Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ١٩ ٨١ وأنَّ بلادهم ستخرب، فكتم ذلك، وأجمع على بيع كلِّ شيءٍ له بأرض مأرب، وأن يخرج منها هو وولده، ثمَّ خشي أن تنكرَ الناسُ عليه ذلك، فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبَّى عليه، وأن يفعل ذلك به في الملأ من الناس، وإذا لطمه، يرفع هو يده ويلطمه، ثمَّ صنع عمرٌو طعاماً، وبعث إلى أهل مأرب أنَّ عَمْراً قد صنع طعاماً يوم مجد وذكر، فاحضُروا طعامه، فلمَّا جلس الناس للطعام، جلس عنده ابنُه الذي أمرَه بما قد أمره، فجعل يأمره فيتأبَّى عليه، فرفع عمرو يده فلطمَه، فلطمه ابنُه، وكان اسمه: مالكاً، فصاح عمرو: واذلَّاه، يوم فخر عمرو وبهجته صبيٍّ يضربُ وجهَه، وحلفَ ليقتلتَّه، فلم يزالوا يرغبون إليه حتى ترك، وقال: والله لا أقيم بموضعٍ صُنع فيه بي هذا، ولأبيعنَّ أموالي حتى لا يرثَ بعدي منها شيئاً، فقال الناس: بعضهم لبعض اغتنموا غيظَ عمرو واشتروا منه أموالَه قبل أنْ يرضى، فابتاعَ الناسُ منه كلَّ ماله بأرض مأرب، وفشا بعضُ حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم، فقام ناسٌ من الأزد، فباعوا أموالهم، فلما أكثروا البيعَ استنكر الناس ذلك، فأمسكوا عن الشراء، فلما اجتمعت إلى عمرو أموالهُ أخبرَ الناس بشأن السيل وخرج، فخرج لخروجه منها بشرٌ كثيرٌ، فنزلوا أرضَ عٌّ، فحاربتهم عكّ، فارتحلوا عن بلادهم، ثم اصطلحوا، وبقوا بها حتى مات عمرو، وتفرقوا في البلاد، فمنهم من سار إلى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من سار إلى يثرب، وهم أبناء قيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وسارت أزد السراة إلى السراة، وأزد عُمان إلى عُمان، وسار مالك بن فهم إلى العراق، ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيِّئ، فنزلت أجأ وسلمى، ونزلت أبناء ربيعة بن حارثة بن عامر بن عمرو تهامة، وسُمُّوا خزاعة؛ لانخزاعهم من إخوانهم، ثم أرسل الله تعالى على السدِّ السيلَ فهدمه، وفي ذلك يقول ميمون بن قيس الأعشى (١): ومأربُ عقَّا (٢) عليها العرمْ وفي ذاك للمؤتسي أسوةٌ (١) ديوانه ص ٩٣. (٢) في الديوان: قنَّى. سُورَة ◌َبًا ٨٢ الآية : ١٩ إذا جاء مؤَّاره (١) لم يَرِمْ رخامٌ بَنَتْهُ لهم حميرٌ على سَعَةٍ ماؤهم إذا قُسِمْ فأروى الزروع وأعنابها ن منه على شرب طفل فُطِمْ (٢) فصاروا أيادي ما يقدرو وذكر الميداني عن الكلبيِّ عن أبي صالح أنَّ طريفةَ الكاهنة قد رأت في كهانتها أنَّ سدَّ مأرب سيخرب، وأنَّه سيأتي سيلُ العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أموالَه، وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكَّة، فأقاموا بها وبما حولها، فأصابتهم الحُمَّى، وكانوا ببلدٍ لا يدرون فيه ما الحمَّى، فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابَهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تَشْكُون، وهو مفرِّقٌ بيننا. قالوا: فماذا تأمرين؟ قالت: من كان منكم ذا همٍّ بعيدٍ وجملٍ شديد ومزادٍ جديد، فليلحق بقصر عُمان المشيد. فكانت أزد عمان، ثم قالت: من كان منكم ذا جَلَدٍ وقسر، وصبر على أزمات الدهر، فعليه بالأراك من بطن مر، فكانت خزاعة. ثم قالت: من كان منكم يريدُ الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكانت الأوس والخزرج. ثم قالت: من كان منكم يريدُ الخمر والخمير، والملك والتأسير(٣)، ويلبس الديباج والحرير، فليلحق ببصرى وغوير. وهما من أرض الشام، فكان الذين سكنوها آل جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم يريدُ الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق، فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة، وآل محرق(٤). والحقُّ أنَّ تمزيقَهم وتفريقَهم في البلاد كان بعد إرسال السيل، نعم لا يبعدُ خروجُ بعضهم قبيله حين استشعروا وقوعَه، وفي المثل: ذهبوا أيدي سبا، ويقال: (١) في الديوان: جاءه ماؤهم. (٢) الشطر الأول كما جاءت روايته في الديوان: فطاروا سراعاً وما يقدرو (٣) في مجمع الأمثال للميداني: والتأمير. (٤) مجمع الأمثال ٢٧٦/١ -٢٧٧. الآية : ٢٠ ٨٣ سُورَةُ نَبًا تفرَّقوا أيدي سبا، ويروى: أيادي، وهو بمعنى الأولاد؛ لأنَّهم أعضاد الرجل لتَقَوِّيه بهم. وفي ((المفصَّل)) أنَّ الأيديَ الأنفسُ كنايةً أو مجازاً. قال في ((الكشف)): وهو حسنٌ، ونصبُه على الحاليّة بتقدير: مثل؛ لاقتضاء المعنى إِيَّاه، مع عدم تعرُّفه بالإضافة. وقيل: إنَّه بمعنى البلاد أو الطرق من قولهم: خذيد البحر، أي: طريقه وجانبه، أي: تفرَّقوا في طرقٍ شتى. والظاهر أنَّه على هذا منصوبٌ على الظرفيَّة بدون تقدير ((في)) كما أشار إليه الفاضلُ اليمني، وربَّما يُظَنَّ أن الأيدي أو الأيادي بمعنى النعم، وليس كذلك، ويقال في الشخص إذا كان مشتَّت الهمّ موزَّعَ الخاطرِ: كان أياديَ سبا، وعليه قول كُثَيِّر عزَّة: أيادي سبا يا عزُّ ما كنت بعدكم فلم يَحْلُ بالعينين بعدك منظر(١) ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر من قصتهم ﴿لَآَيَتٍ﴾ عظيمة ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: شأنه الصبر على الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاقِّ الطاعات، وقيل: شأنُه الصبر على النعم، بأن لا يبطرَ ولا يطغى. وليس بذاك. ﴿شَكُورٍ ﴾﴾ شأنه الشكر على النعم. وتخصيص هؤلاء بذلك؛ لأنهم المنتفعون بها . ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ﴾ أي: حقَّق عليهم ظنَّه، أو وجد ظنَّه صادقاً. والظاهر أن ضمير ((عليهم)) عائد على سبأ، ومنشأ ظنّه رؤيةُ انهماكِهم في الشهوات. وقيل: هو لبني آدم، ومنشأ ظنّه أنَّه شاهدَ أباهم آدم عليه السلام، وهو قد أصغى إلى وسوسته، فقاس الفرع على الأصل، والولد على الوالد. وقيل: إنَّه أدرك ما رُكِّب فيهم من الشهوة والغضب، وهما منشئان للشرور. (١) دیوان کثیر ص ١٥٠ . سُورَةُ نَبًا ٨٤ الآية : ٢٠ وقيل: إنَّ ذاك كان ناشئاً من سماع قول الملائكة عليهم السلام: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الْدِمَآءَ﴾ يوم قال سبحانه لهم: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]. ويمكن أن يكون منشأ ذلك ما هو عليه من السوء كما قيل: إذا ساء فعلُ المرء ساءتْ ظنونُه وصدَّق ما يعتادُهُ من توهُّم(١) وجُوِّز أن يكون كلُّ ما ذكر منشاً لظنّه في سبأ. والكلامُ على الوجه الأول في الضمير - على ما قال الطيبيُّ - تتمَّةٌ لسابقه، إمّا حالاً أو عطفاً، وعلى الثاني هو كالتذييل تأكيداً له. وقرأ البصريون(٢): (صَدَق)) بالتخفيف، فنصب ((ظنَّه)) على إسقاط حرف الجرِّ، والأصل: صدق في ظنِّه، أي: وجدَ ظنَّه مصيباً في الواقع، فصدق حينئذٍ بمعنى أصاب مجازاً. وقيل: هو منصوبٌ على أنَّه مصدرٌ لفعل مقدَّر، أي: يظنُّ ظنّه، كـ : فَعَلْتَه جهدَك، أي: تَجْهَدُ جهدَك، والجملة في موقع الحال، و((صدق)) مفسَّرٌ بما مرَّ. ويجوزُ أن يكون منصوباً على أنَّه مفعولٌ به، والفعلُ متعدٍّ إليه بنفسه؛ لأنَّ الصدقَ أصلُه في الأقوال، والقولُ ممَّا يتعدّى إلى المفعول به بنفسه، والمعنى: حقَّق ظنّه، كما في الحديث: ((صَدَقَ وَعْدَه ونَصَرَ عَبْدَه))(٣)، وقولِه تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وقرأ زيد بن علي وجعفر بن محمد ـّ، والزهريُّ، وأبو الجهجاه(٤) الأعرابيُّ من (١) البيت للمتنبي وهو في ديوانه ٢٦٤/٤ . (٢) أبو عمرو ويعقوب. وقرأ بها أيضاً نافع وأبو جعفر المدنيان، وابن عامر الشامي، وابن كثير المكي. انظر التيسير ص ١٨١، والنشر ٢/ ٣٥٠. (٣) ورد هذا اللفظ في عدة أحاديث، منها حديث ابن عمر عند النسائي ٤٢/٨، وابن ماجه (٢٦٢٨). وحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود (٤٥٤٧). (٤) كذا ذكر المصنف تبعاً لأبي حيان في البحر ٢٧٣/٧. ووقع في إعراب القرآن ٣٤٣/٣، = الآية : ٢٠ ٨٥ فصحاء العرب، وبلال بن أبي برزة بنصب ((إبليس) ورفع ((ظنه))، كذا في البحر(١). والظاهر أنَّ ذلك مع قراءة ((صدَّق)) بالتشديد، أي: وجده ظنُّه صادقاً، لكن ذكر ابنُ جِنِّي(٢) أنَّ الزهريَّ كان يقرأ ذلك مع تخفيف ((صدق)) أي: قال له الصِّدقَ حین خَيَّلَ له إغواءَهم (٣) . وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((إبليسُ ظنُّه)) برفعهما (٤)، بجعل الثاني بدل اشتمال، وأبهم الزمخشريُّ القارئَ بذلك فقال: قُرئ بالتخفيف ورَفْعِهما، على معنى: صَدَق عليهم ظنُّ إبليس، ولو قرئ بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في ((صدق))، كقوله: فدت نفسي وما ملكت يميني فوارسَ صدَّقت فيهم ظنوني(٥) وهو ظاهرٌ في أنَّه لم يقرأ أحدٌ بذلك، والله تعالى أعلم. وعلى جميع القراءات ((عليهم)) متعلِّقٌ بالفعل السابق، وليس متعلِّقاً بالظنِّ على شيء منها . ﴿فَتَّبَعُوهُ﴾ أي: سبأ، وقيل: بنو آدم ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: إلَّا فريقاً هم المؤمنون لم يتّبعوه، على أن ((مِن)) بيانيَّة، وتقليلهم إمَّا لقلَّتهم في حدِّ ذاتهم، أو لقلَّتهم بالإضافة إلى الكفار، وهذا متعيِّنٌ على القول برجوع الضمير إلى بني آدم. وكأنِّي بك تختارُ كون القلّة في حدِّ ذاتهم على القول برجوع الضمير إلى سبأ؛ لعدم شيوع كثرة المؤمنين في حدِّ ذاتهم منهم. ومعاني القرآن ٤١٣/٥ - كلاهما للنحاس - والقراءات الشاذة ص١٢١، والمحتسب ١٩١/٢، = والمحرر الوجيز ٤١٧/٤، وتفسير القرطبي ٣٠٣/١٧: أبو الهجهاج. (١) ٢٧٣/٧. (٢) في المحتسب ١٩١/٢ . (٣) في الأصل: إغوائهم، وفي (م): إغواؤهم، والمثبت هو الصواب، وهو منصوب على المفعولية، وفاعل ((خيَّل)) ضمير يعود على الظن. حاشية الشهاب ٧/ ٢٠٠. (٤) البحر المحيط ٢٧٣/٧. (٥) الكشاف ٢٨٦/٣، والبيت لأبي الغول الظُهوي كما في حماسة أبي تمام ٣٨/١ (بشرح المرزوقي)، وكتاب الحيوان للجاحظ ١٠٦/٣، والأمالي ١/ ٢٦٠، وخزانة الأدب ٦/ ٤٣٤. الآية : ٢١ ٨٦ أو: إلَّا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتَبعوه، وهم المخلصون، فـ ((من)) تبعيضيّة، والمراد مطلقُ الاتِّباع الذي هو أعمُّ من الكفر. ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّنِ سُلْطَانٍ﴾ أي: تسلُّطٍ واستيلاء بالوسوسة والاستغواء ﴿إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَكٍ﴾ استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ العلل، و((مَنْ)) موصولة، وجَعْلُها استفهاميَّةً بعيدٌ. والعلمُ المستقبل المعلَّل ليس هو العلم الأزليَّ القائم بالذات المقدَّسة، بل تعلُّقه بالمعلوم في عالم الشهادة الذي يترتَّب عليه الجزاء بالثواب والعقاب، وهو مضمَّنٌ معنى التميُّز لمكان ((من))، أي: ما كان له عليهم تسلُّطُ لأمرٍ من الأمور، إلَّا لتعلُّقِ علمنا بـ((من يؤمنُ بالآخرة) متميِّزاً ((ممَّن هو منها في شك)) تعلُّقاً حاليًّا يترتَّبُ عليه الجزاء، وإلى هذا يشيرُ كلام كثير من أئمّة التفسير. وقيل: المعنى: لنجعل المؤمن متميِّزاً من غيره في الخارج، فيتميَّز عند الناس. وقيل: المراد من وقوع العلم في المستقبل وقوعُ المعلوم؛ لأنَّه لازمُه، فكأنَّه قيل: ما كان ذلك لأمرٍ من الأمور إلَّا ليؤمنَ مَن قُدِّرَ إيمانُه، ويضلَّ مَن قُدِّرَ ضلاله، وعَدَل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة؛ لما فيه من جُعْلِ المعلوم عينَ العلم. وقيل: المراد بالعلم الجزاء، فكأنَّه قيل: [لنجزيَ](١) على الإيمان وضدِّه. وقيل: العلم على ظاهره، إلّا أنَّ المستقبل بمعنى الماضي، وعِلْمُ الله تعالى الأزليُّ بأهل الشكِّ يستدعي تسلُّطَ الشيطان عليهم. وقيل: المراد: لنعامِل معاملة من كأنَّه لا يعلم ذلك، وإنَّما يُعمل ليَعلم. وقيل: المراد: ليعلم أولياؤنا وحزبنا ذلك. ولا يخفى عليك ما في بعض هذه الأقوال. وكان الظاهر: إلَّا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممَّن لا يؤمن بها، وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل لنكتةٍ، وهي أنَّه قوبل الإيمانُ بالشكِّ؛ ليؤذنَ بأنَّ أدنى مراتب الكفر مهلكة، وأوردَ المضارعَ في الجملة الأولى إشارةً إلى أنَّ المعتبر في الإيمان (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧/ ٢٠٠، والكلام فيه بنحوه. ٨٧ الآية : ٢٢ الخاتمة، ولأنَّه يحصلُ بنظرٍ تدريجيٍّ متجدِّدٍ، وأتى بالثانية اسميَّةً إشارةً إلى أنَّ المعتبرَ الدوامُ والثبات على الشكِّ إلى الموت. ونَوَّنَ شكّاً للتقليل، وأتى بـ ((في)) إشارةً إلى أنَّ قليلَه كأنَّه محيطٌ بصاحبه، وعدَّاه بـ ((من)) دون ((في)) وقدَّمه؛ لأنَّه إنَّما يضرُّ الشُّ الناشئُ منها، وأنَّه يكفي شكٌّ مّا فيما يتعلَّقُ بها. وقرأ الزهريُّ: ((ليُعْلَم)) بضمِّ الياء وفتح اللام مبنيًّاً للمفعول(١). ﴿وَرَبُّكَ عَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظٌ ﴾﴾ أي: وكيلٌ قائمٌ على أحواله وشؤونه، وهو إمَّا مبالغةٌ في حافظ، وإمَّا بمعنى مُحافظ، كجليس ومجالس، وخليط ومخالط، ورضيع ومراضع، إلى غير ذلك. قُلِ﴾ يا محمد للمشركين الذين ضُرِب لهم المثلُ بقصّة سبأ المعروفة عندهم بالنقل في أخبارهم وأشعارهم، تنبيهاً على بطلان ما هم عليه وتبكيتاً لهم: ﴿أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهةً، كذا قدَّره الجمهور، على أنَّ الضميرَ مفعولٌ أول، وآلهة مفعولٌ ثانٍ، وحذف الأول تخفيفاً؛ لأنَّ الصلةَ والموصول بمنزلة اسم واحد، فهناك طولٌ يُظْلَب تخفيفه، والثاني لأنَّ صفته - أعني قوله تعالى: ﴿مِّن دُونِ اللّهِ﴾ - سدَّت مسدّه، فلا يلزم إجحافٌ بحذفهما معاً. ولا يجوزُ أنْ يكون ((من دون الله)) هو المفعول الثاني، إذ لا يتُّ به مع الضمير الكلام، ولا يلتئم النظام، فأيُّ معنّى معتبرٍ لهم من دون الله، على أنَّ في جواز حذف أحد مفعولي هذا الباب اختصاراً خلافاً، ومن أجازه قال: هو قليلٌ في كلامهم. وكذا لا يجوز أنْ يكون ((لا يملكون))؛ لأنَّ ما زعموه ليس كونهم غير مالكين، بل خلافه، وليس ذلك أيضاً بزعمٍ بالمعنى الشائع - لو سُلِّم أنَّه صَدَر منهم - بل حقٌّ. وقال ابنُ هشام: الأولَى أن يقدَّرَ: زعمتم أنهم آلهةٌ؛ لأنَّ الغالب على ((زعم)) أن لا يقع على المفعولين الصريحين، بل على ما يسدُّ مسدَّهما من ((أنّ) (١) القراءات الشاذة ص ١٢٢، والمحتسب ١٩١/٢، والكشاف ٢٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٤١٧/٤، وتفسير القرطبي ٣٠٦/١٧، والبحر المحيط ٢٧٤/٧. ٨٨ الآية : ٢٢ وصلتها(١)، ولم يقع في التنزيل إلَّا كذلك(٢)، أي: فالأنسبُ أن يوافق المقدَّرُ المصرَّحَ به في التنزيل. ورُجِّحَ تقديرُ الجمهور بأنَّه أبعدُ عن لزوم الإجحاف. والأمر للتوبيخ والتعجيز، أي: ادعوهم فيما يهمُّكم من دفع ضرِّ أو جلب نفعٍ، لعلَّهم يستجيبون لكم، إن صحَّ دعواكم. روي أنَّ ذلك نزلَ عند الجوع الذي أصابَ قريشاً . وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْقَالَ ذَرَّقْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ في موقع الجواب، ولم يمهلهم ليجيبوا إشعاراً بتعيُّنه، فإنَّه لا يقبل المكابرة. وجُوِّزَ تقديرُ: ثم أجب عنهم قائلاً: ((لا يملكون)) إلخ، وهو متضمِّنٌ بيان حال الآلهة في الواقع، وأنَّهم إذا لم يملكوا مقدار ذرَّةٍ، أي: من خيرٍ وشرِّ، ونفعٍ وضرٍّ، كيف يكونون آلهةً تُعبد؟! ﴿فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: في أمرٍ من الأمور، وذكر السماوات والأرض للتعميم عرفاً، فيراد بهما جميعُ الموجودات، وهذا كما يقال: المهاجرون والأنصار، ويراد جميع الصحابة ﴿ه، فلا يتوهّمُ أنَّهم يملكون في غيرهما . ويجوز أن يقال: إنَّ ذِكْرَهما لأنَّ بعضَ آلهة المخاطَبين سماويَّةٌ كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضيَّةٌ كالأصنام، فالمراد نفي قدرة السماويِّ منهم على أمرٍ سماويّ، والأرضيّ على أمرٍ أرضيّ، ويُعْلَم نفيُ قدرته على غيره بالطريق الأولى، أو لأنَّ الأسباب القريبةَ للخير والشَّرِّ سماويَّةٌ وأرضيَّةٌ، فالمراد نفي قدرتهم بشيءٍ من الأسباب القريبة، فكيف بغيرها؟! ﴿وَمَا لَمْ﴾ أي: لآلهتهم ﴿فِيهِمَا مِن شِرّكٍ﴾ أي: شركة؛ لا خلقاً ولا ملكاً (١) في (م): وصلتهما. (٢) مغني اللبيب ص٧٧٤ . الآية : ٢٣ ٨٩ سُؤَا سيا ولا تصرُّفاً. ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي: لله عزَّ وجلَّ ﴿مِنْهُم﴾ أي: من آلهتهم ﴿مِّنْ ظَهِيرٍ أي: مُعِيْنٍ يعينُه سبحانه في تدبير أمرهما. ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ﴾ أي: لا توجدُ رأساً، كما في قوله: على لاحبٍ لا يُهْتَدى بمناره(١) لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإنَّما عُلِّقَ النفيُّ بنفعها دون وقوعها تصريحاً بنفي ما هو غرضهم من وقوعها. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، على ما اختاره الزمخشريُ(٢). و((مَنْ)) عبارةٌ عن الشافع، واللام الداخلة عليه للاختصاص، مثلها في: الكرم لزيد، ولام ((له)) صلةُ ((أَذِنَ))، والمراد نفي شفاعة آلهتهم لهم، لكن ذكر ذلك على وجهٍ عامٍّ؛ ليكون طريقاً برهانيّاً، أي: لا تنفعُ الشفاعةُ في حالٍ من الأحوال، أو كائنةً لمن كانت إلَّا كائنةً لشافع أُذِنَ له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة. ومن البيِّنِ أنَّهم لا يؤذنُ لهم في الشفاعة للكفار، فقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، والشفاعةُ لهم بمعزلٍ عن الصواب، وعدمُ الإذن للأصنام أبينُ وأبين، فتبيَّنَ حرمانُ هؤلاء الكفرة منها بالكليّة. أو (مَن)) عبارةٌ عن المشفوع له، واللام الداخلة عليه للتعليل، ولام ((له)) صلةُ ((أَزِنَ))، أي: لا تنفعُ الشفاعة إلَّا كائنةً لمشفوع أذن له، أي: لشفيعه، على الإضمار؛ لأنَّ المشفوع لم يصدر عنه فعلٌ حتى يؤذَنَ له فيه أنْ يشفعه. واختار الزمخشريُّ أنَّ لام ((له)) للتعليل، أي: إلَّا لمن وقع الإذنُ للشفيع لأجله، ووجههُ على ما في ((الكشف)» حصولُ الإشارة إلى الشافع والمشفوع؛ لأنَّ (١) هو صدر بيت لامرئ القيس، كما في ديوانه ص٦٦، وعجزه: إذا سافه العَوْدُ النباطيُّ جرجرا (٢) في الكشاف ٢٨٧/٣. الآية : ٢٣ ٩٠ المأذونَ لأجله المشفوع، والمأذون الشافع، ولأنَّ الغرضَ بيانُ محلِّ النفع - وهو المشفوع ۔ کان التصریحُ بذكره أهمّ. ولا يخفى أنَّ الوجهَ السابق ظاهرُ التكلُّف، فيه الإضمارُ الذي لا يقتضيه المقام، وحاصل المعنى على هذا: لا تنفعُ الشفاعة من الشفعاء المستأهلين لها إلَّا كائنةً لمن وقعَ الإذنُ للشفيع لأجله وفي شأنه من المستحقِّين للشفاعة، وأمَّا من عداهم من غير المستحقِّين لها، فلا تنفعهم أصلاً، وإن فُرِضَ وقوعُها من الشفعاء، إذ لم يؤذن لهم في شفاعتهم، بل في شفاعة غيرهم، ويثبتُ من هذا حرمانُ هؤلاء الكفرة من شفاعة الشفعاء المستأهلين للشفاعة بعبارة النَّصِّ، وعن (١) شفاعة الأصنام بدلالته، إذ حين حُرِموها من جهة القادرين عليها في الجملة، فلَأَنْ يحرمُوها من جهة العجزة عنها بالكلِّيَّة أولى. وذهب أبو حيَّان(٢) إلى أنَّ الاستثناء من أعمِّ الذوات، أي: لا تنفع الشفاعة لأحدٍ إلَّا لمن .. إلخ، واستَظْهَر احتمال أن تكون ((مَن)) عبارةً عن المشفوع له. واللام - نظراً إلى الظاهر - متعلِّقةٌ بـ ((الشفاعة))، وجَوَّزَ أبو البقاء (٣) تعلُّقها بـ (تنفع)). وتُعقِّبَ (٤) بأنَّه لا يتعدَّى إلَّا بنفسه. وقال أبو حيان فيه: إنَّ المفعولَ متأخِّرٌ، فدخول اللام قليل(٥) . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ((أُذِنَ)) مبنيًّا للمفعول(٦)، فـ ((له)) قائمٌ مقام فاعله. ﴿حَّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمّ قَالُواْ الْحَقٌ﴾ صيغة التفعيل للسلب، كما في: قرَّدت البعير، إذا أزلتَ قُرَاده، ومنه التمريض، فالتفزيعُ إزالةُ الفزع، وهو - على ما قال الراغب - انقباضٌ ونِفارٌ يعتري الإنسان من الشيء المخيف(٧). (١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ١٣١/٧: ومن. (٢) في البحر ٧/ ٢٧٦ . (٣) في الإملاء ٢/ ١٩٧ . (٤) في (م): وتعقبه. (٥) البحر ٢٧٦/٧ . (٦) التيسير ص١٨١، والنشر ٢/ ٣٥٠. وهي قراءة خلف من العشرة. (٧) المفردات (فزع). الآية : ٢٣ ٩١ و((حتى)) للغاية، واختلفوا في المغيًّا، إذ لم يكن قبلها ما يصلحُ أن يكون مغيّاً بحسب الظاهر، واختلفوا لذلك في المراد بالآية اختلافاً كثيراً؛ فقيل: هو ما يفهم من حديث الشفاعة، ويشيرُ إليه، وذلك أنَّ قوله تعالى: (وَلَا نَتَفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) يؤذنُ بشفعاء ومشفوعٍ لهم، وأنَّ هناك استئذاناً في الشفاعة، ضرورةً أنَّ وقوعَ الإذن يستدعي سابقية ذلك، وهو مستدع للترقّب والانتظار للجواب، وحيث إنَّه كلامٌ صادرٌ عن مقام العظمة والكبرياء - كيف وقد تقدَّمه ما تقدَّمه - يدلُّ على كون الكلِّ في ذلك الموقف خلفَ سُرَادق العظمة، ملقّى عليهم رداءُ الهيبة، وما بعدَ حرفِ الغاية أيضاً شديدُ الدلالة على ذلك، فكأنَّه قيل: يقف (١) الشفعاء والمشفوع لهم في ذلك الموقف الذي يتشبَّثُ فيه المستشفعون بأذيال الرجاء من المستشفَع بهم، ويقوم فيه المستشفَع به على قدم الالتجاء إلى الله جلَّ جلاله، فيطرقُ باب الشفاعة بالاستئذان فيها، ويبقون جميعاً منتظرين وچِلين فزعين، لا يدرون ما يُوَقِّع لهم الملكُ الأعظم جلَّ وعلا على رقعة سؤالهم، وماذا يصحُّ لهم بعد عرض حالهم، حتى إذا أزيلَ الفزعُ عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم بظهور تباشير حسن التوقيع، وسطوعٍ أنوار الإجابة والارتضاء من آفاق رحمة الملك الرفيع، قالوا - أي: قال بعضهم لبعض، والظاهر أنَّ البعضَ القائلَ المشفوعُ لهم، وإن شئت فَأَعِدِ الضمير إليهم من أوَّل الأمر، إذ هم الأشدُّ احتياجاً إلى الإذن، والأعظمُ اهتماماً بأمره .: ماذا قال ربكم في شأن الإذن بالشفاعة، قالوا - أي: الشفعاء، فإنَّهم المباشرون للاستئذان بالذات، المتوسِّطون لأولئك السائلين بالشفاعة عنده عزَّ وجل -: قال ربُّنا القولَ الحقَّ، أي: الواقعَ بحسب ما تقتضيه الحكمة، وهو الإذنُ بالشفاعة لمن ارتضى. والظاهر أنَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ﴾﴾ من تتمَّة كلام الشفعاء، قالوه اعترافاً بعظمة جناب العزَّة جلَّ جلاله، وقصورِ شأن كلِّ من سواه، أي: هو جلَّ شأنُه المتفرِّدُ بالعلوِّ والكبرياء، لا يشاركُه في ذلك أحدٌ من خلقه، وليس لكلِّ منهم - كائناً من كان - أن يتكلَّم إلَّا من بعد إذنه جلَّ وعلا. (١) في (م): تقف. سُؤَانَتُبًا ٩٢ الآية : ٢٣ وفيه من تواضعهم بعد ترفيع قَدْرِهم بالإذن لهم بالشفاعة ما فيه، وفيه أيضاً نوعٌ من الحمد، كما لا يخفى. وهذه الجملة المغيَّة بما ذُكر لا يبعد أن تكون جواباً لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّه قيل: كيف يكونُ الإذن في ذلك الموقف للمستأذنين، وكيف الحالُ فيه للشافعين والمستشفعين؟ فقيل: يقفون منتظرين وَجِلِين فزعين، حتى إذا .. إلخ. والآيات دالَّةٌ على أنَّ المشفوعَ لهم هم المؤمنون، وأمَّا الكفرةُ فهم عن موقف الاستشفاع بمعزلٍ، وعن التفزيع عن قلوبهم بألفِ ألفِ مَنْزِلٍ. وجَعَلَ بعضُهم - على هذا الوجه من كون المغيًّا ما ذُكر - ضميرَ ((قلوبهم)) للملائكة، وخصَّ الشفعاء بهم، وضميرَ ((قالوا)) الأوَّل لهم أيضاً، وضميرَ ((قالوا)) الثاني للملائكة الذين فوقَهم، وهم الذين يبلِّغون ذلك إليهم، وقال: إنَّ فزعَهم إمَّا لما يُقْرَنُ به الإذنُ من الأمر الهائل، أو لغشيةٍ تصيبهم عند سماع كلام الله جلَّ شأنه، أو من ملاحظةٍ وقوع التقصير في تعيين المشفوع لهم بناءً على ورود الإذن بالشفاعة إجمالاً. وهو كما ترى. وقال الزجَّاج: تفسيرُ هذا أنَّ جبرائيلَ عليه السلام لمَّا نزل إلى النبيِّ وَّلـ بالوحي ظنَّت الملائكةُ - عليهم السلام - أنَّه نزلَ بشيءٍ من أمر الساعة، ففزعت لذلك، فلما انكشفَ عنها الفزع، ((قالوا: ماذا قال ربكم)) سألَتْ: لأيِّ شيءٍ نزل جبريل عليه السلام، ((قالوا: الحقَّ))(١). اهـ. رويَ ذلك عن قتادة ومقاتل وابن السائب، بيد أنَّهم قالوا: إنَّ الملائكة صعقوا لذلك، فجعلَ جبريلُ عليه السلام يمرُّ بكلِّ سماء، ويكشفُ عنهم الفزعَ، ويخبرهم أنّه الوحي. ولم يبيِّن الزجَّاجُ وجهَ اتِّصال الآية بما قبلها، ولا بَحَث عن الغاية بشيءٍ. وقد ذكر نحوَ ذلك الإمام الرازيُّ(٢)، ثم قال في ذلك: إنَّ ((حتى)) غايةٌ متعلّقةٌ (١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٥٣. (٢) في تفسيره ٢٥٥/٢٥. الآية : ٢٣ ٩٣ سُورَةٌسَبًا بقوله تعالى: ((قل))؛ لأنَّه تنبيهٌ(١) بالوحي، فلمَّا قال سبحانه: ((قل)) فَزْع مَن في السماوات. وهو لعمري من العجب العجاب. وقال الفاضل الطيبيُّ بعد (٢) نقله ذلك التفسير: وعليه أكثرُ كلام المفسِّرين، ويعضدُه ما روينا عن البخاريِّ والترمذيِّ وابن ماجه عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَه قال: ((إذا قَضَى الله تعالى الأمرَ في السماء ضربت الملائكةُ أجنحتَها خُضْعاناً لقوله تعالى، كأنَّه سلسلةٌ على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي(٣) قال الحق، وهو العليُّ الكبير)) (٤). وعن أبي داود: عن ابن مسعود قال: ((إذا تكلّم الله تعالى بالوحي سَمِعَ أهلُ السماء صلصلةٌ كجَرِّ السِّلسلة على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريلُ، فإذا أتاهم جبريلُ عليه السلام، فُزِّعَ عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربّكم(٥)؟ فيقول: الحقَّ [فينادون: الحقَّ] الحقَّ)(٦). ثم ذكر في أمر الغاية واتِّصال الآية بما قبلها على ذلك أنَّه يُستَخرج معنى المغيًّا من المفهوم، وذلك أنَّ المشركين لمَّا ادَّعوا شفاعةَ الآلهة والملائكة، وأجيبوا بقوله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللّهِ) من الأصنام والملائكة، وسمَّيتموهم باسمه تعالى، والتجِئوا إليهم، فإنَّهم لا يملكونَ مثقال ذرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، ولا تنفع الشفاعةُ من هؤلاء إلَّا للملائكة، لكن مع الإذنِ والفزعِ العظيمِ، وهم لا يشفعون إلَّا للمَرْضِيِّين، فعبّر عن الملائكة عليهم السلام بقوله تعالى: (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ حَ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَذَا قَالَ رَّكُمّ) الآية كنايةً، كأنَّه قيل: لا تنفعُ الشفاعةُ إلَّا لمن هذا شأنُه ودأبُه، وأنَّه لا يثبتُ عند صدمةٍ من صدمات هذا (١) في (م): تبينه. وفي مطبوع تفسير الرازي: بينه. (٢) بعدها في الأصل: أن. وهي مقحمة. (٣) في صحيح البخاري - والحديث مسوق بلفظه -: للذي. (٤) صحيح البخاري (٤٧٠١) و(٤٨٠٠)، وسنن الترمذي (٣٢٢٣)، وسنن ابن ماجه (١٩٤). (٥) كذا في الأصل و(م). وفي سنن أبي داود: ربك. (٦) سنن أبي داود (٤٧٣٨)، وما بين حاصرتين منه. سُورَة ◌ُ نُبًا ٩٤ الآية : ٢٣ الكتاب المبين، وعند سماع كلام الحقِّ، يعني الذين إذا نزل عليهم الوحيُّ يفزعون ويصعقون، حتى إذا أتاهم جبريل عليه السلام فُزِّعَ عن قلوبهم، فيقولون: ماذا قال ربکم؟ فيقول: الحقَّ. انتهى. ولا يخفَى على من له أدنى تمييزٍ حالُه، وأنَّه ممَّا لا ينبغي أن يعوَّل عليه. وقولُ ابن عطيّة: إنَّ تأويل الآية بالملائكة إذا سمعت الوحيَ إلى جبريل، أو الأمر يأمر الله تعالى به، فتسمع كجرِّ سلسلة الحديد على الحديد(١)، فتفزع تعظيماً وهيبةً، وقيل: خوفَ قيام الساعة، هو الصحيحُ، وهو الذي تضافرت(٢) به الأحاديث = ناشئٌ من حرمان ابن (٣) عطيّةٍ سلامة الذوق، وتدقيق النظر. والتفسيرُ الذي ذكرناه أوَّلاً بمراحل في الحسن عمَّا ذكر عن أكثر المفسرين، وما سمعتَ من الرواية لا ينافيه، إذ لا دلالة فيه على أنَّه عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في معرض تفسيرِ الآية، ولا تنافي بين التفزيعين، وكأنَّ الأكثر من المفسرين نظروا إلى ظاهر طباق اللفظ مع الحديث، فنزَّلوا الآيةَ على ذلك، فوقعوا فيما وقعوا فيه، وإن كثروا وجلَّوا. والقائلُ بما سبقَ نظر إلى طباق المقام، وحقَّق عدمَ المنافاة، وظهر له حالُ ما قالوه فعدل عنه. وأخرج ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن الضخَّاك أنَّه قال في الآية: زعمَ ابنُ مسعود أنَّ الملائكة المعقِّبات الذين يختلفونَ إلى أهل الارض يكتبونَ أعمالهم إذا أرسلهم الربُّ تبارك وتعالى فانحدروا، سُمِعَ لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسب الذين أسفلَ منهم من الملائكة أنَّه من أمر الساعة، فيخرُّون سجَّداً، وهذا كلما مرُّوا عليهم، فيفعلون [ذلك] من خوف ربِّهم تبارك وتعالى (٤). وابنُ مسعود عندي أجلُّ من أن يحملَ الآية على هذا، فالظاهر أنَّه لا يصحُ (١) في المحرر الوجيز لابن عطية: على صفوان. (٢) في (م) والمحرر الوجيز ٤١٨/٤: تظاهرت. (٣) قوله: ابن، ساقط من (م). (٤) الدر المنثور ٢٣٧/٥. وأخرجه الطبري ٢٨١/١٩. وما بين حاصرتين منهما. والضحاك لم يدرك ابن مسعود. الآية : ٢٣ ٩٥ سُورَةُنَنُبًا عنه. ومثل هذا ما زعمَه بعضهم أنَّ ذاك فزعُ ملائكةٍ أدنى السماوات عند نزول المدبِّرات إلى الأرض. وقيل: إنَّ ((حتى)) غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ((زعمتم)) أي: زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثمَّ تركتم ما زعمتم وقلتم: قال الحقَّ، وإليه يشيرُ ما أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنَّه قال في الآية: حتى اذا فَزَّعَ الشيطان عن قلوبهم، ففارقهم وأمانيَّهم وما كان يضلُّهم به، ((قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا الحق وهو العليُّ الكبير)»، ثمَّ قال: وهذا في بني آدم - أي: كفارهم - عند الموت، أقرُّوا حين لا ينفعُهم الإقرار(١). والظاهر أنَّ في الكلام عليه التفاتاً من الخطاب في ((زعمتم)) إلى الغيبة في ((قلوبهم))، وأنَّ ضمير ((قالوا)) الأول للملائكة المؤكَّلين بقبض أرواحهم، والمراد بالتفزيع عن القلوب كشفُ الغطاء وموانعٍ إدراك الحقِّ عنها. وما نُقِل عن الحسن من أنَّه قال: إنما يقال للمشركين: ماذا قال ربّكم، أي: على لسان الأنبياء عليهم السلام، فأقرُّوا حين لا ينفع = يحتملُ أن يكون كالقول المذكور في أنَّ ذلك عند الموت، ويحتمل أن يكون قولاً بأنَّ ذلك يوم القيامة، إلَّا أنَّ في جَعْلِ ((حتى)) غايةً للزعم عليه غيرُ ظاهر، إذ لا يستصحبهم ذلك إلى يوم القيامة حقيقةً كما لا يخفى. وأبعدُ من هذا القول كونُ ذلك غايةً لقوله تعالى: (مِمَنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَائُ)، وضمير ((قلوبهم)) لـ ((مَن)) باعتبار معناه، والتفزيعُ: كشفُ الغطاء وموانعٍ إدراك الحقِّ. بل هو ممَّا لا ينبغي حملُ كلام الله تعالى عليه. وزعم بعضُهم أنَّ المعنى: إذا دعاهم إسرافيل عليه السلام من قبورهم، قالوا مجيبين: ((ماذا قال ربكم)). حكاه في ((البحر))، ثمَّ قال: والتفزيعُ من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ، كما قال زهير: (١) الدر المنثور ٥/ ٢٣٧، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٨١/١٩ من قول ابن زيد. سُورَةُ نيا ٩٦ الآية : ٢٣ طوالَ الرِّماح لاضعافٌ ولا عُزْلُ(١) إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم وأنت تعلمُ أنَّ التفزيعَ بالمعنى المذكور لا يتعدَّى بـ ((عن))، وأمرُ الغاية عليه غيرُ ظاهر، وبالجملة ذلك الزعم ليس بشيء. واختار أبو حيَّن أنَّ المغيَّا الاتِّباع في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وضميرُ ((قلوبهم)) عائدٌ إلى ما عاد إليه ضميرُ الرفع في ((اتَّبَعوه))، أعني: الكفار، وكذا ضمير ((قالوا)) الثاني، وضمير ((قالوا)) الأول للملائكة، وكذا ضمير ((ربكم))، وجملةُ قوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ أَلَّذِينَ) إلخ اعتراضية بين الغاية والمغيَّ، والتفزيعُ حالَ مفارقة الحياة أو يومَ القيامة، ويجعل(٢) اتّباعهم إبليسَ مُستَصحباً لهم إلى ذلك اليوم مجازاً (٣). ولا يخفى بُعْدُه، والوجه عندي ما ذُكِر أوَّلاً . و((ماذا)) تحتملُ أن تكون منصوبةً بـ ((قال))، أي: أيُّ شيءٍ قال ربكم؟ وتحتملُ أن تكون في موضع رفع، على أنَّ ((ما)) اسم استفهام مبتدأ، و((ذا)) اسم موصول خبره، وجملة ((قال)) صلة الموصول، والعائد محذوف، أي: ما الذي قاله ربكم؟ وقرأ ابن عباس وابن مسعود وطلحة وأبو المتوكل الناجي وابن السميفع وابن عامر ويعقوب: ((فَزَّع)) بالتشديد والبناء للفاعل(٤)، والفاعل ضميرُ الله تعالى المستتر، أي: أزالَ اللهُ تعالى الفزعَ عن قلوبهم. وقال أبو حيان: هو ضميره تعالى إن كان ضمير ((قلوبهم)) للملائكة، وإنْ كان للكفار، فهو ضمير مغويهم(٥). (١) البحر المحيط ٢٧٨/٧-٢٧٩، والبيت في ديوان زهير ص١٠٢. وفيه: لا قصار. بدل: لا ضعاف. (٢) في (م): ويجعل. (٣) البحر المحيط ٢٧٧/٧. (٤) البحر المحيط ٢٧٨/٧، وقراءة ابن عامر - من السبعة - في التيسير ص١٨١، والنشر ٣٥١/٢، وفي الأخير قراءة يعقوب من العشرة. (٥) البحر ٢٧٨/٧. ٩٧ الآية : ٢٤ وقرأ الحسن: ((فُزِعَ)) بالتخفيف والبناء للمفعول(١)، فـ ((عن قلوبهم)) نائب الفاعل كما في قراءة الجمهور. وقرأ هو وأبو المتوكّل أيضاً وقتادة ومجاهد: ((فَرَّغ)) بالفاء والراء المهملة والغين المعجمة مشدّداً مبنيًّا للفاعل(٢)، بمعنى أزال. وقرأ الحسن أيضاً كذلك إلَّا أنَّه خفّف الراء (٣). وقرأ عبد الله بن عمر - ﴿ًّا - والحسن أيضاً وأيوب السختيانيُّ وقتادة أيضاً وأبو مجلز: ((قُرِّغَ)) كذلك أيضاً إلَّا أنهم بنوه للمفعول(٤). وقرأ ابن مسعود - في رواية - وعيسى: ((افرنقع)) قيل: بمعنى: تفرَّق(٥). وقال الزمخشريُّ: بمعنى: انكشف(٦). والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركِّب اقمطرَّ من حروف القمط مع زيادة الراء، وفيه إيهامُ أنَّ العين والراء من حروف الزيادة، وليس كذلك. وقرأ ابن أبي عبلة: ((الحقُّ) بالرفع(٧)، أي: مقولُه الحقُّ. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ﴾ أُمِرَ بَّهِ أنْ يقول ذلك تبكيتاً للمشركين بحملهم على الإقرار بأنَّ آلهتهم لا يملكون مثقال ذرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، وأنَّ الرزاقَ هو الله عزَّ وجلَّ، فإنَّهم لا ينكرونَه، وحيث كانوا يتلعثمون أحياناً في الجواب مخافةً الإلزام، قيل له عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلِ ، إذ لا جوابَ سواه عندهم أيضاً. (١) المحتسب ١٩١/٢، والكشاف ٢٨٨/٣، وتفسير القرطبي ٣١١/١٧، والبحر ٢٧٨/٧. (٢) المحتسب ٢ / ١٩١ - دون ذكر مجاهد - والبحر المحيط ٢٧٨/٧، والدر المصون ١٨٢/٩. (٣) البحر المحيط ٢٧٨/٧، وذكرها في المحتسب ١٩٢/٢ عن الحسن وقتادة بخلاف عنهما. (٤) البحر المحيط ٢٧٨/٧. (٥) المحرر الوجيز ٤١٩/٤، والبحر المحيط ٢٧٨/٧، وهي في القراءات الشاذة ص١٢٢ عن ابن مسعود، وفي المحتسب ٢/ ١٩٢ عن عیسی. (٦) الكشاف ٢٨٨/٣. (٧) البحر المحيط ٢٧٨/٧. ٩٨ الآية : ٢٤ ﴾ أي: وإنَّ أحدَ الفريقين: ٢٤١ ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ منَّا معشرَ الموحِّدين المتوحدَ بالرِّزق والقدرة الذاتيَّة، العابديهِ وحده عزَّ وجلّ، ومنكم فرقة المشركين به العاجزينَ(١) في أنفسهم عن دفع أدنى ضرِّ، وجلب أحقر نفع، وفيهم (٣) النازل إلى أسفل المراتب الإمكانية = المتصفون(٣) بأحد الأمرين من الاستقرار على الهدى والانغماس في الضلال. وهذا من الكلام المنصف؛ الذي كلُّ مَن سمعه مِن مُوالٍ أو مُنافٍ قال لمن خوطب به: قد أنصفكَ صاحبك. وفي دَرْجِه بعد تقدمة ما قدَّم من التقرير البليغ دلالةٌ ظاهرةٌ على مَن هو مِن الفريقين على هدى، ومن هو في ضلال، ولكن التعريضَ أبلغُ من التصريح، وأوصلُ بالمجادل إلى الغرض، وأهجمُ به على الغلبة، مع قلَّة شغب الخصم، وفَلِّ شوكته بالهوينا، ونحوُه قولُ الرجل لصاحبه: قد علم الله تعالى الصادقَ منِّي ومنك، وإن أحدنا لكاذب، ومنه قول حسان يخاطب أبا سفيان بن حرب، وكان قد هجا رسول الله وتقليل قبل أن يسلم: فشرُّكما لخيركما الفداءُ(٤) أتهجوه ولست له بکفءٍ وقول أبي الأسود: طَوَال الدهر لا تنسى عليًّا يقول الأرذلون بنو قشيرٍ أَحَبُّ الناس كلِّهمُ إليَّا بنوعمِّ النبيِّ وأقربوه ولستُ بمخطئٍ إنْ كان غيَّا(٥) فإن يكُ حبُّهمْ خيراً أُصِبْهُ وذهب أبو عبيدة(٦) إلى أن ((أو)) بمعنى الواو، كما في قوله: (١) قوله: العاجزين، مفعول به لقوله: المشركين. (٢) أي: وفي العاجزين. (٣) قوله: المتصفون، خبر قوله: وإن أحد الفريقين ... (٤) ديوان حسان ص٩، وسلف ٢٥٤/١٨، وفيه: أتشتمه. بدل: أتهجوه. (٥) ديوان أبي الأسود، صنعة السكري ص ١٥٣ - ١٥٤، ورواية البيت الأخير فيه: فإن يك حبهم رشداً أُصبْه وفيهم أسوة إن كان غيَّا (٦) في مجاز القرآن ١٤٨/٢. الآية : ٢٤ ٩٩ سُورَةٌ تَبًا سيَّانِ كسرُ رغيفه أو كسرُ عظم من عظامه(١) والكلامُ من باب اللفّ والنشر المرتَّب، بأن يكون ((على هدى)) راجعاً لقوله تعالى: ((إِنَّا))، و((في ضلال)) راجعاً لقوله سبحانه: ((إِيَّاكم))، فإنَّ العقلَ یحکمُ بذلك، كما في قول امرئ القيس: لَدَى وكرها العُنَّبُ والحَشَفُ البالي(٢) كأنَّ قلوبَ الطير رَطباً ويابساً ولا يخفى بُعْدُه. وأيًّاما كان فليس هذا من باب التقيَّة في شيءٍ كما يزعمه بعضُ الجهلة. والظاهر أنَّ ((لعلى هدى)) إلخ خبر ((إنَّا أو إياكم)) من غير تقدير حذف، إذ المعنى: إنَّ أحدنا لمتَّصفٌ بأحد الأمرين، كقولك: زيدٌ أو عمرو في السوق أو في البيت. وقيل: هو خبر (إنَّا))، وخبر «إيّاكم)) محذوف تقديره: لعلی هدی أو في ضلال مبين . وقيل: هو خبر ((إيَّاكم))، وخبر ((إنَّا)) محذوفٌ لدلالة ما ذُكر عليه، و((إِيَّاكم)) على تقدير ((إنَّ)، ولكنَّها لمَّا حُذِفت انفصل الضمير. وفي ((البحر))(٣): لا حاجةً إلى تقدير الحذف في مثل هذا، وإنَّما يُحتَاجُ إليه في نحو: زيد أو عمرو قائم. فتدبّر. والمتبادرُ أنَّ ((مبين)) صفة ((ضلال))، ويجوز أن يكون وصفاً له ولـ ((هدى))، والوصف وكذا الضمير يلزم إفراده بعد المعطوف بـ ((أو)). وأدخل ((على)) على ((الهدى)) للدلالة على استعلاء صاحبه وتمكّنه واطلاعه على ما يريد، كالواقف على مكانٍ عالٍ، أو الراكب على جوادٍ يركضه حيث شاء، (١) هو لدعبل بن علي الخزاعي. شعر دعبل ص٤٢٤. (٢) ديوان امرئ القيس ص٣٨. (٣) ٢٨٠/٧. سُوٌَّلاَ تَكَبًا ١٠٠ الآية : ٢٥ - ٢٦ و ((في) على ((الضلال)) للدلالة على انغماسٍ صاحبه في ظلام، حتى كأنَّه في مهواةٍ مظلمةٍ، لا يدري أين يتوجّه، ففي الكلام استعارةٌ مكنيّةٌ أو تبعِيَّة. وفي قراءة أبيّ: ((إنَّا أو إِيَّاكم إمَّا على هدّى أو في ضلال مبين))(١). ﴿قُل لَّا تُتْشَلُونَ عَمَّ أَجْرَقْنَا وَلَا تُعَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا أبلغ في الإنصاف، حيث عبّر عن الهفوات التي لا يخلو عنها مؤمنٌ بما يعبّر به عن العظائم، وأسند إلى النفس، وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبّر به عن الهفوات، وأسند للمخاطبين، وزيادةً على ذلك أنَّه ذكر الإجرامَ المنسوب إلى النفس بصيغة الماضي الدالّة على التحقُّق، وعن العمل المنسوب إلى الخصم بصيغة المضارع التي لا تدلُّ على ذلك. وذُكر أنَّ في الآية تعريضاً، وأنه لا يضرُّ بما ذكر، وزعم بعضُهم أنَّها من باب المتاركة، وأنَّها منسوخةٌ بآية السيف. ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامة عند الحشر والحساب ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِآلْحَقِّ﴾ يقضي سبحانه بيننا ويفصلُ بعد ظهور حال كلٍّ منَّا ومنكم بالعدل، بأنْ يُدخِل المحقِّين الجنَّة والمبطلين النار. ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي في القضايا المنغلقة، فكيف بالواضحة كإبطال الشرك وإحقاق التوحيد، أو القاضي في كلِّ قضيَّةٍ خفيَّة كانت أو واضحة. والمبالغة على الأول في الكيف، وعلى الثاني في الكَمِّ، ولعلَّ الوجه الأوَّل أولى. وفيه إشارةٌ إلى وجه تسمية فصل الخصومات فتحاً، وأنه في الأصل لتشبيه ما حكم فيه بأمرٍ منغلق، كما يشبّه بأمرٍ منعقد في قولهم: حلَّال المشكلات. وقرأ عيسى: ((الفاتح))(٢). ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ بما ينبغي أنْ يُقضَى به، أو بكلِّ شيءٍ. (١) الكشاف ٢٨٩/٣. (٢) القراءات الشاذة ص ١٢٢، والبحر المحيط ٢٨٠/٧.