويكونُ الخطابُ للكفرة. و((التي)) واقعٌ على الأموال والأولاد، وحيث إنَّ الجمع المكسَّر عقلاؤه وغيرُ عقلائه سواءٌ في حكم التأنيث، وكان المجموع بمعنى جماعة؛ صحَّ الإفراد (١) نسبهما العباسي في معاهد التنصيص ١٤٧/١ لابن الراوندي، ونسبهما أبو إسحاق الوطواط في غرر الخصائص الواضحة ص١٣٦ للخبرارزي، ونُسبا في طبقات الشافعية ٢٣٢/٤ لأبي العلاء المعري. (٢) جاء في هامش الأصل: وكونه. نسخة. (٣) البيت للشافعي كما في الوافي بالوفيات ١٧٨/٢، وطبقات الشافعية ٣٠٥/١، ومعاهد التنصيص ١٥١/١، وحاشية الشهاب ٢٠٦/٧، وغيرها. (٤) ١٣٦/٧. (٥) في (م): وهذا النفي أن يكون. ١١٨ الآية : ٣٧ والتأنيث، أي: وما جماعة أموالكم وأولادكم بالجماعة التي تقرِّبكم عندنا قُربة، ولا حاجةً إلى تقدير مضاف في النظم الكريم، وما ذُكر تقديرُ معنّى لا إعراب. وعن الزجاج أنَّ في الكلام حذفاً في أوله؛ لدلالة ما في آخره، والتقدير: وما أموالكم بالتي تقرِّبكم عندنا زلفى، ولا أولادكم بالتي .. إلخ (١). وأنت تعلم أنَّه لا حاجةَ إليه أيضاً. وجُوِّزَ أن تكون ((التي)) صفةً لموصوفٍ مفردٍ مؤنثٍ تقديره: بالتقوى، أو: بالخصلة التي. وجَوَّزَ الزمخشريُّ أنْ تكون ((التي)) كنايةً عن التقوى؛ لأنَّ المقرِّب إلى الله تعالى ليس إلّا تلك، أي: وما أموالكم ولا أولادكم بتلك الموضوعة للتقريب(٢). وقرأ الحسن: ((باللاتي)) جمعاً (٣). وهو راجعٌ للأموال والأولاد، كـ ((التي)) على ما سمعت أولاً . وقرئ: ((بالذي)) أي: بالشيء الذي يقرِّبكم(٤). و ((زلفى)) مصدرٌ كالقربى، وانتصابُه على المصدريَّة من المعنى. وقرأ الضحاك: ((زُلَفاً) بفتح اللام وتنوين الفاء(٥)، جمع: زُلْفَة، وهي القُربة. ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ استثناءٌ من مفعول ((تُقَرِّبكم)) على ما ذهب إليه جمع، وهو استثناءٌ متصلٌ إذا كان الخطاب عامّاً للمؤمنين والكفرة، ومنقطعٌ إذا كان خاصّاً بالكفرة، فالموصول في محلِّ نصبٍ، أو رفع على أنَّه مبتدأٌ ما بعده خبره، أو خبره مقدر، أي: لكنْ مَن آمن وعمل صالحاً فإيمانه وعملُه يقربانه. (١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٥٥. (٢) الكشاف ٣/ ٢٩٢. (٣) الكشاف ٢٩٢/٣، والبحر المحيط ٢٨٥/٧. (٤) الكشاف ٢٩٢/٣، والبحر المحيط ٢٨٥/٧. (٥) المحرر الوجيز ٤٢٢/٤، والبحر المحيط ٢٨٥/٧. الآية : ٣٧ ١١٩ واستظهر أبو حيان الانقطاع، وقال في ((البحر)): إنَّ الزجَّاج(١) ذهب إلى بدليته من المفعول المذكور، وغلَّطه النحاس(٢) بأنَّ ضميرَ المخاطب لا يجوزُ الإبدال منه، فلا يقال: رأيتُكَ زيداً، ومذهبُ الأخفش والكوفيين أنَّه يجوز أنْ يبدل من ضميري المخاطب والمتكلم، لكن البدل في الآية لا يصحُّ، ألا ترى أنَّه لا يصحُّ تفريغُ الفعل الواقع صلة لما بعدَ ((إلَّا))، فلو قلت: ما زيدٌ بالذي يضرب إلَّ خالداً. لم يصح(٣). اهـ. وذكر بعضُ الأجلَّة أن جعلَه استثناءً من المفعول لا يصحُّ على جعل ((التي)) كنايةً عن التقوى؛ لأنه يلزم أن تكون الأموال والأولاد تقوى في حقِّ غير من آمن وعمل صالحاً، لكنها غير مقرِّبة. وقيل: لا بأس بذلك، إذ يصحُّ أن يقال: وما أموالكم ولا أولادكم بتقوى إلَّ المؤمنين، وحاصله أنَّ المال والولد لا يكونان تقوى ومقرِّبَيْنِ لأحدٍ إلَّا للمؤمنين. واذا كان الاستثناءُ منقطعاً صحَّ واتَّضح ذلك. وجُوِّز أنْ يكون استثناءً من ((أموالكم وأولادكم)) على حذف مضاف، أي: إلَّا أموال مَن آمن وعمل صالحاً وأولادهم. وفي هذا - إذا جعل ((التي)) كنايةً عن التقوى - مبالغةٌ من حيث إنَّه جعل مال المؤمن الصالح وولده نفس التقوى، ثمَّ إنَّ تقريب الأموال المؤمنَ الصالح بإنفاقها فيما يرضي الله تعالى، وتقريبَ الأولاد بتعليمهم الخير وتفقيههم في الدين وترشيحهم للصلاح والطاعة. ﴿فَأُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى ((من))، والجمع باعتبار معناها، كما أنَّ الإفراد فيما تقدَّم باعتبار لفظها. وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل، أي: فأولئك المنعوتون بالإيمان والعمل الصالح ﴿لَمْ جَزَآءُ الضَّعْفِ﴾ أي: لهم أن يجازيَهم الله تعالى الضعف، أي: الثوابَ المضاعف، فيجازيهم على الحسنة بعشر أمثالها أو بأكثر إلى سبع مئة، فإضافة ((جزاء)) إلى ((الضعف)) من إضافة المصدر إلى مفعوله. (١) في معاني القرآن له ٢٥٥/٤. (٢) في إعراب القرآن له ٣٥٢/٣. (٣) البحر المحيط ٢٨٥/٧- ٢٨٦. سُوْرَةٌ لَكَيا ١٢٠ الآية : ٣٨ وقرأ قتادة: ((جزاءٌ الضعفُ)) برفعهما(١)، فـ ((الضِّعفُ)) بدل. وجَوَّز الزجاج كونَه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الضعف(٢). ويعقوب - في رواية - بنصب ((جزاءً))، ورفع ((الضعفُ))(٣)، فـ ((جزاء)) تمييز، أو حال من فاعل ((لهم)) إنْ كان ((الضعف)) مبتدأ، أو منه إن كان فاعلاً، أو نصب على المصدر لفعله الذي دلَّ عليه («لهم»، أي: يجزون جزاء. وقرئ: ((جزاءٌ)) بالرفع والتنوين، ((الضعفَ)) بالنصب على إعمال المصدر (٤). ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ من الصالحات ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَتِ﴾ أي: في غرفات الجنَّة ومنازلها العالية ﴿ءَمِنُونَ ﴾ من جميع المكاره الدنيويّة والأخرويَّة. وقرأ الحسن وعاصم - بخلافٍ عنه - والأعمش ومحمد بن كعب: ((في الغُرْفات)) بإسكان الراء(٥). وقرأ بعض القرَّاء بفتحها(٦). وابن وثاب والأعمش وطلحة وحمزة وخلف: ((في الغُرْفة)) بالتوحيد وإسكان الراء (٧)، وابن وثاب أيضاً بالتوحيد وضمِّ الراء(٨). والتوحيد على إرادة الجنس؛ لأنَّ الكلَّ ليسوا في غرفةٍ واحدة، والمفردُ أخصرُ مع عدم اللبس فيه. ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا﴾ بالردِّ والطعن فيها ﴿مُعَجِزِينَ﴾ - أي: بحسب زعمهم الباطلِ - اللهَ عزَّ وجلَّ، أو الأنبياءَ عليهم السلام، وحاصله: زاعمينَ سبقَهم، وعدمَ قدرة الله تعالى أو أنبيائه عليهم السلام عليهم. ومعنى المفاعلة غير مقصود هاهنا . (١) القراءات الشاذة ص١٢٢، والمحرر الوجيز ٤٢٢/٤، والبحر المحيط ٢٨٦/٧. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٥٦/٤. (٣) هي رواية رويس عنه. انظر النشر ٣٥١/٢. (٤) أوردها الزمخشري في الكشاف ٢٩٢/٣، والقرطبي في تفسيره ٣٢٣/١٧. (٥) البحر المحيط ٢٨٦/٧، وهي في القراءات الشاذة ص١٢٢ عنهم دون ذكر عاصم. وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجمهور. (٦) القراءات الشاذة ص ١٢٢، والكشاف ٢٩٢/٣، والبحر المحيط ٢٨٦/٧. (٧) البحر المحيط ٢٨٦/٧ دون ذكر خلف، وذكرها عنه القرطبي في تفسيره ٣٢٣/١٧. (٨) الدر المصون ١٩٦/٩.