Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ١٣
٤٢١
سُوَدَّةُ الُوفِ
الفعل من أَبْلَسه إذا أسكته (١). وظاهره أنه يكون متعدِّياً، وقد أنكره أبو البقاء
والسمين وغيرُهما، حتى تكلَّفوا وقالوا: أصلُه يُبْلَسُ إبلاس المجرمين، على إقامة
المصدر مقام الفاعل، ثم حَذْفِه وإقامةِ المضاف إليه مقامه(٢) .
وتعقَّبه الخفاجيُّ عليه الرحمةُ فقال: لا يخفى عدمُ صحته؛ لأنَّ إبلاس
المجرمين مصدرٌ مضافٌ لفاعله، وفاعلُه هو فاعلُ الفعل بعينه، فكيف يكون نائب
الفاعل؟ فتأمل(٣). وأنت تعلم أنه متى صحت القراءةُ لا تُسمَع دعوى عدمٍ سماع
استعمالِ أبلس متعدِّياً .
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّن شُرَكَآَيِهِمْ﴾ ممن أشركوهم بالله سبحانه في العبادة، ولذا
أُضيفوا إليهم. وقيل: إن الإضافة لإشراكهم إياهم بالله تعالى في أموالهم،
والمراد بهم الأوثان، وقال مقاتل: الملائكة عليهم السلام. وقيل: الشياطين.
وقيل: رؤساؤهم. ﴿شُفَعَوُاْ﴾ يُجيرونهم من عذاب الله تعالى كما كانوا
يزعمون.
وجيء بالمضارع منفيًّا بـ (لَمْ)) التي تقلبه ماضياً للتحقُّق، وصيغةُ الجمع لوقوعها
في مقابلة الجمع، أي: لم يكن لواحدٍ منهم شفيعٌ أصلاً .
وقرأ خارجةُ عن نافع، وابنُ سنانٍ عن أبي جعفر، والأنطاكيُّ عن شيبة: ((ولم
تكن)) بالتاء الفوقية(٤).
﴿وَكَانُواْ بِشُرَّكَآَيِهِمْ﴾ أي: بإلهيتهم وشركتهم، كما يشير إليه العدولُ عن:
وكانوا بهم. ﴿كَفِرِينَ (٣)﴾ حيث يئسوا منهم ووقفوا على كُنْهِ أمرهم. و((كانوا))
للدلالة على الاستمرار، لا للمحافظة على رؤوس الفواصل كما توهِّم.
(١) الكشاف ٢١٦/٣، والبحر ٧/ ١٦٥، والقراءة ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١١٦.
(٢) الإملاء ١٧٤/٤، والدر المصون ٣٥/٩، ونقله المصنف عنهما بواسطة الشهاب في
الحاشية ٧/ ١١٥.
(٣) حاشية الشهاب ١١٥/٧ .
(٤) البحر ١٦٥/٧، وهي خلاف المشهور عن نافع وأبي جعفر.

سُؤَدَّةُ الرُّومِ
٤٢٢
الآية : ١٤
وقيل: إنها للمضيِّ كما هو الظاهر، والباء في ((بشركائهم)) سببية، أي: وكانوا
في الدنيا كافرين بالله تعالى بسببهم، ولم يَرْتضِه بعضُ الأجلة؛ إذ ليس في الإخبار
بذلك فائدةٌ يُعتدُّ بها، ولأنَّ المتبادر أنَّ ((يوم تقومُ الساعة)) ظرفٌ للإبلاس وما عُطف
عليه، ولذا قيل: إنَّ المناسب عليه جَعْلُ الواو حاليةً ليكون المعنى أنهم لم يشفعوا
لهم مع أنهم سببُ كفرهم في الدنيا، وهو أحسنُ من جَعْلِه معطوفاً على مجموع
الجملة مع الظرف، مع أنه عليه ينبغي القَطْعُ للاحتياط، إلا أن يقال: إنه ترك
تعويلاً على القرينة العقلية، وهو خلافُ الظاهر.
وكتب (شُفَعَوْأ) في المصحف بواو بعدها ألف، وهو خلافُ القياس، والقياسُ
تركُ الواو أو تأخيرُها عن الألف، لكن الأول أحسن كما ذكر في الرسم، وكذا
خولفَ القياسُ في كتابة (اُلُوَّ) حيث كُتبت بالألف قبل الياء، والقياسُ كما في
(الكشف)) الحذفُ؛ لأنَّ الهمز يُكتب على نحوِ ما يُسمَّل.
﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه، وهو ظرفٌ للفعل بعده،
وقولُه تعالى: ﴿يَوَمَِدٍ﴾ على ما ذكره الطبرسيُّ بدلُ منه(١).
وفي ((البحر)): التنوينُ في ((يومئذٍ)) تنوينُ عوضٍ من الجملة المحذوفة، أي:
ويوم تقوم الساعة يوم إذ يبلس المجرمون ﴿ يَنْفَرَّقُونَ ﴾﴾(٢)، وظاهره أنَّ ((يومئذ))
ظرفٌ لـ ((تقوم))، ولا يخفى ما في جَعْلِ الجملة المعوَّضِ عنها التنوينُ حينئذٍ ما ذَكَره
من النظر.
وفي «إرشاد العقل السليم)): أنَّ قوله تعالى: (يَوْمَِذٍ يَنَفَرَّقُونَ) تهويلٌ ليوم قيام
الساعة إثرَ تهويلٍ، وفيه رمزٌ إلى أنَّ التفرُّقَ يقع في بعضٍ منه(٣). وفي وجه الرمز
إلى ذلك بما ذكر خفاء.
وضمير ((يتفرقون)) للمسلمين والكافرين الدالِّ عليهما ما قبلُ من عموم الخلق
وما بعدُ من التفصيل، وذهب إلى ذلك الزمخشريُّ(٤) وجماعةٌ .
(١) مجمع البيان ١٤/٢١ .
(٢) البحر ٧ /١٦٥ .
(٣) تفسير أبي السعود ٥٣/٧ .
(٤) في الكشاف ٢١٦/٣.

الآية : ١٥
٤٢٣
سُودَةُالُوفِزْ
وقال في ((الإرشاد)): هو لجميع الخلق المدلولِ عليهم بما تقدَّم من مبدئهم
ومرجعهم وإعادتهم، لا المجرمون خاصةً(١).
وقال أبو حيان: يظهر أنه عائدٌ على الخَلْقِ قبله، وهو المذكورُ في قوله تعالى:
(اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)(٢).
والمراد بتفرُّقهم اختلافُهم في المحالِّ والأحوال كما يؤذِنُ به التفصيل، ولیس
ذلك باعتبار كلِّ فردٍ بل باعتبارِ كلِّ فريق، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه
قال في ذلك: هؤلاء في علِّيين وهؤلاء في أسفل سافلين(٣). والتفصيل يؤذِنُ بذلك
أيضاً، وهذا التفرُّقُ بعد تمام الحساب.
﴾﴾ الروضةُ:
١٥
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
الأرضُ ذاتُ النبات والماء، وفي المثل: أحسنُ من بيضةٍ في روضة (٤)، يريدون
بيضةَ النعامة، وباعتبارِ الماء قيل: أَراضَ الوادي واسْتَراضَ، أي: كثُر ماؤه،
وأَرَاضَهم: أَرْوَاهم بعضَ الريِّ، من أراضَ الحوضَ: إذا صبَّ فيه من الماءِ
ما يواري أرضه. ويقال: شربوا حتى أَرَاضُوا، أي: شربوا عَلَلاً بعد نَهَلٍ (٥).
وقيل: معنى أراضوا: صبُّوا اللَّبَنَ على اللَّبَنِ.
وظاهر تفسير الكثير للروضة اعتبارُ النبات والماء فيها، وأظنُّ أنَّ ابن قتيبةَ
صرَّح بأنه لا يقال لأرضٍ ذاتِ نباتٍ بلا ماءٍ: روضة.
وقيل: هي البستان الحسن. وقيل: موضع الخضرة. وقال الخفاجيُّ:
الروضة: البستان، وتخصيصُها بذات الأنهار بناءً على العرف(٦). وأيًّا ما كان
فتنوينُها هنا للتفخيم، والمرادُ بها الجنة.
(١) تفسير أبي السعود ٧/ ٥٣.
(٢) البحر ٧/ ١٦٥ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٨٩/٩.
(٤) جمهرة الأمثال ٣٩٩/١، والمستقصى ١٦٧/١، ومجمع الأمثال ٢٢٩/١، وفيه: العرب
تستحسن نقاء البيضة في نضارة خضرة الروضة.
(٥) النَّهَل: أول الشرب، والعَلَل: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعاً. القاموس (علل)
و(نهل).
(٦) حاشية الشهاب ١١٦/٧ .

سُوَّةُ الُوضِن
٤٢٤
الآية : ١٦
والحَبْر: السرور؛ يقال: حَبَرَه يَحبُره بالضم، حَبْراً وحَبْرةً وحُبوراً: إذا سرَّه
سروراً تهلَّل له وجهُه وظهر فيه أثره. وفي المثل: امتلأت بيوتُهم حَبْرةً فهم ينتظرون
العَبْرةَ(١).
وحكى الكسائيُّ: حَبَرتُه: أكرمتُهُ ونَّمته.
وقيل: الحَبْرةُ كلُّ نعمةٍ حسنةٍ، والتحبير: التحسين، ويقال: فلانٌ حسنُ الحَبْر
والسَّبرِ بالفتح: إذا كان جميلاً حَسَنَ الهيئة.
واختلفت الأقوال في تفسيره هنا؛ فأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن
عباس، وابنُ أبي حاتم عن الضحاك أنهما قالا: ((يُحبرون)) يُكْرَمون.
وأخرج جماعة عن مجاهد: ((يحبرون)): ينعَّمون. وقال أبو بكر بن عياش:
يتوَّجون على رؤوسهم. وقال ابن كيسان: يحلّون. وقال الأوزاعيُّ ووكيعٌ ويحيى بنُ
أبي كثير: يسمعون الأغاني.
وأخرج عبد بن حميد عن الأخير أنه قال: قيل: يا رسول الله، ما الحبر؟ فقال
عليه الصلاة والسلام: ((اللذة والسماع))(٢).
وذكر بعضهم أنَّ الظاهر: يُسَرُّون، ولم يذكر ما يُسَرُّون به إيذاناً بكثرة المسارِّ،
وما جاء في الخبر فمن باب الاقتصار على البعض، ولعل السائل كان يحبُّ السماعَ
فذكره ◌َّ له لذلك. والتعبير بالمضارع للإيذان بتجدُّد السرور لهم، ففي كلِّ ساعةٍ
يأتيهم ما يسرُّون به من متجدِّدات الملاذِ وأنواعِها المختلفة.
﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾ التي من جملتها الآياتُ الناطقة بما فصِّل
﴿وَلِقَآَيِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: وكذَّبوا بالبعث، وصرَّح بذلك مع اندراجه في تكذيب
الآيات للاعتناء به.
وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبارِ اتِّصافه بما في حيِّزٍ
الصلة من الكفر والتكذيب بآياته تعالى وبلقاءِ الآخرة؛ للإيذان بكمال تميُّزهم بذلك
(١) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٢٠.
(٢) الدر المنثور ١٥٣/٥.

الآية : ١٧ - ١٨
٤٢٥
سُوَّةُ الْرُوفِ
عن غيرهم، وانتظامِهم في سلك المشاهَدات، وما فيه من معنى البُعْدِ مع قُرْبٍ
العَهْدِ بالمُشار إليه للإشعار بُيُعْدِ منزلتهم في الشرِّ، أي: فأولئك الموصوفون بما ذكر
من القبائح ﴿فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾﴾ على الدوام لا يغيبون عنه أبداً.
والظاهرُ أنَّ الفسقة من أهل الإيمان غيرُ داخلينَ في أحد الفريقين، أمَّا عدمُ
دخولهم في الذين كفروا وكذَّبوا بالآيات والبعثِ فظاهرٌ، وأمَّا عدمُ دخولهم في
الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإما لأنَّ ذلك لا يقال في العرف إلا على المؤمنين
المجتنبين للمفسِّقات على ما قيل، وإما لأنَّ المؤمن الفاسق يصدُقُ على المؤمن
الذي لم يعمل شيئاً من الصالحات أصلاً، فهم غيرُ داخلين في ذلك باعتبار جميع
الأفراد، وحُكْمُهم معلومٌ من آياتٍ أُخَرَ فلا تغفل.
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا
﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
· إثر ما بَيَّن حالَ فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين
وَحِينَ تُظْهِرُونَ (3)
المكذِّبين بالآيات، ومالهما من الثواب والعقاب، أرشد سبحانه إلى ما ينجي من
الثاني ويُفْضي إلى الأول، من تنزيهِ الله عزَّ وجلَّ عن كلِّ مالا يليقُ بشأنه جلَّ شأنُه،
ومن حَمْدِه تعالى والثناءِ عليه ووَصْفِه بما هو أهلُه من الصفات الجميلة والشؤون
الجليلة. وتقديمُ الأولِ على الثاني لِمَا أنَّ التخلية متقدّمةٌ على التحلية، مع أنه أول
ما يُدْعَى إليه الذين كفروا المذكورون قبلُ بلا فصل.
والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وظاهرُ كلامهم أنَّ ((سبحان)) هنا منصوبٌ
بفعلِ أمرٍ محذوفٍ، فكأنه قيل: إذا علمتُم ذلك أو إذا صحَّ واتَّضح حالُ الفريقين
ومالُهما فسبِّحوا سبحان الله .. إلخ، أي: نزِّهوه تعالى تنزيهَه اللائقَ به عزَّ وجل في
هذه الأوقات.
قال في ((الكشف)): وفيه إشكالٌ؛ لأنَّ ((سبحان الله)) لزم طريقةً واحدةً لا ينصبه
فعلُ الأمر لأنه إنشاءٌ من نوعٍ آخَرَ. والجوابُ أنَّ ذلك توضيحٌ للمعنى، وأنَّ وقوعه
جواب الشرط على منوال: إنْ فَعْتَ كذا فنِعْمَ ما فعلتَ، فإنه إنشاءٌ أيضاً لكنه ناب
منابَ الخبر وأبلغ، كذلك هو لإنشاء تنزيهه تعالى في الأوقات هرباً من وبيل عقابه
وطلباً لجزيل ثوابه، والشرطُ والجوابُ مقولٌ على ألسنة العباد. انتهى.

سُؤَةُ الُوفِ
٤٢٦
الآية : ١٨
وفي ((حواشي)) شيخ زاده(١): أنَّ الأمر بل الجملة الإنشائية مطلقاً لا يصحُ
تعليقُها بالشرط؛ لأن الإنشاء إيقاعُ المعنى بلفظٍ يقارِئُه، ولو جاز تعليقُه للزم تأخّره
عن زمان التلفُّظ، وأنه غيرُ جائزٍ، وإنما المعلَّق بالشرط هو الإخبارُ عن إنشاء التمنِّي
والترجّي، وإنشاء المدح والذمّ والاستفهام ونحوها، فإذا قلت: إن فعلتَ كذا غَفَر الله
تعالى لك، أو: فنِعْم ما فعلتَ، كان المعنى: فقد فعلتَ ما تستحقُّ بسببه أن يغفر الله
تعالى لك، أو أن تُمدحَ بسببه، إلَّا أنَّ الجملة الإنشائية أُقيمت مقامه للمبالغة للدلالة
على الاستحقاق، فمعنى الآية: إذا كان الأمر كما تَقَرَّر فأنتم تسبِّحون الله تعالى في
الأوقات المذكورة، وهو في معنى الأمر بالتسبيح فيها. انتهى.
ولعله أظهرُ مما في ((الكشف)»، بل لا يظهر ما ذكر فيه من دَعْوَى أنَّ الشرط
والجواب مقولٌ على ألسنة العباد. ويُؤْهِمُ كلامُ بعضهم أنَّ الكلام بتقدير القول،
حيث قال: كأنه قيل: إذا صحَّ واتَّضح عاقبةُ المطيعين والعاصين فقولوا: نسبِّح
سبحان .. إلخ، والمعنى: فسبِّحوه تسبيحاً في الأوقات. ولا يخفى ما فيه.
وكأنِّي بك تمنعُ لزومَ ((سبحان)) طريقةً واحدةً، وهي التي ذكرت أولاً،
وتجوِّز(٢) نصبَ فعلِ الأمر لها إذا اقتضاه المقامُ وأَشْعَر به الكلام، ولكن كأنك
تميلُ إلى اعتبار كون الجملة خبريةً لفظاً إنشائيةً معنًى، بأن يُرادَ بها الأمرُ لتُوافِقَ
جملة ((له الحمد)) فإنها وإن كانت خبريةً إلا أنَّ الإخبار بثبوتِ الحمد له تعالى
ووجوبِهِ على المميِّزين من أهل السماوات والأرض كما يُشْعِرُ به إتباعُ ذلك ذِكْرَ
الوعد والوعيد، وتفريعه عليه بالفاء، في معنى الأمر به على أبلغ وجهٍ على ما صرَّح
به بعض الأجلَّة، فكأنه حينئذ قد قيل: فسبِّحوا الله تعالى تسبيحه اللائقَ
به - سبحانه - في هذه الأوقات واحمدوه.
وظاهر كلام الأكثرين أن جملة ((له الحمد)) إلخ معطوفةٌ على الجملة التي قبلها،
وأنَّ ((عشيّا)) معطوفٌ على ((حين تمسون))، بل هم صرَّحوا بهذا، وعلى ما ذكر يكون
(١) محمد بن مصلح الدين القوجوي، محيي الدين الحنفي، توفي سنة (٩٥١هـ). له حاشيتان
على تفسير البيضاوي، وشرح مفتاح العلوم للسكاكي، وشرح الوقاية في مسائل الهداية،
وغيرها. هدية العارفين ٢٣٨/٢.
(٢) في(م): ويجوز.

الآية : ١٨
٤٢٧
سُوَّةُ الُوفِزْ
جملة ((له الحمد)) فاصلةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وما أَشْبهَ الآية حينئذٍ بآية
الوضوء على ما ذهب إليه أهل السنَّةِ.
وفي ((الكشاف)): أنَّ (عشيًّا)) متصلٌ بقوله تعالى: (حِينَ تُمْسُونَ)، وقوله
تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ) إلخ اعتراضٌ بينهما، ومعناه أنَّ على المميِّزين كلِّهم من أهل
السماوات والأرض أن يحمدوه(١).
وإلى كون الجملة معترضةً ذهب أبو البقاء أيضاً، وجَعَلَ قوله تعالى: (فِی
الشَّمَوَّتِ) حالاً من ((الحمد))(٢). وفي جواز مجيء الحال منه على احتمال كونه
مبتدأ - وهو الظاهر - خلافٌ، ولعل مَن لا يجوِّز ذلك يجعل الجارَّ متعلِّقاً بالثبوت
الذي تقتضيه النسبة.
والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرُهما على ما ذهب إليه جمعٌ من الأجلَّة.
وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة، وأخرج عبد الرزاق والفريابيُّ وابنُ جَريرٍ
وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ والحاكم وصحَّحه عن أبي رزين قال: جاء
نافع بنُ الأزرق إلى ابن عباس فقال: هل تجدُ الصلواتِ الخمسَ في القرآن؟
فقال: نعم، فقرأ: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) صلاة المغرب (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) صلاة
الصبح (وَعَشِيًّا) صلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر، وقرأ: (وَمِنْ بَعْدِ صَلَوْقٍ
الْعِشَآءِ)(٣) [النور: ٥٨].
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال: جمعتْ هذه الآيةُ
مواقيت الصلاة: (فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفجر
(وَعَشِيًّا) العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر (٤).
(١) الكشاف ٣/ ٢١٧.
(٢) الإملاء ٤/ ١٧٤ .
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٧٧٢)، وتفسير الطبري ٤٧٤/١٨، والأوسط لابن المنذر ٣٢١/٢،
والمعجم الكبير (١٠٥٩٦)، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٥٤/٥ .
(٤) تفسير الطبري ٤٧٤/١٨، والأوسط ٣٢٢/٢، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر
١٥٤/٥.

سُدَّةُ الُومِن
٤٢٨
الآية : ١٨
وذهب الحسن إلى ذلك حتى إنه ذهب إلى أنَّ الآية مدنيَّةٌ لِمَا أنه يرى فرضيةً
الخمس بالمدينة، وأنه كان الواجبُ بمكة ركعتين في أيِّ وقتٍ اتفقت الصلاة فيه،
والصحيحُ أنها فُرِضَتْ بمكة، ويدلُّ عليه حديثُ المعراج دلالةٌ بيّةً.
واختار الإمام الرازيُّ(١) حَمْلَ التسبيح على التنزيه، فقال: إنه أقوى، والمصيرُ
إليه أَوْلَى؛ لأنه يتضمَّنُ الصلاة، وذلك لأنَّ التنزيه المأمورَ به يتناول التنزيه بالقلب
وهو الاعتقادُ الجازم، وباللسان مع ذلك وهو الذكرُ الحسن، وبالأركان
معهما جميعاً وهو العملُ الصالح، والأولُ هو الأصل، والثاني ثمرةُ الأول،
والثالثُ ثمرةُ الثاني، وذلك لأنَّ الإنسان إذا اعتقد شيئاً ظهر من قلبه على لسانه،
وإذا قال ظهر صدقُه في مقاله من أحوال أفعاله(٢)، واللسانُ ترجمان الجنان،
والأركانُ برهانُ اللسان، لكن الصلاة أفضلُ أعمال الأركان، وهي مشتملةٌ على
الذكر باللسان والقَصْدِ بالجَنَان، فهو تنزيهٌ في التحقيق، فإذا قال سبحانه: نزِّهوني،
وهذا نوعٌ من أنواع التنزيه، والأمرُ المطلق لا يختصُّ بنوعٍ دون نوعٍ، فيجب حملُه
على كلِّ ما هو تنزيهٌ، فيكون هذا أمراً بالصلاة.
ثم إنَّ قولنا يناسبه(٣) ما تقدَّم، وذلك لأنَّ الله تعالى لمَّا بيَّن أنَّ المقام الأعلى
والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات، حيث قال عز وجل: (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) قال سبحانه: إذا علمتُم أنَّ ذلك المقامَ لمن
آمَنَ وعمل الصالحات، والإيمانُ تنزيهٌ بالجنان وتوحيدٌ باللسان، والعملُ الصالح
استعمالُ الأركان، فالكلُّ تنزيهاتٌ وتحميداتٌ، فسبحان الله، أي: فأتوا بذلك الذي
هو الموصِلُ إلى الحبور في الرياض، والحضورِ على الحياض. اهـ.
وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولويةِ الحمل على الظاهر، وأختارُ أيضاً أن قوله
تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ) اعتراضٌ مؤكِّدٌ بين المعطوف والمعطوف عليه مطلقاً، ومعناه
على ما سمعتَ عن ((الكشاف)) أنَّ على المميِّزين كلِّهم أن يحمدوه، فإنْ حُمِلَ
التسبيحُ على الصلاة فهو كلامٌ يؤكِّد الوجوب؛ لأنَّ الحمد يُتجوَّزُ به عن الصلاة
(١) في تفسيره ١٠٤/٢٥.
(٢) في تفسير الرازي: من أحواله وأفعاله.
(٣) في تفسير الرازي: يناسب.

الآية : ١٨
٤٢٩
سُؤَةُ الُوفِزْ
كالتسبيح، ووجّهُ التأكيد دلالتُه على أنه أمرٌ عمَّ المكلَّفين من أهل السماوات
والأرض، وإنْ حُمِلَ على الظاهر فوجْهُه أنَّ ذلك جارٍ مجرى الاستدراك للأمر
بالتسبيح، ولمَّا كانا (١) من وادٍ واحدٍ كان كلٌّ منهما مؤكّداً للآخر، فدلَّ على دوام
وجوب الحمد في الأوقات، ووجوبٍ التسبيح على أهل السماوات والأرض، وأمَّا
الدلالةُ على الوجوب فمِن إتباعِ ((سبحان الله)) إلخ ذكرَ الوعد والوعيد بالفاء، فإنه
يُفْهِمُ تعيُّنَ ذلك طريقاً للخلاص عن الدَّرَكات، والوصولِ إلى الدرجات، وما يتعيَّنُ
طريقاً لذلك كان واجباً، كذا في ((الكشف)).
وذكر الإمام(٢) أنَّ في هذا الاعتراض لطيفةً، وهو أنَّ الله تعالى لمَّا أمر العباد
بالتسبيح، كأنه قال جل وعلا: بيِّن لهم(٣) أنَّ تسبيحهم الله تعالى لنَفْعِهم لا لنفعِ
يعود إلى الله عز وجل، فعليهم أن يَحْمَدوا الله تعالى إذا سبَّحوه جل شأنُه، وهذاً
كما في قوله تعالى: ﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَعُنُواْ عَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ
أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيَمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧].
وجوَّز بعضُهم كون («عشيًّا)) معطوفاً على قوله تعالى: (فِى السَّمَوَّتِ). ورُدَّ بأنه
لا يُعْطَفُ ظرفُ الزمان على المكان ولا عكسُه. وقيل: يحتمل أن يكون معطوفاً
على مقدَّرٍ، أي: وله الحمد في السماوات والأرض دائماً وعشيًّا، على أنه
تخصيصٌ بعد تعميم، والجملةُ إما (٤) اعتراضيةٌ أو حاليةٌ. وهو كما ترى.
وتخصيصُ الأوقات المذكورة بالذكر لظهور آثار القدرة والعظمة والرحمة فيها ، .
وقدِّم الإمساءُ على الإصباح لتقدُّم الليلِ والظلمة، وقدِّم العشيُّ على الإظهار لأنه
بالنسبة إلى الإظهار كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح.
وفي ((البحر)): قوبل بالعشي الإمساءُ وبالإظهار الإصباحُ؛ لأنَّ كلَّا منهما يُعْقَبُ
بما قابله، فالعشيُّ يَعْقِبُه الإمساء، والإصباحُ يَعقبه الإظهار(٥) .
(١) في (م): كان.
(٢) في تفسيره ٢٥/ ١٠٧.
(٣) في تفسير الرازي: كأنه بيَّن لهم.
(٤) قوله: إما، ليس في (م).
(٥) البحر ١٦٦/٧ .

سُؤَدَةُ الُومِنْ
٤٣٠
الآية : ١٨
وقال العلامة أبو السعود: إنَّ تقديم ((عشيًّا)) على ((حين تُظْهِرون)) لمراعاة
الفواصل(١). وليس بذاك.
وذكر الإمام أنه قدِّم الإمساءُ على الإصباح ها هنا وأخِّر في قوله تعالى:
﴾ [الأحزاب: ٤٢]؛ لأن أول الكلام ها هنا ذكرُ الحشر
٤٢
﴿وَسَبِّحُوُ بَّكْرَةُ وَأَصِيلًا
والإعادةِ وكذا آخِرُه، والإمساءُ آخِرٌ، فذُكر الآخِرُ أولاً لتُذْكَر الآخرة (٢).
وتغيير الأسلوب في ((عشيًّا)) لِمَا أنه لا يجيءُ منه الفعلُ بمعنى الدخول في
العشيِّ، كالمساء والصباح والظهيرة، ولعل السرَّ في ذلك على ما قيل: أنه ليس من
الأوقات التي تختلف فيها أحوالُ الناس وتتغيَّر تغيُّراً ظاهراً مصحِّحاً لوَصْفِهم
بالخروج عمَّا قبلها والدخولِ فيها كالأوقات المذكورة؛ فإنَّ كلَّ منها وقتٌ يتغيّر فيه
الأحوال تغيُّراً ظاهراً؛ أما في المساء والصباح فظاهرٌ، وأما في الظهيرة فلأنها
وقت يعاد فيه التجرُّد عن الثياب للقيلولة كما مرَّت إليه الإشارة في سورة النور.
هذا وفضلُ التسبيح والتحميدِ أظهرُ من أن يستدلّ عليه، وذكروا في فضل
ما تضمَّنته الآيةُ عدَّةَ أخبارٍ، فأخرج الإمام أحمدُ وابنُ جريرٍ وابن المنذر وابن
أبي حاتم، وابن السنيِّ في ((عمل اليوم والليلة))، والطبرانيُّ وابن مردويه، والبيهقيُّ
في ((الدعوات)) عن معاذ بن أنس عن رسول الله وَّر قال: ((أَلَا أُخْبِرُكم لمَ سمَّى الله
تعالى إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؛ لأنه يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾))(٣).
وأخرج أبو داود والطبرانيُّ وابنُ السنيِّ وابن مردويه عن ابن عباس عن
رسول الله وَلا قال: ((مَن قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
(١) تفسير أبي السعود ٧/ ٥٥ .
(٢) تفسير الرازي ٢٥/ ١٠٧ .
(٣) مسند أحمد (١٥٦٢٤)، وتفسير الطبري ٥٠٧/٢، والمعجم الكبير ٢٠/(٤٢٧)، وعمل
اليوم والليلة (٧٨)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مروديه والبيهقي السيوطي في الدر ٥/ ١٥٤،
وهو من طريق ابن لهيعة، عن زبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه به. وإسناده
ضعيف لضعف زبان بن فائد، وسهلٍ بن معاذ في رواية زبان عنه، وابن لهيعة سيِّئ الحفظ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٧/١٠: رواه الطبراني، وفيه ضعفاءُ وثِّقوا .

الآية : ١٩ - ٢٠
٤٣١
سُؤَدَّةُ الُوضِ
إلى قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) أَدْرَكَ ما فاتَه في يومه، ومَن
تُصْبِحُونَ
قالها حين يُمسي أَدْرَكَ ما فاته من ليلته))(١).
إلى غير ذلك من الأخبار، ولعل فيه تأييداً لكون ((فسبحان» إلخ مقولاً على
ألسنة العباد، فتأمَّل.
وقرأ عكرمة: ((حيناً تمسون وحيناً تصبحون)) بتنوين ((حين))، فالجملة صفةٌ
حُذِفَ منها العائدُ، والتقديرُ: تُمسون فيه وتُصبحون فيه (٢). وعلى قراءة الجمهور
الجملةُ مضافٌ إليها ولا تقدير للضمير أصلاً.
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ الإنسانَ من النطفة ﴿وَيُرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ﴾ النطفةَ من
الإنسان، وهو التفسيرُ المأثور عن ابن عباس وابن مسعود، ولعل مرادهما التمثيل.
وعن مجاهد: يُخرج المؤمنَ من الكافر، ويُخرج الكافرَ من المؤمن. وقيل: أي:
يُعْقِبُ الحياة بالموت، وبالعكس.
﴿وَنَجِى الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْنِهَا﴾ ييسها، فالإحياءُ والموتُ مجازان.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإخراج البديع الشأن ﴿تُخْرَجُونَ ﴾﴾ من قبوركم.
وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش: ((تَخْرُجون)) بفتح التاء وضمِّ الراء (٣)، وهذا على
ما قيل نوعُ تفصيلٍ لقوله تعالى: ﴿يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١].
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾﴾ الباهرةِ الدالَّةِ على أنكم تُبعثون دلالةٌ أوضحَ من دلالة ما سبق،
فإنَّ دلالة بدءٍ خَلْقِهم على إعادتهم أظهرُ من دلالة إخراج الحيٍّ من الميت وإخراج
الميت من الحيِّ، ومن دلالةِ إحياء الأرضِ بعد موتها عليها ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أي: في
ضِمْنٍ خَلْقِ آدم عليه السلام؛ لِمَا مرَّ مراراً من أنَّ خَلْقَه عليه السلام مُنْطٍ على خَلْقِ
(١) سنن أبي داود (٥٠٧٦)، والمعجم الكبير (١٢٩٩١)، وعمل اليوم والليلة (٥٦)، وعزاه
لابن مردويه السيوطي في الدر ١٥٤/٥. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص١٢٩ : إسناده ضعيف، وقال البخاري: لا يصح.
(٢) البحر ١٦٦/٧، وينظر القراءات الشاذة ص١١٦.
(٣) البحر ١٦٦/٧. وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان. التيسير ص١٧٥،
والنشر ٢٦٧/٢-٢٦٨.

سُورَةُ الُوفِنُ
٤٣٢
الآية : ٢٠
ذرِّياته انطواءً إجماليًّا ﴿مِّنِ تُرَابٍ﴾ لم يَشُمَّ رائحة الحياة قطُ، ولا مناسبةً بينه وبين
ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم. وقيل: خَلَقَهم من ترابٍ لأنه تعالى خَلَق مادَّتهم
منه، فهو مجازٌ أو على تقدير مضافٍ.
﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ ﴾﴾ أي: في الأرض تتصرَّفون في أغراضكم
وأسفاركم، و((إذا)) فجائية، و(ثم)) على ما ذهب إليه أبو حيان للتراخي الحقيقيِّ لِمَا
بين الخلق والانتشار من المدة(١).
وقال العلّامة الطيبيُّ(٢): إنها للتراخي الرُّتْبي؛ لأنَّ المفاجأة تأبى الحقيقيَّ.
ورُدَّ بأنه لا مانع من أن يفاجئ أحداً أمرٌ بعد مضيٍّ مدةٍ من أمرٍ آخَرَ، أو
أحدهما حقيقيٌّ والآخَرُ عُرْفي. وتعقّب بأنه على تسليم صحته يأباه الذوقُ، فإنه
كالجمع بين الضبِّ والنون، فما ذكره الطيبيُّ أنسبُ بالنظم القرآنيِّ.
والظاهر أنَّ الجملة معطوفةٌ على المبتدأ قبلها وهي بتأويل(٣) مفردٍ، كأنه قيل:
ومن آياته خَلْقُكم من ترابٍ ثم مفاجأتُكم وقتَ كونكم بشراً منتشرين، كذا قيل.
وفي وقوع الجملة مبتدأً بمثل هذا التأويل نظرٌ، إلَّا أنْ يقال: إنه يُغتفر في التابع
مالا يغتفر في المتبوع.
ويُتخيَّل من كلام بعضهم (٤) أنَّ العطف على ((خلقكم)) بحسب المعنى، حيث
قال: أي: ثم فاجأتُم وقتَ كونكم بشراً منتشرين. ويُفْهَم من كلام صاحب
((الكشف)) في نظير الآية، أعني قوله تعالى الآتي: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُوَ السَّمَآءُ
﴾ أنه أقيمت الجملةُ
وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُونَ [®
مقامَ المفرد من حيث المعنى؛ لأنها تفيدُ فائدته، والكلامُ على أسلوب: ﴿مَّقَامُ
إِنْزَهِيّةٌ وَمَنْ دَخَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لأنه في معنى: وأَمْنُ داخِله، وأما من
حيث الصورةُ فهي جملةٌ معطوفةٌ على قوله تعالى: (وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ) وفائدةٌ
(١) النهر الماد من البحر على هامش البحر ١٦٥/٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في
الحاشية ٧/ ١١٧ .
(٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية، والكلام من حاشية الشهاب.
(٣) في الأصل: في تأويل.
(٤) هو الزمخشري في الكشاف ٢١٨/٣.

الآية : ٢١
٤٣٣
سُوَّةُ الُوفِن
هذا الأسلوب الإشعارُ بأنَّ ذلك آيةٌ خارجةٌ من جنس الآيات، مستقلَّةٌ بشأنها،
مقصودةٌ بذاتها، فتأمَّلْ.
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ الدالَّةِ على البعث أيضاً ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أي: لِأَجْلِكم ﴿مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ فإنَّ خَلْقَ أَصْلِ أزواجِكم حواءَ من ضلع آدم عليه السلام متضمِّنٌ
لخَلْقهنَّ من أنفسكم على ما عرفتَ من التحقيق، فـ ((من)) تبعيضيةٌ، والأنفسُ بمعناها
الحقيقيّ.
ويجوزُ أن تكون ((من)) ابتدائيةً والأنفسُ مجازٌ عن الجنس، أي: خَلَق لكم من
جِئْسِكم لا من جنسٍ آخر؛ قيل: وهو الأوفقُ بقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ أي:
لتميلوا إليها؛ يقال: سكن إليه: إذا مال، فإنَّ المجانَسةَ من دواعي النظام
والتعارُفِ، كما أنَّ المخالفة من أسباب التفرُّق والتنافُر.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: بين الأزواج إما على تغليب الرجال على النساء في
الخطاب، أو على حَذْفٍ ظرفٍ معطوفٍ على الظرف المذكور، أي: جعل بينكم
وبينهنَّ، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقيل: بين أفراد الجنس، أو بين الرجال والنساء. وتعقّب بأنه يأباه قولُه
تعالى: ﴿مَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ فإنَّ المراد بهما ما كان منهما بعصمةِ الزواج قطعاً، أي:
جعل بينكم بالزواج الذي شَرَعَه لكم توادًّا وترُماً من غير أن يكون بينكم سابقةٌ
معرفةٍ، ولا مرابطةٌ مصحِّحةٌ للتعاطفُ من قرابةٍ أو رحِمٍ.
قيل: المودةُ والرحمة من الله تعالى، والفِرْكُ - وهو بغضُ أحد الزوجين
الآخَرَ - من الشيطان.
وقال الحسن ومجاهدٌ وعكرمةُ: المودّةُ كنايةٌ عن النكاح، والرحمةُ كنايةٌ عن
الولد. وكونُ المودّة بمعنى المحبة كنايةً عن النكاح - أي: الجماع - للزومها له
ظاهرٌ، وأما كونُ الرحمة كنايةً عن الولد للزومها له فلا يخلو عن بعدٍ .
وقيل: مودةً للشابَّة ورحمةً للعجوز. وقيل: مودةً للكبير ورحمةً للصغير.
وقيل: هما اشتباكُ الرَّحِمِ. والكلُّ كما ترى.

١
سُؤَةُ الُوفِ
٤٣٤
الآية : ٢٢
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر من خَلْقِهم من ترابٍ وخَلْقِ أزواجهم من أنفسهم
وإلقاءِ المودَّةِ والرحمةِ، فهو إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم. وقيل: إلى ما قبله، وليس
بذاك. وما فيه من معنى البُعْدِ مع قُرْبِ المشارِ إليه للإشعار بُبُعْدِ منزلته. ﴿لَيَتٍ﴾
عظيمةً لا يُكْتَنَه كُنْهُها، كثيرةً لا يقادَرُ قَدْرُها ﴿لَقَوْمٍ يَتَفَّكَّرُونَ ﴾﴾ في تضاعيف
تلك الأفاعيل المبنيّة على الحكم.
والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله، مع التنبيه على أنَّ ما ذكر ليس بآيةٍ فَذَّةٍ
بل هي مشتملةٌ على آياتٍ شتَّى، وأنها تحتاج إلى تفكّرٍ كما تؤذِنُ بذلك الفاصلة.
وذكر الطيبيُّ أنه لمَّا كان القصدُ مِن خَلْقِ الأزواج والسكونِ إليها وإلقاءِ المحبة
بين الزوجين ليس مجرَّدَ قضاء الشهوة التي يشترك بها البهائم، بل تكثير النسل وبقاء
نوع المتفكِّرين الذين يؤدِّيهم الفكرُ إلى المعرفة والعبادةِ التي ما خُلقتِ السماواتُ
والأرض إلَّا لها، ناسَبَ كونَ المتفكِّرين فاصلةً هنا .
﴿وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلَِِّكُمْ﴾ أي: لغاتكم بأنْ عَلَّمَ
سبحانه كلَّ صنفٍ لغته، أو أَلْهِمَه جلَّ وعلا وَضْعَها وأَقْدَره عليها، فصار بعضٌ
يتكلّم بالعربية، وبعضٌ بالفارسية، وبعضٌ بالرومية، إلى غير ذلك مما اللهُ تعالى
أعلمُ بکمیَّته.
وعن وهب: أنَّ الألسنة اثنان وسبعون لساناً، في ولد حام سبعةَ عشر، وفي
ولد سام تسعةَ عشر، وفي ولد يافث ستةٌ وثلاثون.
وجوِّز أن يراد بالألسنة أجناسُ النطق وأشكالُه، فقد اختلف ذلك اختلافاً
كثيراً، فلا تكاد تسمع مَنْطِقَينٍ متساويين في الكيفية من كلِّ وجهٍ، ولعل هذا أولى
مما تقدم.
والإمامُ(١) حكى الوجه الأول وقدَّم عليه ما هو ظاهرٌ في أنَّ المراد بالألسنة
الأصواتُ والنغم، ونصَّ على أنه أصحُّ من المحكيِّ.
﴿وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ بياض الجلد وسواده وتوسُّط فيما بينهما، أو تصوير الأعضاء
وهيئاتها وألوانها وحُلاها بحيث وقع التمايز بين الأشخاص، حتى إنَّ التوأمين مع
(١) هو الرازي في تفسيره ١١١/٢٥.

الآية : ٢٣
٤٣٥
سُوَدَةُ الُوضِ
توافُقِ موادِّهما وأسبابهما والأمورِ الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيءٍ من
ذلك لا محالةَ وإن كانا في غاية التشابه، فالألوان بمعنى الضروب والأنواع،
كما يقال: ألوان الحديث، وألوان الطعام، وهذا التفسيرُ أعمّ من الأول.
وإنما نظم اختلاف الألسنة والألوانِ في سلك الآيات الآفاقية من خَلْقِ
السماوات والأرض، مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقةِ بالانتظام في سلك
ما سبق مِن خَلْقِ أنفسهم وأزواجهم، للإيذان باستقلاله والاحترازِ عن توقُّم كونه
من متمِّمات خَلْقِهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من خَلْقِ السماوات والأرض واختلافِ الألسنة
والألوان ﴿لَيَتٍ﴾ عظيمةً كثيرةٌ ﴿لِلْعَلِمِينَ (٣)﴾ أي: المتَّصفين بالعلم، كما في
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وقرأ الكثير: (العالَمين)) بفتح اللام(١)، وفيه دلالةٌ على وضوح الآيات وعدمِ
خفائها على أحدٍ من الخلق كافةً.
﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُ﴾ أي: نومكم ﴿بَلَيْلِ وَاَلنَّهَارِ﴾ لاستراحة القوى النفسانية،
وتَقَوي القوى الطبيعية ﴿وَآبنِغَآ ؤُگم﴾ أي: طلبكم ﴿مِّن فَضْلِيٍ﴾ أي: بالليل والنهار،
وحذف ذلك لدلالة ما قبلُ عليه، ونظيرُه قولُه:
عجبتُ لهم إذ يقتلون نفوسَهم ومقتلُهم عند الوغى كان أَعْذَرا(٢)
فإنه أراد: يقتلون نفوسهم عند السِّلم، وحُذف لدلالة الوغى في الشطر الثاني
عليه، والنومُ بالليل والابتغاءُ من الفضل - أي: الكسبُ - بالنهار أمران معتادان،
وأما النومُ بالنهار فكنوم القيلولة، وأما الكسبُ بالليل فكما يقع من بعض المكتسبين
وأهلِ الحرف من السعي والعملِ ليلاً، لا سيما في أطول الليالي وعدمٍ وفاء نهارهم
بأغراضهم، ومن ذلك حراسةُ الحوانيت بالأجرة، وكذا قطعُ البراري في الأسفار
ليلاً للتجارة ونحوها .
(١) التيسير ص ١٧٥، والنشر ٣٤٤/٢، وقرأ حفص وحده بكسر اللام.
(٢) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه بشرح ابن السكيت ص٨٢، والصناعتين لأبي هلال
العسكري ص١٩٤، والإيضاح في علوم البلاغة ١٧٧/١. ورواية الديوان: يخنقون، بدل:
يقتلون، وتحت الوغى، بدل: عند الوغى. ووقع في الأصل و(م): أغدرا، وهو تصحيف.

سُوَّةُ الرّومِ
٤٣٦
الآية : ٢٣
وقال الزمخشريُّ(١): وهذا من باب اللفّ، وترتيبه: ومن آياته منامُكم
وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فَصَل بين القرينين الأوَّلين - أعني
(منامُكم)) و((ابتغاؤكم)) - بالقرينين الآخَرين أعني الليلَ والنهار؛ لأنهما ظرفان،
والظرفُ والواقعُ فيه كشيءٍ واحد، مع إعانة اللفّ على الاتحاد، وهو الوجهُ الظاهر
لتكوُّره في القرآن، وأسدُّ المعاني ما دلَّ عليه القرآن. انتهى.
والظاهرُ أنه أراد باللفِّ الاصطلاحيَّ، ولا يأبى ذلك توسيط الليل والنهار؛
لأنهما في نية التأخير، وإنما وسِّطا للاهتمام بشأنهما؛ لأنهما من الآيات في
الحقيقة لا المنام والابتغاء على ما حقَّقه في ((الكشف))، مع تضمُّن
توسيطهما مجاورةً كلٌّ لِمَا وقع فيه، فالجارُّ والمجرورُ قيل: حالٌ مقدَّمةٌ من
تأخير، أي: كائنينَ بالليل والنهار، وقيل: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: وذلك بالليل
والنهار، والجملةُ في النظم الكريم معترِضةٌ. وعلى كِلَا القولين لا يَرِدُ على
الزمخشريِّ لزومُ كون النهار معمولاً للابتغاء مع تقدُّمه عليه وعَظْفِه على معمولِ
«منامکم)) .
وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارةٌ إلى أنَّ العبد ينبغي أن لا يَرى الرزق من
نفسه وبحذقه، بل یری کلّ ذلك من فضل ربِّه جل وعلا .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْرِ يَسْمَعُونَ ﴾﴾ أي: شأنُهم أن يسمعوا الكلامَ
سماعَ تفهُّمٍ واستبصارٍ، وفيه إشارةٌ إلى ظهور الأمر بحيث يكفي فيه مجرَّدُ السماع
لمن له فهمٌّ وبصيرةٌ، ولا يحتاج إلى مشاهدةٍ وإن كان مشاهداً.
وقال الطيبيُّ: جيء بالفاصلة هكذا لأنَّ أكثر الناس مُنْسَدِحون بالليل
كالأموات، ومتردِّدون بالنهار كالبهائم، لا يدرون فيم هم ولمَ ذلك، لكن مَن ألقى
السمع وهو شهيدٌ يتنبّه لوعظ الله تعالى ويُصغي إليه؛ لأنَّ مرّ الليالي وكرَّ النهار
يناديان بلسان الحال: الرحيلَ الرحيلَ من دار الغرور إلى دار القرار، كما قال
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَدَ شُكُورًا﴾
[الفرقان: ٦٢].
(١) في الكشاف ٢١٨/٣.

الآية : ٢٤
٤٣٧
سُوَّةُ الْتُوضِ
وذكر الإمام(١) أنَّ من الأشياء ما يحتاج في معرفته إلى مُوقِفٍ يُؤْقِفُ عليه، .
ومرشدٍ يُرشِد إليه، فيفهم إذا سمع من ذلك المرشد، ولمَّا كان المنام والابتغاءُ قد
يقع لكثيرٍ أنهما من أفعال العباد، فيحتاج معرفةُ أنهما من آياته تعالى إلى مرشدٍ يُعينُ
الفِكْرَ قيل: ((لقوم يسمعون))، فكأنه قيل: لقومٍ يسمعون ويجعلون بالهم إلى كلام
المرشد. انتهى. ولعل الاحتياج إلى مُرْشدٍ يعين الفكر في أنَّ الليل والنهار من
الآيات بناءً على ما سمعتَ في بيان نكتةِ التوسيطِ أظهرُ، فتأمل.
﴿وَيِّنْ ءَيْهِ يُرِيكُمُ الْبَقَ﴾ ذهب أبو عليٍّ إلى أنه بتقدير ((أنْ)) المصدريةِ،
والأصل: أنْ يُرِيَكم، فحذف ((أن)) وارْتَفَع الفعلُ، وهو الشائعُ بعد الحذف في مثل
ذلك، وشدَّ بقاؤه منصوباً بعده، وقد روي بالوجهين قولُ طرفة:
أَلَا أيُّهذا الزاجري أخْضُر الوغى
وأنْ أشهَدَ اللذَّاتِ هل أنت مُخْلدي(٢)
وجوِّز كونُه مما نزّل فيه الفعلُ منزلةَ المصدر، فلا تقدَّر ((أنْ)) بل الفعلُ مستعملٌ
في جزءٍ معناه وهو الحدثُ مقطوعٌ فيه النظرُ عن الزمان، فيكون اسماً في صورة
الفعل، فـ (يريكم)) بمعنى الرؤية، وحُمِلَ على ذلك في المشهور قولُهم: تسمعُ
بالمعيدي خيرٌ من أنْ تراه. وجوِّز فيه(٣) أن يكون مما حُذِفَ فيه ((أنْ)) وأيِّد بأنه رُوي
فيه: تسمعَ بالنصب أيضاً، ولم يَرْتَضِه بعضُ الأجلَّة؛ لأنَّ المعنى ليس على
الاستقبال، وأمَّا ((أنْ تراه)) فالاستقبالُ فيه بالنسبة إلى السماع فلا ينافيه. ومثلُه قوله:
إلى الإصباح آثِرَ ذي أثيرٍ (٤)
فقالوا ما تشاءُ فقلتُ أَلْهو
(١) في تفسيره ٢٥/ ١١٣.
(٢) البيت في ديوانه ص٣٢، وسلف ٢٧٧/٢ و٢٤٤/٧ و١٤٥/١٠. قال الشهاب في الحاشية
١١٨/٧: ألا للتنبيه، وأيّ منادى حُذف منه حرف النداء، وهذا صفةٌ لأي، والزاجري بدل
منه، و((أل)) فيه موصولة ولذا ساغ فيه الإضافة لياء المتكلم، وهل للاستفهام الإنكاري،
ومخلدي مضاف إلى ضمير المتكلم، وعَظْفُ قوله: وأن أشهد، دليل على الحذف مما قبله،
يقول لمن منعه حضور المحاربات والانهماك في اللذات: هل أنت ضامن لي الخلود في
الدنيا حتى لا ألج المهالك ولا أستعجل الشهوات.
(٣) يعني في المثل. حاشية الشهاب ١١٨/٧.
(٤) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ص٥٧. والمعنى: فقلت: أن ألهو إلى الصبح آثر
كلِّ شيءٍ يؤثر فعله، ويقال: أفعله آثر ذي أثير، أي: أولَ كلِّ شيءٍ. مجمع الأمثال ٧٦/٢.

سُورَةُ المُوفِزْ
٤٣٨
الآية : ٢٤
ورجّح الحملُ على التنزيل منزلةَ اللازم دلالةً على أنه كالحال اهتماماً بشأن
المراد؛ لقوله: آئِر ذي أثير، والتعليل بأنَّ ((ما تشاء)) سؤالٌ عما يشاؤه في الحال
و((أنْ)) للاستقبال ليس بالوجه؛ لأنَّ المشيئة تتعلَّق بالمستقبل أبداً.
وقال الجامع الأصفهانيُّ: تقديرُ الآية: ومن آياته آيةٌ يريكم البرق، على أنَّ
(يريكم)) صفةٌ وحُذف الموصوف وأقيمت الصفةُ مقامه كما في قوله:
أموتُ وأخرى أبتغي العيشَ أكدحُ(١)
وما الدهرُ إلَّا تارتان فمنهما
أي: فمنهما تارةٌ أموتُ، قيل: فلا بدَّ من راجع فقدِّر: فيها أو بها، ونصَّ على
الثاني الرماني كما في ((البحر)) (٢)، وكلاهما لا يَسْدُّ - كما في ((الكشف)) - عليه
المعنى.
وقيل: التقدير: ومن آياته البرقُ، ثم استؤنف: ((يريكم البرق)).
وقيل: ((من آياته)) حالٌ من ((البرق)) أي: يريكم البرقَ حال كونه من آياته.
وجوَّز أبو حيان تعلُّقه بـ (يريكم))، و((من)) لابتداء الغاية(٣)، وفيه مخالفةٌ لنظرائه.
وفي ((الكشف)): لعل الأَوْجَهَ أن يكون من آياته خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: من
آياته ما يُذكر أو ما يُتْلَى عليكم، ثم قيل: ((يريكم البرق)) بياناً لذلك، ثم قال: وهذا
أقلُّ تكلُّفاً من الكلِّ.
وأنت تعلم أنَّ الأَوْجَهَ ما تُوافِقُ الآيةُ به نظائرَها .
﴿خَوْفًا﴾ أي: من الصواعق ﴿وَطَمَعًا﴾ في المطر، قاله الضحاك. وقال قتادة:
خوفاً للمسافر لأنه علامةُ المطر، وهو يضرُّه لعُدْمِ ما يُكثُّه ولا نَفْعَ له فيه، وطمعاً
للمقیم.
وقيل: خوفاً أن يكون خُلَّاً(٤)، وطمعاً أن يكون ماطراً .
وقال ابن سلام: خوفاً من البرد أن يُهلك الزرع، وطمعاً في المطر.
(١) البيت لتميم بن أبي بن مقبل، وهو في ديوانه ص٢٤، وسلف ٦/ ٦١.
(٢) ١٦٧/٧.
(٣) البحر ٧/ ١٦٧ .
(٤) البرق الخلَّب: المُطْمِعُ المُخْلِف. القاموس (خلب).

الآية : ٢٤
٤٣٩
سُوَرَةُ الْرُوفِ
ونَصْبُهما على العلة عند الزجَّاج(١)، وهو على مذهبٍ من لا يشترطُ في نَصْبٍ
المفعول له اتحادَ المصدر والفعلِ المعلِّلِ في الفاعل ظاهرٌ، وأما على مذهب
الأكثرين المشترِطِينَ لذلك فقيل في توجيهه: إنَّ ذلك على تقدير مضافٍ، أي: إرادةَ
خوفٍ وطمع، أو على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، إمّا بأن يُجعل
أصلُهما ذلك على حذف الزوائد، أو بأنْ يُجعلا مجازين عن سببيهما .
وقيل: إنَّ ذلك لأنَّ إراءتهم تستلزمُ رؤيتهم، فالمفعولون فاعلون في المعنى،
فكأنه قيل: لجعلكم (٢) رائين خوفاً وطمعاً.
واعتُرض بأنَّ الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها،
فکیف یکونان علةً على فرض الاكتفاء بمثل ذلك عند المشترطین. ووجِّه بأنه لیس
المراد بالرؤية مجرَّدَ وقوع البصر، بل الرؤيةَ القَصْديةَ بالتوجُّه والالتفات، فهو مثلُ:
قعدتُ عن الحرب جبناً .
ولم يرتضِ ذلك أبو حيان أيضاً، ثم قال: لو قيل على مذهب المشترطينَ: إنَّ
التقدير: يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً، فحذف العامل للدلالة عليه، لكان إعراباً
سائغاً(٣).
وقيل: لعل الأظهر نَصْبُهما على العلَّة للإراءة؛ لوجود المقارنة والاتحادِ في
الفاعل، فإنَّ الله تعالى هو خالقُ الخوف والطمع، وكونُ معنى قول النحاة: لا بدَّ أن
يكون المفعولُ له فِعْلَ الفاعل، أنه لا بدَّ من كونه متَّصفاً به كالإكرام في قولك:
جئتك إكراماً لك، إنْ سلِّم فلا حَجْرَ من الانتصاب على التشبيه في المقارنة
والاتحاد المذكور.
وتعقِّب بأنَّ كون المعنى ما ذُكر مما لا شبهةَ فيه، وقد ذكره صاحب
((الانتصاف))(٤) وغيرُه، فإنَّ الفاعل اللغويَّ غيرُ الفاعل الحقيقيّ، فالتوقُّفُ فيه
وادِّعاءُ أنه لا حَجْر من الانتصاب على التشبيه مما لا وجه له.
(١) في معاني القرآن ١٨٢/٤ .
(٢) كذا في الأصل و(م) والبحر ٧/ ١٦٧، وفي الكشاف والانتصاف ٢١٩/٣: يجعلكم.
(٣) البحر ١٦٧/٧ - ١٦٨.
(٤) ٢١٩/٣، والكلام من حاشية الشهاب ١١٨/٧.

سُورَةُ الْرُوفِ
٤٤٠
الآية : ٢٥
وأنا أميلُ إلى عدم اشتراط الاتحاد في الفاعل؛ لكثرة النصب مع عدم الاتحاد
كما يَشهدُ بذلك التبُّعُ والرجوعُ إلى ((شرح الكافية)) للرضي، والتأويلُ مع الكثرة ممَّا
لا موجب له.
وجوِّز أن يكون النصب هنا على المصدر، أي: تخافون خوفاً وتطمعون طمعاً،
على أن تكون الجملة حالاً. وأولى منه أن يكونا نصباً على الحال، أي: خائفين
وطامعین.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ﴾ وقرأ غيرُ واحدٍ بالتخفيف(١) ﴿فَيُخىء پهِ﴾ أي: بسبب
الماء ﴿ اَلْأَرْضَ﴾ بأنْ يُخْرِج سبحانه النبات ﴿بَعْدَ مَوْنِهَا﴾ يبسها ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِّقَوْرِ يَعْقِلُونَ ﴾ يستعملون عقولَهم في استنباط أسبابها وكيفيةِ تكوُّنها؛
ليظهر لهم كمالُ قدرة الصانع جلَّ شأنُه وحكمته سبحانه.
وقال الطيبيُّ: لمّا كان ما ذكر مثيلاً لإحياء الناس وإخراج الموتى، وكان
التمثيلُ لإذْناء المتوهَّم إلى(٢) المعقول، وإراءةِ المتخيّل في صورة المحقَّق، ناسَبَ
أن تكون الفاصلةُ: ((لقوم يعقلون))(٣).
﴿وَمِنْ ءَلِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِدٍ﴾ أي: بقوله تعالى: قُوما، أو: بإرادته
عز وجل، والتعبيرُ عنها بالأمر للدلالة على كمال القدرة والغِنَى عن المبادي
والأسباب. وليس المراد بإقامتهما إنشاءَهما؛ لأنه قد بيَّن حاله بقوله تعالى: (وَمِنْ
ءَيْهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ)، ولا إقامتَهما بغير مقيم محسوسٍ كما قيل، فإنَّ ذلك
من تتمَّات إنشائهما وإن لم يصرّح به تعويلاً على ما ذكر في موضع آخر من قوله
تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية [لقمان: ١٠]، بل قيامهما وبقاؤهما على
ما هما عليه إلى أَجَلهما الذي أُشير إليه بقوله تعالى فيما قبل: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ
وَأَلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ﴾ [الروم: ٨].
ولمّا كان البقاء مستقبلاً باعتبار أواخره وما بعد نزول هذه الآية أُظْهِرتْ هنا
كلمة ((أنْ)) التي هي عَلَمٌ في الاستقبال.
(١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٨/٢.
(٢) قوله: إلى، ساقط من (م).
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير الآية (٢٨) من هذه السورة.