Indexed OCR Text
Pages 461-480
الآية : ٥٦ ٤٦١ سُوَّةُ الأُخْزَائِ تتفق الأدلَّة. وأنت تعلم اتفاقها بغير ما ذَكَر. والسلام عند كثيرٍ [كالصلاة](١) فيما ذكر، وفي (شرح الجوهرة)) للَّقاني(٢) نقلاً عن الإمام الجويني أنه في معنى الصلاة، فلا يُستعمل في الغائب، ولا يُفرد به غیرُ الأنبياء عليهم السلام، فلا يقال: عليٍّ عليه السلام، بل يقال: رَؤُه، وسواءٌ في هذا الأحياء والأمواتُ، إلا في الحاضر فيقال: السلام، أو: سلامٌ عليك، أو: عليكم، وهذا مجمعٌ عليه. انتهى. وفي حكاية الإجماع على ذلك نظر. وفي ((الدر المنضود))(٣): السلامُ كالصلاة فيما ذكر إلا إذا كان لحاضرٍ أو تحيةً لحيٍّ غائب. وفرَّق آخرون بأنه يُشْرَعُ في حقِّ كلِّ مؤمنٍ بخلافِ الصلاة، وهو فَرْقٌ بالمدَّعى فلا يقبل، ولا شاهد في: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأنه واردٌ في محلِّ مخصوصٍ، وليس غيرُه في معناه، على أنَّ ما فيه وقع تبعاً لا استقلالاً . وحقَّق بعضهم فقال ما حاصله مع زيادةٍ عليه: السلامُ الذي يعمُّ الحيَّ والميت هو الذي يُقْصَدُ به التحيةُ، كالسلام عند تلاقٍ أو زيارةٍ قبرٍ، وهو مستدعٍ للردٌ وجوبَ كفايةٍ أو عينٍ، بنفسه في الحاضر، ورسولِه أو كتابِهِ في الغائب، وأمَّا السلام الذي يقصد به الدعاءُ منَّا بالتسليم من الله تعالى على المدعوِّ له سواءٌ كان مسجّى فقال: صلى الله عليك. قال ابن عيينة: فقلت لجعفر: أليس يقال: لا يصلَّى إلا على = النبي ◌َّ؟ فقال: هكذا سمعنا، أو جاء في الحديث. ويشبه أن يكون جعفر ترك هذه الكلمة لما عارضه سفيان بما عارضه به، فإن سماع ابن عيينة من جعفر قديم ... والمحفوظ المرسل، فإن كان ابن عيينة حفظه متصلاً فلعل جعفراً وصله مرة. اهـ. قلت: وأخرجه ابن سعد عن الفضل بن دكين عن عبد الواحد بن أيمن عن أبي جعفر أن عليًّا دخل على عمر ... فذكره، وفيه: يرحمك الله، بدل: صلى الله عليك. وهذا إسناد صحیح إلى أبي جعفر. وفي الباب من حديث ابن عمر ومن حديث أبي جحيفة عند ابن سعد ٣٧٠/٣، وأحمد (٨٦٦) و(٨٦٧)، وابن شبة ٩٣٧/٣-٩٣٨، وفيهما أيضاً بدل الصلاة: رحمة الله عليك. (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) كما في حاشية ابن عابدين ٧٥٣/٦، ولم نقف عليه في المطبوع من شرح الجوهرة. (٣) الدر المنضود في فضائل الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود لابن حجر الهيتمي. ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر له ١/ ١٠٧. سُورَةُ الأَجْزَاءُ ٤٦٢ الآية : ٥٦ بلفظِ غيبةٍ أو حضورٍ فهذا هو الذي اختصَّ بِهِ وَّر عن الأمة، فلا يسلّم على غيره منهم إلَّا تبعاً كما أشار إليه التقي السبكي في ((شفاء الغرام))، وحينئذٍ فقد أَشْبَهَ قولُنا: عليه السلام، قولنا: عليه الصلاة، من حيث إن المراد: عليه السلام من الله تعالى، ففيه إشعارٌ بالتعظيم الذي في الصلاة من حيث الطلبُ لأنْ يكون المسلِّمَ عليه اللهُ تعالى كما في الصلاة، وهذا النوعُ من السلام هو الذي ادَّعى الحليميُّ كونَ الصلاة بمعناه. انتهى. واختلف في جواز الدعاء له - * بالرحمة، فذهب ابن عبد البرِّ إلى منع ذلك(١). ورُدَّ بوروده في الأحاديث الصحيحة، منها - وهو أصحُّها - حديثُ التشُّد: السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته(٢). ومنها قولُ الأعرابيّ: اللهمَّ ارحمني ومحمداً، وتقريرُهُ وَّهِ لذلك(٣)، وقوله ◌َّهِ: ((اللهمَّ إني أسألك رحمةً من عندك))(٤)، ((اللهم أرجو رحمتك))(٥)، ((يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث))(٦)، وفي خطبة رسالة الشافعيِّ ما لفظه: صلى الله عليه وسلم ورَحِمَ وكرَّم(٧). نعم قضيةٌ كلامه كحديث التشهُّد أنَّ محلَّ الجواز إن ضمَّ إليه لفظ الصلاة أو السلام، وإلا لم يجز، وقد أخذ به جمع منهم الجلال السيوطي(٨)، بل نقله القاضي عياض في ((الإكمال)) عن الجمهور(٩)، قال القرطبي: وهو الصحيح(١٠). (١) الاستذكار لابن عبد البر ٦/ ٢٦٢. (٢) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) من حديث ابن مسعود (٣) أخرجه البخاري (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة ﴿ه. (٤) أخرجه الترمذي (٣٤١٩) من حديث ابن عباس (٥) أخرجه أحمد (٢٠٤٣٠)، وأبو داود (٥٠٩٠) من حديث أبي بكرة (٦) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس (٧) لم نقف عليه في المطبوع من خطبة الرسالة، بل أشار الشيخ أحمد شاكر في خاتمة الكتاب إلى أنه وقع في خاتمة نسخة ابن جماعة ما نصه: ((الحمد لله رب العالمين حقَّ حمده، صلواته على محمد خير خلقه، وعلى آله وصحبه وسلم وشرَّف وكرَّم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل)). (٨) في نكت الأذكار، كما ذكر الشهاب في الحاشية ١٨٤/٧ . (٩) ينظر إكمال المعلم ٣٠٤/٢. (١٠) المفهم لأبي العباس القرطبي ٤٢/٢. الآية : ٥٦ ٤٦٣ سُوَّةُ الأَجْزَائِ وجزم بعدم جوازه منفرداً الغزالي عليه الرحمة، فقال: لا يجوزُ: ترحَّمْ على النبيِّ. ويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَا﴾ [النور: ٦٣]. والصلاة وإن كانت بمعنى الرحمة إلَّ أنَّ الأنبياء خُصُّوا بها تعظيماً لهم، وتمييزاً لمرتبتهم الرفيعة على غيرهم، على أنها في حقٌّهم ليست بمعنى مطلقٍ الرحمة، بل المرادُ بها ما هو أخصُّ من ذلك كما سمعتَ فيما تقدَّم. نعم ظاهرُ قول الأعرابيِّ السابق وتقريرِه عليه الصلاة والسلام له الجوازُ ولو بدون انضمام صلاةٍ أو سلام؛ قال ابن حجر الهيتمي: وهو الذي يتَّجه، وتقريرُه المذكور خاصٌّ، فيقدَّم على العموم الذي اقتضته الآية. ثم قال: وينبغي حملُ قولٍ مَن قال: لا يجوز ذلك، على أنَّ مرادهم نفيُ الجواز المستوي الطرفين، فيصدق بأن ذلك مكروهٌ أو خلافُ الأَوْلی. وذكر زين الدين في ((بحره)) أنهم اتفقوا على أنه لا يقال ابتداءً: رحمه الله تعالى(١). وأنا أقول: الذي ينبغي أن لا يقال ذلك ابتداء. وقال الطحطاوي في حواشيه على ((الدر المختار)): وينبغي أن لا يجوز: غفر الله تعالى له، أو: سامحه؛ لما فيه من إيهام النقص. وهو الذي أميلُ إلیه، وإن كان الدعاءُ بالمغفرة لا يستلزمُ وجوبَ ذنبٍ، بل قد يكون بزيادة درجاتٍ كما يشير إليه استغفارُه عليه الصلاة والسلام في اليوم والليلة مئة مرةٍ، وكذا الدعاء بها للميت الصغير في صلاة الجنازة. ومثلُ ذلك فيما يظهر: عفا اللهُ تعالى عنه، وإنْ وقع في القرآن؛ فإنَّ الله تعالى له أن یخاطب عبده بما شاء. وأرى حُكْمَ الترجُم على الملائكة عليهم السلام كحكم الترجُّم عليه وَله. ومَن اختلف في نبؤَّته - كـ: لقمان - يقال فيه: ﴿ه، أو: صلى الله تعالى على الأنبياء وعليه وسلَّم. (١) البحر الرائق ٣٤٨/١. سُورَةُ الأَجْتَانِ ٤٦٤ الآية : ٥٧ هذا وقد بقيتْ في هذا المقام أبحاثٌ كثيرةٌ يطول الكلام بذكرها جدًّا فلتُطْلَبْ من مظانِّها، والله تعالى وليُّ التوفيق، وبيده سبحانه أزمَّةُ التحقيق. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أريدَ بالإيذاء إمَّا ارتكابُ ما لا يرضَيانِه من الكفر وكبائِر المعاصي مجازاً؛ لأنه سببٌ أو لازمٌ له وإن كان ذلك بالنظر إليه تعالى بالنسبة إلى غيره سبحانه فإنه كافٍ في العلاقة. وقيل في إيذائه تعالى: هو قول اليهود والنصارى والمشركين: يد الله مغلولة، و: المسيح ابن الله، و: الملائكة بناتُ الله، و: الأصنام شركاؤه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. وقيل: قول الذين يلحدون في آياته سبحانه. وقيل: تصوير التصاوير، وروي عن كعب ما يقتضيه. وقيل في إيذاء الرسول وَلّ: هو قولهم: شاعرٌ، ساحرٌ، كاهنٌ، مجنون، وحاشاه عليه الصلاة والسلام. وقيل: هو كسرُ رباعيته وشجّ وجهه الشريف، وكان ذلك في غزوة أحد. وقيل: طعنُهم في نكاح صفية بنت حييٍّ(١). والحقُّ هو العموم فيهما. وإما إيذاؤه(٢) عليه الصلاة والسلام خاصةً بطريق الحقيقة، وذكر الله عز وجل لتعظیمە پ* ببیانِ قُرْبِه و کونِه حبيبه المختصَّ به، حتى كان ما يؤذيه يؤذيه سبحانه كما أنَّ مَن يطيعُه يطيعُ الله تعالى. وجوِّز أن يكون الإيذاء على حقيقته والكلامُ على حذف مضاف، أي: يؤذون أولياء الله ورسوله، وليس بشيء. وقيل: يجوز أن يراد منه المعنى المجازيُّ بالنسبة إليه تعالى، والمعنى الحقيقيُّ بالنسبة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، وتعدُّدُ المعمول بمنزلة تكرُّر لفظ العامل، فيخفُّ أمر الجمع بين المعنيين، حتى ادَّعى بعضُهم أنه ليس من الجمع الممنوع. وليس بشيءٍ. (١) أخرجه الطبري ١٧٨/١٩-١٧٩ عن ابن عباس وقتادة، وسيرد قريباً. (٢) قوله: وإما إيذاؤه، معطوف على قوله: إما ارتكاب ... الآية : ٥٨ ٤٦٥ سُوَّةُ الأُخْتَانِ ﴿لَعَهُمُ اللّهُ﴾ طَرَدَهم وأبعدَهم من رحمته ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ بحيث لا يكادون ينالون فيهما شيئاً منها. وذلك في الآخرة ظاهرٌ، وأما في الدنيا فقيل: بمنعهم زيادةً الهدى. ﴿وَعَذَّ لَمْ﴾ مع ذلك ﴿عَذَابًا مُهِينًا (7﴾﴾ يصيبهم في الآخرة خاصةً. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ يفعلون بهم ما يتأذَّوْن به من قول أو فعل. وتقييدُه بقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ أي: بغير جنايةٍ يستحقُّون بها الأذيةَ شرعاً، بعد إطلاقه فيما قبله؛ للإيذان بأنَّ أذى اللهِ تعالى ورسوله وَّ و لا يكون إلا في غير حقٍّ، وأمَّا أذى هؤلاء فمنه ومنه. وروي أنَّ عمر ﴿به قال يوماً لأبيٍّ: يا أبا المنذر، قرأتُ البارحة آيةً من كتاب الله تعالى فوقعتْ منِّ كلَّ موقع: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) والله إنِّي لأعاقبهم وأضربهم. فقال: إنك لستَ منهم، إنَّما أنت معلِّمٌ ومقوّمٌ (١). وقوله تعالى: ((الذين)) مبتدأ، وقولُه سبحانه: ﴿فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَذًا﴾ - أي: فعلاً شنيعاً، وقيل: ما هو كالبهتان، أي: الكذب الذي يبهتُ الشخصَ لفظاعته في الإثم. وقيل: احتمل بهتاناً، أي: كذباً فظيعاً إذا كان الإيذاء بالقول ﴿وَإِثْمًا تُبِينًا @﴾ أي: ظاهراً بيِّناً - خبرُه، ودخلت الفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط. والآيةُ قيل: نزلت في منافقينَ كانوا يؤذون عليًّا كرم الله تعالى وجهه ويُسْمِعونه ما لا خيرَ فيه(٢) . وأخرج جويبر(٣) عن الضحاك عن ابن عباس قال: أنزلت في عبد الله بن أبيٍّ وناسٍ معه، قذفوا عائشة ﴿ّا، فخطب النبيُّ وَّهِ وقال: ((مَن يعذرني من رجلٍ يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني) فنزلت. (١) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة كما في الدر المنثور ٢٢٠/٥، وقتادة لم يدرك عمر ولا أيًّا (٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٨٢ عن مقاتل. (٣) في الأصل و(م): ابن جويبر، والمثبت من أسباب النزول للسيوطي ص٣٠٧. سُورَةُ الأَجْزَانِ ٤٦٦ الآية : ٥٩ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنها نزلت في الذين طعنوا على النبيِّ ◌ِ﴾ في أخذ صفية بنت حييٍّ ﴾(١). وعن الضحاك والسدِّي والكلبي أنها نزلت في زناةٍ كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهنَّ، وكانوا لا يتعرَّضون إلَّا للإماء ولكنْ ربما يقع منهم التعرُّضُ للحرائر جهلاً أو تجاهلاً؛ لاتِّحاد الكلِّ في الزيِّ واللباس (٢). والظاهر عمومُ الآية لكلِّ ما ذُكر ولكلِّ ما سيأتي من أراجيف المرجفين، وفيها من الدلالة على حرمة المؤمنين والمؤمنات ما فيها . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال: يُلْقَى الجَرَب على أهل النار، فيحكُّون حتى تبدوَ العظامُ، فيقولون: ربَّنا بماذا أصابنا هذا؟ فيقال: بأذاكم المسلمين(٣). وأخرج غير واحد عن قتادة قال: إياكم وأذى المؤمن، فإنَّ الله تعالى يحوطُه ویغضب له. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّه لأصحابه: ((أيُّ الربا أربى عند الله))؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم. قال: ((أَرْبَى الرِّبا عند الله استحلالُ عِرْضٍ امرئٍ مسلم)) ثم قرأ وَّه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ) الآية (٤). ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ بعد ما بَيَّن سبحانه سوءً حال المؤذين زجراً لهم عن الإيذاء أَمَر (١) الدر المنثور ٢٢٠/٥، وهو في تفسير الطبري ١٧٨/١٩-١٧٩، وأخرجه الطبري أيضاً عن قتادة . (٢) تفسير أبي السعود ١١٥/٧، وسيأتي نحوه في سبب نزول الآية التي بعدها. (٣) الدر المنثور ٢٢٠/٥، وأخرجه أيضاً ابن أبى شيبة ١٦١/١٣. (٤) الدر المنثور ٢٢١/٥، وهو في الشعب (٦٧١١). وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٤٨٨/٣ وقال: رواه أبو يعلى، ورواته رواة الصحيح. اهـ. وهو في مسند أبي يعلى (٤٦٨٩)، ولكن فيه: أزنى الزنى، بدل: أربى الربا. وله شاهد من حديث سعد .ب زيد ظ عند أحمد (١٦٥١)، وأبي داود (٤٨٧٦) ولفظه: ((مِن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقِّ، وإسناده صحيح. الآية : ٥٩ ٤٦٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ النبيَّ ◌َِّ بأنْ يأمر بعض المتأذَّيْنَ منهم بما يدفع إيذاءهم في الجملة، من التستُّر والتميُّز عن مواقع الإيذاء فقال عز وجل: ﴿قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيِنَّ مِن جَبِهِنَّ﴾ روي عن غير واحدٍ أنه كانت الحرَّة والأمة تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغِيْطان وبين النخيل من غير امتيازٍ بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسَّاقٌ يتعرَّضون للإماء، وربما تعرَّضوا للحرائر فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهنَّ إماءً. فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء بالزيِّ والتستُّر ليحتشمنَ ويُهَبْنَ فلا يُطْمَع فيهنَّ(١). والجلابيب جمعُ: جلباب، وهو على ما روي عن ابن عباس: الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقال ابن جبير: المِقْنَعة. وقيل: المِلْحَفة(٢). وقيل: كلُّ ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها. وقيل: كلُّ ما تتستَّر به من كساءٍ أو غيره. وأنشدوا: مجلببٌ من سواد الليل جلبابا (٣) وقيل: هو ثوبٌ أوسعُ من الخمار ودون الرداء. والإدناء: التقريب؛ يقال: أدناني، أي: قرَّبني. وضمِّن معنى الإرخاء أو السَّدْلِ، ولذا عدِّي بـ ((على)) على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستُّرٌ يتأتَّى معه رؤيةُ الطريق إذا مشينَ، فتأمل. ونقل أبو حيان عن الكسائيّ أنه قال: أي: يتقنَّعْنَ بملاحفهنَّ منضمَّةً عليهنَّ. ثم قال: أراد بالانضمام معنى الإدناء(٤). وفي ((الكشاف)): معنى ((يدنينَ (١) أخرجه ابن سعد ١٧٦/٨، وعبد الرزاق في التفسير ١٢٣/٢ عن الحسن، وأخرجه الطبري ١٨٣/١٩ عن أبي صالح. (٢) الملحفة: الملاءة تلتحف بها المرأة، والمقنعة: ما تغطي به المرأة رأسها. معجم متن اللغة (لحف) و(قنع). (٣) وصدره: يعدو به سابحٌ نَهْدٌ مَراكلُه، والبيت للخنساء، وهو في ديوانها ص٧، والتعازي والمراثي للمبرد ص١٠٦، وعجزه في الكشاف ٣/ ٢٧٤ منسوباً لأبي زبيد. ووقع في الأصل و(م): تجلبيت، والمثبت من المصادر. (٤) البحر ٧/ ٢٥٠، ونقله أبو حيان عن الكشاف ٢٧٤/٣. سُورَةُ الأَجَْائِ ٤٦٨ الآية : ٥٩ عليهنَّ)): يُرخين عليهنَّ؛ يقال إذا زلَّ الثوب عن وجه المرأة: أَذْني ثوبَكِ على وجهك(١) وفسَّر ذلك سعيد بنُّ جبير بـ: يُسْدِلْنَ عليهنَّ. وعندي أنَّ كلَّ ذلك بيانٌ لحاصل المعنى. والظاهر أنَّ المراد بـ ((عليهنَّ)): على جميع أجسادهنَّ. وقيل: على رؤوسهنَّ، أو: على وجوههنَّ؛ لأنَّ الذي كان يبدو منهنَّ في الجاهلية هو الوجه. واختلف في كيفية هذا التستُّر؛ فأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن سيرين قال: سألتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن هذه الآية: (يُدْنِينَ عَيْهِنَّ مِن ◌َلَئِيِهِنَّ) فرفع مِلْحَفةً كانت عليه فتقنَّع بها وغّى رأسه كلَّه حتى بلغ الحاجبين، وغّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شقِّ وجهه الأيسر(٢). وقال السدِّيُّ: تغطّي إحدى عينيها وجبهتَها والشقَّ الآخر إلا العين. وقال ابن عباس وقتادة: تلوي الجلباب فوق الجبين وتشدُّه، ثم تعطفُه على الأنف وإن ظهرت عيناها، لكن تستُر الصدرَ ومعظمَ الوجه. وفي روايةٍ أخرى عن الحبر رواها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه: تغطّي وجهها من فوق رأسها بالجلباب، وتبدي عيناً واحدة(٣). وأخرج عبد الرزاق وجماعةٌ عن أمِّ سلمةً قالت: لمَّا نزلت هذه الآية (يُدْنِينَ عَلَتِهِنَّ مِن جَلَئِهِنَّ) خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهنَّ الغربانُ من السكينة، وعليهنَّ أكسيةٌ سودٌ يلبسنها(٤). وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: رَحِمَ الله تعالى نساء الأنصار؛ لمّا نزلت (وَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ) الآية شَقَقْنَ مروطهنَّ فاعتجرنَ بها، فصلَّين خلف (١) الكشاف ٢٧٤/٣. (٢) الدر المنثور ٢٢١/٥، وهو في تفسير الطبري ١٨١/١٩ بنحوه، وفيه :... فغطّى أنفه وعينه الیسری، وأخرج عينه اليمنى. (٣) الدر المنثور ٢٢١/٥، وهو في تفسير الطبري ١٨١/١٩. (٤) تفسير عبد الرزاق ١٢٣/٢. الآية : ٥٩ ٤٦٩ سُؤَةُ الأَجْزَا رسول الله﴿ كأنما على رؤوسهنَّ الغربان(١). و (من)) للتبعيض، ويحتمل ذلك على ما في ((الكشاف)) (٢) وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بالبعض واحداً من الجلابيب، وإدناء ذلك عليهنَّ أنْ يَلْبَسْتَه على البدن كلِّه. وثانيهما: أن يكون المراد بالبعض جزءاً منه، وإدناءُ ذلك عليهنَّ أن يتقنَّعْنَ فيسترن الرأسَ والوجه بجزء من الجلباب، مع إرخاء الباقي على بقية البدن. والنساء مختصَّاتٌ بحكم العرف بالحرائر، وسببُ النزول يقتضيه، وما بعدُ ظاهرٌ فيه، فإماء المؤمنين غيرُ داخلاتٍ في حكم الآية. وعن عمر عظُّه أنَّ غير الحرَّة لا تتقنَّع؛ أخرج ابن أبي شيبة عن قلابة قال: كان عمر بن الخطاب لا يدعُ في خلافته أمةً تتقنَّع، ويقول: القناعُ للحرائر لكيلا يؤذّيْنَ(٣). وأخرج هو وعبد بن حميد عن أنس مضرته قال: رأى عمر ﴿ه جاريةً مقنَّعةً، فضربها بدرَّته وقال: أَلْقي القناع لا تتشبَّهي بالحرائر (٤). وجاء في بعض الروايات أنه ظه قال لأَمَةٍ رآها مقتَّعةً: يا لَكْعاء، أَتَشَّهين بالحرائر (٥)؟ وقال أبو حيان: نساءُ المؤمنين يشمل الحرائر والإماء، والفتنةُ بالإماء أكثرُ لكثرة تصرُّفِهنَّ، بخلاف الحرائر، فيحتاجُ إخراجُهنَّ من عموم النساء إلى دليلٍ واضح(٦). انتھی. وأنت تعلم أنَّ وجه الحرَّة عندنا ليس بعورةٍ، فلا يجب ستره، ويجوز النظر من الأجنبي إليه إنْ أمن الشهوة مطلقاً، وإلا فيحرُمُ، وقال القهستانيُّ: مُنِعَ النظر من الشابة في زماننا ولو بلا شهوة. وأمَّا حُكْمُ أمة الغير ولو مدبَّرةً أو أمَّ ولدٍ فكحُكم (١) الدر المنثور ٢٢١/٥، وينظر ما سلف عند تفسير الآية (٣١) من سورة النور. (٢) ٢٧٤/٣ بنحوه. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢٣١/٢. (٤) الدر المنثور ٢٢١/٥، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٢٣١/٢. (٥) غريب الحديث لأبي عبيد٣/ ٣٤٣-٣٤٤. (٦) البحر ٧/ ٢٥٠. سُورَةُ الأَجْزَابِ ٤٧٠ الآية : ٥٩ المَحْرَم، فيحلُّ النظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر، فلعلها محمولةٌ على طلبٍ تستُّرٍ تمتاز به الحرائر عن الإماء، أو العفائفُ مطلقاً عن غيرهنَّ، فتأمل. و(يُدْنِينَ) يحتمل أن يكون مقول القول وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وأن يكون جوابَ الأمر على حدٍّ: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. وفي الآية ردٌّ على مَن زعم من الشيعة أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له من البنات إلا فاطمةً صلى الله على أبيها وعليها وسلم، وأما رقيةٌ وأمّ كلثوم فربيبتاه عليه الصلاة والسلام. ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من الإدناء والتستُّر ﴿أَدْفَ﴾ أي: أقربُ ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: يميَّزْنَ عن الإماء اللاتي هنَّ مَواقِعُ تعرُّضهم وإيذائهم. ويجوز إبقاءُ المعرفة على معناها، أي: أدنى أن يُعرَفْنَ أنهنَّ حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ من جهة أهل الريبة بالتعرُّض لهنَّ بناءً عن أنهنَّ إماءٌ. وقال أبو حيان: أي: ذلك أَوْلَى أنْ يُعرفْنَ لتَستُّرِهنَّ بالعقَّة، فلا يُتَعرَّض لهنَّ ولا يُلْقَيْنَ بما يَكْرَهْنَ؛ لأنَّ المرأة إذا كانت في غاية التستُّر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها، بخلاف المتبرِّجة فإنها مطموعٌ فيها(١). وهو تفسيرٌ مبنيٌّ على رأيه في النساء، وأيًّا ما كان فقد قال السبكي في ((طبقاته)): إنَّ أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أنَّ ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمرٌ حسن وإن لم يفعله السلفُ؛ لأنَّ فيه تمييزاً لهم حتى يُعرفوا فيُعْمَلَ بأقوالهم(٢)، وهو استنباط لطيف. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ كثيرَ المغفرة، فيغفرُ سبحانه ما عسى يصدر من الإخلال بالتستُّر. (١) المصدر السابق. (٢) طبقات الشافعية الكبرى ٢٣/٨، وأحمد بن عيسى هو أبو العباس كمال الدين شارح التنبيه، وله أيضاً: نهج الوصول في علم الأصول، والمقدمة الأحمدية في أصول العربية، وغيرها، توفي سنة (٦٨٩هـ). الآية : ٦٠ ٤٧١ سِوَرَّةُ الأَجْزَارَ وقيل: يغفر ما سلف منهنَّ من التفريط. وتعقِّب بأنه إن أريدَ التفريطُ في أمر التستُّر قبل نزول الآية فلا ذنبَ قبل الورود في الشرع، وإن أريد التفريطُ في غير ذلك ليكون: وكان الله كثير المغفرة فيغفر ما سلف من ذنوبھنَّ وارتكابهنَّ ما نھی عنه مطلقاً، فهو غير مناسبٍ للمقام. وجوّز أن يراد التفريط في أمر التستُّر، والأمرُ به معلومٌ من آية الحجاب التزاماً، وهو كما ترى. ﴿رَحِيمًا ﴾﴾ كثير الرحمة، فيثيبُ مَن امتثل أمره منهنَّ بما هو سبحانه أهلُه. وقيل: رحيماً بهنَّ بعد التوبة عن الإخلال بالتستُّر بعد نزول الآية. وقيل: رحيماً بعباده حيث راعى سبحانه في مصالحهم أمثالَ هذه الجزئيات. ﴿لَّيِن لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ عمَّا هم عليه من النفاق وأحكامه الموجبة للإيذاء ﴿وَلَِّيْنَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾ - وهم قومٌ كان فيهم ضعفُ إيمانٍ وقلَّةُ ثباتٍ عليه - عمَّا هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ﴾ من اليهود المجاورين لها عمَّا هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين، وغير ذلك من الأراجيف الملفَّقة المستبِعةِ للأذية. وأصل الإرجاف: التحريك، من الرجفة التي هي الزلزلة، وُصفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلةٌ غيرُ ثابتةٍ، أو لتَزَلْزُلِ قلوب المؤمنين واضطرابها منها . والتغايرُ بين المتعاطفات - على ما ذكرنا - بالذات، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ العطف. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مالك بن دينار قال: سألتُ عكرمة عن الذين في قلوبهم مرض، فقال: هم أصحاب الفواحش(١). وعن عطاء أنه فسَّرهم بذلك أيضاً. وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هم قومٌ مؤمنون كان في أنفسهم أن يزنوا (٢). (١) الدر المنثور ٢٢٢/٥، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٢٣/٢. (٢) أخرجهما عن عطاء ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٢٢/٥. سُؤَةُ الأَجْزَاءِ ٤٧٢ الآية : ٦٠ فالمرضُ حبُّ الزنى، وإذا فسِّر المرجفون على ذلك بما سمعتَ يكون التغاير بين المتعاطفات بالذات أيضاً. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أنَّ الذين في قلوبهم مرضٌ هم المنافقون(١)، وهو المعروفُ في وصفهم. وأخرج هو أيضاً عن عبيد بن حنين أنَّ الذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون جميعاً هم المنافقون(٢). فيكون العطف مع الاتِّحاد بالذات لتغايُرِ الصفات، على حدٍّ : هو الملك القَرْمُ وابنُ الهمام(٣) فكأنه قيل: لئن لم ينته الجامعون بين هذه الصفات القبيحة عن الاتِّصاف بها المفضي إلى الإيذاء ﴿لَنُغْرِيَّكَ بِهِمْ﴾ أي: لندعونَّك إلى قتالهم وإجلائهم، أو فِعْلِ ما يَضْطَرُّهم إلى الجلاء، ونحرِّضُكَ على ذلك؛ يقال: أغراه بكذا، إذا دعاه إلى تناوله بالتحريض عليه. وقال الراغب: غَرِي بكذا، أي: لَهَجَ به ولَصِقَ، وأصلُ ذلك من الغِرَاءِ، وهو ما يُلصَقُ به، وقد أغريتُ فلاناً بكذا: أَلْهَجْتُ به(٤). وعن ابن عباس ﴾: أي: لنسلِّطَنَّك عليهم. ﴿ِثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ عطفٌ على جواب القسم، و(ثم)) للتفاؤُتِ الرُّتبي، والدلالةِ على أنَّ الجلاء ومفارقةً جوارِ الرسولِ وَّهِ أعظمُ ما يصيبهم وأشدُّه عندهم ﴿فِيهَا﴾ أي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ أي: زماناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبيَّن حالُهم من الانتهاء وعدمه، أو يتلقَّطون عيالاتهم وأنفسَهم. وفي الآية عليه كما في ((الانتصاف)) إشارةٌ إلى أنَّ مَن توجَّهَ عليه إخلاءُ منزلٍ (١) طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٧ . (٢) المصدر السابق. (٣) وعجزه: وليث الكتيبة في المزدحم، وسلف ٢/ ٣٥٠ و٩/١٣، وروايته في الموضعين: إلى الملك ... (٤) مفردات الراغب (غرا). الآية : ٦١ - ٦٢ ٤٧٣ سُورَةُ الأَجْزَانِ مملوكٍ للغير بوجهٍ شرعيٍّ يُمهَل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهةً من الزمان حتى يتيسَّر له منزلٌ آخر على حسب الاجتهاد(١). ونصب ((قليلاً)) على ما أشرنا إليه على الظرفية أو المصدرية، وجوِّز أن يكون نصباً على الحال، أي: إلا قليلينَ أذلَّاءَ، ولا يخفى حالُه على ذي تمييز. وقوله تعالى: ﴿مَّلْعُونِينٌَ﴾ نصبٌ على الذمِّ، أي: أذُّ ملعونين، أو على الحال من فاعلٍ (لَا يُجَاوِرُونَكَ) والاستثناءُ شاملٌ له عند مَن يرى جواز نحوِ ذلك، وقد تقدَّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّهُ﴾ [الآية: ٥٣]. وجعل ابن عطية المعنى على الحالية: ينتفون ملعونين(٢). وجوِّز أن يكون حالاً من ضميرهم في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تُقِفُوا﴾ أي: حُصروا وظُفِرَ بهم، وكأنه على معنى: أينما ثقفوا متَّصفين بما هم عليه ﴿أُخِذُواْ﴾ أي: أُسروا، ومنه: الأَخِيذُ، للأسير ﴿وَقُتِلُواْ تَقْتِيلًا ﴾﴾ أي: قتِّلوا أبلغَ قتل. وقرئ: ((وقُتِلوا)) بالتخفيف(٣)، فيكون (تَفْتِيلًا) مصدراً على غير الصدر. واعتُرض على الحالية مما ذكر بأنَّ أداة الشرط لا يَعمل ما بعدها فيما قبلها مطلقاً وهذا أحدُ مذاهبَ للنحاة في المسألة، ثانيها الجوازُ مطلقاً، وثالثها جوازٌ تقديم معمول الجواب دون معمول الشرط. وجوِّز على تقديرٍ كون ((قليلاً)) حالاً أن يكون ((ملعونين)) بدلاً منه. وتعقَّبه أبو حيان بأنَّ البدل بالمشتقِّ قليلٌ، ثم قال: والصحيح أنَّ (ملعونين)) صفةٌ لقليل، أي: إلا قليلين ملعونين، ويكون ((قليلاً)) مستثنّى من الواو في ((لا يجاورونك))، والجملةُ الشرطية صفةٌ أيضاً، أي: مقهورين مغلوباً عليهم(٤). اهـ، وهو كما ترى. وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبْلٌ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: سنَّ الله تعالى ذلك في الأمم الماضية سنَّةً، وهي قتالُ الذين يسعَوْنَ بالفساد بين قومٍ، (١) الانتصاف مع الكشاف ٢٧٤/٣. (٢) المحرر الوجيز ٤٠٠/٤. (٣) المحرر الوجيز ٤٠٠/٤، والبحر ٢٥١/٧. (٤) البحر ٢٥١/٧. سُورَةُ الأَخْتَابِ ٤٧٤ الآية : ٦٢ وإجلاؤهم(١) عن أوطانهم، وقهرُهم أينما تُقِفُوا منَّصفينَ بذلك. ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ أيُّها النبيُّ، أو: يا مَن يصحُّ منك الوجدانُ أبداً ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ لعادته عزَّ وجلَّ المستمرّةِ ﴿تَبْدِيلًا ﴾﴾ لابتنائها على أساس الحكمة، فلا يُبْدِلُها هو جلَّ شأنُه، وهيهات هيهات أن يقدِرَ غيرُه سبحانه على تبديلها. ومَن سَبَرَ أخبارَ الماضين وقف على أمرٍ عظيم في سوء معاملتهم المفسدين فيما بينهم، وكأنَّ الطباع مجبولةٌ على سوء المعاملة معهم وقَهْرِهم. وفي تفسير الفخر: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) أي: ليست هذه السنَّةُ مثلَ الحُكْم الذي يتبدَّل ويُنسَخُ، فإنَّ النسخ يكون في الأحكام أمَّا الأفعالُ والأخبار فلا تُنْسَخُ(٢). وللسدِّيِّ كلامٌ غريبٌ في الآية لا أظنُّ أن أحداً قال به؛ أخرج ابن أبي حاتم عنه(٣) أنه قال فيها: كان النفاق على ثلاثة أوجهٍ: نفاقٌ مثلُ نفاق عبد الله ابن سلول ونظائره، كانوا وجوهاً من وجوه الأنصار، فكانوا يستحيون أن يأتوا الزنى يصونون بذلك أنفسهم، وهم المنافقون في الآية، ونفاقُ الذين في قلوبهم مرضٌ، وهم منافقون إن تيسّر لهم الزنى عملوه، وإن لم يتيسَّر لم يبتغوه(٤) ويهتمُّوا بأمره، ونفاقُ المرجفين، وهم منافقون يكابرون النساء يقتصُّون أثرهنَّ، فيغلبوهنَّ على أنفسهنَّ فيفجرون بهنَّ، وهؤلاء الذين يكابرون النساء (لَتُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) يقول سبحانه: لنعلمنَّكَ بهم، ثم قال تعالى: (مَّلْعُونِينٌ) ثم فصَّلت الآية(٥) (أَيْنَمَا تُقِفُواْ) يعملون هذا العمل مكابرةَ النساء (أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا) ثم قال السدي: هذا حكمٌ في القرآن ليس يعمل به، لو أنَّ رجلاً وما فوقه اقتصُّوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها، كان الحكمُ فيهم غيرَ الجلد والرجم، وهو أن يؤخذوا فتضربَ أعناقهم سنَّةَ الله في الذين خلوا من قبلُ، كذلك كان يُفعل بمن مضى من الأمم، ولن تجد (١) في الأصل و(م): وإجلائهم، والصواب ما أثبتناه. (٢) تفسير الرازي ٢٣١/٢٥. (٣) كما في الدر المنثور ٢٢٢/٥-٢٢٣. (٤) في الأصل و(م): يتبعوه، والمثبت من الدر المنثور. (٥) في الدر المنثور: ثم فصله في الآية. الآية : ٦٣ ٤٧٥ سُؤَدَّةُ الأَخْتَانِ لسنَّةِ الله تبديلاً، فَمَنْ كابر امرأةً على نفسها فغلبها فقُتل، فليس على قاتله ديةٌ لأنه یکابر(١). انتھی. والظاهر أنه قد وقع الانتهاء من المنافقين والذين في قلوبهم مرضٌ عمَّا هو المقصودُ بالنهي، وهو ما يستتبعُه حالُهم من الإيذاء، ولم يقع من المرجفين - أعني اليهود - فوقع القتال والإجلاء لهم. وفي ((البحر)): الظاهر أنَّ المنافقين - يعني جميعَ مَن ذكر في الآية - انتهوا عمَّا كانوا يؤذون به الرسولَ وَّهِ والمؤمنين، وتستَّر جميعهم وكفُّوا خوفاً من أن يقع بهم ما وقع القَسَمُ عليه، وهو الإغراء والإجلاء والقتل(٢). وحُكي ذلك عن الجبائي. وعن أبي مسلم أنهم(٣) لم ينتهُوا، وحصل الإغراء بقوله تعالى: ﴿جَهِدٍ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]. وفيه أن الإجلاء والقتل لم يقعا للمنافقين، والجهاد في الآية قوليٌّ. وقيل: إنهم لم يتركوا ما هم عليه ونُهوا عنه جملةً، ولا نفذ عليهم الوعيد كاملاً، ألا ترى إلى إخراجهم من المسجد، ونهيه تعالى عن الصلاة عليهم، وما نزل في سورة براءة. وزعم بعضهم أنه لم ينته أحدٌ من المذكورين أصلاً، ولم ينفذ الوعيدُ علیھم، ففيه دليلٌ على بطلان القول بوجوب نفاذ الوعيد في الآخرة، ويكون هذا الوعيد مشروطاً بالمشيئة. وفيه من البعد ما فيه. ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ أي: عن وقت قيامها ووقوعها؛ كان المشركون يسألونه وَ﴾ عن ذلك استعجالاً بطريق الاستهزاء، والمنافقون تعثّاً، واليهودُ امتحاناً لِمَا أنهم يعلمون من التوراة أنها ممَّا أخفاه الله تعالى، فيسألونه عليه الصلاة والسلام ليمتحنوه هل يوافقها وحياً أوْ لا؟ (١) في الدر: مكابر. (٢) البحر ٧/ ٢٥١. (٣) قوله: أنهم، ليس في (م). سُورَةُ الأَجْزَاءِ ٤٧٦ الآية : ٦٤ ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ لا يُطْلِعُ سبحانه عليه مَلَكاً مقرَّباً ولا نبيًّا مرسلاً. ﴿َمَا يُدْرِيِكَ﴾ خطابٌ مستقلٌّ لَه ◌َِّ غيرُ داخلٍ تحت الأمر، مسوقٌ لبيان أنها مع كونها غيرَ معلومةٍ مرجوَّةُ المجيء عن قريب، و((ما)) استفهامٌ في موضع الرفع بالابتداء، والجملةُ بعده خبر، أي: أيُّ شيءٍ يُعْلِمُكَ بوقت قيامها، والمعنى على النفي، أي: لا يعلمنَّك به شيءٌ أصلاً. ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾ أي: لعلها توجد وتتحقَّق في وقتٍ قريبٍ، فـ ((قريباً)) منصوبٌ على الظرفية، واستعمالُه كذلك كثيرٌ. و((تكون)) تامةٌ، ويجوز أن تكون ناقصةً. وإذا كان ((قريباً)) الخبرَ، واعتُبر وصفاً لا ظرفاً، فالتذكيرُ لكونه في الأصل صفةً الخبرٍ مذكَّرٍ يُخْبَرُ به عن المؤنَّث وليس هو الخبر، أي: لعل الساعة تكون شيئاً قريباً. وجوِّز أن يكون ذلك رعايةً للمعنى من حيث إنَّ الساعة بمعنى اليوم أو الوقت. وقال أبو حيان: يجوزُ أن يكون ذلك لأنَّ التقدير: لعل قيام الساعة، فلُوحِظَ الساعةُ في ((تكون)) فأنِّث، ولوحِظَ المضافُ المحذوف وهو قيام في ((قريباً)) فذكِّر(١). ولا يخفَى بعدُه. وقيل: إنَّ ((قريباً)) لكونه فعيلاً يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقد تقدَّم ما في ذلك. وفي الكلام تهديدٌ للمستعجلين(٢) المستهزئين، وتبكيتٌ للمتعنتين والممتحنين. والإظهار في موضع الإضمار للتهويل وزيادةِ التقرير وتأكيدِ استقلال الجملة كما أشير إليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ﴾ على الإطلاق، أي: طَرَدَهم وأَبْعَدهم عن رحمته العاجلة والآجلةِ ﴿وَعَذَّ﴾ هيَّ ﴿لَمْ﴾ مع ذلك في الآخرة ﴿سَعِيرًا ﴾﴾ ناراً شديدةً الاتِّقاد، كما برزِنُ بذلك صيغةُ المبالغة. ( ١) البحر ٢٥٢/٧. (٢) في (م): للمستعجبين. ٠ الآية : ٦٥ - ٦٦ ٤٧٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ ٦٥ ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدَا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ متولِّياً لأمرهم يحفظهم ﴿وَلَا نَصِيرًا ناصراً یخلُّصهم منها . ﴿وَيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ظرفٌ لعدم الوجدان، وقيل: لـ ((خالدين)). وقيل: لـ (نصيراً)). وقيل: مفعولٌ لـ: اذْكُرْ. أي: يومَ تُصرَّف وجوههم فيها من جهةٍ إلى جهةٍ، کاللحم يُشْوَى في النار أو يُطبخُ في القِدْرِ، فيدورُ به الغليان من جهةٍ إلى جهةٍ، أو: يومَ تتغيَّر وجوههم من حالٍ إلى حالٍ، فتتواردُ عليها الهيئات القبيحةُ من شدَّة الأهوال، أو: يومَ يُلْقَوْن في النار مقلوبين منكوسين. وتخصيص الوجوه بالذكر لِمَا أنها أكرمُ الأعضاء، ففيه مزيدُ تفظيعٍ للأمر وتهويلٍ للخَطْب. ويجوز أن تكون عبارةً عن كلِّ الجسد. وقرأ الحسن وعيسى وأبو جعفر الرؤاسي: ((تَقَلَّبُ)) بفتح التاء، والأصل: تتقلَّب، فحُذفت إحدى التاءين(١). وقرأ ابن أبي عبلة بهما على الأصل(٢). وحكى ابنُ خالويه عن أبي حيوة أنه قرأ: ((نقلِّبُ وجوههم)) بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة ونَصْبِ ((وجوههم)) على المفعولية(٣). وقرأ عيسى الكوفة: ((تقلُّبُ وجوهَهم)) بإسناد الفعل إلى ضمير السعير اتساعاً ونصب الوجوه(٤). ﴿ يَقُولُونَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكايةِ حالهم الفظيعة، كأنه قيل: فماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسِّرين على ما فاتهم: ﴿يَلَيْكَنَّآ أَطَعْنَا ◌َللَّهَ وَأَعْنَا الرَّسُولَا ﴾ فلا نُبتَلَى بهذا العذاب. أو حالٌ من ضمير ((وجوههم)) أو مِن نَفْسِها. وجوِّز أن يكون هو الناصبَ لـ ((يوم)). (١) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٥٢/٧. (٢) المحرر الوجيز ٤٠٠/٤، والبحر ٢٥٢/٧. (٣) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٥٢/٧. (٤) المحتسب ١٨٤/٢،، البحر ٢٥٢/٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ ٤٧٨ الآية : ٦٧ ﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ((يقولون))، والعدولُ إلى صيغة الماضي للإشعار بأنَّ قولهم هذا ليس مستمرًّا كقولهم السابق، بل هو ضربُ اعتذارٍ أرادوا به ضرباً من التشفِّي بمضاعفة عذاب الذين أوردوهم هذا الموردَ الوخيم، وألقّوهم في ذلك العذاب الأليم، وإنْ علموا عدمَ قبوله في حقِّ خلاصهم مما (١) هم فيه: ﴿رَبَّآَ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ أي: ملوكنا وولاتنا الذين يتولَّوْن تدبيرَ السواد الأعظم منَّا ﴿وَكُبَآءَنَا﴾ أي: رؤساءنا الذين أخذنا عنهم فنونَ الشرِّ، وكان هذا في مقابلةٍ ما تمَّوه من إطاعة الله تعالى وإطاعة الرسول، فالسادةُ والكبراء متغايران، والتعبيرُ عنهما بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة. وقدَّموا في ذلك إطاعة السادة لِمَا أنه كان لهم قوةُ البطش بهم لو لم يُطيعوهم، فكان ذلك أحقَّ بالتقديم في مقام الاعتذار وطلبٍ التشفِّي. وقيل باتِّحاد السادة والكبراء، والعطفُ على حدِّ العطف في قوله: وألفى قولَها كذباً ومينا(٢) والمراد بهم: العلماءُ الذين لقَّنوهم الكفر وزيَّنوه لهم. وعن قتادة: رؤساؤهم في الشر والشِّرْك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسلميُّ وابنُ عامر والعامَّةُ في الجامع بالبصرة: (ساداتنا)) على جمع الجمع(٣)، وهو شاذِّ كـ : بيوتات، وفيه - على ما قيل - دلالةٌ على الكثرة. ثم إنَّ كون سادة جمعاً هو المشهور، وقيل: اسم جمع، فإن كان جمعاً لسيِّد فهو شاذٌّ أيضاً، فقد نصُّوا على شذوذ فَعَلَة في جمع فَيْعِل(٤)، وإن كان جمعاً لمفردٍ مقدَّرٍ وهو سائد كان كـ : كافر وكَفَرة، لكنه شاذٌّ أيضاً؛ لأنَّ فاعلاً لا يُجمع على فَعَلَّةَ إلا في الصحيح. (١) في (م): بما. (٢) البيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ص ١٨٣، وسلف ٣٩٧/٥ و٢٣٧/١٠. (٣) التيسير ص١٧٩، والنشر ٣٤٩/٢ عن ابن عامر ويعقوب، والكلام من البحر ٧/ ٢٥٢. (٤) في الأصل و(م): فعيل، وهو تصحيف، والمثبت من الدر المصون ٩/ ١٤٤ . الآية : ٦٨ - ٦٩ ٤٧٩ سُوَّةُ الأَجْزَائِ (٣)﴾ أي: جعلونا ضالِّين عن الطريق الحقِّ بما دَعَوْنا إليه ﴿فَأَضَلُّونَاَ السَّبِيلَا وزيَّنوه لنا من الأباطيل، والألفُ للإطلاق كما في (وَأَعْنَا الرَّسُولَا). ﴿رَبَّنَآ ءَائِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عذابين يضاعِفُ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ؛ عذاباً على ضلالهم في أنفسهم، وعذاباً على إضلالهم لنا ﴿ وَآلْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا أي: شديداً عظيماً، فإنَّ الكبر يُستعار للعظمة، مثل ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾ [الكهف: ٥]، ويستفاد التعظيم من التنوين أيضاً. وقرأ الأكثر: (كثيراً)) بالثاء المثلثة(١)، أي: كثير العدد. وتصديرُ الدعاء بالنداء مكرَّراً للمبالغة في الجوار واستدعاءِ الإجابة. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَى﴾ قيل: نزلت فيما كان من أمر زينب بنت جحش ﴿ّا وتزوَّجِهِ وَلِ﴿ بها، وما سَمِعَ في ذلك من كلامٍ آذاه عليه الصلاة والسلام. ﴿فَبَرَّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ أي: من قولهم، أو: الذي قالوه، وأيًّا ما كان فالقولُ هنا بمعنى المقول، والمراد به مدلولُه الواقعُ في الخارج، وتبرئةٌ (٢) الله تعالى إياه من ذلك إظهارُ براءته عليه السلام منه وكذبهم فيما أسندوا إليه؛ لأنَّ المرتَّب على أذاهم ظهورُ براءته لا براءتُه، لأنها مقدَّمةٌ عليه، واستعمالُ الفعل مجازاً عن إظهاره والمقولِ بمعنى المضمون كثيرٌ شائع، فالمعنى: فأظهر الله تعالى براءته من الأمر المَعِيبِ الذي نسبوه إليه عليه السلام. وقيل: لا حاجة إلى ما ذكر؛ فإنه تعالى لمَّا أظهر براءته عما افتروه عليه انقطعت كلماتُهم فيه فبرئ من قولهم، على أنَّ ((برَّأه» بمعنى: خلَّصه من قولهم لقَطْعِه عنه. وتعقّب بأنه مع تكلُّفه - لأنَّ قَطْعَ قولهم ليس مقصوداً بالذات بل المراد انقطاعُه لظهور خلافه - لا(٣) بدَّ من ملاحظة ما ذكر. والمراد بالأمر الذي نسبوه إليه عليه السلام عيبٌ في بدنه؛ أخرج الإمام أحمدُ والبخاريُّ والترمذيُّ وجماعةٌ من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ (١) التيسير ص١٧٩، والنشر ٣٤٩/٢، ولم يقرأ ((كبيراً)) بالباء من العشرة سوى عاصم. (٢) في الأصل و(م): وبتبرئة، والصواب ما أثبتناه، وينظر حاشية الشهاب ١٨٦/٧ . (٣) في الأصل: فلا، وينظر حاشية الشهاب ١٨٦/٧ . سُورَةُ الأَجْزَاءُ ٤٨٠ الآية : ٦٩ موسى عليه السلام كان رجلاً حيًّا ستِيراً لا يُرى من جِلْدِه شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: مايستتر هذا السترَ إلا من عيبٍ بجِلْدِهِ، إمّا برص وإما أُذْرَة وإما آفة، وإنَّ الله تعالى أراد أن يبرِّئه مما قالوا، وإنَّ موسى عليه السلام خلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على حجرٍ ثم اغتسل، فلمَّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر غدا بثوبه، فأخذ موسى عليه السلام عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ ثوبي حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسنَ ما خلق الله تعالى، وبرَّأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبَه فليسه وطَفِقَ بالحجر ضرباً بعصاه، فذلك قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ◌َذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ) (١). وقيل: إنَّ ذلك ما نسبوه إليه عليه السلام من قتل هارون، أخرج ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم وصححه عن ابن عباس عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان أشدَّ حبًّا لنا منك وأَلْينَ. فآذوه من ذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملوه فمرُّوا به على مجالس بني إسرائيل، وتكلَّمت الملائكة عليهم السلام بموته، فبرَّأه الله تعالى، فانطلقوا به فدفنوه ولم يَعرف قبرَه إلا الرَّخمُ، وإنَّ الله تعالى جعله أصمَّ أبكم (٢). وفي رواية عن ابن عباس وأناسٍ من الصحابة أنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى: إنّي متوفّ هارون فأتِ جبل كذا. فانطلقا نحو الجبل، فإذا هم بشجرةٍ وبيتٍ فيه سريرٌ عليه فرشٌ وريحٌ طيبةٌ، فلمَّا نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيتِ وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى إنِّي أحب أن أنام على هذا السرير. قال: نَمْ عليه. قال: نَمْ معي. فلما ناما أخذ هارونَ الموتُ، فلما قُبض رُفع ذلك البيتُ، وذهبت تلك الشجرة، ورُفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: قتل هارونَ وحسده لحبٍّ بني إسرائيل له. وكان هارونُ أكفَّ عنهم وألينَ لهم، وكان (١) مسند أحمد (١٠٦٧٨)، وصحيح البخاري (٢٧٨) و(٣٤٠٤)، وسنن الترمذي (٣٢٢١)، وأخرجه أيضاً مسلم (٣٣٩). (٢) الدر المنثور ٢٢٣/٥، وهو في تفسير الطبري ١٩٤/١٩، والمستدرك ٥٧٩/٢.