Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٢١ ١٦١ سُورَةُ التَّجَادَة النار هاهنا وقعت موقعَ الضميرِ والضميرُ لا يوصف، فأُجري الوصفُ على العذاب المضافِ إليها وهو مذكّر، وفي تلك الآية لم يَجْرِ ذكرُ النار في سياقها، فلم تقع النارُ موقعَ الضمير، فأُجْري الوصف عليها وهي مؤنَّئَةٌ دون العذاب، فتأمل. ﴿وَلَنُذِيقَتَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْفَ﴾ أي: الأقرب، وقيل: الأقل. وهو عذابُ الدنيا فإنه أقربُ من عذاب الآخرة وأقلُّ منه. واختلف في المراد به؛ فروَى النسائيُّ وجماعةٌ وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود: أنه سنونَ أصابتهم(١). ورُوي ذلك عن النخعيِّ ومقاتل. ورَوَى الطبرانيُّ وآخرون وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود أيضاً أنه ما أصابهم يومَ بدر(٢). وروي نحوُه عن الحسن بن عليٍّ ﴿هَا بلفظ: هو القتلُ بالسيف نحو يوم (٣) بدر(٣) . وعن مجاهد: القتلُ والجوع. وأخرج مسلم، وعبد الله بنُ أحمد في زوائد («المسند»، وأبو عوانة في (صحيحه))، وغيرُهم، عن أبي بن كعب أنه قال: هو مصائبُ الدنيا والرومُ والبطشةُ والدخان(٤). وفي لفظ مسلم: أو الدخان(٥). وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس أنه قال: هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها (٦). وفي رواية عنه وعن الضحاك وابن زيد بلفظ: مصائب الدنيا في الأنفس والأموال. (١) سنن النسائي الكبرى (١١٣٣١)، وعزاه للحاكم السيوطي في الدر ١٧٨/٥ . (٢) المعجم الكبير (٩٠٣٨)، وتفسير الطبري ٦٢٩/١٨، والمستدرك ٤١٤/٢. (٣) البحر ٢٠٣/٧، وأخرجه الطبري ٦٣٠/١٨ بلفظ: القتل بالسيف صبراً. (٤) مسند أحمد (٢١١٧٣)، وعزاه لأبي عوانة السيوطي في الدر ١٧٨/٥، وسيأتي تخريجه عند مسلم، وأخرجه أيضاً الطبري ٦٢٨/١٨، والحاكم ٤٢٨/٤. قوله: والروم، هي رواية مسلم والحاكم، وجاء في تفسير الطبري والدر: اللزوم، وفي مسند أحمد: اللزام، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]. (٥) صحيح مسلم (٢٧٩٩)، وزاد: شعبة الشاك في البطشة أو الدخان. اهـ. وشعبة هو أحد رجال الإسناد. (٦) تفسير الطبري ٦٢٧/١٨، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٧٨/٥ . سُورَةُ السَّجَادَةِ ١٦٢ الآية : ٢١ وفي معناه ما أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني قال: سألتُ عبادة بن الصامت عن قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ) الآيةَ، فقال: سألتُ رسول الله وَّ عنها فقال ◌َله: ((هي المصائبُ والأسقام والآصار، عذابٌ للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة)) قلت: يا رسول الله، فما هي لنا؟ قال: ((زكاةٌ وطَهورٌ)(١). وفي روايةٍ عن ابن عباس أنه الحدود. وأخرج هنَّد عن أبي عبيدة أنه فسَّره بعذاب القبر(٢). وحكي عن مجاهدٍ أيضاً. ﴿دُونَ الْعَذَابِ آلآگرِ﴾ هو عذاب يوم القيامة کما روي عن ابن مسعود وغیره، وقال ابن عطية: لا خلافَ في أنه ذلك. وفي ((التحرير)) أنَّ أكثرهم على أنَّ العذاب الأكبر عذابُ يوم القيامة في النار. وقيل: هو القتلُ والسبي والأسر. وعن جعفر بن محمد ﴿ أنه خروج المهديِّ بالسيف(٣). انتهى. وعليهما يفسّر العذابُ الأدنى بالسنين أو الأسقام، أو نحو ذلك مما يكون أدنى مما ذُكر. وعن بعض أهل البيت تفسيرُه بالدابة والدجَّال، والمعوَّل عليه ما عليه الأكثر. وإنما لم يقل: الأصغر، في مقابلة ((الأكبر))، أو: الأبعد، في مقابلة ((الأدنى))؛ لأنَّ المقصود هو التخويفُ والتهديد، وذلك إنما يحصل بالقُرْبِ لا بالصِّغر، وبالكِبَر لا بالبُعْدِ؛ قاله النيسابوري ملخّصاً له من كلام الإمام(٤). وكذا أبو حيان، إلا أنه قال: إنَّ الأدنى يتضمَّنُ الأصغر لأنه منقضٍ بموت المعذَّب، والأكبر يتضمّنُ الأبعد لأنه واقعٌ في الآخرة، فحصلت المقابلةُ من حيث التضمُّنُ، وصرِّح بما هو آكَدُ في التخويف(٥) . ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾﴾ أي: لعل مَن بقي منهم يتوبُ؛ قاله ابن مسعود. وقال الزمخشريُّ: أو لعلهم يريدون الرجوعَ ويطلبونه، كقوله تعالى: ﴿فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ (١) الدر المنثور ١٧٨/٥ . (٢) الزهد لهناد (٣٤٥). (٣) نقل المصنف كلام ابن عطية وكلام صاحب التحرير عن البحر ٢٠٣/٧، ولم نقف على كلام ابن عطية في المحرر. (٤) غرائب القرآن ٦٧/٢١، وينظر تفسير الرازي ١٨٣/٢٥-١٨٤. (٥) البحر ٢٠٣/٧ -٢٠٤. الآية : ٢١ ١٦٣ سُورَةُ المَجَادَة صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وسمِّيت إرادةُ الرجوع رجوعاً كما سمِّيت إرادةُ القيام قياماً في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ويدلُّ عليه قراءةٌ مَن قرأ: (يُرْجَعون)) على البناء للمفعول(١). انتهى. وهو على ما حُكي عن مجاهدٍ ورُوي عن أبي عبيدة، فيتعلَّق ((لعلهم)) إلخ بقوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْفَ) كما في الأول، إلَّا أنَّ الرجوع هنالك التوبةُ، وهاهنا الرجوعُ إلى الدنيا، ويكون من باب: ﴿فَالْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أو يكون الترجِّي راجعاً إليهم، ووجهُ دلالة القراءة المذكورة عليه أنه لا يصحُّ الحمل فيها على التوبة. والظاهرُ التفسيرُ المأثور، والقراءةُ لا تأباه؛ لجوازٍ أن يكون المعنى عليها : لعلهم يُرجعهم ذلك العذاب عن الكفر إلى الإيمان. و((لعل)) لترجّي المخاطّبين كما فسَّرها بذلك سيبويه(٢)، وعن ابن عباس تفسيرُها هنا بـ ((كي))، وكأنَّ المراد: كي نُعرِّضَهم بذلك للتوبة. وجَعَلَها الزمخشريُّ لتَرجِّيه سبحانه، ولاستحالةِ حقيقةِ ذلك منه عزَّ وجلَّ حمله على إرادته تعالى، وأَوْرَدَ على ذلك سؤالاً أجاب عنه على مذهبه في الاعتزال(٣)، فلا تلتفت إليه . هذا والآياتٌ من قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَاً) إلى هنا نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان بن عفان ته لأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس؛ أخرج أبو الفرج الأصبهانيُّ في كتاب ((الأغاني)) والواحديُّ وابن عديٍّ وابن مردويه والخطيبُ وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنا أحدُّ منك سناناً، وأَبسطُ منك لساناً، وأملأُ للكتيبة منك. فقال عليٍّ ه: اسكت فإنما أنت فاسقٌ. فنزلت (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا) إلخ(٤). (١) الكشاف ٢٤٥/٣. (٢) سلف كلامه ٢٢٧/١. (٣) الكشاف ٢٤٥/٣. (٤) الأغاني ٥/ ١٤٠، وأسباب النزول للواحدي ص٣٦٧-٣٦٨، والكامل لابن عدي ٢١٣١/٦، سُورَةُ المَجَادَة ١٦٤ الآية : ٢١ وأخرج ابن أبي حاتم عن السديِّ نحوَ ذلك، وأخرج هذا أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنها نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والوليد بن عقبة، ولم يذكر ما جرى (١). وفي روايةٍ أخرى عنه أنها نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه ورجلٍ من قريش ولم يسمِّه. وفي ((الكشاف)): روي في نزولها أنه شَجَر بين عليٍّ رَؤُه والوليد بن عقبة يومَ بدرٍ كلامٌ، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبيٌّ، أنا أَشَبُّ منك شباباً، وأَجْلَدُ منك جَلَداً، وأَذْرِبُ منك لساناً، وأحدُّ منك سناناً، وأشجعُ منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة. فقال له عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: اسكت فإنك فاسق. فنزلت(٢). ولم نره بهذا اللفظ مسنداً، وقال الخفاجيُّ: قال ابن حجر: إنه غلطٌ فاحش، فإنَّ الوليد لم يكن يومَ بدرٍ رجلاً، بل كان طفلاً لا يتصوَّر منه حضورُ بدرٍ وصدورُ ما ذكر (٣). ونقل الجلال السيوطيُّ عن الشيخ وليِّ الدِّين: هو غير مستقيم، فإنَّ الوليد يصغرُ عن ذلك. وأقول: بعضُ الأخبار تقتضي أنه لم يكن مولوداً يوم بدرٍ، أو كان صغيراً جدّاً؛ أخرج أبو داود في ((السنن)) من طريق ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى عبد الله الهمدانيِّ عنه أنه قال: لمَّا افتتح رسولُ الله وَلّهِ مكة جعل أهلُ مكة يأتونَه بصبيانهم فيمسحُ على رؤوسهم، فأُتي بي إليه وَ ل﴿ وأنا مخلَّقٌ، فلم يمسَّني من أجل الخلوق(٤). إلا أنَّ ابن عبد البر قال: إنَّ أبا موسى مجهول، وأيضاً ذكر الزبير وغيره من أهل العلم بالسِّيرَ أنَّ أمّ كلثوم بنتَ عقبة لمَّا خرجت مهاجرةً إلى النبيِّ وَيه وتاريخ بغداد ٣٢١/١٣، وتاريخ ابن عساكر ٢٣٥/٦٣، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر = ١٧٧/٥-١٧٨. وأخرجه أيضاً أحمد في فضائل الصحابة (١٠٤٣). (١) الخبران في الدر المنثور ١٧٨/٥ . (٢) الكشاف ٣/ ٢٤٥-٢٤٦. (٣) حاشية الشهاب ٧/ ١٥٤، وكلام ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣١ دون قوله: بل كان طفلاً ... إلخ. (٤) سنن أبي داود (٤١٨١)، وهو عند أحمد (١٦٣٧٩). الآية : ٢١ ١٦٥ سُورَةُ الْتَجَدَة في الهدنة سنةَ سبع، خرج أخواها الوليدُ وعمارة ليردَّاها، وهو ظاهر في أنه لم يكن صبيّاً يوم الفتّح؛ إذ مَن يكون كذلك كيف يكون ممن خرج ليردًّ أخته قبل الفتح(١)؟ وبعضُ الأخبار تقتضي أنه كان رجلاً يوم بدر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه ((الإصابة)) أنه قَدِمَ في فداء ابن عمِّ أبيه الحارث بن أبي وَجْزةً بن أبي عمرو بن أمية، وكان أُسر يومَ بدر فافتداه بأربعة آلاف، وقال: حكاه أهل المغازي(٢). ولم يتعقَّبِه بشيءٍ، وسَوْقُ كلامه ظاهرٌ في ارتضائه، ووجهُ اقتضائه ذلك أنَّ ما تعاطاه من أفعال الرجال دون الصبيان، وهذا الذي ذكرناه عن ابن حجر يخالف ما ذكره عنه الخفاجيُّ عليه الرحمة مما مرَّ آنفاً . ولا ينبغي أن يقال: يجوزُ أن يكون صغيراً ذلك اليوم صغراً يمكنُ معه عادةً الحضورُ، فحضر وجرى ما جرى؛ لأنَّ وَصْفَه بالفسق بمعنى الكفر والوعيدَ عليه بما سمعتَ في الآيات مع كونه دون البلوغ مما لا يكاد يذهب إليه إلا مَن يلتزم أنَّ التكليف بالإيمان إذ ذاك كان مشروطاً بالتمييز. ولا أن يقال: يجوزُ أن تكون هذه القصة بعد إسلامه، وقد أطلق عليه ((فاسقٌ)) وهو مسلم في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِّبَإٍ فَتَبَيُّواْ﴾ [الحجرات: ٦] فقد قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنها نزلت فيه، حيث إنه وَ* بعثه مصدِّقاً إلى بني المصطلق، فعاد وأخبر أنهم ارتدُّوا ومنعوا الصدقة (٣). ولم يكن الأمرُ كذلك؛ لأنَّ الفسق هاهنا بمعنى الكفر، وهناك لیس کذلك. ثم اعلم أنَّ القول بأنها نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والوليدِ لكلام جرى يوم بدر يقتضي أنها مدنيةٌ، والمختارُ عند بعضهم خلافُه (٤). (١) الاستيعاب ٢٢/١١-٢٣، وقال أيضاً: والحديث منكر مضطرب لا يصح. (٢) الإصابة ٣١٣/١٠. (٣) الاستيعاب ٢٣/١١. (٤) وذكر الزجاج في معاني القرآن ٢٠٨/٤ أنها نزلت في عليٍّ وعقبة بن أبي معيط، وأخرجه الخطيب وابن عساكر كما ذكر السيوطي في أسباب النزول ص٢٩٣، وقال: كذا في هذه = سُورَةُ السَّجَادَة ١٦٦ الآية : ٢٢ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَن ◌ُّكِرَ بِثَتِ رَبِّ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ بيانٌ إجماليٌّ لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حالٍ مَن قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد، وكلمة ((ثم)) لاستبعاد الإعراض عنها عقلاً مع غايةٍ وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر بن عُلْبَةَ الحارثيّ: يرى غمراتِ الموتِ ثم يزورُها (١) ولا يكشف الغمَّاء إلا ابنُ حُرَّةٍ والمرادُ أنَّ ذلك أظلمُ من كلِّ ظالم. ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ قيل: أي: مِن كلِّ مَن انَّصف بالإجرام وكَسْبِ الأمورِ فكيف ممن هو أظلمُ من كلِّ المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة ﴿مُنْتَقِمُونَ ®﴾ ظالم، وأشدُّ جرماً من كلِّ جارم؟ ففي الجملة إثباتُ الانتقام منه بطريقٍ برهانيٍّ. وجوِّز أن يراد بالمجرم المُعْرِضُ المذكور، وقد أقيم المظهَرُ مقام المضمَر الراجع إلى (مَن) باعتبارِ معناها، وكان الأصل: إنَّا منهم منتقمون، ليؤذِنَ بأنَّ علَّةً الانتقام ارتكابُ هذا المُعْرِضِ مثلَ هذا الجرم العظيم. وفسَّر البغوي ((المجرمين)» هنا بالمشركين(٢). وقال الطيبيُّ(٣) عليه الرحمةُ بعد حكايته: ولا ارتيابَ أنَّ الكلام في ذمِّ المُعْرِضين، وهذا الأسلوبُ أذمُّ لأنه يقرِّر أنَّ الكافر إذا وُصف بالظلم والإجرام حُمِلَ على نهاية كفره وغايةِ تمرُّده، ولأنَّ هذه الآية = الرواية أنها نزلت في عقبة لا الوليد. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٣/٤: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية لأن عقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله ﴾﴾ من بدر. (١) شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٢٥/١، وللمرزوقي ٤٩/١، والحماسة البصرية ٤٦/١، والكشاف ٢٤٦/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١٥٤، والتذكرة السعدية ص١٠٠. قال المرزوقي: أي: لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى قُحَمَ الموت ثم يتوسطها ويصبر فيها، وإنما قال: ابن حُرَّة؛ لينبه على زوال الهجنة منه. ووقع في الأصل و(م): علية، وهو تصحيف؛ قال البغدادي في الخزانة ١٠/ ٣١٠: جعفر بن عُلْبة بضم العين وسكون اللام بعدها موحدة، يكنى أبا عارم، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، شاعر مقلَّ غَزِل، وفارس مذكور في قومه. اهـ. وقال التبريزي: وعُلبة مسمَّى بالعُلبة التي يحتلب فيها، وهو إناء من جلود يؤطر حولها قضيب، أي: يُعطف. (٢) تفسير البغوي ٥٠٣/٣ . (٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. الآية : ٢٣ ١٦٧ سُورَةُ التَّجَادَة كالخاتمة لأحوال المكذِّبين القائلين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَةٌ﴾(١) [السجدة: ٣] والتخلُّصِ إلى قصة الكليم مسلاةً لقلب الحبيب عليهما الصلاة والسلام، إلى آخر ما ذكره فلْيُراجَعْ. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ أي: جنسَ الكتاب ﴿فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةِ﴾ أي: شكِّ. وقرأ الحسن: (مُرْية)) بضم الميم(٢). ﴿مِّنْ لِقَّآيَةٍ﴾ أي: لقائكَ ذلك الجنسَ، على أنَّ((لقاء» مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعلُه محذوفٌ وهو ضمير النبيِّ وَل﴿، والضميرُ المذكور لـ ((الكتاب)» المرادِ به الجنسُ، وإيتاءُ ذلك الجنس باعتبار إيتاء التوراة، ولقاؤه باعتبار لقاء القرآن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَغُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِرٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وقولِه سبحانه: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ, يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبًا يَلْقَلهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. وحَمَلَ بعضُهم ((الكتاب)) على العهد، أي: الكتاب المعهودَ، وهو التوراةُ، ولمَّا لم يصحَّ عودُ الضمير إليه ظاهراً لأنه ◌َّهِ لم يَلْقَ عينَ ذلك الكتاب، قيل: الكلام على تقدير مضافٍ، أي: لقاءٍ مِثْلِه، أو على الاستخدام(٣)، أو أنَّ الضمير راجعٌ إلى القرآن المفهوم منه، ولا يخفى ما في كلِّ من البُعْد. والمعنى: إنَّا آتينا موسى مثلَ ما آتيناك من الكتاب، ولقَّيْناه من الوحي مثلَ ما لقَّيناك من الوحي، فلا تكن في شكٌّ من أنك لقيتَ مثلَه ونظيره، وخلاصةٌ ما تؤذِنُ به الفاءُ التفريعية: إنَّ معرفتك بأنَّ موسى عليه السلام أوتي التوراةَ ينبغي أن تكون سبباً لإزالة الرَّيْبِ عنك في أمر كتابك، ونهيُهُ وَّر عن أن يكون في شكٌّ المقصودُ منه نهيُّ أمته وَِّ، والتعريضُ بمن اتَّصف بذلك. وقيل: المصدر مضافٌ إلى الفاعل، والمفعولُ محذوفٌ هو ضميره وَلِّ، أي: من لقائه إياك ووصوله إليك. وفي التعبير باللقاء دون الإيتاء من تعظيم شأنه ولي ما لا يخفى على المتدبِّر، وقد يقال: إنَّ التعبير به على الوجه السابق مؤذنٌ بالتعظيم أيضاً لكنْ من حيثيةٍ أخرى، فتدبّر. (١) كذا في حاشية الطيبي، وواضح أن قولهم هو: ((افتراه)) دون ما قبلها. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٤/٤، والبحر ٢٠٥/٧. (٣) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١. سُورَةُ السَّجَادَة ١٦٨ الآية : ٢٣ وقيل: ((الكتاب)): التوراة، وضمير ((لقائه)) عائدٌ إليه من غير تقدير مضافٍ ولا ارتكابٍ استخدامِ، و((لقاء)) مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، وفاعلُه ((موسى))، أي: من لقاء موسى الكتابَ، أو مضافٌ إلى فاعله ومفعولُه ((موسى))، أي: من لقاء الكتابِ موسى ووصولِهِ إليه، فالفاءُ مثلُها في قوله: فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا(١) ليس الجمال بمئزر دخلتْ على الجملة المعترضة بَدَلَ الواو اهتماماً بشأنها . وعن الحسن أنَّ ضمير ((لقائه)) عائدٌ على ما تضمَّنه الكلامُ من الشدة والمحنة التي لقي موسى عليه السلام، فكأنه قيل: ولقد آتينا موسى هذا العبءَ الذي أنت بسبيله فلا تمترِ أنك تلقَى ما لقي هو من الشدة والمحنة بالناس (٢)، والجملةُ اعتراضيةٌ. ولا يخفى بعدُه. وأبعدُ منه بمراحل ما قيل: الضمير لملك الموت الذي تقدَّم ذكره، والجملةُ اعتراضيةٌ أيضاً، بل ينبغي أن يُجلَّ كلامُ الله تعالى عن مثل هذا التخريج. وأخرج الطبرانيُّ وابن مردويه، والضياء في ((المختارة)) بسندٍ صحيح عن ابن عباس أنه قال في الآية: أي: من لقاء موسى(٣). وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد نحوَه(٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أنه قال كذلك، فقيل له: أَوَ لقيَ رَّه موسى؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن (١) التمثيل والمحاضرة ص ٦٥، والحماسة البصرية ١/ ٥٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١ / ١٧٤. (٢) البحر ٢٠٥/٧، وذكره أيضاً النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٩٧، وقال: وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو بن عبيد. (٣) كذا ذكر المصنف، والذي في الدر المنثور ١٧٩/٥ (والكلام منه): عن ابن عباس عن النبي وَ ل*، وفيه أيضاً: ((من لقاء موسى ربَّه))، وكذا أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٧٥٨)، والضياء في المختارة ٣٥/١٠. وصنيع المصنف رحمه الله يشير إلى أنه ذكره في معرض الاستدلال على القول بأن معنى الآية: فلا تكن في شكٍّ من لقاء موسى، ويدل على ذلك ما سيأتي بعده عن مجاهد وأبي العالية. (٤) الدر المنثور ١٧٩/٥ بلفظ: ((فلا تكن في مرية من لقائه)) قال: من أن تلقى موسى: الآية : ٢٤ ١٦٩ سُورَةُ السَّجَادَة رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥](١). وأراد بذلك لقاءَه وله إياه ليلة الإسراء كما ذكر في الصحيحين وغيرهما (٢)، وروي نحوُ ذلك عن قتادة وجماعةٍ من السلف(٣)، وقاله المبرِّدُ حين امتحن الزجَّاج بهذه الآية (٤)، وكأنَّ المراد من قوله تعالى: (فَلَا تُنْ فِی مِنْيَكِ مِن لِقَابِةٍ) على هذا وعدُه تعالى نبيَّهِ وَله بلقاء موسى، وتكون الآية نازلةً قبل الإسراء، والجملةُ اعتراضية بالفاء بدل الواو كما سمعتَ آنفاً، وجَعْلُها مفرَّعةً على ما قبلها غيرُ ظاهرٍ، وبهذا اعترض بعضهم على هذا التفسير، وبالفرار إلى الإعراض سلامةٌ من الاعتراض، وكأنِّي بك ترجِّحُه على التفسير الأول من بعض الجهات، والله تعالى الموفِّق. ﴿وَحَعَلْنَهُ﴾ أي: الكتابَ الذي آتيناه موسى. وقال قتادة: أي: وجعلنا موسى عليه السلام ﴿هُدِّى﴾ أي: هادياً من الضلالة ﴿لِيَنِىَّ إِسْرَِّلَ ﴾ خصُّوا بالذكر لِمَا أنهم أكثرُ المنتفعين به. وقيل: لأنه لم يُتَعَبَّد بما في كتابه عليه الصلاة والسلام ولدُ إسماعيل وَهو. ﴿وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةٌ﴾ قال قتادة: رؤساء في الخير سوى الأنبياءِ عليهم السلام، وقيل: هم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل ﴿يَهْدُونَ﴾ بقيتَهم بما في تضاعيف الكتاب من الحِكَم والأحكام إلى طريق الحقِّ، أو يهدونهم إلى ما فيه من دين الله تعالی وشرائعه عز وجل. ﴿يَأَمْرِنَا﴾ إياهم بأنْ يَهْدُوا، على أنَّ الأمر واحدُ الأوامر، وهذا على القول بأنهم أنبياءُ ظاهرٌ، وأما على القول بأنهم ليسوا بأنبياء فيجوز أن يكون أمره تعالى إياهم بذلك على حدِّ أمر علماء هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اُلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِْغَرُوفِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]. وجوِّز أن يكون الأمرُ واحدَ الأمور، والمرادُ: يهدون بتوفيقنا. (١) الدر المنثور ١٧٩/٥. (٢) صحيح البخاري (٣٢٣٩)، وصحيح مسلم (١٦٥)، وتفسير الطبري ١٨/ ٦٣٦ . (٣) أخرجه عن قتادة مسلم إثر الحديث (١٦٥)، وذكره البغوي ٣/ ٥٠٣ عن ابن عباس (٤) المحرر الوجيز ٣٦٤/٤، وذكره الزجاج في معاني القرآن ٢٠٩/٤. سُورَةُ المَجَادَة ١٧٠ الآية : ٢٥ ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ قال قتادة: على ترك الدنيا. وجوَّز غيرُه أن يكون المراد: لمَّا صبروا على مشاقٌ الطاعة ومقاساة الشدائد في نصرة الدين. و((لمَّا)) يحتمل أن تكون هي التي فيها معنى الجزاء، نحو: لمَّا أكرمتني أكرمتُك، أي: لمَّا صبروا جعلناهم(١) أئمةً، ويحتمل أن تكون هي التي بمعنى الحين الخاليةِ عن معنى الجزاء، والظاهرُ أنها حينئذٍ ظرفٌ لـ ((جعلنا»، أي: جعلناهم أئمةً حين صبروا. وجوَّز أبو البقاء كونَها ظرفاً لـ ((يهدون))(٢). وقرأ عبد الله وطلحةُ والأعمشُ وحمزةٌ والكسائيُّ ورويس: ((لِمَا)) بكسر اللام وتخفيف الميم(٣)، على أنَّ اللام للتعليل و((ما)) مصدرية، أي: لصَبْرِهم، وهو متعلّقٌ بـ ((جعلنا)) أو بـ ((يهدون)). وقرأ عبد الله أيضاً: ((بما)) بالباء السببية و((ما)) المصدرية، أي: بسبب (٤) صبرهم(٤). ﴿وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا﴾ التي في تضاعيف الكتاب. وقيل: المراد بها ما يعمُّ الآيات التكوينية، والجارُّ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿يُوقِنُونَ ﴾﴾ أي: كانوا يوقنون بها لإمعانهم فيها النظر لا بغيرها من الأمور الباطلة. وهو تعريضٌ بكفرة أهل مكة، والجملةُ معطوفةٌ على (صبروا))، فتكون داخلةً في حيِّز ((لما))، وجوِّز أن تكون معطوفةً على ((جعلنا))، وأن تكون في موضع الحال من ضمير ((صبروا))، والمراد كذلك: لنجعلنَّ الكتاب الذي آتيناكه - أو لنجعلنَّك - هدى لأمتك، ولنجعلنَّ منهم أئمةً يهدون مثل تلك الهداية. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ أي: يقضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قيل: بين الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وقيل: بين المؤمنين والمشركين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيميِّز سبحانه بين المحقِّ والمبطل ﴿فِيمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ من أمور الدين. (١) في الأصل و(م): جعلنا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/ ٨٧. (٢) الإملاء ١٨٦/٤ -١٨٧. (٣) التيسير ص١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ٢٠٥/٧. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٥/٤، والبحر ٢٠٥/٧. الآية : ٢٦ ١٧١ سُوَّةُ السَّجْدَة ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والواوُ للعطف على منويٍّ يقتضيه المقامُ ويناسبُ المعطوفَ معنّى على ما اختاره غير واحد، وفعلُ الهداية إما من قبيل: فلان يعطي، في أنَّ المراد إيقاعُ نفس الفعل بلا ملاحظةِ المفعول، وإما بمعنى التبيين والمفعولُ محذوفٌ، والفاعلُ ضميرٌ عائدٌ إلى ما في الذهن ويفسِّره قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ﴾، و(كم)) في محلِّ نصبٍ بـ ((أهلكنا))، أي: أغَفِلوا ولم يَفْعَل الهدايةَ لهم - أو: ولم يبيِّن لهم مآلَ أمرهم، أو طريقَ الحقِّ - كثرةُ مَن أهلكنا أو كثرةُ إهلاك مَن أهلكنا من القرون الماضية مثلَ عاد وثمود وقوم لوط. ولا يجوز أن تكون ((كم)) فاعلاً؛ لصدارتها، كما نصَّ على ذلك الزجَّاج حاكياً له عن البصريين(١). وقال الفرَّاء: ((كم)) في موضع رفعٍ بـ ((يهد))، كأنك قلت: أو لم يَهْدِ لهم القرونُ الهالكةُ فيتَّعظوا(٢). ولا أن يكون محذوفاً؛ لأن الفاعل لا يُحذف إلا في مواضعَ مخصوصةٍ ليس هذا منها، ولا مضمَراً عائداً إلى ما بعدُ لأنه يلزمُ عودُ الضمير إلى متأخرٍ لفظاً ورتبةً في غير محلٌّ جوازه، ولا الجملةُ نفسُها لأنها لا تقع فاعلاً على الصحيح إلا إذا قُصِدَ لفظُها، نحو: تَعْصِمُ لا إله إلا الله الدماءَ والأموال. وجوِّز أن يكون الفاعلُ ضميرَه تعالى شأنُه لسَبْقِ ذكره سبحانه في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ) إلخ، وأُيِّد بقراءة زيد: ((نهد لهم)) بنون العظمة(٣)؛ قال الخفاجيّ(٤): والفعل معلَّقٌ(٥) بـ ((كم)) عن المفعول وهو مضمونُ الجملة لتضمُّنه معنى العلم. فلا تغفل. ﴿یَمْشُونَ فی مسکنِهِمْ﴾ أي: يمرُّون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم، ويشاهدون آثارَ هلاكهم، والجملةُ حالٌ من ضمير ((لهم»، وقيل: من ((القرون)). والمعنى: أهلكناهم حالَ غفلتهم. وقيل: مستأنفةٌ بيانٌ لوجهِ هدايتهم. (١) معاني القرآن للزجاج ٢١١/٤. (٢) معاني القرآن ٣٣٣/٢، وفيه: أولم تهدهم القرون ... (٣) القراءات الشاذة ص١١٨ عن عليَّ وابن عباس والسلمي. (٤) في الحاشية ٧/ ١٥٥ . (٥) قوله: معلق، ساقط من (م). سُورَةُ السَّجَادَة ١٧٢ الآية : ٢٧ وقرأ ابن السميفع: ((يمثُّون)) بالتشديد(١) على أنه تفعيلٌ من المشي للتكثير. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر من إهلاكنا للأمم الخالية العاتيةِ، أو: في مساكنهم ﴿لَيَتِّ﴾ عظيمةً في أنفسها كثيرةً في عددها ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾ هذه الآياتِ سماعَ تدبُّرٍ واتِّعاظ. ﴿أَوَّلَمْ يَرَوَا﴾ الكلامُ فيه كالكلام في ((أولم يهد))، أي: أعَمُوا ولم يشاهدوا ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ﴾ بسوقِ السحاب الحامل له، وقيل: نسوقُ نفسَ الماء بالسيول، وقيل: بإجرائه في الأنهار ومن العيون. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: التي جُرِزَ نباتُها - أي: قُطِعَ - إِمَّا لعُدْمِ الماءِ، وإما لأنه رُعي وأُزيل، كما في ((الكشاف))(٢). وفي ((مجمع البيان)): ((الأرض الجرز)): اليابسةُ التي ليس فيها نباتٌ لانقطاع الأمطار عنها، من قولهم: سيفٌ جُرَاز، أي: قَطَّاعٌ لا يُبقي شيئاً إلا قطعه، وناقةٌ جراز: إذا كانت تأكل كلَّ شيءٍ فلا تبقي شيئاً إلا قطعته بفيها، ورجلٌ جَرُوز، أي: أكول، قال الراجز: خَبُّ جَروزٌ وإذا جاع بكى (٣) وقال الراغب(٤): الجرُزُ مُنْقَطِعُ النبات من أصله، وأرض مجرورةٌ: أُكل ما عليها، وفي مَثَلٍ: لا تَرْضَى شانئةٌ إلا بجَرْزةٍ(٥)، أي: بالاستئصال، والجارِزُ: (١) القراءات الشاذة ص١١٨، والمحتسب ١٧٥/٢ . (٢) ٢٤٧/٣. (٣) مجمع البيان ٩٠/٢١، والرجز للشماخ، وهو في ديوانه ص ٣٨٠، والمقصور والممدود للفراء ص٦٧، ومقاييس اللغة لابن فارس ٧٩/٢، والصحاح (حطب)، والنكت والعيون ٣٦٧/٤، واللسان (حثا) و(حطب)، وفيه: الخب: اللئيم. ورواية الديوان: خبُّ جبانٌ. (٤) في مفرداته ((جرز). (٥) في الأصل و(م): بجروزة، وهو تصحيف، والمثبت من مفردات الراغب، ومثله في جمهرة الأمثال ٤١٨/٢، والمستقصى ٢٥٤/٢، وأساس البلاغة (جرز)، ومجمع الأمثال ٢١٢/٢، والصحاح واللسان (جرز). وهو مَثَلِّ في العداوة، وأنَّ المُبْغِض لا يرضى إلا باستئصالِ مّن يبغضه . الآية : ٢٧ ١٧٣ سُورَةُ السَّجَادَة الشديدُ من السعال، تُصُوِّرَ منه معنى الجَرْزِ وهو القطعُ بالسيف. اهـ، ويفهَمُ مما قاله أنَّ ((الجُرُز)) يطلقُ على ما انقطع نباتُه لكونه ليس من شأنه الإنباتُ كالسباخ، وهو غير مناسبٍ هنا لقوله تعالى: ﴿فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا﴾. والظاهرُ أنَّ المراد: الأرض المتَّصفة بهذه الصفة أيَّ أرضٍ كانت، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرّى بين اليمن والشام(١). وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن(٢). وإلى عدم التعيين ذهب مجاهدٌ؛ أخرج عنه جماعةٌ أنه قال: الأرضُ الجرز هي التي لا تُنْبِتُ، وهي أَبِينُ(٣) ونحوُها من الأرض. وقرئ: ((الجُرْز)) بسكون الراء (٤). وضمير (به)) للماء، والكلامُ على ظاهره عند السلف الصالح، وقالت الأشاعرة: المراد: فنخرج عنده. والزرعُ في الأصل مصدرٌ وعبِّر به عن المزروع، والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقاً، فيشمل الشجر وغيرَه، ولذا قال سبحانه: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ أي: من ذلك الزرع ﴿أَتْعَمُهُمْ﴾ كالتِّبْنِ والقصيل والورق وبعضٍ الحبوب المخصوصة بها ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ كالبقول والحبوب التي يقتاتُها الإنسان. وفي ((البحر)): يجوز أن يراد بالزرع النباتُ المعروفُ، وخُصَّ بالذكر تشريفاً له، ولأنه أعظمُ ما يُقصَدُ من النبات، ويجوز أن يراد به النباتُ مطلقاً، وقدَّم الأنعام لأنَّ انتفاعها مقصورٌ على ذلك، والإنسان قد يتغذّى بغيره، ولأنَّ أكلها منه مقدَّمٌ لأنها تأكلُه قبل أن يُثْمِرَ ويخرجَ سنبلُه. وقيل: ليترقَّى من الأدنى إلى الأشرف، وهم بنو آدم(٥). (١) الدر المنثور ١٧٩/٥. (٢) الدر المنثور ١٧٩/٥، وهو في تفسير الطبري ٦٤١/١٨ . (٣) موضع في اليمن، والخبر أخرجه عبد الرزاق ١١٠/٢، والطبري ٦٤٢/١٨. (٤) البحر ٧/ ٢٠٥. (٥) بنحوه في البحر ٧/ ٢٠٥. سُورَةُ السَجْدَة ١٧٤ الآية : ٢٨ - ٢٩ وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية: ((يأكل)) بالياء التحتية(١). ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾﴾ أي: ألا ينظرون(٢) فلا يبصرون ذلك ليستدلُّوا به على كمال قدرته تعالى وفضلِه عز وجل. وجُعلت الفاصلةُ هنا ((يبصرون)) لأنَّ ما قبله مرئيٍّ، وفيما قبله: ((يسمعون)) لأنَّ ما قبله مسموعٌ. وقيل: ترقِّياً إلى الأعلى في الاتِّعاظ مبالغةً في التذكير ورَفْعِ العذر. وقرأ ابن مسعود: ((تبصرون)) بالتاء الفوقية(٣). ﴿وَقُولُونَ﴾ على وجه التكذيب والاستهزاء: ﴿مَتَ هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي: الفصلُ للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلِّقٌ بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ). وقيل: أي: النصر علينا؛ أخرج ابن جرير وابنُ أبي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة ﴿ه: إنَّ لنا يوماً يوشكُ أن نستريح فيه وننتقمَ فيه. فقال المشركون: متى هذا الفتحُ .. إلخ، فنزلت: ( وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْفَتْحُ) ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٤) أي: في أنَّ الله تعالى هو يفصلُ بين المحقِّين والمبطلين. وقيل: في أنَّ الله تعالى ينصرُكم علينا . ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم وتحقيقاً للحقِّ: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِمَنُهُمْ وَلَا هُرُ يُظَرُونَ ﴾ أخرج الفريابيُّ وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ((يوم الفتح)): يوم القيامة(٥). وهو كما في ((البحر)) منصوبٌ بـ ((لا ينفع))(٦). والمرادُ بـ ((الذين كفروا)) إما أولئك القائلون المستهزئون، فالإظهار في مقام (١) القراءات الشاذة ص ١١٨، والبحر ٢٠٥/٧. (٢) في الأصل و(م): يبصرون، والمثبت من تفسير أبي السعود ٨٨/٧، والكلام منه. (٣) البحر ٧/ ٢٠٥. (٤) الدر المنثور ١٧٩/٥، وهو في تفسير الطبري ٦٤٤/١٨. (٥) الدر المنثور ١٧٩/٥، وهو في تفسير الطبري ٦٤٥/١٨. (٦) البحر ٢٠٦/٧. الآية : ٢٧ ١٧٥ سُورَةُ التَجْدَة الإضمار لتسجيل كفرهم وبيانِ علَّة الحكم، وإمَّا ما يعمُّهم وغيرَهم وحينئذٍ يُعلَمُ حُكْمُ أولئك المستهزئين بطريقٍ برهانيٍّ. والمراد من قوله تعالى: (وَلَا هُّ يُنظَرُونَ) استمرارُ النفي، والظاهرُ أنَّ الجملة عطفٌ على ((لا ينفع)) إلخ والقيدُ معتبرٌ فيها . وظاهرُ سؤالهم بقولهم: ((متى هذا الفتح)) يقتضي الجوابَ بتعيين اليوم المسؤول عنه، إلا أنه لمَّا كان غرضُهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أُجيبوا على حَسَبٍ ما عُرف من غرضهم، فكأنه قيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤوا فكأنِّي بكم وقد حصلتُم في ذلك اليوم وآمنتُم فلم ينفعكم الإيمان، واستَنْظَرتُم في إدراك العذاب فلم تُنْظَروا، وهذا قريبٌ من الأسلوب الحکیم. هذا وتفسير ((يوم الفتح)) بيوم القيامة ظاهرٌ على القول بأنَّ المراد بالفتح الفصلُ للخصومة، فقد قال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ولا يكاد يتسنَّى على القول بأنَّ المرادَ به النصرُ على أولئك القائلين إذا كانوا عانين به النصرَ والغلبةً عليهم في الدنيا كما هو ظاهرٌ ممَّا سمعتَ عن مجاهد، وعليه قيل: المراد بيوم الفتح يوم بدر، وأخرج ذلك الحاكمُ وصححه والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس ﴾(١). وقيل: يوم فتح مكة؛ وحُكي ذلك عن الحسن ومجاهد. واستشكل كِلَا القولين بأنَّ قوله تعالى: (يَوْمَ الْفَتْجِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانُهُمْ) ظاهرٌ في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذٍ، مع أنه آمن ناسٌ يومَ بدرٍ فقُبِلَ منهم، وکذا يوم فتح مكة. وأجيبَ بأنَّ الموصول على كلٍّ منهما عبارةٌ عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر، فمعنى لا ينفعهم إيمانُهم: أنهم لا إيمان لهم حتى ينفعَهم، فهو على حدٍّ قوله: على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمناره(٢) (١) المستدرك ٤١٤/٢، ودلائل النبوة ٣٢٨/٢ بزيادة: فلم ينفع الذين كفروا إيمانُهم بعد الموت. (٢) وعجزه: إذا سافه العودُ النَبَاطيُّ جَرْجَرا، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، = سُورَةُ السَّجَادَة ١٧٦ التفسير الإشاري (٤-٣٠) سواء أريدَ بهم قومٌ مخصوصون استهزؤوا أم لا، وسواءٌ عُطِفَ قولُه تعالى: (وَلَ هُّ يُنظَرُونَ) على المقيد أو على المجموع، فتأمل. وتعقِّب بأنَّ ذلك خلافُ الظاهر، وأيضاً كونُ يوم الفتح يومَ بدرٍ بعيدٌ عن كون . السورة مكيةً، وكذا كونُه يومَ فتح مكة، ويُبْعِدُ هذا أيضاً قلَّةُ المقتولين في ذلك اليوم جدّاً. تدبّر. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، وعن ابن عباس أنَّ ذلك منسوٌ بآية السيف. ولا يخفى أنه يحتمل أنَّ المراد الإعراضُ عن مناظرتهم لعدم نَفْعِها، أو تخصيصه بوقتٍ معيَّنٍ، فلا يتعيَّنُ النسخ. ﴿وَأَنْتَظِرْ﴾ النصرةَ عليهم وهلاكَهم ﴿إِنَّهُم مُنْتَظِرُونَ ﴾﴾ قال الجمهور: أي: الغلبةَ عليكم، كقوله تعالى: ﴿فَتَرَبََّهُوَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَيِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]. وقيل: الأظهرُ أن يقال: إنهم منتظِرونٍ هٍلاكَهم، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٠]. ويقرُبُ منه ما قيل: وانتظر عذابنا لهم إنهم منتظروه(١)، أي: هذا حُكْمُهم وإن كانوا لا يشعرون، فإنَّ استعجالهم المذكورَ وعكوفَهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي في حُكْمٍ انتظارهم العذابَ المترتّبَ عليه لا محالة. وقرأ اليمانيُّ: ((منتظَرون)) بفتح الظاء اسم مفعول(٢)، على معنى: إنهم أحقّاءُ أن يُنْتَظَرِ هلاكُهم، أو: إنَّ الملائكة عليهم السلام ينتظرونه، والمراد: إنهم هالكون لا محالة. هذا ومن باب الإشارة: قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِّ وَلَا شَفِعْ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتمادُ عليها. وقولُه سبحانه: = وسلف ٢٤١/٢، ويريد به نفي المنار والاهتداء به، أي: ليس به علَمٌ ولا منار فيهتدى به. (١) في (م): منتظرون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٨٨/٧، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص١١٨، والمحتسب ١٧٥/٢، والبحر ٢٠٦/٧. التفسير الإشاري (٤-٣٠) ١٧٧ سُورَةُ المَجَادَة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ تدبير العباد عند تدبيره عز وجل لا أثر له، فطوبى لمن رُزق الرضا بتدبير الله تعالى واستَغْنَى به عن تدبيره. ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ فيه إرشادٌ إلى أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يستقبحَ شيئاً من المخلوقات، وقد حُكي أنَّ نوحاً عليه السلام بصق على كلبٍ أجربَ، فأنطق الله تعالى الكلب فقال: يا نوح أعِبْتَني أم عبتَ خالقي؟! فناح عليه السلام لذلك زماناً طويلاً. فالأشياءُ كلُّها حسنةٌ كلٌّ في بابه، والتفاوتُ إضافيٍّ. وفي قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن ◌ِينٍ﴾ إلى آخر الآية بعد قوله سبحانه: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ إلخ إشارةٌ إلى التنقّل في أطوار الحسن، والعروجِ في معارجه، فكم بين الطين والإنسان السميع البصير العالِم، فإن الإنسان مشكاةُ أنوار الذات والصفات، والطين بالنسبة إليه كَلا شيءٍ. ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارةٌ إلى حالٍ كاملي الإيمان، وعلوِّ شأنِ السجود والتسبيحِ والتحميد والتواضعٍ لعظمته عز وجل. ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ إشارةٌ إلى سهرهم في مناجاة محبوبهم وملاحظةٍ جلاله وجماله. وفي قوله: ﴿وَمِنَا رَزَقْتَهُمْ﴾ أي: من المعارف وأنواعِ الفيوضات ﴿يُفِقُّونَ﴾ إشارةٌ إلى تكميلهم للغير بعد كمالهم في أنفسهم. وذَكَر القومُ أنَّ العذاب الأدنى الحرصُ على الدنيا، والعذابَ الأكبر العذابُ على ذلك. وقال بعضهم: الأولُ التعبُ في طلب الدنيا، والثاني شتاتُ السرِّ. وقيل: الأول حرمانُ المعرفة، والثاني الاحتجابُ عن مشاهدة المعروف. وقيل: الأول الهوان، والثاني الخذلان. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِايَتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى ما ينبغي أن يكون المرشدُ عليه من الأوصاف، وهو الصبرُ على مشاقٌّ العبادات سُورَةُ السَّعَادَة ١٧٨ التفسير الإشاري (٤-٣٠) وأنواعِ البليَّات، وحَبْسُ النفس عن ملاذٌ الشهوات، والإيقانُ بالآيات، فَمَنْ يدَّعي الإرشادَ وهو غيرُ متصفٍ بما ذكر فهو ضالٌّ مضلِّلٌ. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنتَظِرْ إِنَّهُم مُنتَظِرُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنه ينبغي الإعراضُ عن المنكرين المستهزئين بالعارفين والسالكين إذا لم ينجَعْ فيهم الإرشادُ والنصيحةُ، وإلى أنهم هالكون لا محالةَ؛ فإنَّ الإنكار الذي لا يعذر صاحبه سمٌّ قاتل، وسهمٌ هدفه المقَاتِلُ، نعوذُ بالله تعالى من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ بحرمة حبيبه الأكرمِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم. سُورَةُ الأَجْزَابِ أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرُه عن ابن عباس ◌ًَّا أنه قال: نزلت سورةٌ الأحزاب بالمدينة(١). وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثلَه(٢). وهي ثلاثٌ وسبعون آيةً؛ قال الطبرسيُّ: بالإجماع(٣). وقال الداني: هذا متفقٌ عليه (٤). وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف))، والطيالسيُّ، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد «المسند»، والنسائيُّ، والحاكم وصححه، والضياء في ((المختارة))، وآخرون عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب ﴿ه: كائن(٥) تقرأ سورةَ الأحزاب، أو كائن تعدُّها؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية. فقال: أَقَظُ (٦)؟ لقد رأيتُها وإنها لتعادل سورةَ البقرة، ولقد قرأنا فيها: ((الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتةَ نكالاً من الله واللهُ عزيزٌ حكيم)) فرُفع فيما رُفع (٧). وأراد تظ له بذلك النسخ. (١) دلائل النبوة ٧/ ١٤٣-١٤٤، وأخرجه أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٨٢/٢. (٢) الدر المنثور ١٧٩/٥. (٣) مجمع البيان ٢١/ ٩٢. (٤) البيان في عدِّ آي القرآن للداني ص٢٠٨، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٥٦/٧. (٥) جاء في حاشية (م): أي: کم. اهـ منه. (٦) جاء في حاشية (م): أي: أَحَسْب. اهـ منه. (٧) مصنف عبد الرزاق (٥٩٩٠) و(١٣٣٦٣)، ومسند الطيالسي (٥٤٠)، ومسند أحمد (٢١٢٠٧)، وسنن النسائي الكبرى (٧١١٢)، والمستدرك ٤١٥/٢ و٣٥٩/٤، والمختارة (١١٦٤)- (١١٦٦). وإسناده ضعيف، فقد تفرّد به عاصم بن بهدلة، وهو - وإن كان صدوقاً - له أوهام بسبب سوء حفظه، فلا يحتمل تفرده بهذا الإسناد. وقال الباقلاني في الانتصار ٣٩٤/١: إن هذه الرواية عن أبيٍّ لو كانت صحيحة ثابتة لوجب أن تشتهر عن أبيَّ الشهرة التي تلزم القلوب ثبوتها ... فإذا لم يظهر ذلك عنه الظهورَ الذي يلزم الحجة = سُورَةُ الأُخْزَاب ١٨٠ الآية : ١ وأمَّا كونُ الزيادة كانت في صحيفةٍ عند عائشةَ فأكلها الداجنُ(١) فمِن وَضْعِ الملاحدة وكذبهم في أنَّ ذلك ضاع بأَكْلِ الدَّاجنِ من غيرِ نسخٍ، كذا في ((الكشاف))(٢). وأخرج أبو عبيد في ((الفضائل)) وابن الأنباريِّ وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيِّ وَ﴿ مئتي آيةٍ، فلما كتب عثمانُ . المصاحفَ لم يَقْدِرْ منها إلا على ما هو الآن(٣). وهو ظاهرٌ في الضياع من القرآن. ومقتضَى ما سمعتَ أنه موضوعٌ، والحقُّ أنَّ كلَّ خبرٍ ظاهرُه ضياعُ شيءٍ من القرآن إما موضوعٌ أو مؤوَّلٌ. ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطي: تشابُهُ مطلع هذه ومقطع تلك، فإنَّ تلك خُتمت بأمر النبيِّ وَّه بالإعراض عن الكافرين وانتظارِ عذابهم، وهذه بُدئت بأمره وَّ بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتِّباعِ ما أوحي إليه، والتوُّلٍ عليه عز وجل(٤)، حيث قال سبحانه وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ ناداه جلَّ وعلا بوَصْفِه ◌َلِّ دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً، قال في ((الكشاف)): إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف = بمثله، عُلم بطلان الخبر وأنه لا أصل له ... ، وينظر تتمة كلامه ثمة. وأما قوله: ((الشيخ والشيخة ... )) فقد ورد في غير حديث، وينظر ماروي في ذلك في فتح الباري ١٢/ ١٤٣ . (١) جاء في حاشية (م): الداجن وكذا الراجن بالراء: ما يألف البيوت ويأنس من شاة وغيرها. اهـ منه. (٢) ٢٤٨/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٣٢ : بل راويها ثقة غير متهم ... وكأن المصنف (يعني الزمخشري) فَهِم أن ثبوت هذه الزيادة يقتضي ما تدعيه الروافض من أن القرآن ذهب منه أشياء، وليس ذلك بلازم، بل هذا مما نسخت تلاوته وبقي حكمه، وأَكْلُ الداجن لها وقع بعد النسخ. اهـ. والخبر أخرجه ابن ماجه (١٩٤٤). (٣) فضائل القرآن ص ١٩٠، وعزاه لابن الأنباري السيوطي في الدر ٥/ ١٨٠، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. (٤) تناسق الدرر ص٧٤.