Indexed OCR Text
Pages 401-420
التفسير الإشاري (٢-٦٩) ٤٠١ سُورَةُ الجَنْكُوتِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فلا يمنعنَّكم خوفُ الموت من السفر. ﴿وَ كَأَبِّنْ مِّنِ دَابَةٍ لَّا تَّحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ فلا يمنعنَّكم عنه فَقْدُ الزادِ أو العجزُ عن حمله. ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَا﴾ قال ابن عطاء: أي: الذين جاهدوا في رضانا لنهدينَّهم إلى محلِّ الرضا. والمجاهدةُ كما قال: الافتقارُ إلى الله تعالى بالانقطاع عن كلِّ ما سواه. وقال بعضهم: أي: الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف لنُوصِلَنَّ أسرارهم إلى اللطائف. وقيل: أي: الذين جاهدوا نفوسَهم لأَجْلنا وطلباً لنا لنهدينَّهم سبلَ المعرفة بنا والوصولِ إلينا، ومَن عَرَفَ الله تعالى عَرَفَ كلَّ شيء، ومَن وصل إليه هان عنده كلُّ شيءٍ. كان عبد الله بن المبارك يقول: مَن اعتاصَتْ عليه مسألةٌ فليسأل أهل الثغور عنها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَا﴾. وجهادُ النفس هو الجهادُ الأكبر، نسألُ الله تعالى التوفيقَ لِمَا يحبُّ ويرضى والحفظَ التامَّ من كلِّ شرِّ بحرمةٍ حبيبه سيد البشر ويله . = محفوظة، وقال الأزدي: لا يكتب حديثه. الميزان ٦٢٣/٣. وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٣٠٦/٢: هذا حديث منكر. وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٤٥/٢ عن ابن عمر بإسناد آخر بلفظ: ((سافروا تصحوا وتسلموا))، وفيه عبد الله بن عيسى أبو علقمة المدني الأصم، قال ابن حبان: يروي عن نافع ومطرف بن عبد الله بن الأصم العجائب، ويقلب على الثقات الأخبار. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٩٤٥)، والقضاعي في الشهاب (٦٢٣). وآخر من حديث ابن عباس عند ابن عدي ٢٥٢١/٧، والبيهقي ١٠٢/٧. وثالث من حديث أبي سعيد الخدري عند ابن عدي ٣/ ١٢٩٢ وكلها ضعيفة، وينظر الكلام عليها في حاشية المسند . وروي عن عمر موقوفاً عليه بلفظ: سافروا تصحُّوا، وهو في مصنف عبد الرزاق (٢٠٩٢٨)، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين طاووس وبين عمر، وهو أصح شيءٍ في الباب. سُورَةُ الُوفِ ـتّ، بل قال ابن عطيةً وغيرُه: مکیةٌ کما رُوي عن ابن عباس وابن الزبير لا خلافَ في مكِّيتها(١)، ولم يستثنوا منها شيئاً. وقال الحسن: هي مكيةٌ إلّا قولَه تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيةَ [١٧]، وهو خلافُ مذهب الجمهور والتفسيرِ المَرْضيِّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه . وآيّها ستُّون، وعند بعضٍ تسعٌ وخمسون. ووجهُ اتِّصالها بالسورة السابقة على ما قاله الجلال السيوطيُّ: أنها خُتمت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَدِيَنَّهُمْ سُبُلَأْ﴾ وافتُتِحَتْ هذه بوعدٍ مَن غُلِبَ من أهل الكتاب بالغلبة والنصر وفَرَح المؤمنين بذلك، وأنَّ الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرُّهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة، هذا مع تَوَاخيها لِمَا قبلها في الافتتاح بـ ((ألم))(٢). ولا يخفى أنَّ قتال أهل الكتاب ليس من المجاهَدةِ في الله عزَّ وجلَّ، وبذلك تَضْعُفُ المناسَبةُ، ومَن وقف على أخبار سبب النزول ظهر له أنَّ ما افتتحت به هذه السورةُ متضمِّناً (٣) نصرةَ المؤمنين بدَفْعِ شماتة أعدائهم المشركين وهم لم يزالوا مجاهدين في الله تعالى ولأجله ولوجههَ عز وجل، ولا يضرُّ عدمُ جهادهم بالسيف عند النزول، وهذا في المناسبة أَوْجَهُ فيما أرى من الوجه الذي ذكره الجلال، فتأمَّلْ. (١) المحرر الوجيز ٣٢٧/٤. (٢) تناسق الدرر ص ٧٢-٧٣. (٣) كذا في الأصل و(م)، والوجه: متضمن. الآية : ١ - ٣ ٤٠٣ سُورَةُ الْرُوفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الكلامُ فيه كالذي مرَّ في أمثاله من الفواتح الكريمة ﴿قُلِبَتِ الرُّومُ ﴿ الّرّ هي قبيلةٌ عظيمةٌ من ولد رومي بن يونان بن علجان بن يافث بن(١) نوح عليه ٢ السلام. وقيل: من ولد يافان بن يافث. وقيل: من ولد رعويل بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. وقال الجوهري: من ولد روم بن عيص المذكور (٢). صارت لها وقعة مع فارس على عهد رسول الله وَله، فغلبتْها وقهرتْها فارس. ﴿فِيّ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أَقْرَبِها. والمراد بالأرض أرضُ الروم، على أنَّ ((أل)) نائبةٌ منابَ الضمير المضاف إليه، والأقربيةُ بالنظر إلى أهل مكة لأن الكلام معهم. أو المراد بها أرضُ مكةَ ونواحيها لأنها الأرضُ المعهودةُ عندهم، والأقربيةُ بالنظر إلى الروم. أو المراد بالأرض أرضُ الروم لِذِكْرِهم والأقربيةُ بالنظر إلى عدوّهم - أعني فارس - لحديثِ المغلوبية. وقد جاء من طرقٍ عديدةٍ أنَّ الحرب وقع بين أذرعات وبصرى. وقال ابن عباس والسدي: بالأردنّ وفلسطين. وقال مجاهد: بالجزيرة، يعني الجزيرةَ العمريةَ لا جزيرةَ العرب. وجُعِلَ كلُّ قولٍ موافقاً لوجهٍ من الأَوْجُه الثلاثة على الترتيب، وصحّح ابنُ حجر القولَ الأول. وقرأ الكلبي: ((في أَدَاني الأرض))(٣). ﴿وَهُمْ﴾ أي: الروم ﴿مِّنُ بَعْدٍ غَيْهِمْ﴾ أي: غلب فارسَ إياهم، على أنه مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، أو إلى نائب فاعله إن كان مصدراً لمجهولٍ، ورجَّحه بعضهم بموافقته للنظم الجليل. (١) قوله: ابن، ساقط من (م). (٢) الصحاح (روم). (٣) القراءات الشاذة ص١١٦. الآية : ٤ ٤٠٤ سُدَقَالُوض وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابنُ عمر ﴿ه ومعاويةُ بن قرَّةَ: ((غَلْبِهِم)) بسكون اللامُ(١). وعن أبي عمرو أنه قرأ: ((غِلَابِهم)) على وزن كتاب(٣)، والكلُّ مصادرُ غَلَبَ. والجارُّ والمجرور متعلِّقُ بقوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ ﴾﴾ وفي ذلك تأكيدٌ لِمَا يُفْهَمُ من السين، ولكونِ مغلوبِهِم مَن كان غالِيَهم، وفي بناء الجملة على الضمير تقويةٌ للحكم، أي: سيغلبون فارسَ ألبتة. وقوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ متعلِّق بـ ((يغلبون))(٣) أيضاً. والبِضْعُ ما بين الثلاث إلى العشرة، عن الأصمعي. وفي ((المُجْمَل)): ما بين الواحد إلى التسعة (٤). وقيل: هو ما فوق الخمس ودون العشرة(٥). وقال المبرِّد: ما بين العقدين في جميع الأعداد. روي أنَّ فارس غزوا الروم، فوافَوْهم بأذرعات وبصرى فغلبوا عليهم، فبلغ ذلك النبيَّ وَ ل﴿ وأصحابَه وهم بمكة، فشقَّ ذلك عليهم، وكان ◌َ ◌ّ يكره أن يظهر الأمِّيون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح الكفار بمكة وشَمِتوا، فلقُوا أصحاب النبيِّ وَّ فقالوا: إنكم أهلُ كتاب والنصارى أهلُ كتاب، وقد ظهر إخوانُنا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنَّ عليكم(٦). فأنزل الله تعالى: ﴿الّ ◌َ غُلِتِ الزُّومُ ﴾﴾ الآيات، فخرج أبو بكر ◌ُئه إلى الكفار فقال: أَفَرِحْتُم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يُقِرَّنَّ اللهُ تعالى عينكم، فواللهِ تعالى ليظهرنَّ الرومُ على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنَا وَّهِ. فقام (١) القراءات الشاذة ١١٦، والبحر ١٦١/٧، والكلام منه. (٢) البحر ٧/ ١٦٢ . (٣) في (م): بسيغلبون. (٤) مجمل اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ١/ ١٢٧. (٥) في (م): العشر. (٦) بعدها في (م): الله. الآية : ٤ ٤٠٥ سُؤَةُ الْتُوفِ إليه أبيّ بنُ خلف فقال: كذبتَ. فقال له أبو بكر ظُله: أنت أَكْذَبُ يا عدوَّ الله، تعال أُنَاحِبْكَ(١)، عشر قلائصَ منِّي وعشر قلائصَ منك، فإنْ ظهرتِ الرومُ على فارس غَرِمْتَ، وإن ظهرتْ فارسُ غَرِمْتُ، إلى ثلاث سنين. فناحَبَه ثم جاء أبو بكر إلى النبيِّ وَّهِ فأخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هكذا ذكرتُ، إنما البِضْعُ ما بين الثلاث إلى التسع، فزايِذْه في الخَطَر (٢)، وماذَه في الأَجَل)) فخرج أبو بكر فلقي أبيًّا فقال: لعلك نَدِمْتَ؟ قال: لا، تعال أُزايِدْكَ في الخَطَر وأماذَّك في الأَجَل، فاجْعَلْها مئةَ قلوصٍ إلى تسع سنين. قال: قد فعلتُ. فلمَّا أراد أبو بكر الهجرة طلب منه أبيٍّ كفيلاً بالخطر إن غُلب، فكفل به ابنُه عبد الرحمن، فلمَّا أراد أبيِّ الخروجَ إلى أُحدٍ طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه كفيلاً، ومات أبيٍّ من مُجُرْحٍ جَرَحَه النبيُّ ◌َّهَ، وظهرت الرومُ على فارس لمَّا دخلت السنة السابعة(٣). وجاء في بعض الروايات أنهم ظهروا عليهم يوم الحديبية(٤). وأخرج الترمذيُّ وحسَّنه أنه لمَّا كان يومُ بدرٍ ظهرت الرومُ على فارس(٥). فأخذ أبو بكر ظُلُهُ الخَطَر من وَرَثةِ أبِيٍّ وجاء به إلى النبيِّ نَّه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((تصدَّق به))(٦). وفي رواية أبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((هذا السحتُ، تصدَّق به))(٧). (١) جاء في هامش الأصل و(م): قوله: أناحبك، أي: أراهنك. اهـ منه. (٢) الخطر بالتحريك: الرهن، وما يخاطر عليه. النهاية (خطر). (٣) ذكر هذا الخبر البغوي في تفسيره ٤٧٥/٣-٤٧٦، والزمخشري في الكشاف ٢١٤/٣، والبيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٧/ ١١١، وأخرجه الطبري ١٨/ ٤٥٠ عن عكرمة دون قوله: فلما أراد أبو بكر الهجرة ... إلخ. وقصة أبي بكر في المراهنة أخرجها الترمذي (٣١٩٤) من حديث نِيَار بن مُكْرَم الأسلمي، وسياقها مخالف لسياق هذه القصة، وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٢٨ . (٤) هو قول عكرمة والزهري وقتادة كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وورد ذلك أيضاً ضمن الخبر السالف عند البغوي والزمخشري والبيضاوي. (٥) سنن الترمذي (٣١٩٢) من حديث أبي سعيد الخدري به. والقول بأن نصر الروم على الفرس كان يوم بدر هو قول ابن عباس والثوري والسدي كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٦) الكشاف ٢١٤/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١١١. (٧) الدر المنثور ٥/ ١٥٠، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية بإسناده عن ابن أبي حاتم. سُوَّةُ الرُّومِ ٤٠٦ الآية : ٤ واستشكل بأنه إن كان ذلك قبل تحريم القمار كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقيُّ عن قتادة(١)، والترمذيُّ وصحَّحه عن ◌ِيَار بن مُكْرَم السلميِّ(٢)، وهو الظاهرُ لأنَّ السورة مكيةٌ وتحريمُ الخمر والميسر من آخر القرآن نزولاً ، فما وجهُ كونه سحتاً؟ وإن كان بعد التحريم فكيف يؤمَرُ بالتصدَّقِ بالحرام الغيرِ المختلطِ بغيره وصاحبُهُ معلومٌ، وفي مثل ذلك يجبُ ردُّ المالِ عليه؟. فإن قيل: إنه مالُ حربيٍّ، والحادثةُ وقعت بمكة، وهي قبل الفتح دارُ حربٍ، والعقودُ الفاسدة تجوز فيها عند أبي حنيفة ومحمدٍ عليهما الرحمة، لم يظهر كونُه سحتاً. وكأني بك تمنع صحة هذه الرواية، وإذا لم تَثْبُتْ صحتُها يبقى الأمرُ بالتصُّق، وحينئذٍ يجوز أن يكون لمصلحةٍ رآها رسول الله وَله، وهو تصدُّقٌ بحلالٍ؛ أما إذا كان ذلك قبل تحريم القمار كما هو المعوَّلُ عليه فظاهرُ، وأمَّا إن كان بعد التحريم فلأنَّ أبا حنيفة ومحمداً قالا بجواز العقود الفاسدة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجًا على صحة ذلك بما وقع من أبي بكر في هذه القصة، وقد تضافرت الرواياتُ أنه وَ﴿ لم ينكر عليه المناحَبةَ(٣)، وإنما أنكر عليه التأجيلَ بثلاثٍ سنين، وأرشده إلى أن يُزایدهم. وربما يقال على تقدير الصحة: إنَّ السُّحْتَ ليس بمعنى الحرام، بل بمعنى ما يكون سببًا للعار والنقص في المروءة حتى كأنه يسحتُها، أي: يستأصلُها، كما في قوله وَله: ((كَسْبُ الحجَّامِ سُحْتٌ))(٤) فقد قال الراغب: إنَّ هذا لكونه ساحتاً (١) تفسير الطبري ٤٥٤/١٨، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٣٣/٢-٣٣٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي. (٢) سنن الترمذي (٣١٩٤)، وفيه: الأسلمي، وهو الصواب. (٣) ينظر حديث ابن عباس ﴿ عند الترمذي (٣١٩٣)، وفيه أن المشركين قالوا لأبي بكر: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أَجَل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي وَّرِ فقال: ((ألا جَعَلْتَه إلى دون)) أراه قال: العشر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. (٤) أخرجه ابن حبان (٤٩٤١) من حديث أبي هريرة الآية : ٤ ٤٠٧ سُوَّةُ الْرُوفِ للمروءة لا للدين(١)، فكأنه وَ﴿ رأى أنَّ تموُّلَ ذلك وإن كان حلالاً مخلٌّ بمروءة أبي بكرٍ ظُه، فأطلق عليه السحت، ولا يأبى ذلك إذنُه عليه الصلاة والسلام في المناحبة؛ لِمَا أنها لا تضرُّ بالمروءة أصلاً، وفيها من إظهار اليقين بصِدْقِ ما جاء به پ ، النبيُّ ◌َّ ما فيها، وكان عليه الصلاة والسلام على ثقةٍ من صلاح الصدِّيق وأنه إذا أمره بالتصدُّق بما يأخذه ونهاه عن تموُّله لم يخالفه. وقيل: السحتُ هنا بمعنى ما لا شيء على مَن استهلكه، وهو أحدُ إطلاقاته كما في ((النهاية))(٢)، والمرادُ: هذا الذي لا شيء عليكَ إذا استَهْلَكْته وتصرَّفتَ فيه حَسْبَما تشاء تَصدَّقْ به، كأنه عليه الصلاة والسلام بعد أن أَخبر الصدِّيق ظُه بأنه لا مانع له من التصرُّفِ فيه حَسْبَما يريد أَرْشَدَه إلى ما هو الأَوْلى والأَخْرى، فقال: «تصدّق به)). وهو كما ترى. وقيل: إنَّ السحت كما في ((النهاية) يَرِدُ في الكلام بمعنى الحرام مرةً، وبمعنى المكروه أخرى، ويُستدلُّ على ذلك بالقرائن(٣)، فيجوز أن يكون في الخبر - إذا صحَّ فيه - بمعنى المكروه؛ إذ الأمرُ بالتصلُّق يمنع أن يكون بمعنى الحرام، فيتعيَّنُ کونُه بمعنی المکروه. وفيه نظر. وأمَّا تفسيرُ السحت بالحرام، والتزامُ القول بجواز التصدُّق بالحرام لهذا الخبر، فمما لا يُلتَفَتُ إليه أصلاً، فتأمل. وكانت كلتا الغلبتين في سلطنة خسرو برويز، قال في ((روضة الصفا))(٤) ما ترجمته: إنه لمَّا مضى من سلطنة خسرو أربعةَ عَشَرَ سنةً غدر الروميون بمَلِكِهم وقتلوه مع ابنه بناطوس، وهرب ابنُه الآخر إلى خسرو، فجهّز معه ثلاثةَ رؤساء أُولي قَدْرٍ رفيعٍ مع عسكرٍ عظيم، فدخلوا بلاد الشام وفلسطين وبيتَ المقدس، وأسروا مَن فيها من الأساقفة وغيرِهم، وأرسلوا إلى خسرو الصليب الذي كان مدفوناً (١) مفردات الراغب (سحت). (٢) مادة (سحت). (٣) النهاية (سحت). (٤) روضة الصفاء في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء، فارسي لمحمد بن خاوند شاه بن محمود، المتوفى سنة (٩٠٣هـ). كشف الخفاء ١/ ٩٢٦. سُوَّةُ الُوضُ ٤٠٨ الآية : ٤ عندهم في تابوتٍ من ذهب، وكذلك استَوْلَوا على الإسكندرية وبلادِ النوبة، إلى أن وصلوا إلى نواحي القسطنطينية، وأكثروا الخراب، وجهدوا على إطاعة الروميين لابن قيصر فلم تحصل. قيل: إنَّ الروميين جعلوا عليهم حاكماً شخصاً اسمه: هرقل، وكان سلطاناً عادلاً يخاف الله تعالى، فلمَّا رأى تخريبَ فارس قد شاع في بلاد الروم من النهب والقتل تضرَّع وبكى وسأل الله تعالى تخليصَ الروميين، فصادف دعاؤه هدف الإجابة، فرأى في ليالي متعدِّدةٍ في منامه أنه قد جيء إليه بخسرو في عنقه سلسلةٌ، وقيل له: عجِّل بمحاربة برويز لأنه يكون لك الّفرُ والنصرةُ، فجمع هرقلُ عسكره بسبب تلك الرؤيا وتوجَّه من قسطنطينية إلى نصيبين، فسمع خسرو، فجهّز اثني عشر ألفاً مع أميرٍ من أمرائه، فقاتلهم(١) هرقلُ فكسرهم وقتل منهم تسعة آلاف مع رؤسائهم. وفي بعض الروايات أنهم ربطوا خيولهم بالمدائن . ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ سبب ظهور الروم على فارس أنَّ كسرى بعث إلى أميره شهريار، وهو الذي ولَّاه على محاربة الروم: أن اقتل أخاك فرخان لمقالةٍ قالها، وهو قوله: لقد رأيتني جالساً على سرير كسرى. فلم يقتله، فبعث إلى فارس: إنِّي قد عزلتُ شهريار وولَيتُ أخاه فرخان، فاطّلع فرخان على حقيقة الحال فردَّ الملك إلى أخيه، وكتب شهريار إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى، فغلبت الرومُ فارس، وجاء الخبر ففرح المسلمون(٢)، وكان ذلك من الآيات البيِّنات الباهرة الشاهدةِ بصحة النبوّةِ، وكونِ القرآن من عند الله عز وجل لِمَا في ذلك من الإخبار عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى العليم الخبير، وقد صحَّ أنه أسلم عند ذلك ناسٌ كثير(٣) . وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابنُ عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدريُّ والحسن ومعاويةُ بن قرة: ((غَلَبتِ الروم)) على البناء للفاعل و: ((سيُغْلَبون)) على (١) في (م): فقابلهم. (٢) أورده البغوي ٤٧٦/٣-٤٧٧ عن عكرمة، وذكره أبو حيان في البحر ١٦١/٧ دون نسبة. (٣) أخرجه الترمذي (٣١٩٤) من حديث نِيّار بن مُكْرَم الأسلمي، وقد سلف تخريجه قريباً. الآية : ٤ ٤٠٩ سُؤَةُ الرُّومِ البناء للمفعول(١)، والمعنى على ما قيل: إنَّ الروم غَلبوا على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزول الآية ففتحوا بعضَ بلادهم، وإضافة ((غلب)) عليه من إضافة المصدر إلى الفاعل. ووفّق بين القراءتين بأنَّ الآية نزلت مرتين: مرةً بمكة على قراءة الجمهور، ومرةً يومَ بدرٍ كما رواه الترمذيُّ وحسَّنه عن أبي سعيد على هذه القراءة(٢). وقال بعض الأجلَّة: الصوابُ أن يبقى نزولُها على ظاهره، ويرادَ بغلب المسلمين إياهم ما كان في غزوة مؤتة، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمانٍ، وذلك قريبٌ من التاريخ الذي ذكروه لنزول الآية أولاً، ولا حاجةً إلى تعدُّد النزول، فإنه يجوز تخالُفُ معنى القراءتين إذا لم يتناقضا، وكونُ فريقٍ غالباً ومغلوباً في زمانين غيرُ متدافع، فتأمَّل. انتهى. ولا يخفى على مَن سَبَرَ السِّيرَ أنَّ هذا مما لا يكاد يتسنَّى؛ لأن الروم لم يغلبهم المسلمون في تلك الغزوة، بل انصرفوا عنهم بعد أن أُصيبوا بجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وعباد بن قيس في آخرين من الصحابة أجمعين كالمغلوبين. بل ذَكَر ابنُ هشام أنهم لمَّا أتَوا المدينةَ جعل الناس يَحثُون على الجيش الترابَ ويقولون: يا فُرَّار، فَرَرْتُم في سبيل الله تعالى. وكان رسول الله وَلجه يقول: ((ليسوا بالفُرَّار ولكنهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى))، ورَوَى أنَّ أمَّ سلمةَ قالت لامرأة سَلَمَة بن هشام بن العاص بن المغيرة: مالي لا أرى سلمةً يحضُر الصلاة مع رسول اللهِ وَل﴿ ومع المسلمين؟ فقالت: والله ما يستطيعُ أن يخرج، كلَّما خرج صاح به الناس: يا فرَّار، فررتُم في سبيل الله، حتى قعد في بيته ولم يخرج. وذَكَر أبياتاً لقيس اليعمريِّ يعتذر فيها مما صنع يومئذ وصنع الناسُ، وقد تضمَّنت - كما قال - بيانَ أنَّ القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وأنَّ خالد بن الوليد انحاز بمن معه(٣). على أنَّ فيما ذُكر أنه الصواب بحثاً بعدُ، فلعل الأوْلَى في التوفيق إذا صحّت هذه القراءةُ ما ذكر أوَّلاً، فتأمل. (١) القراءات الشاذة ص١١٦، والبحر ٧/ ١٦١ . (٢) سنن الترمذي (٣١٩٢)، وقد سلف تخريجه قريباً. (٣) سيرة ابن هشام ٣٨٢/٢-٣٨٣، والخبران أخرجهما البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ٣٧٤-٣٧٥ عن عروة وعن أم سلمة. الآية : ٤ ٤١٠ سُؤَدَةُ الرّومِ وفي ((البحر)): كان شيخُنا الأستاذ أبو جعفر بنُ الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه استَخْرجَ من قوله تعالى: ﴿الََّّ غُليَتِ الزُّومُ ﴾﴾ إلى ﴿سِنِينَ﴾ افتتاحَ المسلمين بيتَ المقدس معيِّناً زمانه ويومَه، وكان إذ ذاك بيتُ المقدس قد غَلَبتْ عليه النصارى، وأنَّ ابن برجان مات قبل الوقت الذي عيَّنه للفتح، وأنه بعد موته بزمانٍ افتتحه المسلمون في الوقت الذي عيَّنه أبو الحكم، وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا أنه كان يتطلّع على أشياء من المغيبات يستخرجُها من كتاب الله تعالى(١). انتهى. واستخراجُ بعض العارفين كمحيي الدين قدِّس سرُّه والعراقيّ وغيرهم المغيَّبات من القرآن العظيم أمرٌ شهيرٌ، وهو مبنيٌّ على قواعدَ حسابيةٍ وأعمالٍ حَرْفيةٍ لم يَرِدْ شيءٌ منها عن سَلَف الأمة، ولا حَجْرَ على فضل الله عز وجل، وكتابُ الله تعالى فوقَ ما يخطر للبشر، وقد سُئل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: هل أسرَّ إليكم رسول الله وَلجر شيئاً كتمه عن غيركم؟ فقال: لا، إلّا أنْ يؤتي الله تعالى عبداً فهماً في كتابه(٢) . هذا ونسألُ الله سبحانه أن يوفِّقنا لفَهْمِ أسرار كتابه بحرمةِ النبيِّ رَّ وأصحابهِ. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ أي: من قبل هذه الحالة ومن بعدها، وهو حاصلُ ما قيل، أي: من قبل كونهم غالبين وهو وقتُ كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقتُ كونهم غالبين. وتقديمُ الخبر للتخصيص، والمعنى: إنَّ كلَّا من كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخِراً ليس إلا بأمر الله تعالى شأنُه وقضائه عز وجل ﴿وَرِّكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقرأ أبو السمال والجحدريُّ عن العقيليِّ: ((مِن قبلٍ ومِن بعدٍ)) بالكسر والتنوين فيهما(٣)، فليس هناك مضافٌ إليه مقدَّرٌ أصلاً على المشهور، كأنه قيل: لله الأمرُ قبلاً وبَعْداً، أي: في زمانٍ متقدِّمٍ وفي زمانٍ متأخّرٍ، وحذف بعضهم الموصوف(٤). (١) البحر ١٦٢/٣، وقد سلفت هذه القصة والكلام عليها ١١٠/١-١١١. (٢) أخرجه بنحوه البخاري (٣٠٤٧) و(٦٩٠٣). (٣) البحر ٧ / ١٦٢ . (٤) أي: من متقدم ومن متأخِّر. إعراب القرآن للنحاس ٢٦٤/٣. الآية : ٥ ٤١١ سُؤَدَّةُ الْتُومِنْ وذكر السكاكيُّ (١) أن المضاف إليه مقدَّرٌ في مثل ذلك أيضاً والتنوينُ عوضٌ عنه. وجوَّز الفرَّاء الكسر من غير تنوين (٢). وقال الزجَّاج: إنه خطأٌ؛ لأنه إمَّا أن لا يقدّر فيه الإضافةُ فينوَّنَ، أو يقدَّر فَيُبْنَى على الضم، وأمَّا تقديرُ لفظه قياساً على قوله: بين ذراعَيْ وجبهةِ الأسدِ فقياسٌ مع الفارق؛ لذِكْرِهِ فيه بعدُ، وما نحن فيه ليس كذلك(٣). وقال النحاس(٤): للفرَّاء في كتابه في القرآن أشياءُ كثيرةُ الغلط، منها أنه زعم أنه يجوز: ((من قبلٍ ومن بعدٍ)) بالكسر بلا تنوين، وإنما يجوز ((من قبلٍ ومن بعدٍ)) على أنهما نكرتان، أي: من متقدِّمٍ ومن متأخٍّ . وذهب إلى قول الفرَّاء ابنُ هشام في بعض كتبه(٥). وحكى الكسائي عن بعض بني أسد: (الله الأمرُ من قبلٍ ومن بعدُ)) على أنَّ الأول مخفوضٌ منوَّنٌ والثاني مضمومٌ بلا تنوين(٦). ﴿وَيَوْمَيِذٍ﴾ أي: ويومَ إذ يغلبُ الرومُ فارساً ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتغليبِهِ مَن له كتابٌ على مَن لا كتابَ له، وغَيْظِ مَن شَمِتَ بهم(٧) من كفار مكة، وكونٍ ذلك مما يُتفاءل به لغلبة المؤمنين على الكفار. وقيل: نصرُ الله تعالى صِدْقُ المؤمنين فيما أَخبروا به المشركين من غَلَبةِ الروم على فارس. (١) كما في حاشية الشهاب ١٦٢/٧، والكلام منه. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٢٠/٢، وحاشية الشهاب ١١٢/٧. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٧٦/٤-١٧٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١١٢/٧، والبيت للفرزدق كما في الكتاب ١/ ١٨٠، والمقتضب ٢٢٩/٤، والخزانة ٣١٩/٢-٣٢٠، ودون نسبة في معاني القرآن للفراء ٣٢٢/٢، وللزجاج ١٧٧/٤، وصدره: يا مَن رأى عارضاً أسرُّ به (٤) في إعراب القرآن ٢٦٢/٣-٢٦٤. (٥) حاشية الشهاب ٧/ ١١٢ . (٦) معاني القرآن للفراء ٣٢٠/٢، والبحر ١٦٢/٧. (٧) في الأصل و(م): شمتهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/ ٥٠. الآية : ٦ ٤١٢ سُورَةُ الُوضِ وقيل: نصرُه عزَّ وجلَّ أنه ولَّى بعضَ الظالمين بعضاً، وفرَّق بين كلمتهم حتى تناقضوا وتحاربوا، وقلَّل كلٌّ منهما شوكةَ الآخر. وعن أبي سعيد الخدريِّ أنه وافق ذلك يومَ بدر، وفيه من نصر الله تعالى العزيز للمؤمنين وفَرَچهم بذلك مالا يخفى. والأولُ أنسبُ لقوله تعالى: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: مَن يشاء أن ينصره من عباده على عدوِّه ويغلِّبه عليه، فإنه استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). والظاهر أنَّ (يوم)) متعلِّقٌ بـ (يفرح)) وكذا ((بنَصْرٍ))، وجوِّز تعلَّقُ (يوم)) به، وكذا جوِّز تعلُّق ((بنصر)) بـ ((المؤمنين)). وقيل: ((يومئذ)) عطفٌ على ((قبلُ)) أو ((بعد))، كأنه حَصَر الأزمنة الثلاثة: الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين. ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ المبالغُ في العزَّة والغلبة، فلا يُعْجِزُه مَن يشاء أن يَنصر عليه كائناً مَن كان ﴿الرَّحِيمُ ﴾﴾ المبالغُ في الرحمة، فينصرُ مَن يشاء أن ينصره أيَّ فريقٍ كان. والمراد بالرحمة هنا هي الدنيويةُ، أمَّا على القراءة المشهورة فظاهرٌ لأنَّ كِلَا الفريقين لا يستحقُّ الرحمة الأخروية، وأمَّا على القراءة الأخيرة فلأنَّ المسلمين وإن كانوا مستحقِّين لها، لكن المراد ها هنا نصرُهم الذي هو من آثار الرحمة الدنيوية. وتقديمُ وَصْفِ ((العزيز)) لتقدُّمه في الاعتبار. ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة المتقدِّمة من قوله تعالى: (سَيَغْلِبُونَ) وقولِه سبحانه: (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ويقال له: المؤكِّد لنفسه؛ لأن ذلك في معنى الوعد، وعاملُه محذوفٌ وجوباً، كأنه قيل: وَعَدَ الله تعالى ذلك وَعْداً. ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أيَّ وَعْدٍ كان مما يتعلَّق بالدنيا والآخرة؛ لِمَا في خُلْفِهِ من النقص المستحيلِ عليه عز وجل. وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار للتعليل الحكميِّ وتفخيمِه، والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لمعنى المصدر، وجوِّز أن تكون حالاً منه، فيكون كالمصدر الموصوف، كأنه سبحانه يقول: وَعَدَ اللهُ تعالى وَعْداً غيرَ مخلفٍ . الآية : ٧ ٤١٣ سُؤَدَةُ الُوُضِ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنه تعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَه؛ لجهلهم بشؤونه عز وجل، وعدم تفكّرِهم فيما يجب له جلَّ شأنُه وما يستحيلُ عليه سبحانه، أو: لا يعلمون ما سبق من شؤونه جل وعلا. وقيل: لا يعلمون شيئاً، أو ليسوا من أُولي العلم حتى يعلموا ذلك. ﴿يَعْلَمُونَ ظَنِهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾، وهو ما يحسُّون به من زخارفها وملاذِها، وسائرٍ أحوالها الموافقةِ لشهواتهم الملائمةِ لأهوائهم، المستدعية لانهماكهم فيها وعُكوفِهم عليها . وعن ابن عباس ﴿ًا: يعلمون منافعها ومضارّها، ومتى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يجمعون وكيف يبنون، أي: ونحوَ ذلك ممَّا لا يكون لهم منه أثر في الآخرة. ورُوي نحوُه عن قتادة وعكرمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: بلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلبُ الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يُحسِنُ يصلِّي(١). وقال الكرمانيُّ: كلُّ ما يُعلم بأوائل الرؤية فهو الظاهرُ، وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن. وقيل: هو هنا التمتُّع بزخارفها والتنعُّم بملاذِّها. وتعقّب بأنهما ليسا مما عَلِموه منها، بل من أفعالهم المرتَّبة على علمهم. وعن ابن جبير أنَّ الظاهر هو ما علموه من قِبَلِ الكهنة مما تَسْتَرِقُه الشياطين. وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وأيًّا ما كان فالظاهرُ أنَّ المراد بالظاهر مقابل الباطن، وتنوينُه للتحقير والتخسيس، أي: يعلمون ظاهراً حقيراً خسيساً. وقيل: هو بمعنى الزائل الذاهب، كما في قول الهذليِّ: وعيَّرها الواشون أنِّي أحبُّها وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(٢) (١) الدر المنثور ١٥٢/٥. (٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٠/١. قوله: ظاهر عنك، قال شارح الديوان: أي: لا يعلق بك، أي: يظهر عنك وينبو. سُورَةُ الُوفِ ٤١٤ الآية : ٨ أي: يعلمون أمراً زائلاً لا بقاءَ له ولا عاقبةَ من الحياة الدنيا ﴿وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ﴾ التي هي الغايةُ القصوى والمطلبُ الأسنى ﴿هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ لا تخطر ببالهم، فکیف یتفكّرون فيها وفيما يؤدي إلى معرفتها من الدنيا وأحوالها؟ والجملةُ معطوفة على ((يعلمون))، وإيرادُها اسميةً للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامِها، و((هم)) الثانيةُ تكريرٌ للأولى، وتأكيدٌ لفظيٍّ لها دافعٌ للتجوُّز وعدم الشمول، والفصلُ بمعمول الخبر وإن كان خلافَ الظاهر لكنْ حسَّنه وقوعُ الفصل في التلفُّظ والاعتناءُ بالآخرة، أو هو مبتدأ و((غافلون)) خبرُه والجملةُ خبرُ ((هم)) الأولى. وجملةُ ((يعلمون)) إلخ بدلٌ من جملة ((لا يعلمون)) على ما ذهب إليه صاحب (الكشاف))(١)؛ فإنَّ الجاهل الذي لا يعلم أنَّ الله تعالى لا يُخلِفُ وعده، أو لا يعلمُ شؤونَه تعالى السابقةَ ولا يتفكّر في ذلك، هو الذي قصر نظره على ظاهر الحياة الدنيا، والمصحِّحُ للبدلية اتِّحادُ ما صَدَقا عليه، والنكتةُ المرجِّحةُ له جَعْلُ عِلْمِهم والجهل سواءٌ بحسب الظاهر. وجملة ((وهم عن الآخرة)) إلخ منادٍ على تمكُّنٍ غَفْلَتِهِم عن الآخرة المحقِّقةِ لمقتَضَى الجملة السابقة؛ تقريراً لجهالتهم وتشبيهاً لهم بالبهائم المقصورِ إدراكُها على ظواهر الدنيا الخسيسةِ دون أحوالها التي هي من مبادي العلم بأمور الآخرة. واختار العلّامة الطيبيُّ أنَّ جملة ((يعلمون)) إلخ استئنافيةٌ لبيان موجب جَهْلِهم بأنَّ وعد الله تعالى حقٌّ، وأنَّ للهِ سبحانه الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، وأنه جلَّ شأنهُ ينصر المؤمنين على الكافرين(٢)، ولعله الأظهر. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لقَصْرٍ نظرِهم على ما ذُكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة، والواوُ للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقام. وقولُه سبحانه: ﴿فِيِّ أَنْفُسِهِمُ﴾ ظرفٌ للتفكّر، وذِكْرُه مع أنَّ التفكّر لا يكونُ إلا في النفس لتحقيق أمره، وزيادةٍ تصوير حالِ المتفكِّرين كما في: اعتَقِدْه في قَلْبِك، وأَبْصِرْه بعينك. (١) ٢١٥/٣. (٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. الآية : ٨ ٤١٥ سُودَةُ الُوفِ وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَاَ إِلَّا بِآلْحَقِ﴾ متعلِّقٌ إمّا بالعلم الذي يؤدِّي إليه التفكّر ويدلُّ عليه، أو بالقول الذي يترتَّبُ عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: أَعَلِموا ظاهرَ الحياة الدنيا فقط، أو: أَقَصَروا النظر على ذلك ولم يُحْدِثُوا التفكّر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خَلَق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسةً بشيءٍ من الأشياء إلَّا ملتبسةً بالحقِّ، أو يقولوا هذا القولَ معترفين بمضمونه إثر ما عَلِموه. والمرادُ بالحقِّ هو الثابتُ الذي يحقُّ ان يثبُتَ لا محالةَ، لابتنائه على الحِكم البالغة التي من جملتها استشهادُ المكلّفين بذواتها وصفاتها وأحوالها على وجود صانعها، ووحدتِه وعِلْمِه وقدرته، واختصاصِه بالمعبودية، وصحةٍ أخباره التي من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية، ومجازاتُهم بحسب أعمالهم غبَّ ما(١) يتبيَّنُ المحسنُ من المسيء، ويمتازُ درجاتُ أفراد كلٌّ من الفريقين حَسبَ امتيازٍ طبقات علومهم واعتقادهم المترتّبةِ على أنظارهم فيما نُصِبَ في المصنوعات من الآيات والدلائل والأمارات والمخايل، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَقَ اُلَمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةِ أَّاءٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] فإنَّ العمل غيرُ مختصٍّ بعمل الجوارح، ولذلك فسَّره عليه الصلاة والسلام بقوله: ((أيُّكم أحسنُ عقلاً، وأَوْرَعُ عن مَحارِمِ اللهِ تعالى، وأسرعُ في طاعة الله عز وجل))(٢). وقوله سبحانه: ﴿وَأَجَلٍ مُسَنََّّ﴾ عطفٌ على ((الحق))، أي: وبأَجَلِ معيَّنٍ قدَّره الله تعالى لبقائها لا بدَّ لها من أن تنتهي إليه لا محالةَ، وهو وقتُ قيام الساعة وتبدُّلٍ الأرض غيرَ الأرض والسماوات. (١) في (م): عما، بدل: غب ما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٥١/٧، والكلام منه . (٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٨٣١) من حديث ابن عمر ﴿يًا، وفي إسناده داود بن المحبر، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٨٦: وداود ساقط. وأخرجه ابن مردويه بإسناد آخر عن ابن عمر، وإسناده أسقط من الأول كما قال ابن حجر. سُودَةُ الُوضِ ٤١٦ الآية : ٩ هذا وجوِّز أن يكون قوله تعالى: (فِيَّ أَنفُسِهِمٌ) متعلِّقاً بـ ((يتفكّروا)) ومفعولاً له بالواسطة، على معنى: أولم يتفكروا في ذواتهم وأنفسهم التي هي أقربُ المخلوقات إليهم، وهم أعلمُ بشؤونها وأَخْبَرُ بأحوالها منهم بأحوال ما عَدَاها، فيتدبَّروا ما أَوْدَعها الله تعالى ظاهراً وباطناً من غرائب الحِكَم الدالَّةِ على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بدَّ لها من انتهاءٍ إلى وقتٍ يجازيها الحكيمُ الذي دبّر أمرها على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلَها، حتى يعلموا عند ذلك أنَّ سائر الخلائق كذلك أمرُها جارٍ على الحكمة والتدبير، وأنه لا بدَّ لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت. وتعقِّب بأنَّ أمر مَعَادِ الإنسان ومُجازاته بما عَمِلَ من الإساءة والإحسان هو المقصودُ بالذات والمحتاجُ إلى الإثبات، فجَعْلُه ذريعةً إلى إثباتِ مَعَادٍ ما عَدَاه مع كونه بمعزلٍ من الإجزاء تعكيسٌ للأمر، فتدبّر. وجوَّز أبو حيان أن يكون ((ما خلق)) إلخ مفعول ((يتفكّروا)) معلَّقاً عنه بالنفي(١). وأنت تعلم أن التعليق في مثله ممنوعٌ أو قليل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآَيٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴾﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لِمَا قبله ببيانِ أنَّ أكثرهم غيرُ مقتصرين على ما ذكر من الغفلة من أحوال الآخرة، والإعراض عن التفكّر فيما يرشدهم إلى معرفتها من خَلْقِ السماوات والأرض وما بينهما من المصنوعات، بل هم منكرون جاحدون لقاءً حسابه تعالى وجزائه عز وجل بالبعث، وهم القائلون بأبدية الدنيا كالفلاسفة على المشهور. ﴿أَوْلَمْ بَسِبُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ توبيٌ لهم بعدم اتِّعاظهم بمشاهدة أحوال أمثالهم الدالَّةِ على عاقبتهم ومآلهم، والهمزةُ للإنكار التوبيخيٍّ أو الإبطاليِّ، وحيث دخلت على النفي - وإنكارُ النفي إثباتٌ - قيل: إنها لتقرير المنفيّ، والواو للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: أَقَعدوا في أماكنهم ولم يسيروا في الأرض. وقولُه تعالى: ﴿فَظُرُوا﴾ عطفٌ على ((يسيروا)) داخلٌ في حُكْمِه، والمعنى أنهم قد ساروا في أقطار الأرض وشاهدوا ﴿كيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المهلگةِ کعادٍ وثمود. (١) البحر ٧/ ١٦٣. الآية : ٩ ٤١٧ سُوَرَةُ الروضة وقولُه تعالى: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ إلخ بيانٌ لمبدأ أحوالهم ومآلها، يعني أنهم كانوا أقدرَ منهم على التمتّع بالحياة الدنيا حيث كانوا أشدَّ منهم قوةً. ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ أي: قَلَبوها للحرث والزراعة كما قال الفرَّاء(١). وقيل: لاستنباط المياه واستخراج المعادن وغير ذلك. وقرأ أبو جعفر: ((وآثاروا)) بِمَدَّةٍ بعد الهمزة(٢). وقال ابن مجاهد: ليس بشيءٍ (٣). وخرَّج ذلك أبو الفتح(٤) على الإشباع كقوله: ومِن ذمِّ الزمان بمنتزاح(6) وذَكَر أنَّ هذا من ضرورة الشعر ولا يجيءُ في القرآن. وقرأ أبو حيوة: ((وَأَثَروا)) من الأثَرة، وهو الاستبدادُ بالشيء(٦). و: ((آثَروا الأرض))(٧) أي: أَبْقَوا فيها آثاراً . ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي: وعَمَرها أولئك الذين كانوا قبلهم بفنون العمارات من الزراعة والغرس والبناء وغيرها. وقيل: أي: أقاموا بها، يقال: عَمرْتُ بمكانٍ كذا وعمرتُه، أي: أَقمتُ به. ﴿أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: عمارةً أكثر من عمارة هؤلاء إياها، والظاهرُ أنَّ الأكثرية باعتبار الكمِّ، وعمَّمه بعضُهم فقال: أكثر كمَّا وكيفاً وزماناً. وإذا أريدَ العمارةُ بمعنى الإقامة فالمعنى: أقاموا بها إقامةً أكثر زماناً من إقامة هؤلاء بها . وفي ذكر أفعل تهكّم بهم؛ إذ لا مناسبةً بين كفار مكة وأولئك الأمم (١) في معاني القرآن ٣٢٢/٢، وفيه: ((أثاروا الأرض)): حرثوها. (٢) المحتسب ١٦٣/٢، والبحر ٧/ ١٦٤، والكلام منه. (٣) كما في المحرر الوجيز ٣٣٠/٤، والبحر ١٦٤/٧. (٤) في المحتسب ١٦٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ١٦٤ . (٥) وصدره: وأنت من الغوائل حين ترمي، والبيت لإبراهيم بن هرمة، وهو في ديوانه ص ٩٢، والمحتسب ١٦٣/٢، والبحر ٧/ ١٦٤، ومنتزاح، أي: بعيد. (٦) القراءات الشاذة ص١١٦، والبحر ١٦٤/٧. (٧) ذكرها أبو حيان في البحر ١٦٤/٧ دون نسبة. سُؤَةُ الُومِنْ ٤١٨ الآية : ١٠ المهلَكةِ، فإنهم كانوا معروفين بالنهاية في القوة وكثرةِ العمارة، وأهلُ مكةً ضعفاءُ مُلْجَؤون إلى وادٍ غيرِ ذي زَرْعٍ يخافون أن يتخطّفهم الناس. ونحوُ هذا يقال إذا فسِّرت العمارةُ بالإقامة؛ فَإِنَّ أولئك كانوا مشهورين بطول الأعمار جدًّا، وأعمارُ أهل مكة قليلةٌ بحيث لا مناسبةَ يعتدُّ بها بينها وبين أعمار(١) أولئك المهلکین. ﴿وَسَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيْنَتِ﴾ بالمعجزات، أو الآياتِ الواضحات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ ◌ِظَلِّمَهُمْ﴾ أي: فكذّبوهم فأهلكهم، فما كان الله تعالى شأنُهُ لِيُهْلِكَهم من غير جرمٍ يستدعيه مِن قِبَلِهم، وفي التعبير عن ذلك بالظلم إظهارٌ لكمال نزاهته تعالى عنه، وإلا فقد قال أهل السنَّة: إنَّ إهلاكه تعالى من غير جرمٍ ليس من الظلم في شيء؛ لأنه عز وجل مالكٌ والمالكُ يفعلُ بملكه ما يشاء، والنزاع في المسألة شهيرٌ. ﴿وَلَكِنْ كَانُّواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ حيث ارتكبوا باختيارهم من المعاصي ما أَوْجَبَ بمقتضى الحكمة ذلك، وتقديمُ ((أنفسهم)) على ((يظلمون)) للفاصلة، وجوِّز أن يكون للحَصْرِ بالنسبة إلى الرسل الذين يَدْعونهم. ﴿ثُنَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسْئُوا﴾ أي: عملوا السيئات، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة، والإشعارِ بعلَّة الحكم. و((ثم)) للتراخي الحقيقيِّ، أو للاستبعاد والتفاوتِ في الرتبة. ﴿اَلَُّةِ﴾ أي: العقوبةَ السُّوأى، وهي العقوبة بالنار، فإنها تأنيثُ الأسوأ، كالحُسْنَى تأنيثُ الأحسن، أو مصدرٌ كالبشرى وَصَفَ به العقوبةَ مبالغةً كأنها نفسُ السوء. وهي مرفوعةٌ على أنها اسمُ ((كان))، وخبرُها ((عاقبة)). وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((عاقبةُ)) بالرفع على أنه اسم ((كان))، و((السوأى)) بالنصب على الخبرية(٢). وقرأ الأعمش والحسن: ((السُّؤَّى)) بإبدال الهمزة واواً وإدغامٍ الواو فيها. وقرأ ابن مسعود: ((السوء» بالتذكير(٣). (١) في(م): أعمال، وهو تصحيف. (٢) التيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٤/٢. (٣) القراءتان في البحر ٧/ ١٦٤ . ٠٠٠ الآية : ١١ ٤١٩ سُورَةُ الْرُوفِ ﴿أَنْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ الَّهِ﴾ علةٌ للحكم المذكور، أي: لأنْ - أو بأنْ - كذَّبوا، وهو في الحقيقة مبينٌ لِمَا أشعر به وضعُ الموصول موضعَ الضمير؛ لأنه مجملٌ. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ عطفٌ على ((كذَّبوا)) داخلٌ معه في حُكْم العلِّية، وإيرادُ الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدُّده. وجوِّز أن يكون ((السوأى)) مفعولاً مطلقاً لـ ((أساؤوا)) من غير لفظه، أو مفعولاً به له؛ لأنَّ ((أساؤوا)) بمعنى اقترفوا واكتسبوا، والسوأى بمعنى الخطيئة؛ لأنه صفةٌ أو مصدرٌ مؤوَّلٌ بها، وكونُه صفةَ مصدرٍ ((أساؤوا)) من لفظه، أي: الإساءة السوأى، بعيدٌ لفظاً مستدركٌ معنى، و((أن كذَّبوا)) اسم ((كان))، وكونُ التكذيب عاقبتَهم مع أنهم لم يَخْلُوا عنه إما باعتبارِ استمراره، أو باعتبارِ أنه عبارةٌ عن الطبع. وجوِّز أيضاً أن يكون ((أن كذَّبوا)) بدلاً من ((السُّوأى)) الواقع اسماً لـ ((كان))، أو عطفَ بيانٍ لها، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي أن كذَّبوا، وأن تكون ((أن)) تفسيريةً بمعنى أي، والمفَسَّر إما ((أساؤوا)) أو ((السوأى))، فإنَّ الإساءة تكونُ قوليةً كما تكون فعليةً، فإذن ما قبلها مضمَّنٌ معنى القولِ دون حروفه، ويظهرُ ذلك التضمُّنُ بالتفسير، وإذا جاز ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ آَمْشُواْ﴾ [ص: ٦] فهذا أجوَزُ، فليس هذا الوجهُ متكلَّفاً خلافاً لأبي حيان(١). وجوِّز في قراءة الحِرْميين وأبي عمرو أن تكون («السوأى)) صلةَ الفعل و((أنْ كذَّبوا)) تابعاً له، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو على تقديرٍ حرف التعليل، وخبر ((كان)) محذوفاً تقديره: وخيمةً، ونحوه. وتعقَّب ذلك في ((البحر)) فقال: هو فهمٌ أعجميٍّ؛ لأنَّ الكلام مستقلٌّ في غاية الحسن بلا حذفٍ، وقد تكلّف له محذوفٌ لا يدلُّ عليه دليلٌ، وأصحابنا لا يجيزون حذفَ خبر (كان))(٢). ﴿اَللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾ أي: ينشئهم، وقرأ عبد الله وطلحة: ((يُبْدِىُّ)) بضم الياء وكُسْرِ الدال(٣)، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، فتذكَّرْ فما بالعهد من قِدَم. (١) البحر ٧ /١٦٤ . (٢) البحر ١٦٤/٧-١٦٥ . (٣) البحر ٧/ ١٦٥ . سُوَةُ الُوفِ ٤٢٠ الآية : ١٢ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ للجزاء، وتقديمُ المعمول للتخصيص، وكان الظاهرُ: يُرجَعون، بياء الغيبة، إلا أنه عَدَلَ عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد، ومواجهتهم بالتهديد، وإيهام أنَّ ذلك مخصوصٌ بهم، فهو التفاتٌ للمبالغة في الوعيد والترهيب. وقرأ أبو عمرو وروح: (يرجعون)) بياء الغيبة كما هو الظاهر(١). ﴿وَبَوَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ التي هي وقتُ إعادة الخلق ومرجعُهم إليه عز وجل ﴿يُبْلِسُ اُلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: يسكتون وتنقطعُ حجَّتهم، قال الراغب: الإبلاسُ: الحزنُ المعترِضُ من شدة اليأس، ومنه اشتُقَّ إبليس فيما قيل، ولمَّا كان المبلِسُ كثيراً ما يلزمُ السكوتَ وينسى ما يعنيه(٢) قيل: أبلس فلانٌ، إذا سكت وانقطعت حجَته، وأبلَستِ الناقةُ فهي مبلاسٌ: إذا لم تَرْغُ من شدَّة الضَّبَعة(٣). وقال ابنُ ثابت: يقال: أبلس الرجلُ، إذا يئس من كلِّ خير. وفي الحديث: (وأنا مبشِّرُهم إذا أبلسوا))(٤). والمراد بالمجرمين على ما أفاده الطيبيُّ(٥) أولئك الذين أساؤوا السوأى، لكنه وضع الظاهر موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بهذا الوصف الشنيع، والإشعارِ بعلَّة الحكم. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والسلميُّ: (يُبْلَسُ)) بفتح اللام، وخرِّج على أنَّ (١) قراءة أبي عمرو بضم الياء وفتح الجيم، وكذلك قرأ شعبة عن عاصم، وقراءة روح بفتح الياء وكسر الجيم، وقرأ رويس مثله ولكن بالتاء، وقرأ الباقون: ((تُرجَعون)). التيسير ص١٧٥، والنشر ٢٠٨/٢ و٣٤٤. (٢) في (م): يعينه. (٣) مفردات الراغب (بلس). وجاء في هامش الأصل و(م): قوله: الضبعة، هي شدةُ شهوةٍ الناقةِ الفحلَ. اهـ منه. وقوله: لم ترغ، أي: لم تصوّت، والرغاء: صوتُ ذاتِ الخفّ. حاشية الشهاب ١١٥/٧ . (٤) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٣٦١٠)، وأبو يعلى في معجمه (١٦٠)، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين ٢٤٥/١، عن أنس ظه، ولفظه عند الترمذي: ((إذا أيسوا)). قال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ. قلنا: في إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. (٥) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.