Indexed OCR Text

Pages 201-220

الآية : ٤٥
٢٠١
سُوَرَةُ القَصَصِ
وقيل وهو مختار أبي حيان: إنَّ المعنى: وما كنتَ من الشاهدين بجميع
ما أعلمناك به، فهو نفيٌ لشهادته عليه الصلاة والسلام جميعَ ما جرى لموسى عليه
السلام، فكان عموماً بعد خصوص(١).
وقيل: المراد: وما كنتَ من الشاهدين ذلك الزمان، فيكون نفياً لحضوره
ومشاهدته ذلك الزمان أعمّ من أن يكون بجانب الغربي أو بغيره، وحاصلُه نفيُ
الوجود العينيِّ إذ ذاك، فيكون ترقِّياً في النفي.
وقيل: المراد: وما كنتَ إذ ذاك منتظماً في سلك مَن يَّصفُ بالشهادة، وهم
الموجودون بالوجود العينيّ أينما كانوا، ومآلَه كمآل ما قبله وإن اختلفا في طريق
الإرادة، وتعيُّن كون الشهادة فيما قبله بمعنى الحضور، ولعل ما قبله أظهرُ منه، بل
إذا ادَّعى مدَّعِ كونَه أظهر من جميع ما قيل لم يَبْعُدْ.
هذا ولا يخفى عليك حالُ تلك الأقوال وما فيها من القيل والقال، وفي القلب
من صحة نسبةٍ ما روي عن ابن عباس ◌ًّا إليه ما قيه، فتدبّر جميع ذاك، والله تعالى
يتولَّى هداك.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: ولكنَّا خَلَقْنا بين زمانِكَ وزمانِ موسى قروناً كثيرةً
﴿فَطَاوَلَ عَلَيهِمُ الْعُمُرُ﴾ وتمادى الأمدُ، فتغيّرت الشرائعُ والأحكام، وعَمِيَتْ عليهم
الأنباء، لاسيما على آخرهم الذين أنت فيهم، فاقتضت الحكمةُ التشريعَ الجديد
وقصَّ الأنباء على ما هي عليه، فأوحينا إليك وقصصنا الأنباء عليك، فحذف
المستدرك - أعني: أوحينا - اكتفاءً بذكر ما يوجبه ويدلُّ عليه من إنشاء القرون
وتطاوُلِ الأمد، وخلاصةُ المعنى: لم تكن حاضراً لتَعْلَم ذلك، ولكن عَلِمْتَه
بالوحي، والسببُ فيه تطاوُلُ الزمن حتى تغيَّرت الشرائعُ وعَمِيَتِ الأنباء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَارِيًّا﴾ أي: مقيماً ﴿فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهم شعيبٌ
عليه السلام والمؤمنون، نفيٌّ لاحتمالِ كونِ معرفته وَّهِ لبعضٍ ما تقدَّم من القصة
بالسماع ممن شاهد ذلك.
(١) البحر ٧/ ١٢٢.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٠٢
الآية : ٤٦
وقولُه سبحانه: ﴿تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: تقرأ على أهل مدين بطريق التعلُّم منهم
كما يقرأ المتعلِّم الدرسَ على معلِّمه ﴿مَايَتِنَا﴾ الناطقةَ بما كان لموسى عليه السلام
بينهم وبما كان لهم معه، إمَّا حالٌ من المستكنِّ في ((ثاوياً))، أو خبرٌ ثانٍ لـ ((كنت)).
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾﴾ لك ومُؤْحِينَ إليك تلك الآيات ونظائرَها،
والاستدراكُ كالاستدراك السابق، إلَّا أنه لا حَذْفَ فيه.
﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي: وقتَ ندائنا موسى: ((إنِّي أنا الله ربُّ
العالمين))، واستنبائنا إياه، وإرسالِنا له إلى فرعون.
﴿وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّكَ﴾ أي: ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذُكر وغيرِهِ
لرحمةٍ كائنةٍ منَّا لك وللناس. وقيل: أي: علَّمناك رحمةً، ولعل الرحمة عليه مفعولٌ
ثانٍ لعلَّم والمراد بها القرآن، وليست مفعولاً له والمفعولُ الثاني ما ذكر من القصة؛
لِمَا ستعرفُه قريباً إن شاء الله تعالى. وأمَّا جَعْلُها منصوبةً على المصدرية لفعلٍ
محذوفٍ فحالُه غنيٌّ عن البيان.
والالتفاتُ إلى اسم الربِّ للإشعار بأنَّ ذلك من آثار الربوبية، وتشريفِه عليه
الصلاة والسلام بالإضافة، وقد اكتفى ها هنا عن ذكر المستدرَكِ بذكر ما يوجبه من
جهته تعالى كما اكتفى في الأول بذكر ما يوجبه من جهة الناس، وصرَّح به
فيما بينهما تنصيصاً على ما هو المقصودُ، وإشعاراً بأنه المرادُ فيهما أيضاً، ولله
تعالی دُ شأنِ التنزيل.
وقوله سبحانه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ متعلِّقٌ بالفعل المعلَّل بالرحمة، وهو يستدعي
أن يكون الإرسال بالقرآن أو ما في معناه كتعليم القرآن، دون تعليم ما ذكر من
القصة، إذ لا يظهر حُسْنُ تعليله بالإنذار. وجوِّز أن يتعلَّق بالمستدرَكات الثلاث
على التنازع.
وقرأ عيسى وأبو حيوة: ((رحمةٌ)) بالرفع(١) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ،
والتقدير: ولكنْ هو، أو هذا، أو هي، أو هذه، رحمةٌ، والضمير أو الإشارة قيل:
للإرسال المفهوم من الكلام، والتذكيرُ والتأنيثُ باعتبار المرجع والخبر، والخلافُ
(١) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٣/٧ .

الآية : ٤٦
٢٠٣
سُوَّةُ القَصَصِ
في الأولى مشهور. وجوَّز أبو حيان أن يكون التقدير: ولكن أنت رحمةٌ(١).
و ((لتنذر)) على هذه القراءة متعلِّقٌ بما هو صفةٌ لـ ((رحمة)).
وقولُه جلَّ وعلا: ﴿مّآ أَنْنَهُم مِّنِ تَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ صفةٌ لـ ((قوماً))، و((من))
الأولى مزيدةٌ للتأكيد.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: يتَّعظون بإنذارك، تعليلٌ للإنذار على
القول بأنَّ ((لعل)) للتعليل، وأمَّا على القول بأنها الترجِّي حقيقةً أو مجازاً، فقيل: هو
في موضع الصفة بتقدير القول، أي: لتنذر قوماً مقولاً فيهم: لعلهم يتذكرون.
والمرادُ بهؤلاء القوم قيل: العرب، وظاهر الآية أنهم لم يُبعث إليهم رسولٌ قبل
نبيِّنا وِ﴿ أصلاً، وليس بمرادٍ؛ للاتِّفاق على أنَّ إسماعيل عليه السلام كان مرسلاً
إليهم، وكأنه لتطاول الأمد بين بعثته عليه السلام وبعثةٍ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام،
إذ بينهما أكثرُ من ألفي سنةٍ (٢) بكثيرٍ، واندراسٍ شرعه، وعدمٍ وقوفِ الأكثرين في
أغلب هذه المدة على حقيقته = قيل ذلك.
وقيل: إنَّ ذلك لِمَا صرَّحوا به من أنَّ حُكْم بعثةِ إسماعيل عليه السلام قد انقطع
بموته، وأنه لم يرسَل إليهم بعده نبيٍّ سوى النبيِّ وَِّ؛ قال العلامة ابنُ حجر في
((المنح المكية)): من المقرَّر أنَّ العرب لم يُرسَلْ إليهم رسولٌ بعد إسماعيل عليه
الصلاة والسلام، وأنَّ إسماعيل انتهت رسالته بموته. وادَّعى قبيل هذا الاتِّفاقَ على
أنَّ إبراهيم عليه السلام ومَن بعده - أي: سوى إسماعيل عليه السلام - لم يُرْسَلوا
للعرب، ورسالةُ إسماعيل إليهم انتهت بموته. اهـ. فكأنه لقلّة لبث إسماعيل عليه
السلام فيهم، وانقطاعٍ حُكْمٍ رسالته بعد وفاته فيما بينهم، وبقائهم الأمدَ الطويلَ
بغير رسولٍ مبعوثٍ فيهَمَ، نُفي إتيانُ النذير إياهم من قَبْلِهِ وَّةٍ .
وذكر العلّامة ابن حجر في ((المنح)) أيضاً ما يفيد أنَّ كلَّ رسولٍ ممن عدا
نبينا وَّل﴿ تنقطعُ رسالتُه بموته، وليس ذلك خاصًّا بإسماعيل عليه السلام.
(١) البحر ١٢٣/٧.
(٢) جاء في حاشية (م): قوله: أكثر من ألفي سنة .. إلخ، في الحاوي للسيوطي ما يدل على أن
بينهما نحواً من ثلاثة آلاف سنة. اهـ منه.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٠٤
الآية : ٤٦
ويُفْهَمُ من كلام العز بن عبد السلام في ((أماليه)) أنَّ هذا الانقطاعَ ليس على
إطلاقه، فقد قال: فائدة: كلُّ نبيِّ إنما أُرسل إلى قومه إلا سيدنا محمداً بَّر، فعلى
هذا يكون ما عدا قومَ كلِّ نبيٍّ من أهل الفترة، إلا ذرية النبيِّ السابق عليه، فإنهم
مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرسَ شريعةُ السابق فيصير الكلُّ من أهل الفترة. اهـ.
وهو وكذا ما نقلناه عن العلّامة ابن حجر عندي الآن على أعراف الردِّ
والقبول، ولعل الله تعالى يشرحُ صدري بعدُ لتحقيق الحقِّ في ذلك.
وقيل: إنَّ موسى وعيسى عليهما السلام كما أُرسلا لبني إسرائيل أُرسلا للعرب،
فالمراد بنفي هذا الإتيان الفترةُ التي بين عيسى ونبيِّنا عليهما الصلاة والسلام،
صُّه ستُّ مئة سنة(١)، وفي كثيرٍ
وزمنُها على ما روى البخاريُّ عن سلمان الفارسيِّ
من الكتب أنه خمسُ مئةٍ وخمسون سنة.
ونفيُّ إتيان نبيٍّ بين زماني إتيانِ نبيِّنا وإتيان عيسى عليهما الصلاة والسلام هو
ما صحَّحه جمعٌ من العلماء لحديثِ: ((لا نبيَّ بيني وبين عيسى))(٢). وقال بعضهم:
إنَّ بينهما أربعةً أنبياء؛ ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب، وهو خالد بن
سنان(٣). وقيل غير ذلك.
واختار البعضُ أنَّ المراد بهؤلاء القوم العربُ المعاصرون له وَّر؛ إذ هم الذين
يُتصوَّر إنذارُه عليه الصلاة والسلام إياهم دون أسلافهم الماضين، ولعله الأظهر.
وعدمُ إتيان نذيرٍ إياهم من قَبْلِهِ بَّرِ ـ على القول بانتهاءِ حُكْم رسالة الرسول سوى
نبيِّنا عليه الصلاة والسلام بموته - ظاهرٌ.
وأمَّا إذا قيل بعدم انتهائه بذلك، وبقائه حكماً لرسالة الرسول يجب على مَن عَلِمَه
من ذراري المرسَلِ إليهم الأخذُ به من حيث إنه حكمٌ من أحكام ذلك الرسول إلى أن
یأتي رسولٌ آخرُ فیؤخذ به من حیث إنه حکمٌ من أحكامه، أو على الوجه الذي يأمر به
فيه من النسبة إليه، أو من نسبته(٤) إلى مَن قبله، أو يترك إن جاء الثاني ناسخاً
(١) صحيح البخاري (٣٩٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥) وسلف ١٢٨/٧.
(٣) ينظر ما سلف ١٢٧/٧-١٢٨، وما سيأتي عند تفسير الآية (٣) من سورة السجدة.
(٤) في الأصل: النسبة.

الآية : ٤٦
٢٠٥
سُوَّةُ القَصَصِ
له = فالمرادُ بعدم إتيان النذير إياهم عدمُ وصول ما أتى به على الحقيقة إليهم.
ولا يمكن أن يراد بهؤلاء القوم العربُ مطلقاً، ويقال بأنهم لم يُرْسَلْ إليهم قبل
رسول الله وَله أحدٌ أصلاً؛ لظهور بطلانه ومنافاته لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ
فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] والعربُ أعظمُ أمةٍ، وكذا لقوله تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنْذِرَ
ءَبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] بناءً على أنَّ ((ما)) فيه ليست نافيةً، وهو على القول بأنَّ ((ما)) فيه
نافيةٌ مؤوَّلٌ بحَمْلِ الآباء على الآباء الأقربين، ولا يكاد يجوز في ((ما)) ها هنا ماجاز
فيها من الاحتمال في آية ((يس))، بل المتعيّنُ فيها النفيُ ليس غير، وتكلُّفُ غيره
مما لا ينبغي في كتاب الله تعالى.
والنذير بمعنى المنذر، واحتمالُ كونه مصدراً بمعنى الإنذار مما لا ينبغي أن
يُلتفت إليه.
وتغييرُ الترتيب الوقوعيِّ بين قضاء الأمر بمعنى إحكام أمرٍ نبوّةٍ موسى عليه
السلام بالوحي وإيتاءِ التوراة، وثوائه عليه السلام في أهل مدين المشارِ إليه بقوله
تعالى: (وَمَا كُنتَ ثَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ)، والنداءِ = للتنبيه على أنَّ كلَّا من ذلك
برهانٌ مستقلٌّ على أنَّ حكايته عليه الصلاة والسلام للقصة بطريق الوحي الإلهيّ.
ولو رُوعيّ الترتيبُ الوقوعيُّ، ونُفي أولاً الثواءُ في أهل مدين، ونُفيَ ثانياً الحضورُ
عند النداء، ونُفي ثالثاً الحضورُ عند قضاء الأمر، لربما تُوهِّم أنَّ الكلَّ دليلٌ واحدٌ
على ما ذكر كما مرَّ في قصةِ البقرة.
ومن الناس مَن فسَّر قضاء الأمر بالاستنباء، والنداءَ بالنداء لأخذ التوراة بقوله
تعالى: ﴿نُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّمْ﴾ [مريم: ١٢] رعايةً للترتيب الوقوعيِّ بينهما.
وتعقّب بأنه يفوتُ عليه التنبيهُ المذكورُ، مع أنه بهذا القَدْرِ لا يرتفعُ تغيير
الترتيب الوقوعيِّ بالكلِّية بين المتعاطفات؛ لأنَّ الثواء في أهل مدين متقدِّمٌ على
القضاء والنداء في الواقع، وقد وسِّط في النظم الكريم بينهما، وأيضاً ما تقدَّم من
تفسير كلٍّ من القضاء والنداء بما فسّر أنسبُ بما يلي كلَّا من الاستدراك.
ومما يُستغربُ أنَّ بعضَ مَن فسَّر ما ذُكر بما يوافقُ الترتيبَ الوقوعِيَّ فسَّر
((الشاهدين)) بالسبعين المختارين للميقات، ولا يكاد يتسنَّى ذلك عليه؛ لأنهم

سُؤَدَةُ القَصَصِ
٢٠٦
الآية : ٤٦
إنما كانوا مع موسى عليه السلام لمَّا أُعطي التوراة، فكان عليه أن يفسِّره بغير ذلك،
وقد تقدَّم لك عدةٌ تفاسير لا يأبى شيءٌ منها تفسيرَه ما ذُكر بما يوافقُ الترتيبَ
الوقوعيَّ، وجوِّز على التفسير بما يوافقُ كونَ المراد بالشاهدين الملائكةَ عليهم
السلام الذين كانوا حول النار، فإنَّ الآثار ناطقةٌ بحضورهم حولها عندما أتاها موسى
عليه السلام، وكذا قولُه تعالى: ﴿أَنَّ بُرِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] في قول.
هذا وفي الآيات تفسيراتٌ أُخَرُ، فقال الفرَّاء(١) في قوله تعالى: (وَمَا كُنتَ
ثَارِيًا) إلخ، أي: وما كنتَ مقيماً في أهل مدين مع موسى عليه السلام، فتراه
وتسمع كلامه، وها أنت تتلو عليهم - أي: على أمتك - آياتِنا، فهو منقطعٌ. اهـ.
ونحوُهُ ما روي عن مقاتلٍ فيه، وهو أنَّ المعنى: لم تَشْهَدْ أهلَ مدين فتقرأ على
أهل مكةَ خبرهم، ولكنَّا أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا إليك هذه الأخبار،
ولولا ذلك ما علمتَ.
وقال الضحاك: يقول سبحانه: إنك يا محمدُ لم تكن الرسولَ إلى أهل مدين
تتلو عليهم آياتِ الكتاب، وإنما كان غيرُك، ولكنَّا كَّا مرسلين في كلِّ زمانٍ رسولاً،
فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً، وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء. اهـ.
ولا يخفى أنَّ ما قدَّمنا أولى بالاعتبار.
وذهب جمعٌ إلى أنَّ النداء في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا) كان نداءً
فيما يتعلَّق بهذه الأمة المحمدية على نبيِّها أفضلُ الصلاة وأكملُ التحية، وذكروا عدَّة آثارٍ
تدلُّ على ذلك. أخرج الفريابيُّ والنسائيُّ وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه،
وابنُ مردويه، وأبو نعيم والبيهقيُّ معاً في ((الدلائل)) عن أبي هريرة قال في ذلك:
نودوا: يا أمَّة محمدٍ أعطيتُكم قبل أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبل أن تدعوني(٢).
(١) كما في البحر ١٢٢/٧، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء.
(٢) سنن النسائي الكبرى (١١٣١٨)، وتفسير الطبري ٢٦٢/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٣،
والمستدرك ٤٠٨/٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٨١/١، وعزاه للفريابي وابن مردويه
وأبي نعيم السيوطيُّ في الدر ١٢٩/٥، وعنه نقل المصنف، وهو من طريق أبي زرعة بن
عمرو عن أبي هريرة. وأخرجه الطبري ٢٦٢/١٨ عن أبي زرعة قوله؛ قال الدارقطني في
العلل ٢٩١/٨: وهو أصح.

الآية : ٤٦
٢٠٧
سُورَةُ القَصَصِ
وأخرجه ابن مردويه من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة مرفوعاً (١).
وأخرج هو أيضاً، وأبو نعيم في ((الدلائل))، وأبو نصر السجزيُّ في ((الإبانة))،
والديلميُّ، عن عمرو بن عبسة (٢) قال: سألتُ النبيَّ وَّر عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ
◌ِجَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾: ما كان النداء، وما كانت الرحمة؟
قال: ((كتابٌ كتبه الله تعالى قبل أن يخلق خَلْقَه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه،
ثم نادى: يا أمةَ محمد، سَبَقَتْ رحمتي غضبي، أعطيتُكم قبل أن تسألوني، وغفرتُ
لكم قبل أن تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ وأنَّ محمداً عبدي
ورسولي صادقاً أدخلتُه الجنة)).
وأخرج الختليُّ(٣) في ((الديباج)) عن سهل بن سعد الساعديِّ مرفوعاً مثلَه.
وأخرج ابن مردويه(٤) عن ابن عباس عن النبيِّ ◌َّر قال: ((لمَّا قَرَّب الله تعالى
موسى إلى طور سيناء نجيًّا قال: أي ربِّ، هل أجدُ أكرمَ عليك منِّي؛ قرَّبْتَني نجيًّا،
وكلَّمتني تكليماً؟ قال: نعم، محمدٌ عليه الصلاة والسلام أكرمُ عليَّ منك. قال: فإن
كان محمدٌ وَّ﴿ أكرمَ عليك منِّي، فهل أمةُ محمدٍ أكرمُ من بني إسرائيل؛ فَلَقْتَ البحر
لهم، وأنجيتهم من فرعون وعملِه، وأطعمتَهم المنَّ والسلوى؟ قال: نعم، أمةٌ
محمدٍ عليه الصلاة والسلام أكرمُ عليَّ من بني إسرائيل. قال: إلهي أَرِنيهم. قال:
إنَّك لن تراهم، وإن شئتَ أسمعتُكَ صوتَهم. قال: نعم إلهي. فنادى ربُّنا أمةً
محمدٍ بَّ: أجيبوا ربَّكم. قال: فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم
إلى يوم القيامة، فقالوا: لبيك، أنت ربُّنا حقًّا، ونحن عبيدُك حقًّا. قال: صَدقتُم أنا
ربُّكم حقًّا وأنتم عبيدي حقًّا، قد عفوتُ عنكم قبل أن تدعوني، وأعطيتُكم قبل أن
(١) الدر المنثور ١٢٩/٥، وأخرجه مرفوعاً أيضاً القزويني في تاريخ قزوين ٣٥٣/٢،
والجرجاني في تاريخ جرجان ص٢٧٧ .
(٢) في الأصل: عينية، وفي (م): عيينة، والمثبت من الدر المنثور ١٢٩/٣، وعنه نقل
المصنف.
(٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن سُنّيْن، المتوفى سنة (٢٨٣هـ)، قال الحاكم: ليس بالقوي. وقال
مرة: ضعيف. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. سمع من علي بن الجعد وأبي نصر التمار
وهشام بن عمار وطبقتهم. الميزان ١/ ١٨٠ .
(٤) كما في الدر المنثور ١٢٩/٥ - ١٣٠.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٠٨
الآية : ٤٧
تسألوني، فمن لقيني منكم بشهادةٍ أنْ لا إله إلا الله دخل الجنة)) قال ابن عباس:
فلمَّا بعث الله تعالى محمداً وَ﴿ أراد أن يمنَّ عليه بما أعطاه وبما أعطى أمته،
فقال: يا محمد (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الُْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا).
واستشكل ذلك بأنه معنًى لا يناسبُ المقام، ولا تكادُ ترتبطُ الآيات عليه.
ولا بدَّ لصحة هذه الأخبار من دلیلٍ، وتصحیحُ الحاکم لا یخفی حاله.
وقال بعض: يمكن أن يقال على تقدير صحة الأخبار: إنَّ المراد: وما كنتَ
حاضراً مع موسى عليه السلام بجانب الطور لتقف على أحواله فتخبرَ بها الناس،
ولكن أرسلناك بالقرآن الناطقِ بذلك وبغيره رحمةً منَّا لك وللناس، والتوقيتُ بنداء
أمته ليس لكون المخبر به ما كان من ذلك بل لإدخال المسرَّةِ عليه عليه الصلاة
والسلام فيما يعود إليه وإلى أمته، وفيه تسليةٌ له وَلِّ مما يكون من أمة الدعوة من
الكفر به عليه الصلاة والسلام والإباءِ عن شريعته، وتلويحٌ مّا إلى مضمون ﴿فَإِن
يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] وحينئذٍ ترتبطُ الآياتُ
بعضُها ببعضٍ ارتباطاً ظاهراً، فتأمل.
﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ﴾ أي: عقوبةٌ، وهي على ما نُقل عن أبي مسلم
عذابُ الدنيا والآخرة. وقيل: عذابُ الاستئصال.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما اقترفوا من الكفر والمعاصي، ويعبّر عن كلِّ
الأعمال وإن لم تَصْدُرْ عن الأيدي باجتراحِ الأيدي وتقديمِ الأيدي، لِمَا أنَّ أكثر
الأعمال تُزاوَلُ بها .
﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ أي: هلَّا أرسلْتَ إلينا رسولاً مؤيّداً من عندك
بالآيات ﴿فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ﴾ الظاهرةَ على يده ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ بما جاء به.
و(لولا)) الثانيةُ تحضيضيةٌ كما أشرنا إليه، وقوله تعالى: (فَنَّيِّعَ) جوابُها، ولكون
التحضيض طلباً كالأمر أُجيبت على نحو ما يجاب، وأما الأولى فامتناعيةٌ،
وجوابُها محذوفٌ ثقةً بدلالةِ الحال عليه، والتقديرُ: لمَا أرسلناك. والفاء في
((فيقولوا)) عاطفةٌ ليقول على ((تصيبهم))، والمقصودُ بالسببية لانتفاء الجواب والركنِ
الأصيل فيها قولُهم ذلك إذا أصابتهم مصيبة، فالمعنى: لولا قولُهم إذا عوقبوا

الآية : ٤٧
٢٠٩
سُورَةُ القَصَصِ
بما اقترفوا: هلَا أرسلتَ إلينا رسولاً فنتَّبعَه ونكونَ من المؤمنين، لمَا أرسلناك
إليهم. وحاصلُه سببيةُ القول المذكور لإرساله ◌َّه إليهم قطعاً لمعاذيرهم بالكلِّية،
ولكنَّ العقوبة لمَّا كانت هي السببَ للقول وكان وجودُه بوجودها جُعِلَتْ كأنها سببُ
الإرسال بواسطة القول، فأُدخلت عليها ((لولا)) وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء
المُعْطيةِ معنى السببية، ونكتةُ إيثارِ هذا الأسلوب وعدم جَعْلِ العقوبة قيداً مجرَّداً
أنهم لو لم يعاقَبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما أُلْجِئُوا به إلى العلم اليقين لم
يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقابُ لا غير،
لا التأسُّفُ على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وفي هذا من الشهادة القوية على
استحكام كفرهم ورسوخِه فيهم ما لا يخفى، كقوله تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ
عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] هذا ما أراده صاحب ((الكشاف)) (١)، وليس في الكلام عليه تقديرُ
مضافٍ كما هو الظاهر.
وذهب بعضهم إلى أنَّ الكلام على تقديرٍ مضافٍ، أي: كراهةٌ أن
تصيبهم .. إلخ، فالسببُ للإرسال إنما هو كراهةُ ذلك؛ لِمَا فيه من إلزام الحجة،
والله تعالى الحجةُ البالغة، وهذه الكراهةُ مما لا ريب في تحقُّقها الذي تقتضيه
(لولا))، ودَفَعوا بهذا التقديرِ لزومَ تحقَّقِ الإصابة والقولِ المذكور وانتفاءَ عدم
الإرسال، كما هو مقتضى ((لولا))، وفي ذلك ما فيه.
وقال ابن المنير: التحقيقُ عندي أنَّ (لولا)) ليست كما قال النحاة تدلُّ على أنَّ
ما بعدها موجودٌ أو أنَّ جوابها ممتنعٌ، والتحرير في معناها أنها تدلُّ على أنَّ
ما بعدها مانعٌ من جوابها، عَكْس ((لو))، ثم المانعُ قد يكون موجوداً وقد يكون
مفروضاً، وما في الآية من الثاني فلا إشكالَ فيها(٢).
واستُدلَّ بالآية على أنَّ قول مَن لم يُرْسَلْ إليه رسولٌ إن عذِّب: ربِّي لولا أرسلتَ
إليَّ رسولاً، مما يَصْلُحُ للاحتجاج، وإلَّا لَما صلح لأنْ يكون سبباً للإرسال، وفي
ذلك دلالةٌ على أنَّ العقل لا يغني عن الرسول، والبحثُ في ذلك شهيرٌ، والكلامُ
فيه كثير.
(١) ٣/ ١٨١، والكلام السابق منه.
(٢) الانتصاف مع الكشاف ١٨٣/٣.

سُورَةُ القَصَصِ
٢١٠
الآية : ٤٨
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾ أي: أولئك القوم، والمرادُ بهم هنا أهلُ مكةَ الموجودون عند
البعثة، وضمائرُ الجمع الآتيةُ كلُّها راجعةٌ إليهم ﴿اَلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾ أي: الأمرُ الحقُّ،
وهو القرآنُ المنزلُ عليه عليه الصلاة والسلام ﴿قَالُواْ﴾ تعتُّتاً واقتراحاً: ﴿لَوْلَا أُوِىَ﴾
يَعْنُونَه عليه الصلاة والسلام ﴿مِثْلَ مَآ أُوتِى مُوسَىَ﴾ عليه السلام من الكتاب المنزل
جملةً .
وقولُه تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوْنِيَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ ردٌّ عليهم، وإظهارٌ لكونِ
ما قالوه تعثُّتاً محضاً لا طلباً لِمَا يرشدُهم إلى الحق. و((من قبل)) متعلِّقٌ بـ ((يكفروا))،
وتعلُّقُه بـ (أوتي)) لا يظهر له وجهٌ لائحٌ؛ إذ هو تقييدٌ بلا فائدةٍ؛ لأنه معلومٌ أنَّ
ما أوتي موسى عليه السلام من قبلِ محمدٍ بَّه أو من قبل هؤلاء الكفرة، نعم أمرُ
الردِّ عليه على حاله، أي: ألم يكفروا من قبل هذا القول بما أوتي موسى عليه
السلام كما كفروا بهذا الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير كفرهم المستفادِ من الإنكار
السابق، وبيانٍ كيفيته. وقوله تعالى: ﴿سِحْرَانِ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي:
هما - يَعْنون: ما أوتي نبيُّنا وما أوتي موسى عليهما الصلاة والسلام - سحران
﴿َتَظَهَرَا﴾ أي: تَعاونًا بتصديق كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ وتأييدِه إياه، وذلك أنَّ أهل
مكة بعثوا رهطاً منهم إلى رؤساء اليهود في عيدٍ لهم، فسألوهم عن شأنه عليه
الصلاة والسلام، فقالوا: إنَّا نجدُه في التوراة بنعته وصِفَتهِ. فلمَّا رجع الرهط
وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍ﴾ أي: بكلِّ واحدٍ من الكتابين ﴿كُفِرُونَ
٤٨)
تصريحٌ بكفرهم بهما، وتأكيدٌ لكفرهم المفهوم من تسميتها سحراً، وذلك لغايةٍ
عتوِّهم وتماديهم في الكفر والطغيان.
وقرأ الأكثرون: ((ساحران)) (١)، وأراد الكفرةُ بهما نبيّنا وموسى عليهما الصلاة
والسلام.
(١) التيسير ص ١٧٢، والنشر ٢٤١/٢-٢٤٢. وقرأ الكوفيون: ((سحران)).

الآية : ٤٩
٢١١
سُورَةُ القَصَصِ
وقرأ طلحة والأعمش: ((اّاهَرا)) بهمزة الوصل وشدِّ الظاء، وكذا هي في حرف
عبد الله(١)، وأصلُه: تَظَاهَرَا، فلما قُلبت التاءُ ظاءً وأُدْغِمَتْ سُكِّنَتْ، فاجتُلِبَتْ همزةٌ
الوصل ليُبتَدأ بالساكن.
وقرأ محبوبٌ عن الحسن، ويحيى بن الحارث الذماريّ، وأبو حيوة، وأبو خلاد
عن اليزيديِّ: (تَظَّاهَرًا)) بالتاء وتشديدِ الظاء؛ قال ابن خالويه: وتشديدُه لحنٌ لأنه
فعلٌ ماضٍ، وإنما يشدَّد في المضارع (٢) .
وقال صاحب ((اللوامح)): لا أعرفُ وجهَه. وقال صاحب ((الكامل في القراءات)):
لا معنى له. وخرّج ذلك أبو حیان(٣) على أنه مضارعٌ حذفت منه النون بدون ناصب أو
جازم، وجاء حذفها كذلك في قليل من الكلام وفي الشعر، و((ساحران)) خبرٌ لمبتدأ
محذوف، وأصل الكلام: أنتما ساحران تتظاهران، فحذف ((أنتما)) وأُدغمت التاء في
الظاء وحُذفت النون وروعي الخطاب. ولو قرئ: يّاهرا بالياء حملاً على مراعاة
(ساحران)) أو على تقديرِ ((هُما))، لكان له وجهٌ. وكأنهم خاطبوا النبيَّ وَّر بذلك
وأرادوه وموسى عليهما الصلاة والسلام بـ ((أنتما)) على سبيل التغليب.
هذا وتفسير الآية بما ذكر مما لا تكلُّف فيه، ولعله هو الذي يستدعيه جزالةٌ
النظم الجليل ويقتضيه اقتضاءً ظاهرُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ
أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ أي: مما أُوتياه من القرآن والتوراة ﴿أَنَّعْهُ﴾ أي: إن تأتوا به أَتَّبِعْه،
فالفعلُ مجزومٌ بجواب الأمر، ومثلُ هذا الشرط يأتي به مَن يُدِلُّ(٤) بوضوح حجَّته؛
لأنَّ الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمرٌ بَيِّنُ الاستحالة، فيوسِّع دائرةَ الكلام
للتبكيت والإلزام.
و[في](٥) إيراد كلمة ((إنْ)) في قوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ ﴾﴾ - أي:
في أنهما سحران مُخْتَلَقان ۔ مع امتناع صدقھم نوعُ تھگُم بهم.
(١) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٤/٧، والكلام منه.
(٢) القراءات الشاذة ص ١١٣، والكلام من البحر ١٢٤/٧.
(٣) في البحر ٧/ ١٢٤، وما قبله منه.
(٤) أي: يثق. اللسان (دلل).
(٥) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٨/٧، والكلام منه.

سُورَةُ القَصَصِ
٢١٢
الآية : ٤٩
وقرأ زيد بن عليٍّ: (أتبعُه)) بالرفع على الاستئناف، أي: أنا أتبعه (١).
وقال الزمخشريُّ: ((الحقُّ»: الرسولُ المصدَّقُ بالكتاب المُعْجِزِ مع سائر
المعجزات. يعني أن المقام مقام أن يقال: فلمَّا جاءهم آيُ الرسول، أو فلما جاءهم
الرسولُ، لكنْ عَدَلَ عن ذلك لإفادة تلك المعاني. و((ما أوتي موسى)) بما هو أعمُّ،
من الكتاب المنزل جملةً واحدةً واليدِ والعصا وغيرِهما من آياته عليه السلام(٢).
وتعقِّب بأنه لا تعلّق للمعجزات من اليد ونحوها بالمقام، وكذا لا تعلُّق لغير القرآن
من معجزات نبيِّنَا بَّهِ به، ويرشدُ إلى ذلك ظاهرُ قوله تعالى: (قُلْ فَأَتُوأ) إلخ.
وجوِّز أن يكون ضميرا ((جاءهم)) و((قالوا)) راجعَينٍ إلى أهل مكة الموجودين،
وضمير ((يكفروا)) وكذا ضمير ((قالوا)) في الموضعين راجع إلى جنس الكفرة المعلومِ
من السياق، والمراد بهم الكفرةُ الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام، و((من
قبل)) متعلِّق بـ ((يكفروا)) لا بـ ((أوتي)) لعدم ظهور الفائدة، والمراد بـ ((سحرين)) أو
(ساحران)) موسى وهارون عليهما السلام، كما روي عن مجاهد، وإطلاقُ
(سحرين)) عليهما للمبالغة، أو هو بتقدير: ذوا سحرين، والمعنى: أولم يكفر أبناءُ "
جنسهم من قبلهم بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا هم بما أوتيتَه، وقال
أولئك الكفرة: هما، أي: موسى وهارون، سحران أو ساحران تَظَاهَرا.
وقيل: يجوز أن تكون الضمائر راجعةً إلى الموجودين، والكفرُ والقولُ المذكور
لأولئك السابقين حقيقةً وإسنادهما إلى الموجودين مجازيٌّ لِمًا بين الطائفتين من
المُلابسة .
وقيل بناءً على ما روي عن الحسن من أنه كان للعرب أصلٌ في أيام موسى
عليه السلام: إنَّ المعنى: أوَلَمْ يكفُرْ آباؤهم من قبلِ أن يُرْسَلَ محمدٌ بَله بما أوتي
موسى، قالوا: هما - أي: موسى وهارون - سحران أو ساحران تظاهرا، فهو على
أسلوب ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] ونحوِه، ويفيد الكلامُ عليه أنَّ
قَدَمهم في الكفر من الرسوخ بمكانٍ، ولهم في العناد عرقٌ أصيلٌ.
(١) البحر ١٢٤/٧ .
(٢) الكشاف ٣/ ١٨٣ بنحوه.

الآية : ٤٩
٢١٣
سُؤَدَّةُ القَصَصِ
وكونُ العربِ لهم أصلٌ في أيام موسى عليه السلام مما لا شبهةً فيه، حتى
قيل: إنَّ فرعون كان عربيًّا من أولاد عاد، لكنْ في حُسْنٍ تخريج الآية على ذلك
کلامٌ.
وأنت تعلم أن كلَّ هذه الأوجُهِ ليست مما ينشرحُ له الصدرُ، وفيها من التكلُّف
ما فيها .
وادَّعى أبو حيان ظهورَ رجوع ضمير ((يكفروا)) وكذا ضمير ((قالوا)) إلى قريش
الذين قالوا: ((لولا أوتي مثلَ ما أَوَتي موسى)) وأنَّ نسبة ذلك إليهم لِمَا أنَّ تكذيبهم
لمحمدٍ* تكذيبٌ لموسى عليه السلام، ونسبتَهم السحرَ للرسول نسبتُهم إياه
لموسى وهارون عليهما السلام؛ إذ الأنبياءُ عليهم السلام من وادٍ واحدٍ، فَمَنْ نَسَبَ
إلى أحدٍ منهم ما لا يليقُ كان ناسباً ذلك إلى جميعهم(١). فلا يُحتاج إلى توسيط
حكايةِ الرهط في أمر النسبة، وعليه يجوزُ أن يراد بـ ((كلِّ): كلُّ واحدٍ من الأنبياء
عليهم السلام.
ولا يخفى أنَّ ما ادَّعاه من ظهور رجوع الضمير إلى ما ذكر أمرٌ مقبولٌ عند
منصفي ذوي العقول، لكنَّ توجيه نسبةِ الكفر والقولِ المبينِ لكيفيته بما (٢) ذكر ممَّا
يَبْعُدُ قبولُه، وكأنه إنما احتاج إليه لعدم ثبوتِ حكايةِ الرهط عنده.
وعن قتادة أنه فسَّر السحران بالقرآن والإنجيل، والساحران بمحمدٍ وعيسى
عليهما الصلاة والسلام، وجَعَلَ ذلك القولَ قولَ أعداء الله تعالى اليهود. وتفسيرُ
الساحرين بذلك مرويٌّ عن الحسن، وروي عنه أيضاً أنه فسَّرهما بموسى وعيسى
عليهما السلام، والکلُّ كما ترى.
وتفسيرُهما بمحمدٍ وموسى عليهما الصلاة والسلام مما رواه البخاريُّ في
((تاريخه)) وجماعةٌ عن ابن عباس(٣).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدريِّ أنه كان يقرأ: ((سحران)) ويقول:
(١) البحر ١٢٣/٧.
(٢) في (م): مما.
(٣) التاريخ الكبير ٣١٧/٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٥.

سُوَةُ القَصَصِ
٢١٤
الآية : ٥٠
هما كتابان؛ الفرقان والتوراة، ألا تراه سبحانه يقول: (فَأَتُواْ بِكِثَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ
أَهْدَى مِنْهُمَآَ)(١).
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي: فإنْ لم يفعلوا ما كلَّفتهم به من الإتيان بكتابٍ
أهدى منهما، وإنما عبّر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنَّه عليه الصلاة والسلام على
كمال أمنٍ من أمره، كأنَّ أمره ◌َّ لهم بالإتيان بما ذكر دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريد
وقوعه .
وقيل: المراد: فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وَضَحَ لهم من
المعجزات التي تضمَّنها كتابك الذي جاءهم، فالاستجابةُ على ظاهرها؛ لأنَّ
الإيمان أمرٌ يريد بَّهِ حقيقةَ وقوعِه منهم، وهي كما في ((البحر)) بمعنى الإجابة،
وتتعدَّى إلى الداعي باللام كما في هذه الآية، وقولِه تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾
[يوسف: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وبنفسها كما في بيت
الكتاب:
وداعٍ دعا يا مَن يُجيبُ إلى الندا فلمْ يَستَجِبْه عند ذاك مُجيبُ(٢)
وقال الزمخشريُّ: هذا الفعلُ يتعدَّى إلى الدعاء بنفسه وإلى الدَّاعي باللام،
ويُحذف الدعاءُ إذا عدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله تعالى
دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وقوله في البيت: فلم
يستجبه، على حذفِ مضافٍ، أي: فلم يستجب دعاءه(٣). انتهى.
ولو جُعِلَ ضميرُ يَسْتَجِبه للدعاء المفهوم من داعٍ لم يَحْتَجْ إلى تقدير.
وجُعِلَ المفعولُ هنا محذوفاً لذكر الداعي، ووجهُه على ما قيل: أنه مع ذِكْرِ
الداعي والاستجابةِ يتعيَّنُ أنَّ المفعول الدعاء، فيصيرُ ذِكْرُه عبئاً، وجوِّز كونُ
الحذف للعلم به من فِعْلِه لا لأنه ذكر الداعي، وهذا حكمُ الاستجابة دون الإجابة؛
لقوله تعالى: ﴿أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ﴾ [الأحقاق: ٣١].
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٨٦/٩.
(٢) البحر ١٢٤/٧، والبيت لكعب بن سعد الغنوي، وسلف ٢٢٦/٥.
(٣) الكشاف ١٨٤/٣ .

الآية : ٥١
٢١٥
سُورَةُ القَصَصِ
﴿فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَِّعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الزائغةَ من غير أن يكون لهم متمسَّكٌ مّا أصلاً؛
إذ(١) لو كان لهم ذلك لأتوا به.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِنَّنِ أَتَّعَ هَوَهُ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ للنفي، أي: لا أضلَّ ممن اتّبع
هواه ﴿يِغَيْرِ هُدَى مِنَ الَّهِ﴾ أي: هو أضلُّ من كلِّ ضالٌّ، وإن كان ظاهرُ السبك
لنفي الأضلِّ لا لنفي المُساوي كما مرَّ في نظائره مراراً.
وقولُه تعالى: ﴿يِغَيْرِ مُدَى﴾ في موضع الحال من فاعل («اتَّبع))، وتقييدُ الاتِّباع
بذلك لزيادة التقرير، والإشباع في التشنيع والتضليل، وإلا فمقارنتُه لهدايته تعالى
بيِّنةُ الاستحالة. وقيل: للاحتراز عمَّا يكون فيه هدّى منه تعالى، فإنَّ الإنسان قد
تَّبُ هواه ویوافقُ الحقَّ، وفيه بحث.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ الذين ظلموا أنفسهم فانهمكوا في
اتّباع الهوى والإعراضِ عن الآيات الهاديةِ إلى الحقِّ المُبينِ.
﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَمُمُ الْقَوْلَ﴾ الضميرُ لأهل مكة، وأصلُ التوصيل ضمُّ قِطَعِ الحبل
بعضِها ببعضٍ؛ قال الشاعر:
فقُلْ لبني مروان ما بال(٢) ذمَّتي
بحبلٍ ضعيفٍ لا يزالُ يُوَصَّلُ(٣)
والمعنى: ولقد أنزلنا القرآن عليهم متواصلاً بعضه إثر بعضٍ حَسْبَما تقتضيه
الحكمةُ، أو متابعاً وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ومواعظَ ونصائحَ.
وقيل: جعلناه أوصالاً، أي: أنواعاً مختلفةً؛ وعداً ووعيداً .. إلخ.
وقيل: المعنى: وصَّلنا لهم خبرَ الآخرة بخبر الدنيا، حتى كأنَّهم عاينوا
الآخرة.
وعن الأخفش: أتممنا لهم القول.
(١) في (م): إذا، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٨/٧، والكلام منه.
(٢) في الأصل و(م): نال، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ص١٠، وتفسير الطبري ٢٧٤/١٨، ومجاز القرآن ١٠٨/٢،
وتفسير القرطبي ٢٩٣/١٦، والبحر ١٢٥/٧، والدر المصون ٦٨٥/٨، وجاء في المصادر
عدا البحر والدر: ما بال ذمةٍ وحبلٍ، ورواية الديوان: فسائل بني مروان ما بال ...

سُورَةُ القَصَصِ
٢١٦
الآية : ٥٢
وقرأ الحسن: ((وَصَلْنا)) بتخفيف الصاد(١). والتضعيفُ في قراءة الجمهور
للتكثير، ومن هنا قال الراغب في تفسير ما في الآية عليها: أي: أَكْثَرنا لهم القولَ
موصولاً بعضُه ببعض(٢).
﴿لَعَلَّهُمْ یَنَذَگُرُونَ ﴾﴾ فيؤمنون بما فيه.
﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من(٣) قبل القرآن، على أنَّ الضمير
لـ «القول)» مراداً به القرآن، أو للقرآن المفهوم منه، وأيًّا ما كان فالمرادُ: من قبل
إيتائه ﴿هُم﴾ لا هؤلاء الذين ذكرت أحوالهم ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ
٥٢
وقيل: الضميران للنبيٍّ ◌َلقول .
والمرادُ بالموصول على ما روي عن ابن عباس مؤمنو أهل الكتاب مطلقاً .
وقيل: هم أبو رفاعة [وابنه](٤) في عشرةٍ من اليهود آمنوا فأُوذوا، وأخرج ابن
مردويه بسندٍ جيدٍ وجماعةٌ عن رفاعة القرظيّ ما يؤيِّدُه(٥).
وقيل: أربعون من أهل الإنجيل كانوا مؤمنين بالرسول و ﴿ قبل مبعثه، اثنان
وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب، وثمانيةٌ قدموا من الشام: بحيرا
وأبرهة وأشرف وعامر وأیمن وإدريس ونافع وتميم.
وقيل: ابنُ سلام وتميمٌ الداريُّ والجارود العبديُّ وسلمان الفارسيُّ؛ ونُسب إلى
قتادة.
واسْتَظْهَرَ أبو حيان(٦) الإطلاق، وأنَّ ما ذكر من باب التمثيل لمن آمنَ من أهل
الكتاب.
(١) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٥/٧.
(٢) مفردات الراغب (وصل).
(٣) قوله: أي من، ليس في (م).
(٤) ما بين حاصرتين زيادة من البحر ٧/ ١٢٥ .
(٥) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٣١/٥ وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً الطبري
٢٧٦/١٨، وابن أبي حاتم ٢٩٨٧/٩-٢٩٨٨، والطبراني في الكبير (٥٤٦٣) عن رفاعة
القرظي قال: نزلت ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنا منهم.
(٦) في البحر ١٢٥/٧، وما قبله منه.

الآية : ٥٣
٢١٧
سُوَّةُ القَصَصِ
﴿وَإِذَا يُثْلَى﴾ أي: القرآنُ ﴿عَنِهِمْ قَالُواْ ءَامَنَّا بِهِعَ﴾ أي: بأنه كلامُ الله تعالى ﴿إِنَّهُ
الْحَقُّ مِنْ زَيِّنَا﴾ أي: الحقُّ الذي كنَّا نَعرِفُ حقِّيَّتَه، وهو استئنافٌ لبيانِ ما أَوْجَبَ
إيمانَهم به. وجوِّز أن تكون الجملة مفسِّرةً لِمَا قبلها .
بيانٌ لكون
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزوله ﴿مُسْلِمِينَ (@)
إيمانهم به أمراً متقادِمَ العهد لما شاهدوا ذِكْرَه في الكتب المتقدِّمة، وأنهم على دين
الإسلام قبل نزول القرآن، ويكفي في كونهم على دين الإسلام قبل نزوله إيمانُهم به
إجمالاً .
وفي ((الكشاف)) و(البحر)): أنَّ الإسلام صفةُ كلِّ موحِّدٍ مصدِّقٍ بالوحي(١).
والظاهر عليه أنَّ الإسلام ليس من خصوصيات هذه الأمة من بين الأمم. وذهب
السيوطيُّ عليه الرحمةُ إلى كونه من الخصوصيات، وألَّف في ذلك كراسةً وقال في
ذيلها: لمَّا فرغتُ من تأليف هذه الكراسة واضطَجَعْتُ على الفراش للنوم وَرَدَ عليَّ
قولُه تعالى: (الَِّينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ،) الآيةَ، فكأنما أُلقي عليَّ جبلٌ لِمَا أنَّ
ظاهرها الدلالةُ للقول بعدم الخصوصية، وقد أَفْكَرْتُ فيها ساعةً ولم يتَّجِهْ لي فيها
شيءٌ، فلجأتُ إلى الله تعالى ورَجَوْتُ أن يفتح بالجواب عنها، فلمَّا استيقظتُ وقتَ
السَّحَرِ إذا بالجواب قد فُتِحَ، فظهر عنها ثلاثةُ أجوبةٍ:
الأول: أنَّ (مسلمين)) اسمُ فاعلٍ مرادٌ به الاستقبالُ كما هو حقيقةٌ فیه دون
الحال والماضي، والتمسُّكُ بالحقيقة هو الأصل، وتقدير الآية: إنَّا كنّا من قبل
مجيئه عازمينَ على الإسلام به إذا جاء؛ لِمَا كنَّا نَجِدُه في كتبنا من بَعْئِه ووَصْفِهِ،
ويرشِّحُ هذا أنَّ السياق يرشدُ إلى أنَّ قَصْدَهم الإخبارُ بحقِّيَّة القرآن، وأنهم كانوا
على قَصْدِ الإسلام به إذا جاء به النبيُّ وَّهِ، وليس قَصْدُهم الثناءَ على أنفسهم في
حدِّ ذاتهم بأنهم كانوا بصفة الإسلام أوَّلاً، لنبوِّ المقام عنه كما لا يخفى.
الثاني: أنْ يقدَّر في الآية: إنَّا كثَّا من قبله مسلمين به، فوَصْفُ الإسلام سببُه
القرآن لا التوراةُ والإنجيل، ويرشِّحُ ذلك ذِكْرُ الصلة فيما قبلُ، حيث قال سبحانه: (هُم
بِهِ يُؤْمِنُونَ)؛ فإنه يدلُّ على أنَّ الصلة مرادةٌ هنا أيضاً، إلا أنها حُذِفَتْ كراهةَ التكرار.
(١) الكشاف ٣/ ١٨٥، والبحر ١٢٥/٧.

سُورَةُ الْقَصَصِ
٢١٨
الآية : ٥٤
الثالث: أنَّ هذا الوصف منهم بناء على ما هو مذهبُ الأشعريِّ من أنَّ مَن
كتب الله تعالى أن يموت مؤمناً فهو يسمَّى عنده تعالى مؤمناً ولو كان في حال
الكفر، وإنما لم نطلق نحن هذا الوصفَ عليه لعدم علمنا بما عنده تعالى، فهؤلاء
لمَّا ختم الله تعالى لهم بالدخول في الإسلام أخبروا عن أنفسهم أنهم كانوا متَّصفين
به قبلُ؛ لأن العبرة في هذا الوصف بالخاتمة، ووَصْفُهم بذلك أولى من وصف
الكافر الذي يَعْلَم الله تعالى أنه يموتُ على الإسلام به؛ لأنهم كانوا على دين حقٍّ.
وهذا معنّى دقيقٌ استفدناه في هذه الآية من قواعد علم الكلام(١). انتهى.
ولا يخفَى ضَعْفُ هذا الجوابِ، وكذا الجوابُ الأولُ، وأما الجوابُ الثاني
فهو بمعنى ما ذكرناه في الآية، وقد ذكره البيضاويُّ وغيرُه(٢) .
وجوِّز أن يراد بالإسلام الانقيادُ، أي: إنَّا كنّا من قبل نزوله منقادين لأحكام الله
تعالی الناطقِ بھا کتابُه المنزلُ إلینا، ومنها وجوبُ الإيمان به، فنحن مؤمنون به قبل
نزوله .
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر من النعوت ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ مرةً على
إيمانهم بكتابهم ومرةً على إيمانهم بالقرآن ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بصَبْرِهم وثباتهم على
الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى مَن هاجَرَهم
وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين.
﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أي: يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بالطاعة ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أي: المعصيةَ؛
فإنَّ الحسنة تمحو السيئةَ؛ قال وَ﴿ لمعاذ: ((أتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها))(٣).
وقيل: أي: يدفعون بالحِلْم الأذى. وقال ابن جبير: بالمعروف المنكر. وقال
ابن زيد: بالخير الشرَّ. وقال ابن سلام: بالعلم الجهلَ، وبالكَظْم الغيظَ. وقال ابن
مسعود: بشهادةٍ أنْ لا إله إلَّ اللهُ الشركَ.
﴿وَمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾﴾ أي: في سبيل الخير، كما يقتضيه مقامُ المدح.
(١) إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة، من كتاب الحاوي للسيوطي ٢٣١/٢ -٢٣٢.
(٢) ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧٩/٧.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٩٨٨) من حديث معاذ الله، وسلف ٢٣٢/٥ و٤٩٤/١٠.

الآية : ٥٥ - ٥٦
٢١٩
سُورَةُ القَصَصِ
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ﴾ سَقْطَ القول، وقال مجاهد: الأذى والسبَّ. وقال
الضحاك: الشِّرك. وقال ابن زيد: ما غيَّرته اليهود من وصف الرسول اَله.
﴿أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي: عن اللغو تكرُّماً، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ
كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
﴿وَقَالُواْ﴾ لهم، أي: للَّغين المفهوم من ذكر اللغو ﴿لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾
متارَكةً لهم، كقوله تعالى: ﴿لَكُتُّ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾ [الكافرون: ٦].
﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ قالوه توديعاً لهم لا تحيةً، أو هو للمتاركة أيضاً كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وأيًّا ما كان فلا دليلَ في
الآية على جواز ابتداء الكافر بالسلام كما زعم الجصَّاص(١)؛ إذ ليس الغرضُ من
ذلك إلَّ المتارَكةَ أو التوديع، ورُوي عن النبيِّ ◌َّ في الكفار: ((لا تبدؤوهم
بالسلام، وإذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم))(٢).
نعم روي عن ابن عباس جوازُ أن يقال للكافر ابتداءً: السلامُ عليك، على
معنى: الله تعالى عليك، فيكون دعاءً عليه، وهو ضعيفٌ.
وقوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِىِ الْجَاهِلِينَ ®﴾ بيانٌ للداعي للمتارَكةِ والتوديع، أي:
لا نَطْلبُ صحبةَ الجاهلين، ولا نريدُ مخالطَتهم.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾ هدايةً مُؤْصِلةً إلى البغية لا محالة ﴿مَنْ أَحْبَتَ﴾ أي: كلَّ مَن
أحببتَه(٣) طبعاً من الناس قومِك وغيرِهم، ولا تقدرُ أن تُدْخِلَه في الإسلام وإن بذلْتَ
فيه غايةَ المجهود، وجاوَزْتَ في السعي كلَّ حدٍّ معهود. وقيل: مَن أحْبَيْتَ هدايته.
(١) كذا ذكر، وليس هذا من زعم الجصاص، وإنما ذكره في أحكام القرآن ٣٤٩/٣ عن
بعضهم، ثم ردَّه بما سيأتي لاحقاً. وينظر حاشية الشهاب ٧٩/٧.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٤٩/٣، والحديث أخرجه أحمد (١٧٢٩٥) من حديث
أبي عبد الرحمن الجهني ، و(٢٧٢٣٦) من حديث أبي بصرة مظ﴾. وقوله:
((لا تبدؤوهم)) يشهد له حديث أبي هريرة له عند أحمد (٧٥٦٧)، ومسلم (٢١٦٧).
وقوله: ((وإذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)) يشهد له حديث أنس عد له عند
البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣).
(٣) في (م): أحبيته.

الآية : ٥٦
٢٢٠
سُوَةُ القَصَصِ
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ هدايته، فيدخلُه في الإسلام ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
٥٦
بالمستعدِّين لذلك، وهم الذين يشاء سبحانه هدايتَهم، ومنهم الذين ذُكرت أوصافُهم
من أهل الكتاب.
وأفعل للمبالغة في علمه تعالى. وقيل: يجوز أن يكون على ظاهره. وأفاد كلامُ
بعضهم أنَّ المراد أنه تعالى أعلم بالمهتدي دون غيره عزَّ وجل.
وحيث قُرِنَتْ هدايةُ الله تعالى بعلمه سبحانه بالمهتدي، وأنه جلَّ وعلا العالِمُ به
دون غيره، دلَّ على أنَّ المراد بالمهتدي المستعدُّ دون المتَّصفِ بالفعل، فيلزم أن
تكون هدايتُه إياه بمعنى القدرةِ عليها، وحيث كانت هدايتُه تعالى لذلك بهذا
المعنى، وجيء بـ ((لكنَّ)) متوسّطةً بينها وبين الهداية المنفيةِ عنه وَّر، لزم أن تكون
تلك الهدايةُ أيضاً بمعنى القدرة عليها؛ لتقع ((لكنَّ)) في موضعها، ولذا قيل:
المعنى: إنك لا تقدرُ أن تُدْخِلَ في الإسلام كلَّ مَن أحببتَ لأنك عبدٌ لا تعلم
المطبوعَ على قلبه من غيره، ولكنَّ الله تعالى يقدر على أن يُدْخِلَ مَن يشاء إدخالَه،
وهو الذي علم سبحانه أنه غيرُ مطبوعٍ على قلبه. وللبحث فيه مجال.
وظاهرُ عبارةِ ((الكشاف)) حملُ نفي الهداية في قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحَْبَتَ) على نفي القدرة على الإدخال في الإسلام، وإثباتِها في قوله سبحانه:
(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ) على وقوع الإدخال في الإسلام بالفعل(١).
وهذا ما اعتمدناه في تفسير الآية، ووجهُه: أنَّ مساق الآية لتسليته وَلِّ، حيث
لم يَنْجَعْ في قومه الذين يحبُّهم ويحرصُ عليهم أشدَّ الحرص إنذارُه عليه الصلاة
والسلام إياهم، وما جاء به إليهم من الحق، بل أصرُّوا على ما هم عليه، وقالوا:
(لَوْلاَ أُوِىَ مِثْلَ مَآ أُونِى مُوسَىَّ)، ثم كفروا به وبموسى عليهما الصلاة والسلام،
فكانوا على عكس قوم هم أجانبُ عنه وََّ، حيث آمنوا بما جاء به من الحقِّ،
وقالوا: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن زَيِّنَاً) ثم صرَّحوا بتقادُم إيمانهم به، وأشاروا بذلك إلى إيمانهم
بنبيِّهم وبما جاءهم به أيضاً، فلو لم يُحمل (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ) على نفي
القدرة على إدخال مَن أحبَّه عليه الصلاة والسلام في الإسلام، بل حُمِلَ على نفي
(١) الكشاف ٣/ ١٨٥.