Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٨٧
٨١
سُؤَدَّةُ النَِّ
يُصْعقُ الناس .. ثم يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون))(١) - تدلُّ على أنَّ النفخ
مرتين لا ثلاثة وهو الصحيح، ونفعُ الفزع هو نفُ الصعق بعينه؛ لاتحاد الاستثناء
في آيتيهما .
وتعقِّب في الرسالة المسماة بـ: ((شرح العشر في معشر الحشر)) المنسوبةِ لابن
الكمال، بأنه لا دلالةَ في الحديث على عدم النفخة الثالثة، غايتُه أنه وسائر
الأحاديث الواردة على نسقه ساكتٌ عنها، ولا يلزمُ من ذلك عدمُها، وكذا لا دلالةً
في اتحاد الاستثناء في الآيتين أن يكون المذكور فيهما نفخةً واحدةً، وهذا ظاهر.
ثم قال: والصحيح عندي ما في القول الأول، من أنَّ نفخة الفزع غيرُ نفخة
الصَّعْقِ؛ فإنَّ حديث الالصحيحين: ((لا تخيِّروني من بين الأنبياء، فإِنَّ الناس يَضْعَقون
يومَ القيامة، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا أنا بموسى عليه السلام آخِذٌ بقائمةٍ من قوائم
العرش، فلا أدري أَفاقَ قبلي أو جُزي بصَعقةِ الطور)»(٢) صريحٌ في أنَّ الصعق يومَ
القيامة، وأنْ لا موتَ فيه، فهو فزعٌ بلا موت، فمن قال: هي ثلاث نفخات: نفخةُ
الفزع، ثم نفخةُ الصَّعْق وهو الموت، ثم نفخة البعث، فقد أصاب في التفرقة بين
نفخة الفزع ونفخةِ الصّعْقِ إلَّا أنه لم يُصِبْ في زَعْمِه أنَّ نفخة الفزع قبل نفخة
الصعق، كيف وقد دلَّ حديثُ الصحيحين المذكورُ على عموم حكم نفخة الفزع
للأنبياء عليهم السلام الذين ماتوا قبل نفخة الصعق، أي: الموت، قال القاضي
عياض(٣): إنَّ نفخة الفزع بعد النشر حين تنشقُّ السماوات والأرض. فظهر أنَّ
النفخات ثلاثٌ بل أربع: نفخةٌ يميتُ الله تعالى جميع الخلق بها كما جاء في
الحديث، وعند ذلك ينادي سبحانه: لمن الملك اليوم، وينادي على ذلك قولُه
تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَدٌ﴾ [القصص: ٨٨]. ونفخةُ البعث كما نطق به قوله
تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ونفخةُ
الصعق وهي نفخةُ الفزع بعينها، وقد سمعتَ آيتيهما. ونفخةٌ للإفاقة كما قال تعالى
(١) صحيح مسلم (٢٩٤٠).
(٢) صحيح البخاري (٤٦٣٨)، وصحيح مسلم (٢٣٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري
ـته ،
فـ
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: «فلا أدري أكان ممن صَعِقَ فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة
الطور».
(٣) في إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣٥٧/٧.

سُورَةُ النَّصِ
٨٢
الآية : ٨٧
بعد ذكر نفخة الصعق: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ) وقد عرفتَ ما في زَعْمِ
أنَّ نفخةَ الصعق هي نفخةُ الفزع بعينها، فتدبَّر. انتهى.
وتعقّبه بعضُهم بأنه يلزم حينئذٍ على القول بالمغايرة بين نفخةِ الفزع ونفخة
الصَّعْقِ أن تكون النفخاتُ خمساً، ولم نسمع متنفِّساً يقول بذلك. وأيضاً فيه القولُ
بأنَّ نفخة الصعق بعد نفخة البعث، ويأباه قولُهُ وَّهِ: ((أنا أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه
الأرض، فأرفع رأسي فإذا موسى متعلِّقٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فما أدري أفاق
قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى))(١) فإنَّ انشقاق الأرض عنه وَ لّ بعد نفخة البعث
لا محالةَ، فإذا عقبه رفعُ رأسه عليه الصلاة والسلام، ومفاجأةٌ كونِ موسى عليه
السلام متعلِّقاً بقائمةٍ من قوائم العرش، فأين نفخةُ الصعق؟
ولا يخفى أنَّ كون النفخات خمساً لم يُسمع هو الغالبُ على الظنِّ، ويتوقَّفُ
قبولُ ما ذكره ثانياً على صحة ما ذكره من الخبر. ولعل القائل بما تقدَّم من وراء
المنع.
وقيل: الأظهر أنَّ النفخات ثلاثٌ: الأولى نفخةُ الصَّعْقِ بمعنى الموت - كما هو
أحد معنييه - المدلولُ عليها بقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن
فِي الْأَرْضِ)، والثانية نفخةُ البعث المدلولُ عليها بقوله تعالى: (ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ
قِيَامٌ يَنَظُرُونَ) وقولِه سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)
والثالثةُ نفخةُ الفزع المدلولُ عليها بما هنا، وهي على ما سمعتَ عن القاضي عياض
بعد النشر حين تنشقُّ السماوات والأرض.
وأصله كما قال الراغب: انقباضٌ ونِفَارٌ يعتري الشخصَ من الشيء
المخيف(٢). والمرادُ به الرعب الشديد، ولعل الصَّعْقَ المذكور في حديث
(١) ذكره بهذا اللفظ الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٤٣١/١، وعنه القرطبي في التذكرة
ص١٦٧، وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي هريرة ؤه كما في فتح الباري ٤٤٥/٦
بلفظ: ((أنا أول مَن تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة
العرش، فأجد موسى قائماً عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن
استثنى الله)).
(٢) مفردات الراغب (فزع).

الآية : ٨٧
٨٣
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
الصحيحين هو غشيٌّ يترتَّبُ عليه بلا واسطةٍ وعلى النفخ بواسطته، وقد نصَّ في
((الأساس)) على هذا المعنى له، قال: يقال: صَعِقَ الرجلُ، إذا غُشي عليه من هذَّةٍ
أو صوتٍ شديد يسمعه(١). ويدلُّ على أنه بمعنى الغَشْي قولُه عليه الصلاة والسلام:
(( فأكونُ أولَ مَن يُفيق))؛ لأنَّ الإفاقة إنما تكون من الغشي دون الموت، ولم يعبّر هنا
بالصعق مراداً به الغشيُ المذكور في الحديث لئلا يُتَوَهَّم إرادةُ معنى الموت منه
لخلوِّه هنا عن القرينة التي في الحديث واقترانه بما يلائم ذلك.
وقد يُختار ما هو المشهورُ من أنَّ النفخة اثنتان، ويجاب عما يُشْعِرُ بالزيادة،
فالنفخةُ الأولى نفخةُ الصَّعق بمعنى الموت بحالٍ هائلة، فَبِها يموتُ مَن في
السماوات والأرض من الأحياء قبيل ذلك إلَّا مَن شاء الله تعالى، ويدلُّ عليها آيةُ:
(وَنُفِخَ فِى الضُّورِ فَصَعِقَ) إلخ، والنفخةُ الثانية نفخةُ البعث المدلولُ عليها بآية: (ثُمَّ
نُفِيَخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ) وبينهما في المشهور أربعون سنة، وفي
الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أربعون)) بدون ذكر التمييز، فقيل: أربعون
يوماً؟ فقال أبو هريرة: أَبَيْتُ، فقيل: أربعون شهراً؟ فقال: أَبَيْتُ، فقيل: أربعون
سنة؟ فقال: أبيتُ(٢). ونفخةُ الفزع بمعنى الرعب والخوفِ هي هذه النفخةُ بعينها،
ووَجْهُ ذلك أنه ينفخ في الصور للبعث فيبعث الخلقُ ويُنشرون، فإذا تحقَّقوا يومَ
القيامة وشاهدوا آثار عظمة الله تعالى فزعوا ورعبوا إلا مَن شاء الله تعالى، وترتَّب
الفزعُ على النفخ بالفاء للإشارة إلى قلَّة الزمان الفاصل لسرعة تحقّقهم ومشاهدتهم
ما ذكر، والإضافة في قولنا: نفخة البعث، وقولنا: نفخةُ الفزع، من إضافة السبب
إلى المسبّب، إلا أنَّ سببية النفخ للبعث بلا واسطةٍ، وسببيتُه للفزع بواسطة،
وحديث الصحيحين: ((لا تخيِّروني من بين الأنبياء فإنَّ الناس يصعقون يومَ
القيامة)) إلخ ليس فيه سوى إثبات الصَّعقِ بمعنى الغشي كما يرشدُ إليه ذكرُ الإفاقة
للناس يومَ القيامة، ولا تعرُّضَ له لنفخ يترتَّبُ عليه ذلك، نعم التعبيرُ بالصَّعق على
ما ذكروا في معناه يقتضي أن يكون هناك هدَّةٌ أو صوتٌ شديد يسمعُه مَن يَسْمَعهُ
فيُغْشَى عليه، إلا أنه لا يعيِّن النفخَ؛ لجواز أن يكون ذلك من صوتٍ حادثٍ من
(١) أساس البلاغة (صعق).
(٢) صحيح البخاري (٤٨١٤)، وصحيح مسلم (٢٩٥٥).

سُورَةُ التَصلَِّ
٨٤
الآية : ٨٧
انشقاق السماوات الكائن بعد البعث، والفزع من يوم القيامة وما شاهدوا من
أهواله.
ومنع بعضُهم اقتضاءه ذلك لجواز أن يراد به الغشيُّ لحدوث أمرٍ عظيم من أمور
يوم القيامة غير النفخ. وقيل: هو من فروع النفخ للبعث، وذلك أنه ينفخ فتبعث
الخلائق، فيتحقَّقون ما يتحقَّقون، ويشاهدون ما يشاهدون، فيفزعون فيُغْشَى عليهم
إلا ما شاء الله تعالى، وحديثُ الصحيحين مما لا يأبى ذلك، واحتياجُ الإفاقة لنفخةٍ
أخرى في حيِّز المنع.
وقيل في بيان اتِّحاد نفخة البعث ونفخةِ الفزع: إنَّ المراد بالفزع الإجابةُ
والإسراعُ للقيام لربِّ العالمين، وقد صرَّحت الآياتُ بإسراع الناس عند البعث،
فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وقال
سبحانه: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَانِ سِرَاعًا كَنَّهُمْ إِلَى نُصُرٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، ولا يخفى
بعدُه، واحتياجُ توجيه الاستثناء بعدُ عليه إلى تكلُّفٍ، فالأوْلَى أن يوجَّه الانِّحاد
بما سبق، فتأمَّل.
وإيرادُ صيغة الماضي مع كون المعطوف [عليه](١) أعني ((ينفخ)) مضارعاً للدلالة
على تحقَّق الوقوع، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ
قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨].
ووَجْهُ تأخيرٍ بيان الأحوال الواقعة في ابتداء هذه النفخة عن بيان ما يقع بعدٌ من
حشر المكذِّبين قد تقدَّم الكلام فيه (٢)، فتذكَّر فما في العهد من قِدَم.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ استثناءٌ متصلٌ كما هو الظاهرُ من ((مَن))، ومفعولُ المشيئة
محذوفٌ، أي: إلا من شاءَ اللهُ تعالى أنْ لا يَفْزَعَ. والمراد بذلك على ما قيل: مَن
جاء بالحسنة؛ لقوله تعالى فيهم: ﴿وَهُم مِّنْ فَعْ يَوْمَيِذٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
وتعقِّب بأنَّ الفزع في تلك الآية غيرُ الفزع المراد من قوله سبحانه: (فَفَزِعَ) إلخ،
وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٣٠٣/٦، والكلام منه ..
(٢) ص ٧٠-٧١ من هذا الجزء.

الآية : ٨٧
٨٥
سُؤَُّ النَّصْلِم
واختلف الذين حملوا النفخ هنا على النفخة الأولى التي تكون للصعق - أي:
الموت - في تعيينهم؛ فقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وروي ذلك
عن مقاتل والسديٌّ. وقال الضحاك: هم الوٍلْدانُ، والحورُ العينُ، وخَزَنةُ الجنة،
وحَمَلةُ العرش. وحَكَى بعضُهم هذين القولين في المراد بالمستثنى على تقديرٍ أن
يراد بالنفخ النفخةُ الثانية، وبالفزع الخوفُ والرعب.
وأوْرِدَ عليهما أنَّ حملة العرش ليسوا من سّان السماوات والأرض لأنَّ
السماوات في داخل الكرسيِّ، ونسبتها إليه نسبةُ حلقةٍ في فلاة، ونسبةُ الكرسيِّ إلى
العرش كهذه النسبة أيضاً، فكيف يكون حملتُه في السماوات. وكذا الولدانُ
والحورُ وخَزَنةُ الجنة؛ لأنَّ هؤلاء كلّهم في الجنة، والجنانُ جميعُها فوق السماوات
ودون العرش على ما أفصح عنه قوله ◌ِّ: ((سقفُ الجنة عرشُ الرحمن))(١) فما فيها
من الولدان والحور والخزنة لا يصحُّ استثناؤهم ممن في السماوات والأرض، وأمَّا
جبرائيل ومَن معه من الملائكة المقرَّبين عليهم السلام فهم من الصافِّين المسبّحين
حول العرش، وإذا كان العرشُ فوق السماوات لا يمكن أن يكون الاصطفافُ حوله
في السماوات.
وأجيب بأنه يجوز أن يراد بالسماوات ما يعمُّ العرش والكرسيّ وغيرهما من
الأجرام العلوية، فإنه الأليقُ بالمقام، وقد شاع استعمالُ ((مَن في السماوات
والأرض)) عند إرادة الإحاطة والشمول.
وقيل: لا مانع من حَمْل السماوات على السماوات السبع، والتزامٍ كون
الاستثناء على القولين المذكورين منقطعاً، ولا يخفى ما فيه.
وعَدَّ بعضُهم ممن استُثني موسى عليه السلام، وأنت تعلم أنه لا يكاد يصحُّ إلَّا
إذا أريد بالفزع الصعقُ يومَ القيامة بعد النفخة الثانية، أمَّا إذا أريدَ به ما يكونُ في
الدنيا عند النفخة الأولى فلا، على أنَّ عَدَّه عليه السلام ممن لا يُصْعَقُ يومَ القيامة
بعد قوله ◌َّير في حديث الصحيحين السابق: ((فلا أدري أفاق قبلي أو جُزي بصعقة
(١) الحديث بهذا اللفظ في مسند الفردوس للديلمي ٣٣٨/٢ عن أنس، وفي الباب عن أبي هريرة
عند أحمد (٨٤١٩)، وفيه: (( ... فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة
وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ... )).

سُورَةُ النَّصِ
٨٦
الآية : ٨٧
الطور)) يحتاجُ إلى خبرٍ صحيحٍ واردٍ بعد ذلك.
وروى أبو هريرة عن رسول الله وَلو أنهم الشهداء عند ربِّهم يُرْزَقون(١)،
وصحَّحه القاضي أبو بكر بن العربي كما قال القرطبيّ(٢)، وبه ردٌّ على مَن زعم أنه
لم يَرِدْ في تعيينهم خبرٌ صحيحٌ، وإلى ذلك ذهب ابنُ جبيرٍ، ولفظه: هم الشهداء
متقلِّدو السيوف حولَ العرش(٣). وكذا ذهب إليه الحليميُّ(٤) وقال: هو مرويٌّ عن
ابن عباس ﴿ّ، ثم ضعَّف غيره من الأقوال. وقد ذكره غيرُ واحدٍ من المفسِّرين،
إلا أنَّ بعضهم ذكره في تفسير ((مَن شاء الله)) في آية الصعق، وبعضٌ آخَرُ ذكره في
تفسيره في آية الفزع، فتدبّر.
﴿وَكُلُ﴾ أي: كلُّ واحدٍ من الفازعين المبعوثين عند النفخة ﴿أَتَوْهُ﴾ أي:
حضروا الموقفَ بين يدي ربِّ العزَّة جلَّ جلالُه للسؤال والجواب والمناقشة
والحساب. وقيل: أي: رجعوا إلى أمره تعالى وانقادوا.
وضميرُ الجمع باعتبار معنى ((كل))، وقرأ قتادةُ: ((أتاه))(٥) فعلاً ماضياً مسنداً
الضمير ((كل)) على لَفْظِها. وقرأ أكثر السبعة: ((آتوه)) اسم فاعل(٦).
﴿دَخِرِينَ ﴾ أي: أذلَّاء. وقرأ الحسن والأعمش: ((دَخِرين)) بغير ألف(٧)،
وهو على القراءتين نصبٌ على الحال من ضمير ((كل)).
(١) قطعة من حديث أبي هريرة الطويل الذي سلف تخريجه ص٧٩ من هذا الجزء، وينظر
التعليق الذي بعده.
(٢) في تفسيره ٢١٩/١٦. وقد ضعف هذا الحديث البيهقي وعبد الحق، وقال الحافظ في الفتح
٣٦٨/١١-٣٦٩: مدار إسناده على إسماعيل بن رافع، وقد اضطرب في سنده مع ضعفه ...
وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه،
وتبعه القرطبي في التذكرة، وقول عبد الحق في تضعيفه أولى، وضعَّفه قبله البيهقي.
(٣) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١٤٩/٥ .
(٤) في المنهاج في شعب الإيمان ٤٣١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة القرطبي في التذكرة
ص١٦٧ .
(٥) القراءات الشاذة ص١١١، والمحتسب ١٤٥/٢، والبحر ٧/ ١٠٠.
(٦) التيسير ص ١٦٨، والنشر ٣٣٩/٢، وقرأ ((أتوه)) من السبعة حمزة وعاصم في رواية حفص،
ومن العشرة خلف.
(٧) القراءات الشاذة ص ١١١، والبحر ٧/ ١٠٠.

الآية : ٨٨
٨٧
سُورَةُ النَّسُلِ
وقوله سبحانه: ﴿وَتَرَىَ الْجِبَالَ﴾ عطفٌ على ((ينفخ)) داخلٌ في حكم التذكير،
و((ترى)) من رؤية العين، وقوله تعالى: ﴿تَحْسَبِهَا جَامِدَةً﴾ أي: ثابتةً في أماكنها
لا تتحرَّك، حالٌ من فاعل ((ترى))، أو من مفعوله، وجوِّز أن يكون بدلاً من سابقه.
وقوله عز وجل: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ التَّحَابِ﴾ حالٌ من ضمير ((الجبال)) في
(تحسبها))، وجوِّز أن يكون حالاً من ضميرها في ((جامدة))، ومنعه أبو البقاء
لاستلزامه أن تكون جامدةً ومارةً في وقت واحد(١).
أي: وترى الجبال رأيَ العين ساكنةً والحالُ أنها تمرُّ في الجوِّ مرَّ السحاب
التي تسيِّرها الرياح سيراً حثيثاً، وذلك أنَّ الأجرام المجتمعةَ المتكاثرةَ العدد على
وجه الالتصاق إذا تحرَّكت نحو سَمْتٍ لا تكاد تَبينُ حركتُها، وعليه قولُ النابغة
الجعديِّ في وصفٍ جيشٍ :
وقوفٌ لحاجٍ والركابُ تُهَمْلِجٌ(٢)
بأَرْعَنَ مثلِ الطود تحسبُ أنهم
وقيل: شبّه مرَّها بمرِّ السحاب في كونها تسير سيراً وسطاً، كما قال الأعشى:
كأنَّ مشيتها من بيتٍ جارتها مرُّ السحائب لا ريثٌ ولا عجل(٣)
والمشهورُ في وجه الشبه السرعةُ وأن منشأ الحسبان المذكور ما سمعتَ.
وقيل: إنَّ حسبان الرائي إياها جامدةً مع مرورها لهول ذلك اليوم، فليس له
ثبوتُ ذهنٍ في الفكر في ذلك حتى يتحقَّق كونَها جامدةً. وليس بذاك.
وقد أدمج في التشبيه المذكور تشبيهَ حالِ الجبال بحال السحاب في تَخَلْخُلِ
الأجزاء وانتفاشها، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾
[القارعة: ٥]. واختلف في وقت هذا، ففي (إرشاد العقل السليم))(٤): أنه مما يقع
(١) الإملاء ٤/ ١٤٢.
(٢) ديوان النابغة الجعدي ص١٨٧، والمعاني الكبير ٨٩١/٢، والكشاف ١٦٢/٣. قال ابن
قتيبة: أرعن جيش كثير مثل رعن الجبل، والرعن أنف يتقدم من الجبل فينسلُّ في الأرض،
والطود: الجبل، أي: من كثرتهم تحسب أنهم وقوف وركابهم تسير.
(٣) ديوان الأعشى ص ١٤٤.
(٤) ٣٠٤/٦.

سُورَةُ النَّصْلِ
٨٨
الآية : ٨٨
بعد النفخة الثانية كالفزع المذكور عند حشر الخلق، يبدِّلُ الله تعالى شأنُه الأرضَ
غيرَ الأرضِ، ويغيِّر هيئتها، ويسيِّر الجبال عن مقارِّها على ما ذكر من الهيئة الهائلة
يشاهدها(١) أهلُ المحشر، وهي وإن اندَّتْ وتصدَّعتْ عند النفخة الأولى لكنَّ
تسييرها وتسويةً الأرض إنما يكون بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى:
فَيَذَرُهَا قَامًا صَفْصَفًا (٨٠َ لَّا تَرَىْ فِيَهَا عِوَجًا
١٠٥
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الِْبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ اٌلَّعِىَ﴾ [طه: ١٠٥-١٠٨]، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
وَلَا أَمْتَّا لِـ
اَلْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فإن اتِّباع الداعي
الذي هو إسرافيل وبروزَ الخلق لله تعالى لا يكونان إلا بعد النفخة الثانية، وقد قالوا
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧]:
إنَّ صيغة الماضي في المعطوفِ مع كون المعطوف عليه مستقبلاً للدلالة على تقدُّم
الحشر على التسيير والرؤية، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. اهـ.
وقال بعضهم: إنه مما يقع عند النفخة الأولى، وذلك أنه ترجُف الأرض
والجبال، ثم تنفصل الجبالُ عن الأرض وتسير في الجوِّ، ثم تسقط فتصير كئيباً
مهيلاً، ثم هباءً منبثًا، ويرشدُ إلى أنَّ هذه الصيرورةَ مما لا يترتَّب على الرجفة
ولا تعقبها بلا مهلةٍ العطفُ بالواو دون الفاء في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُهُ اْأَرْضُ
وَاْجِبَالُ وَكَانَتِ لِبَالُ كَئِبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، والتعبيرُ بالماضي في قوله تعالى:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَرْتَهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧] لتحقُّق الوقوع كما مرَّ آنفاً، واليوم في
قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ) الآية، وقوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ) إلخ، يجوزُ
أن يجعل اسماً للحين الواسع الذي يقع فيه ما يكون عند النفخة الأولى من النسف
والتبديل وما يكون عند النفخة الثانية من اتِّباع الداعي والبروزِ لله تعالى الواحد
القهَّار، وقد حُمل اليوم على ما يسعُ ما يكون عند النفختين في قوله تعالى: ﴿فَإذَا
فَيَوْمَيِذٍ وَقَعَتِ
وَحِلَتِ الْأَرْضُ وَلِبَالُ فَدُكَّنَا ذَكَّةُ وَحِدَةً
تُفِخَ فِي الصُّورِ نَّفْسَةٌ وَحِدَةٌ ﴾
اُلْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٣-١٥] ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة: ١٨] وهذا كما تقولُ: جئتُه عامَ
كذا، وإنما مجيئك في وقت من أوقاته.
(١) في الإرشاد: ليشاهدها .

الآية : ٨٨
٨٩
سُورَةُ النَّصْلِل
وقد ذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ تبديل الأرض كالبروز بعد النفخة الثانية؛ لما في
صحيح مسلم عن عائشة: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ قولَ الله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ
اُلْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) فأين يكون الناس؟ قال: ((على الصراط))(١).
وجاء في غير خبرٍ ما يدلُّ على أنه قبل النفخة الأولى. وجمع صاحب
((الإفصاح)) بين الأخبار بأنَّ التبديل يقع مرتين: مرةً قبل النفخة الأولى، وأخرى بعد
النفخة الثانية(٢). وحكى في ((البحر)) أنَّ أول الصفات ارتجاجُها، ثم صيرورتُها
كالعهن المنفوش، ثم كالهباء بأن تتقطّع بعد أن كانت كالعهن، ثم نَسْفُها بإرسال
الرياح عليها، ثم تطبيرُها بالريح في الجو كأنها غبارٌ، ثم كونُها سراباً (٣). وهذا كلُّه
على ما يقتضيه كلام السفاريني قبل النفخة الثانية، ومَن تتبّع الأخبار وجدها ظاهرةً
في ذلك، والآيةُ هنا تحتمل كونَ الرؤية المذكورة فيها قبل النفخة الثانية وكونها
قبلها، فتأمَّل.
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ الظاهرُ أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمون الجملة السابقة، وهي جملةٌ
الحال، والعاملُ فيه ما دلَّتْ عليه من كون ذلك من صُنْعِه تعالى، فكأنه قيل:
صَنَعَ اللهُ تعالى ذلك صنعاً، وهذا نحوُ: له عليَّ ألفٌ عرفاً، ويسمَّى في
اصطلاحهم: المؤكِّد لنفسه، وإلى هذا ذهب الزجَّاج وأبو البقاء (٤).
وقال بعض المحققين(٥): مؤكِّدٌ لمضمون ما قبله على أنه عبارةٌ عمَّا ذكر(٦) من
النفخ في الصور وما ترتّب عليه جميعاً، قُصد به التنبيهُ على عظم شأن تلك
(١) صحيح مسلم (٢٧٩١)، وهو عند أحمد (٢٤٠٦٩).
(٢) ينظر التذكرة ص ١٩٢. وصاحب الإفصاح كما ذكر القرطبي هو أبو الحسن شيئ بن
إبراهيم. وهو المعروف بابن الحاج القِنَاوي القفطي، نحوي لغوي عروضي، من تصانيفه:
تهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية الراعي، صنفه للملك الناصر صلاح الدين، وحَزّ
الغلاصم في إفحام المُخاصِم، توفي سنة (٥٩٨هـ). معجم الأدباء ٢٧٧/١١، وفوات
الوفيات ١٠٨/٢.
(٣) البحر ٧ / ١٠٠.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣٠، والإملاء ١٤٢/٤.
(٥) هو أبو السعود في تفسيره ٣٠٥/٦.
(٦) في الأصل: ذكرنا.

سُورَةُ النَّمِ
٩٠
الآية : ٨٨
الأفاعيل وتهويل أمرها، والإيذان بأنها ليست بطريق إخلال نظام العالم وإفساد
أحوال الكائنات بالكلِّية من غير أن يكون فيه حكمةٌ، بل هي من قَبِيل بدائع صُنْعِ الله
تعالى المبنيّةِ على أساس الحكمة المستَشْبِعة للغايات الجميلة التي لأَجْلها رتِّبت
مقدِّماتُ الخلق ومبادي الإبداع على الوجه المتين والنهج الرصين كما يُعْرِبُ عنه
قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أتقن خَلْقَه وسوَّاه على ما تقتضيه
الحكمة. اهـ، وحُسْنُه ظاهر.
وقال الزمخشريُّ: هو من المصادر المؤكِّدة، إلا أنَّ مؤَّدَه محذوفٌ، وهو
الناصبُ لـ ((یوم ینفخ))، والمعنى: ویوم ینفخ في الصور فکان کیت وکیت أثاب الله
تعالى المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال سبحانه: ((صُنْعَ الله))، يريد عزَّ وجلَّ به
الإثابةَ والمعاقبة (١)، إلى آخر ما قال.
وهو يدلُّ على أنه فَرَضَ اليومَ ممتدًّا شاملاً لزمانِ النفختين وما بعدهما، وجَعَلَ
المصدر مؤكّداً لهذا المحذوف المدلولِ عليه بالتفصيل في قوله تعالى الآتي: (مَن
بَآءً) (وَمَنْ جَآءً) وباستدعاء ((يوم ينفخ)) ناصباً، وفرَّع عليه ما فرَّع.
وتعقّبه أبو حيان بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة لا يجوز حَذْفُ جملته؛
لأنه منصوبٌ بفعلٍ من لفظه، فيجتمعُ حذفُ الفعل الناصب وحذفُ الجملة التي أكُّد
مضمونُها بالمصدر، وذلك حذفٌ كثيرٌ مخلٌّ، ومَن تتبَّع مساق هذه المصادر التي
تؤكّد مضمونَ الجملة وَجَدَ الجمل مصرَّحاً بها لم يَرِدِ الحذفُ في شيءٍ منها؛ إذ
الأصل أن لا يحذف المؤكَّد، إذ الحذفُ ينافي التأكيد؛ لأنه من حيث أكِّد معتنّی
به، ومن حيث حُذِفَ غيرُ معتنّى به(٢).
وكأنَّ الداعي له إلى العدول عن الظاهر على ما قيل أنَّ الصنع المتقَنَ لا يناسبُ
تسيير الجبال ظاهراً، وأنت تعلم أنَّ هذا على طرف الثمام، نعم الأحسنُ جَعْلُه
مؤكّداً لمضمون ما ذُكر من النفخ في الصور وما بعده، وجيء به للتنبيه على عظم
شأن تلك الأفاعيل على ما سمعته عن بعض المحققين.
(١) الكشاف ٣/ ١٦٢.
(٢) البحر ٧/ ١٠١ .

الآية : ٨٨
٩١
سُورَةُ النَّصْلِ
وقيل: هو منصوبٌ على الإغراء، بمعنى: انظروا صنعَ الله. وهو كما ترى.
واستُدلَّ بالآية على جواز إطلاق الصانع على الله عزَّ وجلَّ، وهو مبنيٍّ على
مذهب مَن يرى أنَّ ورود الفعل كافٍ.
واستدلَّ بعضهم على الجواز المذكور بالخبر الصحيح: ((إنَّ الله صانعُ كلِّ صانعٍ
وصنعته))(١).
وتعقِّب بأنَّ الشرط أن لا يكون الواردُ على جهة المقابلة نحو ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ
تَحْنُ الَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] - خلافاً للحليميِّ على ما يقتضيه قولُه: يُستَحَبُّ لمن ألقى
بذراً في أرض أن يقول: الله تعالى الزارعُ والمُنْبتُ والمبلِّغُ(٢) - وما في هذا
الحديث من هذا القبيل.
وأيضاً ما في الخبر بالإضافة فلا يدلُّ على جواز الخالي عنها، ألا ترى أنَّ
قوله ◌َج: ((يا صاحبَ كلِّ نجوى أنت الصاحبُ في السفر))(٣) لم يأخذوا منه أنَّ
الصاحب من غير قيدٍ من أسمائه تعالى، فكذا هو لا يؤخذُ منه أنَّ الصانع من غير
قيدٍ من أسمائه تعالى، فتأمَّله.
ونحوُ هذا الاستدلالُ بخبرٍ مسلم: ((ليَعْزِمْ في الدعاء فإنَّ الله تعالى صانعٌ ما شاء
لا مُكْرِهَ له)»(٤) فإنَّ ما فيه من قبيل المضاف أو المقيَّد، والأَوْلَى الاستدلالُ بما صحَّ
(١) أخرجه بهذا اللفظ اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٤٢)، والذهبي في السير ١٢/ ١٢٧
من حديث حذيفة به، وذكره السيوطي في الجامع الصغير كما في فيض القدير ٢٣٨/٢
ورمز له بالصحة. وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص٢٥، ومن طريقه البيهقي في
الأسماء والصفات (٥٧٠) بلفظ: ((إن الله يصنع ... )).
وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٥٨)، والبزار (٢١٦٠ - كشف)، والحاكم ٣١/١ و٣٢،
وفيه عند ابن أبي عاصم والبزار: ((خلق))، بدل: ((يصنع)) وعند الحاكم: ((خالق)). قال
الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان ٣٣٣/١.
(٣) ذكره بهذا اللفظ المناوي في فيض القدير ٢٣٨/٢، والكلام منه، وأخرجه الحاكم
٥٤٤/١-٥٤٥ من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ه مطولاً دون قوله: أنت الصاحب في
السفر. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فإن رواته كلهم مدنيون ثقات.
(٤) صحيح مسلم (٢٦٧٩): (٩) من حديث أبي هريرة
.

سُوَرَةُ النَّصِ
٩٢
الآية : ٨٩
في حديث الطبرانيِّ والحاكم: ((اتقوا الله تعالى فإنَّ الله تعالى فاتحٌ لكم وصانعٌ))(١)
ولا فرق بين المعرَّف والمنكَّر عند الفقهاء؛ لأنَّ تعريف المنكَّر لا يغيِّر معناه، ولذا
يجوِّزون في تكبيرة الإحرام: الله أكبر.
واستدلَّ القاضي عبد الجبار(٢) بعموم قوله سبحانه: (أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ) على أنَّ قبائح
العبد ليست من خَلْقِه سبحانه، وإلا وَجَبَ وصفُها بأنها متقَنَّةٌ والإجماع مانعٌ منه.
وأجيب بأنَّ الآية مخصوصةٌ بغير الأعراض؛ لأنَّ الإتقان بمعنى الإحكام، وهو
من أوصاف المرَّبات، ولو سُلِّم فوَصْفُ كلِّ الأعراض به ممنوعٌ، فما من عامّ
إلا وقد خصَّ، ولو سلِّم فالإجماعُ المذكورُ ممنوعٌ بل هي متقنةٌ أيضاً، بمعنى أنَّ
الحكمة اقتضتها .
﴿إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ جَعَلَه بعضُ المحقّقين تعليلاً لكون ما ذُكر من
النفخ في الصور وما بعده صنعاً محكماً له تعالى ببيانٍ أنَّ علمه تعالى بظواهر أفعال
المكلَّفين وبواطِنِها ممَّا يستدعي إظهارها وبيانَ كيفياتها على ما هي عليه من الحُسْنِ
والسوء، وترتيبَ أَجْزِيتها(٣) عليها بعد بعثهم وحشرهم، وتسييرَ الجبال حَسْبَما نطق
به التنزیل.
وقوله تعالى: ﴿مَّن ◌َجَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَبِرٌ مِنْهَا﴾ بيانٌ (٤) لِمَا أُشيرَ إليه بإحاطة علمه
تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها(٥) عليها. وقال العلامة الطيبي: قوله تعالى:
(إِنَّهُ)(٦) .. إلخ استئنافٌ وقع جواباً لقولٍ مَن يسأل: فماذا يكون بعد هذه القوارع؟
فقيل: إنَّ الله خبيرٌ بعمل العاملين فيجازيهم على أعمالهم، وفصِّل ذلك بقوله
سبحانه: (مَّن ◌َجَآءً) إلخ.
(١) المعجم الكبير (٣٦٤٨)، والمستدرك ٣٨٢/٣-٣٨٣ من حديث خبّاب بن الأَرَتّ ﴿ه. قال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) كما في تفسير الرازي ٢٤/ ٢٢٠.
(٣) في (م): أخيريتها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦/ ٣٠٥، والكلام منه.
(٤) في الأصل و(م): بياناً، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٥) في (م): أخيريتها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٦) في الأصل و(م): إن الله، والصواب ما أثبتناه.

الآية : ٨٩
٩٣
سُورَةُ النَّصْلِ
والخطابُ في ((تفعلون)) لجميع المكلَّفين، وقرأ العَرَبيان وابن كثير: ((يفعلون))
بياء الغيبة(١) .
والمراد بالحسنة على ما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن
والنخعي وأبي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة: شهادةُ أنْ لا إله إلا الله.
ورَوَى عبد بن حميد وابنُ جريرٍ وابنُ المنذر عن أبي هريرة (٢)، وأبو الشيخ
وابنُ مردويه والديلميُّ عن كعب بن عُجْرةٍ (٣)، أنَّ النبيَّ وَّ فسَّرها بذلك. والمراد
بهذه الشهادة التوحيد المقبول.
وقيل: المراد بالحسنة ما يتحقَّقُ بما ذُكر وغيره من الحسنات، وهو الظاهرُ
نظراً إلى أنَّ اللام حقيقةٌ في الجنس. وقال بعضهم: الظاهرُ الأول؛ لأنَّ الظاهر
حَمْلُ المطلَق على الكامل، وأكملُ جنسٍ الحسنةِ التوحيدُ، ولو أريد العموم لكان
الظاهرُ الإتيان بالنكرة، ويكفي في ترجيح الأول ذهابُ أكثر السلف إليه، وإذا صحَّ
الحديثُ فيه لا يكاد يُعْدَلُ عنه. وكان النخعيُّ يحلف على ذلك ولا يستثني.
والظاهرُ أنَّ ((خيراً)) للتفضيل، وفَضْل الجزاء على الحسنة كائنةً ما كانت، قيل:
باعتبارِ الأضعاف أو باعتبار الدوام. وزعم بعضُهم أن الكلام بتقديرِ مضافٍ، أي:
خيرٌ من قَدْرِها، وهو كما ترى.
وقال بعض الأجلَّة: ثوابُ المعرفة النظرية والتوحيدِ الحاصل في الدنيا هي
المعرفةُ الضروريةُ على أكمل الوجوه في الآخرة، والنظرُ إلى وجهه الكريم جلّ
جلالهُ، وذلك أشرف السعادات.
(١) التيسير ص١٦٩، والنشر ٣٣٩/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر من رواية هشام، وهي
قراءة يعقوب من العشرة، والعربيان هما: أبو عمرو البصري وابن عامر الشامي.
(٢) تفسير الطبري ١٣٩/١٨-١٤٠، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١١٨/٥،
ووقع في الأصل و(م): ابن مردويه، بدل: ابن المنذر، والمثبت من الدر. وأخرجه أيضاً
إسحاق بن راهويه (١٩٢) و (٥٤٢).
(٣) الدر المنثور ١١٨/٥، وأخرجه أيضاً ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠٩/٦٠- ١١٠ من طريق
مقاتل بن سليمان، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي إياس، عن كعب بن عجرة
عن النبي ﴾. ومقاتل بن سليمان قال عنه الحافظ في التقريب: كذّبوه وهَجَروه،

سُورَةُ النَّصْلِ
٩٤
الآية : ٨٩
وقيل: إنَّ ((خيراً)) ليس للتفضيل و((من)) لابتداء الغاية، أي: فله خيرٌ من الخيور
مبدؤه ومنشؤه منها، أي: من جهة الحسنة، وروي ذلك عن ابن عباسٍ والحسنِ
وقتادةً ومجاهدٍ وابنٍ ◌ُريجٍ وعكرمة.
﴿وَهُمْ﴾ أي: الذين جاؤوا بالحسنة ﴿مِنْ فَعَ﴾ أي: فزع عظيم هائلٍ لا يَقادَرُ
قدرُه ﴿يَوْمَدٍ﴾ ظرفٌ منصوبٌ بقوله تعالى: ﴿مَامِنُونَ ﴾﴾ وبه أيضاً يتعلَّق (مِنْ
فَعَ)، والأمنُ يستعمل بالجارِّ وبدونه، كما في قوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ﴾
[الأعراف: ٩٩]. وجوِّز أن يكون الظرفُ منصوباً بـ ((فزع))، وأن يكون منصوباً
بمحذوفٍ وقع صفةً له، أي: من فزعٍ كائنٍ في ذلك الوقت.
وقرأ العربيان وابن كثير، وإسماعيل بن جعفر عن نافع: ((فزعٍ يومئذٍ)) بإضافة
((فزع)) إلى (يوم))، وكَسْرٍ ميم ((يوم)). وقرأ نافع في غير رواية إسماعيل كذلك إلا أنه
فتح الميم(١) فَتْحَ بناءٍ لإضافة ((يوم)) إلى غيرِ متمكّنٍ .
وتنوين ((إذا للتعويض عن جملة، والأَوْلَى على ما في ((البحر)) أن تكون
الجملةُ المحذوفةُ المعوّضُ هو عنها ما قَرُبَ من الظرف، أي: يوم إذ جاء
بالحسنة. وجوَّز أن يكون التقدير: يوم إذ ينفخ في الصور، لا سيما إذا أريد
بذلك النفخ النفخةُ الثانية (٢). واقتصر عليه شيخُ الإسلام، وفسَّر الفزع بالفزع
الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهورٍ الحسنات والسيئات،
وهو الذي في قوله تعالى: ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وحَكَى عن
الحسن أنَّ ذاك حين يؤمر بالعبد إلى النار، وعن ابن جُرَيْج أنه حين يُذْبَح الموتُ
ويُنادَى: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت(٣). وهو
كذلك في قراءة التنوين وقراءةِ الإضافة، ولا يراد به في القراءة الثانية جميعَ
الأفزاع الحاصلة يومئذٍ، ومدارُ الإضافة كونُ ذلك أعظم الأفزاع وأكبرَها كأنَّ
ما عداه ليس بفزعٍ بالنسبة إليه.
(١) وهو المشهور عنه، وبه قرأ الكوفيون وأبو جعفر، وقرأ الباقون بكسر الميم. وقرأ الكوفيون
أيضاً ((من فزع)) بالتنوين، والباقون بغير تنوين. التيسير ص ١٧٠، والنشر ٣٤٠/٢.
(٢) البحر ٧/ ١٠٢.
(٣) خبر ذبح الموت بصورة كبش سلف ٨٩/١٦.

الآية : ٩٠
٩٥
سُؤَةُ النَّصْلِ
وقال تبعاً لغيره: إنَّ الفزع المدلولَ عليه بقوله تعالى: ((ففزع)) إلخ ليس
إلا التهيُّبُ والرعبُ الحاصلُ في ابتداء الإحساس بالشيء الهائل، ولا يكاد يخلو
منه أحدٌ بحكم الجِلَّة وإن كان آمناً من لحاق الضرر به(١).
وقال أبو عليٍّ (٢): يجوز أن يراد بالفزع في القراءتين فزٌ واحد، وأن يراد به
الكثرةُ لأنه مصدر، فإنْ أُريدَ الكثرةُ شمل كلَّ فزع يكون في القيامة، وإن أريدَ
الواحدُ فهو الذي أشير إليه بقوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ). وسيأتي إن
شاء الله تعالى قريباً تتمةُ الكلام(٣) في الآية.
﴿وَمَنْ جَآءَ بِلسََِّّةِ﴾ وهو الشركُ، وبه فسَّرها مَن فسَّر الحسنة بشهادة أنْ لا إله
إلا الله، وقد علمتَ مَن هم. وقيل: المراد بها ما يعمُّ الشرك وغيره من السيئات.
﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ أي: كُبُّوا فيها على وجوههم منكوسين، فإسنادُ الكبِّ إلى
الوجوه مجازيٌّ لأنه يقال: كبَّه وأكبَّه، إذا نَّسه. وقيل: يجوز أن يراد بالوجوه
الأنفسُ، كما أريدتْ بالأيدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُ إِلَى الَُّكَةِ﴾
[البقرة: ١٩٥] أي: فكُبَّتْ أنفسهم في النار.
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ على الالتفات للتشديد، أو على
إضمار القول، أي: مقولاً لهم ذلك، فلا التفاتَ فيه لأنه في كلام آخر، ومن
شروط الالتفات اتحادُ الكلامين كما حقِّق في المعاني.
واستدل بعض المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصيةٌ كما لا ينفع مع
الكفر طاعةٌ بقوله تعالى: (مَن ◌َّةَ بِالْحَسَنَةِ) إلخ على أنَّ المؤمن العاصي لا يعذَّبُ
يوم القيامة، وإلا لم يكن آمناً من فزعٍ مشاهدةِ العذاب يومئذٍ، وهو خلافُ ما دلَّت
عليه الآيةُ الكريمة.
وأجيب بمنع دخول المؤمن العاصي في عموم الآية؛ لأنَّ المراد بالحسنة
الحسنةُ الكاملة، وهو الإيمان الذي لم تدنِّسْهُ معصيةٌ، وذلك غيرُ متحقّقٍ فيه، أو
(١) تفسير أبي السعود ٣٠٥/٦.
(٢) في الحجة ٤٠٩/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ١٠٢ .
(٣) في (م): للكلام.

سُورَةُ النَّصْلِ
٩٦
الآية : ٩١
لأنَّ المتبادر المجيءُ بالحسنة غيرَ مشوبةٍ بسيئةٍ، وهو أيضاً غيرُ متحقٌّقٍ فيه، ومَن
تحقَّق فيه فهو آمنٌ من ذلك الفزع، بل لا يبعد أن يكون آمناً من كلِّ فزع من أفزاع
يوم القيامة.
وإن سلِّم الدخولُ قلنا: المرادُ بالفزع الآمنِ منه مَن جاء بالحسنة ما يكون حين
يُذْبَحُ الموت وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ
فلا موت، كما سمعتَ عن ابن جريجٍ، أو حين تُطْبِقُ جهَّمُ على أهلها فيفزعون
كما روي عن الكلبي، وليس ذلك إلَّا بعد تكاملٍ أهل الجنة دخولاً الجنة،
والعذابُ الذي يكون لبعض عصاة المؤمنين إنما هو قبل ذلك، والآيةُ لا تدلُّ على
نفیه بوجهٍ من الوجوه.
وأجاب بعضهم بأنه يجوزُ أن يكون المؤمن العاصي آمناً من فزع مشاهدة
العذاب وإنْ عُذِّبَ؛ لعلمه بأنه لا يخلد، فيعدُّ عذابه كالمشاقِّ التي يتكلَّفها المحبُّ
في طريق وصالِ المحبوب، وهذا في غاية السقوط كما لا يخفى.
واستدلَّ بعضُ المعتزلة بقوله تعالى: (وَمَن جَّةَ بِلسَِّئَةِ) إلخ على عدم الفرق بين
عذاب الكافر وعذاب المؤمن العاصي؛ لأنَّ ((مَن جاء بالسيئة)) يعمُّها، وقد أُثْبِتَ له
الكبُّ على الوجوه في النار، فحيث كان ذلك بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود
كان بالنسبة إلى المؤمن العاصي كذلك.
وأجيب بأنَّ المراد بالسيئة الإشراكُ كما روي تفسيرُها به عن أكثر سلف الأمة،
فلا يدخل المؤمنُ العاصي فيمَن جاء بالسيئة، ولو سلِّم دخولُه بناءً على القول
بعموم السيئة فلا نسلِّم أنَّ في الآية دلالةٌ على خلوده في النار، وكونُ الكبِّ في
النار بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود لا يقتضي أن يكون بالنسبة إليه كذلك،
فكثيراً ما يحكم على جماعةٍ بأمرٍ كلِّيَّ ويكون الثابتُ لبعضهم نوعاً وللبعض الآخَرِ
نوعاً آخَرَ منه، وهذا مما لا ريب فيه، ثم إنَّ الآية من باب الوعيد فيجري فيها على
تقدير دخول المؤمن العاصي في عموم ((مَن)) ما قاله الأشاعرة في آيات الوعيد،
فانهم وتأمَّل.
﴿إِنَّمَاَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَّلْدَةِ الَّذِىِ حَرَّمَهَا﴾ استئنافٌ بتقديرٍ ((قل)) قبله،
وهو أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهؤلاء الكفرة ذلك بعد ما بيَّن لهم

الآية : ٩١
٩٧
سُوَّةُ النَّصْلِ
أحوال المبدأ والمعاد وشَرَحَ أحوالَ القيامة، إثارةً لهممهم بألطف وجهٍ إلى أن
يشتغلوا بتدارُكِ أحوالهم وتحصيلِ ما ينفعهم، والتوجُّهِ نحو التدبُّر فيما قَرَعَ
أسماعهم من الآيات الباهرة الكافية في إرشادهم والشافية لعللهم.
والبلدة على ما روي عن ابن عباس وقتادةً وغيرِهما هي مكةُ المعظّمة. وفي
(تاريخ مكة))(١) أنها منّى، قال: حدثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرَّةٍ(٢)، عن خلَّاد بن
يحيى، عن سفيان أنه قال: البلدة منّى، والعربُ تسمِّيها بلدةً إلى الآن. وأخرج ابن
أبي حاتم عن أبي العالية تفسيرَها بذلك أيضاً (٣).
وذكر بعضُ الأجلَّة أنَّ أكثر المفسّرين على الأول، وتخصيصُها بالإضافة لتفخيم
شأنها وإجلالِ مكانها، والتعرُّض لتحريمه تعالى إياها تشريفٌ لها بعد تشريفٍ،
وتعظيمٌ إثرَ تعظيم، مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر وموجب الامتثال به كما في
قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أَلْبَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَّهُم مِّنْ
خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣-٤] ومن الرمز إلى غاية شناعةٍ ما فعلوا فيها، ألا ترى أنهم مع
كونها محرَّمةً من أن تُنْتَهكَ حرمتُها باختلاء خلاها، وعَضْدِ شجرها، وتنفیرِ
صيدها، وإرادةِ الإلحاد فيها، قد استمرُّوا فيها على تعاطي أفظع أفراد الفجور
وأشنع آحاد الإلحاد، حيث تركوا عبادةَ ربِّها، ونصبوا فيها الأوثان وعكفوا على
عبادتها قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون.
ولا تعارُضَ بين ما في الآية من نسبة تحريمها إليه عزَّ وجلَّ وما في قوله عليه
الصلاة والسلام: ((إنَّ إبراهيم عليه السلام حرَّم مكة وأنا حرَّمتُ المدينة))(٤) من نسبة
تحريمها إلى إبراهيم عليه السلام؛ لأنَّ ما هنا باعتبارِ أنه هو المحرِّم في الحقيقة،
وما في الحديث باعتبارِ أنَّ إبراهيم عليه السلام مُظْهِرٌ لحُكْمِه عزَّ شأنه. وقرأ ابن عباس
وابن مسعود: ((التي))(٥) صفة للبلدة، وقراءة الجمهور أبلغُ في التعظيم، ففي ((الكشف))
(١) للفاكهي (٢٥٥٩).
(٢) في الأصل: يحيى بن أبي ميسرة، وفي (م): يحيى بن ميسرة، والمثبت من تاريخ مكة، وهو
الصواب.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٣٦/٩.
(٤) أخرجه مسلم (١٣٦٢) من حديث جابر ظـ
﴾ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١١١، والبحر ١٠٢/٧ .

سُورَةُ النَّصْلِ
٩٨
الآية : ٩٢
أنَّ إجراء الوصف على الربِّ تعالى شأنُه تعظيمٌ لشأن الوصف ولشأن ما يتعلَّق به
الوصف، وزيادةُ اختصاصٍ له بمن أُجريَ عليه الوصف على سبيل الإدماج، وجَعْلُ
ذلك كالمسلَّم المبرهَنِ، ولا كذلك لو وصفت البلدة بوصفٍ تخصيصاً أو مدحاً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ، كُلُّ شَىْءٍ﴾ - أي: خَلْقاً وملكاً وتصرُّفاً، من غير أن
يشاركه سبحانه شيءٌ في شيءٍ من ذلك - تحقيقٌ للحقِّ، وتنبيهٌ على أنَّ إفراد مكةً
بالإضافة لِمَا مرَّ من التفخيم والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات.
واستدلَّ به بعض الناس لجواز ما يقوله جَهَلةُ المتصوِّفة: شيءٌ لله؛ لأنه في معنى:
كلُّ شيءٍ لله عزَّ وجلَّ، نحو: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٌ(١)، وأنت تعلم أنهم لا يأتون به
لإرادة ذلك، بل يقولون: شيء لله يا فلان، لبعض الأكابر من أهل القبور، إمَّا على
معنى: أعطني شيئاً لوجه الله تعالى يا فلان، أو: أنت شيءٌ عظيم من آثار قدرة الله
تعالى. وقد وجَّهه بذلك مَن لم يكفِّرهم به، وهو الحقُّ وإن كان في ظاهره على أول
التوجيهين طلبُ شيءٍ ممن لا قدرةً له على شيءٍ، نَعَم الأَوْلَى صيانةُ اللسان عن أمثال
هذه الكلمات. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ أي: أَثْبُتَ على ما كنتُ عليه من
كوني من جملة الثابتين على ملَّة الإسلام والتوحيد، أو (٢) الذين أسلموا وجوههم لله
تعالى خالصةً، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥].
﴿وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَّ﴾ أي: أُواظبَ على قراءته على الناس بطريق تكرير الدعوة
وتثنية الإرشاد؛ لكفايته في الهداية إلى طريق الرشاد.
وقيل: أي: أواظبَ على قراءته لينكشف لي حقائقُه الرائقة المخزونة في
تضاعيفه شيئاً فشيئاً، فإنَّ المواظبة على قراءته من أسباب فتح باب الفيوضات
الإلهية والأسرارِ القدسية، وقد حُكي أنه مَ له قام ليلةً يصلِّي، فقرأ قوله تعالى: ﴿إِن
تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فما زال يكرِّرها ويَظْهَرُ له من أسرارها ما يَظْهَرُ
حتى طلع الفجر(٣).
(١) قطعة من خبر لابن عمر كما سيرد عند تفسير الآية (١٤) من سورة التكوير.
(٢) في تفسير أبي السعود ٣٠٦/٦ (والكلام منه): أي.
(٣) أخرجه بنحوه أحمد (٢١٤٩٥)، والنسائي في المجتبى ١٧٧/٢، وابن ماجه (١٣٥٠) من
حديث أبي ذر .

الآية : ٩٢
٩٩
سُورَةُ النَّصْلِ
وقيل: ((أتلو)) مِن ثَلَاه: إذا تَبعه، أي: وأنْ أَتَّبع القرآن، وهو خلافُ الظاهر.
ويؤيِّد ما ذكرناه أولاً من المعنى ما في حرف أبيٍّ كما أخرجه أبو عبيد وابن
المنذر عن هارون: ((واتلُ عليهم القرآن))(١). وحَكَى عنه في ((البحر)) أنه قرأ: ((واتلُ
هذا القرآن))(٢)، ولا تأييدَ فیه لِمَا ذکرنا.
وقرأ عبد الله: ((وأن اتلُ)) بغير واو أمراً من تلا(٣)، فجاز أن تكون ((أنْ))
مصدريةً وُصلت بالأمر، وجاز أن تكون مفسِّرةً على إضمار أُمرتُ.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ أي: بالإيمان بالقرآن، والعملِ بما فيه من الشرائع والأحكام.
وقيل: أي: بالاتِّباع فيما ذكر من العبادة والإسلام، وتلاوة القرآن أو اتِّباعه ﴿فَإِنَّمَا
يَدِى لِنَفْسِهِ﴾ أي: فإنما منافعُ اهتدائه تعود إليه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالكفر به والإعراض عنه، وقيل: بالمخالفة فيما ذكر، ﴿فَقُلْ﴾
أي: له ﴿إِنَّمَآ أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾﴾ وقد خرجتُ عن عهدة الإنذار فليس عليَّ من
وبالِ ضلالك شيءٌ وإنما هو عليك فقط، ويُعلم مما ذكرنا أنَّ جواب الشرط جملةٌ
القول وما في حيِّزه، والرابط المشترَطُ في مثله محذوفٌ، وقدَّره بعضهم بعدَ
((المنذرين))، أي: من المنذرين إياه.
وجوَّز أبو حيان كونَ الجواب محذوفاً، أي: مَن ضلَّ فوبالُ ضلاله مختصُّ به،
وحُذف ذلك لدلالة جواب مُقابِله عليه (٤).
وجوَّز بعضهم كونَ الجملة بعدُ هي الجواب، ولكونها كنايةً تعريضيةً عما قدَّره
أبو حيان لم تَحتَجْ إلى رابطٍ.
ثم إنَّ ظاهر التصريح بـ ((قل)) هنا يقتضي أن يكون ((فمن اهتدى)) إلخ من كلامه
عزَّ وجلَّ، عقَّب به أمره وَ له بأن يقول لهم ما قبله، ولا بُعْدَ في كونه من مقول
(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٩/٥ وعنه نقل
المصنف، وجاء في فضائل القرآن: مروان، بدل: هارون.
(٢) البحر ١٠٢/٧.
(٣) القراءات الشاذة ص ١١١، والبحر ١٠٢/٧، والكلام منه.
(٤) البحر ٧ /١٠٢.

سُورَةُ النَّصْلِّ
١٠٠
الآية : ٩٣
القول المقدَّر قبل قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ) كما سمعتَ.
﴿وَقُلِ الْحَمَّدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أفاض عليَّ من نَعْمائِهِ التي من أجلِّها نعمةُ النبؤَّةِ
المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية، ووفَّقني لتحمُّل أعبائها وتبليغ أحكامها
بالآيات البيِّنةِ والبراهين النّيِّرة.
وقولُه تعالى: ﴿سَيِّكُمْ ءَئِهِ﴾ من جملة الكلام المأمور به، أي: قل سيُريكم
آياته سبحانه ﴿فَعْرِفُونَها﴾ أي: فتعرفون أنها آياتُ الله تعالى حيث لا تنفعكم
المعرفة .
وقيل: أي: سيُريكم في الدنيا، والمراد بالآيات الدخان وما حلَّ بهم من
نقمات الله تعالى، وعُدَّ منها قتلُ يوم بدرٍ، واعترافُ المقتولينَ بذلك بالفعل(١)،
واعترافُ غيرهم بالقوة.
وقيل: هي خروجُ الدابة وسائرُ أشراط الساعة، والخطابُ لجنس الناس لا لمن
في عهد النبوة.
وأخرج ابن أبي حاتم وجماعةٌ عن مجاهدٍ أنَّ المراد بالآيات الآياتُ الأنفُسِيةُ
والآفاقية(٢)، فالآيةُ كقوله تعالى: ﴿سَؤُّرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
[فصلت : ٥٣].
وقيل: المراد بها معجزاتُ الرسولِ وَّه، وإضافتُها إلى ضميره تعالى لأنها فِعْلُه
عزَّ وجلَّ، أظهرها على يدِ رسوله عليه الصلاة والسلام للتصديق، والمراد بالمعرفة
ما یجامِعُ الجحود.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣)﴾ كلامٌ مسوقٌ من جهته سبحانه
بطريق التذييل مقرِّرٌ لِمَا قبله متضمِّنٌ للوعد والوعيد، كما ينبئُ عنه إضافة الربِّ إلى
ضميره وَّله، وتخصيص الخطاب أوَّلاً به عليه الصلاة والسلام وتعميمُه ثانياً للكفرة
تغليباً، أي: وما ربُّك بغافل عما تعملُ أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها
الكفرة من السيئات فيجازي كلَّا منكم بعمله لا محالة.
(١) في الأصل: الفعل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٦١/٧، والكلام منه.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٧.