Indexed OCR Text

Pages 281-300

الآية : ٣٢
٢٨١
سوَرَةُ الأُخْزَائِ
لأنه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلّق الذي تحصل به الوقاية، كقوله
سبحانه: (بِوَجْهِهِ،) وقولِ النابغة: باليد، وما استَدَلَّ به أمره سهلٌ.
وظاهرُ عبارة ((الكشاف)) اختيارُ كون ((إن اتقبتنَّ)) شرطاً جوابه ((فلا تخضعن))،
وفسَّر ((إن اتقيتن)) بـ: إن أردتنَّ التقوى وإن كنتنَّ متَّقيات(١)، مشيراً بذلك إلى أنه
لابدَّ من تجوُّزٍ في الكلام؛ لأنّ الواقع أنَّ المخاطَباتِ متقياتٌ، فإمَّا أن يكون
المقصود الأوليُّ المبالغةَ في النهي، فيفسَّر بـ : إنْ أردتنَّ التقوى، وإما أن يكون
المقصود التهييجَ والإلهاب، فيفسَّر بـ : إنْ كنتنَّ متقيات، فليس في ذلك جمعٌ بين
الحقيقة والمجاز كما تُوهِّم، وقد قرَّر ذلك في ((الكشف)).
ومعنى ((لا تخضعن بالقول)): لا تُجِبْنَ بقولكنَّ خاضعاً، أي: ليِّناً خَيْئاً على
سَنَّنِ كلام المريبات والمومسات، وحاصلُه: لا تُلِنَّ الكلام ولا ترقِّقْتَه، وهذا - على
ما قيل - في غير مخاطبة الزوج ونحوه، كمخاطبة الأجانب وإن كنَّ محرَّماتٍ عليهم
على التأبيد.
روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها كانت تضع يدها على فمها إذا كلَّمت
أجنبيّاً، تغيِّر صوتَها بذلك خوفاً من أن يُسمع رخيماً ليّناً .
وعُدَّ إغلاظ القول لغير الزوج من جملة محاسن خصال النساء جاهليةً
وإسلاماً، كما عُدَّ منها بخلهنَّ بالمال وجُبنهنَّ، وما وقع في الشعر من مدح العشيقة
برخامة الصوت وحُسْنِ الحديث ولينِ الكلام فمن باب السَّفَه كما لا يخفى.
وعن الحسن أن المعنى: لا تكلَّمْنَ بالرَّفَك. وهو كما ترى.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضُ﴾ أي: فجورٌ وزنّى، وبذلك فسَّره ابن عباس وأنشد
قول الأعشى:
ليس ممن قلبُه فيه مرض(٢)
حافظٌ للفرج راضٍ بالتُّقى
والمراد: نيةُ أو شهوةٌ فجورٍ وزنّی.
(١) الكشاف ٣/ ٢٦٠.
(٢) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ١٩٦/٥، ومن طريقه السيوطي في الإتقان ٣٨٩/١.

سُورَةُ الأَجْتَانِ
٢٨٢
الآية : ٣٣
وعن قتادة تفسيره بالنفاق، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن
عليٍّ ◌ِّ، أنه قال: المرضُ مرضان، فمرضُ زنّى ومرضُ نفاقٍ(١).
ونصب (يطمع)) في جواب النهي. وقرأ أبان بن عثمان وابن هرمز: ((فيطمَعِ))
بالجزم وكسر العين لالتقاء الساكنين(٢)، وهو عطفٌ على محلٌّ فعل النهي على أنّه
نهيٌّ لمريض القلب عن الطمع عقيبَ نهيهنَّ عن الخضوع بالقول، كأنه قيل:
فلا تخضعْنَ بالقول فلا يطمع الذي في قلبه مرض.
وقال أبو عمرو الداني: قرأ الأعرج وعيسى: ((فيَطْمِعَ)) بفتح الياء وكسر الميم،
ونقلها ابن خالويه عن أبي السَّمَّال، قال: وقد روي ذلك عن ابن محيصن، وذَكَر
أنَّ الأعرج - وهو ابن هرمز - قرأ: ((فيُظْمِعَ)) بضم الياء وفتح العين وكسر الميم،
أي: فيُطْمِعَ هو، أي: الخضوعُ بالقول، و((الذي)) مفعولٌ، أو ((الذي)) فاعلٌ
والمفعولُ محذوفٌ، أي: فيُطْمِعَ الذي في قلبه مرضٌ نَفْسَه(٣).
﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾﴾ حسناً بعيداً عن الريبة، غيرَ مُطْمِع لأحد. وقال
الكلبيُّ: أي: صحيحاً بلا هُجْرٍ(٤) ولا تمريض. وقال الضحاك: عنيفاً، وقيل:
أي: قولاً أُزِنَ لكم فيه. وقيل: ذكر الله(٥) تعالى وما يحتاجُ إليه من الكلام.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من قرَّ يَقَرُّ، من باب عَلِمَ، أصله: اِقْرَرْنَ فحذفت الراء
الأولى وأُلقيت فتحتُها على ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها بتحرُّكِ القاف.
وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب ((التبيان)) (٦) وجهاً آخر قال: قارَ يقار(٧) إذا
اجتمع، ومنه القارَةُ لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عَضَل والديش(٨): اجتمِعوا
فكونوا قارَةً. فالمعنى: واجمعن أنفسكن في البيوت.
(١) الدر المنثور ١٩٦/٥.
(٢) المحتسب ١٨١/٢، والبحر ٢٣٠/٧، والكلام منه.
(٣) البحر ٢٣٠/٧، وينظر القراءات الشاذة لابن خالويه ص ١١٩.
(٤) الهُجْر بالضم: الفحش في المنطق، والخنا، والقبيح من الكلام. التاج (هجر).
(٥) في الأصل: ذكراً لله.
(٦) كما في الكشاف ٣/ ٢٦٠، والبحر ٢٣٠/٧.
(٧) كخاف يخاف، الدر المصون ١٢١/٩.
(٨) عَضَل والديش حيان يقال لهما: القارَة، وهم من كنانة. اللسان (عضل).

الآية : ٣٣
٢٨٣
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وقرأ الأكثر: ((وقِرْنَ)) بكسر القاف، من وَقَرَ يَقِرُ وَقاراً: إذا سكن وثبت،
وأصله: اِوْقِرْنَ، ففُعِلَ به ما فُعل بـ ((عِدْنَ)) من وعد، أو من قرَّ يَقِرُّ المضاعف،
من باب ضرب، وأصله: إِقْرِزْنَ، حُذفت الراء الأولى وألقيت كسرتُها إلى
القاف وحذفت الهمزة للاستغناء عنها. وقال مكي وأبو عليٍّ: أبدلت الراء التي
هي عينُ الفعل ياءً كراهةَ التضعيف، ثم نُقلت حركتها إلى القاف، ثم حُذفت
لسكونها وسكونِ الراء بعدها، وسقطت الهمزةُ لتحرُّك القاف (١). وهذا غايةٌ في
التمگُّل.
وفي ((البحر))(٢) أنَّ قَرَرْتُ وقَرِرْتُ بالفتح والكسر كلاهما من القرار في المكان
بمعنى الثبوت فيه، وقد حكى ذلك أبو عبيد(٣) والزجَّاجُ(٤) وغيرهما. وأنكر قومٌ
منهم المازنيُّ مجيء قَرِرْتُ في المكان بالكسر أقَرُّ بالفتح، وإنما جاء: قرَّتْ عينُه
تَقَرُّ بالكسر في الماضي والفتح في المضارع. والمثبِتُ مقدَّمٌ على النافي.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((واقرِزْنَ)) بألف الوصل وكسر الراء الأولى(٥).
والمراد على جميع القراءات أَمْرُهُنَّ رضي الله عنهنَّ بملازمة البيوت، وهو أمرٌ
مطلوب من سائر النساء؛ أخرج الترمذيُّ والبزَّار عن ابن مسعود عن النبيِّ وَِّ قال:
(إنَّ المرأة عورةٌ، فإذا خرجت من بيتها استَشْرفَها الشيطانُ، وأقربُ ما تكونُ من
رحمة ربِّها وهي في قَعْر بيتها))(٦).
وأخرج البزَّار عن أنس قال: جئنَ النساء إلى رسول الله وَّه فقلن: يا رسول الله،
ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فهل لنا عملٌ ندرك به فضلَ
(١) الحجة لأبي عليٍّ الفارسي ٤٧٥/٥، والكشف عن وجوه القراءات لمكي بن أبي طالب
١٩٨/٢.
(٢) ٢٣٠/٧.
(٣) في الأصل و(م): عبيدة، والمثبت هو الصواب. ينظر الغريب المصنف لأبي عبيد ٤٨٩/٢،
وإعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٣-٣١٤، والمحرر الوجيز ٣٨٣/٤، والبحر ٢٣٠/٧.
(٤) في معاني القرآن ٢٢٥/٤.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٣/٤، والبحر ٢٣٠/٧.
(٦) سنن الترمذي (١١٧٣)، ومسند البزار (٢٠٦١)، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة (١٦٨٥)، وابن
حبان (٥٥٩٩).

سُؤَدَةُ الأَجْزَانِ
٢٨٤
الآية : ٣٣
المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن قعدت منكنَّ في
بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى))(١).
وقد يَحْرُمُ عليهنَّ الخروج، بل قد يكون كبيرةً، كخروجهنَّ لزيارة القبور إذا
عَظُمتْ مفسدتُه، وخروجهنَّ ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتَزيَّنَّ إذا تحقّقت
الفتنة، أما إذا ◌ُنَّتْ فهو حرامٌ غيرُ كبيرة.
وما يجوز من الخروج كالخروج للحجِّ، وزيارةِ الوالدين، وعيادة المرضى،
وتعزيةِ الأموات من الأقارب، ونحوِ ذلك، فإنما يجوز بشروطٍ مذكورةٍ في محلّها .
وظاهرُ إضافةِ البيوت إلى ضمير النساء المطهّرات أنها كانت ملكهنَّ، وقد
صرَّح بذلك الحافظ غلام محمد الأسلمي - نوَّر الله تعالى ضريحه - في ((التحفة
الاثني عشرية))(٢)، وذكر فيها أنه عليه الصلاة والسلام بنى كلَّ حجرةٍ لمن سكن
فيها من الأزواج وكانت كلُّ واحدةٍ منهنَّ تتصرَّفُ بالحجرة الساكنة هي فيها تصرُّفَ
المالك في ملكه بحضوره وَّه، وقد ذكر الفقهاء أنَّ مَن بنى بيتاً لزوجته وأَقْبَضَه إياها
كان كمن وهب زوجتَه بيتاً وسلَّمه إليها، فيكون البيت ملكاً لها .
ويشهد لدعوى أنَّ الحجرة التي كانت تسكنُها عائشةُ ﴿يَّا كانت ملكاً لها غير
الإضافة في ((بيوتكن)) الداخلِ فيه حجرتُها استئذانُ عمر رَظُّه لدفنه فيها منها بمحضرٍ
من الصحابة(٣)، وعدمُ إنكارٍ أحدٍ منهم حتى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، واستئذانٌ
الحسن به منها لذلك أيضاً الثابتُ عند أهل السنة والشيعة(٤)، كما ذُكر في
((الفصول المهمّة في معرفة الأئمة))(٥) وغيرِه من كتبهم، فإنَّ تلك الحجرة لو كانت
(١) كشف الأستار (١٤٧٥).
(٢) أصله لعبد العزيز بن أحمد العمري الفاروقي الدهلوي الملقب سراج الهند، المتوفى سنة
(١٢٣٩ هـ)، وترجمه إلى العربية غلام محمد الأسلمي.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٢).
(٤) أخرجه ابن شبَّة في تاريخ المدينة ١/ ١١٠-١١١، وينظر سير أعلام النبلاء ٢٧٨/٣.
(٥) الفصول المهمة في معرفة الأئمة وفضلهم ومعرفة أولادهم ونسلهم لنور الدين علي بن محمد
المكي السفاقسي الأصل، المتوفى سنة (٨٥٥هـ). كشف الظنون ١٢٧١/٢، وهدية العارفين
٧٣٢/١.

الآية : ٣٣
٢٨٥
سُورَةُ الأَجْزَانِ
لبيت المال لحديثٍ: ((نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نُورَث))(١) لاستأذن رَُّه من الوزغ
مروان، فإنه إذ ذاك كان حاكمَ المدينة المنوّرة والمتصرِّفَ في بيت المال، ولو
كانت للورثة بناءً على زَعْم الشيعة من أنه وَهِ يورَتُ كغيره، لزم الاستئذانُ من سائر
الأزواج أيضاً لتعلُّق حقِّهنَّ فيها على زَعْمِهم، بل يلزمُ الاستئذانُ أيضاً من عَصَبتِه
عليه الصلاة والسلام المستحقِّين لِمَا يبقى بعد النصف والثُّمن إذا قلنا بتوريثهم،
فحيث لم يَستأذِنْ رَُّّ إلا منها عُلم أنها ملكها وحدها .
والقولُ بأنه عَلِمَ رضا الجميع سواها ◌ّا فاستأذنها لذلك، مما لا يقوم لهم
عليه(٢) حجة.
ولهم في هذا الباب أكاذيبُ لا يعوَّل عليها، ولا يَلتفِتُ أريبٌ إليها، منها أنَّ
عائشةَ رُِّها أذِنَتْ للحسن ظ له حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم
ندمت بعد وفاته رُه، وركبت على بغلةٍ لها وأتت المسجدَ ومنعت الدفن، ورمت
السهامَ على جنازته الشريفة الطاهرة، وادَّعت الميراث، وأنشأ ابن عباس ظ
يقول :
وإنْ عِشْتِ تفيَّلْتِ(٣)
تجمَّلْتِ تبغَّلتِ
فكيف الكلَّ مُلِّكْتِ
لكِ التسعُ من الثُّمن
وركاكةُ هذا الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر تَظُه، وليت شعري أيُّ
حاجةٍ لها إلى الركوب ومسكنُها كان تلك الحجرةَ المباركة، فلو كانت بصدد المنع
لأغلقت بابها، ثم إنها ◌ُّنا كيف يُظَنُّ بها ولها من العقل الحظّ الأوفر بالنسبة إلى
سائر أخواتها أمَّهات المؤمنين تدَّعي الميراث وهي وأبوها ﴿ّا رَوَيا بمحضرٍ
الصحابة الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم: «نحن معاشر الأنبياء
لا نورث»(٤).
هذا، ويجوزُ أن تكون إضافةُ البيوت إلى ضمير النساء المطهّرات باعتبارٍ أنهنَّ
(١) سلف ٢٨٧/٢ و٣٤٠/٥.
(٢) قوله: عليه، ليس في (م).
(٣) تفيَّل فلانٌ: سَمِنَ، ورأيُه: أخطأ وضعف. القاموس (فيل).
(٤) ينظر حديث عائشة ها عند البخاري (٣٧١١-٣٧١٢)، ومسلم (١٧٥٨) و(١٧٥٩).

سُورَةُالأَجْزَاءِ
٢٨٦
الآية : ٣٣
ساكناتٌ فيها قائماتٌ بمصالحها قيِّماتٌ عليها، واستعمالُ الخاصة والعامة شائعٌ
بإضافة البيوت إلى الأزواج بهذا الاعتبار، والاستئذانُ يجوز أن يكون لانتقال كلِّ
بيتٍ إلى ملك الساكنة فيه بعد وفاته وَله من جهة الخليفة وليٍّ بيت المال؛ لِمَا رأى
من المصلحة في تخصيص كلٍّ منهنَّ بمسكنه وتركه لها على نحو الإقطاع من بيت
المال.
وممَّا يُستأنس به لكون الإضافة إلى ضميرهنَّ بهذا الاعتبار لا لكون البيوت
ملكهنَّ إضافةُ البيت إلى النبيِّ وَِّ في غيرِ ما أثرٍ، بل سيأتي إن شاء الله تعالى
إضافةُ البيوت إليه عليه الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣] وهي أحقُّ بأن تكون
للملك، فليُراجَعْ هذا المطلبُ ولْيُتأمَّلْ.
﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾ التبرُّج على ما روي عن مجاهدٍ وقتادةً
وابنِ أبي نجيح: المشيُّ بتبخثُرٍ وتكسُّرٍ وتغنّجِ.
وعن مقاتل: أن تُلقي المرأةُ خمارها على رأسها، ولا تشدَّه فيواريَ قلائدَها
وقرطَها وعنقها، ويبدو ذلك كلُّه منها .
وقال المبرِّد: أنْ تُبديَ من محاسنها ما يجب عليها سترُه؛ قال الليث: ويقال:
تبرَّجت المرأةُ، إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها، ويُرى مع ذلك من عينها
حُسْنُ نظر.
وقال أبو عبيدة: هو (١) أن تُخرج من محاسنها ما تستدعي به شهوةً للرجال.
وأصله - على ما في ((البحر))(٢) - من البَرَج وهو سعة العين وحُسْنُها، ويقال:
طعنة بَرْجاء، أي: واسعة. وفي أسنانه بَرَجُ: إذا تفرَّق ما بينها .
وقيل: هو من (٣) البُرْجُ بمعنى القصر، ومعنى تبرَّجت المرأة: ظهرت من
برچها، أي: قصرها.
(١) قوله: هو، ليس في (م).
(٢) ٢٠٨/٧.
(٣) قوله: من، ليس في (م).

الآية : ٣٣
٢٨٧
سُؤَدَّةُ الأَجْزَائِ
وجَعَلَ الراغب إطلاق البَرَج على سعة العين وحُسْنِها للتشبيه بالبُرْج في
الأمرين(١). ولا يَخْفَى أنه لو فسِّر التبرُّج هنا بالظهور من البرج تكونُ هذه الجملة
كالتأكيد لِمَا قبلها، فالأَوْلَى أن لا يفسّر به.
و(تَبرُّجَ)) مصدرٌ تشبيهيٌّ مثل: له صوتٌ صوتَ حمارٍ، أي: لا تبرَّجْنَ مثل تبرُّج
الجاهلية الأولى. وقيل: في الكلام إضمارُ مضافَيْنٍ، أي: تبرُّجَ نساء أيام
الجاهلية، وإضافةُ نساء على معنى ((في)).
والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج ابنُ جَريرٍ وابن أبي حاتم والحاكم
وابن مردويه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس: الجاهلية ما بين نوح
وإدريس عليهما السلام، وكانت ألف سنة، قال: وإنَّ بطنين من ولد آدم كان
أحدُهما يسكن السهلَ والآخرُ يسكن الجبالَ، وكان رجالُ الجبال صباحاً وفي
النساء دمامةٌ، وكان نساء السهل ورجالُه على العكس، فاتخذ أهل السهل عيداً
يجتمعون إليه في السنة، فتبرَّج النساء للرجال والرجال لهنَّ، وإن رجلاً من أهل
الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصَبَاحَتَهنَّ، فأتى أصحابه فأخبرهم
بذلك، فتحوَّلوا إليهنَّ فنزلوا معهنَّ، فظهرت الفاحشة فيهنَّ(٢).
وفي رواية: أنَّ المرأة إذ ذاك تجمع(٣) بين زوج وعشيق.
وأخرج ابن جرير عن الحكم بن عيينة قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام
ثمان مئة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالُهم حسانٌ،
وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه (٤)، وهي الجاهلية الأولى. ورُوي مثلُه عن
عكرمة.
وقال الكلبي: هي ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام.
(١) مفردات الراغب (برج).
(٢) تفسير الطبري ٩٨/١٩، والمستدرك ٥٤٨/٢، والشعب (٥٤٥١)، وعزاه لابن أبي حاتم
وابن مردويه السيوطي في الدر ١٩٧/٥ .
(٣) في (م): تجتمع.
(٤) تفسير الطبري ١٩/ ٩٨.

◌َةُ الأَخْرَابِ
٢٨٨
الآية : ٣٣
وقال مقاتل: كانت زمن نمروذ، وكان فيه بغايا يلبسن أرقَّ الدروع ويمشين في
الطرق. وروي عنه أيضاً أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم عليه السلام، والثانية زمن
محمد زٍَّ* قبل أن يبعث.
وقال أبو العالية: كانت الأُولى زمنَ داود وسليمان عليهما السلام، وكان
للمرأة قميصٌ من الدرِّ غيرُ مَخيطِ الجانبين يظهر منه الأعكانُ(١) والسوأتان.
وقال المبرِّد: كانت المرأة تجمع بين زوجها وخِذْنِها(٢)، للزوج نصفُها
الأسفل، وللخدن نصفُها الأعلى يتمثَّع به في التقبيل والترشُّف.
وقيل: ما بين موسى وعيسى عليهما السلام.
وقال الشعبي: ما بين عيسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام. قال الزجَّاج(٣):
وهو الأشبهُ؛ لأنهم هم الجاهليةُ المعروفة كانوا يتخذون البغايا، وإنما قيل:
(الأولى)) لأنه يقال لكلِّ متقدِّم ومتقدِّمةٍ: أول وأُولى، وتأويلُه أنهم تقدَّموا على أمة
محمد الخ
وروي عن ابن عباس ما هو نصٍّ في أنَّ الأولى هنا مقابل الأخرى(٤).
وقال الزمخشري: يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهليةَ الكفر قبل الإسلام،
والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى: ولا تُحْدِثْنَ
بالتبُّجِ جاهليةً في الإسلام، تتشبَّهْنَ بها بأهل جاهلية الكفر(٥).
وقال ابن عطية: الذي يظهر عندي أنَّ الجاهلية الأولى إشارةٌ إلى الجاهلية التي
(١) جمع عُكْنَة، وهي الطيُّ الذي في البطن من السِّمن. الصحاح (عكن).
(٢) الخِذْن: الصاحب، وجاء في المصادر نقلاً عن المبرد: وخِلْمها، وهو بمعنى الصاحب
أيضاً. ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٣، والنكت والعيون للماوردي ٤٠٠/٤، والبحر
٢٣١/٧.
(٣) في معاني القرآن ٢٢٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٢٣١.
(٤) ذكره أبو حيان في البحر ٢٣١/٧ بلفظ: وقال عمر لابن عباس: وهل كانت الجاهليةُ
إلا واحدة؟ فقال ابن عباس: وهل كانت الأولى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله درك يا ابن
عباس!
(٥) الكشاف ٢٦٠/٣.

الآية : ٣٣
٢٨٩
سُورَةُ الإِخْزَاءُ
تخصُّهنَّ، فأُمِرْنَ بالتُّقْلةِ عن سيرتهنَّ فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر
وقلَّة الغيرة ونحو ذلك(١).
وفي حديث أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذيُّ أنه ◌َّ﴿ قال لأبي ذرِّ، وكان
قد عيَّر رجلاً أمُّه أعجميةٌ فشكاه إلى رسول الله وَّهِ: ((يا أبا ذرِّ إنك امرؤٌ فيك
جاهلية))(٢)، وفسَّرها ابن الأثير بالحالة التي عليها العرب قبل الإسلام من الجهل
بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب،
والكِبْرِ والتجُّرِ وغيرِ ذلك(٣)، والله تعالى أعلم.
وتمسّك الرافضة في طعن أمِّ المؤمنين عائشةَ ﴿ُّ - وحاشاها من كلِّ
طعنٍ - بخروجها من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة، وهناك وقعت وقعةُ
الجمل، بهذه الآية قالوا: إنَّ الله تعالى أمر نساء النبيِّ وَّهِ وهي منهنَّ بالسكون في
البيوت، ونهاهنَّ عن الخروج، وهي بذلك قد خالفت أمر الله تعالى ونَهْيَه عز
وجل.
وأجيب بأنَّ الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي عن الخروج ليس مطلقاً،
وإلا لَمَا أخرجهنَّ وَّهِ بعد نزول الآية للحجِّ والعمرة، ولما ذهب بهنَّ في الغزوات،
ولما رخّصهنَّ لزيارة الوالدين وعيادةِ المرضى وتعزيةِ الأقارب، وقد وقع كلُّ ذلك
كما تشهد به الأخبار، وقد صحَّ أنَّهنَّ كلهنَّ كنَّ يحججنَ بعد وفاة رسول الله وَه
إلا سودة بنت زمعة - وفي رواية عند(٤) أحمد عن أبي هريرة: إلا زينب بنت جحش
وسودةً(٥) - ولم ينكر عليهنَّ أحدٌ من الصحابة ﴿ه، الأميرُ كرم الله تعالى وجهه
وغيرُه، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لهنَّ بعد نزول
الآية: (أُذِنَ لكنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ))(٦) فعُلم أنَّ المراد الأمرُ بالاستقرار الذي
(١) المحرر الوجيز ٣٨٤/٤، وفيه: لحقنها، بدل: تخصهن.
(٢) صحيح البخاري (٣٠)، وصحيح مسلم (١٦٦١)، وسنن أبي داود (٥١٥٧)، وهو عند
أحمد (٢١٤٣٢).
(٣) النهاية (جهل).
(٤) في (م): عن.
(٥) مسند أحمد (٢٦٧٥١).
(٦) أخرجه البخاري (٤٧٩٥)، ومسلم (٢١٧٠) من حديث عائشة

سُورَةُ الأَجْزَانِ
٢٩٠
الآية : ٣٣
يحصل به وقارُهنَّ وامتيازُهن على سائر النساء، بأنْ يلازِمْنَ البيوت في أغلب
أوقاتهنَّ، ولا يكنَّ خرَّاجاتٍ ولَّاجاتٍ طوَّافاتٍ في الطرق والأسواق وبيوتِ الناس،
وهذا لا ينافي خروجهنَّ للحج أو لِمَا فيه مصلحةٌ دينيةٌ مع التستُر وعدم الابتذال.
وعائشةُ رِّ إنما خرجت من بيتها إلى مكة للحجِّ، وخرجت معها لذلك أيضاً
أُّ سلمة ﴿ّا، وهي وكذا صفية مقبولةٌ عند الشيعة، لكنها لمَّا سمعت بقتل
عثمان ◌ُه وانحيازٍ قَتَلتِه إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه حزنت حزناً شديداً،
واستشعرت اختلال أمر المسلمين، وحصولَ الفساد والفتنة فيما بينهم، وبينما هي
كذلك جاءها طلحةٌ والزبير ونعمان بن بشير وكعب بن عجرة في آخرين من
الصحابة ، هاربين من المدينة، خائفين من قتلة عثمان ﴿ لما أنهم أظهروا
المباهاة بفعلهم القبيح، وأعلنوا بسبِّ عثمان، فضاقت قلوبُ أولئك الكرام،
وجعلوا يستقبحون ما وقع ويشتِّعون على أولئك السّفلة، ويلومونهم على ذلك الفعل
الأشنع، فصح عندهم عزمُهم على إلحاقهم بعثمان ◌َبه، وعلموا أنْ لا قدرةَ لهم
على منعهم إذا همُّوا بذلك، فخرجوا إلى مكة ولاذوا بأمِّ المؤمنين، وأخبروها
الخبر فقالت لهم: أرى الصلاح أن لا ترجعوا إلى المدينة مادام أولئك السفلة فيها
محيطين بمجلس الأمير عليٍّ كرم الله تعالى وجهه غيرَ قادرٍ على القصاص منهم أو
طَرْدِهم، فأقيموا ببلدٍ تأمنون فيه، وانتظروا انتظامَ أمور أمير المؤمنين عظُه وقوةً
شوكته، واسْعَوْا في تفرُّقهم عنه، وإعانتهِ على الانتقام منهم ليكونوا عبرةً لمن
بعدهم. فارتضوا ذلك واستحسنوه، فاختاروا البصرةَ لِمَا أنها كانت إذ ذاك مجمعاً
الجنود المسلمين، ورجَّحوها على غيرها، وألحُّوا على أمِّهم ◌َّنا أن تكون معهم
إلى أن ترتفع الفتنة ويحصلَ الأمن وتنتظمَ أمور الخلافة، وأرادوا بذلك زيادةً
احترامهم وقوةً أمنيتهم؛ لما أنها أمُّ المؤمنين، والزوجُ المحترمةُ غايةَ الاحترام
لرسول الله وَّله، وأنها كانت أحبَّ أزواجه إليه، وأكثرَهنَّ قبولاً عنده، وبنتَ خليفته
الأول ◌َّهِ، فسارت معهم بقَصْدِ الإصلاح وانتظامِ الأمور وحِفْظِ عدَّةِ نفوسٍ من
كبار الصحابة ﴿ه، وكان معها ابنُ أختها عبد الله بن الزبير وغيرُه من أبناء أخواتها
أمّ كلثوم زوجٍ طلحة، وأسماءَ زوجٍ الزبير، بل كلُّ مَن معها بمنزلةِ الأبناء في
المحرميَّة، وكانت في هودج من حدید.

الآية : ٣٣
٢٩١
سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ
فبلَّغ الأميرَ كرم الله تعالى وجهه خبرَ التوجُّه إلى البصرة أولئك القتلةُ السفلة على
غير وجهه، وحملوه على أن يخرج إليهم ويعاقبهم، وأشار عليه الحسن والحسين
وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس ﴿ه بعدم الخروج واللبثِ إلى أن يتّضح
الحال، فأبى ربه ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فخرج كرم الله تعالى وجهه ومعه
أولئك الأشرار أهلُ الفتنة، فلمَّا وصلوا قريباً من البصرة أرسلوا القعقاع إلى أمّ
المؤمنين وطلحة والزبيرِ ليتعرَّفَ مقاصدهم ويَعْرِضها على الأمير ◌ُه وكرم الله
وجهه، فجاء القعقاع إلى أمِّ المؤمنين فقال: يا أمَّاه ما أَشْخَصَكِ وأَقْدَمَكِ هذه
البلدة؟ فقالت: أيْ بني، الإصلاحُ بين الناس. ثم بعثتْ إلى طلحة والزبير، فقال
القعقاع: أخبراني بوجه الصلاح. قالا: إقامةُ الحدِّ على قتلة عثمان، وتطييبُ قلوب
أوليائه، فيكون ذلك سبباً لأمننا وعبرةً لمن بعدهم. فقال القعقاع: هذا لا يكونُ
إلا بعد اتّفاق كلمة المسلمين وسكونِ الفتنة، فعليكما بالمسالمة في هذه الساعة.
فقالا: أَصْبْتَ وأحسنتَ. فرجع إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه فأخبره بذلك، فسُرَّ
به واستبشر، وأشرف القومُ على الرجوع، ولبثوا ثلاثةَ أيام لا يشكُّون في الصلح.
فلما غشيتهم ليلةُ اليوم الرابع، وقرَّرت الرسل والوسائط في البين أن يُظْهِروا
المصالحة صبيحةً هذه الليلة، ويلاقيَ الأمير كرم الله وجهه طلحةً والزبيرَ رهـ
وأولئك القتلةُ ليسوا حاضرين معه، وتحقَّقوا ذلك، ثقل عليهم واضطربوا وضاقت
عليهم الأرض بما رحبت، فتشاوروا فيما بينهم أن يُغيْروا على مَن كان مع عائشة
من المسلمين ليظنُّوا الغدر من الأمير كرم الله تعالى وجهه، فيهجموا على عسكره
فيظلُّوا بهم أنهم هم الذين غدروا، فينشب القتال، ففعلوا ذلك، فهجم مَن كان مع
عائشة على عسكر الأمير وصرخ أولئك القتلةُ بالغدر، فالتَحَم القتال وركب الأمير
متعجِّباً، فرأى الوطيس قد حمي والرجالَ قد سبحت بالدماء، فلم يسعه .
إلا الاشتغال بالحرب والطعن والضرب.
وقد نقل الواقعة كما سمعتَ الطبريُ(١) وجماهير ثقات المؤرِّخين، ورَوَوْها
كذلك من طرقٍ متعدِّدةٍ عن الحسن وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس، وما وراء
ذلك مما رواه الشيعةُ عن أسلافهم قتلةٍ عثمان مما لا يُلتفت له.
(١) في تاريخه ٤٨٨/٤ وما بعدها.

سُؤَةُ الأَجْزَاءُ
٢٩٢
الآية : ٣٣
ويدلُّ على تغلُّب القَتَّلة وقوَّةٍ شوكتهم ما في ((نهج البلاغة)) المقبول عند الشيعة
من أنه قال للأمير كرم الله تعالى وجهه بعضُ أصحابه: لو عاقبتَ قوماً أجلبوا على
عثمان. فقال: يا إخوتاه، إنِّي لستُ أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بهم
والمجلبون على شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم؟ وها هم هؤلاء قد ثارت معهم
عُبْدانُكم والتَفَّتْ إليهم أعرابُكم، وهم خلالَكُم يسومونكم ما شاؤوا.
فحيث كان الخروج أولاً للحج ومعها من محارمها مَن معها، ولم يكن الأمر
بالاستقرار في البيوت يتضمَّنُ النهي عن مثله، لم يتوجَّه الطعنُ به أصلاً، وكذا المسير
إلى البصرة لذلك (١) القصد فإنه ليس أَدْونَ من سفرٍ حجِّ النفل، وما ترتَّب عليه لم يكن
في حسابها، ولم يمرَّ ببالها ترتُبُه عليه، ولهذا لمَّا وقع ما وقع وترتَّب ما ترتَّب ندمت
غاية الندم، فقد روي أنها كلَّما كانت تذكر يوم الجمل تبكي حتى يبتلَّ معجرها .
بل أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد (الزهد)) وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن
سعد عن مسروق قال: كانت عائشة ﴿ُّ إذا قرأت: (وَقَرْنَ فِى بُوتِكُنَّ) بكت حتى
تبلَّ خمارها(٢). وما ذاك إلا لأنَّ قراءتها تذكِّرها الواقعةَ التي قُتل فيها كثيرٌ من
المسلمین .
وهذا كما أنَّ الأمير كرم الله تعالى وجهه أحزنه ذلك، فقد صحَّ أنه ◌َُّه لمّا
وقع الانهزامُ على مَن مع أمِّ المؤمنين، وقُتل مَن قُتل من الجمعين، طاف في مقتل
القتلى فكان يضربُ على فخذيه ويقول: يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّاً.
وليس بكاؤها عند قراءة الآية لعِلْمِها بأنها أخطأت في فَهْم معناها، أو أنها
نسيتْها يوم خرجت كما توهِّم، وقال في ذلك مستهزئاً كاظم الأزدي(٣) البغدادي من
(١) في الأصل: بذلك.
(٢) الدر المنثور ١٩٦/٥، وهو في الزهد لأحمد ص ٢٠٥ من طريق الأعمش عن أبي الضحى،
وفي طبقات ابن سعد ٨١/٨ من طريق الأعمش عن عمار بن عمير، كلاهما قال: حدثني
مَن سمع عائشة إذا قرأت هذه الآية: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى ....
(٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في الأعلام ٣١٥/٥: الأزري، وقال في ترجمته: كاظم بن
محمد بن مراد بن مهدي الوائلي البغدادي الشهير بالأزري، يقال له: شاعر أهل البيت،
توفي سنة (١٢١١هـ).

الآية : ٣٣
٢٩٣
سِوَرَةُ الأَجْزَابِ
متأخِّري شعراء الرافضة من قصيدةٍ طويلةٍ كَفَر بعدَّة مواضعَ فيها :
ومن الذكر آية تنساها
حفظتْ أربعين ألف حديثٍ
نعم قد ينضمُّ لِمَا ذكرناه في سبب البكاء أنَّ النبيَّ نَِّ قال يوماً لأزواجه
المطهَّرات وفيهنَّ عائشة: ((كأني بإحداكنَّ تنبحُها كلابُ الحواب)»(١). وفي بعض
الروايات الغير المعتّبَرةِ عند أهل السنَّة بزيادة: ((فإياكِ أن تكوني يا حميراء)»(٢). ولم
تكن سألت قبل المسير عن الحواب: هل هو واقع في طريقها أم لا؟ حتى نبحتها
في أثناء المسير كلابٌ عند ماءٍ، فقالت لمحمد بن طلحة: ما اسم هذا الماء؟
فقال: يقولون له: حواب. فقالت: أرجعوني، وذكرت الحديثَ، وامتنعت عن
المسير وقصدت الرجوعَ، فلم يوافقها أكثر من معها، ووقع التشاجُر حتى شهد
مروان بن الحكم مع نحوٍ من ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية بأنَّ هذا الماء
ماءٌ آخَرُ وليس هو حواباً، فمضت لشأنها بسبب ذلك وتعذَّرِ الرجوع ووقوعِ الأمر،
فكأنها ◌َؤُها رأت سكوتها عن السؤال وتحقيقِ الحال قبل المسير تقصيراً منها، وذنباً
بالنسبة إلى مقامها، فبكت له ولِمَا تقدَّم.
وما زعمته الشيعة من أنها ﴿ُّا كانت هي التي تحرِّض الناس على قتل عثمان،
وتقول: اقتلوا نعثلاً فقد فجر! تشبِّهه بيهوديٍّ يُدْعَى نعثلاً(٣)، حتى إذا قتل وبايع
الناس عليّاً قالت: ما أبالي أن تقع السماء على الأرض، قُتل والله مظلوماً وأنا طالبةٌ
بدمه. فذكّرها عبيد(٤) بما كانت تقول، فقالت: قد واللهِ قلتُ وقال الناس، فأنشد:
(١) أخرجه أحمد (٢٤٢٥٤)، وابن حبان (٦٧٣٢) من حديث عائشة ◌ًا، ولفظه: ((كيف
بإحداكن ... )).
(٢) أخرج هذه الرواية الحاكم ١١٩/٣ من حديث أم سلمة رؤًا وصححها، ولفظها: ذكر
النبي ◌َل خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: ((انظري يا حميراء أن
لا تكوني أنت)). قال ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٩/٩: هذا حديث غريب جداً. اهـ.
وفي إسناده عمار الدهني، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يتشيع.
(٣) وفي غريب الحديث لأبي عبيد ٤٢٦/٣ نقلاً عن الكلبي أن نعثلاً هذا رجل من أهل مصر
طويل اللحية، فكان عثمان به إذا نيل منه وعيب شبه بهذا الرجل لطول لحيته، لم يكونوا
يجدون عيباً غير هذا.
(٤) هو ابن أمِّ كلاب، واسمه عبيد بن أبي سلمة من أخوال عائشة من بني ليث. الكامل لابن
الأثير ٢٠٦/٣.

سُوَةُ الأَجْزَابِ
٢٩٤
الآية : ٣٣
ومنكِ الرياح ومنكِ المطر
فمنكِ البَداءُ ومنكِ الغِيَرْ
وقلتِ لنا إنه قد فَجّر
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمام
كذبٌ لا أصل له، وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفيّ(١)
والسمساطيّ، وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء(٢).
ومثلُ ذلك في الكذب زَعْمُهم أنها ◌َّا ما خرجت وسارت إلى البصرة
إلا لبغضٍ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فإنها لم تزل تروي مناقبه وفضائله؛ ومن ذلك
ما رواه الديلميُّ أنها قالت: قال رسول الله وَّر: ((حبُّ عليٍّ عبادة)](٣).
وقالت بعد وقوع ما وقع: والله لم يكن بيني وبين عليٍّ إلا ما يكون بين المرأة
وأحمائها .
وقد أكرمها عليٍّ كرم الله وجهه وأحسن مثواها وبالغ في احترامها، وردّها إلى
المدينة ومعها جماعةٌ من نساء أعيان البصرة عزيزةً كريمة، وهذا مما يُردُّ به على
الرافضة الزاعمين كفرَها - وحاشاها - بما فعلت.
وما روي عن الأحنف بن قيس من أنَّ عليّاً كرم الله وجهه لمَّا ظهر على أهل
الجمل أرسل إلى عائشة: أن ارجعي إلى المدينة. فأبَتْ، فأعاد إليها الرسول وأمره
أن يقول لها: والله لترجِعِنَّ أو لأبعثن إليك نسوةً من بكر بن وائل معهنَّ شفارٌ حدادٌ
يأخُذْنَكِ بها. فلما رأت ذلك خرجت = لا يعوَّل عليه وإن قيل: إنه رواه أبو بكر بن
أبي شيبة في ((المصنف))(٤)؛ لمخالفته لِمَا رواه الأوثقُ حتى كاد يبلغ مبلغَ التواتُرِ.
(١) أحمد بن أعثم الكوفي الأخباري، أبو محمد المؤرخ الشيعي، قال ياقوت: هو عند أصحاب
الحديث ضعيف، له كتاب المألوف وكتاب الفتوح ذكر فيه إلى أيام الرشيد. وله التاريخ إلى
أيام المقتدر ابتدأه بأيام المأمون. معجم الأدباء ٢/ ٢٣٠، والوافي بالوفيات ٢٥٦/٦.
(٢) في الأصل: لعنهم الله تعالى.
(٣) الفردوس بمأثور الخطاب ٢٤٤/٢ بلفظ: ((ذكر عليَّ عبادة)). وذكره السيوطي في الجامع
الصغير كما في فيض القدير ٣/ ٥٦٥، ورمز لضعفه، وقال المناوي: وفيه الحسن بن صابر،
قال الذهبي: قال ابن حبان: منكر الحديث. اهـ. وذكره الحافظ ابن حجر في اللسان ٢٤٢/١
بلفظ: ((النظر إلى عليّ عبادة))، وهو حديث باطل كما ذكر الحافظ.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٨٤.

الآية : ٣٣
٢٩٥
سُؤَدَّةُ الأَجْزَاءِ
هذا ولا يعكِّر على القول بجواز الخروج للحجِّ ونحوه ما أخرجه عبد بن حميد
وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: ثبتَ أنه قيل لسودة ◌ٌّ زوج النبيِّ وَّر:
ما لَكِ لا تحجِّين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتُك؟ فقالت: قد حجَجْتُ واعتمرتُ،
وأمرني الله تعالى أن أقرَّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت. قال: فوالله
ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها (١) = لأن ذلك مبنيٌّ على
اجتهادها، كما أنَّ خروج الأخوات مبنيٌّ على اجتهادهنَّ.
نعم أخرج أحمد عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ بَّيِ قال لنسائه عام حجة الوداع:
(هذه ثم لزومَ الحُصُر)) قال: فكان كلَّهن يحجُجْنَ إلا زينب بنت جحش وسودة بنت
زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحرِّكنا دابةٌ بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله وَّةٍ(٢).
والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ((هذه)) إلخ: إنكنَّ لا تَعُدْنَ تخرجْنَ بعد هذه
الحجة من بيوتكن وتلزَمْنَ الحُصُر، وهو جمع حصير الذي يبسط في البيوت من
القصب، وتُضم الصاد وتسكَّن تخفيفاً، وهو في معنى النهي عن الخروج للحجِّ،
فلا يتمُّ ما ذكر أولاً، ويُشْكِلُ خروجُ سائر الأزواج لذلك.
وأجيب بأنَّ الخبر ليس نصّاً في النهي عن الخروج للحجِّ بعد تلك الحجة،
وإلا لما خرج له سائرُ الأزواج الطاهرات من غير نكيرِ أحدٍ من الصحابة
عليهنَّ، بل جاء أنَّ عمر رَُّه أرسلهنَّ للحجِّ في عهده، وجَعَل معهنَّ عثمان
وعبد الرحمن بن عوف، وقال لهما: إنكما ولدان بارَّان لهنَّ، فليَكُنْ أحدُكما قدَّامَ
مراكبهنَّ والآخرُ خلفها(٣). ولم ينكر أحدٌ، فكان إجماعاً سكوتيّاً على الجواز.
فكأنَّ زينب وسودةَ فَهِمتا من الخبر: قُضيت هذه الحجة أو أُبيحت، لكنْ هذه
الحجة بخصوصها، ثم الواجبُ بعدها عليكنَّ لزومُ البيوت، فلم يحجًا بعدُ لذلك.
وغيرهما فهم منه: المناسبُ لَكُنَّ أو اللائقُ بكنَّ هذه الحجة، أي: جنسها، أو هذه
الحالة من السفر للحجّ، أو لأمرٍ دينيٍّ مهمٌّ، ثم بعد الفراغ المناسبُ أو اللائقُ لزومُ
البيوت، فيكون مفاده إباحةَ الخروج لذلك.
(١) الدر المنثور ١٩٦/٥.
(٢) مسند أحمد (٢٦٧٥١)، وإسناده حسن، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٣) لم نقف عليه.
.

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٢٩٦
الآية : ٣٣
ومَن أنصف لا يكاد يقول بإفادة الخبر الأمرَ بلزوم البيوت، والنهيَ عن الخروج
منها مطلقاً بعد تلك الحجة بخصوصها، فإنَّ النبيَّ ◌َّ مرض في بيت عائشةَ ﴿ُنا،
وبقي مريضاً فيه حتى تُوفِّي عليه الصلاة والسلام، ولا يكاد يَشكُّ أحدٌ في خروج
سائرهنَّ لعيادته، أو يَتصوَّر استقرارَهنَّ في بيوتهنَّ غير بالِّين شوقهنَّ برؤية طَلْعتِه
الشريفة حتى توفِّي وَّ﴾، فإنَّ مثل ذلك لا يفعله أقلُّ النساء حبّاً لأزواجهنَّ الذين
لا قَدْرَ لهم، فكيف يفعله الأزواج الطاهرات مع رسول الله بِّه وهو هو، وحبُّهنَّ له
حبُّهنّ؟
ثم إنَّ الجواب المذكور إنما يُحتاج إليه بعد تسليم صحة الخبر، ويَحتاجُ الجزم
بصحّته إلى تنقيرٍ ومراجعة، فلينقَّر وليراجَعْ، والله تعالى أعلم.
﴿وَقِّمْنَ الضَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ﴾ أُمِرْن بهما لإنافتهما على غيرهما، وكونهما
أساس العبادات البدنية والمالية.
﴿وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهٌ﴾ أي: في كلِّ ما تأتينَ وتَذَرْنَ، لاسيما فيما أُمِرْتُنَّ به
ونُهِيتُنَّ عنه.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنَكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ آلْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا
استئنافٌ بيانيٌّ مفيدٌ تعليلَ أَمْرِهنَّ ونَهْيهِنَّ، والرجسُ في الأصل: الشيءُ القذر،
وأُرِيدَ به هنا عند كثيرٍ الذنبُ مجازاً. وقال السدِّيُّ: الإثم. وقال الزجَّاج:
الفسق(١). وقال ابن زيد: الشيطان. وقال الحسن: الشرك. وقيل: الشك، وقيل:
البخل والطمع. وقيل: الأهواء والبدع. وقيل: إنَّ الرجس يقع على الإثم، وعلى
العذاب، وعلى النجاسة، وعلى النقائص، والمرادُ به هنا ما يعمُّ كلَّ ذلك.
ولا يَخْفَى عليك ما في بعض هذه الأقوال من الضعف. و((أل)) فيه للجنس أو
للاستغراق، والمراد بالتطهير قيل: التحلية بالتقوى، والمعنى على ما قيل:
إنما يريد الله ليذهب عنكم الذنوب والمعاصي فيما نهاكم، ويحلِّيُكم بالتقوى تحليةً
بليغةً فيما أمركم.
(١) البحر ٢٣١/٧، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٢٦/٤ هو: الرجس في اللغة كلُّ مستنكّرٍ
مستقذَرٍ من مأكول أو عمل أو فاحشة.

الآية : ٣٣
٢٩٧
سُورَةُ الأَخْزَابِ
وجوِّز أن يراد به الصَّوْنُ، والمعنى: إنما يريد سبحانه ليذهب عنكم الرجسَ
ويصونكم من المعاصي صوناً بليغاً فيما أمر ونهى جل شأنه.
واختلف في لام ((ليذهب)) فقيل: زائدة، وما بعدها في موضع المفعول به
لـ ((يريد))، فكأنه قيل: يريد الله إذهابَ الرجس عنكم وتطهيرَكم.
وقيل: للتعليل؛ ثم اختلف هؤلاء:
فقيل: المفعول محذوفٌ أي: إنما يريد الله أمرَكم ونَهْيَكم ليُذْهِبَ، أو:
إنما يريد منكم ما يريدُ ليُذْهِبَ، أو نحو ذلك.
وقال الخليل وسيبويه ومَن تابعهما: الفعلُ في ذلك مقدَّرٌ بمصدرٍ مرفوع
بالابتداء، واللامُ وما بعدها خبرٌ، أي: إنما إرادةُ الله تعالى للإذهاب، على حدٍّ
ما قيل في: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه (١)، فلا مفعولَ للفعل.
وقال الطبرسي: اللام متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: وإرادته ليذهب(٢). وهو
كما ترى.
وهذا الذي ذكروه جارٍ في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]
﴿وَأُمْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] وقول الشاعر:
تمثَّلُ لي ليلى بكلِّ مكان (٣)
أريدُ لأنسى ذكرَها فكأنما
ونصب ((أهل)) على النداء، وجوِّز أن يكون على المدح فيقدَّر: أمدحُ أو أعني،
وأن يكون على الاختصاص وهو قليلٌ في المخاطب، ومنه: بك اللهَ نرجو الفضلَ،
وأكثر ما يكون في المتكلِّم كقوله:
نحن بناتِ طارق
نمشي على النمارق(٤)
(١) سلف ٥/ ٤٦٢ و٤٣٧/٢٠.
(٢) مجمع البيان ١٣٥/٢٢ .
(٣) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص ٢٧٦ برواية :... بكلِّ سبيل، وسلف ٨٢/٧.
(٤) البيت لهند بنت عتبة، وهو في طبقات ابن سعد ٤٠/٢، والصحاح (طرق)، والمغني
ص٥٠٧، وورد ضمن حديث للزبير طلبه في مسند البزار (٩٧٩). وطارق هو النجم الذي
يقال له: كوكب الصبح، أي: إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. قاله الجوهري.

سُورَةُ الأَجْزَاب
٢٩٨
الآية : ٣٣
و((أل)) في ((البيت)) للعهد. وقيل: عوضٌ عن المضاف إليه، أي: بيت
النبيِّ ◌َّ﴾. والظاهر أن المراد به بيت الطين والخشب، لا بيتُ القرابة والنسب،
وهو بيتُ السكنى لا المسجدُ النبويُّ كما قيل، وحينئذ فالمراد بأهله نساؤه وَلّ
المطهّرات؛ للقرائن الدالة على ذلك من الآيات السابقة واللاحقة، مع أنه عليه
الصلاة والسلام ليس له بيت يسكنه سوى سكناهنَّ، ورُوي ذلك عن(١) غير واحد؛
أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس رضيًا: نزلت:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ) إلخ في نساء النبيِّ وَِّ خاصةً (٢). وأخرج ابن مردويه من طريق ابن
جبير عنه ذلك بدون لفظٍ خاصة(٣).
وقال عكرمة: مَن شاء باهلتُه، إنها نزلت في أزواج النبيِّ وَّرِ.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة أنه قال في الآية: ليس بالذي تذهبون
إليه، إنما هو نساء النبيِّ ◌َلَّ(٤).
ورَوَى ابن جرير أيضاً أنَّ عكرمة كان ينادي في السوق: إنَّ قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) نزل في نساء النبي عليه الصلاة والسلام(٥) .
وأخرج ابن سعد عن عروة: (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) قال: يعني
أزواج النبيِّ ◌َلِيَ(٦).
وتوحيدُ البيت لأنَّ بيوت الأزواج المطهَّرات باعتبار الإضافة إلى النبيِّ وَّهِ بيتٌ
واحدٌ، وجمعُه فيما سبق ولحق باعتبار الإضافة إلى الأزواج المطهَّرات اللاتي كنَّ
متعدِّداتٍ، وجمعُه في قوله سبحانه الآتي إن شاء الله تعالى: (يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا
نَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) دفعاً لتوهُم إرادة بيتٍ زينب لو أُفرد، من
حيث إن سبب النزول أمرٌ وقع فيه كما ستطّلع عليه إن شاء الله تعالى.
(١) قوله: عن، ليس في (م).
(٢) الدر المنثور ١٩٨/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ١٥٠/٦٩.
(٣) الدر المنثور ١٩٨/٥.
(٤) الدر المنثور ١٩٨/٥، وسيأتي تخريجه من تفسير الطبري.
(٥) تفسير الطبري ١٠٧/١٩-١٠٨.
(٦) طبقات ابن سعد ١٩٩/٨.

الآية : ٣٣
٢٩٩
سُورَةُ الأَخْتَابِ
وأورد ضميرُ جمع المذكر في ((عنكم)) و((يطهركم)) رعايةً للفظ الأهل، والعرب
كثيراً ما يستعملون صيغ المذكر في مثل ذلك رعايةً للَّفظ، وهذا كقوله تعالى خطاباً
السارة امرأة الخليل عليهما السلام: ﴿أَتَعْجِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ، عَلَيْكُمْ
أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ، حَمِيدٌ نَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، ومنه على ما قيل قوله سبحانه: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ
آمْكُنُواْ إِنَّ مَانَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] خطاباً من موسى عليه السلام لامرأته. ولعل اعتبار
التذكير هنا أدخلُ في التعظيم.
وقيل: المراد هو رَّ﴿ ونساؤه المطهّرات رضي الله عنهنَّ، وضميرُ جمع المذكَّر
لتغليبه عليه الصلاة والسلام عليهن.
وقيل: المراد بالبيت بيتُ النسب، ولذا أُفرد ولم يُجمع كما في السابق
واللاحق، فقد أخرج الحكيم الترمذيُّ والطبرانيُّ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقيُّ
معاً في (الدلائل)) عن ابن عباس ﴿ه قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ الله تعالى قَسَم
الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْخَبُ الْيَمِينِ﴾
[الواقعة: ٢٧] ﴿وَأَصْحَبُ الشِمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فأنا من أصحاب اليمين وأنا خيرُ
أصحاب اليمين، ثم جَعَلَ القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله
وَأَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ مَا أَصْحَبُ المَشْشَمَةِ
تعالى: ﴿فَأَصْحَبُ اٌلْعَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَّةِ
وَالسَّشِقُونَ السَِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٨-١٠] فأنا من السابقين وأنا خيرُ السابقين، ثم جَعَل
الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلةً، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتقى ولدِ آدم وأكرمُهم
على الله تعالى ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله
تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا) فأنا وأهلُ
بيتي مطهّرون من الذنوب))(١)، فإنَّ المتبادر من ((البيت)) الذي هو قِسْمٌ من القبيلة
البيتُ النَّسَبي.
واختلف في المراد بأهله؛ فذهب الثعلبيُّ إلى أنَّ المراد بهم جميعُ بني هاشم
(١) نوادر الأصول ص ٩٥، والمعجم الكبير (٢٦٧٤)، ودلائل النبوة للبيهقي ١٧٠/١،
وعزاه لابن مردويه وأبي نعيم السيوطي في الدر ١٩٩/٥. قال أبو حاتم كما في العلل
لابنه ٣٩٥/٢: هذا حديث باطل.

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٣٠٠
الآية : ٣٣
ذكورِهم وإناثهم(١). والظاهر أنه أراد مؤمني بني هاشم، وهذا هو المراد بالآل عند
الحنفية. وقال بعض الشافعية: المراد بهم آلُّه ◌َ طر الذين هم مؤمنو بني هاشم
والمطلب.
وذكر الراغب أنَّ أهل البيت تُعورف في أسرة النبيِّ وَّرِ مطلقاً (٢). وأسرةُ الرجل
على ما في ((القاموس)): رَهْطُه، أي: قومه وقبيلتُه الأَدْنَوْنَ(٣)، وقال في موضع
آخر: صار أهل البيت متعارفاً في آله عليه الصلاة والسلام(٤).
وصحَّ عن زيد بن أرقم في حديث أخرجه مسلم أنه قيل له: مَن أهلُ بيته،
نساؤه وَّه؟ فقال: لا وايْمُ الله، إن المرأة تكون مع الرجل العَصْرَ من الدَّهر، ثم يطلِّقُها
فترجعُ إلى أبيها وقومِها، أهلُ بيته أصلُه وعصبته الذين حُرِموا الصدقة بعده ◌ََّ(٥).
وفي آخَرَ أخرجه هو أيضاً مبيِّنٍ هؤلاء الذين حُرِموا الصدقة أنه قال: هم
آلُ عليٍّ، وآلُ عقيلٍ، وآلُ جعفر، وآلُ عباس(٦).
وقال بعض الشيعة: ((أهل البيت)) سواءٌ أُريدَ به بيتُ المَدَر والخشب أم بيتُ
القرابة والنسب عامٌّ، أما عمومُه على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأنه يشمل
الإماء والخدم، فإنَّ البيت المَدَريَّ يسكنُه هؤلاء أيضاً.
وقد صحَّ ما يدلُّ على أنَّ العموم غيرُ مرادٍ؛ أخرج الترمذيُّ والحاكم
وصححاه، وابنُ جرير وابنُ المنذر وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((سننه)) من طرقٍ عن
أم سلمة ﴿ُّ قالت: في بيتي نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ) وفي البيت فاطمةُ وعليٍّ والحسن والحسين، فجلَّلهم رسول الله وَلَّهِ بكساءِ
كان عليه، ثم قال: ((هؤلاء أهل بيتي، فأذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيراً))(٧).
(١) ينظر تفسير الثعلبي ٨/ ٤٤.
(٢) مفردات الراغب (أهل).
(٣) القاموس (أسر)، وفيه: الأُسرة من الرجل: الرهط الأَذْنَون.
(٤) مفردات الراغب (بيت).
(٥) صحيح مسلم (٢٤٠٨): (٣٧).
(٦) صحيح مسلم (٢٤٠٨): (٣٦).
(٧) سنن الترمذي (٣٨٧١)، والمستدرك ٤١٦/٢، وتفسير الطبري ١٠٣/١٩-١٠٧، وسنن
=