Indexed OCR Text
Pages 181-200
الآية : ١ ١٨١ سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ كرامةً له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً، وَرَبْئاً بمحلِّه، وتنويهاً بفضله، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ لَهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] لتعليم الناس بأنه رسول، وتلقيناً(١) لهم أن يسمُّوه بذلك ويَدْعوه به، فلا تفاؤُتَ بين النداء والأخبار، ألا ترى إلى ما لم يُقْصَدْ به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] إلى غير ذلك(٢). وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّ أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ) ظاهرٌ، أمَّا في قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ) فلا، على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] ينقضُ ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم، وربما يكون نداءُ سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحوٍ منه، وحُكي في القرآن بأسمائهم دفعاً للإلباس، والأشبهُ أنه لمَّا قلَّ ذكرُهُ وَّهِ باسمه دلَّ على أنه أعظمُ شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وفيه نظر. واختار الطَّبيُّ طيَّبَ الله تعالى ثراه أنَّ النداء المذكور هنا للاحتراس وجَبْرٍ ما يوهمه الأمر والنهي، كقوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] (٣). وظاهرُ سياقٍ ما بعدُ أنَّ المعنيَّ بالأمر بالتقوى هو النبيُّ وَّزَ، لا أمتُه كما قيل في نظائره، والمقصودُ الدوامُ والثباتُ عليها، وقيل: الازديادُ منها فإنَّ لها باباً واسعاً، وعرضاً عريضاً لا يُنالُ مَدَاه. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِينَ﴾ أي: المجاهرين بالكفر ﴿وَالْمُنَّفِفِينٌ﴾ المضمِرِينَ لذلك فيما يريدون من الباطل؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس ؤها قال: إنَّ أهل مكة، منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، دعوا النبيَّ وَّر أن يرجع عن (١) في الأصل و(م): وتلقين (٢) الكشاف ٢٤٨/٣ . (٣) بنحوه في حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وذكره بلفظ المصنف الشهاب في الحاشية ٧/ ١٥٦ . الآية : ١ ١٨٢ سُورَةُ الأَجْرَان قوله على أن يعطوه شطر أموالهم(١)، وخوَّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فنزلت(٢). وذکر الثعلميُّ والواحديُّ بغير إسنادٍ أنَّ أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلميّ(٣) قَدِموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي کانت بینە پے وبینھم، وقام معهم عبد الله بن أبيّ ومعتِّبُ بن قشیر والجد بن قيس فقالوا لرسول الله وَّر: ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إنها تشفع وتنفع، ونَدَعُكَ وربّك. فشَقَّ ذلك على النبيِّ وَّهِ والمؤمنين وهمُّوا بقتلهم، فنزلت(٤). وقيل: نزلت في ناسٍ من ثقيفٍ قدموا على رسول الله وَله فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتِّعهم باللات والعزى سنةً؛ قالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك. ولا يَبْعُدُ أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذِكْرُه بعد الأمر بالتقوى المرادِ منه الثباتُ عليها - على ما قيل - من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل: من قبيل التأكید. وقيل: متعلّق كلٍّ من التقوى والإطاعة مغايرٌ للآخر على ما روى الواحديُّ والثعلبيُّ، والمعنى: اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم، وقولِك: إنها تشفع وتنفع، وكأنه إنما قدّم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لِمَا أن المؤمنين قد همُّوا بما يقتضيه، بخلاف الإطاعة المنهيِّ عنها فإنها مما لم يهمَّ بما يقتضيها أحدٌ أصلاً، فكان الاهتمام بالأمر أتمَّ من الاهتمام بذلك النهي. (١) في حاشية (م): وفي رواية: ويزوِّجه شيبة بنته. اهـ منه. (٢) عزاه للطبري السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، ولم نقف عليه في تفسير الطبري. (٣) في حاشية (م): اسمه عمرو بن أبي سفيان. اهـ منه. وذكر ذلك الشهاب في الحاشية ١٥٦/٧، والصواب: عمرو بن سفيان، وقد أسلم فيما بعد، إلا أنه اختلف في صحبته. ينظر التجريد للذهبي ص٤٠٩، والإصابة ١١٤/٧. (٤) تفسير الثعلبي ٨/ ٥، وأسباب النزول للواحدي ص٣٦٩. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٢ : هكذا ذكره الثعلبي والواحدي دون سند. الآية : ٢ ١٨٣ سُورَةُ الأَجْزَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾﴾ مبالغاً في العلم والحكمة، فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد، فلا يأمركَ إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهاك إلا عمَّا فيه مفسدةٌ، ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة. فالجملةُ تعليلٌ للأمر والنهيٍ مؤگّدٌ لوجوب الامتثال بها . وقيل: المعنى: إنَّ الله كان عليماً بمن يتَّقي فيجازيه بما يليق به، حكيماً في هُدَى مَن شاء وإضلالٍ مَن شاء، فالجملة تسلية له وَّر. وليس بشيء. وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن زَيِّكْ﴾ عطف على ما تقدَّم من قبيل عطف العامٌّ على الخاص، أي: اتَّبِعْ في كلِّ ما تأتي وتَذَرُ من أمور الدِّين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآيةُ، الآمرةُ بتقوى الله تعالى، الناهيةُ عن إطاعة الكَفَرةِ والمنافقين. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾﴾ قيل: الخطاب للرسول وَّهِ، والجمعُ للتعظيم. وقال أبو البقاء: إنما جاء بالجمع لأنه عنى بقوله تعالى: (وَأَتَّبِعَ مَا يُوحَى) إلخ: اتَّبع أنت وأصحابك(١). وقيل: للغائبين من الكفرة والمنافقين بطريق الالتفات. ولا يخفَى بُعْدُه. نعم يجوز أن يكون للكلِّ على ضربٍ من التغليب. وأيّاً ما كان فالجملةُ تعليلٌ للأمر وتأكيدٌ لموجبه، فكأنه قيل على الأول: إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه الصلاح، فلا بد من اتّباع الوحي والعملِ بمقتضاه حتماً، وعلى الثاني: إنَّ الله تعالى خبيرٌ بما يعمل الكفرةُ والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما يدفعه، فلا بدَّ من اتّباع ما يوحيه جل وعلا إليك. وعلى الثالث: إن الله تعالى خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاحُ حالِكَ، ويطلعُك على كيدهم ومكرهم، ويأمرك جلَّ شأنُه بما يدفع ذلك ويردُّه، فلا بد من اتِّباع وحيه تعالى والعمل بموجبه. وقرأ أبو عمرو: ((يعملون)) بياء الغيبة(٢) على أنَّ الضمير للكفرة والمنافقين. وجوِّز كونُه عاماً فلا تغفل. (١) الإملاء ٨٨/٤. (٢) التيسير ص ١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢. سُوَّةُ الأَجْزَاءَ ١٨٤ الآية : ٣ - ٤ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَ﴾ أي: فوِّضْ جميعَ أمورك إليه عزَّ وجل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾﴾ حافظاً موكولاً إليه كلُّ الأمور. والإظهارُ في مقام الإضمار للتعظيم، ولتستقلَّ الجملة استقلالَ المَثَل. ﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ﴾ أخرج أحمد، والترمذيُّ وحسَّنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه، والضياء في ((المختارة))، عن ابن عباس ﴿ًا قال: قام النبيُّ وَله يوماً يصلِّي، فخطر خطرةً، فقال المنافقون الذين يصلّون معه: ألا ترى أنَّ له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم؟ فنزلت(١). وفي رواية عنه ظه: صلَّى رسول الله وَّهِ صلاةً فسها فيها، فخَطَرَتْ منه كلمةٌ، فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا: إنَّ له قلبين، ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة؟ إنَّ له قلباً معكم وقلباً مع أصحابه. فنزلت(٢). وقال مقاتل في تفسيره وإسماعيل بن أبي زياد الشاميُّ وغيرُهما: نزلت في أبي معمر الفهري، كان أهلُ مكة يقولون: له قلبان من قوة حفظه، وكانت العربُ تزعم أن كلَّ لبيبٍ أَريبٍ له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا اشتهر بين أهل مكة بذي القلبين، وهو على ما في ((الإصابة)) جميل بن أُسَيْد مصغّر الأسد (٣). وقيل: ابن أسد مكبّراً (٤). وسماه ابن دريد(٥): عبد الله بن وهب. وقيل: إنَّ ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة(٦) بن (١) مسند أحمد (٢٤١٠)، وسنن الترمذي (٣١٩٩)، وتفسير الطبري ٧/١٩، والمختارة ٥٣٩/٩-٥٤١، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر ١٨٠/٥. وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: قابوس ضعيف. اهـ. وقابوس هو ابن أبي ظبيان أحد رجال الإسناد. (٢) أخرج هذه الرواية ابن خزيمة في صحيحه (٨٦٥) من طريق قابوس بن أبي ظبيان أيضاً. (٣) الإصابة ٩٦/٢. (٤) الكشاف ٢٤٩/٣ . (٥) كما في الإصابة ٢/ ٩٧ . (٦) في حاشية (م): في البحر: حارثة، بدل: حذافة. اهـ منه. وينظر البحر ٧/ ٢١١. الآية : ٤ ١٨٥ سُورَةُ الأَجْزَاب جمح الجمحيُّ، وهو المعنيُّ بقوله: وكيف ثوائي .. ، البيت وقد تقدَّم في تفسير سورة لقمان(١). والمعوَّل على ما في ((الإصابة)). وحكي أنه كان يقول: إن لي قلبين أنهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد وَّل، فروي أنه انهزم يوم بدر فمرَّ بأبي سفيان وهو معلِّقٌ إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله، فقال له أبو سفيان: ما فَعَل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتولٍ وهارب. فقال له: ما بالُ إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننتُ إلا أنهما في رجليَّ(٢). فأكذب الله تعالى قولَه وقولَهم. وعن الحسن أنه كان جماعةٌ يقول الواحد منهم: نفسٌ تأمرني ونفسٌ تنهائي، فنزلت. والجَعْلُ بمعنى الخَلْقِ، و((مِن)) سيفُ خطيب، والمراد: ما خلق سبحانه لأحدٍ - أو لذي قلبٍ من الحيوان مطلقاً - قلبين، فخصوصُ الرجل ليس بمقصودٍ، وتخصيصُه بالذکر لکمالٍ لزوم الحياة فيه، فإذا لم یکن ذلك له فکیف بغيره من الإناث؟ وأمَّا الصبيان فمآلُهم إلى الرجولية. وقوله سبحانه: (فِي جَوْفِئٌ) للتأكيد والتصوير، كالقلوب في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّ فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وذُكر في بيانِ عدم جَعْلِه تعالى قلبين في جوفٍ بناءً على ما هو الظاهرُ من أنَّ المراد بالقلب المُضْغَةُ الصنوبرية: أنَّ النفس الناطقة وكذا الحيوانية لا بدَّ لها من متعلَّقٍ، ومتعلَّقُها هو الروحُ، وهو جسمٌ لطيفٌ بخاريٌّ يتكوَّن من ألطف أجزاء الأغذية؛ لأنَّ شدَّ الأعصاب يُبطل قوى الحسِّ والحركة عمَّا وراء موضع الشدِّ مما لا يلي جهة الدماغ، والشدُّ لا يمنع إلا نفوذَ الأجسام، والتجارب الطبية أيضاً (١) ٧١/٢١، وتمامه: وكيف ثَوَائي بالمدينة بعدما قضى وطراً منها جميلُ بنُّ معمر (٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٦٩-٣٧٠، وتفسير البغوي ٥٠٥/٣-٥٠٦، وعزاه الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٧٠-٣٧١ للسدي. وجاء في حاشية (م): وأسلم بعدُ، وعدَّه ابن حجر في الصحابة، وكذا جميل الجمحي. اهـ منه. وينظر الإصابة ٢/ ٩٦-٩٧، ترجمة جميل بن أسيد الفهري، وجميل بن معمر الجمحي. سُورَةُ الأَجْزَابِ ١٨٦ الآية : ٤ شاهدةٌ بذلك، وحيث إنَّ النفس واحدةٌ فلا بدَّ من عضوٍ واحدٍ يكون تعلُّقُها به أوَّلاً ، ثم بسائر الأعضاء بواسطته. وقد ذكر غير واحدٍ أنَّ أول عضوٍ يخلق هو القلب، فإنه المجمَعُ للروح، فيجب أن يكون التعلُّقُ أولاً به، ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء، فمنبعُ القوى بأسرها منه، وذلك يمنعُ التعدُّدَ إذ لو تَعدَّدَ بأنْ كان هناك قلبان لزم أن يكون کلِّ منهما أصلاً للقوى وغيرَ أصلٍ لها، أو تَوارُدُ علَّتين على معلولٍ واحد. ولا يخفى على مَن له قلبٌ أنَّ هذا مع ابتنائه على مقدِّماتٍ لا تكاد تَثْبتُ عند أكثر الإسلاميين من السَّلَف الصالح والخَلَفِ المتأخِّرين ولو بشقِّ الأنفس أمرٌ إقناعيَّ لا برهانٌ قطعيٍّ، على أنَّ الفلسفيَّ أيضاً له فيه مقالٌ (١). وقد يفسَّر القلب بالنفس بناءً على أنَّ سبب النزول ما روي عن الحسن، إطلاقاً للمتعلَّق على المتعلِّق، وقد بيَّنوا وحدةَ النفس وأنه لا يجوز أن تتعلَّق نفسان فأكثر بیدنٍ بما يطولُ ذكره، وللبحث فيه مجالٌ فليراجع. ثم إنَّ هذا التفسير - بناءً على أنَّ سبب النزول ما ذكر - غيرُ متعيِّنٍ، بل يجوز تفسيرُ القلب عليه بما هو الظاهرُ المتبادر أيضاً، وحيث إنَّ القلب متعلَّق النفس يكون نفيُ جَعْلِ القلبين دالًّا على نفي جَعْلِ النَّفْسَين، فتدبّر. ﴿َمَا جَعَلَ أَزْوَجَّكُمُ الَّتِى تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُنَهَتِكُمْ﴾ إبطالٌ لِمَا كان في الجاهلية من إجراء(٢) أحكام الأمومة على المُظاهَر منها، والظهارُ لغةً مصدرُ ظاهَرَ، وهو مفاعَلةٌ من الظَّهْر، ويستعمل في معانٍ مختلفةٍ راجعةٍ إليه معنًى ولفظاً بحسب اختلاف الأغراض، فيقال: ظاهَرْتُه: إذا قابلْتَ ظَهْرَك بظهره حقيقةً، وكذا إذا غايَظْتَه باعتبارٍ أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة. وظاهَرْتُه: إذا نَصَرْتَه باعتبار أنه يقال: قوَّى ◌َهْرَه، إذا نصره. وظاهرتُ بین ٹوبین: إذا لبستَ أحدهما فوق الآخر، على اعتبارٍ جَعْلٍ ما يلي به كلٌّ منهما الآخر ظهراً للثوب. ويقال: ظاهَرَ من زوجته: إذا قال لها: أنت عليَّ كظَهْرٍ أمِّي، نظير لبَّى إذا قال: لبيك، وأقَّف إذا قال: أُفّ. (١) في (م): على أن للفلسفي أيضاً له فيه مقالاً. (٢) في (م): إجزاء، وهو تصحيف. الآية : ٤ ١٨٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ وكونُ لَفْظِ الََّهْرِ في بعض هذه التراكيب مجازاً لا يمنع الاشتقاقَ منه، ويكون المشتقُّ مجازاً أيضاً. والمرادُ منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقاً منهم، وإنَّما عدِّي بـ ((من)) مع أنه يتعدَّى بنفسه؛ لتضمُّنه معنى التباعُدِ ونحوه مما فيه معنى المجانَبةِ ويتعدَّى بمن. والظهر في ذلك مجازٌ - على ما قيل - عن البطن؛ لأنه إنما يركبُ البطن، فقوله: كظهر أمي، بمعنى: كبطنها، بعلاقة المجاورة، ولأنه عموده، قال ابن الهمام(١): لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات. وقال الأزهريُّ ما معناه: خَصُّوا الظهر لأنه محلُّ الركوب، والمرأةُ تُركب إذا غُشيت(٢)، فهو كنايةٌ تلويحيةٌ؛ انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشيِّ، والمعنى: أنت محرَّمةٌ عليَّ لا تُركبين، كما لا يُركب ظهر الأم. وقيل: خصَّ الظهر لأنَّ إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً عندهم، فإتيانُ أمِّه من ظهرها أحرمُ، فكثُر التغليظ. وقيل: كَنَوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفَرْجِ وما يقرُبُ منه، سيما في الأم وما شُبِّه بها. وليس بذاك. وهو في الشرع تشبيهُ الزوجة أو جزءٍ منها شائع أو معبّرٍ به عن الكلِّ بما لا يحلُّ النظر إليه من المحرَّمة على التأبيد ولو برضاعٍ أو صهريةٍ، وزاد في ((النهاية))(٣) قيدَ الاتِّفاق، ليخرج التشبيه بما لا يحلُّ النظر إليه ممن اختلف في تحريمها كالبنت من الزنا، وتحقيقُ الحقِّ في ذلك في ((فتح القدير)). وخصَّ باسم الظهار تغليباً للظهر؛ لأنه كان الأصلَ في استعمالهم، وشرطُه في المرأة كونُها زوجةً، وفي الرجل كونُه من أهل الكفَّارة. وركنُه: اللفظ المشتملُ على ذلك التشبيه. وحُكْمُه: حرمةُ الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة. وتمامُ الكلام فيه في كتب الفروع. وسيأتي إن شاء الله تعالى بعضُ ذلك في محله. (١) في فتح القدير ٢٢٤/٣، وما قبله منه. (٢) تهذيب اللغة ٢٤٩/٦. (٣) النهاية شرح الهداية لحسام الدين حسين بن علي السِّغناقي المتوفى سنة (٧١٠هـ). كشف الظنون ٢٠٣٢/٢، ونقل المصنف كلامه بواسطة ابن الهمام في فتح القدير ٢٢٥/٣. سُورَةُ الأَجْزَابِ ١٨٨ الآية : ٤ وقرأ قالون وقنبل هنا وفي ((المجادلة)) و((الطلاق)): ((اللاء)) بالهمز من غير ياء، وورشٌ بياءٍ مختلَسةِ الكسرة، والبزيُّ وأبو عمرو: ((اللائْ)) بياءٍ ساكنةٍ بدلاً من الهمزة(١)، وهو بدلٌ مسموعٌ لا مقيسٌ، وهي لغة قريش. وقرأ أهل الكوفة غير عاصم: ((تَظَاهرون)) بفتح التاء وتخفيف الظاء، وأصلُه تتظاهرون فحذفت إحدى التاءين. وقرأ ابن عامر: ((تَظَّاهرون)) بفتح التاء وتشديد الظاء، وأصله كما تقدَّم إلا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء(٢). وقرأ الحسن: ((تُظَهِّرون)) بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشدِّ الهاء المكسورة(٣)، مضارع ظهَّر بتشديد الهاء بمعنى ظاهَرَ، كعقَّد بمعنى عاقَدَ. وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية: ((تُظْهِرون)) بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء، مضارع أَظْهَرَ (٤). وقرأ هارون عن أبي عمرو: ((تَظْهَرون)) بفتح التاء والهاء وسكون الظاء(٥)، مضارع ظَهَرَ بتخفيف الهاء. وفي مصحف أبيٍّ: ((تتظهَّرون)) بتاءين(٦). ومعنى الكلِّ واحد. ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَءَكُمْ﴾ إبطالٌ لِمَا كان في الجاهلية أيضاً وصَدْرٍ من الإسلام من أنه إذا تبنَّى الرجل ولدَ غيره أُجْرِيَتْ أحكامُ البنوّة عليه، وقد تَبَنَّى رسول الله ◌َ﴿ قبل البعثة زيد بن حارثة، والخطَّابُ عامر بن ربيعة، وأبو حذيفة مولاه سالماً، إلى غير ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وابنُ جرير وابن المنذر عن (١) التيسير ص١٧٧ -١٧٨، والنشر ٤٠٤/١. وقرأ أبو جعفر مثل ورش، وقرأ يعقوب مثل قالون وقنبل. (٢) التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٧/٢. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: (تَّهَّرون)) بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف. وقراءة عاصم هي: ((تُظاهِرون)) بضم التاء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء. (٣) القراءات الشاذة ص١١٨، والبحر ٢١١/٧. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٨/٤، والبحر ٢١١/٧، وعنه نقل المصنف. (٥) القراءات الشاذة ص١١٨، والبحر ٢١١/٧. (٦) المحرر الوجيز ٣٦٨/٤، والبحر ٢١١/٧. الآية : ٥ ١٨٩ سُورَةُ الأَجْزَابِ ١). مجاهدٍ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ﴾ إلخ، نزلت في زيد بن حارثة نظـ و((أدعياء)) جمع دَعِيٍّ، وهو الذي يُدْعَى ابناً، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقياسُه أن يجمع على فَعْلَى كجريح وجَرْحَى، لا على أَفْعِلَاء فإن الجمع عليه قياسُ فعيلٍ المعتلِّ اللام بمعنى فاعِلٍ، كتقيٍّ وأتقياء، فكأنه شبّه به في اللفظ فحُمل عليه وجُمع جمعَه، كما قالوا في أسير وقتيل: أُسَراء وقُتلاء. وقيل: إنَّ هذا الجمعَ مقيسٌ في المعتلِّ مطلقاً. وفيه نظر. ﴿ذَلِكُمْ﴾ قيل: إشارةٌ إلى ما يفهم من الجمل الثلاث: من أنه قد يكون قلبان في جوفٍ، والطّهارِ، والادِّعاءِ. وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرتين. وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرة. ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ﴾ فقط من غير أن يكون له مصداقٌ وحقيقةٌ في الواقع ونفسٍ الأمر، فإذن هو بمعزلٍ عن القبول أو استتباع الأحکام کما زعمتُم. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ آلْحَقَّ﴾ الثابتَ المحقَّقَ في نفس الأمر ﴿وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ أي: سبيلَ الحقِّ، فَدَعُوا قولَكم وخُذوا بقوله عزَّ وجل. وقرأ قتادةُ على ما في ((البحر)): (يُهَدِّي)) بضم الياء وفتح الهاء وشدِّ الدال(٢)، وفي ((الكشاف)) أنه قرأ: ((وهو الذي يهدي السبيل))(٣). ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآيِهِمْ﴾ أي: انسبوهم إليهم وخُصُّوهم بهم؛ أخرج الشيخان والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرهم عن ابن عمر ﴿ُهًا أنَّ زيد بن حارثة مولى رسول الله وَله ما كنَّا ندعوه إلا زيد بنَ محمد، حتى نزل القرآن: (آدْعُوهُمْ لِأَّبَابِهِمْ) إلخ. فقال النبيُّ ◌َلير: ((أنت زيد بن حارثة بن شراحيل))(٤). (١) تفسير الطبري ١٩/ ١٠، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر السيوطي في الدر ١٨١/٥. (٢) البحر ٧/ ٢١٢، وذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٩/٤. (٣) الكشاف ٣/ ٢٥٠. (٤) صحيح البخاري (٤٧٨٢)، وصحيح مسلم (٢٤٢٥)، وسنن الترمذي (٣٢٠٩) و(٣٨١٤)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٣٢) و(١١٣٣٣)، وأخرجه أحمد(٥٤٧٩)، وليس عندهم قول النبي و ﴿ لزيد: ((أنت زيد ... )). وذكره بهذه الزيادة السيوطي في الدر المنثور ١٨١/٥، = سُورَةُ الأَجْزَابِ ١٩٠ الآية : ٥ وكان من أمره ربه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس(١): أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيِّئ فأصيب في نهبٍ (٢) من طيِّئ، فقُدِمَ به سوقَ عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوَّق بها، فأوصته عمتُه خديجة أن يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربيّاً إن قدر عليه، فلمَّا قَدِمَ وجد زيداً يباع فيها، فأعجبه ظرفُه فابتاعه، فقدم به عليها وقال لها: إنِّي قد ابْتَعتُ لك غلاماً ظريفاً عربيًّا، فإن أعجبك فخذيه، وإلا فَدَعيه فإنه قد أعجبني. فلمَّا رأته خديجةُ أعجبها فأخذته، فتزوَّجها رسول الله وَ له وهو عندها، فأَعجب النبيَّ عليه الصلاة والسلام ظرفُه فاستوهبه منها(٣). فقالت: أَهَبُه لك، فإن أردتَ عتقه فالولاءُ لي. فأبى عليها عليه الصلاة والسلام، فَأَوْهَبته(٤) له إن شاء أَعْتَقَ وإن شاء أَمْسَكَ. قال: فشبَّ عند النبيِّ ◌َّ﴾، ثم إنه خرج في إبلٍ لأبي طالبٍ بأرض الشام، فمرَّ بأرضٍ قومه فعرفه عمُّه، فقام إليه فقال: مَن أنت يا غلام؟ قال: غلامٌ من أهل مكة. قال: من أنفسهم؟ قال: لا. قال: فحرِّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك. قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: أعرابيٍّ أنت أم عجمي؟ قال: عربي؟ قال: ممَّن أصلُك؟ قال: من كلب. قال: من أيِّ كلب؟ قال: من بني عبد ودٌّ. قال: ويحك ابنُ مَن أنت؟ قال: ابن حارثة بن شراحيل. قال: وأين أُصبت؟ قال: في أخوالي. قال: ومَن أخوالُك؟ قال: طيئ. قال: ما اسم أمِّك؟ قال: سعدى. فالتزمه وقال: ابن حارثة. ودعا أباه فقال: يا حارثة، هذا ابنُك. فأتاه حارثة فلمّا نظر إليه عرفه قال: كيف صُنْعُ مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده. فركب معه أبوه وعمُّه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله وَ لّ، فقال له حارثة: يا محمد، أنتم أهلُ حرم الله تعالى وجيرانُه وعند بيته تفكُّون العاني وتُطْعِمون الأسير، ابني عندك فامنُن علينا وأَحْسِنْ إلينا في فدائه، فإنك ابنُ سيد قومه، وإنَّا = وعنه نقل المصنف، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي وابن مردويه. (١) كما في الدر المنثور ١٨١/٥ . (٢) في الدر: غلمة، بدل: نهب. (٣) في حاشية (م): يروى أنه كان ابن ثمان حين وهب. اهـ منه. (٤) في الدر: فوهبته. الآية : ٥ ١٩١ سُوَّةُ الأَجْزَابِ سنرفع إليك في الفداء ما أحببتَ. فقال له رسول الله وَله: ((أعطيكم خيراً من ذلك» قالوا: وما هو؟ قال: ((أخيِّرُه، فإن اختاركم فخذوه بغيرِ فداءٍ، وإن اختارني فكفُّوا عنه)) فقال: جزاك الله تعالى خيراً فقد أحسنتَ. فدعاه رسول الله وَله فقال: ((يا زيد، أتعرف هؤلاء؟)) قال: نعم، هذا أبي وعمِّي وأخي. فقال عليه الصلاة والسلام: ((فَهُمْ مَن قد عرفتهم، فإن اختَرْتَهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا مَن تعلم)) قال له زيد: ما أنا بمختارٍ عليك أحداً أبداً، أنت معي بمكان الوالد والعمِّ. قال أبوه وعمه: أيا زيد، أتختار العبودية؟! قال: ما أنا بمفارقٍ هذا الرجل. فلما رأى رسول الله﴿ حرصه عليه قال: ((اشهدوا أنه حرِّ وأنه ابني يرثني وأرتُه)). فطابت نفسُ أبيه وعمه لِمَا رأوا من كرامته عليه عليه الصلاة والسلام، فلم يزل في الجاهلية يُدْعَى زيد بنَ محمد حتى نزل القرآن (آدْعُوهُمْ لِأَبَآَيِهِمْ) فدُعي زيد بنَ حارثة. وفي بعض الروايات: أنَّ أباه سمع أنه بمكة، فأتاه هو وعمُّه وأخوه فكان ما كان (١) ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ تعليلٌ للأمر، والضمير لمصدرِ («ادعوا)) كما في قوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، و((أقسط)) أَفْعَلُ تفضيلٍ قُصِدَ به الزيادةُ مطلقاً، من القسط بمعنى العدل، والمراد به: البالغُ في الصدق، فاندفع ما يتوهّمُ من أنَّ المقام يقتضي ذكر الصدق لا العدل، أي: دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغِّ في العدل والصدق وزائدٌ فيه في حُكْم الله تعالى وقضائه عزَّ وجل. وجوِّز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه، والمعنى: أَعْدَلُ مما قالوه، ویکون جعلُه ذا عدلٍ مع أنه زورٌ لا عدل فیه أصلاً على سبيل التھُم. ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: تعرفوا ﴿ءَابَآءَ هُمْ﴾ فتنسبوهم إليهم ﴿فَإِخْوَتُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ أي: وأولياؤكم فيه، فادعوهم بالأخوَّة والمولوية بتأويلهما بالأخوَّة والولاية في الدين، وبهذا المعنى قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة(٢)، وكان قد تبنَّاه قبلُ. (١) ينظر طبقات ابن سعد ٤٠/٣-٤٢، والمستدرك ٢١٣/٣-٢١٤. (٢) في الأصل و(م): مولى حذيفة، والصواب ما أثبتناه. سُورَةُ الأَجْزَابِ ١٩٢ الآية : ٥ وقيل: (مواليكم)) أي: بنو أعمامكم، وقيل: مُعْتَقوكم ومحرَّروكم، وكأن دعاءهم بذلك لتطبيب قلوبهم، ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي: إثم ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ أي: فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ولكن الجناح والإثم فيما تعمَّدتُموه بعد النهي، على أنَّ ((ما)) في محلِّ الجرِّ عطفاً على ((ما)) من ((فيما أخطأتم)). وتعقِّب بأنَّ المعطوف المجرور لا يُفْصَل بينه وبين ما عُطف عليه، ولذا قال سيبويه(١) في قولهم: ما مثلُ عبدِ الله يقول ذلك ولا أخيه: إنه حُذِفَ المضافُ من جهة المعطوف وأبقي المضاف إليه على إعرابه، والأصل: ولا مثلُ أخيه، ليكون العطف على المرفوع. وأجيبَ بالفرق بين ما هنا والمثال، وأنْ لا فَصْلَ فيه لأنَّ المعطوف هو الموصول مع صلته - أعني (ما تعمَّدت)) - على مثله أعني ((ما أخطأتم)). أو: ولكنْ ما تعمَّدتُم فيه الجناحُ، على أنَّ ((ما)» في موضع رفعٍ على الابتداء، وخبرُه جملةٌ مقدَّرة. ونسبة التعمُّد إلى القلوب على حدِّ النسبة في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وكون المراد في الأول: قبل النهي، وفي الثاني: بعده، أخرجه الفريابيُّ وابن أبي شيبة وابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد(٢). وقيل: كِلَا الأمرين بعد النهي، والخطأُ مقابلُ العمد، والمعنى: لا إثم عليكم إذا قلتم لولدِ غيرِكم: يا بنيَّ، على سبيل الخطأ وعدم التعمُّد، كأنْ سَهَوْتُم أو سَبَقَ لسانُكم، ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمِّدين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوتَ رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه (١) في الكتاب ٦٦/١ . (٢) الدر المنثور ١٨٢/٥، وهو في تفسير الطبري ١٤/١٩ بلفظ: ((تعمدت قلوبكم)) قال: فالعمد ما أتى بعد البيان والنهيٍ في هذا وغيره. الآية : ٥ ١٩٣ سِوَرَةُ الأَجْزَابَ أبوه لم يكن عليك بأس، ولكنْ ما تعمَّدْتَ وقَصَدْتَ دعاءه لغير أبيه(١). وجوِّز أن يراد بقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) إلخ العفوُ عن الخطأ دونَ العمد على طريق العموم؛ لحديث عائشة ﴿ثا قالت: قال رسول الله وَلجر: ((إنِّي لستُ أخافُ علیکم الخطاً، ولکنْ أخافُ علیکم العَمْدَ»(٢). وحديث ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((وُضِعَ عن أمَّتي الخطأُ والنِّسيانُ وما أُكرهوا عليه)(٣)، ثم تناول لعمومه خطأ التبِنِّي وعَمْدَه. والجملة على تقديرَي الخصوصِ والعموم واردةٌ على سبيل الاعتراض التذييليِّ تأكيداً لامتثالٍ ما نُدبوا إليه مع إدماج حُكمٍ مقصودٍ في نفسه. وجَعَلها بعضهم عطفاً مؤوَّلاً بجملةٍ طلبية - على معنى: ادعوهم لآبائهم هو أقسطٌ لكم، ولا تدعوهم لأنفسكم متعمِّدين فتأثموا - على تقدير الخصوص، وجملةٍ مستطردةٍ على تقدير العموم. وتعقِّبَ بأنه تكلُّفٌ عنه مندوحةٌ. وظاهرُ الآية حرمةُ تعمُّدٍ دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك، كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحثُّن والشفقة: يا ابني - وكثيراً ما يقع ذلك - فالظاهرُ عدم الحرمة . وفي ((حواشي)) الخفاجي على ((تفسير البيضاوي)): البنوّةُ وإنْ صحَّ فيها التأويلُ كالأخوَّة لكن نُهي عنها بالتشبيه بالكفرة، والنهيُ للتنزيه (٤). انتهى. ولعله لم يُرِدْ بهذا النهي ما تدلُّ عليه الآيةُ المذكورة، فإنَّ ما تدلُّ عليه نهيُ التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأَوْلَى أن يقال في تعليل (١) تفسير الطبري ١٣/١٩، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٨٢/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢/ ١١١. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٠٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٥٠: فيه بقية وهو مدلس. اهـ. وله شاهد من حديث أبي هريرة له أخرجه أحمد (٨٠٧٤)، وابن حبان (٣٢٢٢). (٣) أخرجه ابن حبان (٧٢١٩) بلفظ: ((إن الله تجاوز عن أمتي ... )). (٤) حاشية الشهاب ٧/ ١٦٠. سُؤَةُ الأَخْتَاب ١٩٤ الآية : ٥ النهي: سدًّا لباب التشُّه بالكفرة بالكلِّية. وهذا الذي ذكره الخفاجيُّ من كراهةٍ قول الشخص لولدٍ غيره: يا ابني، حكاه لي مَن أرتضيه عن ((فتاوى)) ابن حجر الكبرى. وحُكْمُ التبِّي بقوله: هو ابني، إن كان عبداً للقائل، العتقُ على كلِّ حالٍ، ولا يثبتُ نَسَبُه منه إلا إذا كان مجهول النسب، وكان بحيث يولد مثلُه لمثلِه، ولم يُقِرَّ قبله بنسبٍ من غيره، وعند الشافعيِّ لا عبرةَ بالتبنِّي، فلا يفيد العتقَ ولا ثبوتَ النسب، وتحقیقُ ذلك في موضعه. ثم الظاهر أنه لا فرقَ إذا لم يُعْرَفِ الأبُ بين أن يقال: يا أخي، وأن يقال: يا مولاي، في أنَّ كلَّ منهما مباحٌ مطلقاً حينئذٍ، لكن صرَّح بعضُهم بحرمةٍ أن يقال للفاسق: يا مولاي، لخبرٍ في ذلك، وقيل: لِمَا أنَّ فيه تعظيمَه وهو حرام، ومقتضاه أنَّ قول: يا أخي، إذا كان فيه تعظيمٌ بأن كان من جليلِ الشأن حرامٌ أيضاً، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوصٌ بما إذا لم يكن فاسقاً، ودليلُ التخصيص هو دليلُ حُرْمةٍ تعظيم الفاسق، فتدبَّر. وكذا الظاهرُ أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعوِّ ذكراً وكونِه أنثى، لكن لم نقف على وقوع التبنِّي للإناث في الجاهلية، والله تعالى أعلم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ فيغفرُ للعامد إذا تاب ﴿رَّحِيمًا ﴾﴾ ولذا رَفَعَ سبحانه الجُناحَ عن المخطئ. ويُعلم من الآية أنه لا يجوز انتسابُ الشخص إلى غير أبيه، وعدَّ ذلك بعضُهم من الكبائر؛ لِمَا أخرج الشيخان وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص، أنَّ النبيَّ وَّه قال: (مَن ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمُ أنه غيرُ أبيه فالجنةُ عليه حرامٌ))(١). وأخرج الشيخان أيضاً: (مَن ادَّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنةُ الله تعالى والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً)(٢). (١) صحيح البخاري (٦٧٦٦) و(٦٧٦٧)، وصحيح مسلم (٦٣)، وسنن أبي داود (٥١١٣)، وهو عند أحمد (١٤٥٤). (٢) صحيح البخاري (٣١٧٢)، وصحيح مسلم (١٣٧٠)، وأخرجه أحمد (٦١٥)، وهو من الآية : ٥ ١٩٥ سُوَرَّةُ الأَجْزَاءِ وأخرجا أيضاً: ((ليس من رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمُ إلا كفر))(١). وأخرج الطبراني في ((الصغير)) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه - وحديثه حسن - قال: قال رسول الله وَّهِ: ((كَفَرَ مَن تبرًّا من نسبٍ وإن دقَّ، أو ادَّعى نسباً لا يعرف)»(٢). إلى غير ذلك من الأخبار. هذا ومناسبةُ قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اَللَّهُ) إلخ لِمَا قبله أنه شروعٌ في ذكر شيءٍ من الوحي الذي أُمر ێے في اتباعه، کذا قيل. وقيل: إنه تعالى لمَّا أَمر بالتقوى كان من حقٌّها أن لا يكون في القلب تقوى غيرِ الله تعالى، فإنَّ المرء ليس له قلبان يتَّقي بأحدهما الله تعالى وبالآخَرِ غيرَه سبحانه إلا بصَرْفِ القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جلَّ وعلا، ولا يليق ذلك بمن يتَّقي الله تعالى حقَّ تُقَاتِهِ . وعن أبي مسلم أنه مثَّصلٌ بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَّفِفِينٌ) حيث جيء به للردِّ عليهم، والمعنى: ليس لأحدٍ قلبان يؤمِنُ بأحدهما ويكفرُ بالآخَرِ، وإنما هو قلبٌ واحد فإما أن يؤمن وإما أن يكفر. وقيل: هو متصلٌ بـ ((لا تطع)) و((اتَّبع))، والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتِّباعين متضادّين: اتِّباع الوحي والقرآن، واتِّباع أهل الكفر والطغيان، فكَنَى عن ذلك بذکر القلبين؛ لأن الاتِّباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب، فكما لا يُجمع قلبان في جوفٍ واحدٍ لا يُجمع اعتقادان متضادَّان في قلبٍ واحد. وقيل: هو متصلٌ بقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) من حيث إنه مُشْعِرٌ بوحدته عزَّ وجلَّ، فكأنه قيل: وتوثَّل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبِّر لأمور العالم، ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أنَّ أمر الرجل الواحد لا ينتظمُ ومعه قلبان، فكيف تنتظم أمورُ العالم وله إلهان. = حديث علي ظه، وليس في رواية البخاري: من ادعى إلى غير أبيه. (١) صحيح البخاري (٣٥٠٨)، وصحيح مسلم (٦١)، وأخرجه أحمد (٢١٤٦٥)، وهو من حديث أبي ذر (٢) المعجم الصغير (١٠٧٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٠١٩)، وابن ماجه (٢٧٤٤). سُورَةُ الأَخْزَاءُ ١٩٦ الآية : ٥ وقيل: إنَّ ذاك مَسُوقٌ للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكايةِ أباطيلهم. وذُكر أنَّ قوله تعالى: (مَا جَعَلَ) إلخ ضُرب مثلاً للظّهار والتبنِّي، أي: كما لا يكون لرجلٍ قلبان لا تكون المظاهرةُ أمَّا والمتبنَّى ابناً، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له، وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبيُّ(١): إنَّ هذا أنسبُ لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث على(٢) ترتیبٍ واحدٍ، وجَعَل سبحانه قوله جل وعلا: (ذَلِكُمْ) فذلكةً لها، ثم حَكَم تعالى بأنَّ ذلك قولٌ لا حقيقة له، ثم ذيَّل سبحانه وتعالى الكلَّ بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ). وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّ سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل: (آدْعُوهُمْ لِأَّبَآِهِمْ) الآية شاهدا صِدْقٍ بأنَّ الأول مضروبٌ للتبنِّي، ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهاتٍ، بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقاً، فإدخاله في قرنٍ مسألةِ التبنِّ استطراداً هو الوجهُ، لا أنه قولٌ لا حقيقةً له كالأول. وانتصر الخفاجيُّ للجماعة فقال: لو كان مثلاً للتنِّي فقط لم يفصل منه، وكونُ القلبين لرجلٍ وجَعْلُ المتبنَّى ابناً في جميع الأحكام مما لا حقيقةً له في نفس الأمر ولا في شرعٍ ظاهر، وكذا جَعْلُ الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبَّدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستَنَدٍ شرعيٍّ فلا حقيقةً له أيضاً، فما ادَّعاه غيرُ واردٍ عليهم، لا سيما مع مخالفته لِمَا رُوي عنهم (٣). انتهى، ويدُ الله تعالى مع الجماعة . وبَيَّن الطيبيُّ نَظْمَ الآيات من مفتتح السورة إلى هاهنا فقال: إنَّ الاستهلال بقوله تعالى: (يَأَّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ) دالٌّ على أنَّ الخطاب مشتملٌ على التنبيه(٤) على أمرٍ معتنّى بشأنه، لائح فيه معنى التهييج والإلهاب، ومن ثَمَّ عَطَفَ عليه ((ولا تطع)) كما يُعْطَفُ الخاصُّ على العامِ، وأَرْدَفَ النهي بالأمر، على نحو قولك: لا تُطِعْ مَن (١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) في (م): عن، والمثبت من الأصل وحاشية الطيبي. (٣) حاشية الشهاب ٧/ ١٥٨. (٤) في (م): التبنية، وهو تصحيف. :٠٠ الآية : ٦ ١٩٧ سُؤَةُ الأُخْرَانِ يخذلك واتَّبَعْ ناصِرَك، ولا يَبْعُدُ أن يسمَّى بالطرد والعكس(١)، ثم أمر بالتوُّل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورَهم، ثم عقّب سبحانه كلًّا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه، وعلَّل قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِنَ وَالْمُنَّفِقِينُ) بقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) تتميماً للارتداع، أي: اتَّق الله فيما تأتي وتَذَر في سرِّك وعلانيتك لأنه تعالى عليمٌ بالأحوال كلِّها يجب أن يُحذَّرَ من سخطه، حكيمٌ لا يحبُّ متابعةَ حبيبه أعداءَه. وعلَّل قوله تعالى: (وَتَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّيِكْ) بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) تتميماً أيضاً، أي: أنَّبِع الحقَّ ولا تتَّبِعْ أهواءهم الباطلةَ وآراءَهم الزائغةَ؛ لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم، فيكافئُ كلّا ما يستحقُّه، وذيَّل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ﴾ بقوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقريراً وتوكيداً، على منوالٍ: فلانٌ ينطق بالحقِّ والحقُّ أبلجُ، يعني مِن حقِّ مَن يكون كافياً لكلِّ الأمور أن تفوِّض الأمورُ إليه وتَتَوَّل(٢) عليه، وفَصَلَ قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفٍِ) على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعضٍ من أباطيلهم وتمثّلاتهم، وقولُه تعالى: (ذَلِكُمْ فَوْلُكُمْ) إلخ فذلكةٌ لتلك الأقوال أَذَنَتْ بأنها جديرةٌ بأنْ يُحكم عليها بالبطلان، وحقيقٌ بأن یذمَّ قائلها فضلاً عن أن يطاع، ثم وصل تعالى (وَاللَّهُ يَقُولُ آلْحَقَّ) إلخ على هذه الفذلكة بجامع النَّضَادٌ على منوالِ ما سبق في ((ولا تطع)) و (اتَّبع)) وفصلَ قوله تعالى: (آدْعُوهُمْ لِأَبِّكَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) وقوله تعالى: (النَّبِىُّ) إلخ وهلمَّ جرًّا إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحقِّ والاهتداءِ إلى السبيل القويم. انتهى، فتأمَّل ولا تغفل. ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أحقُّ وأقربُ إليهم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أو أشدُّ ولايةً ونصرةً لهم منها، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلَّا بما فيه صلاحُهم ونجاحُهم، بخلاف النفس فإنها إمَّا أمَّارةٌ بالسوء وحالُها ظاهرٌ، أوْ لا فقد تجهلُ بعض المصالح وتَخْفَى عليها بعضُ المنافع، وأُطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور. (١) الطرد والعكس كما عرَّفه الطيبي نفسه: هو أن يؤتى بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، كقوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. الإتقان ٢/ ٨٧٠. (٢) في الأصل و(م): وتوكل، والمثبت من حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. الآية : ٦ ١٩٨ سُورَةُ الأَجْزَاءُ ويعلمُ من كونه وَ لتر أولى بهم من أنفسهم كونُّه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كلٍّ من الناس، وقد أخرج البخاريُّ وغيره عن أبي هريرة عنه وَّ أنه قال: ((ما مِن مؤمنٍ إلَّا وأنا أَوْلَى الناسِ به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إنْ شئتُم: (النُِّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌ) فأيُّما مؤمنٍ تَرَكَ مالاً فليَرِثْه عصبتُه مَن كانوا، فإنْ ترك ديناً أو ضياعاً(١) فليأتني فأنا مولاه))(٢). ولا يلزمُ عليه كونُ الأنفُس هنا مثلَها في قوله تعالى: (وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) لأنَّ إفادةَ الآية المدَّعَى على الظاهر ظاهرةٌ أيضاً. وإذا كان ◌َ﴿ بهذه المثابة في حقِّ المؤمنين يجب عليهم أن يكون أحبَّ إليهم من أنفسهم، وحُكْمُهُ عليه الصلاة والسلام عليهم أنفذَ من حُكْمِها، وحقُّه آثَرَ لديهم من حقوقها، وشفقتهُم عليه أَقْدَمَ من شفقتهم عليها . وسببُ نزول الآية - على ما قيل - ما رُوي من أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج، فقال أناسٌ منهم: نستأذنُ آباءنا وأمهاتنا. فنزلت(٣). ووَجْهُ دلالتها على السبب أنه نَِّ إذا كان أَوْلَى من أنفسهم فهو أَوْلَى من الأبوين بالطريق الأَوْلَى، ولا حاجةَ إلى حَمْلِ ((أنفسهم)) عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفاً . ﴿وَزْوَجُ: أُمَّهَئُهُمْ﴾ أي: منزَّلاتٌ منزلةَ أمَّهاتهم في تحريم النكاح واستحقاقٍ التعظيم، وأمَّا فيما عدا ذلك من النظر إليهنَّ والخلوةِ بهنَّ وإرثهنَّ ونحو ذلك فهنَّ کالأ جنبیات. وفرَّع على هذا القسطلانيُّ في ((المواهب)) أنه لا يقال لبناتهن أخواتُ المؤمنين في الأصح(٤). والطبرسيُّ - وهو شيعيٌّ - أنه لا يقال لإخوانهن أخوالُ المؤمنين(٥). (١) في هامش الأصل و(م): أي: عيالاً ضياعاً. اهـ منه. قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٤/ ٥٧٥: الضَّياع - بفتح الضاد - مصدر ضاع، ثم جعل اسماً لكل ما هو بصدد أن يضيع من عیالٍ وبنین لا کافل لهم، ومالٍ لا قيِّم له. (٢) صحيح البخاري (٢٣٩٩)، وصحيح مسلم (١٦١٩). (٣) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٤٩٥، وقال: موضوع. (٤) المواهب اللدنية مع شرحه الزرقاني ٢١٦/٣. (٥) مجمع البيان ٢١/ ١٠١ . الآية : ٦ سـ ١٩٩ سُورَةُ الأَجْتَابِ ولا يَخْفَى أنه يُسِرُّ حَسْواً بارتغاء(١). وفي ((المواهب)): أنَّ في جواز النظر إليهنَّ وجهين أشهرُهما المنع. ولكون وَجْهِ الشَّبَهِ مجموعَ ما ذُكر قالت عائشة ﴿ّا لامرأة قالت لها: يا أمَّه: أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم. أخرجه ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في «سننه)» عنها(٢)، ولا ينافي هذا استحقاقَ التعظيم منهنَّ أيضاً. وأخرج ابن سعد عن أمٌّ سلمةَ ﴿ّ أنها قالت: أنا أمُّ الرجال منكم والنساء(٣). وعليه يكون ما ذُكر وجهَ الشَّبَهِ بالنسبة إلى الرجال، وأمَّا بالنسبة إلى النساء فهو استحقاقُ التعظيم. والظاهر أنَّ المراد من أزواجه كلُّ مَن أُطْلِقَ عليها أنها زوجةٌ لِهَِّهِ، مَن طلَّقها ومَن لم يطلِّقها، وروى ذلك ابنُ أبي حاتم عن مقاتل(٤)، فيثبتُ الحكمُ لكلِّهنَّ، وهو الذي نصَّ عليه الإمامُ الشافعيُّ، وصحَّحه في ((الروضة))(٥). وقيل: لا يثبتُ الحُكْمُ لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة، كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضاً. وصحّح إمام الحرمين والرافعيُّ في ((الصغير))(٦) تحريمَ المدخول بها فقط؛ لِمَا (١) مثل يضرب لمن يُظهر أمراً وهو يريد غيره. والارتغاء: شرب الرغوة. وأصله الرجل يؤتى باللبن فيُظهِرُ أنه يريد الرغوة خاصة ولا يريد غيرها، فيشربها وهو بذلك ينال من اللبن. المستقصى ٢/ ٤١٢، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال للبكري ص٧٦. ويريد المصنف بهذا أن الطبرسي إنما قال ما قال ردًّا على قولهم: معاوية خال المؤمنين، وذلك لكون أخته أم حبيبة من أمهات المؤمنين. وينظر تفسير القرطبي ١٧/ ٦٧، ودلائل النبوة للبيهقي ٤٥٩/٣ . (٢) طبقات ابن سعد ٦٥/٨ و٦٧، وسنن البيهقي ٧/ ٧٠، ووالدر ١٨٣/٥ . (٣) طبقات ابن سعد ١٧٩/٨ و٢٠٠. (٤) لم نقف عليه، وفي الدر المنثور ١٨٣/٥ عن ابن أبي حاتم أنه أخرج عن قتادة قوله: لا يحلُّ لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي ◌َ ﴿ في حياته إن طلَّق ولا بعد موته، هي حرام على كلِّ مؤمن مثل حرمة أمه .. (٥) روضة الطالبين ٧/ ١١ . (٦) هو الشرح الصغير لكتاب الوجيز في الفروع لحجة الإسلام الغزالي، والرافعي هو عبد الكريم بن محمد القزويني الشافعي، وله أيضاً شرح كبير للوجيز سماه: فتح العزيز على كتاب الوجيز. كشف الظنون ٢/ ٢٠٠٢. الآية : ٦ ٢٠٠ سُوَّةُ الأَجْزَانِ روي أنَّ الأشعث بن قيس نكح المستعيذةَ في زمن عمر ◌َظُه، فهمَّ عمر برجمه، فأخبر أنها لم تكن مدخولاً بها، فكفَّ(١). وفي روايةٍ: أنه ◌َُّهُ همَّ برجمها فقالت له: ولمَ هذا؟ وما ضُرِبَ عليَّ حجابٌ، ولا سمِّيتُ للمسلمين أمَّا؟! فكفَّ عنها(٢). وذَكر في ((المواهب)) أنَّ في حِلٌّ من اختارت منهنَّ الدنيا للأزواج طريقين: أحدُهما طردُ الخلاف، والثاني القَطْعُ بالحِلِّ. واختار هذا الإمام والغزالي(٣). وحكي القولُ بأنَّ المطلَّقة لا يثبت لها هذا الحكمُ عن الشيعة، وقد رأيتُ في بعض كتبهم نفيَ الأمومة عن عائشة ﴿ها؛ قالوا: لأنَّ النبيَّ نَّهِ فَوَّضَ إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أن يُبقيَ مَن يشاء من أزواجه ويطلِّقَ من يشاء منهنَّ بعد وفاته وكالةً عنه عليه الصلاة والسلام، وقد طلَّق ظُه عائشةً يوم الجمل، فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حُكْمُهنَّ. وبعد أن كتبتُ هذا اتَّفق لي أن نظرتُ في كتابٍ ألَّفه سليمان بن عبد الله البحرانيُّ(٤) - عليه مِن الله تعالى ما يستحقُّ - في مثالبٍ جَمْعٍ من الصحابة حاشاهم ﴿ه، فرأيتُ ما نصُّه: رَوَى أبو منصور أحمدُ بن أبي طالب الطبرسيُّ في كتاب ((الاحتجاج)) عن سعد بن عبد الله(٥) أنه سأل القائم المنتظَرَ وهو طفلٌ في حياة أبيه، فقال له: يا مولانا وابنَ مولانا، رُوي لنا أنَّ رسول الله وَّهِ جَعَل طلاقَ نسائه إلى أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، حتى إنه بَعَثَ في يوم الجمل رسولاً إلى عائشة وقال: إنك أَدْخَلْتِ الهلاكَ على الإسلام وأهلِه بالغشِّ الذي حصل منك، وأَوْرَدْتِ أولادَك في موضع الهلاك بالجهالة، فإن امتنعتٍ وإلَّا (١) ذكره الغزالي في الوسيط ٢١/٥، والخبر بهذا السياق لا أصل له في كتب الحديث كما ذكر ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣٩/٣. (٢) أخرجه ابن سعد ١٤٦/٨ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ا، وفيه أن الذي تزوَّجها هو المهاجر بن أبي أمية. وينظر ما سيأتي ص٤٢٨ من هذا الجزء. (٣) في الوسيط ٢١/٥. (٤) فقيه إمامي من الخطباء الشعراء، من تصانيفه: البلغة في رجال الحديث عند الشيعة، والفوائد النجفية، وأزهار الرياض، وغيرها، توفي سنة (١١٢١هـ). الأعلام ١٢٨/٣. (٥) الأشعري القمِّي، أبو القاسم، فقيه إمامي من أهل قمّ، من كتبه: مقالات الإمامية، ومناقب رواة الحديث، وفضل العرب، وغيرها، توفي سنة (٣٠٠هـ). الأعلام ٨٦/٣.