Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ٦٩ - ٧٠
٢٤١
سُورَةُ القَصَصِ
وظاهرُ كلام كثيرٍ أنَّ الآية ليست من باب الإعمال، وجوِّز أن تكون منه بأن
يكون كلٌّ من ((سبحان)) و((تعالى)) طالباً ((عما يشركون))، والأفيدُ على ما قيل أن
لا تکون منه.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ما يُكِنُّونَ ويُخْفُون في صدورهم من
الاعتقادات الباطلة، ومن عداوتهم لرسول الله وَالر، ونحو ذلك.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة، والطعنٍ فيه عليه
الصلاة والسلام وغير ذلك. ولعله للمبالغة في خباثةٍ باطنهم لأنَّ ما فيه مبدأٌ لِمَا
يكون في الظاهر من القبائح لم يقل: ما يكنُّون، كما قيل: ((ما يعلنون)).
وقرأ ابن محيصن: ((تَكُنُّ)) بفتح التاء وضمِّ الكاف(١).
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ أي: وهو تعالى المستأثرُ بالألوهية المختصُّ بها، وقوله سبحانه:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ تقريرٌ لذلك، كقولك: الكعبةُ القبلةُ لا قبلةَ إلَّا هي.
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: له تعالى ذلك دون غيره سبحانه؛ لأنه جلَّ
جلالُه المعطي لجميع النعم بالذات، وما سواه وسائط، والمراد بالحمد هنا ما وقع
في مقابلة النعم بقرينةِ ذِكْرِها بعده بقوله تعالى: (قُلْ أَرَيْتُمْ) إلخ.
وزعم بعضهم أنَّ الحمد هنا أعمُّ من الشكر، واعتبر الحصر بالنسبة إلى مجموع
حمدي الدارين، زاعماً أنَّ الحمد في الدنيا وإن شاركه فيه غيرُه تعالى لكنَّ الحمد
في الآخرة لا يكون إلَّا له تعالى.
وفيه أنَّ الحمد مطلقاً مختصّ به تعالى؛ لأنَّ الفضائل والأوصاف الجميلة كلّها
بِخَلْقِه تعالى، فيرجعُ الحمدُ عليها في الآخرة له تعالى؛ لأنه جلَّ وعلا مُبْديها
ومُبْدِعُها، ولو نظر إلى الظاهر لم يكن حمدُ الآخرة مختصًا به سبحانه أيضاً، فإنَّ
نبينا وَلم يحمده الأولون والآخرون عند الشفاعة الكبرى.
وفسَّر غيرُ واحدٍ حمدَه تعالى في الآخرة بقول المؤمنين: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقولهم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ﴾
(١) البحر ١٣٠/٧.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٤٢
الآية : ٧١
[فاطر: ٣٤] وقولهم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقالوا: التحميدُ هناك
على وجهِ اللَّذِ لا الكلفة، وفي حديثٍ رواه مسلم وأبو داود عن جابر في وصف
أهل الجنة: ((يُلْهَمون التسبيحَ والتهليلَ كما يُلْهَمونَ النَّفَس)»(١).
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: القضاءُ النافذ في كلِّ شيءٍ من غير مشاركةٍ فيه لغيره
تعالى، وعن ابن عباس عيّ: أي: له الحكمُ بين عباده تعالى، فيحكُم لأهل طاعته
بالمغفرة والفضل، ولأهل معصيته بالشقاء والويل.
﴿وَإِلَيْهِ﴾ سبحانه لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ ﴾﴾ بالبعث.
﴿قُلْ﴾ تقريراً لِمَا ذكر ﴿أَرَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، وقرأ الكسائي: ((أَرَيْتُم)» بحذف
الهمزة(٢) ﴿إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ أي: دائماً، وهو عند البعض من
السرد، وهو المتابعةُ والاطّرادُ، والميم مزيدةٌ لدلالة الاشتقاق عليه، فوزنه فَعْمَل،
ونظيرُهُ دُلَامِص(٣) من الدِّلَاص، يقال: درعٌ دِلَاصٌ، أي: ملساء لينة. واختار بعضُ
النحاة أنَّ الميم أصليةٌ، فوزنُه فَعْلَلَ؛ لأنَّ الميم لا تنقاسُ زيادتُها في الوسط.
ونَصْبُهُ إِمَّا على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل))، أو على أنه حالٌ من ((الليل)).
وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْرِ الْقِيَمَةِ﴾ إما متعلِّقٌ بـ ((سرمداً)) أو بـ ((جعل))، وجوَّز
أبو البقاء أيضاً تعلُّقه بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((سرمداً))(٤). وجَعْلُه تعالى كذلك
بإسكان الشمس تحت الأرض مثلاً .
وقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهُ﴾ مبتدأ وخبر، وقولُه سبحانه: ﴿غَيْرُ أَهِ﴾ صفةٌ لـ((إله))،
وقولُه تعالى: ﴿يَأْتِكُمْ بِضِيَاً؛﴾ صفةٌ أخرى له، عليها يدورُ أمر التبكيت والإلزام
كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] وقوله سبحانه:
﴿فَمَنْ يَأْتِيكُرُ بِمٍَّ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] ونظائِرهما، خلا أنه قُصِدَ بيانُ انتفاءِ الموصوف
بانتفاء الصفة، ولم يؤت بـ ((هل)) التي هي لطلب التصديق المناسبِ بحسب الظاهر
(١) صحيح مسلم (٢٨٣٥)، وسنن أبي داود (٤٧٤١).
(٢) التيسير ص ١٠٢، والنشر ٣٩٨/١.
(٣) بضم الدال وكسر الميم: البرَّاق. حاشية الشهاب ٧/ ٨٤، والقاموس (دلص).
(٤) الإملاء ٤ /١٥٦.

الآية : ٧٢
٢٤٣
سُوَةُ القَصَصِ
للمقام، وأُتيَ بـ ((مَن)) التي هي لطلب التعيين المقتضي لأصل الوجود، لإيراد
التبكيت والإلزام على زَعْمِهم(١)، فإنه أبلغ كما لا يخفى.
وجملة ((مَن إلهٌ)) إلخ قال أبو حيان: في موضع المفعول الثاني لـ ((أرأيتم))،
وجَعَل ((الليل)) مما تَنَازَعَ فيه ((أرأيتم)) و((جعل))، وقال: إنه أُعْمِلَ فيه الثاني، فيكون
المفعولُ الأول للأول محذوفاً، وحيث جُعِلَت تلك الجملةُ في موضع مفعوله الثاني
لا بدَّ من تقدير العائد فيها، أي: مَن إله غيرُه يأتيكم بضياءٍ بَدَلَه(٢)، مثلاً، وجواب
(إنْ)) محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله، وكذا يقال في الآية بعدُ.
وعن ابن كثير أنه قرأ: ((بضئاء)) بهمزتين(٣).
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴾﴾ سماعَ فَهْم وقبولِ الدلائلَ الباهرةَ والنصوصَ المتظاهرةَ،
لتعرفوا أنَّ غير الله تعالى لا يقدر على ذلك.
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَزْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكان
الشمس في وسط السماء مثلاً ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُنَ فِيَةِ﴾
استراحةً من متاعب الأشغال ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾﴾ الشواهدَ المنصوبةَ الدالّة على
القدرة الكاملة؛ لتقفوا على أنَّ غير الله تعالى لا قدرةً له على ذلك.
ويُعلم ممَّا ذكرنا أنَّ كلَّا من جملتي ((أفلا تسمعون)) و((أفلا تبصرون)) تذييلٌ
للتوبيخ الذي يعطيه قوله تعالى: (أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ) إلخ قبله، وأفاد
الزمخشريُّ(٤) أنَّ ظاهر التقابُل يقتضي ذِكْرَ النهار والتصرُّفَ فيه، إلا أنَّ العدول عن
ذلك إلى الضياء - وهو ضوءُ الشمس - للدلالة على أنه يتضمَّنُ منافعَ كثيرةً منها
التصرُّفُ، فلو أتى بالنهار لاستَدْعَى القَصْرَ على تلك المنفعة من ضرورةِ التقابل،
ولأنَّ المنافع للضياء لا للنهار، على أنَّ النهار أيضاً من منافعه.
ثم استشعر أنْ يقال: فلم لم يُؤْتَ بالظلام بدل الليل في الآية الثانية لتتمَّ
(١) أي: على زعمهم أن آلهتهم موجودة. حاشية الشهاب ٧/ ٨٤.
(٢) البحر ٧/ ١٣٠، وفيه: بعده، بدل: بدله، ومثله في الدر المصون ٨/ ٦٩١.
(٣) وهي رواية قنبل عنه. التيسير ص ١٢٠ - ١٢١ .
(٤) في الكشاف ١٨٩/٣ .

سُورَةُ القَصَصِ
٢٤٤
الآية : ٧٢
المقابلة من هذا الوجه؟ وأجاب بأنه ليس بتلك المنزلة، فلا هو مقصودٌ في ذاته
كالضياء، ولا أنَّ المنافع من روادفه، مع ما فيهما من الاستئناس والاشمئزاز، بل
لو تأمَّل حقَّ التأمُّل وجدَّ حَكّمَ بأنَّ الليل من منافع الضياء أيضاً، والظلام من
ضرورات كون الشمس المضيئة تحت الأرض وإلقاء ظلِّ الليل(١).
ثم أفاد أنَّ التفصلة وهو التذييلُ المذكور فيها إرشادٌ إلى هذه النكتة؛ فإنَّ قوله
تعالى: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) يدلُّ على أنَّ التوبيخ بعدم التأمُّل في الضياء أكثر، من حيث
إنَّ مُذْركَ السمع أكثر(٢)، والمرادُ ما يدركه العقل بواسطة السمع، فلا يَرِدُ أنَّ مُدْرَكه
الأصواتُ وحدها ومُدْرَك البصر أكثرُ من ذلك، وذلك أنَّ ما لا يُدْرَكُ بحسّ أصلاً
يُدْرَكُ بواسطة السمع إذا عبّر عنه المعبِّر بعبارةٍ مُفهِمة، وأما ما يدرَكُ بالبصر فمن
مشاهدة المبصَرات وهي قليلة، وأمَّا المطالعةُ من الكتب فإنها أضيقُ مجالاً من
السمع وقَرْعِه، كذا في ((الکشف)).
والعلَّامةُ الطيبيُّ قرَّر عبارة ((الكشاف)) بما قرَّر ثم قال: الأبعدُ من التكلُّف أن
يُجعل (أفلا تسمعون)) تذييلاً للتوبيخ المستفاد من ((أرأيتم)) إلخ قبله، وكذا
(أفلا تبصرون)) على ما في ((المعالم)): أفلا تسمعون سماعَ فَهْم وقبول، أفلا تبصرون
ما أنتم عليه من الخطأ(٣)؛ ليجتمع لهم الصَّممُ والعَمَى من الإعراض عن سماع
البراهين والإغماض عن رؤية الشواهد. ولمَّا كانت استدامةُ الليل أشقَّ من استدامة
النهار لأنَّ النوم الذي هو أجلُّ الغرض فيه شبيهُ الموتِ (٤)، والابتغاء من فضل الله
تعالى الذي هو بعضُ فوائدِ النهار شبيهٌ بالحياة، قيل في الأول: ((أفلا تسمعون))،
أي: سماع فَهْمٍ، وفي الثاني: ((أفلا تبصرون)) أي: ما أنتم عليه من الخطأ؛ ليطابق
كلٌّ من التذييلَيْن الكلامَ السابق من التشديد والتوبيخ. وذَكَر في حاصل المعنى
ما ذكرناه أولاً (٥)، ثم قال: وفيه أنَّ دلالةَ النصِّ أولى وأقدمُ من العقل(٦).
(١) لم نقف على هذا الكلام في الكشاف، وينظر حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) بنحوه في الكشاف ١٨٩/٣.
(٣) تفسير البغوي المسمَّى معالم التنزيل ٤٥٣/٣، والكلام من حاشية الطيبي على الكشاف.
(٤) في حاشية الطيبي على الكشاف: بالموت.
(٥) ينظر ما سلف في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلاَ تُصِرُونَ﴾.
(٦) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.

الآية : ٧٢
٢٤٥
سُورَةُ القَصَص
وصاحب ((الكشف)) قرَّر العبارة بما سمعتَ، وذكر أنَّ ذلك لا ينافي ما في
((المعالم)) بل يؤكِّده ويبيِّن فائدةَ التوبيخين.
ونقل الطيبيُّ عن الراغب في ((غرة التنزيل)) أنه قال: إنَّ نَسْخَ الليل بالنيِّر
الأعظم أبلغُ في المنافع وأَضْمَنُ للمصالح من نَسْخِ النهار بالليل، ألا ترى أنَّ الجنة
نهارُها دائمٌ لا ليلَ معه؛ لاستغناء أهلها عن الاستراحة؟ فتقديمُ ذكر الليل لانكشافه
عن النهار الذي هو أجدى من تفاريق العصا، ومنافعُ ضوء شمسِه أكثرُ من أن
تحصى، أحقُّ وأولى، ومعنى قوله تعالى: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ): أفلا تسمعون سماعَ مَن
يتدبَّر المسموعَ ليستدرك منه قَصْدَ القائل، ويحيطَ بأكثرِ ما جعل الله تعالى في النهار
من المنافع، فإنَّ عقيب السماع استدراكُ المراد بالمسموع إذا كان هناك تدبٌُّ وتفكُرٌ
فيه، ومعنى (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ): أفلا أتستدركون(١) من ذلك ما يجب استدراكه.
انتهى .
وفي ((الكشف)) أنه مؤيّدٌ لما ذكره صاحب ((الكشاف))، وربما يقال: ذكر سبحانه
أولاً فرضية جَعْلِ الليل سرمداً، وثانياً فرضيةَ جَعْلِ النهار كذلك؛ لأنَّ الليل كما قالوا
مقدَّمٌ على النهار شرعاً وعرفاً، وأيضاً ذلك أوفقُ بقوله تعالى: (وَرَبِّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِّنُّ
صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ففي المَثَلِ: الليل أَخْفَى للويل. وكذا بقوله سبحانه: (لَهُ الْحَمْدُ
فِي الْأُولَى وَالْأَخِرَةِ) ففي الأثر: كان الخلق في ظلمةٍ، فرشَّ الله تعالى عليهم من نوره(٢).
ولعله لاعتبارِ الأوَّلية والآخرية ذُيِّلَت الآية الأولى بقوله تعالى: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) بناءً
على أنَّ المعنى: أفلا تسمعون ممن سلف من آبائكم أو مما سلف منَّا أنَّ آلهتكم
لا تقدرُ على مثل ذلك، والثانيةُ بقوله سبحانه: (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) بناءً على أنَّ المعنى:
أفلا تبصرون أنتم عجزها عن مثل ذلك، وجيء بالضياء غير موصوفٍ في الآية الأولى
وبالليل موصوفاً في الثانية لِمَا أفاده الزمخشريُّ.
(١) في الأصل و(م): أتستدركون، بدل: أفلا تستدركون، والمثبت من حاشية الطيبي على
الكشاف.
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، والترمذي (٢٦٤٢) وحسَّنه من حديث عبد الله بن عمرو ◌ًا بلفظ:
(إن الله عزَّ وجلَّ خَلَق خَلْقَه في ظلمة فألقى عليهم من نوره ... )) الحديث، و((فرشَّ)) رواية
فيه كما في تحفة الأحوذي ٧/ ٤٠١ .

سُورَةُ الْقَضَصِ
٢٤٦
الآية : ٧٢
وقيل في وجه تذييل الآية الأولى بقوله تعالى: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) دون قوله
سبحانه: (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ): إنَّ المفروض لو تحقَّق بقيَ معه السمعُ دون الإبصار، إذ
ظلمةُ الليل لا تحجبُ السمع وتحجبُ البصر. وفي وجه تذييل الثانية بقوله تعالى:
(أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) دون (أَفَلَا تَسْمَعُونَ): إنَّ تحقّق المفروض وعدمَه سِيَّان في أمر
السمع دون الإبصار؛ إذ لضياء النهار مدخلٌ في الإبصار وليس له مدخلٌ في السمع
أصلاً. وهو كما ترى.
واعلم أنَّ ها هنا إشكالاً، وهو أنَّ جَعْلَ الليل سرمداً إلى يوم القيامة إنْ تحقَّق
لم يتصور الإتيانُ بضياء أصلاً، وكذا جَعْلُ النهار سرمداً إلى يوم القيامة إن تحقَّق
لم يتصوَّر الإتيان بليلٍ كذلك، أمَّا مِن غيره تعالى فظاهرٌ؛ لأنه معدنُ العجز عن كلِّ
شيء، وأمَّا منه عزَّ وجل فلاستلزامه اجتماعَ الليل والنهار إذ(١) لو لم يجتمعا لم
يتحقَّق الليل مستمرًّا إلى يوم القيامة، وكذا جَعْلُ النهار كذلك، وهو خلافُ
المفروض، واجتماعُهما محالٌ، والمحالُ لا صلاحيةً له لتعلُّق القدرة فلا يُراد.
وأجيب بأن المراد: إنْ أراد سبحانه ذلك فَمَنْ إلهٌ غيرُه تعالى يأتيكم بخلافٍ
مراده سبحانه بأن يقطعَ الاستمرار فیأتي بنهارٍ بعد ليلٍ ولیل بعد نهارٍ .
واعترض بأنه يُفهم من الآية حينئذٍ أنه جلَّ وعلا هو الذي إن أراد ذلك يأتيهم
بخلافِ مراده تعالى فيقطع الاستمرار، وهو مُشْكِلٌ أيضاً؛ لأن إتيانه تعالى بخلافٍ
مراده جلَّ وعلا مستلزمٌ لتخلّف المراد عن الإرادة، وهو محالٌ، فإذا أراد الله تبارك
وتعالى شيئاً على وجه إرادةٍ لا تعليقَ فيها لا يمكنُ أن یریده على خلافٍ ذلك الوجه.
وأجيب بأنه يجوزُ أن يكون المراد: إنْ أراد الله تعالى ذلك غيرَ معلِّقٍ له على
إرادته - عزَّ شأنُه - خلافَه، لا يأتيكم بخلافِه غيرُه عزَّ وجل، ولم يصرّح بالقيد
لدلالة العقل الصريح على أنَّ الإرادة غيرَ(٢) المعلّقة لا يمكن الإتيانُ بخلاف
موجبها أصلاً. ومن الناس مَن ذهب إلى أنه سبحانه لا يَبتُّ إرادته، فجميع ما يريده
جلَّ شأنُهُ معلَّقٌ.
(١) في (م): إذا .
(٢) في الأصل: الغير.

الآية : ٧٣ - ٧٤
٢٤٧
سُورَةُ القَصَصِ
وقيل: الأَوْلى أن يقال: ليس المراد سوى أنَّ آلهتهم لا يقدرون على الإتيان
بنهارٍ بعد ليلٍ وليلٍ بعد نهارٍ إذا أراد الله تعالى شأنُه استمرارَ أحدِهما، وإنما القادرُ
على الإتيانِ بذلك هو الله سبحانه وحده من غير نظرٍ إلى كون ذلك الإتيان مقيَّداً
بتلك الإرادة، فتدبّر.
﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: بسبب رحمته جلَّ شأنُه ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا
فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالسعي بأنواع
المكاسب، ففي الآية ما يقال له: اللفُّ والنشر، ويسمَّى أيضاً: التفسير، كقول
ابن حُّوس :
عن كأسه الملأى وعن إبريقه
ومُقَرْطِقٍ يَغْنَی الندیمُ بوجهه
في مُقْلَتيه ووَجْنَتَيْه ورِيْقه(١)
فِعْلُ المدام ولونُها ومذاقُها
وضميرُ ((فَضْلِه)) لله تعالى، وجوَّز أبو حيان كونَه للنهار على الإسناد
المجازيٌّ(٢)، وهو خلافُ الظاهر.
وفيها إشارةٌ إلى مدح السعي في طلب الرزق، وقد ورد: ((الكاسبُ
حبيبُ الله))(٣)، وهو لا ينافي التوُّل، وأنَّ ما يحصلُ للعبد بواسطته فضلٌ من الله
عزَّ وجل، وليس ممَّا يجبُ عليه سبحانه.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: ولكي تشكروا نعمتَه تعالى فَعَلَ ما فَعَلَ، أو:
لتعرفوا نعمته تعالى وتشکروه عليها .
﴿وَبَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ منصوبٌ بـ: اذكُرْ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ
(٧٤)
تقريعٌ إثر تقريع، للإشعار بأنه لا شيءَ أَجْلَبُ لغضب الله تعالى من الإشراك،
كما لا شيء أَدْخَلُ في مرضاته من توحيده عزَّ وجل .
(١) البحر ١٣٠/٧، ومعاهد التنصيص ٢٧٥/٢. وابن حيوس هو الأمير أبو الفتيان محمد بن
سلطان بن محمد بن حيُّوس الغنوي الدمشقي، مصطفى الدولة، شاعر الشام، صاحب
الديوان، توفي سنة (٤٧٣هـ). سير أعلام النبلاء ٤١٣/١٨ .
(٢) البحر ٧ / ١٣٠ .
(٣) لم نقف عليه.

سُورَةُ القَصَص
٢٤٨
الآية : ٧٥
أو أنَّ الأول لبيان فسادِ رأيهم كما يشير إليه قوله تعالى هناك: (حَقَّ عَلَيْهِمُ
الْقَوْلُ)، وهذا لبيانِ أنَّ إشراكهم لم يكن عن سندٍ، بل عن محضٍ هوّى كما يشير إليه
قوله تعالى بعدُ: (هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ)
أو الأول إحضارٌ للشركاء بعدم الصلوح؛ لقوله سبحانه بعده: (ادْعُواْ شُرَكَكُمْ
فَدَعَوْهُمْ)، وهذا تحسيرٌ بأنهم لم يكونوا في شيء من اتِّخاذهم، ألا ترى قوله تعالى:
(وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ).
﴿وَنَزَعْنَا﴾ عطفٌ على ((يناديهم))، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقُّق، أو
حالٌ من فاعله بإضمار ((قد)) أو بدونه، والالتفاتُ إلى نون العظمة لإبراز كمال
العناية بشأن النَّزْع وتهويلِه، أي: أَخْرَجْنا بسرعة ﴿مِن كُلِّ أُنَّةٍ﴾ من الأمم
﴿شَهِيدًا﴾ شاهداً يشهد عليهم بما كانوا عليه، وهو نبيُّ تلك الأمة كما روي
عن مجاهد وقتادة، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وهذا في موقفٍ من مواقف يوم
القيامة، فلا يضرُّ كونُ الشهيد في موقفٍ آخر غيرَ الأنبياء عليهم السلام، وهم
أمةُ محمدٍ وَّةِ، أو الملائكةُ عليهم السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَجِاْتَّ بِالنَّبْنَ
وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩] فإنه دالٌّ في الظاهر على مغايرة الشهداء للأنبياء عليهم
السلام.
وقيل: يجوز اتحادُ الموقف، والدلالةُ على المغايرة غيرُ مسلّمةٍ، ولو سلِّمت
فشهادةُ الأنبياء عليهم السلام لا تنافي شهادةَ غيرهم معهم. وقولُه تعالى: (مِن
كُلِّ أُمٍَّ) وإفرادُ ((شهيدٍ)) ظاهرٌ فيما تقدم، ومن هنا قال في ((البحر)): قيل: أي:
عدولاً وخياراً، والشهيدُ عليه اسمُ جنسٍ(١).
﴿فَقُلْنَا﴾ لكلٍّ من تلك الأمم: ﴿هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ﴾ على صحة ما كنتم تَدينون به
﴿فَعَلِّمُواْ﴾ يومئذٍ ﴿أَنَّ الْحَقَ لِلَّهِ﴾ في الألوهية لا يشاركُه سبحانه فيها أحدٌ ﴿وَضَلَ
عَنْهُمْ﴾ أي: وغاب عنهم غيبةَ الشيء الضائع، فـ ((ضلَّ)) مستعارٌ لمعنى غاب استعارةً
تبعية. ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾﴾ في الدنيا من الباطل.
(١) البحر ٧/ ١٣١ .

الآية : ٧٦
٢٤٩
سُورَةُ القَصَصْ
﴿إِنَّ قَرُونَ﴾ اسمُ أعجميٌّ مُنِعَ الصَّرفَ للعَلَميةِ والعُجْمَةِ ﴿كَانَ مِن قَوْمِ
مُوسَى﴾ أي: من بني إسرائيل كما هو الظاهر، وحكى ابن عطيةَ الإجماعَ عليه(١).
واختلف في جهة قرابته من موسى عليه السلام، فروي عن ابن عباس ﴿تا وابنٍ
جُرَيجٍ وقتادةً وإبراهيمَ أنه ابنُ عمِّ موسى عليه السلام، فموسى بن عمران بن
قاهث - بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة - بن لاوى - بالقصر - بن يعقوب عليه
السلام، وهو ابن يَصْهُر - بياءٍ تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة - بن
قاهث .. إلخ. وفي ((مجمع البيان)) عن عطاء عن ابن عباس: أنه ابنُ خالة موسى
عليه السلام، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي ﴾(٢).
وحكي عن محمد بن إسحاق أنه عمُّ موسى عليه السلام(٣)، وهو ظاهرٌ على
قولٍ مَن قال: إنَّ موسى عليه السلام بن عمران بن يصهر بن قاهث، وهو ابنُ
یصهر بن قاهٹ.
وكان يسمَّى المنوّر لحسن صورته، وكان أحفظَ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم،
لكنه نافَقَ كما نافق السامريُّ، وقال: إذا كانت النبوَّةُ لموسى والمذبحُ والقربان
لهارون، فما لي؟
وروي أنه لمَّا جاوز بهم موسى عليه السلام البحرَ وصارت الرسالةُ والحبورة
لهارون يقرِّبُ القربان ويكون رأساً فيهم، وكان القربانُ إلى موسى عليه السلام
فجعله لأخيه هارون، وجد قارون في نفسه فحسدهما، فقال لموسى: الأمرُ
لكما ولستُ على شيءٍ، إلى متى أصبر؟ قال موسى عليه السلام: هذا صنعُ الله
تعالى. قال: والله تعالى لا أصدِّقُكَ حتى تأتيَ بآيةٍ. فأمر رؤساء بني إسرائيل أن
يجيء كلُّ واحدٍ بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها،
وكانوا يحرسون عصيَّهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتزُّ ولها ورقٌ أخضرُ
وكانت من شجر اللوز، فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.
(١) المحرر الوجيز ٢٩٨/٤.
(٢) مجمع البيان ٣٢٢/٢٠.
(٣) المحرر الوجيز ٢٩٨/٤.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٥٠
الآية : ٧٦
﴿فَى عَلَيْهِمْ﴾ فطلب الفضلَ عليهم، وأن يكونوا تحت أمره، أو تكبِّر عليهم،
وعُدَّ من تكبِّره أنه زاد في ثيابه شبراً، أو ظلمهم وطلب ما ليس حقَّه؛ قيل: وذلك
حين ملَّكه فرعونُ على بني إسرائيل. وقيل: حسدهم وطلب زوالَ نعمهم، وذلك
ما ذكر منه في حقِّ موسى وهارون عليهما السلام.
والفاء فصيحةٌ، أي: ضلَّ فبغَى، وجوِّز أن تكون على ظاهرها؛ لأنَّ القرابة
كثيراً ما تدعو إلى البغي.
﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُرِ﴾ أي: الأموال المذَّخرةِ، فهو مجازٌ بجَعْلِ المدَّخَرِ
كالمدفون إن كان الكنزُ مخصوصاً به، وحكى في ((البحر)) أنه سمِّيتْ أموالُه كنوزاً
لأنها لم تؤدّ منها الزكاةُ، وقد أمره موسى عليه السلام بأدائها فأبى، وهو من
أسباب عدواته إياه(١).
وقيل: الكنوزُ هنا الأموالُ المدفونة، وكان كما روي عن عطاء قد أظفره الله
تعالى بكنزٍ عظيم من كنوز يوسف عليه السلام.
﴿مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ أي: مفاتِحَ صناديقِه، فهو على تقديرٍ مضافٍ، أو الإضافة
لأدنى ملابسةٍ. وهو جمعُ مِفْتَح بالكسر، وهو ما يُفْتَح به.
وقال السديُّ: أي: خزائنه. وفي معناه قولُ الضحاك، أي: ظروفَه وأَوْعِيتَه.
وروي نحوُ ذلك عن ابن عباس والحسن، وقياسُ واحدهِ على هذا: المَفْتَح بالفتح
لأنه اسمُ مكان.
ويؤيِّد ما تقدَّم قراءةُ الأعمش: ((مفاتيحه)) بياءٍ، جمع مفتاح(٢).
و ((ما)) موصولةٌ ثاني مفعولي آتَى، و((مفاتحه)) اسم ((إنَّ)، وقوله تعالى: ﴿لَنَنُوأُ
بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوّةِ﴾ خبرها، والجملة صلةُ ((ما)) والعائد الضمير المجرور، ومنع
الكوفيون جوازَ كونِ الجملة المصدَّرة بـ ((إنَّ) صلةً للموصول، قال النحاس(٣):
سمعتُ عليّ بن سليمان - يعني الأخفش الصغير - يقول: ما أقبح ما يقوله الكوفيون
(١) البحر ١٣١/٧.
(٢) البحر ٧/ ١٣٢.
(٣) في إعراب القرآن ٢٤٢/٣، ونقله المصنف بواسطة أبي حيان في البحر ١٣١/٧.

الآية : ٧٦
٢٥١
سُورَةُ القَصَصِ
في الصلات، أنه لا يجوز أن تكون صلةُ الذي ((إنَّ)) وما عملت فيه، وفي القرآن
((ما إنَّ مفاتحه)). انتهى.
ولا يخفى أنَّ المانع من ذلك إن كان عَدَمَ السماع فالردُّ عليهم لا يتم إلا بشاهدٍ
لا يَحتمِلُ غير ذلك، و ((ما)» في الآية تحتملُ أن تكون نكرةً موصوفةً. وإنْ كان
المانع كونَ ((إِنَّ) تقع في ابتداء الكلام فلا ترتبطُ الجملةُ المصدَّرةُ بها بما قبلها فالردُّ
بالآية المذكورة عليهم تامٌّ؛ لأنَّ المانع المذكور كما يمنع كونَ الجملة صلةً يمنع
کونها صفةً، فتدبر.
و((تنوء)) من ناء به الحمل: إذا أثقلَه حتى أماله، فالباءُ للتعدية كما في: ذهبتُ
به. و((العصبةُ)) الجماعةُ الكثيرة من غير تعيينٍ لعددٍ خاصٌّ على ما ذكره الراغب(١).
ومن أهل اللغة مَن عيَّن لها مقداراً، واختلفوا فيه:
فقيل: من عشرةٍ إلى خمسةَ عَشَرَ، وهو مرويٌّ هنا عن مجاهد.
وقيل: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين، وروي ذلك عن الكلبي.
وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقيل: من عشرة إلى أربعين، وروي هذا عن قتادة.
وقيل: أربعون، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقيل: سبعون، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أمِّ هانئ.
وقال الخفاجيُّ: قد يقال: إنَّ أصل معناها الجماعةُ مطلقاً كما هو مقتضى
الاشتقاق، ثم إنَّ العرف خصَّها بعددٍ، أو اختُلِفَ فيه، أو اختلف بحسب موارده(٢).
وقال أبو زيد: ((تنوء)» من نؤتُ بالحمل: إذا نهضت به؛ قال الشاعر:
تنوءُ بأخراها فلَأياً قيامُها وتمشي الهُوَيْنا عن قريبٍ فَتُبهَرُ(٣)
(١) في مفرداته (عصب)، وكلامه فيه: العصبة جماعة متعصبة متعاضدة. ونقله المصنف عنه
بواسطة الشهاب في الحاشية ٨٦/٧.
(٢) حاشية الشهاب ٨٦/٧.
(٣) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢٢٤/٢. قال شارحه: فلأياً، أي: بعد بطءٍ شديد.
وتبھر : تعیا .

سُورَةُ القَصَصِ
٢٥٢
الآية : ٧٦
وفي الآية على هذا قلبٌ عند أبي عبيدة ومَن تبعه، والأصل: تنوء العصبة بها،
أي: تنهض(١).
(١)
وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلبٌ لأنَّ المفاتح تنهضُ ملابِسةً للعصبة إذا
نهضت العصبةُ بها .
والأَّوْلَى ما قدَّمناه أوَّلاً، وهو منقولٌ عن الخليل وسيبويه والفرَّاء، واختاره
النحاس(٢)، ورويَ معناه عن ابن عباس وأبي صالح والسدي.
وقرأ بديل بن ميسرة: ((لينوء)) بالياء التحتية(٣)، وخرَّج ذلك أبو حيان على تقديرٍ
مضافٍ مذكَّرٍ يرجعُ إليه الضمير، أي: ما إنَّ حملَ مفاتحه أو مقدارها أو نحو
ذلك(٤) .
وقال ابن جنِّي: ذهب بالتذكير إلى ذلك القَدْرِ والمَبْلَغ، فلاحَظَ معنى الواحد
فحمل عليه، ونحوه قول الراجز:
مثل الفراخ نَتَقَتْ حواصلُه
أي: حواصلُ ذلك، أو حواصلُ ما ذكرنا(٥) .
وقال الزمخشريُّ: وَجْهُه أن يفسر المفاتحَ بالخزائن، ويعطيها حكمَ ما أضيفت
إليه للملابسة والاتِّصال، كقولك: ذهبتْ أهلُ اليمامة(٦). انتهى.
وإنما فسَّر المفاتحَ بالخزائن دون ما يُفتح به ليتمَّ الاتصالُ، فإنَّ اتِّصال
الخزائن بالمخزون فوق اتصالِ المفاتيح به، بل لا اتِّصال للثاني، وحينئذٍ
(١) مجاز القرآن ١١٠/٢.
(٢) في معاني القرآن ١٩٩/٥، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣١٠/٢، والكلام من البحر
١٣٢/٧.
(٣) المحتسب ١٥٣/٢، والبحر ١٣٢/٧ .
(٤) البحر ٧/ ١٣٢ .
(٥) المحتسب ١٥٣/٢-١٥٤، والرجز سلف ١٨٤/١٤، ووقع في الأصل و(م) والمحتسب:
نتفت، وقد سلف الكلام فيه.
(٦) الكشاف ١٩٠/٣.

الآية : ٧٦
٢٥٣
سُورَةُ القَصَصِ
يكتسي التذكيرَ من المضاف إليه كما اكْتَسى التأنيثَ من عكسه كالمثال الذي
ذكره، وما تقدَّم عن غيره أولى؛ قال في ((الكشف)): لأنَّ تفسير المفاتح
بالخزائن ضعيفٌ جدًّا؛ لفوات المبالغة، وقيل: إنَّ المفاتح بذلك المعنى غيرُ
معروفٍ.
وقد سمعتَ أنه تفسيرٌ مأثورٌ، فإذا صحَّ ذلك فلا يُلتفت إلى ما ذكر من هذا
وكلام «الكشف».
وذكر أبو عمرو الداني(١) أنَّ بديل بن ميسرة قرأ: ((ما إنَّ مفتاحه)) على الإفراد،
فلا تحتاج قراءته «لینوء)) بالياء إلى تأويل.
وقد بُولِغَ في كثرة مفاتيحه؛ فروي عن خيثمةً: أنها كانت وِقْر ستِّين بغلاً أغرَّ
محجَّلاً، ما يزيد منها مفتاحٌ على أصبع، لكلِّ مفتاح كنز. وفي رواية أخرى عنه:
كانت مفاتيح كنوز قارون من جلودٍ، كلُّ مفتاح على خزانة على حِدَة، فإذا ركب
حُملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغرَّ محجَّلاً.
وفي ((البحر)): ذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذبٌ أو يقاربُ الكذبَ، فلم
أکتبه(٢) .
ومما لا مبالغة فيه ما روي عن ابن عباس من أنَّ المفاتح الخزائن، وكانت
خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وكانت أربع مئة ألفٍ، يحملُ كلُّ رجلٍ عشرةَ
آلافٍ. وعليه فأمثالُ قارون في الناس أكثر من خزائنه، ولعل الآية تشير إلى أنَّ(٣)
ما أوتيه فوق ذلك، ولا أظنُّ الأمرَ كما روي عن خيثمة.
وأبْعَدَ أبو مسلم في تفسير الآية فقال: المراد من المفاتح العلم والإحاطة
كما في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمراد: وآتيناه من الكنوز
ما إنَّ حِفْظَها والاطّلاعَ عليها ليَثْقُلُ على العصبة، أي: هذه الكنوز لكثرتها
واختلافِ أصنافها تُتْعِبُ حَفَظتها القائمين على حفظها .
(١) كما في البحر ١٣٢/٧، وعنه نقل المصنف.
(٢) البحر ١٣٢/٧.
(٣) قوله: أن، ساقط من (م).

سُورَةُ القَصَصِ
٢٥٤
الآية : ٧٦
﴿إِذْ قَالَ لَهُ، قَوْمُهُ﴾ قال الزمخشريُّ: هو متعلِّقٌ بـ ((تنوء))(١). وضعِّف بأنَّ إثقال
المفاتحِ العصبةَ ليس مقيَّداً بوقتٍ قولٍ قومه. وقال ابن عطية: بـ ((بغى))(٢). وضعِّف
بنحو ذلك.
وقال أبو البقاء: بـ ((آتينا))، ويجوز أن يكون ظرفاً لمحذوفٍ دلَّ عليه الكلام،
أي: بغى عليهم إذ قال(٣)، وفي كلٍّ منهما ما سبق.
وقال الحوفي: منصوبٌ بـ : اذكر محذوفاً. وجوِّز كونُه متعلِّقاً بما بعده من قوله
تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أُوِتُهُ) والجملة مقرِّرةٌ لبغيه.
ورجح تعلُّقه بمحذوفٍ، والتقدير: أَظْهَر التفاخُرَ والفرح بما أوتي إذ قال له
قومه :
﴿لَا تَفْرَغْ﴾ لا تَبْطَرِ، والفرحُ بالدنيا لذاتها مذمومٌ؛ لأنه نتيجةُ حبِّها والرضا بها
والذهولِ عن ذهابها، فإنَّ العلم بأنَّ ما فيها من اللذة مفارقةٌ لا محالةَ يوجبُ التَّرحَ
حتماً، كما قال أبو الطيب:
أشدُّ الغمِّ عندي في سرورٍ
تيقَّن عنه صاحبُه انتقالا(٤)
وقال ابن شمس الخلافة:
وإذا نَظَرْتَ فإنَّ بؤساً زائلاً للمرء خيرٌ من نعيمٍ زائلٍ(٥)
ولذلك قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] والعربُ تمدحُ
بتَرْكِ الفرح عند إقبال الخير؛ قال الشاعر:
ولست بمفراحٍ إذا الدهر سرَّني ولا جازعٍ من صرفه المتقلِّبِ(٦)
(١) الكشاف ٣/ ١٩٠.
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٩/٤.
(٣) الإملاء ٤/ ١٥٧ .
(٤) ديوان المتنبي ٣٤١/٣، وسلف ٥٧/٢.
(٥) وفيات الأعيان ١/ ٣٦٢، وابن شمس الخلافة هو أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة
أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة مختار الأفضلي، الملقب مجد الملك، الشاعر
المشهور، توفي سنة (٦٢٢هـ).
(٦) البيت لهدبة بن خشرم كما في الكامل ٣/ ١٤٥٥، ومجاز القرآن ١١١/٢، ودون نسبة في

الآية : ٧٧
٢٥٥
سُورَةُ القَصَصِ
وقال آخر:
إنْ تلاقٍ مُنْفِساً لا تَلْقَنا فُرُحَ الخير ولا نَكْبو لضرّ(١)
وعلَّل سبحانه النهي ها هنا بكون الفرح مانعاً من محبته عزَّ وجل، فقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾﴾﴾ فهو دليلٌ إنيٍّ على كون الفرح بالدنيا مذموماً شرعاً،
وإنما قلنا: إنَّ الفرح بها لذاتها مذمومٌ؛ لأنَّ الفرح بها لكونها وسيلةً إلى أمرٍ من
أمور الآخرة غيرُ مذمومٍ.
ومحبة الله تعالى عند كثيرٍ صفةٌ فِعْلٍ، أي: إنه تعالى لا يكرمُ الفَرِحينَ بزخارف
الدنيا، ولا يُنْعِمُ جلَّ شأنُه عليهم ولا يقرِّبُهم عزَّ وجلَّ، والمراد أنه تعالى يبغضهم
ويُھینھم ویُتْعِدُهم عن حضرته سبحانه.
وقال بعضهم: إنَّ في نفي محبته تعالى إياهم تنبيهاً على أنَّ عدم محبته تعالى
كافٍ في الزَّجْرِ عما نَهَى عنه، فما بالك بالبغض والعقاب؟ وهو حسن.
وحكى عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرئ: ((الفارحين))(٢).
﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنكَ اَللَّهُ﴾ من الكنوز والغِنَى ﴿النَّارَ الْآَخِرَةٌ﴾ أي: ثوابَها،
أي: ثوابَ الله تعالى فيها بصَرْفِ ذلك إلى ما يكون وسيلةً إليه. و((في)) إمَّا ظرفيةٌ
على معنى: ابتغ متقلِّباً ومتصرِّفاً فيه، أو سببية على معنى: ابتغ بصَرْفٍ ما آتاك الله
تعالى ذلك. وقرئ: ((اتَّبع))(٣) .
﴿وَلَا تَنسَ﴾ أي: ولا تترك تَرْكَ المنسي ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: حّك
منها، وهو كما أخرج الفريابيُّ وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنْ تعمل فيها
لآخرتك(٤). وروي ذلك عن مجاهد.
= البحر ١٣٢/٧. ووقع في الأصل و(م): إذ الدهر، والمثبت من المصادر.
(١) البحر ١٣٣/٧، والبيت لطرفة، وهو في ديوانه ص٥٤، وصدره فيه برواية:
إن نصادِف منفساً لا تُلْفِنا
(٢) زاد المسير ٦/ ٢٤١، والبحر ١٣٣/٧، وعنه نقل المصنف، وعزاها ابن الجوزي لأبي رجاء
وأبي حيوة وعاصم الجحدري وابن أبي عبلة.
(٣) القراءات الشاذة ص١١٣.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠، وعزاه للفريابي السيوطي في الدر ١٣٧/٥.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٥٦
الآية : ٧٧
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: هو أن تأخذ من الدنيا ما أحلَّ الله تعالى
لك(١).
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد ((الزهد)) عن منصور قال: ليس هو عَرَضٌ
من عَرَضِ الدنيا، ولكن («نصيبك)» عمرك، أنْ تقدِّمَ فيه لآخرتك(٢).
وأخرج ابن المنذر وجماعةٌ عن الحسن أنه قال في الآية: قدِّم الفضل وأمسك
ما يبلِّغك(٣).
وقال مالك: هو الأكلُ والشرب بلا سرفٍ.
وقيل: أرادوا بنصيبه من الدنيا الكفنَ كما قال الشاعر:
رداءان تُلْوَى فيهما وحنوطُ (٤)
نصيبُك مما تَجْمعُ الدهرَ كلَّه
وفي نهيهم إياه عن نسيان ذلك حضّ عظيمٌ له على التزوُّد من ماله للآخرة، فإنَّ
مَن يكون نصيبُهُ من دنياه وجميعِ ما يملكه الكفنَ لا ينبغي له تَرْكُ التزوُّد من ماله،
وتقديم ما ينفعه في آخرته.
﴿وَأَحْسِن﴾ إلى عباد الله عزَّ وجلَّ ﴿كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ ﴾ أي: مثلَ إحسانه
تعالى إليك فيما أَنْعمَ به عليك، والتشبيهُ في مطلق الإحسان، أو: لأَجْلِ إحسانه
سبحانه إليك، على أنَّ الكاف للتعليل.
وقيل: المعنى: وأَحْسِنْ بالشكر والطاعة كما أَحْسنَ الله تعالى عليك بالإنعام،
والكافُ عليه أيضاً تحتمل التشبية والتعليل.
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ﴾ نهيٌ عن الاستمرار على ما هو عليه من الظلم
(١) الدر المنثور ٥/ ١٣٧.
(٢) الزهد ص ٢١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠ من طريق منصور عن مجاهد. ومنصور
هو ابن المعتمر.
(٣) الدر المنثور ١٣٧/٥، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٣٠١١/٩.
(٤) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص٢١٧، والمحرر الوجيز ٢٩٩/٤، والبحر ١٣٣/٧،
ورواية الديوان:
نصيبك مما صرت تجمع دائباً
ثويبان من قبـطــةٍ وحنوط

الآية : ٧٨
٢٥٧
سُورَةُ القَصَصِ
®﴾ الكلامُ فيه كالكلام في قوله سبحانه: (إِنَّ
والبغي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ).
وهذه الموعظةُ بأسرها كانت من مؤمني قومه كما هو ظاهرُ الآية. وقيل: إنها
كانت من موسى عليه السلام.
﴿قَالَ﴾ مجيباً لمن نَصَحَه: ﴿إِنَّمَا أُوِيْتُهُ، عَلَى عِلْمٍ عِدِىُّ﴾ كأنه يريد به (١) الردّ على
قولهم: ((كما أحسن الله إليك)) لإنبائه عن أنه تعالى أنعم عليه بتلك الأموال
والذخائر من غير سبب واستحقاقٍ من قِيَله، وحاصلُه دعوى استحقاقِهِ لِمَا أوتيه لِمَا
هو عليه من العلم.
وقوله: ((على علم)) عند أكثر المُعْرِبين في موضع الحال من مرفوعٍ ((أوتيتُه))
قيِّد به العاملُ إشارةً إلى علَّة الإيتاء ووجهِ استحقاقه له، أي: إنما أوَتّيتُه كائناً
على علم. وجوِّز كون ((على)) تعليليةً والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((أوتيتُ)) على
أنه ظرفٌ لغوٌ، كأنه قيل: أوتيتُه لأجْلٍ علم. و((عندي)) في موضع الصفة
لـ ((عِلْم))، والمراد: لعلم مختصِّ بي دونكم. وجوِّز كونُه متعلِّقاً بـ ((أوتيت)»،
ومعناه: في ظنِّي ورأيي، كما في قولك: حُكْمُ كذا الحِلُّ عند أبي حنيفة عليه
الرحمة .
وفي ((الكشاف)) ما هو ظاهرٌ في أنَّ ((عندي)) إذا كان بمعنى: في ظنِّي ورأيي،
كان خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو في ظنِّ ورأيي هكذا(٢)، والجملةُ عليه مستأنفةٌ
تقرِّر أنَّ ما ذكره رأيٌ مستقرٌّ هو عليه، قال في ((الكشف)»: وهذا هو الوجه.
والمراد بهذا العلم قيل: علمُ التوراة، فإنه كان أعلمَ بني إسرائيل بها. وقال
أبو سليمان الداراني: علمُ التجارة ووجوهِ المكاسب. وقال ابن المسيب: علم
الكيمياء، وكان موسى عليه السلام يعلم ذلك، فأفاد يوشع بنَ نون ثلثه، وكالب بن
يوقنا ثلثه، وقارونُ ثلثه، فخدعهما قارونُ حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ
الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً .
(١) قوله: به، ليس في (م).
(٢) الكشاف ٣/ ١٩١.

١
سُوَّةُ القَصَصِ
٢٥٨
الآية : ٧٨
وقيل: علَّم الله تعالى موسى عليه السلام علم الكيمياء، فعلَّمه موسى أخته،
فعلَّمتْه أختُه قارونَ.
وروي عن ابن عباس تخصيصُه بعلم صنعةِ الذهب.
وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن.
وعن ابن زيد: أنَّ المراد بالعلم علمُ الله تعالى، وأنَّ المعنى: أوتيتُه على علم
من الله تعالى وتخصيصٍ من لدنه سبحانه قَصَدَني به، و((عندي)) عليه بمعنى: في
ظني ورأيي.
وقيل: العلم بمعنى المعلوم، مِثْله في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ
عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وإلى ذلك يشير ما روي عن مقاتل أنه قال: أي: على خير
عَلِمَه الله تعالى عندي.
وتفسيرُه بعلم الكيمياء شائعٌ فيما بين أهلها، وفي ((مجمع البيان)) حكايتُه عن
الكلبي أيضاً (١)، وأنكره الزجَّاج وقال: إنه لا يصحُّ؛ لأن علم الكيمياء باطلٌ
لا حقيقةً له(٢). وتعقبه الطيبيُّ بأنه لعله كان من قبيل المعجز(٣). وتعقّب بأنه ليس
بسدیدٍ، وإلا لما تمگّن قارون منه.
وإنكارُ الكيمياء - وهو لفظً يونانيٌّ معناه الحيلة، أو عبرانيٌّ وأصله کیم یه،
بمعنى أنه من الله تعالى، أو فارسيٍّ وأصله كي ميا بمعنى: متى يجيء، على سبيل
الاستبعاد، غلب على تحصيل النقدين بطريق مخصوص - مما لم يختصَّ بالزجَّاج،
بل أنكرها جماعةٌ أجلَّة وقالوا بعدم إمكانها، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك، وإذا
أردت نبذةً من الكلام في ذلك فاستمع لِمَا يُتْلَى عليك:
ذكر بعض المحقّقين أنَّ مَبْنَى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال
المعادن السبعة المنطرقة، وهي: الذهب والفضة والرصاص والقصدير(٤) والنحاس
(١) مجمع البيان ٣٢٤/٢٠.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٤ .
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وفيه: المعجزة، بدل: المعجز.
(٤) في (م): والقزدير.

الآية : ٧٨
٢٥٩
سُورَةُ القَصَصِ
والحديد والخارصين(١)، هل هي مختلفاتٌ بالفصول فيكون كلٌّ منها نوعاً غيرَ
النوع الآخر، أو هي مختلفاتٌ بالخواصِّ والكيفيات فقط، فتكون كلُّها أصنافاً
النوعٍ واحدٍ، فالذي ذهب إليه المعلِّم أبو نصر الفارابيُّ وتابعه عليه حكماءُ
الأندلس أنها نوعٌ واحدٌ، وأنَّ اختلافها بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللِّين
والصلابة والألوان نحو الصفرة والبياض والسواد، وهي كلّها أصنافٌ لذلك النوع
الواحد، وبَنَّى على ذلك إمكانَ انقلابٍ بعضها إلى بعضٍ بتبدُّل الأعراض بفعل
الطبيعة أو بالصنعة.
وقد حَكَى أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجه(٢) في بعض تصانيفه عن
المعلِّم المذكور أنه قال: قد بيَّن أرسطو في كتبه في المعادن أنَّ صناعة الكيمياء
داخلةٌ تحت الإمكان، إلا أنها من الممكن الذي يعسُر وجوده بالفعل، اللهمَّ إلا أنْ
يَتَّفْقَ قرائنُ يَسْهِلُ بها الوجود، وذلك أنه فحص عنها أوَّلاً على طريق الجدل فأثبتها
بقياسٍ وٍأبطلها بقياسٍ، على عادته فيما يَكْثُر عنادُه من الأوضاع، ثم أثبتها أخيراً
بقياسٍ ألَّفه من مقدِّمتين بيَّنهما في أول الكتاب:
الأُولى: أنَّ الفلزَّات واحدةٌ بالنوع، والاختلافُ الذي بينها ليس في ماهياتها
وإنما هو في أعراضها، فبعضُه في أعراضها الذاتيةِ، وبعضُه في أعراضها العَرَضية.
والثانية: أنَّ كلَّ شيئين تحت نوعٍ واحدٍ اختلفا بعَرَضٍ فإنه يمكنُ انتقالُ كلِّ
منهما إلى الآخر، فإن كان العَرَضُ ذاتيًّا عَسُرَ الانتقال، وإن كان مفارقاً سَهُلَ
الانتقال، والعُسْرُ في هذه الصناعة إنما هو لاختلافِ أكثرِ هذه الجواهر في
أعراضها الذاتية، ويُشْبِه أن يكون الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسيراً
جدّاً . اهـ.
والذي ذهب إليه الشيخ أبو علي بنُ سينا وتابعه عليه حكماءُ المشرق أنها
مختلفةٌ بالفصول، وأنها أنواعٌ متباينةٌ، وبنى على ذلك إنكارَ هذه الصناعة واستحالةً
(١) في الأصل و(م): والخارصيني، والمثبت من مقدمة ابن خلدون ٢/ ٦٨٥، والكلام منه.
والخارصين: التوتياء. معجم متن اللغة (توت) و(خرص).
(٢) هو محمد بن باجه التُّجِيبيُّ الأندلسي السَّرَقُسْطي، الفيلسوف الشاعر، توفي سنة (٥٣٣هـ)،
وقيل غير ذلك. وفيات الأعيان ٤٢٩/٤.

سِوَرَةُ القَصَصْ
٢٦٠
الآية : ٧٨
وجودها؛ لأنَّ الفصل لا سبيل بالصناعة إليه، وإنما يخلقه خالقُ الأشياء ومقدِّرُها،
وهو الله عزَّ وجلَّ، وهذا ما حكاه ابن خلدون عنه(١).
وقال الإمام في ((المباحث المشرقية))(٢) في الفصل الثامن من القسم الرابع
منها: الشيخ سلَّم إمكانَ أن يُصْبِغَ النحاسُ بصبغ الفضة والفضةُ بصبغ الذهب،
وأن يزال عن الرصاص أكثرُ ما فيه من النقص، فأما أن يكون الفصل المنوَُّ
يُسلَبُ أو يُكسى، قال: فلم يظهر لي إمكانُه بعد؛ إذ هذه الأمور المحسوسةُ تُشْبِهُ
أن لا تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجساد أنواعاً، بل هي أعراضٌ
ولوازمُ، وفصولُها مجهولةٌ، وإذا كان الشيءُ مجهولاً كيف يمكن قَصْدُ إيجاده
وإفنائه. اهـ.
وغلَّطه الظُغْرائيُّ(٣) وهو من أكابر أهل هذه الصناعة، وله فيها عدةُ كتبٍ، وردّ
عليه بأنَّ التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه، وإنما هو في إعداد المادة
لقبوله(٤) خاصةً، والفصلُ يأتي من بعد الإعداد من لَدُنْ خالقه وبارئه جلَّ شأنُه
وعَظُمَتْ قدرتُه، كما يُفيضُ سبحانه النورَ على الأجسام بالصقل، ولا حاجة بنا في
ذلك إلى تصوُّره ومعرفته، وإذا كنّا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات، مثل
العقرب من التراب والتبن، والحيةِ من الشعر، وغير ذلك، فما المانعُ من العثور
على مثل ذلك في المعادن، وهذا كلُّه بالصناعة، وهي إنما موضوعُها المادةُ،
فيُعِدُّها التدبير والعلاج إلى قبول تلك الفصول لا أكثر، فنحن نحاول مثلَ ذلك في
الذهب والفضة، فنتَّخذُ مادةً نُضيفُها(٥) للتدبير بعد أن يكون فيها استعدادٌ أولُ لقبول
(١) في مقدمته ٦٨٥/٢ .
(٢) المباحث المشرقية في العلم الإلهي والطبيعي، للإمام فخر الدين الرازي. كشف الظنون
١٥٧٧/٢.
(٣) مؤيد الدين، أبو إسماعيل، الحسين بن علي بن محمد الأصبهاني، من كتبه: تراكيب
الأنوار في الكيمياء، وحقائق الاستشهادات في الكيمياء، ومفاتيح الرحمة ومصابيح
الحكمة، مات مقتولاً سنة (٥١٤هـ). سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٥٤، وكشف الظنون ٣٩٤/١
و٦٧٢، و١٧٥٥/٢. ونقل المصنف كلامه عن مقدمة ابن خلدون ٦٨٥/٢.
(٤) في الأصل و(م): لقبول، والمثبت من مقدمة ابن خلدون.
(٥) في الأصل: نضعها، وفي (م): نصفها، والمثبت من مقدمة ابن خلدون.