Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ١٤ ٢٢١ سُورَةُ الأَجْرَانِ على نحو ما قيل [في] (١) قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصّلت: ٤٦]. والواو فيه للحال، أي: يقولون ذلك والحالُ أنها ليست كذلك. ﴿إِن يُرِيدُونَ﴾ أي: ما يريدون بالاستئذان ﴿إِلَّ فِرَارًا ﴾ أي: هرباً من القتال ونصرةِ المؤمنين؛ قاله جماعةٌ. وقيل: فراراً من الدِّين. ﴿وَلَوْ دُيَِتْ﴾ أي: البيوت كما هو الظاهرُ ﴿عَتِهِم﴾ أي: على هؤلاء القائلين، وأُسنِدَ الدخولُ إلى بيوتهم وأُوْقِعَ عليهم لِمَا أنَّ المراد فرضُ دخولها وهم فيها، لا فرضُ دخولها مطلقاً كما هو المفهومُ لو لم يُذكر الجارُّ والمجرور، ولا فرضُ الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجارِّ والمجرور، وفاعلٌ الدخول الداخلُ من أهل الفساد مَن كان، أي: لو دخل كلُّ مَن أراد الدخول من أهل الدعارة والفساد بيوتَهم وهم فيها . ﴿مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ جمع: قُظْر، بمعنى الناحية والجانب، ويقال: قتر بالتاء لغة فيه، أي: من جميع جوانبها، وذلك بأن تكون مختلَّةً بالكلِّية، وهذا داخلٌ في المفروض فلا يخالفُ قولَه تعالى: (وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ). ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: طُلب منهم من جهة طائفةٍ أخرى عند تلك النازلة والرجفةِ الهائلة ﴿اَلْفِتْنَةَ﴾ أي: القتالَ كما قال الضحاك ﴿لَنَّهَا﴾ أي: لأعطوها أولئك السائلين، كأنه شبَّه الفتنة المطلوبَ اتِّباعُهم فيها بأمرٍ نفيسٍ يُطلب منهم بذلُه، ونزَّل إطاعتهم واتِّباعهم بمنزلةٍ بَذْلِ ما سُئِلوه وإعطائه. وقرأ نافعٌ وابن كثير: ((لأتوها)) بالقصر(٢)، أي: لفعلوها. ﴿وَمَا تَلَئُواْ بِهَا﴾ أي: بالفتنة، والباء للتعدية، أي: ما لبثوها وما أخّروها ﴿إِلَّا يَسِيرًا ﴾﴾ أي: إلا تلبُّئاً يسيراً، أو: إلا زماناً يسيراً، وهو مقدارُ ما يأخذون فيه سلاحَهم على ما قيل. وقيل: مقدار ما يُجيبون السؤال فيه. وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشدِّ حالٍ وأعظمٍ بلبالٍ الأسرعوا جدّاً، فضلاً عن التعلَّل باختلالِ البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن. (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٨/٢. سُوَّةُ الأَخْزَارِ ٢٢٢ الآية : ١٤ والحاصل أنَّ طلبهم الإذنَ في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وکراهتهم نصرتك. وقال ابن عطية(١): المعنى: ولو دُخلت المدينةُ من أقطارها واشتدَّ الحرب(٢) الحقيقيُّ ثم سئلوا الفتنةَ والحربَ لمحمدٍ ◌ّوَ لطاروا إليها ولم يتلبَّثوا في بيوتهم لحِفْظِها إلا يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحهم. انتهى، فضمير ((دُخِلَتْ)) عنده عائدٌ على المدينة، وباءُ ((بها)) للظرفية كما هو ظاهرُ كلامه. وجوِّز أن تكون سببيةً، والمعنى على تقدير مضافٍ، أي: ولم يتلبَّئوا بسبب حفظها. وقيل: يجوز أن تكون للملابسةِ أيضاً. والضميرُ على كلِّ تقديرٍ للبيوت، وفيه تفكيك الضمائر. وعن الحسن ومجاهد وقتادة: ((الفتنة)): الشرك. وفي معناه ما قيل: هي الرِّدَّةُ والرجوعُ إلى إظهار الكفر. وجعل بعضهم ضميري ((دخلت)) و((بها)) للمدينة، وزَعَم أن المعنى: ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً، فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين. وقيل: ضمير ((دخلت)) للبيوت أو للمدينة، وضمير ((بها)) للفتنة بمعنى الشرك، والباءُ للتعدية، والمعنى: ولو دُخلت عليهم ثم سُئلوا الشرك لأشركوا وما أخَّروه إلا يسيراً. وقريبٌ منه قولُ قتادةَ، أي: لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيِيةً به أنفسُهم وما تحبَّسوا به إلا يسيراً. وجوِّز أن تكون الباء لغير ذلك. وقيل: فاعلُ الدخول أولئك العساكرُ المتحزِّبة. والوجوهُ المحتملةُ في الآية كثيرةٌ كما لا يخفى على مَن له أدنى تأمُّلٍ، وما ذكرناه أوَّلاً هو الأظهر فيما أرى. وقرأ الحسن: ((سُؤْلوا)) بواوٍ ساكنة بعد السين المضمومة(٣)؛ قالوا: وهي من (١) في المحرر الوجيز ٣٧٤/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢١٨/٧. (٢) في المحرر: الخوف. (٣) القراءات الشاذة ص١١٨-١١٩، والمحتسب ١٧٧/٢، والبحر ٢١٨/٧-٢١٩. الآية : ١٥ ٢٢٣ سُورَةُ الأَجْزَابَ سالَ يَسَالُ كخاف يخاف لغة في سأل المهموزِ العين، وحکی أبو زيد: هما يتساولان. وقال أبو حيان: ويجوز أن يكون أصلُها الهمز؛ لأنه يجوز أن يكون ((سولوا)) على قولِ مَن يقول في ضُرِبَ مبنيّاً للمفعول: ضُرْبَ، ثم سهّل الهمزة بإبدالها واواً على قولِ مَن قال في بؤس: بوس، بإبدال الهمزة واواً لضمٍّ ما قبلها(١). وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو، والأعمشُ: ((سِيلوا)) بكسر السين من غير همزٍ نحو قيل. وقرأ مجاهد: ((سُؤْيِلوا)) بواو ساكنةٍ بعد السين المضمومة، وياءٍ مكسورةٍ بدلاً من الهمزة (٢). ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَنَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ﴾ هؤلاء هم الفريقُ المستأذنون، وهم بنو حارثة عند الأكثرين. وقيل: هم بنو سَلِمة، كانوا قد جَبُنوا يوم أحدٍ ثم تابوا وعاهدوا يومئذ قبل يوم الخندق أن لا يفرُّوا. وعن ابن عباس أنهم قومٌ عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه وي ليه مما يمنعون منه أنفسهم(٣). وقيل: أناسٌ غابوا عن وقعة بدرٍ فحزنوا على ما فاتهم مما أعطي أهل بدر من الكرامة، فقالوا: لئن أَشْهَدَنا الله تعالى قتالاً لنقاتلنَّ. و ((عاهد)) أُجري مجرى اليمين ولذلك تُلقِّيَ بقوله تعالى: (لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ) وجاء بصيغة الغيبة على المعنى، ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب: لا نولِّي الأدبار. وتوليةُ الأدبار كنايةٌ عن الفرار والانهزام، فإن الفارَّ يولِّي دبره مَن فَرَّ منه. ﴿وَكَانَ عَهْدُ اَللَّهِ مَسْئُولًا ﴾﴾ عن الوفاء به مجازى عليه، وذلك يوم القيامة، والتعبير بالماضي على ما في ((مجمع البيان)) لتحقّق الوقوع(٤). (١) البحر ٢١٩/٧. (٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص١١٨-١١٩، والبحر ٢١٩/٧، والكلام منه. (٣) ذكره عن ابن عباس الزمخشري ٢٥٤/٣، وذكره البغوي ٣/ ٥١٧ عن الكلبي ومقاتل، ثم قال: وهذا القول ليس بمَرْضي لأن الذين بايعوا النبي ◌َّه ليلة العقبة كانوا سبعين نفراً، لم يكن فيهم شاةٌ ولا من يقول هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يفرَّوا، فنقضوا العهد. (٤) مجمع البيان ١١٩/٢١. سُورَةُ الأَجْزَابَ ٢٢٤ الآية : ١٦ وقيل: أي: كان عند الله تعالى مسؤولاً عن الوفاء به، أو مسؤولاً مقتضى حتى یوفّی به. ﴿قُل لَّنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ اٌلْقَتْلِ﴾ أي: لن ينفعَكم ذلك ويدفعَ عنكم ما أُبرم في الأزل عليكم من موت أحدكم حَتْفَ أنفه، أو قَتْلِه بسيفٍ ونحوِه، فإنَّ المقدَّر كائنٌ لا محالة. ﴿وَإِذَا لَّا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ أي: وإنْ نَفَعكم الفرارُ بأن دَفَعَ عنكم ما أُبرم عليكم فمتِّعتُم، لم يكن ذلك التمتيعُ إلا تمتيعاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، وهذا من بابٍ فرضٍ المحال، ولم يقل: ولو نفعكم، إخراجاً للكلام مخرج المماشاة. أو: إذا نَفَعكم الفرار فمتِّعتم بالتأخير - بأن كان ذلك معلَّقاً عند الله تعالى على الفرار مربوطاً به - لم يكن التمتيعُ إلا قليلاً؛ فإنَّ أيام الحياة وإن طالت قصيرةٌ، وعُمرٌ تأكله ذرَّاتُ الدقائق وإنْ كَثُر قليلٌ. وقال بعض الأجلَّة: المعنى: لا ينفعُكم نفعاً دائماً أو تامًّا في دفع الأمرين المذكورين: الموت أو القتل(١) بالكلِّية، إذ لا بدَّ لكلِّ شخصٍ من موتٍ حَتْفَ أنفه، أو قَتْلٍ في وقتٍ معيَّنٍ، لا لأنه سَبَقَ به القضاء لأنه تابعٌ للمقضيِّ فلا يكون باعثاً عليه، بل لأنه مقتضَى ترتّبِ الأسباب والمسبَّبات بحَسَبٍ جَرْي العادة على مقتضى الحكمةِ، فلا دلالةَ فيه على أنَّ الفرار لا يغني شيئاً حتى يُشْكِلَ بالنهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وبالأمر بالفرار عن المضارِّ، وقوله تعالى: (وَإِذَا لَّا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) يدلُّ على أنَّ في الفرار نفعاً في الجملة، إذ المعنى: لا تمتَّعون على تقديرِ الفرار إلا متاعاً قليلاً. وفيه ما فيه، فتأمَّلْ. وذكر الزمخشريُّ أنَّ بعض المروانية مرَّ على حائطٍ مائلٍ فأسرع، فتُليت له هذه الآية فقال: ذلك القليلَ نطلب(٢). وكأنه مال إلى الوجه الثاني، أو إلى ما ذكره البعضُ في الآية. وجواب الشرط لـ ((إنْ)) محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، و((إذن)) تقدَّمها هاهنا (١) في الأصل: الموت والقتل. (٢) الکشاف ٢٥٥/٣. الآية : ١٧ ٢٢٥ سُورَةُ الأَجْزَاءِ حرفُ عطفٍ فيجوز فيها الإعمالُ والإهمال، لكنه لم يُقرأ هنا إلا بالإهمال، وقرئ بالإعمال في قوله تعالى في سورة الإسراء: ((وإذاً لا يلبثوا خلافك))(١). وقرئ: ((لا يمتعون)) بياء الغيبة(٢). ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ الَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ استفهامٌ في معنى النفي، أي: لا أحدَ يمنعكم من الله عزَّ وجلَّ وقَدَرِهِ جلَّ جلالُه إنْ خيراً وإن شرّاً، فجعلت الرحمة قرينةَ السوء في العصمة مع أنه لا عصمةَ إلا من السوء؛ لما في العصمة من معنى المنع. وجوِّز أن يكون في الكلام تقديرٌ، والأصل: قُلْ مَن ذا الذي يعصمُكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو يصيبُكم بسوءٍ إن أراد بكم رحمةً، فاختصر نظيرَ قوله: متقلِّداً سيفاً ورمحا(٣) ورأيتُ زوجَكِ في الوَغَى فإنه أراد: وحاملاً - أو: ومعتقلاً - رمحاً، ويجري نحو التوجيه السابق في الآية. وجوَّز الطيبيُّ أن يكون المعنى: مَن الذي يعصمُكم من الله إن أراد بكم سوءاً، أو من الذي يمنع رحمةَ الله منكم إن أراد بكم رحمةً، وقرينةُ التقدير ما في (يعصمكم) من معنى المنع(٤). واختير الأولُ لسلامته عن حذف جملةٍ بلا ضرورةٍ. ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ الَّهِ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَ نَصِيرًا ﴾﴾ يدفعُ الضررَ عنهم، والمرادُ: لا وليَّ(٥) فيجدوه .. إلخ، فهو كقوله: ولا تَرى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ(٦) (١) هي قراءة أبي بن كعب ظله، كما في القراءات الشاذة ص ٧٧. (٢) المحرر الوجيز ٣٧٤/٤، والبحر ٢١٩/٧. (٣) البيت لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه ص٣٢ برواية: يا ليت زوجك قد غدا ... ، وذكر الروايتين الشهاب في الحاشية ٧/ ١٦٤، وسلف البيت ٧١/٧ و١٨/ ٥٣١. (٤) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٥) في (م): الأولى، بدل: لاولي، وهو تصحيف. (٦) سلف ٢٣٧/٣ و٥٦/٥، وغيرها. سُورَةُ الأَخْزَاءِ ٢٢٦ الآية : ٨. وهو معطوفٌ على ما قبله بحسب المعنى، فكأنه قيل: لا عاصمَ لهم ولا وليَّ ولا نصير، أو الجملةُ حالية. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِِّينَ مِنْهُ﴾ أي: المثبِّطين عن رسول الله وَّه ﴿ وَالْقَآَيِلِينَ لِإِخْوَِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾ أي: أقْبِلوا إلينا، أو قرِّبوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب: الآيةُ في عبد الله بن أبيٍّ ومعِّب بنٍ قشير ومَن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنَّا ننتظركم. وقال قتادة: هي في المنافقين؛ كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله وَله: ما محمدٌ وأصحابه إلا أَكَلةُ رأسٍ، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلُّوهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: انصرف رجلٌ من عند رسول الله وَله يومَ الأحزاب إلى شقيقه، فوجد عنده شواءً ونبيذاً، فقال له: أنت هاهنا ورسولُ الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلمَّ إليَّ فقد أُحيطَ بك وبصاحبك، والذي يحلف به لا يستقبلُها محمدٌ أبداً. فقال: كذبتَ، والذي يُحلف به لأخبرنَّه بأمرك. فذهب ليخبره و ◌ّ ر فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية(١). وقيل: هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة: تعالوا إلينا وكونوا معنا. وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلومُ نفاقُهم عند اليهود. و((قد)) للتحقيق أو للتقليل، وهو باعتبار المتعلّق. و((منكم)) بيانٌ لـ ((المعوِّقين)) لا صلتُه كما أُشيرَ إليه. والمراد بالأخوَّة: التشاركُ في الصفة، وهو النفاقُ على القول الأول، والكفر بالنبيِّ وَّ﴿ على القول الأخير، والصحبةُ والجوارُ وسُكنى المدينة على القول الثاني، وكذا على القول الثالث، فإنَّ ذلك يجامعُ الأخوّة في النسب. (١) الدر المنثور ١٨٨/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٥١/١٩، وذكره القرطبي ١٠٣/١٧ عن التعليمي، وفيه بدل: لا يستقبلها: لا يستقلُّ بها . الآية : ١٨ ٢٢٧ سُورَةُ الأَخْتَانِ وظاهرُ صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما، فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصارِ المخلصين المقولِ لهم، وجوازُ كونها نزلت في جماعة من الإخوان في النسب مجردُ احتمالٍ، وإن كان له مستندٌ سمعيٍّ فلتُحْمَل الأخوَّةُ عليه على الأخوّة في النسب ولا ضير. والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة، وحَمْلُ الأخوَّة على الأخوَّة في الدِّين، والأخوّة في الصحبة والجوارِ، والأخوَّة في النسب، لا يخفى حاله. و((هلمَّ)) عند أهل الحجاز يسوَّى فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم فيقال: هلمَّ يا رجل، وهلمُّوا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوتٌ سمي به الفعل، واشتهر أنه يكون متعدِّياً كـ ﴿هَلُمَ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] بمعنى: أَحضِروا أو قرِّبوا، أو لازماً كـ ((هلمَّ إلينا)) بناء على تفسيره بـ : أَقْبِلوا إلينا، وأما على تفسيره بقرِّبوا أنفسكم إلينا فالظاهرُ أنه متعدٍّ حُذف مفعولُه، وجوِّز كونُه لازماً وهذا تفسیرٌ الحاصل المعنى. وفي ((البحر))(١): أنَّ الذي عليه النحويون أنَّ ((هلم)) ليس صوتاً، وإنما هو مركَّبٌ اختلف في أصل تركيبه؛ فقيل: مركّبٌ من (ها)) التي للتنبيه و(لُمَ)(٢) بمعنى: اقْصِدْ وأَقْبِل، وهو مذهب البصريين. وقيل: من ((هل)) و ((أَمَ))(٣). والكلام على المختار من ذلك مبسوطٌ في محلِّه. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ أي: الحربَ والقتالَ، وأصلُ معناه الشدة ﴿إِلَّا قَلِلًا أي: إتياناً أو زماناً قليلاً، فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًّا من إتيانه، فيأتون ليرى الناسُ وجوهَهم، فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم. ويجوز أن يكون صفةً مفعولٍ مقدَّرٍ كما كان صفةً المصدر أو الزمان، أي: (١) ٢٢٠/٧. (٢) في الأصل: والم، وفي (م): والمم، والمثبت من البحر، وينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٥٠) من سورة الأنعام. ولُمَّ هو فعل أمر من ((لَمَّ))، وكذلك ((الْمُمْ)) فعل أمر منه، وكلاهما مذكوران في أصل ((هلم)). ينظر الدر المصون ٢١٢/٥، وحاشية الطيبي على الکشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) وهو أمرٌ من الأَمِّ، وهو القصد. الدر المصون ٢١٣/٥. سِوَرَّةُ الأَجْزَاءِ ٢٢٨ الآية : ١٩ إلا بأساً قليلاً، على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل. وإتيانُ البأس على هذه الأوجُهِ على ظاهره، ويجوز أن يكون كنايةً عن القتال، والمعنى: ولا يقاتلون إلا قتالاً قليلاً، كقوله تعالى: ﴿مَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقلَّتُه إمَّا لِقِصَرٍ زمانه وإمَّا لقلَّةٌ غَنَائِه. وأيًّا ما كان فالجملةُ حالٌ من ((القائلين))، وقيل: يجوز أيضاً أن تكون عطفَ بیانٍ على ((قد يعلم))، وهو كما ترى. وقيل: هي من مقول القول، وضميرُ الجمع لأصحاب النبيِّ وَّر، أي: القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحابُ محمد ◌َّ حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلاً. وهذا القول خلافُ المتبادر، وكأنه ذهب إليه مَن قال: إنَّ الآية في اليهود. ﴿أَشِئَةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روي عن مجاهد وقتادة. وقيل: بأنفسهم. وقيل: بالغنيمة عند القَسْم. وقيل: بكلِّ ما فيه منفعةٌ لكم، وصوَّب هذا أبو حيان(١). وذهب الزمخشريُّ إلى أنَّ المعنى: أضنَّاء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذابِّ عنه المناضلِ دونه عند الخوف(٢)، وذلك لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبيُّ ◌َّهِ ومَن معه من المؤمنين، حيث لم يكن لهم مَن يمنعُ الأحزاب عنهم، ولا مَن یحمي حوزتهم سواهم، وقيل: كانوا يفعلون ذلك رياء. والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعتَ قبلُ(٣)؛ وعدل إليه مختصرو كشافه أيضاً (٤)، وذلك ـ على ما قيل - لأنَّ ما ذهب إليه معنَى ما في التفريع بعدُ، فيُحتاجُ إلى جَعْلِه تفسيراً. (١) في البحر ٧/ ٢٢٠. (٢) الكشاف ٢٥٥/٣. وقوله: يترفرفون عليكم، قال في الأساس (رفف): ومن المجاز: رفرف على ولده: إذا تحنَّى عليه. وقال الطيبي في حاشيته على الكشاف: قوله: يترفرفون، تفسير لقوله: أضناء بكم. اهـ. ولكلام الزمخشري تتمة سترد عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَشِخَّةٌ عَلَى الْغَيرِ﴾. (٣) من أن المعنى عدم إرادتهم نصرة المؤمنين ومعاونتهم في الحرب. حاشية الشهاب ٧/ ١٦٤ . (٤) ومنهم البيضاوي. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١٦٤ . الآية : ١٩ ٢٢٩ سُورَةُ الأَجْزَاب ورجَّحه بعضُ الأجلَّة على ما ذهب إليه الأكثر، فقال: إنما اختاره ليطابقَ معنى ويقابلَ قولَه تعالى بعدُ: ﴿أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾ ولأنَّ الاستعمال يقتضيه، فإنَّ الشخَّ على الشيءٍ هو أن يراد بقاؤه كما في ((الصحاح))(١)، وأشار إليه بقوله: أضنَّاءُ بكم، وما ذكره غيرُه لا يساعدُه الاستعمال. انتهى. قال الخفاجيُّ: إن سلِّم ما ذكر من الاستعمال كان متعيّناً، وإلا فلكلِّ وجهةٌ كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام(٢). و((أشحةً)) جمع(٣) شحيح على غير القياس، إذ قياسُ فعيل الوصف المضعَّف عينُه ولامُه أن يُجمع على أَفْعِلَاء كضنين وأضِنَّاء، وخليل وأخِلَّاء، فالقياس: أشِخَّاء، وهو مسموعٌ أيضاً. ونَصْبُه عند الزجَّاج وأبي البقاء على الحال من فاعل ((يأتون)) (٤)، على معنى: تركوا الإتيان أشحةً. وقال الفرَّاء: على الذمّ(٥). وقيل: على الحال من ضمير ((هلم إلينا))، أو من ضمير يعوِّقون مضمَراً، ونُقل أوَّلُهما عن الطبريّ(٦)، وهو كما ترى. وقيل: من ((المعوِّقين)) أو من ((القائلين)). ورُدًّا بأنَّ فيهما الفصلَ بين أبعاض الصلة. وتعقِّب بأن الفاصل من متعلّقات الصلة، وإنما يظهر الردّ على كونه حالاً من ((المعوِّقين)) لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته. وقرأ ابن أبي عبلة: ((أشحةٌ)) بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هم أشحةٌ (٧) . ﴿فَإِذَا جَّةَ الْخَوْفُ﴾ من العدوِّ، وتوقُّعُ أن يُستأصل أهلُ المدينة ﴿رَأَتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: أحداقُهم(٨)، أو: بأحداقهم على أنَّ الباء للتعدية، فيكون (١) مادة (شحح)، وفيه: فلان يشاحُ على فلان، أي: يَضِىُّ به. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٦٤ . (٣) في (م): جميع. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٢٠، والإملاء ١٩١/٤ . (٥) معاني القرآن للفراء ٣٣٨/٢، والبحر ٢٢٠/٧. (٦) تفسير الطبري ٥٢/١٩، والبحر ٧/ ٢٢٠ وعنه نقل المصنف. (٧) البحر ٧/ ٢٢٠. (٨) جمع حدقة، وهي سواد العين. ينظر حاشية الشهاب ٧/ ١٦٥ . سُورَةُ الأَجْزَائِ ٢٣٠ الآية : ١٩ المعنى: تُدير أعينُهم أحداقَهم. والجملةُ في موضع الحال، أي: دائرةً أعينُهم من شدة الخوف. ﴿كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ صفةٌ لمصدرٍ ((ينظرون)) أو حالٌ من فاعله، أو المصدرٍ ((تدور)) أو حالٌ من ((أعينهم))، أي: ينظرون نظراً كائناً كنظر المغشيِّ عليه من معالجةِ سكرات الموت حذراً وخوفاً ولواذاً بك، أو: ينظرون كائنين کالذي .. إلخ. أو: تدور أعينهم دوراناً كائناً كدوران عين الذي .. إلخ، أو: تدورُ أعينهم كائنةً كعين الذي .. إلخ. وقيل: معنى الآية: إذا جاء الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدورُ أعينهم في رؤيتهم وتَجُولُ وتضطربُ رجاءَ أن يَلُوحَ لهم مَضْرِبٌ؛ لأنهم يَحْضُرون على نيةِ شرِّ لا على نيةِ خيرٍ. والقولُ الأول هو الظاهر. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اَلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِّنَةٍ حِدَارٍ﴾ أي: آذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنةِ سلطةٍ ذربةٍ؛ قاله الفرَّاء(١). وعن قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقتَ قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستُم بأحقَّ بها منَّاً . وقال يزيد بن رومان: بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبِّكم وتنقيصٍ ما أنتم عليه من الدین. وقال بعض الأجلَّة: أصل السَّلق: بسطٌ العضو ومدُّه للقهر، سواءٌ كان يداً أو لساناً، فسلقُ اللسان بإعلان الطعن والذمِّ، وفسِّر السَّلق هنا بالضرب مجازاً، كما قيل للذمِّ: طعن، والحاملُ عليه توصيفُ الألسنة بـ ((حداد))، وجوِّز أن يشبّه اللسان بالسيف ونحوِه على طريق الاستعارة المكنية، ويثبت له السَّلقُ بمعنى الضرب تخييلاً . وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس به عن السلق في الآية، فقال: الطعنُ باللسان. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت قول الأعشى: (١) في معاني القرآن ٣٣٩/٢. الآية : ١٩ ٢٣١ سُؤَّةُ الأَجْزَاءُ ـدةٌ فيهم والخاطبُ المسلاقُ(١) فيهم الخصبُ والسماحةُ والنّجْـ وفسّره الزجَّاج بالمخاطبة الشديدة، قال: معنى ((سلقوكم)): خاطبوكم أشدَّ مخاطبةٍ وأبلغَها في الغنيمة، يقال: خطيب مِسْلاقٌ وسلَّاق: إذا كان بليغاً في خطبته(٢) . واعتبر بعضهم في السلق رفعَ الصوت، وعلى ذلك جاء قولُهُ وَّهِ: ((ليس منَّا مَن سَلق أو حلق))(٣)، قال في ((النهاية)): أي: رفَعَ صوته عند المصيبة، وقيل: أن تصكَّ المرأة وجهها وتَمرُشَه، والأولُ أصح(٤). وزعم بعضهم أن المعنى في الآية: بَسَطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانَعة والمجاملة. ولا يخفى ما فيه. وقرأ ابن أبي عبلة: ((صَلَقوكم)) بالصاد(٥). ﴿أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: بخلاء حريصين على مال الغنائم، على ما روي عن قتادة. وقيل: على مالهِم الذي ينفقونه. وقال الجبائيُّ: أي: بخلاء بأن يتكلَّموا بكلامٍ فيه خيرٌ. وذهب أبو حيان إلى عموم الخير(٦). ونُصِبَ ((أشحةً)) على الحال من فاعل ((سلقوكم))، أو على الذمِّ، ويؤيِّده قراءة ابن أبي عبلة: ((أشحةٌ)) بالرفع(٧)؛ لأنه عليه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم أشحةٌ، والجملة مستأنفةٌ لا حاليةٌ كما هو كذلك على الذم. (١) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ١٨٩/٥، ومن طريقه السيوطي في الإتقان ٣٩٥/١. والبيت في ديوان الأعشى ص٢٦٥، برواية: المصلاق. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٢١/٤ . (٣) أخرجه أحمد (١٩٥٣٥)، ومسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ته، ولفظ مسلم: ((أنا بريءٌ ممن حلق ... )). (٤) النهاية (سلق). (٥) المحرر الوجيز ٣٧٦/٤، والبحر ٢٢٠/٧. (٦) الذي في البحر ٧/ ٢٢٠: و((على الخير)) يدل على عموم الشّح في قوله أولاً: ((أشحة علیکم)) . (٧) المحرر الوجيز ٣٧٦/٤، والبحر ٢٢٠/٧. سُورَةُ الأَجْزَائِ ٢٣٢ الآية : ١٩ وغايَرَ بعضُهم بين الشحِّ هنا والشحِّ فيما مرَّ، بأنَّ ما هنا مقيَّدٌ بالخير المرادِ به مالُ الغنيمة، وما مرَّ مقيّدٌ بمعاونة المؤمنين ونصرتهم، أو بالإنفاق في سبيل الله تعالى، فلا يتكرَّر هذا مع ما سبق، والزمخشريُّ لمَّا ذهب إلى ما ذهب هناك(١) ، قال هنا: فإذا ذهب الخوفُ وحِيزَتِ الغنائمُ ووقعت القسمةُ نقلوا ذلك الشعَّ وتلك الضِّنَّةَ والرفرفةَ عليكم إلى الخير، وهو المال والغنيمة، ونَسُوا تلك الحالةَ الأولى، واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم .. إلخ(٢). وقد سمعتَ ما قال بعض الأجلَّة في ذلك. ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سَبَقَ: إن المراد مما سبق ذمُّهم بالبخل بكلِّ ما فيه منفعةٌ - أو بنوع منه - على المؤمنين، ومن هذا ذمُّهم بالحرص على المال أو ما فيه منفعةٌ مطلقاً من غير نظرٍ إلى كون ذلك على المؤمنين أو غيرِهم، وهو أبلغُ في ذمِّهم من الأول. ﴿أُوْلَكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من صفات السوء ﴿لَّ يُؤْمِنُواْ﴾ بالإخلاص؛ فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمانَ وأبطنوا في قلوبهم الكفر. ﴿فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: أَظْهَر بطلانَها؛ لأنها باطلةٌ منذ عُمِلَت، إذ صحتُها مشروطةٌ بالإيمان بالإخلاص، وهم مبطنون الكفرَ. وفي ((البحر)): أي: لم يقبلها سبحانه، فكانت كالمخْبَطة(٣). وعلى الوجهين المرادُ بالأعمال العباداتُ المأمورُ بها . وجوِّز أن يكون المراد بها ما عملوه نفاقاً وتصتُّعاً وإن لم يكن عبادةٌ، والمعنى: فأبطل عزَّ وجل صُنْعَهم ونفاقَهم فلم يَبْقَ مستتبعاً لمنفعةٍ دنيويةٍ أصلاً. وحمل بعضهم الأعمال على العبادات، والإحباطَ على ظاهره، بناءً على ما روي عن ابن زيد عن أبيه قال: نزلت الآية في رجلٍ بدريٍّ نافقَ بعد بدٍ ووقع منه ما وقع، فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرِها (٤). (١) سلف كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَشِئَّةً عَّكُمْ﴾. (٢) الكشاف ٣/ ٢٥٥. (٣) البحر ٧/ ٢٢٠. (٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٥-٥٦ بنحوه، دون قوله: وغيرها. الآية : ٢٠ ٢٣٣ سُؤَدَّةُ الأَجْزَاب وصيغةُ الجمعِ تُبْعِدُ ذلك، وكذا قوله تعالى: (لَرَ يُؤْمِنُواْ)، فإنَّ هذا كما هو ظاهرُ هذه الرواية قد آمَنَ قبلُ. وأيضاً قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»(١) يأبى ذلك، فالظاهِرُ والله تعالى أعلم أنَّ هذه الرواية غيرُ صحيحة. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾﴾ أي: هيِّئاً لا يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضاً عليه. وقيل: أي: هيِّناً سهلاً عليه عزَّ وجل، وتخصيصُ يُسْرِهِ بالذكر مع أنَّ كلَّ شيءٍ عليه تعالى يسيرٌ لبيانِ أنَّ أعمالهم [حقيقةٌ](٢) بالإحباط المذكور لكمال تعاضُدِ الحِكَمِ المقتضية له، وعدم مانع عنه بالكلية. وقيل: ذلك إشارةٌ إلى حالهم من الشحِّ ونحوه، والمعنى: كان ذلك الحالُ عليه عز وجل هيِّناً لا يبالي به، ولا يجعلُه سبحانه سبباً لخذلان المؤمنين. وليس بذاك. والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف. ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: هم من الجزع والدهشة لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنُّون أنهم لم يرحلوا . وقيل: المراد: هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا، فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك. وهذا إن صحَّتْ فيه روايةٌ فذاك، وإلا فالظاهرُ أنه مأخوذٌ من قوله تعالى: (وَالْقَآيَلِينَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا) لدلالته ظاهراً على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله وَ﴿ يحثُّون إخوانهم على اللّحاق بهم، وكونُ المراد: هلقُّوا إلى رأينا، أو إلى مكاننا الذي هو في طرفٍ لا يصل إليه السهم، خلافُ الظاهر. وكذا من قوله سبحانه: (وَلَوْ كَانُواْ فِيِكُمْ) على ما هو الظاهر أيضاً؛ إذ يَبعُدُ حملُه على اتّحاد المكان ولو في الخندق . ﴿وَإِنِ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرَّةً ثانيةً ﴿يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ﴾ تمنَّوا أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون مع الأعراب، وهم أهل العمود. (١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وسلف ٢٩/١٠ و١٨٩. (٢) ما بين حاصرتين من الكشاف ٢٥٥/٣، وتفسير أبي السعود ٩٦/٧، والكلام فيهما بنحوه. سُورَة الاجْزَانِ ٢٣٤ الآية : ٢٠ وقرأ عبد الله وابن عباس وابن يعمر وطلحة: ((بُدَّى) جمع: بادٍ(١)، كغازٍ وغُزَّى، وليس بقياسٍ في معتلِّ اللام، وقياسُه فُعَلَة کقاضٍ وقُضاة. وفي روايةٍ أخری عن ابن عباس: (بَدَوْ)) فعلاً ماضياً، وفي روايةٍ صاحب ((الإقليد)): ((بُدّى)) بوزن عُدّى(٢). وَيَسْتَلُونَ﴾ أي: كلَّ قادم من جانب المدينة ﴿عَنْ أَنْبَابِكُمْ﴾ عمَّا جرى عليكم من الأحزاب، يتعرَّفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فَرَقاً وجبناً. واختيارُ البداوة ليكونوا سالمين من القتال، والجملة في موضع الحال من فاعل ((بادون))، وحكى ابنُ عطية أنَّ أبا عمرو وعاصماً والأعمش قرؤوا: ((يَسَلون)) بغير همز، نحو قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾(٣) [البقرة: ٢١١]. ولم يُعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذِّهما، ونقلها صاحبُ ((اللوامح)) عن الحسن والأعمش(٤). وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يا وقتادة والجحدريُّ والحسن ويعقوبُ بخلافٍ عنهما: (سَّاءلون)) بتشديد السين والمدِّ(٥)، وأصله: يتساءلون، فأدغمت التاء في السين، أي: يسأل بعضهم بعضاً، أي: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعتَ وماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعرابَ، أي: يسألونهم، كما تقول: رأيتُ الهلال وتَراءيتُه، وأَبصَرْتُ زيداً وتباصَرْتُه. ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِكُمْ﴾ أي: في هذه الكرَّة المفروضة بقوله تعالى: (وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ) أو: لو كانوا فيكم في الكرَّة الأولى السابقةِ ولم يرجعوا إلى داخل المدينة، وكانت محاربةٌ بالسيوف ومبارزة الصفوف ﴿مَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِلًا ﴾ رياءً وسمعةً وخوفاً من التعبير، قال مقاتل والجبائي(٦) والبعلبكي: هو قليلٌ من حيث هو رياء، ولو كان لله تعالى كان كثيراً. (١) القراءات الشاذة ص١١٩، والمحتسب ١٧٧/٢، والبحر ٢٢١/٧. (٢) البحر ٢٢١/٧. وبُدّى هي أيضاً جمع ((بادٍ))، والعُدَى جمع العدوّ. معجم متن اللغة (بدا) و(عدا). (٣) المحرر الوجيز ٣٧٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٢٢١. (٤) البحر ٢٢١/٧. (٥) هي رواية رويس عن يعقوب كما في النشر ٣٤٨/٢، والكلام من البحر ١٦٧/٧ . (٦) في (م): الجياني، والمثبت من الأصل وهو الموافق لما في مجمع البيان ١٢١/٢١. الآية : ٢١ ٢٣٥ سُؤَةُ الأَجْزَابِ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ الظاهر أن الخطاب للمؤمنين الخلَّصِ المخاطَبين من قبلُ في قوله تعالى: (عَنْ أَنْبَايِكُمْ)، وقوله سبحانه: (وَلَوْ كَانُواْ فِكُمْ). والإسوة بكسر الهمزة كما قرأ الجمهور وبضمِّها كما قرأ عاصم(١): الخصلة، وقال الراغب: الحالة التي يكون عليها الإنسان(٢). وهي اسم ((كان)) و(لكم)) الخبر، و((في رسول الله)) متعلّقٌ بما تعلَّق به ((لكم)) أو في موضع [الحال](٣) من (أسوة)) لأنه لو تأخّر جاز أن يكون نعتاً لها، أو متعلِّق بـ ((كان)) على مذهب مَن أجاز فيها ناقصة وفي أخواتها أن تعمل في الظرف. وجوّز أن يكون ((في رسول الله)) الخبر، و((لكم)) تبيينٌ، أي: أعني لكم. أي: واللهِ لقد كان لكم في رسول الله خصلةٌ حسنٌ من حقِّها أن يؤتَسى ويُقْتَدَى بها، كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد. ويجوز أن يراد بالأسوة القدوةُ بمعنى المُقْتَدَى، على معنى: هو نَّ في نفسه قدوةٌ يحسُنُ التأسِّي به، وفي الكلام صنعةُ التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفةٍ آخَرُ مِثْلُه فيها مبالغةً في الاتِّصاف، نحو: لقيتُ منه أسداً، وهو كما يكون بمعنى ((من)) یکون بمعنی «في» كقوله: أراقتْ بنو مروان ظلماً دماءنا وفي الله إن لم يعدلوا حَكّمٌ عدلُ(٤) وكقوله: في البيضة عشرون منَّا حديداً (٥)، أي: هي في نفسها هذا القَدْرُ من الحديد. (١) التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٨/٢. (٢) مفردات الراغب (أسا)، وفيه: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتّباع غيره، إن حسناً وإن قبيحاً، وإن سارًّا وإن ضارًّا. (٣) ما بين حاصرتين من البحر ٢٢٢/٧، والدر المصون ١٠٨/٩. (٤) البيت في الخصائص ٢/ ٤٧٥ دون نسبة، وفيه: أفاءت بنو مروان ... ، وهو في حماسة البحتري ص١١١ منسوب لبشر بن صفوان الكلبي برواية: أقادت بنو مروان قيساً دماءنا، وبهذه الرواية عزاه ابن الشجري في الحماسة ٩/١، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣١٠/٥ لأبي الخطار الكلبي حسام بن ضرار. (٥) في (م): حديد، وقال الشهاب في الحاشية ٧/ ١٦٦: ((حديداً) بدل من المنِّ، والمَنُّ بتشديدٍ سُورَةُ الأَخْرَابِ ٢٣٦ الآية : ٢١ والآيةُ وإنْ سِيقتْ للاقتداء به عليه الصلاة والسلام في أمر الحرب من الثبات ونحوه، فهي عامةٌ في كلِّ أفعاله بَّه إذا لم يُعلم أنها من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة؛ أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم قال: قلتُ لعبد الله بن عمر ◌ًا: رأيتُك في السفر لا تصلِّي قبل الصلاة ولا بعدها؟ فقال: يا ابن أخي، صَحِبْتُ رسول الله وَّ و كذا وكذا، فلم أره يصلِّي قبل الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ) (١). وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) عن قتادة قال: همَّ عمر بن الخطاب. أن ينهَى عن الحِبَرة، فقال رجل: أليس قد رأيتَ رسولَ الله وَله يلبسُها؟ قال عمر: بلى. قال الرجل: ألم يقل الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ)؟ (٢) فترك ذلك عمر وأخرج الشيخان والنسائيُّ وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر أنه سُئل عن رجلٍ معتمرٍ طاف بالبيت، أيقعُ على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: قَدِمَ رسول الله وَ له فطاف بالبيت وصلَّى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة. ثم قرأ: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ)(٣). وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: إذا حَرَّم الرجل عليه امرأتَه فهو يمينٌ يكفِّرها، وقال: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ) (٤). إلى غير ذلك من الأخبار، وتمامُ الكلام في كتب الأصول. = النون وزنٌ معروف، وفي نسخة (يعني من تفسير البيضاوي): ((منا)) بالقصر والتخفيف والإضافة، وهو لغة فيه بمعنى المنِّ أيضاً. والمراد بالبيضة بيضة الحديد أو ما يوضع على الرأس وهو المغفر. (١) سنن ابن ماجه (١٠٧١)، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٨٩/٥، وعنه نقل المصنف، وأخرجه بنحوه البخاري (١١٠١) و(١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩). (٢) مصنف عبد الرزاق (١٤٩٣)، وهو من طريق قتادة عن عمر ظ له، وقتادة لم يسمع من عمر. ينظر جامع التحصيل للعلائي ص٣١٢. والحِبَرة كعِنبة ضرب من برود اليمن. (٣) صحيح البخاري (٣٩٥)، وصحيح مسلم (١٢٣٤)، وسنن النسائي (المجتبى) ٢٢٥/٥ و٢٣٥، وسنن ابن ماجه (٢٩٥٩). (٤) صحيح البخاري (٤٩١١)، وصحيح مسلم (١٤٧٣): (١٩) واللفظ له. الآية : ٢١ ٢٣٧ سُورَةُ الأَجْرَانِ ﴿لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ آلآخِرَ﴾ أي: يؤمِّلُ الله تعالى وثوابه، کما یرمزُ إليه أثرٌ عن ابن عباس ﴾(١)، وعليه يكون قد وضع ((اليوم الآخر)) بمعنى يوم القيامة موضعَ الثواب؛ لأنَّ ثوابه تعالى يقع فيه، فهو على ما قال الطيبيُّ(٢) من إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ، والكلامُ نحوُ قولك: أرجو زيداً وكَرَمَه، مما يكون ذِكْرُ المعطوفِ عليه فيه توطئةً للمعطوف، وهو المقصود، وفيه من الحُسْنِ والبلاغة ما ليس في قولك: أرجو زيداً كَرَمَه، على البدلية. وقال صاحب ((الفرائد)): يمكن أن يكون التقدير: يرجو رحمة الله - أو رضا الله - وثوابَ اليوم الآخر، ففي الكلام مضافان مقدَّران. وعن مقاتل: أي: يخشى اللهَ تعالى ويخشى البعثَ الذي فيه جزاء الأعمال، على أنه وضع اليوم الآخر موضع البعث لأنه يكون فيه، والرجاء عليه بمعنى الخوف. ومتعلّق الرجاء بأيِّ معنّى كان أمرٌ من جنس المعاني لأنه لا يتعلَّق بالذوات. وقدَّر بعضهم المضافَ إلى الاسم الجليل لفظَ ((أيام)) مراداً بها الوقائعُ، فإنَّ اليوم يُطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث، واشتهر في هذا حتى صار بمنزلة الحقيقة، وجَعَلَ قرينةَ هذا التقديرِ المعطوفَ، وجَعَلَ العطفَ من عَظْفٍ الخاصِّ على العامٌّ، والظاهر أنَّ الرجاء على هذا بمعنى الخوف. وجوِّز أن يكون الكلام عليه كقولك: أرجو زيداً وكَرَمَه، وأن يكون الرجاء فيه بمعنى الأمل إن أريدَ ما في اليوم من النصر والثواب، وأن يكون بمعنى الخوف والأمل معاً بناءً على جواز استعمال اللفظ في معنييه، أو في حقيقته ومجازِه وإرادةٍ ما يقع فيه من الملائم والمنافر. وعندي أنَّ تقدير ((أيام)) غيرُ متبادرٍ إلى الفهم. وفسَّر بعضهم ((اليوم الآخر)) بيوم السياق، والمتبادرُ منه يوم القيامة. و(من)) - على ما قيل - بدل من ضمير الخطاب في ((لكم))، وأُعيد العامل للتأكيد، وهو بدلُ كلٍّ من كلٌّ، والفائدة فيه الحثُّ على التأسِّي، وإبدالُ الاسم الظاهر من (١) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٦٤/٣ بلفظ: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم. (٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُوَلاَ الأَخْزَائِ ٢٣٨ الآية : ٢١ ضمير المخاطب هذا الإبدال جائزٌ عند الکوفیین والأخفش، ويدل عليه قوله: وأَمَّ نهجَ الهدى مَن كان ضِلِّيلا(١) پِكُمْ قریشٍ كُفِینا كلَّ مُعْضِلةٍ ومَنَعَ ذلك جمهورُ البَصْريين، ومن هنا قال صاحب ((التقريب)»: هو بدلُ اشتمالٍ أو بدلُ بعضٍ من كلٍّ، ولا يتسنَّى إلا على القول بأنَّ الخطاب عامّ، وهو مخالفٌ للظاهر كما سمعت، ومع هذا يحتاج إلى تقدير: منكم. وقال أبو البقاء(٢): يجوز أن يكون ((لمن)) متعلقاً بـ ((حسنة)) أو بمحذوفٍ وقع صفةً لها؛ لأنه وقع بعد نكرة. وقيل: يجوز أن يكون صفةً لـ ((أسوة)). وتعقّب بأن المصدر الموصوف لا يعمل فيما بعدَ وَصْفِهِ، وكذا تعدُّدُ الوصف بدون العطف لا يصحُّ، وقد صرَّح بمنع ذلك الإمامُ الواحديُّ، ولا يخفى أنَّ المسألة خلافيةٌ فلا تغفل. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾﴾ أي: ذِكْراً كثيراً، وقَرَنَ سبحانه بالرجاء كثرةَ الذكر لأنَّ المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدّي إلى ملازمة الطاعة، وبها يتحقَّق الائتساء برسول الله له . ومما ينبغي أن يُعلم أنه قد صرَّح بعض الأجلَّة كالنوويِّ أنَّ ذكر الله تعالى المعتبَرَ شرعاً ما يكون في ضمن جملةٍ مفيدةٍ، كـ : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، ونحو ذلك، وما لا يكون(٣) بمفردٍ لا يعدُّ شرعاً ذكراً، نحو: الله، أو: قادر، أو: سميع، أو: بصير، إذا لم يقدَّر هناك ما يصير به اللفظُ كلاماً، والناسُ عن هذا غافلون. وأنهم أجمعوا على أنَّ الذكر المتعبَّد بمعناه لا يثابُ صاحبه ما لم يستحضر معناه، فالمتلفّظُ بنحوٍ: سبحان الله، ولا إله إلا الله، إذا كان غافلاً عن المعنى غيرَ ملاحظٍ له ومستحضرٍ إياه لا يثاب إجماعاً، والناس أيضاً عن هذا غافلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١) البحر ٢٢٢/٧، وشذور الذهب ص٥٧٤. (٢) في الإملاء ٤/ ١٩٢. (٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: وما يكون. الآية : ٢٢ ٢٣٩ سُوَّةُ الأَجْزَابِ ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَخْزَابَ﴾ بيانٌ لِمَا صَدَرَ عن خُلَّص المؤمنين عند اشتباه الشؤون واختلاطِ الّنون بعد حكايةٍ ما صدر عن غيرهم، أي: لمَّا شاهدوهم حَسْبَما وُصِفوا لهم. ﴿قَالُواْ هَذَا﴾ إشارة عند بعض المحقّقين إلى ما شاهدوه من غير أن يخطر ببالهم لفظٌ يدلُّ عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه، فإنهما من أحكام اللفظ، نعم يجوز التذكيرُ باعتبار الخبر الذي هو ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فإنَّ ذلك العنوانَ أولُ ما يخطر ببالهم عند المشاهَدة. وعند الأكثر إشارةٌ إلى الخطب والبلاء. و ((ما)) موصولةٌ عائدها محذوفٌ، وهو المفعولُ الثاني لـ ((وعد»، أي: الذي وَعَدَناه الله. وجوِّز أن تكون مصدريةً، أي: هذا وَعْدُ اللهِ تعالى ورسولِهِ إیانا. وأرادوا بذلك ما تضمَّنه قولُه تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَيِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّهُ﴾ [الآية: ٢١٤] كما أخرج ذلك ابن جرير وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس ﴾(١)، وأخرجه جماعةٌ عن قتادة أيضاً. ونزلت آيةُ البقرة قبل الواقعة بحولٍ على ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن الحبر عظم(٢). وفي ((البحر)) عن ابن عباس قال: قال النبيُّ وَّ لأصحابه: ((إنَّ الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً) أي: في آخر تسع ليالٍ أو عشرٍ، أي: من وقت الإخبار، أو من غرة الشهر، فلمَّا رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك(٣)، فمرادُهم بذلك ما وعد بهذا الخبر. وتعقَّبه ابن حجر(٤) بأنه لم يوجد في كتب الحديث. وقرئ بإمالة الراء من ((رأى)) نحوَ الكسرة وفتح الهمزة(٥)، وعدم إمالتها، (١) تفسير الطبري ٦٠/١٩، ودلائل النبوة ٤٣٣/٣-٤٣٤، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدره/ ١٩٠. (٢) الدر المنثور ١٩٠/٥. (٣) البحر ٢٢٢/٧، وذكره قبله الزمخشري في الكشاف ٢٥٦/٣. (٤) في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ١٦٧ . (٥) قوله: وفتح الهمزة، أراد به عدمَ إمالتها كما في حاشية الشهاب ٧/ ١٦٧، والكلام منه. وقد قرأ بإمالة الراء وفتح الهمزة حمزة وخلف وأبو بكر. النشر ٤٦/٢ . سُورَةُ الأُخْتَامَ ٢٤٠ الآية : ٢٢ ورُوي إمالتُهما وإمالةُ الهمزة دون الراء على تفصيلٍ فيه في ((النشر))(١)، فليراجع. (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ) الظاهر أنه داخلٌ في حيِّز القول، فجوِّز أن يكون عطفاً على جملة ((هذا ما وعدنا)) .. إلخ، أو على صلة الموصول، وهو كما ترى، وأن یکون في موضع الحال بتقدیر («قد» أو بدونه. وأيًّا ما كان فالمرادُ: ظَهَر صدقُ خبرِ الله تعالى ورسوله وَله؛ لأنَّ الصدق محقَّقٌ قبل ذلك، والمترتِّبُ على رؤية الأحزاب ظهورُه. وجوِّز أن يكون المعنى: وصَدَقَ الله تعالى ورسولُه عليه الصلاة والسلام في النصرة والثواب كما صدق الله تعالی ورسولُه في البلاء. والإظهارُ مع سَبْقِ الذكر للتعظيم، ولأنه لو أُضْمِر وقيل: وصَدَقًا، جاء الجمع بين الله تعالى وغيره في ضميرٍ واحدٍ، والأوْلَى تركُه، أو قيل: وصَدَق هو ورسولُه، بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفعُ السؤال، كذا قيل، وحديثُ الجمع قد مرَّ ما فيه. ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ أي: ما رَأَوا المفهوم من قوله تعالى: (وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ) إلخ، ورجوعُ الضمير إلى المصدر المفهوم من ((رأى)) يعكّر عليه التذكير. وأَرْجَعَه بعضُهم إلى الشهود المفهوم من ذلك، وجوِّز رجوعُه إلى الوعد أو الخَطْب والبلاءِ المفهومين من السياق أو الإشارة. وقرأ ابن أبي عبلة: ((وما زادوهم)) بضمير الجمع العائدِ على الأحزاب(٢). ﴿إِلَّ إِيَنَا﴾ بالله تعالى وبمواعيده عز وجل ﴿وَتَسْلِيمًا (®﴾﴾ لأوامره جلَّ شأنه وأقداره سبحانه. واستُدلَّ بالآية على جواز زيادة الإيمان ونَقْصِه، ومَن أنكر قال: إنَّ الزيادة فيما يؤمَنُ به لا في نفس الإيمان، والبحثُ في ذلك مشهورٌ، وفي كتب الكلام على أبسط وجهٍ مسطورٌ. (١) ٤٦/٢-٤٨، والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ١٦٧. (٢) البحر ٢٢٣/٧. :