Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٨٢ ٢٨١ سُورَةُ القَصَصِ وقال الأخفش(١): الكاف متصلةٌ بها، وهي اسم فعلِ بمعنى أعجبُ؛ والكاف حرفُ خطابٍ لا موضعَ لها من الإعراب كما قالوا في ((ذلك)) ونحوِهِ، والوقفُ على ((ويك))، وعلى ذلك جاء قولُ عنترة: ولقد شفا نفسي وأَبْرأَ سُقْمَها قيلُ الفوارس وَيْكَ عنترَ أَقْدِمِ (٢) و((أنَّ) عنده مفتوحةُ الهمزة بتقدير العلم، أي: اعلم أنَّ الله .. إلخ(٣). وذهب الكسائيُّ ويونس وأبو حاتم وغيرهم إلى أنَّ أصله: ويلك، فخفِّف بحذف اللام فبقي ((ويك))، وهي للردع والزَّجْر، والبعثِ على تَرْكِ ما لا يُرْضَى، وقال أبو حيان: هي كلمةُ تحزُّنٍ(٤)، وأنشد في ((التحقيق)) قوله : أَلَا وَيْكَ المضرَّةُ لا تدومُ ولا يبقى على البؤس النعيمُ ® والكاف على هذا في موضع جرِّ بالإضافة، والعاملُ في ((أنَّ)) فعلُ العلم المقدَّر كما سمعتَ، أو هو بتقديرٍ: لأنَّ، على أنه بيانٌ للسبب الذي قيل لأجله: ((ويك)). وحكى ابن قتيبة عن بعض أهل العلم أنَّ معنى ((ويك)): رحمة لك، بلغة حمير (٦). وقال الفرَّاء: ((ويك)) في كلام العرب كقول الرجل: أَلَا تَرى إلى صُنْعِ الله تعالى شأنه(٧) . (١) كما في المحتسب ١٥٥/٢، والبحر ١٣٥/٧، وعنه نقل المصنف. (٢) ديوان عنترة ص ٣٠. (٣) اكتفى الأخفش في معاني القرآن ٦٥٤/٢ بقوله: والمفسرون يفسِّرونها: ألم تر أن الله. ومثله قول سيبويه في الكتاب ١٥٤/٢، وذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص٤٠١ عن الكسائي. (٤) البحر ٧ /١٣٥. (٥) البيت في البحر ١٣٥/٧، والدر المصون ٦٩٨/٨ برواية: ألا ويك المسرة ... ، ويجوز - كما ذكر السمين - أن يكون هذا البيت شاهداً على قول الأخفش، كما يجوز أن يستشهد ببيت عنترة على هذا القول. (٦) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٤٠١. (٧) معاني القرآن للفراء ٣١٢/٢. ونقل المصنف قوله وقول ابن قتيبة بواسطة أبي حيان في البحر ١٣٥/٧. سُورَةُ الْقَضَصِ ٢٨٢ الآية : ٨٢ ﴿هَا: ((ويكأن)) حرفٌ واحدٌ وقال أبو زيد وفرقةٌ معه، وروي عن ابن عباس بجملته، وهو بمعنى : ألم تر . ﴿لَوْلًا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بعدم إعطائه تعالى ما تمنَّيناه من إعطائنا مثل ما أعطاه قارون ﴿لَخَسَفَ بِنَّا﴾ أي: الأرضَ كما خسف به، أو: لولا أنْ مَنَّ الله تعالى علينا بالتجاوز عن تقصيرنا في تَمنِّينا ذلك لخسف بنا جزاءً ذلك كما خسف به جزاءً ما كان عليه. وقرأ الاعمش: (لولا مَنَّ)) بحذفِ ((أنْ)) وهي مرادةٌ(١). وروي عنه: ((منُّ اللهِ)) بَرَفْعِ (مَنّ)) والإضافة(٢) . وقرأ الأكثر: ((الخُسِفَ بنا)) على البناء للمفعول(٣)، و((بنا)) هو القائمُ مقام الفاعل. وجوِّز أن يكون ضميرَ المصدر، أي: لخُسِفَ هو - أي: الخسف - بنا، على معنى: لفُعِلَ الخَسْفُ بنا. وقرأ ابن مسعود وطلحةُ والأعمش: ((لانْخُسِفَ بنا)) على البناء للمفعول أيضاً (٤)، و((بنا)) أو ضمير المصدر قائمٌ مقام الفاعل. وعنه أيضاً: ((لتُخُسِّفَ)) بتاءٍ وشدِّ السين مبنيًّا للمفعول(٥). ﴿وَبْكَنَُّ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ﴾﴾ لنعمةِ الله تعالى، أو: المكذُّبون برسله عليهم السلام، وبما وعدوا من ثواب الآخرة، والكلام في ((ويكأن)) هنا كما تقدم، بيد أنه جوِّز هنا أن يكون ((لأنَّ) على بعض الاحتمالات تعليلاً لمحذوفٍ بقرينة السياق، أي: لأنه لا يفلح الكافرون فُعل ذلك، أي الخسفُ بقارون، واعتبار نظيره فيما سبق دون اعتبار هذا هنا، وضمير ((ويكأنه)) للشأن. هذا وفي ((مجمع البيان)) أنَّ قصة قارون متصلةٌ بقوله تعالى: (نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّيٍَّ مُوسَى) عليه السلام(٦). (١) القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ١٣٥/٧. (٢) البحر ١٣٥/٧. (٣) التيسير ص١٧٢، والنشر ٣٤٢/٢، وقرأ حفص ويعقوب: ((لخَسَف)) بفتح الخاء والسين. (٤) القراءات الشاذة ص١١٤، والمحتسب ٢/ ١٥٧، والبحر ١٣٥/٧. (٥) القراءات الشاذة ص ١١٤، والبحر ١٣٦/٧. (٦) مجمع البيان ٣٢٦/٢٠. الآية : ٨٣ ٢٨٣ سُوَدَّةُ القَصَصِ وقيل: هي متصلةٌ بقوله سبحانه: (فَآ أُوتِيتُم مِّنِ شَىْءٍ فَعُ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ غَيْرٌ وَأَبْقَى). وقيل: لمَّا تقدَّم خزيُ الكفار وافتضاحُهم يومَ القيامة ذكر تعالى عقيبه أنَّ قارون من جملتهم، وأنه يفتضحُ يوم القيامة كما افتضح في الدنيا . ولمَّا ذكر سبحانه فيما تقدَّم قولَ أهل العلم (ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ) ذكر محلَّ ذلك الثوابٍ بقوله عز وجل: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ مشيراً إشارةَ تعظيمٍ وتفخيم إلى ما نزِّل - لشهرته - منزلةَ المحسوس المشاهَد، كأنه قيل: تلك التي سمعتَ خبرها وبَلَغَكَ وَصْفُها . و((الدار)) صفةٌ لاسم الإشارة الواقع مبتدأً وهو يوصفُ بالجامد، ولا حاجةً إلى تقدير مضافٍ - أي: نعيمُ الدار - كما يوهمه كلام ((البحر))(١). و((الآخرة)) صفةٌ للدار، والمرادُ بها الجنةُ، وخبرُ المبتدأ قولُه تعالى: ﴿بَّجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُوا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: غلبةً وتسلُّطاً ﴿وَلَا فَسَاءًا﴾ أي: ظلماً وعدواناً على العباد، كدأب فرعون وقارون، وليس الموصولُ مخصوصاً بهما، وفي إعادة ((لا)) إشارةٌ إلى أنَّ كلَّا من العلوِّ والفساد مقصودٌ بالنفي، وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بترك أنفسهما مزيدُ تحذيرٍ منهما. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال: العلوُّ في الأرض التكبُّر وطلبُ الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها، والفسادُ العملُ بالمعاصي وأَخْذُ المال بغير حقِّه(٢). وعن الكلبيِّ: العلوُّ الاستكبارُ عن الإيمان، والفسادُ الدعاء إلى عبادة غير الله تعالى. وروي عن مقاتل تفسيرُ العلوِّ بما روي عن الكلبي. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو والٍ يرشدُ الضالَّ ويعينُ الضعيفَ، ويمرُّ بالبقَّال والبيَّاع فيفتتحُ عليه القرآن ويقرأ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ) إلى آخرها، ويقول: نزلت هذه الآية: (١) ١٣٦/٧. (٢) الدر المنثور ١٣٩/٥، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٢/٩ و٣٠٢٣ بنحوه. . سُورَةُ القَصَصِ ٢٨٤ الآية : ٨٣ ((تلك الدارُ الآخرةُ)) إلخ، في أهل العدل والتواضُع من الولاة، وأهلِ القدرة من سائر الناس(١). وأخرج ابن مردويه عن عديّ بن حاتم أنه لمَّا دخل على النبيِّ يَّ ألقى إليه وسادةً، فجلس على الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أشهدُ أنك لا تبغي علوًّا في الأرض ولا فساداً)) فَأَسْلَمَ رَ(٢). وعن الفضيل أنه قرأ الآية ثم قال: ذهبت الأماني ها هنا. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يردِّدها حتى قُبض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إنَّ الرجل ليحبُّ أن يكون شِسْعُ نَعْلِه أجودَ من شِسْعِ نَعْلٍ صاحبه، فيدخل في هذه الآية(٣). ولعل هذا إذا أحبَّ ذلك ليفتخر على صاحبه ويستهينَه، وإلا فقد روى أبو داود عن أبي هريرة أنَّ رجلاً أتى رسول الله وَّل وكان جميلاً، فقال: يارسول الله، إني رجلٌ حُبِّبَ إليَّ الجمالُ، وأُعطيتُ منه ما ترى، حتى ما أحبُّ أن يفوقني أحدٌ - إمَّا قال: بشراك نعلٍ، وإما قال: بشِسْعِ نعلٍ - أَفَمِنَ الكبر ذلك؟ قال: ((لا، ولكنَّ الكبر مَن بَطِرَ الحقَّ وغَمِطَ الناس)) (٤). (١) الدر المنثور ١٣٩/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ٤٨٩/٤٢، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٨٦/٢. وفي إسناده أبو الصباح عبد الغفور بن عبد العزيز الواسطي، قال عنه ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث، وقال البخاري: تركوه. الميزان ٢/ ٦٤١. (٢) الدر المنثور ١٣٩/٥، وأخرجه أيضاً ابن عساكر ٧٧/٤٠، والعسكري كما في كشف الخفاء ٧٨/١، وذكره الذهبي في السير ٥٣٢/٢. وفي إسناده سوار بن مصعب الهمداني الكوفي، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: متروك. الميزان ٢٤٦/٢. (٣) تفسير الطبري ٣٤٤/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٣/٩، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر السيوطي في الدر ١٣٩/٥ . (٤) سنن أبي داود (٤٠٩٢). وبَطَر الحق: هو أن يجعل ما جعله الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلاً. وقيل: هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه. وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. والغَمْطُ: الاستهانة والاستحقار، وهو مثل الغمص. النهاية (بطر) و(غمط). الآية : ٨٣ ٢٨٥ سُورَةُ القَصَصِ وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((لا يدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر)» فقال رجل: إنَّ الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً، ونعلُه حسناً. قال: ((إنَّ الله تعالى جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وَغَمْطُ الناس))(١). واستدلَّ بعض المعتزلة بالآية بناءً على عموم العلوِّ والفساد فيها على تخليد مرتكب الكبيرة في النار، وفي ((الكشاف)) ما هو ظاهرٌ في ذلك(٢). والتزم بعضُهم في الجواب تفسيرَ العلوِّ والفساد بما فسَّرهما به الكلبيُّ، وآخَرُ أنَّ المراد بهما ما يكون مثل العلوِّ والفساد اللذين كانا من فرعون وقارون. ورُدَّ بأنَّ التذييل بقوله تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ (٨٣)﴾ يدلُّ على أنَّ العمدة هي التقوى، ولا يكفي تَرْكُ العلوِّ والفساد المقيَّدين. وأجيب بأنَّ المتَّقيَ ها هنا هو المتغي من علوٍّ فرعونَ وفساد قارون، أو مَن لم يكن من المؤمنين مثل فرعون في الاستكبار على الله تعالى بعدم امتثال أوامره والارتداعِ عن زواجره، ولم يكن مثلَ قارون في إرادة الفساد في الأرض، وإخراجٍ كلِّ شيءَ من كونه منتفعاً به لا سيما نفسه، فإنَّ غاية إفسادها الامتناعُ من عبادَةَ ربِّها؛ لأنها خُلقت للعبادة، فإذا امتنع عنها خرجتْ عن كونها منتفعاً بها، وليس معنى المتَّقي إلا ذلك. وتعقَّبه صاحب ((الكشف)) بأن الأول تقييدٌ بلا دليل، والثاني هو الذي يسعى له المعتزلي. وقال الفاضل الخفاجيُّ: إمَّا أن يراد بالعاقبة العاقبةُ المحمودةُ على وجه الكمال، أو يراد بالمتقي المتقي ما لا يرضاه الله تعالى مثل حال قارون، بقرينة المقام والنصوصِ الدالةِ على أنَّ غير الكفار لا يخلد في النار، فلا وجه للقول بأنَّ ذلك تقييدً بلا دليلٍ، مع أنَّ مبنَى الاستدلال على أنَّ اللام للتخصيص، وهو ممنوعٌ (٣). (١) صحيح مسلم (٩١)، وسنن أبي داود (٤٠٩١)، وسنن الترمذي (١٩٩٩). (٢) الكشاف ٣/ ١٩٣ . (٣) حاشية الشهاب ٨٩/٧. سُوَدَةُ القَصَصِ ٢٨٦ الآية : ٨٤ وقال بعضُ في الجواب على تقدير إرادة العموم في ((علوًّا)) و((فساداً)): أنَّ المراد من جَعْلِ الجنة للذين لا يريدون شيئاً منهما تمكينُهم منها أتمّ تمكين، نحو قولك: جَعَل السلطان بلد كذا لفلان، وذلك لا ينافي أن يدخلها غيرهم من مرتكب الكبيرة، ويكون فيها بمنزلةٍ دون منزلتهم، ولعله إنما دخلها بشفاعة بعضٍ منهم. وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ جَعْلَها لهم باعتبارٍ أنهم أهلها الأوَّلون وملوكُها السابقون، وغيرهم إنما يَرِدُ عليهم وينزل بهم، ويقال في قوله تعالى: (وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) نحوُ ما مرَّ آنفاً عن الخفاجي. بقي في الآية كلامٌ آخَرُ، وهو أنَّ بعضهم استدلَّ بها على عدم وجود الجنة اليومَ، بناءً على أنَّ معنى ((نجعلُها للذين لا يريدون)) إلخ: نخلقُها في المستقبل لأَجْلهم. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الجعل متعدِّياً إلى مفعولين ثانيهما ((للذين لا يريدون)» إلخ، فيصير المعنى: نجعلها كائنةً وحاصلةً لهم في الزمان المستقبل، فتفيد الآيةُ أنَّ جَعْلَها كائنةً لهم غيرُ حاصلِ الآن، لا جَعْلَها نفسها، وهو محلٌّ النزاع. ودُفع بأنَّ المتبادر من جَعْلِ الدار كائنةً لزيدٍ تمكينُهُ وعدمُ مَنْعِه من التمكّن فيها، سواءٌ حصل له التمكّن فيها أو لم يحصل، فمعنى ((نجعلها للذين)) إلخ: نمكِّنهم في الاستقبال من التمكُّن فيها. ولا يخفى ركاكتُه، لأنَّ التمكينَ من التمكُّن فيها لازمٌ لوجودها غيرُ منفكٌّ عنها، على ما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فلا يمكن أن تكون نفسُ الجنة الآنَ ويكونَ جَعْلُها كائنةً لهم في الاستقبال. وحَمْلُ الجَعْل على التمكُّن بالفعل، والتمكين من التمُّن وإن كان لازماً لوجود الجنة لكنَّ التمكُّن فيها بالفعل غيرُ لازم بل يكون فيما سيجيء = عدولٌ عن المتبادر، فإنَّ المتبادر من قولك: جعلتُ الدار لزيد، تمكينُه من التمكُّن فيها، لا جَعْلُ زيدٍ متمكِّناً فيها بالفعل، فتدبَّر ذلك كلَّه. ﴿مَنْ جَآءَ بِالْمَسَنَّةِ فَلَهُ﴾ بمقابَلَتها ﴿خَيْرٌ مِنْهًا﴾ ذاتاً ووَصْفاً وقَدْراً على ما قيل. الآية : ٨٤ ٢٨٧ سُورَةُ القَصَصِ وجوِّز كونُ ((خير)) واحدَ الخيور وليس بأفعل التفضيل، و((من)) سببية، أي: فله خيرٌ بسبب فعلها، وهو خلافُ الظاهر، وقد تقدَّم الكلام في ذلك. ﴿وَمَنْ جَآءَ بِلسَِّّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ وُضع فيه الموصولُ والظاهرُ موضعَ الضمير لتهجين حال المسيئين بتكرير إسناد السيئة إليهم. وفي جمع ((السيئات)) دون الحسنة قيل: إشارةٌ إلى قلَّة المحسنين وكثرة المسيئين . وقد يقال: إنه إشارةٌ إلى أنَّ ضمَّ السيئة إلى السيئة لا يزيدُ جزاءها، بل جزاؤها إذا انفردت مثلُ جزائها إذا انضمَّ إليها غيرُها، وأنَّ عدم ضمِّ الحسنة إلى الحسنة لا يؤثر في مقابلتها بما هو خيرٌ منها . ولعل قلَّة المحسنين يُفهم من عدم اعتبار الجمعية في ((مَن)) في قوله تعالى: (مَنْ بَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، خَيْرٌ مِنْهاً) وكثرة المسيئين تُفهم من اعتبار الجمعية فيها؛ إذ الموصول قائمٌ مقامَ ضميرها في قوله تعالى: (وَمَنْ جَآءَ بِلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: إلَّا مثلَ ما كانوا يعملون، فحذف المثل وأُقيم مقامه ((ما كانوا يعملون)) مبالغةً في المماثلة. وهذا لطفٌ منه عزَّ وجل إذ ضاعف الحسنة ولم يَرْضَ بزيادةِ جزاء السيئة مقدارَ ذرَّة. وقيل: لا حاجةً إلى اعتبار المضاف؛ فإنَّ أعمالهم أنفسَها تظهر يومَ القيامة في صورة ما يعذَّبون به، ولا يخفى ما فيه. وفي ذِكْرِ ((عملوا)) ثانياً دون: جاؤوا، إشارةٌ إلى أنّ ما يُجزَوْن عليه ما كان عن قَصْدٍ، لأنَّ العمل يخصُّه كما قال الراغب(١). وفي ((التفسير الكبير)) للإمام الرازي في أثناء الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّفِيِمِ﴾ الآية [الكهف: ٩] أنَّ في التعبير بـ : جاء، دون: عَمِلَ، بأنْ يقال: مَن عَمِلَ الحسنة فله خيرٌ منها ومَن عمل السيئة .. إلخ، دلالةً على أنَّ استحقاق الثواب - أي: والعقاب - مستفادٌ من الخاتمة لا من أوَّل العمل، ويؤكِّدُ ذلك أنه لو مضى عمره في (١) في مفرداته (عمل)، قال: العمل كلُّ فعلٍ يكون من الحيوان بقَصْدٍ، فهو أخصُّ من الفعل. سُورَةُ الْقَصَصِ ٢٨٨ الآية : ٨٤ الكفر ثم أسلم في آخِر الأمر كان من أهل الثواب، وبالضدِّ(١). ولا يخلو عن حُسْنٍ، ولعل نكتة التعبير بـ ((عملوا)) ثانياً تتأتّى عليه أيضاً. وفي قوله تعالى: (فَلاَ يُجْزَى) إلخ دون: فللذين عملوا السيئات ما كانوا يعملون، أو: فما للذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون = إشارةٌ إلى أنه قد يحصل العفو عن العقاب. والله تعالى درُّ التنزيل ما أكثر أسراره. واستشكل ما تدلُّ عليه الآية من أنَّ جزاء السيئة مثلُها بأنَّ مَن كَفَرَ فمات على الكفر يعذَّب عذابَ الأبد، وأين هو مِن كُفْرِ ساعةٍ؟ وأجيب: بأنَّ أمر المماثلة مجهولٌ لنا، لا سيما على القول بنفي الحُسْنِ والقُبْحِ العقليين للأفعال، وقصارى ما نعلم أنَّ الله تعالى جَعَلَ لكلِّ ذنبٍ جزاءً أخبر عزَّ وجلَّ أنه مماثلٌ له، وقد أخبر سبحانه أنَّ جزاء الكفر عذابُ الأبد، فنؤمنُ به وبأنه مما تقتضيه الحكمةُ، وما علينا إذا لم نعلم جهة المماثلة، ووجه الحكمة فيه؟ وكذا يقال في الذنوب التي شرع الله تعالى لها حدوداً في الدنيا، كالزنى وشرب الخمر وقذفِ المحصَنِ، وحدودِها التي شَرَعَها جلَّ شأنُه لها فإنَّا لا نعلمُ وجهَ تخصيص كلِّ ذنبٍ منها بحدِّ مخصوص من تلك الحدود المختلفة، لكنَّا نجزم بأنّ ذلك لا يخلو عن الحكمة. وأجاب الإمام عن مسألة الكفر وعذابِ الأبد بأنَّ ذلك لأنَّ الكافر كان عازماً أنه لو عاش إلى الأبد لبقي على ذلك الكفر (٢). وقيل في وجه تعذيب الكافر أبدَ الآباد: إنَّ جزاء المعصية يتفاوتُ حسب تفاؤُتِ عظمة المعصيِّ، فكلَّما كان المعصيُّ أعظمَ كان الجزاء أعظم، فحيث كان الكفر معصيةً مَن لا تتناهى عظمتُه جلَّ شانُه كان جزاؤه غيرَ متناهٍ، وقياسُ ذلك أن يكون جزاءُ كلِّ معصيةٍ كذلك، إلا أنه لم يكن كذلك فيما عدا الكفر فضلاً منه تعالى شأنُه؛ لمكان الإيمان. (١) تفسير الرازي ٢١/ ٩٧. (٢) تفسير الرازي ٢١/٢٥. الآية : ٨٥ ٢٨٩ سُورَةُ القَصَصِ وقيل أيضاً: إنَّ كلَّ كفرٍ قولاً كان أو فعلاً يعود إلى نسبة النقص إليه عزَّ وجلَّ، المنافي لوجوب الوجود المقتضي لوجوده سبحانه أزلاً وأبداً، وإذا تُوهِّم هناك زمانٌ ممتدٌّ كان غيرَ متناهٍ، فحيث كان الكفر مستلزماً نفي وجوده تعالى شأنُه فيما لا يتناهى کان جزاؤه غيرَ متناهٍ، ولا کذلك سائر المعاصي، فتدبر. ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ أي: أَوْجَبَ عليك العمل به، كما روي عن عطاء. وعن مجاهد: أي: أعطاكه. وعن مقاتل وإليه ذهب الفرَّاء وأبو عبيدة: أي: أنزله عليك(١). والمعوَّل عليه ما تقدَّم. ﴿أَرَآَذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى محلٌّ عظيم القَدْرِ اعتَدْتَ به وأَلِفْتَه، على أنه من العادة لا من العَوْد، وهو كما في ((صحيح البخاري))، وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائيُّ وابنُ جريرٍ وابنُ المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل)) من طرقٍ عن ابن عباس: مكة (٢). وروي ذلك أيضاً عن مجاهد والضحاك. وجوِّز أن يكون من العَوْد، والمراد به مكةُ أيضاً، بناءً على ما في ((مجمع البيان)) عن القتيبي: أنَّ معاد الرجل بلدُه؛ لأنه يتصرَّفُ في البلاد ثم يعود إليه(٣). وقد يقال: أُطلق المعادُ على مكة لأنَّ العرب كانت تعود إليها في كلِّ سنة لمكانٍ البيت فيها، وهذا وعدٌ منه عزَّ وجلَّ لنبيه وَله وهو بمكة أنه عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ويعود إليها. وروي عن غير واحدٍ أنَّ الآية نزلت بالجحفة بعد أن خرج ◌َّ من مكة مهاجراً واشتاق إليها(٤). ووجهُ ارتباطها بما تقدَّمها تضمُّنُها الوعدَ بالعاقبة الحسنى في الدنيا كما تضمَّن ما قبلها الوعدُ بالعاقبة الحسنى في الآخرة. (١) معاني القرآن للفراء ٣١٣/٢، ومجاز القرآن ١١٢/٢. (٢) صحيح البخاري (٤٧٧٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٢٢)، وتفسير الطبري ١٨/ ٣٥٠، ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٥٢٠-٥٢١، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٤٠/٥ . (٣) مجمع البيان ٣٢٩/٢٠. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٣٠٢٦/٩ عن الضحاك، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٤٩/٦ عن مقاتل. سُورَةُ القَصَصِ ٢٩٠ الآية : ٨٥ وقيل: إنه تعالى لمَّا ذَكَرَ من قصة موسى عليه السلام وقومِه مع قارون وبغيه واستطالتِه عليهم وهلاكِه ونصرةٍ أهل الحقِّ عليه ما ذَكَرَ، ذكر جلَّ شأنه هنا ما يتضمَّنُ قصةَ سيدنا صلوات الله تعالى وسلامُه عليه وأصحابِه مع قومه، واستطالتِهم عليه، وإخراجهم إياه من مسقط رأسه، ثم إعزازه عليه الصلاة والسلام بالإعادة إلى مكة وفَتْحِه إياها منصوراً مُكْرَماً، ووسَّط سبحانه بينهما ما هو كالتخلُّص من الأول إلى الثاني. وأخرج الحاكم في ((التاريخ)) والديلميُّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عن النبيِّ وَّل أنه فسَّر المعاد بالجنة(١). وأخرج تفسيرَه بها ابنُ أبي شيبة، والبخاريُّ في تاريخه، وأبو يعلى وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري(٢). وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن عباس(٣). والتنكيرُ عليه للتعظيم أيضاً. ووجْهُ ارتباط الآية بما قبلها أنها كالتصريح ببعض ما تضمَّنه ذلك. واستشكل ردُّه عليه الصلاة والسلام إلى الجنة من حيث إنه يقتضي سابقيةً كونِه ◌َّر فيها، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فيها. وأجيب بالتزام السابقية المذكورة، ويكفي فيها كونُه وَّه فيها بالقوة؛ إذ كان في ظهر آدم عليهما الصلاة والسلام حين كان فيها . وقيل: إنه وسي﴿ لمَّا كان مستعدًّا لها من قبلُ كان كأنه كان فيها، فالسابقیةُ باعتبارِ ذلك الاستعداد، على نحو ما قيل في قوله تعالى في الكفار: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإلَى اْمَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨]. ولا يخفى ما في كلا القولين من البُعد، وقريبٌ منهما ما قيل: إنَّ ذلك باعتبارٍ أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلة المعراج. وقد يقال: إنَّ تفسيره بالجنة بيانٌ لبعض ما يُشْعِرُ به المعادُ بأنْ يكون عبارةً عن (١) الدر المنثور ١٤٠/٥. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٩٢/١٣، والتاريخ الكبير ٢٨٠/١، ومسند أبي يعلى (١١٣١)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٤٠/٥. (٣) تفسير الطبري ٣٤٦/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٦/٩، والمعجم الكبير (١٢٠٣٢)، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ١٤٠/٥ . الآية : ٨٥ ٢٩١ سُؤَدَّةُ القَصَصِ المحشر، فقد صار كالحقيقة فيه لأنه ابتداءُ العود إلى الحياة التي كان المعادُ عليها، وجعله عظيماً كما يُشْعِرُ به التنوين لعظمة ما له وَ ﴿ فيه، ومنه الجنة، فالمعادُ بواسطة تنوينه الدالّ على التعظيم يُشعر بالجنة؛ لأنها الحاويةُ مما أُعدَّ له وَلّهِ من الأمور العظيمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقريبٌ من تفسيره بالمحشر تفسيرُه بالآخرة كما أخرج ذلك عبد بنُ حميد وابنُ مردويه عن أبي سعيد الخدريٌّ(١). وتفسيرُه بيوم القيامة كما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس(٢)، وعبد بنُ حميدٍ عن عكرمة(٣)، إلَّا أنه على ما ذُكر اسمُ زمانٍ، وعلی ما تقدَّم اسمُ مكان. ومما يُشعر بأنه ليس المراد مجرَّدَ الردِّ إلى المحشر أو الآخرةِ أو يوم القيامة ما أخرجه الفريابيّ وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهدٍ أنه قال في الآية: إنَّ له معاداً، يبعثهُ الله تعالى يومَ القيامة ثم يدخلُه الجنة(٤). ويتخرَّج على نحو ما قلنا تفسيرُه بالمقام المحمود، وهو مقامُ الشفاعة العظمى يومَ القيامة. وجاء في روايةٍ أخرى رواها عبد بن حميد وابنُ مردويه عن ابن عباس وأبي سعيد الخدريِّ أيضاً تفسيرُه بالموت(٥). ورواها معهما عن الحبر الفريابيُّ وابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ(٦). وكونُه مَعاداً لقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ولعل تعظيمه باعتبارٍ أنه بابٌ لوصوله وَّه إلى ما أَعدَّ الله عزَّ وجلَّ له من المقام المحمود والمنزلةِ العليا في الجنة، إلى ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلب بشر، وجلّ المقصود ما(٧) أشعر به التعظيم. (١) الدر المنثور ١٤٠/٥. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٦/٩. (٣) الدر المنثور ١٤٠/٥. (٤) كذا ذكر، والصواب أن هذا القول هو قول الحسن، أخرجه عنه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ١٤٠/٥، وخبر مجاهد غيره، وقد ورد قبله في الدر المنثور. (٥) الدر المنثور ١٤٠/٥. (٦) تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٥/٩، والمعجم الكبير (١٢٢٦٨)، وعزاه للفريابي السيوطي في الدر ٥/ ١٤٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٤٨/١٨-٣٤٩. (٧) في الأصل: وما. سُورَةُ القَصَصِ ٢٩٢ الآية : ٨٦ وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القارئ أنه فسَّره ببيت المقدس(١)، وكأنَّ إطلاقَ المعادِ عليه باعتبارِ أنه ◌َّهِ أُسري به إليه ليلة المعراج، والوعدُ بردِّه عليه الصلاة والسلام إليه وعدٌ له بالإسراء إليه مرةً أخرى، أو باعتبارِ أنَّ أرضه أرضُ المحشر، فالمراد بالردِّ إليه الردُّ إلى المحشر، وهذا غايةُ ما يقال في توجيه ذلك، فإن قُبلَ فذاك وإلَّا فالأمرُ إليك، وكأنِّي بك تختارُ ما في ((صحيح البخاريِ))، ورواه الجماعةُ الذين تقدَّم ذكرُهم عن ابن عباس من أنه مكة. وربما يخطر بالبال أنْ يراد بالمعاد الأمرُ المحبوب بنوع تجوُّزٍ، ويُجعل بحيث يشملُ مكةَ والجنةَ وغيرهما مما هو محبوبٌ لديه وَّهِ، وَيراد بردِّه عليه الصلاة والسلام إلى الأمر المحبوب إيصالُه إليه مرةً بعد أخرى، فالردُّ هنا مثلُه في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] وعليه يهونُ أمرُ اختلافِ الروايات التي سمعتها في ذلك، فتدبّر. ﴿قُلْ تَّ أَعْلَمُ مَن ◌َجَآءَ بِالْهُدَى﴾ يريد بذلك نفسَهُ وَّه وبقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾﴾ المشركين الذين بُعث إليهم ◌َّ، و ((مَن)) منتصبٌ بفعلٍ يدلُّ عليه ((أعلم)) لا بـ (أعلم))؛ لأنَّ أَفْعَل لا ينصبُ المفعول به في المشهور، أي: يعلم مَن جاء .. إلخ. وأجاز بعضهم أن يكون منصوباً بـ ((أعلم)) على أنه بمعنى عالم. والمراد أنه عزَّ وجلَّ يجازي كلَّ ممن جاء بالهدى ومَن هو في ضلالٍ على عمله، والجملةُ تقريرٌ لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ) إلخ. وفي (معالم التنزيل)): هذا جوابٌ لكفارٍ مكةً لمَّا قالوا للنبيِّ وَّر: إنك في ضلال(٢). ولعله لهذا وكون السبب فيه مجيئه عليه الصلاة والسلام إليهم بالهدى، قيل في جانبه وَّرِ: (مَن جاء بالهدى))، وفي جانبهم: ((مَن هو في ضلالٍ مبين))، ولم يؤتَ بهما على طرزٍ واحد. ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ﴾ تقريرٌ لذلك أيضاً، أي: سيردُك إلى معادٍ كما أنزل إليك القرآن العظيمَ الشأنِ وما كنتَ ترجوه. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٢٦/٩. (٢) تفسير البغوي ٤٥٩/٣ . الآية : ٨٧ ٢٩٣ سُورَةُ الْقَضَصِ وقال أبو حيان والطبرسيُّ: هو تذكيرٌ لنعمته عز وجل عليه عليه الصلاة والسلام(١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّ رَحْمَةٌ مِّن رَبِّكٌ﴾ على ما ذهب إليه الفرَّاءُ(٢) وجماعةٌ استثناءٌ منقطعٌ، أي: ولكن ألقاه تعالى إليك رحمةً منه عز وجل. وجوِّز أن يكون استثناءً متصلاً من أعمِّ العلل أو من أعمِّ الأحوال على أنَّ المراد نفيُ الإلقاء على أبلغ وجهٍ، فيكون المعنى: ما أُلقي إليك الكتاب لأَجْل شيءٍ من الأشياء إلا لأَجْلِ الترجُم، أو في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ الترُم. ﴿فَلَ تَكُونَنَّ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: إنَّ كفار مكة دَعَوه ◌َ له إلى دين آبائه، فذكّره الله تعالى نعمَه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه . ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ أي: الكافرون ﴿عَنْ ءَايَتِ اٌللَّهِ﴾ أي: قراءتها والعملِ بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: بعد وقت إنزالها وإيحائها إليك، المقتضي لنبوَّتك ومزيدٍ شرفك. وقرأ يعقوب: ((يَصُدُّنْك)) بالنون الخفيفة(٣). وقرئ: ((يُصِدُّنَّك)) مضارع أَصَدَّ بمعنى صَدَّ، حكاه أبو زيد عن رجل من كلب، قال: وهي لغة قومه (٤)، وقال الشاعر: صدودَ السواقي عن أنوفِ الحوائم(٥) أناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهم ﴿وَأَدْعُ﴾ الناس ﴿إِلَى رَيِّكَ﴾ إلى عبادته جلَّ وعلا وتوحيده سبحانه ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بمظاهرتهم. (١) مجمع البيان ٣٢٩/٢٠، والبحر ١٣٦/٧. (٢) في معاني القرآن ٣١٣/٢. (٣) المحرر الوجيز ٣٠٣/٤-٣٠٤، والبحر ١٣٧/٧، وهي خلاف المشهور عن يعقوب. (٤) القراءات الشاذة ص ١١٤، والبحر ٧/ ١٣٧ . (٥) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ٧٧١، والصحاح (صدد)، والكشاف ١٩٤/٣، والبحر ١٣٧/٧. ورواية الديوان: صدور السواقي عن رؤوس المخارم. والسواقي: مجاري المياه، والمَخْرِم: منقطع أنف الجبل، يقول: صدوا الناس عنهم بالسيف كما صدَّت هذه الأنهار عن المخارم فلم تستطع أن ترتفع إليها. اللسان (صدد). الآية : ٨٨ ٢٩٤ سُؤَدَةُ القَصَصِ ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ أي: ولا تعبد معه تعالى غيرَه عزَّ وجلَّ، وهذا وما قبله للتهييج والإلهاب، وقَطْعِ أطماع المشركين عن مساعدته عليه الصلاة والسلام إياهم، وإظهارِ أنَّ المنهيَّ عنه في القبح والشرِّيَّة بحيث يُنْهَى عنه مَن لا يُتصوّر وقوعُه منه أصلاً . وروى محيي السنَّة عن ابن عباس ها أنه قال: الخطاب في الظاهر للنبي وَّ، والمراد به أهلُ دينه(١). وهو في معنى ما حكى عنه الطبرسيُّ: أنَّ هذا وأمثاله من باب: إياكٍ أعني واسمعي يا جاره(٢) ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ وحده ﴿كُلُّ شَىْءٍ﴾ أي: موجود مطلقاً ﴿هَالِكُ﴾ أي: معدومٌ محضِّ، والمراد كونُه كالمعدوم وفي حُكْمِه ﴿إِلَّا وَجْهَدُ﴾ أي: إلا ذاتَه عزَّ وجلَّ، وذلك لأنَّ وجود ما سواه سبحانه لكونه ليس ذاتيًّا بل هو مستندٌ إلى الواجب تعالى في كلِّ آنٍ قابلٌ للعدم وعرضةٌ له، فهو كَلَا وجود، وهذا ما اختاره غيرُ واحدٍ من الأجلَّة، والكلامُ عليه من قبيل التشبيه البليغ. والوجهُ بمعنى الذات مجازٌ مرسلٌ، وهو مجازٌ شائعٌ، وقد يختصُّ بما شَرُفَ من الذوات، وقد يُعتبر ذلك هنا ويُجعلُ نكتةً للعدول عن: إلَّا إياه، إلى ما في النظم الجليل. وفي الآية بناءً على ما هو الأصلُ من اتّصال الاستثناء دليلٌ على صحة إطلاق الشيء عليه جلَّ وعلا، وقريبٌ من هذا ما قيل: المعنى كلُّ ما يطلق عليه الموجودُ معدومٌ في حدٍّ ذاته إلَّا ذاتَه تعالى. وقيل: الوجه بمعنى الذات، إلَّا أنَّ المراد ذاتُ الشيء، وإضافتُه إلى ضميره تعالى باعتبارِ أنه مخلوقٌ له سبحانه، نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكْ﴾ [المائدة: ١١٦] من أنَّ المراد بالنَّفْس الثاني نَفْسُ عيسى عليه السلام، وإضافته إليه تعالى باعتبار أنه مخلوقٌ له جلَّ وعلا، والمعنى: كلُّ شيءٍ (١) تفسير البغوي ٤٥٩/٣ . (٢) مجمع البيان ٣٣٠/٢٠، وهذا عجز بيت سلف ٤٥٥/١٨. الآية : ٨٨ ٢٩٥ سُوَةُ القَصَصْ قابلٌ للهلاك والعدم إلَّ الذاتَ من حيث استقبالُها لربِّها ووقوفُها في محراب قُرْبِها، فإنها من تلك الحيثية لا تقبلُ العدم. وقيل: الوجه بمعنى الجهةِ التي تُقْصَدُ ويُتُوَجَّهُ إليها، والمعنى: كلُّ شيءٍ معدومٌ في حدٍّ ذاته إلَّا الجهةَ المنسوبةَ إليه تعالى، وهو الوجودُ الذي صار به موجوداً، وحاصلُه أنَّ كلَّ جهات الموجود من ذاته وصفاته وأحواله مالكةٌ معدومةٌ في حدٍّ ذاتها إلَّا الوجود الذي هو النور الإلهيُّ. ومن الناس مَن جعل ضمير ((وجهه)) للشيء، وفسر الشيء بالموجود بمعنى ما له نسبةٌ إلى حضرة الوجود الحقيقيِّ القائم بذاته، وهو عينُ الواجب سبحانه، وفسر الوجه بهذا الوجود لأنَّ الموجود يتوجَّه إليه وينسب، والمعنى: كلُّ منسوبٍ إلى الوجود معدومٌ إلا وجهَه الذي قصده وتوجَّه إليه، وهو الوجودُ الحقيقيُّ القائمُ بذاته، الذي هو عينُ الواجب جلَّ وعلا. ولا يخفى الغتُّ والسمينُ من هذه الأقوال، وعليها كلِّها يدخل العرشُ والكرسيُّ، والسماواتُ والأرضُ، والجنة والنار، ونحو ذلك في العموم. وقال غير واحد: المرادُ بالهلاك خروجُ الشيء عن الانتفاع به المقصودِ منه، إمَّا بتفرُّق أجزائه أو نحو ذلك(١)، والمعنى: كلُّ شيءٍ سيهلكُ ويخرج عن الانتفاع به المقصودِ منه إلا ذاتَه عزَّ وجلَّ، والظاهرُ أنه أراد بالشيء الموجود المطلق لا الموجود وقت النزول فقط، فيؤُولُ المعنى إلى قولنا: كلُّ موجودٍ في وقتٍ من الأوقات سيهلكُ بعد وجوده إلا ذاتَه تعالى، فيدلُّ ظاهر الآية على هلاك العرش والجنة والنار، والذي دلَّ عليه الدليل عدم هلاك الأخيرين، وجاء في الخبر أنَّ الجنة سقفُها عرشُ الرحمن(٢). ولهذا اعتُرض بهذه الآية على القائلين بوجود الجنة والنار الآن، والمنكرين له القائلين بأنهما سيوجدان يومَ الجزاء ويستمرَّان أبدَ الآباد. واختلفوا في الجواب عن ذلك؛ فمنهم مَن قال: إنَّ ((كلَّا)) ليست للإحاطة بل (١) في (م): أو نحوه. (٢) سلف ص ٨٥ من هذا الجزء. سُورَةُ القَصَصِ ٢٩٦ الآية : ٨٨ للتكثير، كما في قولك: كلُّ الناس جاء إلا زيداً، إذا جاء أكثرهم دون زيد، وأيِّد بما روي عن الضحاك أنه قال في الآية: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا اللهَ عزَّ وجل والعرشَ والجنة والنارَ. ومنهم مَن قال: إنَّ المراد بالهلاك الموتُ، والعمومُ باعتبارِ الأحياء الموجودین في الدنيا، وأيِّد بما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: كلُّ حيٍّ ميتٌ إلا وجهه . وأخرج عنه ابن مردويه أنه قال: لمَّا نزلت ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قيل: يا رسول الله، فما بالُ الملائكة؟ فنزلت (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهٌَ)(١). فبيَّن في هذه الآية فناءَ الملائكة والثقلين من الجنِّ والإنس، وسائِر عَالمِ الله تعالى وبَرِيَّتِه من الطير والوحوش والسباع والأنعام وکلِّ ذي روح أنه هالٌ میت. وأنت تعلم أن تخصيص الشيء بالحيِّ الموجود في الدنيا لا بدَّ له من قرينةٍ، فإن اعتُبر كونُه محكوماً عليه بالهلاك - حيث شاع استعماله في الموت، وهو إنما يكون في الدنيا - قرينةً فذاك، وإلّا فهو كما ترى. ومن الناس مَن التزم ما يقتضيه ظاهرُ العموم من أنه كلُّ ما يوجد في وقتٍ من الأوقات في الدنيا والأخرى يصير هالكاً بعد وجوده، بناءً على تجدُّد الجواهر وعدمٍ بقاء شيءٍ منها زمانين كالأعراض عند الأشعري، ولا يخفى بطلانُه وإن ذهب إلى ذلك بعضُ أكابر الصوفية قدِّست أسرارهم. وقال سفيان الثوريُّ: وجهه تعالى العملُ الصالح الذي تُوجِّه به إليه عز وجل. فقيل في توجيه الاستثناء: إنَّ العمل المذكور قد كان في حيِّز العدم، فلمَّا فَعَله العبدُ ممتثلاً أمرَه تعالى أبقاه جلَّ شأنه له إلى أن يجازيه عليه، أو أنه بالقبول صار غيرَ قابلٍ للفناء؛ لِمَا أنَّ الجزاء عليه قام مقامه، وهو باقٍ. ورُوي عن أبي عبد الله الرضا به أنه ارْتَضَى نحوَ ذلك، وقال: المعنى: كلُّ شيءٍ من أعمال العباد هالكٌ وباطلٌ إلَّا ما أُريدَ به وجهُه تعالى. وزعم الخفاجيُّ أنَّ هذا كلامٌ ظاهريٌّ (٢). (١) الدر المنثور ١٤٠/٥. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٩٠. الآية : ٨٨ ٢٩٧ سُورَةُ القَصَصِ وقال أبو عبيدة: المراد بالوَجْهِ جاهُه تعالى الذي جَعَله في الناس(١). وهو کما تری لا وَجْهَ له. والسَّلَفُ يقولون: الوجهُ صفةٌ نْبِتُها لله تعالى، ولا نشتغلُ بكيفيتها ولا بتأويلها بعد تنزيهه عزَّ وجل عن الجارحة. ﴿لَهُ الْحُكْرُ﴾ أي: القضاءُ النافذُ في الخلق ﴿وَإِلَيْهِ﴾ عز وجل ﴿تُرْجَعُونَ ٨٨ عند البعث للجزاء بالحقِّ والعدل لا إلى غيره تعالى، ورجوعُ العباد إليه تعالى عند الصوفية أهلِ الوحدة بمعنى ما وراءَ طورٍ العقل. وقيل: ضمير ((إليه)) للحكم. وقرأ عيسى: (تَرْجِعون)) مبنيًّا للفاعل (٢). هذا والكلامُ من باب الإشارة في آيات هذه السورة أكثرُه فيما وَقَفْنا عليه من باب تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس، ولعله يُعلَم بأدنى تأمُّلٍ فيما مرَّ بنا(٣) في نظائرها، فتأمَّل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو جلَّ وعلا حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيل. (١) البحر ٧/ ١٣٧، وفي مجاز القرآن ١١٢/٢: ((كلُّ شيءٍ هالك إلا وجهه)»: إلا هو. (٢) البحر ١٣٧/٧، وهي قراءة يعقوب من العشرة، كما في النشر ٢٠٨/٢. (٣) في الأصل: منا. سُورَةُ الْعَنْكُوتِ أخرج ابن الضُّرَيس والنَّاس وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس ﴿ّ أنها نزلت بمكة(١). وأخرج ابن مردويهِ عن عبد الله بن الزبير نحوَ ذلك (٢). ورُوي القولُ بأنها مكيةٌ عن الحسن وجابرٍ وعكرمةَ،، وعن بعضهم أنها آخِرُ ما نزَل بمكة. وفي ((البحر)) عن الحبر وقتادَةَ أنها مدنية(٣) . وقال يحيى بن سلام: هي مكيةٌ إلَّا مِن أوَّلها إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾ (٤) [الآية: ١١]. وذكر ذلك الجلال السيوطيُّ في ((الإتقان)) ولم يَعْزُه، وأنه لِمَا أخرجه ابن جرير في سبب نزولها(٥). ثم قال: قلتُ: ويُضَمُّ إلى ذلك ﴿وَكَأَئِن مِّن دَائَةِ﴾ الآيةَ [٦٠] لِما أخرجه ابن أبي حاتم في سبب نزولها(٦). وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في ذلك. (١) فضائل القرآن لابن الضريس ص٣٤، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٧٤/٢، ودلائل النبوة ١٤٣/٧، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٤٠/٥. (٢) الدر المنثور ١٤٠/٥ . (٣) البحر ١٣٨/٧-١٣٩. (٤) النكت والعيون ٢٧٤/٤، والبحر ١٣٩/٧، وعنه نقل المصنف. (٥) الإتقان ١/ ٤٨، وأخرج الطبري ٣٦٦/١٨ عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَّنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ الَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾ قال: هذه الآيات أنزلت في القوم الذين ردَّهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية إلى هاهنا، وسائرها مكي. (٦) الإتقان ٤٨/١، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الجراح بن منهال الجزري - هو أبو العطوف - عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله وَ لخير حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: ((يا ابن عمر، مالك لا تأكل)» قلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: ((ولكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة لم أذق الآية : ١ - ٢ ٢٩٩ سُوَدَّةُ الجَنْكُتِ وهي تسعٌ وستُّون آيةً بالإجماع، كما قال الداني والطبرسيّ (١). وذكر الجلالُ في وجهِ اتصالِها بما قبلَها: أنه تعالى أخبر في أوَّلِ السورة السابقة عن فرعونَ أنه ﴿عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِقَةٌ مِنْهُمْ يُذَبِحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِى، نِسَآءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، وافتَتَح هذه بذكر المؤمنين الذين فَتَنَهمُ الكُفَّارُ وعذَّبوهم على الإيمان بعذابٍ دونَ ما عَذَّب به فرعونُ بني إسرائيلَ بكثيرٍ؛ تسليةً لهم بما وَقَع لمن قبلَهم وحثًّا على الصَّبر، وَلِذَا قيل هنا: (وَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌ). وأيضاً لمّا كان في خاتمة الأُولى الإشارةَ إلى هجرةِ النبيِّ نَّهِ - أي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآَتُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] على بعض الأقوال - وفي خاتمة هذه الإشارةَ إلى هجرة المؤمنين بقوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] ناسبَ تتاليهما(٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ سَبَق الكلامُ فيه وفي نظائرِه ولم يُجَوِّز بعضُهم هنا ارتباطَ ما بعدَه ﴿الّ به ارتباطاً إعرابياً؛ لأنَّ الاستفهامَ مانعٌ منه. وبُحِثَ فيه بأنَّ اللازِمَ في الاستفهامِ تَصَدُّرُه في جُملتِهِ، وهو لا يُنافِي وُقُوعَ تلك الجملةِ خَبَراً ونحوَه، كقولك: زيدٌ هلَ قام أبوه؟ فلو قيل هنا: المعنى: المتلوُّ عليك ﴿أَحَسِبَ النَّسُ﴾ إلى آخِرِ السورةِ صَحَّ، فلا يقال أيضاً: إنَ المانعَ منه عَدَمُ صحةِ ارْتباطِه بما قبلَه معنًى. نعم الارتباطُ خلاف الظاهر. طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى، فكيف بك يا ابن = عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين)) قال: فوالله ما برحنا مكاننا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنِ دَابَةٍ﴾ الآية. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا الحديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف. (١) البيان في عدِّ آي القرآن للداني ص٢٠٣، ومجمع البيان ٣٣٢/٢٠. (٢) تناسق الدرر ص٧١. الآية : ٢ ٣٠٠ سُورَةُ الجَنْكُتِ والاستفهامُ للإنكارِ، والحسْبانُ مصدرٌ كالغُفْرانِ مما يَتَعَلَّق بمضامينِ الجمَلِ ؛ لأنه من الأفعالِ الداخلةِ على المبتدأ والخبرِ، وذلك للدلالة على وجهِ ثُبُوتِها في الذُّهنِ أو في الخارج من كَوْنِها مظنونةً أو متيقَّةً، فَتَقْتَضِي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، أو ما يَسُدُّ مَسَدَّهما، وقد سدَّ مَسَدَّهما هنا على ما قاله الحوفيُّ وابنُ عطيةً وأبو البقاءِ: قولُه تعالى: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾(١). وسَدُّ((أنْ)) المصدريَّةِ الناصبةِ للفعلِ مع مَدْخولِها مَسَدَّ الجُزْأينِ مما قاله ابنُ مالكٍ، ونَقَلَه عنه الدَّمامِينِيُّ في ((شرح التسهيلٍ)). وزَعَم بعضهم أنَّ ذلك إنما هُوَ في ((أنَّ) المفتوحةِ مُشدَّدةً ومُثقَّلةً مع مدخولِها . والتركُ هنا على ما ذكره الزمخشريُّ(٢) بمعنى التَّصْبِير المتعدِّي لمفعولَيْنِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَّكَهُمْ فِ تُلُّمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، وقول الشاعر: يَقْضمْنِ قُلَّةَ رأسِه والمِعْصمِ(٣) فتركتُه جَزَرَ السِّباعِ یَنُشْنّه . فضميرُ الجمع نائبُ مفعولٍ أوَّل، والمفعولُ الثاني متروكُ بدَلالةِ الحالِ الآتية، أي: كما هم، أو: على ما هم عليه، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ﴾ [التوبة: ١٦]، على ما قَدَّره الزمخشريُّ قيه (٤). وقولُه سبحانه: ﴿أَن يَقُولُوَأْ ءَامَنَا﴾ بمعنى: لأَنْ يقولوا، متعلِّقٌ بـ ((يتركوا)) على أنه غيرُ مستقِرٍّ. وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُقْتَنُونَ ﴾﴾ في موضع الحال من ضميرٍ ((يُتْرَكوا)). ويجوز أنْ لا يُعتَبرَ كونُ المفعولِ الثاني لـ ((يُتْرَكوا)) متروكاً، بل تُجْعلُ هذه الجملةُ (١) المحرر الوجيز ٣٠٥/٤، والإملاء ١٦٠/٤، وذكره عن الحوفي أبو حيان في البحر ١٣٩/٧. (٢) في الكشاف ٣/ ١٩٥ . (٣) البيت لعنترة، وهو في ديوانه ص٢٦. قوله: الجَزَر بفتحتين: جمع جَزَرَة، وهي الشاة والناقة تذبح أو تنحر. ويَنُشْنَه من ناشَ يَنُوش، أي: تناولَ. وقوله: قُلَّة رأسه، أعلاه. وجاء في بعض روايات البيت: يقضمن حسن بنانه ... ، وفي بعضها: ما بين قلةٍ رأسه ... ، ينظر شرح القصائد لأبي بكر الأنباري ص٣٤٧-٣٤٨ وللنحاس ٣٣/٢، وللتبريزي ص٢٣٩ . (٤) الكشاف ١٧٨/٢ .