Indexed OCR Text

Pages 341-360

الآية : ٤٠
٣٤١
سُورَةُ الأَجْزَاب
متحرِّكٌ، و: ما هذا أبيضُ لكنه أسودُ، وقد جاء كذلك في بعض آي الكتاب
الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[الأعراف: ٦٧] فإنَّ نفي السفاهة لا يوهِمُ انتفاءَ الرسالة ولا انتفاءَ ما يلزمُها من
الهدى والتقوى حتى يُجعل استدراكاً بالمعنى الأول. اهـ فليتأمَّل.
ومن العجيب أنَّ ابن حجرٍ الهيتميَّ قال في ((فتاواه الحديثية)): إنه لا بُعْدَ في
إثبات النبوَّة لإبراهيم ابن النبيِّ ◌َّر في صغره، وقد ثبت في الصغر لعيسى ويحيى
عليهما السلام.
ثم نقل عن السبكيِّ كلاماً في حديثٍ: ((كنتُ نبيّاً وآدمُ بين الروح والجسد»
حاصلُه: أن حقيقته عليه الصلاة والسلام قد تكون من قبلِ آدم آتاها الله تعالى النبوَّةَ
بأنْ خَلَقها مهيّأةً لها، وأفاضها عليها من ذلك الوقت فصار نبيّاً. ثم قال: وبه يُعلم
تحقيقُ نبوَّةِ سيدنا إبراهيم في حال صغره (١). اهـ، وفيه بحث.
وخبرُ أنه عليه الصلاة والسلام أدخل يده في قبره بعد دفنه وقال: ((أَمَا والله إنه
النبيُّ ابنُ نبيٍّ)) في سنده مَن ليس بالقويِّ(٢)، فلا يعوَّل عليه ليُكلَّفَ لتأويله.
والخاتم اسم آلَةٍ لِمَا يُخْتَمُ به، كالطابَع لِمَا يُطْبَعُ به، فمعنى ((خاتم النبيين)):
الذي خُتم النبيُّون به، ومالُه: آخر النبيين.
وقال المبرِّد: ((خاتم)) فعلٌ ماضٍ على فاعَلَ، وهو في معنى: خَتَّم النبيين،
فـ ((النبيين)) منصوبٌ على أنه مفعولٌ به. وليس بذاك.
وقرأ الجمهور: ((وخاتِمَ)) بكسر التاء(٣) على أنه اسمُ فاعلٍ، أي: الذي خَتَم
النبيين، والمراد به آخرهم أيضاً. وفي حرف ابن مسعود: ((ولكنْ نيّاً خَتَم النبيين) (٤).
(١) الفتاوى الحديثية ص ١٧٦، وحديث: ((كنت نبيّاً ... )) سلف ص٢٠٦ من هذا الجزء.
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٤٤/٣-١٤٥ من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن أبي جده
عن علي ﴿ه عن النبي ومَ﴿. قال ابن عساكر: عيسى هو ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن
علي بن أبي طالب ليس بالقوي. اهـ. وقال الدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبان:
يروي عن آبائه أشياء موضوعة. الميزان ٣١٥/٣.
(٣) التيسير ص ١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢، وقرأ عاصم وحده بفتح التاء.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٠ .

سُوَّةُ الأَجْزَانِ
٣٤٢
الآية : ٤٠
والمراد بالنبيِّ ما هو أعمُّ من الرسول، فيلزم من كونه وَّهِ خاتم النبيين كونَه
خاتم المرسلين، والمراد بكونه عليه الصلاة والسلام خاتمهم انقطاعُ حدوثٍ وصفٍ
النبوّة في أحدٍ من الثَّقَلين بعد تحلِّيه عليه الصلاة والسلام بها في هذه النشأة.
ولا يقدحُ في ذلك ما أجمعت الأمةُ عليه، واشتهرت فيه الأخبار ولعلها بلغت
مبلغ التواتر المعنويِّ، ونَطَق به الكتاب على قولٍ، ووجب الإيمانُ به، وأُكْفِرَ منكِرُه
كالفلاسفة، من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان؛ لأنه كان نبيّاً قبل تحلّي
نبيِّنا وَ﴿ بالنبوَّة في هذه النشأة. ومثلُ هذا يقال في بقاء الخضر عليه السلام على
القول بنبوَّته وبقائه.
ثم إنه عليه السلام حين ينزل باقٍ على نبوَّته السابقة لم يُعْزَل عنها بحالٍ، لكنه
لا يُتعبَّد بها لنسخها في حقٌّه وحقٌّ غيره، وتكليفِه بأحكام هذه الشريعة أصلاً
وفرعاً، فلا يكون إليه عليه السلام وحيٌّ ولا نَصْبُ أحكامِ، بل يكون خليفةً
لرسول الله وَ ل﴿ وحاكماً من حّام ملَّته بين أمته بما علِّمه في السماء قبل نزوله من
شريعته عليه الصلاة والسلام كما في بعض الآثار، أو ينظر في الكتاب والسنَّة وهو
عليه السلام لا يقصُر عن رتبة الاجتهاد المؤذِّي إلى استنباط ما يحتاج إليه أيامَ مكثه
في الأرض من الأحكام.
وكَسْرُه الصليبَ وقَتْلُه الخنزيرَ ووَضْعُه الجزيةَ وعدم قبولها ممَّا عُلم من شريعتنا
صوابيتُه في قوله بَّهِ: ((إنَّ عيسى ينزل حَكَماً عَدْلاً يكسِرُ الصليبَ ويقتلُ الخنزيرَ
ويضعُ الجزية)»(١) فنزوله عليه السلام غايةٌ لإقرار الكفار ببذل الجزية على تلك
الأحوال ثم لا يقبل إلا الإسلام، لا نسخٌ لها؛ قاله شيخ الإسلام إبراهيم اللقاني
في ((هداية المريد لجوهرة التوحيد))(٢).
وقوله: إنه عليه السلام حين ينزل باقٍ على نبؤَّته السابقة لم يُعزل عنها بحالٍ
لكنه لا يتعبَّد بها .. إلخ، أحسنُ من قول الخفاجيّ: الظاهر أنَّ المراد من كونه
على دين نبيِّنَا وَّرَ انسلاخُه عن وصف النبوَّة والرسالة بأنْ يبلِّغَ ما يبلِّغُه عن الوحي،
(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥) من حديث أبي هريرة تظله.
(٢) ينظر هداية المريد ص ١٩١ - ١٩٢.

الآية : ٤٠
٣٤٣
سُورَةُ الأَجْزَاب
وإنما يحكُم بما يتلقَّى عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، ولذا لم يتقدَّم لإمامة الصلاة
مع المهدي(١).
ولا أظنُّه عنَى بالانسلاخ عن وصف النبوّة والرسالة عَزْلَه عن ذلك بحيث
لا يصحُّ إطلاق الرسول والنبيِّ عليه عليه السلام، فمعَاذَ الله أن يُعزَلَ رسولٌ أو نبيِّ
عن الرسالة أو النبوّة، بل أكاد لا أتعقَّل ذلك، ولعله أراد أنه لا يبقَى له وصفُ
تبليغ الأحكام عن وحي كما كان له قبل الرفع، فهو عليه السلام نبيٌّ رسولٌ قبل
الرفع وفي السماء وبعدَ النزول وبعدَ الموت أيضاً، وبقاءُ النبوّة والرسالة بعد الموت
في حقِّه وحقٌّ غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام حقيقةً مما ذهب إليه غيرُ
واحدٍ، فإنَّ المتَّصِفَ بهما وكذا بالإيمان هو الروحُ، وهي باقيةٌ لا تتغيَّر بموت
البدن، نعم ذهب الأشعريُّ كما قال النسفيُّ إلى أنهما بعد الموت باقيان حكماً.
وما أفاده كلامُ اللقانيّ من أنه عليه السلام يحكم بما علِّم في السماء قبل نزوله
من الشريعة قد أفاده السفاريني في ((البحور الزاخرة))(٢)، وهو الذي أميلُ له، وأمَّا
أنه يجتهد ناظراً في الكتاب والسنَّة فبعيدٌ وإن كان عليه السلام قد أوتي فوق ما أوتي
مجتهدُ الأمم - مما يتوقَّف عليه الاجتهاد - بكثير، إذ قد ذهب معظم أهل العلم إلى
أنه حين ينزل يصلِّي وراء المهديِّ ◌َظُه صلاةَ الفجر، وذلك الوقتُ يضيق عن
استنباط ما تضمَّنته تلك الصلاةُ من الأقوال والأفعال من الكتاب والسنَّة على الوجه
المعروف.
نعم لا يبعُدُ أن يكون عليه السلام قد علِّم في السماء بعضاً ووُكِلَ إلى الاجتهاد
والأخذ من الكتاب والسنَّة في بعضٍ آخر.
وقيل: إنه عليه السلام يأخذ الأحكام من نبيِّنا وَلتر شفاهاً بعد نزوله وهو في
قبره الشريف عليه الصلاة والسلام، وأيِّد بحديث أبي يعلى: ((والذي نفسي بيده
لينزلنَّ عيسى ابنُ مريم، ثم لئن قام على قبري وقال: يا محمد، لأُجيبنَّه))(٣).
(١) حاشية الشهاب ١٧٦/٧ .
(٢) البحور الزاخرة في علوم الآخرة، لشمس الدين أبي العون محمد بن أحمد بن سالم، الفقيه
الحنبلي المتوفّى سنة (١١٨٨هـ). هدية العارفين ٣٤٠/٢.
(٣) مسند أبي يعلى (٦٥٨٤) من حديث أبي هريرة ـ

سُورَةُ الأَجْزَاءُ
٣٤٤
الآية : ٤٠
وجُوِّز أن يكون ذلك بالاجتماع معه عليه الصلاة والسلام روحانيةً، ولا بِدْعَ في
ذلك فقد وقعت رؤيتُهُ وَّه بعد وفاته لغيرٍ واحدٍ من الكاملين من هذه الأمة والأخذِ
منه يقظةً، قال الشيخ سراج الدين بن الملقِّن في ((طبقات الأولياء)): قال الشيخ
عبد القادر الكيلاني قدِّس سره: رأيتُ رسول الله وَّه قبل الظّهر فقال لي: يا بنيَّ لمَ
لا تتكلّم؟ قلت: يا أبتاه أنا رجلٌ أعجم، كيف أتكلّم على فُصَحاءِ بغداد؟ فقال:
افتح فاك. ففتحتُه فتفل فيه سبعاً، وقال: تكلّم على الناس وادْعُ إلى سبيل ربِّك
بالحكمة والموعظة الحسنة. فصلَّيتُ الظهر وجلستُ وحضرني خَلْقٌ كثير فأُرْتِجَ
عليَّ، فرأيتُ عليّاً كرم الله وجهه قائماً بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني، لمَ
لا تتكلّم؟ قلت: يا أبتاه قد أُرْتِجَ عليَّ. فقال: افتح فاك. ففتحتُه فتفل فيه ستّاً،
فقلت: لم لا تكملُها سبعاً؟! قال: أدباً مع رسول الله وَّر. ثم توارى عنّي فقلت:
غوَّاصُ الفِكْرِ يغوصُ في بحر القلب على دُرَرِ المعارف، فيستخرجها إلى ساحل
الصدر، فينادي عليها سمسارُ ترجمان اللسان فتُشْتَرى بنفائس أثمان حُسْنِ الطاعة
في بيوتٍ أذِنَ الله أن تُرفَعَ(١) .
وقال أيضاً في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهرملكي: كان كثيرَ الرؤية
لرسول الله عليه الصلاة والسلام يقظةً ومناماً، فكان يقال: إنَّ أكثر أفعاله يتلقَّاه
منه ﴿ يقظةً ومناماً، ورآه في ليلةٍ واحدةٍ سبعَ عَشْرةَ مرةً قال له في إحداهنَّ:
يا خليفة لا تَضْجَر منِّي فكثيرٌ من الأولياء مات بحسرة رؤيتي(٢).
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في ((لطائف المنن)): قال رجل للشيخ
أبي العباس المرسي: يا سيدي صافحني بكفِّك هذه فإنك لقيتَ رجالاً وبلاداً.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من طبقات الأولياء لابن الملقن، وقد ذكر هو فيه ص ٢٤٧ أنه
سيفرد ترجمته بالتأليف، وأشار محققه في الحاشية إلى أن لعبد القادر الكيلاني ترجمة
وافية في ذيول الطبقات، صنعها المؤلف وسماها: درر الجواهر في ذكر شيء من مناقب
سيدي عبد القادر، فلعل القصة وردت فيها. وقد نقلها المصنف بواسطة السيوطي في
رسالته المسماة تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، وهي في كتاب الحاوي
للفتاوي ٤٤٣/٢-٤٤٤.
(٢) تنوير الحلك من الحاوي ٤٤٤/٢، ولم نقف عليه في المطبوع من طبقات الأولياء لابن
الملقن.

الآية : ٤٠
٣٤٥
سُوَةُ الأَجْزَائِ
فقال: والله ما صافحتُ بكفِّي هذه إلا رسول الله وَ لتر. قال: وقال الشيخ: لو
حُجِبَ عِّي رسول اللهِ وَّه طرفةَ عينٍ ما عَدَدْتُ نفسي من المسلمين(١).
ومثلُ هذه النقول كثيرٌ من كتب القوم جدّاً، وفي ((تنوير الحلك)) لجلال الدين
السيوطيّ الذي ردَّ به على منكري رؤيته وَ ﴿ بعد وفاته في اليقظة طرفٌ معتدٌّ به من
ذلك، وبدأ في الاستدلال على ذلك بما أخرجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ فيه: ((مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظة،
ولا يتمثَّلُ الشيطان بي))(٢). وأخرج الطبرانيُّ مثلَه من حديث مالك بن عبد الله
الخثعميّ(٣)، ومن حديث أبي بكرة(٤). وأخرج الدارميُّ مثلَه من حديث أبي قتادة(٥).
وللمنكرين اختلافٌ في تأويله؛ فقيل: المراد: فسيراني في القيامة، فهناك
اليقظةُ الكاملةُ كما يشير إليه: ((الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا))(٦)، وتعقِّب بأنه
لا فائدة في هذا التخصيص، لأنَّ كلَّ أمته يرونه يوم القيامة، مَن رآه منهم في
المنام ومَن لم يره.
وقيل: المراد الرؤيةُ على وجهٍ خاصٍّ من القُرْبِ والحظوة منه بَّهِ يومَ القيامة،
أو حصولُ الشفاعة له، أو نحوُ ذلك، ولا يَرِدُ عليه ما ذكر.
(١) المصدر السابق. وأبو العباس المرسي هو أحمد بن عمر الأندلسي الأنصاري نزيل
الإسكندرية، المتوفى سنة (٦٨٦هـ)، صحب الشاذلي، وهو شيخ تاج الدين أحمد بن
محمد بن عطاء الله الإسكندراني المتوفى سنة (٧٠٩هـ). طبقات الأولياء لابن الملقن
ص٤١٨ و٤٢١.
(٢) صحيح البخاري (٦٩٩٣)، وصحيح مسلم (٢٢٦٦): (١١)، وسنن أبي داود (٥٠٢٣)،
والكلام في تنوير الحلك من الحاوي ٢/ ٤٣٧ .
(٣) المعجم الكبير ٢٢/ (٦٦٠).
(٤) كذا نقل المصنف عن السيوطي في تنوير الحلك ٤٣٧/٢، والصواب: أبي جحيفة، كما في
المعجم الكبير ٢٢/(٢٧٩) و(٢٨٠).
(٥) سنن الدارمي (٢١٤٠)، ولفظه: ((من رآني في المنام فقد رأى الحقَّ))، وهو بهذا اللفظ من
حديث أبي قتادة في صحيح البخاري (٦٩٩٦)، وصحيح مسلم (٢٢٦٧).
(٦) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (مع الإحياء) ٢٣/٤: لم أجده مرفوعاً،
وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب. اهـ. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٥٢ من قول سفيان
الثوري.

سُورَةُ الأَجْتَابِ
٣٤٦
الآية : ٤٠
وقيل: المراد بـ (مَن)): مَن آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائباً عنه،
فيكون الخبر مبشِّراً له بأنه لا بدَّ أن يراه في اليقظة [قبل موته.
وقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم فلابد أن يراه في اليقظة](١)
يعني: بعيني رأسه. وقيل: بعينٍ قلبه، حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي.
وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة (٢) في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها
من ((صحيح)) البخاري: هذا الحديث يدلُّ على أنَّ مَن يراهِ وَّر في النوم فسيراه في
اليقظة، وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته عليه الصلاة والسلام، أو هذا
كان في حياته؟ وهل ذلك لكلِّ مَن رآه مطلقاً أو خاصٌّ بمن فيه الأهليةُ والاتِّباع
لسنَّته عليه الصلاة والسلام؟ اللفظُ يعطي العمومَ، ومَن يدَّعي الخصوصَ فيه بغير
مخصِّصٍ منْه ◌ِوَّ﴿ فمتعسِّفٌ. وأطال الكلام في ذلك.
ثم قال: وقد ذُكر عن السَّلف والخلَفِ وهلمَّ جرّاً ممن كانوا رأوه ويَّفي في
النوم، وكانوا ممن يُصدِّقون بهذا الحديث، فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن
أشياء كانوا منها متشوِّشين، فأخبرهم بتفريجها ونصَّ لهم على الوجوه التي منها
يكون فَرَجُها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادةٍ ولا نقصٍ(٣). انتهى المراد منه.
ثم إنَّ رؤيته وَله يقظةً عند القائلين بها أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقَّى الحال إلى
أن يُرى بالبصر، واختلفوا في حقيقة المرئيٍّ، فقال بعضهم: المرئيُّ ذاتُ
المصطفى عليه بجسمه وروحه.
(١) ما بين حاصرتين من تنوير الحلك ٤٣٨/٢.
(٢) عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، من العلماء بالحديث،
من كتبه: جمع النهاية، اختصر به صحيح البخاري، ويعرف بمختصر ابن أبي جمرة، وبهجة
النفوس، في شرح جمع النهاية، توفي بمصر سنة (٦٩٥هـ). الأعلام ٨٩/٤.
(٣) تنوير الحلك ٤٣٩/٢، وكلام ابن أبي جمرة ذكره أيضاً ابن حجر في الفتح ٣٨٥/١٢ وتعقبه
بقوله: وهذا مشكل جدّاً، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة
إلى يوم القيامة، ويعكر عليه أن جمعاً جمّاً رأوه في المنام، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه
في اليقظة، وقد اشتد إنكار القرطبي على مَن قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته، ثم
يراه بعد ذلك في اليقظة. اهـ. وينظر ما قاله أبو العباس القرطبي في التشنيع على قائل ذلك
في المفهم ٢٢/٦ -٢٣.

الآية : ٤٠
٣٤٧
سُورَةُ الأَخْتَابِ
وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثالُه، وبه صرَّح الغزالي فقال: ليس المراد أنه
يرى جسمَه وبدنَه بل مثالاً له، صار ذلك المثال آلةً يتأدَّى بها المعنى الذي في
نفسه، قال: والآلةُ تارةً تكون حقيقية(١) وتارةً تكون خياليةً، والنفسُ غيرُ المثال
المتخيَّل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى وٍَّ ولا شخصه، بل هو مثالٌ
له على التحقيق.
وفضَّل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤيةُ النبيِّ وَلَه بصفته المعلومة إدراك
على الحقيقة، ورؤيتُه على غير صفته إدراكٌ للمثال.
واستحسنه الجلال السيوطيُّ(٢). وقال بعد نَقْلِ أحاديثَ وآثارٍ ما نصُّه: فحصل
من مجموع هذا الكلام - النقولِ والأحاديثِ - أنَّ النبيَّ ◌َلّ حيٌّ بجسده وروحه،
وأنه يتصرَّفُ ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان
عليها قبل وفاته لم يتبدّل منه شيءٌ، وأنه مغيَّبٌ عن الأبصار كما غُيِّيت الملائكةُ مع
كونهم أحياءً بأجسادهم، فإذا أراد الله تعالى رَفْعَ الحجاب عمَّن أراد إكرامه برؤيته،
رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة والسلام عليها، لا مانعَ من ذلك ولا داعي إلى
التخصيص برؤية المثال(٣). اهـ.
وذهب رحمه الله تعالى إلى نحو هذا في سائر الأنبياء عليهم السلام، فقال:
إنهم أحياءٌ ردّت إليهم أرواحُهم بعد ما قُبضوا، وأُذن لهم في الخروج من قبورهم
والتصرُّفِ في الملكوت العلويِّ والسفليّ(٤).
وهذا الذي ذكره من الخروج من القبور ذَكَر أخباراً كثيرةً تشهدُ له؛ منها
ما أخرجه ابن حبان في ((تاريخه))، والطبراني في ((الكبير))، وأبو نعيم في ((الحلية))
عن أنس قال: قال رسول الله وَّه: ((ما من نبيٍّ يموتُ فيقيم في قبره إلَّا أربعين
صباحاً))(٥).
(١) الأصل و(م): حقيقة، والمثبت من تنوير الحلك ٤٥٠/٢ .
(٢) في تنوير الحلك ٢/ ٤٥٠ .
(٣) تنوير الحلك ٤٥٣/٢ .
(٤) تنوير الحلك ٢/ ٤٥٠ .
(٥) تنوير الحلك ٤٥٢/٢، وهو في المجروحين لابن حبان ٢٣٥/١، ومسند الشاميين للطبراني

سُورَةُ الأَجْتَاب
٣٤٨
الآية : ٤٠
ومنها ما رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن الثوري، عن أبي المقدام، عن
سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيٌّ في الأرض أكثر من أربعين يوماً. وأبو المقدام
هو ثابت بن هرمز شيخٌ صالح(١).
ومنها ما ذكره إمام الحرمين في ((النهاية)) ثم الرافعيُّ في ((الشرح)) أنَّ النبيَّ ◌َيقول
قال: ((أنا أكرمُ على ربِّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث)) زاد إمام الحرمين:
وروي: (أكثر من یومین))(٢).
والذي يغلب على الظنِّ أنَّ رؤيته وَّه بعد وفاته بالبصر ليست كالرؤية المتعارَفة
عند الناس من رؤية بعضهم لبعضٍ، وإنما هي جمعيةٌ حاليةٌ، وحالةٌ برزخية، وأمرٌ
وجدانيٌّ لا يدرِكُ حقيقته إلَّا مَن باشره. ولشدَّة شبه تلك الرؤية بالرؤية البصرية
المتعارفة يشتَبِه الأمر على كثيرٍ من الرائين، فيظنُّ أنه رآهُ وَّهِ ببصره الرؤيةَ
المتعارفة، وليس كذلك.
وربما يقال: إنها رؤيةٌ قلبية، ولقوَّتها تشتبهُ بالبَصَرية، والمرئيُّ إما روحُه عليه
الصلاة والسلام التي هي أكمل الأرواح تجرُّداً وتقدُّساً، بأن تكون قد تطوّرت وظهرت
بصورةٍ مرئيةٍ بتلك الرؤية مع بقاءٍ تعلّقها بجسده الشريف الحيِّ في القبر السامي
المنيف، على حدٍّ ما قاله بعضهم من أنَّ جبريل عليه السلام مع ظهوره بين يدي النبيِّ
عليه الصلاة والسلام في صورة دحيةً الكلبيِّ أو غيره لم يفارق سدرةً المنتهى.
وإمَّا جسدٌ مثاليٍّ تعلَّقت به روحه وَّرِ المجرَّدَةُ القدسية، ولا مانع من أن يتعذَّد
الجسد المثاليُّ إلى ما لا يُحصى من الأجساد مع تعلَّق روحه القدسية عليه من الله
= (٣٤١) و(١٦١٤)، والحلية ٣٣٣/٨، ولم نقف عليه في المعجم الكبير. وهو حديث باطل
كما سيرد قريباً.
(١) تنوير الحلك ٢/ ٤٥٢، والخبر في مصنف عبد الرزاق (٦٧٢٥). وقال ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٢٦/٢: وهذا ضعيف، وقد روى عبد الرزاق عقبه حديث أنس مرفوعاً:
(مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره)) وأراد بذلك ردًّ ما روي عن ابن
المسيب. اهـ. وحديث أنس في المصنف (٦٧٢٧)، وهو حديث صحيح كما سنذكر قريباً.
(٢) تنوير الحلك ٢/ ٤٥٢، وهو في الشرح الكبير ٤٤٥/٢. قال ابن الملقن في خلاصة البدر
المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير ٢٦٧/١: غريب جدّاً. اهـ، وقال ابن حجر في
التلخيص الحبير ٢/ ١٢٥: لم أجده هكذا.

الآية : ٤٠
٣٤٩
سُورَةُ الأَجْزَائِ
تعالى ألفُ ألفٍ صلاةٍ وتحيةٍ بكلِّ جسدٍ منها، ويكون هذا التعلُّق من قبيل تعلُّق
الروح الواحدة بأجزاء بدنٍ واحدٍ، ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك
التعلّق إلى ما تحتاج إليه من الآلات في تعلَّقها بالبدن في الشاهد.
وعلى ما ذكر يظهر وجهُ ما نقله الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور(١) والشيخ
عبد الغفار (٢) عن الشيخ أبي العباس الطنجيّ من أنه رأى السماء والأرضَ والعرشَ
والكرسيَّ مملوءةً من رسول الله اَّه.
وينحلُّ به السؤالُ عن كيفية رؤية المتعدِّدين له عليه الصلاة والسلام في زمانٍ
واحدٍ في أقطارٍ متباعدة، ولا يُحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن
ذلك فأنشد:
يغشَى البلاد مشارقاً ومغاربا (٣)
کالشمس في كبد السماء وضوءُها
وهذه الرؤية إنما تقع في الأغلب للكاملين الذين لم يُخِلُّوا باتِّباع الشريعة قَدْرَ
شعيرة، ومتى قَوِيَتِ المناسبةُ بين رسول الله وَّهِ وبين أحدٍ من الأمة قويَ أمرُ رؤيته
إياه عليه الصلاة والسلام، وقد تقع لبعض صُلَحاءِ الأمة عند الاحتضار لقوَّة
الجمعية حينئذٍ.
والرؤيةُ التي تكون يقظةً لمن رآه وَّ في المنام: إن كانت في الدنيا فهي على
نحو رؤية بعض الكاملين إياه وَ *، وهي أكملُ من الرؤيا وإن كان المرئيُّ فيهما هو
رسول الله عليه الصلاة والسلام، وآخِرُ مظانٌ تحقُّقها وقت الموت، ولعل الأغلب
في حقِّ العامَّة تحقُّقُها فیه.
(١) أبو عبد الله الحسين بن الوزير أبي الحسن علي بن أبي المنصور الخزرجي، الصوفي
المالكي، نزيل مصر، صاحب كتاب الرسالة، توفي سنة (٦٨٢هـ). ينظر طبقات الأولياء
ص٥٤٠، والبحر ١٤٣/١، وإيضاح المكنون ٢٩٩/٢، والكلام من كتابه الرسالة كما ذكر
السيوطي في تنوير الحلك ٢٤٤/٢.
(٢) ابن عبد المجيد القوصي، صاحب كتاب الوحيد في سلوك أهل التوحيد، المشتمل على
حكايات وأخبار مَن صحبه ورآه، وما بلغه عن الأقطاب والأوتاد، ألفه سنة (٧٠٨هـ).
كشف الظنون ٢٠٠٥/٢. والكلام من كتابه الوحيد كما ذكر السيوطي في تنوير الحلك
٢٤٤/٢-٢٤٥.
(٣) تنوير الحلك ٤٥٤/٢.

سُورَةُ الأَجْزَارَ
٣٥٠
الآية : ٤٠
وإن كانت في الآخرة فالأمرُ فيها واضحٌ، ويرجّح عندي كونَها في الآخرة على
وجهٍ خاصٌّ من القُرْبِ والحظوةِ وما شاكل ذلك أنَّ البشارة في الخبر عليه أبلغ.
ثم إنَّ الخبر المذكورَ فيما مرَّ مذكورٌ في ((صحيح مسلم)) بالسند إلى أبي هريرة
أنه قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظة - أو
لكأنما رآني في اليقظة - لا يتمثَّلُ الشيطان بي)»(١)، فلا قَطْعَ على هذه الرواية بأنه
عليه الصلاة والسلام قال: ((فسيراني))، فإنْ كان الواقع في نفس الأمر ذلك فالكلامُ
فيه ما سمعتَ، وإن كان الواقع: لكأنما رآني، فهو كقولهِ وَّهِ في خبرٍ آخَر: ((فقد
رآني)»(٢). وفي آخَرَ أيضاً: ((فقد رأى الحقَّ)(٣)، والمعنى أنَّ رؤياه صحيحةٌ.
وما تقدَّم من أنَّ الأنبياء عليهم السلام يخرجون من قبورهم، أي: بأجسامهم
وأرواحهم كما هو الظاهرُ، ويتصرَّفون في الملكوت العلويِّ والسفليِّ، فمما لا أقول
به، والخبر السابق الذي أخرجه ابن حبان والطبراني وأبو نعيم عن أنس، وهو
قوله وَّر: ((ما من نبيٍّ يموتُ فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً)) قد أخرجوه عن
الحسن بن سفيان، عن هشام بن خالد الأزرق، عن الحسن بن يحيى الخشني، عن
سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس رُه. وقال فيه ابن حبان:
هو باطلٌ، والخشنيُّ منكر الحديث جدّاً يروي عن الثقات ما لا أصل له(٤).
وفي ((الميزان)) عن الدارقطني: الخشنيُّ متروك(٥). من ثَمَّ حكم ابن الجوزي
بوضع الحديث(٦).
وهو مع ذلك بعضُ حديثٍ، والحديث بتمامه عند الطبراني: ((ما من نبيٍّ يموت
فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً حتى تردَّ إليه روحُه، ومررتُ ليلةً أُسري بي بموسى
(١) صحيح مسلم (٢٢٦٦): (١١).
(٢) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦): (١٠) من حديث أبي هريرة
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٩٦)، ومسلم (٢٢٦٧) من حديث أبي قتادة مظلته. وأخرجه البخاري
(٦٩٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري
(٤) المجروحين ٢٣٥/١-٢٣٦، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير ٥٠١/٥.
(٥) الميزان ٥٢٥/٢، وفيض القدير ٥٠١/٥، والكلام منه.
(٦) فيض القدير ٥٠١/٥، وهو في الموضوعات لابن الجوزي (٣٣٩) و(١٦٨١).

الآية : ٤٠
٣٥١
سُؤَةُ الأَجْتَامَ
وهو قائمٌ يصلِّي في قبره))(١)، وهو على هذا لا يدلُّ على أنه بعد الأربعين لا يقيم
في قبره بل يخرج منه، وإنما يدلُّ على أنه لا يبقى في القبر ميتاً كسائر الأموات
أكثر من أربعين صباحاً، بل تردُّ إليه روحه ويكون حيّاً، وأين هذا من دعوى
الخروج من القبر بعد الأربعين؟
والحياةُ في القبر لا تستلزمُ الخروجَ، وأنا أقول بها في حقِّ الأنبياء عليهم
السلام، وقد ألَّف البيهقيُّ جزءاً في حياتهم في قبورهم، وأورد فيه عدَّةَ أخبار(٢)،
ولا يضرُّني بعد ظهور أنَّ الحديث السابق لا يدلُّ على الخروج المنازعةُ في وَصْفِهِ
وبلوغِه بما لَه من الشواهد درجةَ الحسن.
والأخبارُ المذكورة بعدُ فيما سبق المرادُ منها كلِّها إثباتُ الحياة في القبر بضربٍ
من التأويل، والمراد بتلك الحياة نوعٌ من الحياة غيرُ معقول لنا، وهي فوق حياة
الشهداء بكثير، وحياةٌ نبيِّنا وَ ﴿ أكملُ وأتمُّ من حياة سائرهم عليهم السلام، وخبرُ:
(ما من مُسْلِمٍ يسلِّمُ عليَّ إلَّا ردَّ الله تعالى عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام))(٣)
محمولٌ علىَ إثباتِ إقبالٍ خاصٍّ والتفاتٍ روحانيٌّ يحصل من الحضرة الشريفة
النبوية إلى عالَم الدنيا، وتنزل إلى عالم البشرية حتى يحصل عند ذلك ردُّ السلام،
وفيه توجيهاتٌ أُخَرُ مذكورةٌ في محلّها .
ثم إنَّ تلك الحياة في القبر وإن كانت يترتَّبُ عليها بعضُ ما يترتَّبُ على الحياة
في الدنيا المعروفة لنا من الصلاة والأذان والإقامة وردِّ السلام المسموع ونحوٍ
ذلك، إلا أنها لا يترتَّب عليها كلُّ ما يمكن أن يترتَّب على تلك الحياة المعروفة،
ولا يحسُّ بها ولا يدركُها كلُّ أحدٍ، فلو فُرِضَ انكشافُ قبر نبيٍّ من الأنبياء عليهم
السلام لا يَرى الناس النبيَّ فيه إلا كما يرون سائر الأموات الذين لم تأكل الأرضُ
أجسادهم، وربما يكشفُ الله تعالى على بعض عباده فيرى ما لا يرى الناس.
(١) سلف تخريج الحديث عند الطبراني وغيره، وقوله: ((ومررت ليلة أسري بي ... )) أخرجه
مسلم (٢٣٧٥) من حديث أنس ﴿ه أيضاً.
(٢) منها حديث أنس ◌َ ه: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلُّون)). وقال البيهقي ص ٧٧ من
الجزء المذكور: ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة. اهـ. فذكر منها
حديث رؤية النبي ◌َّيّ لموسى عليه السلام وهو في قبره يصلي.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٨١٥)، وأبو داود (٢٠٤١) عن أبي هريرة

سُورَةُ الأَجْزَاءِ
٣٥٢
الآية : ٤٠
ولولا هذا لأَشْكَلَ الجمعُ بين الأخبار الناطقة بحياتهم في قبورهم، وخبرِ أبي يعلى
وغيرِه بسندٍ صحيح - كما قال الهيثميُّ - مرفوعاً أن موسى نقل يوسفَ من قبره
بمصر(١).
ثم إنِّي أقول بعد هذا كلِّه: إنَّ ما نُسِبَ إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال
من رؤية النبيِّ وَّ بعد وفاته وسؤالِه والأخْذِ عنه لم نعلم وقوعَ مثله في الصدر
الأول، وقد وقع اختلافٌ بين الصحابة ؤه من حين توفِّي عليه الصلاة والسلام إلى
ما شاء الله تعالى في مسائلَ دينيةٍ وأمورٍ دنيويةٍ وفيهم أبو بكر وعليّ
وإليهما ينتهي أغلبُ سلاسل الصوفية الذين تُنسب إليهم تلك الرؤيةُ، ولم يبلُغنا أنَّ
أحداً منهم ادَّعى أنه رأى في اليقظة رسولَ اللهِ وَله وأَخَذَ عنه ما أَخَذَ.
وكذا لم يبلُغنا أنه وَلّ ظهر لمتحيِّرٍ في أمرٍ من أولئك الصحابة الكرام فأرشده
وأزال تحيُّره، وقد صحَّ عن عمر رَُّه أنه قال في بعض الأمور: ليتني كنتُ سألتُ
رسول الله عليه الصلاة والسلام عنه(٢). ولم يصحَّ عندنا أنه توسَّل إلى السؤال
منه ◌َّهر بعد الوفاة نظير ما يُحْكَّى عن بعض أرباب الأحوال.
وقد وقفتَ على اختلافهم في حكم الجدِّ مع الإخوة، فهل وقفتَ على أنَّ أحداً
منهم ظهر له الرسول ◌َ﴿ فأرشده إلى ما هو الحقُّ فيه؟ وقد بلغك ما عرا فاطمة
البتول ينا من الحزن العظيم بعد وفاته وَ له، وما جرى لها في أمر فَدَك، فهل بلغك
أنه عليه الصلاة والسلام ظهر لها كما يظهر للصوفية قبلَّ لوعتَها وهوَّنَ حزنها وبيَّن
الحال لها؟ وقد سمعتَ بذهاب عائشة ﴿ّا إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل،
فهل سمعتَ تعرُّضَهُ وَّ لها قبل الذهاب، وصدَّه إياها عن ذلك لئلا يقعَ، أو تقومَ
الحجةُ عليها على أكمل وجه؟ إلى غير ذلك مما لا يكاد يُحْصَى كثرةً.
والحاصل: أنه لم يبلغنا ظهوره عليه الصلاة والسلام لأحدٍ من أصحابه وأهلٍ
بيته وهم هم مع احتياجهم الشديدِ لذلك، وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه
بعضُ الشيعة افتراءٌ محضِّ وبهتٌ بحثٌ.
(١) مسند أبي يعلى (٧٢٥٤)، وكلام الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧١/١٠.
(٢) ينظر الحديث (١٣٣) في مسند أبي يعلى، وفيه أن قائل ذلك هو عثمان

الآية : ٤٠
٣٥٣
سُورَةُ الأَجْرَاءَ
وبالجملة عدمُ ظهوره لأولئك الكرام، وظهورُه لمن بعدهم، مما يحتاج إلى
توجیه یقنعُ به ذوو الأفهام.
ولا يَحْسِنُ منِّ أن أقول: كلُّ ما يُحكى عن الصوفية من ذلك كذبٌ لا أصلَ
له؛ لكثرة حاكيه وجلالةٍ مدَّعيه. وكذا لا يحسنُ منِّي أن أقول: إنهم إنما رأوا
النبيَّ وَّه مناماً فظنُّوا ذلك لخقَّة النوم وقلَّة وقته يقظةً، فقالوا: رأينا يقظة؛ لِمَا فيه
من البعد، ولعل في كلامهم ما يأباه.
وغاية ما أقول: إنَّ تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء
ومعجزات الأنبياء عليهم السلام، وكانت الخوارقُ في الصَّدر الأول لقرب العهد
بشمس الرسالة قليلةً جدّاً، وأنَّى يُرى النجم تحت الشعاع، أو يظهرَ كوكبٌ وقد
انتشر ضوء الشمس في البقاع، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل
الندرة ولم تقتضٍ المصلحةُ إنشاءه، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء،
أو لخوف الفتنة، أو لأنَّ في القوم مَن هو كالمرآة له وَلِّ، أو ليَهْرَعَ الناسُ إلى
كتاب الله تعالى وسَّتِهِوَّله فيما يهمُّهم، فيتَّسع بابُ الاجتهاد وتنتشر الشريعةُ وتَعْظُم
الحَّةُ التي يمكن أن يعقلها كلُّ أحدٍ، أو لنحو ذلك.
وربما يدَّعى أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ولكن كان متستّراً في ظهوره،
كما روي أنَّ بعض الصحابة أحبَّ أن يرى رسول الله وَّر، فجاء إلى ميمونة،
فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم يَرَ
صورةً نفسه(١).
فهذا كالظهور الذي يدَّعيه الصوفيةُ إلا أنه بحجاب المرآة، وليس من باب
التخيُّل الذي قَوِيّ بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة والسلام، وملاحظةٍ أنه كثيراً
ما ظهرت فيها صورتُه، حسبما ظنَّه ابنُ خلدون(٢).
فإنْ قُبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونِعْمَتْ، وإلا فالأمرُ
مُشْكِلٌ فاطْلُبْ لك ما يحلُّه، والله سبحانه الموفِّق للصواب.
(١) ذكره أبو محمد بن أبي جمرة كما في فتح الباري ١٢/ ٣٨٥، وتنوير الحلك ٤٣٨/٢.
(٢) ينظر مقدمة ابن خلدون ١٤٨/١-١٤٩ .

سُورَةُ الأَجْزَانِ
٣٥٤
الآية : ٤٠
هذا وقيل: يجوز أن يكون عيسى عليه السلام قد تلقَّى من نبيّنا عليه الصلاة
والسلام أحكامَ شريعته المخالفة لِمَا كان عليه هو من الشريعة حالَ اجتماعه معه
قبل وفاته في الأرض؛ لعِلْمِه أنه سينزلُ ويحتاجُ إلى ذلك.
واجتماعُه معه كذلك جاء في الأخبار؛ أخرج ابنُ عديٍّ عن أنس: بينا نحن مع
رسول الله ﴾ إذ رأينا برداً ويداً، فقلنا: يا رسول الله، ما هذا البرد الذي رأينا
والب؟ قال: ((قد رأيتموه))؟ قالوا: نعم. قال: ((ذلك عيسى ابنُ مريم سلَّم عليَّ)(١).
(وفي رواية ابن عساكر عنه: كنتُ أطوف مع النبيِّ وَلِ﴿ِ حولَ الكعبة إذ رأيتُه
صافح شيئاً ولم أَرَهُ، قلنا: يا رسول الله، صافحتَ شيئاً ولا نراه؟ قال: ((ذلك أخي
عيسى ابنُ مريم، انتظرتُه حتى قضى طوافه فسلَّمتُ عليه))(٢). ومن هنا عُدَّ عليه
السلام من الصحابة
وقيل: إنه عليه السلام بعد نزوله يتلقَّى أحكامَ شريعتنا من المَلَكِ بأنْ يعلِّمه
إياها أو يُؤْقِفَه عليها، لا على وجه الإيحاء بها عليه من جهته عز وجل وبعثَتِه بها
ليكون في ذلك رسالةٌ جديدةٌ متضمِّنةٌ نبوَّةً جديدة، وقد دلَّ قولُه تعالى: (وَغَتَمَ
النَِّنُّ) على انقطاعها، بل على نحوٍ تعليم الشيخ ما عُلِّمَه من الشريعة تلميذَه،
ومجرَّدُ الاجتماع بالملك والأخذِ عنه وتكليمِه لا يستدعي النبوَّةَ، ومَن توهّم
استدعاءه إياها فقد حاد - كما قال اللقانيُّ - عن الصواب، فقد كلَّمت الملائكةُ
عليهم السلام مريمَ، وأمَّ موسى في قولٍ، ورجلاً خرج لزيارة أخٍ له في الله تعالى،
وبلَّغته أنَّ الله عز وجل يحبُّ كحبِّه لأخيه فيه(٣) .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ((الذكر)) عن أنس قال: قال أبيّ بنُ كعب:
لأدخلنَّ المسجد فلأصلِّنَّ ولأَحْمدنَّ الله تعالى بمحامدَ لم يحمده بها أحدٌ، فلمَّا
(١) الكامل لابن عدي ١٦٨١/٥ و٢٥٧٨/٧. قال ابن عراق في تنزيه الشريعة ٢٣١/١: ليس
بصحيح، فيه هلال بن زيد أبو عقال. اهـ. وهلال بن زيد قال عنه أبو حاتم والنسائي: منكر
الحديث. وقال البخاري: في حديثه مناكير. وقال ابن حبان: روى عن أنس أشياء
موضوعة. الميزان ٤/ ٣١٣.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٤٧/ ٤٨٥. وهو أيضاً من طريق أبي عقال عن أنس، وقد سلف الكلام
على أبي عقال، وفي إسناده أيضاً جابر الجعفي، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٣) ينظر ما سلف ٤/ ١٨٠.

الآية : ٤٠
٣٥٥
سُوَّةُ الأَجْزَابِ
صلَّى وجلس ليحمد الله تعالى ويثنيَ عليه، إذا هو بصوتٍ عالٍ من خلفٍ يقول:
اللهم لك الحمدُ كلُّه، ولك الملكُ كلُّه، وبيدك الخيرُ كلُّه، وإليك يرجعُ الأمرُ كلُّه
علانيتُهُ وسرُّه، لك الحمدُ إنك على كلِّ شيءٍ قدير، اغفر لي ما مضى من ذنوبي،
واغْصِمْني فيما بقي من عمري، وارزُقني أعمالاً زاكيةً ترضى بها عنِّي، وتُب عليَّ.
فأتى رسولَ اللهِ وَ ﴿ فقصَّ عليه فقال: ((ذاك جبريل عليه السلام))(١). والأخبارُ
طافحةٌ برؤية الصحابة للمَلَك وسماعِهم كلامَه.
وكفى دليلاً لِمَا نحن فيه قولُه سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدِمُوا
تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُعَدُونَ﴾
الآية [فصلت: ٣٠] فإنَّ فيها نزولَ الملك على غير الأنبياء في الدنيا، وتكليمَه إياه،
ولم يقل أحدٌ من الناس: إنَّ ذلك يستدعي النبوَّةَ، وكونُ ذلك لأنَّ النزول والتكليمَ
قبيل الموت غيرُ مفيد كما لا يخفى.
وقد ذهب الصوفية إلى نحو ما ذكرناه؛ قال حجّة الإسلام الغزالي في كتابه
((المنقذ من الضلال)) أثناء الكلام على مدح أولئك السادة: ثم إنهم وهم في يقظتهم
يشاهدون الملائكة وأرواحَ الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائدَ،
ثم يترقَّى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجاتٍ يضيق عنها نطاقُ النطق(٢).
وقال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي أحدُ أئمة المالكية في كتابه «قانون
التأويل))(٣): ذهبت الصوفيةُ إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارةُ النفس، وتزكيةٌ
القلب، وقَطْعُ العلائق، وحَسْمُ موادِّ أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة
بالجنس، والإقبالُ على الله تعالى بالكلِّية عِلْماً دائماً وعملاً مستمرّاً، كُشفت له
القلوب، ورأى الملائكة وسمع كلامهم، واطّلع على أرواح الأنبياء والملائكة
[وسمع كلامهم. ثم قال ابن العربي من عنده: ورؤية الأنبياء والملائكة] وسماعُ
كلامهم ممكنٌ للمؤمن كرامةً وللكافر عقوبةً. اهـ.
(١) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٤٢٨/٢، وقال: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الذكر
ولم يذكر تابعيّه.
(٢) المنقذ من الضلال ص ١٤٥، ونقله المصنف بواسطة السيوطي في تنوير الحلك ٤٤١/٢.
(٣) كما في تنوير الحلك ٤٤١/٢-٤٤٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُوَّةُ الأَجْزَادَ
٣٥٦
الآية : ٤٠
ونُسب إلى بعض أئمة أهل البيت أنه قال: إنَّ الملائكة لتزاحِمُنا في بيوتنا
بالرُّگَب.
والظاهر من كلامهم أنَّ الاجتماع بهم والأخْذَ عنهم لا يكون إلا للكاملين ذوي
النفوس القُدسية، وأنَّ الإخلال بالسنَّة مانعٌ كبيرٌ عن ذلك، ويرشد إليه ما أخرجه
مسلم في (صحيحه) عن مُطَرِّف قال: قال لي عمران بن حصين: قد كان مَلَكٌ يسلِّم
عليَّ حتى اكتويتُ فترك، ثم تركتُ الكيَّ فعاد(١). ويعلم مما ذكرنا أنَّ مدَّعِيَه إذا
كان مخالفاً لحكم الكتاب والسنَّة كاذبٌ لا ينبغي أن يُصْغَى إليه، ودعواه باطلةٌ
مردودةٌ عليه، فأين الظّلمة من النور، والنَّجَس من الطهور؟
ثم إنه لا طريق إلى معرفة كون المجتَمَع به مَلَكاً بعد خبر الصادق سوى العلم
الضروري الذي يخلقه الله تعالى في العبد بذلك، ويقطع بعدم كونه ملكاً متى خالفَ
ما ألقاه وأتى به الكتابُ أو السنَّةُ أو إجماعُ الأمة.
ومثلُه فيما أرى التكلُّمُ بما يشبه الهذيان ويضحكُ منه الصبيان، وينبغي لمن
وقع له ذلك أنْ لا يُشِيعَه ويعلنَ به لما فيه من التعرُّضِ للفتنة، فقد أخرج مسلم عن
مطرِّفٍ أيضاً من وجهٍ آخر قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توِّي
فيه فقال: إنَّ محدِّثُك فإنْ عشتُ فاكتم عنِّي، وإن متُّ فحدِّث بها إن شئت، إنه قد
سُلِّم عليَّ(٢).
وفي رواية الحاكم في ((المستدرك)): اعلم يا مطرِّف أنه كان يسلِّم عليَّ الملائكةُ
عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة، فلمَّا اكتويتُ ذهب ذلك. قال: فلمّا
بَرِئَ كلَّمه، قال: اعلم يا مطرِّف أنه عاد إليَّ الذي كنتُ، اكتَم عليَّ حتى أموت(٣).
(١) صحيح مسلم (١٢٢٦): (١٦٧) بلفظ: وقد كان يُسَلَّم عليَّ حتى اكتَويْتُ، فتُرِكِتُ، ثم
تركت الکي فعاد.
قال النووي في شرح صحيح مسلم ٢٠٦/٨: معنی الحدیث أن عمران خڅ كانت به بواسير
فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلم عليه، فاكتوى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك
الکي فعاد سلامهم عليه.
(٢) صحيح مسلم (١٢٢٦): (١٦٨).
(٣) المستدرك ٤٧٢/٣ .

الآية : ٤٠
٣٥٧
سُوَّةُ الأخْزَائِ
وكذا ينبغي أن لا يقول لإلقاء الملك عليه: إيحاءٌ، لما فيه من الإيهام القبيح،
وهو إيهامُ وحي النبؤَّة الذي يكفّر مدَّعيه بعد رسول الله وَّ ه بلا خلافٍ بين
المسلمين. وأطلق بعض الغلاة من الشيعة القولَ بالإيحاء إلى الأئمة الأطهار،
وهم ﴿ّ بمعزلٍ عن قبول قول أولئك الأشرار.
فقد روي أن سديراً الصَّيْرفيَّ(١) سأل جعفراً الصادق ظُه فقال: جُعِلْتُ فداك،
إنَّ شيعتكم اختلفتْ فيكم فأكثرت، حتى قال بعضهم: إنَّ الإمام يُنكت في أذنه،
وقال آخرون: يوحى إليه، وقال آخرون: يُقذف في قلبه، وقال آخرون: يَرى في
منامه، وقال آخرون: إنما يفتي بكتب آبائه، فبأيِّ جوابهم آخُذُ، يجعلني الله تعالى
فداك؟ قال: لا تأخذ بشيءٍ مما يقولون، يا سدير نحن حججُ الله تعالى وأُمَناؤه
على خَلْقِهِ، حلالنا من كتاب الله تعالى وحرامُنا منه. حكاه محمد بن عبد الكريم
الشهرستانيُّ في أول تفسيره ((مفاتيح الأسرار)).
وقد ظهر في هذا العصر (٢) عصابةٌ من غلاة الشيعة لقَّبوا أنفسهم بالبابية لهم في
هذا الباب فصولٌ يَحكم بكفر معتقِدِها كلُّ مَن انتظم في سلك ذوي العقول، وقد
كاد يتمكَّن عرقهم في العراق لولا همَّةُ واليه النجيب الذي وقع على همَّته وديانته
الاتفاق، حيث خذلهم نَصَره الله تعالى وشتَّت شملهم، وغضب عليهم رَُّه وأفسد
عملهم، فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيراً، ودفع عنه في الدارين ضيماً وضيراً.
وادّعى بعضُهم الوحي إلى عيسى عليه السلام بعد نزوله، وقد سئل عن ذلك
ابن حجر الهيتميُّ فقال: نعم يُؤْحَى إليه عليه السلام وحيّ حقيقيّ كما في حديث
مسلم وغيره عن النوَّاس بن سمعان، وفي رواية صحيحة: ((فبينما هو كذلك إذ
أوحى الله تعالى: يا عيسى إنِّي أخرجتُ عباداً لي لا يَدَ لأحدٍ بقتالهم، فحوِّل
عبادي إلى الطور))(٣) وذلك الوحي على لسان جبريل عليه السلام؛ إذ هو السفير
بين الله تعالى وأنبيائه لا يُعرف ذلك لغيره، وخبر: لا وَحْيَ بعدي، باطلٌ.
(١) هو سدير بن حكيم بن صهيب، أبو الفضل الصيرفي الكوفي، من رؤساء الشيعة بالكوفة،
روى عنه سفيان الثوري، وابنه حنان بن سدير. الجرح والتعديل ٣٢٣/٤، واللسان ٩/٣.
(٢) جاء في حاشية (م): سنة (١٢٦١). اهـ منه.
(٣) صحيح مسلم (٢٩٣٧) وفيه: (( ... لا يدان لأحد بقتالهم فحَرِّز عبادي ... )).

سُورَةُ الأَجْتَابِ
٣٥٨
الآية : ٤٠
وما اشتهر أن جبريل عليه السلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبيِّ وَلّ فهو
لا أصل له، ويردُّه خبر الطبرانيّ: «ما أحبُّ أن يرقد الجنُبُ حتى يتوضَّأ، فإِنِّي
أخاف أنْ يُتوفَّى وما يحضره جبريل عليه السلام)»(١) فإنه يدل على أنَّ جبريل ينزل
إلى الأرض ويحضر موتَ كلِّ مؤمنٍ توقَّه الله تعالى وهو على طهارة(٢). اهـ، ولعل
مَن نَفَى الوحي عنه عليه السلام بعد نزوله أراد وحي التشريع، وما ذكر وحيٍّ
لا تشریعَ فیه، فتأمل.
وكونُهُ وَ له خاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصَدَعتْ به السنَّةُ وأجمعت عليه
الأمة، فيكفَّر مدَّعي خلافه، ويُقتل إن أصرَّ.
ومن السنَّة ما أخرج أحمد والبخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن مردويه عن أبي هريرة
أنَّ رسول اللهِوَ ﴿ قال: ((مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى داراً بناءً،
فأَحْسَنَه وأجمله إلا موضعَ لَبِنةٍ من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به
ويتعجَّبون له ويقولون: هلَّا وُضِعَتْ هذه اللبنةُ، فأنا اللَّبِنةُ وأنا خاتم النبيين))(٣)،
وصحَّ عن جابر مرفوعاً نحوُ هذا(٤)، وكذا عن أبيّ بن كعب وأبي سعيد الخدري
وللشيخ محيي الدين بن عربي قدِّس سرُّه كلامٌ في حديث اللبنة قد انتقده عليه
جماعةٌ من الأجلَّةُ(٥)، فعليك بالتمسُّك بالكتاب والسنَّة، والله تعالى الحافظُ من
الوقوع في المحنة.
ونصب ((رسول)) على إضمارِ ((كان)) لدلالةِ ((كان)) المتقدّمة عليه، والواوُ عاطفةٌ
للجملة الاستدراكية على ما قبلها، وكونُ («لكنْ)) المخفَّفةِ عند الجمهور للعطف
إنما هو عند عدم الواو وكونٍ ما بعدها مفرداً، وجوِّز أن يكون النصب بالعطف على
((أبا أحد)).
(١) المعجم الكبير ٢٥/(٦٥)، وهو من حديث ميمونة بنت سعد
(٢) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ١٨١ .
(٣) مسند أحمد (٩١٦٧)، وصحيح البخاري (٣٥٣٥)، وصحيح مسلم (٢٢٨٦): (٢٢)، وسنن
النسائي الكبرى (١١٣٥٨) وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٠٤/٥.
(٤) مسند أحمد (١٤٨٨٨)، وصحيح البخاري (٣٥٣٤)، وصحيح مسلم (٢٢٨٧).
(٥) ينظر الفتوحات المكية ٣١٨/١.

الآية : ٤١
٣٥٩
سُورَةُ الأَجْزَائِ
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ((لكنَّ)) بالتشديد(١)، فنصب ((رسول)) على أنه
اسم ((لكن))، والخبر محذوفٌ تقديره: ولكنَّ رسولَ الله وخاتم النبيين هو، أي:
محمدٌ وَ﴿. وقال الزمخشريُّ: تقديره: ولكنَّ رسول الله مَن عرفتُموه، أي: لم
يَعِشْ له ولدٌ ذَكَر(٢) .
وحَذْفُ خبر («لكنَّ)) وأخواتِها جائز إذا دلَّ عليه الدليل، ومما جاء في ((لكنَّ))
قول الشاعر:
فلو كنتَ ضبِّيًّا عرفتَ قرابتي
ولكنَّ زنجيّاً عظيمَ المشافرِ(٣)
أي: ولكنَّ زنجيّاً عظيمَ المشافر أنت، وفيه بحثٌ لا يَخْفَى على ذي معرفة.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿ وابنُ أبي عبلة بتخفيف ((لكنْ)) ورَفْعِ ((رسول))
و((خاتم)) (٤)، أي: ولكنْ هو رسولُ الله .. إلخ، كما قال الشاعر:
ولستُ الشاعرَ السَّفْسافَ فيهم ولكنْ مِذْرَهُ الحرب العَوَانِ(٥)
أي: ولكنْ أنا مدرهُ.
﴿وَكَانَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ أعم من أن يكون موجوداً أو معدوماً ﴿عَلِيمًا
فيعلم سبحانه الأحكام والحِكَمَ التي بيِّنت فيما سبق، والحكمةَ في كونه عليه
الصلاة والسلام خاتم النبيين.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ بما هو جلَّ وعلا أهلُه من التهليل والتحميد
والتمجيد والتقديس ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾﴾ يعمُّ أغلب الأوقات والأحوال كما قال غير
واحد.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٣٦/٧.
(٢) الكشاف ٢٦٤/٣.
(٣) نُسب للفرزدق، وسلف ٤٧١/١٣، وهو في البحر ٢٣٦/٧، والدر المصون ١٢٨/٩، وقال
السمين: وهذا البيت يروونه أيضاً: ولكنَّ زنجيٌّ، بالرفع شاهداً على حذف اسمها، أي:
ولكنك زنجيٍّ.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٣٦/٧.
(٥) البحر ٢٣٦/٧، والدر المصون ٢٠٣/٦ و١٢٨/٩. المدره: المقدَّم عند القتال.
والسفساف: الرديء والحقير. القاموس (دره) و(سفف).

سُؤَلةُ الإِخْتَانِ
٣٦٠
الآية : ٤٢
وعن ابن عباس: الذكر الكثير أنْ لا يُنْسَى جل شأنه. وروي ذلك عن مجاهد
أيضاً.
وقيل: أن يُذكر سبحانه بصفاته العُلَى وأسمائه الحسنى، وينزَّهَ عما لا يليق به.
وعن مقاتل: هو أن يقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر على
كلِّ حال. وعن العترة الطاهرة ﴿ه: مَن قال ذلك ثلاثين مرةً فقد ذكر الله تعالى ذكراً
كثيراً .
وفي ((مجمع البيان)) عن الواحدي بسنده إلى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس
قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبيِّ وَل﴿ فقال: يا محمد، قل: سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم عَدَدَ
ما علم وزِنةَ ما علم ومِلْءَ ما علم، فإنه مَنْ قالها كتب له بها ستُّ خصالٍ: كُتب من
الذاكرين الله تعالى كثيراً، وكان أفضلَ مَن ذكره بالليل والنهار، وكنَّ له غرساً في
الجنة، وتحاثَّتْ عنه خطاياه كما تَحَاتُ ورقُ الشجرة اليابسة، وينظر الله تعالى إليه،
ومَن نظر الله تعالى إليه لم يعذِّبه(١). كذا رأيته في مدوَّنه فلا تغفل.
وقال بعضهم: مرجعُ الكثرة العُرْفُ.
﴿وَسَبِّحُوُ﴾ ونزُهوه سبحانه عمَّا لا يليقُ به ﴿بَّكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ أي: أولَ النهار
وآخره. وتخصيصُهما بالذكر ليس لقَصْرِ التسبيح عليهما دون سائر الأوقات، بل
لإنافة فضلهما على سائر الأوقات؛ لكونهما تحضُرهما ملائكةُ الليل والنهار وتلتقي
فيهما، كإفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها لكونه العمدة بينها .
وقيل: كِلَا الأمرين متوجّهٌ إليهما، كقولك: صُمْ وصلِ يومَ الجمعة. وبتفسير
الذكر الكثير بما يعمُّ أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلُّقهما بالأول.
وعن ابن عباس أنَّ المراد بالتسبيح الصلاة، أي: بإطلاق الجزء على الكلِّ،
والتسبيحُ بكرةً صلاةُ الفجر، والتسبيحُ أصيلاً صلاةُ العشاء. وعن قتادة نحوُ ما روي
عن ابن عباس، إلَّا أنه قال: أشار بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر.
وهو أظهرُ ممَّا روي عن الحبر.
(١) مجمع البيان ٢٢/ ١٥٠، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.