Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٨٢
٦١
سُورَةُ الْتَسْلِ
وأخرج نعيم بن حماد عن وهب بن منبِّهٍ قال: أولُ الآيات الروم، والثانية
الدجّال، والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسى، والخامسة الدخان، والسادسة
الدابة(١). وصوَّب السفارينيُّ أنها قبل الدخان.
والحقُّ أنها تخرج وفي الناس مؤمنٌ وكافر، فالظاهرُ أنَّ الخبر المذكور عن ابن
مسعود غيرُ صحيح، ويدلُّ على ما ذكرنا من الحقِّ: ما أخرج أحمد والطيالسيُّ
ونعيم بنُ حمادٍ وعبد بنُ حُميدٍ والترمذيُّ وحسّنه وابنُ ماجه وابن جَريرٍ وابن المنذر
وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((البعث)) عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((تَخْرجُ دابَّةُ الأرض ومعها عصا موسى وخاتمُ سليمان
عليهما السلام، فتجلو (٢) وجه المؤمن بالخاتم، وتَخْطِمُ أنفَ الكافر بالعصا، حتى
يجتمع الناس على الخِوَانِ يُعْرَفُ المؤمنُ من الكافر))(٣) ..
وقد اختلفت الروايات فيها اختلافاً كثيراً؛ فحكى أبو حيان في ((البحر))،
والدميري في ((حياة الحيوان)) رواية أنه يخرجُ في كلِّ بلدٍ دابَةٌ مما هو مبثوتٌ(٤) نوعُها
في الأرض، فليست دابةً واحدةً(٥). وعليه يراد بـ ((دابة)) الجنسُ الصادقُ بالمتعدِّد.
وأكثر الروايات أنها دابةٌ واحدة، وهو الصحيحُ.
(١) الفتن لنعيم بن حماد (١٨٥٣).
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): قال الطيبي: أهل الحديث يروونه بالحاء المهملة وفتح اللام
والهمز، من حلأتُ الأديم: إذا قشرته، وفي ((الكشاف)) وكذا في ((المطلع)): بالجيم، من
جلوتُ السيف: إذا صقلته. اهـ منه.
(٣) مسند أحمد (٧٩٣٧)، ومسند الطيالسي (٢٥٦٤)، وسنن ابن ماجه (٤٠٦٦)، وسنن
الترمذي (٣١٨٧)، والفتن لنعيم بن حماد (١٨٦١)، وتفسير الطبري ١٢٥/١٨، وتفسير ابن
أبي حاتم ٢٩٢٣/٩، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي السيوطي في
الدر ١١٦/٥ وعنه نقل المصنف، قال الترمذي: حديث حسن غريب. أهـ. وفي إسناده
علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ورواية أحمد وابن ماجه: فتجلو وجه المؤمن
بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، وكذا في رواية الترمذي والطبري. إلا أن فيهما:
تختم، بدل: تخطم. قال السندي في شرح سنن ابن ماجه ٥٠٤/٢: تخطم كتضرب لفظاً
ومعنَّى، وقال السيوطي: أي: قسمه.
(٤) في الأصل: مثبوت.
(٥) البحر ٩٦/٧، وحياة الحيوان ٣٢٣/١.

سُورَةُ النَِّ
٦٢
الآية : ٨٢
وفي التعبير(١) عنها باسم الجنس، وتأكيدِ إبهامه بالتنوين الدالِّ على التفخيم،
من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى.
وعلى كونها واحدةً اختلف فيها أيضاً؛ فقيل: هي من الإنس، واستُؤنس له
بما رَوَى محمد بن كعب القرظيُّ قال: سئل عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه عن الدابّة
فقال: أما واللهِ إنها ليست بدابةٍ لها ذَنَبٌّ، ولكن لها لحية(٢).
وفي ((الميزان)) للذهبي عن جابر الجعفي - وهو كذَّاب؛ قال أبو حنيفة: ما لقيتُ
أكذَب منه - أنه كان يقول: هي من الإنس، وأنها عليٍّ نفسُه كرم الله تعالى
وجهه (٣). وعلى ذلك جمعٌ من إخوانه الشيعة، ولهم في ذلك رواياتٌ:
منها ما رواه علي بن إبراهيم في ((تفسيره)) عن أبي عبد الله رائه قال: قال رجل
لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان، آية في كتاب الله تعالى أفسدتْ قلبي. قال عمار:
وأيَّة آيةٍ هي؟ فقال: قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) الآيةَ، فأيَّة دابةٍ هذه؟ قال
عمار: والله ما أجلسُ ولا آكلُ ولا أشربُ حتى أُريكها. فجاء عمارٌ مع الرجل إلى
أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وهو يأكلُ تمراً وزبداً، فقال: يا أبا اليقظان،
هلمَّ. فجلس عمار يأكل معه، فتعجَّب الرجل منه، فلما قام عمار قال الرجل:
سبحان الله! حلفتَ أنك لا تجلسُ ولا تأكل ولا تشربُ حتى تُرينيها. قال عمار:
قد أريتُكَها إن كنتَ تعقل(٤).
وروى العياشيُّ هذه القصة بعينها عن أبي ذرِّ أيضاً(٥).
وكلُّ ما يروونه في ذلك كذبٌ صريح، وفيه القولُ بالرجعة التي لا ينتهضُ لهم
عليها دليل(٦). وفي بعض الآثار ما يعارِضُ ما ذكر، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن
(١) في الأصل و(م): فالتعبير، بدل: وفي التعبير، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦/ ٣٠١،
والكلام منه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٤.
(٣) الميزان ٣٨٠/١ و٣٨٤.
(٤) مجمع البيان ١٩/ ٢٥٠.
(٥) المصدر السابق.
(٦) أخرج ابن سعد ٣٩/٣ عن الحسن بن عليٍّ أنه قيل له: إن ناساً من شيعة أبي الحسن عليّ
1

الآية : ٨٢
٦٣
سُورَةُ النَّسْلِ
النزَّال بن سَبْرَة قال: قيل لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه: إنَّ ناساً يزعمون أنك دابةُ
الأرض؟ فقال: والله إنَّ لدابة الأرض لَرِيشاً وزغباً، ومالي ريشٌ ولا زغبٌ، وإنَّ
لها لحافراً ومالي من حافرٍ، وإنها لتخرج من حفز الفرس الجواد ثلاثاً، وما خرج
ثلثُها(١) .
والمشهور - وهو الحقُّ - أنها دابةٌ ليست من نوع الإنسان، فقيل: هي الثعبان
الذي كان في جوف الكعبة واختطفته العقاب حين أرادت قريشٌ بناء البيت الحرام
فمنعهم، وأن العقاب التي اختطفته ألقته بالحَجُون فالتقمته الأرض. وذكر ذلك
الدمیريُّ عن ابن عباس(٢).
والأكثرون على أنها غيرُها؛ أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الزبير(٣)
أنه وصف الدابة فقال: رأسُها رأسُ ثورٍ، وعينُها عينُ خنزير، وأذنُها أذنُ فيلٍ،
وقرنُها قرنُ أُيَّل، وعنُقها عنقُ نعامةٍ، وصدرُها صدرُ أسدٍ، ولونُها لونُ نمرَ،
وخاصرتُها خاصرةُ هرةٍ، وذَنَبها ذنبُ كبش، وقوائمها قوائم بعيرٍ، بين كلِّ مفصلين
اثنا عشر ذراعاً. زاد ابن جرير(٤): بذراع آدم عليه السلام. ونقل السفارينيُّ عن
كعب أنه قال: صوتُها صوتُ حمار. وأخرج ابن المنذر(٥) عن ابن عباس أنه قال:
الدابةُ مؤلَّفةٌ ذاتُ زغبٍ وريشٍ، فيها من ألوان الدوابِ كلِّها، وفيها من كلِّ أمَّةٍ
سِيما، وسيماها من هذه الأمة أنها تتكلّم بلسانٍ عربيٍّ مُبين.
يزعمون أنه دابة الأرض، وأنه سيبعث قبل يوم القيامة. فقال: كذبوا، ليس أولئك شيعته،
=
أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه، ولا أنكحنا نساءه.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٥، والدر المنثور ١١٧/٥، وفيهما: وإنها لتخرج من حفر
الفرس الجواد ثلاثاً وما خرج ثلثاها.
(٢) حياة الحيوان ٣٢٣/١.
(٣) في الأصل و(م): ابن الزبير، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٢٤/٩، والدر المنثور
١١٧/٥، وعنه نقل المصنف، ومثله في تفسير أبي الليث ٢/ ٥٠٥، وزاد المسير ١٩٠/٦.
وینظر تهذيب الكمال ٣٤٣/١٨.
(٤) كذا في الأصل و(م)، ولم نقف عليه عند الطبري، ولعل الصواب: الزمخشري، وهذه
الزيادة في الكشاف ١٦٠/٣.
(٥) كما في الدر المنثور ١١٧/٥ .

سُوَّةُ النَّمِ
٦٤
الآية : ٨٢
وعن أبي هريرةً أنه قال: فيها من كلِّ لونٍ، وما بين قرنيها فرسخٌ للراكب(١).
وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنَّ لها عنقاً مشرفاً يراها مَن بالمشرق
كما يراها مَن بالمغرب، ولها وجهٌ كوجه الإنسان ومنقارٌ كمنقار الطير، ذاتُ وَبَرِ
وزغبٍ.
وعن وهبٍ: وجهُها وجهُ رجلٍ، وسائرُ خَلْقِها كخَلْقِ الطير. وصرّح في بعض
الروايات بأنَّ لها جناحين. وذكر بعضُهم أن طولها ستُّون ذراعاً.
واختلف في محلِّ خروجها؛ فقيل: المسجد الحرام، لِمَا أخرج ابن جريرٍ عن
حذيفة بن اليمان قال: ذَكَر رسول الله ﴿﴿ الدابَّة، فقال حذيفة: يا رسول الله، من
أين تخرجُ؟ قال: ((من أعظم المساجد حرمةً على الله تعالى، بينما عيسى عليه
السلام يطوفُ بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطربُ الأرض من تحتهم، تُحرِّكُ
القنديل، وينشقُّ الصَّفا مما يلي المسجد، فتخرج الدابَّةُ من الصفا، أول ما يبدو
رأسها ملمَّعةً ذاتَ وبرٍ وريش، لن يدركها طالبٌ ولن يفوتَها هاربٌ، تَسِمُ الناس
مؤمنٌ وکافرٌ، أمَّا المؤمنُ فیری وجهُه کأنه کو کبٌ درِّيٌّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن،
وأما الكافرُ فتنكُتُ بين عينيه نكتةً سوداء وتكتب: كافر))(٢). وأخرج ابن أبي شيبة
والخطيب في ((تالي التخليص)) عن ابن عمر قال: تخرجُ الدابَّةُ من جبل جياد في
أيام التشريق والناسُ بمنى(٣).
وأخرج ابن مردويه والبيهقيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((تخرج
دابةُ الأرض من جياد، فيبلغ صَدْرُها الركنَ ولم يخرج ذَنَّبُها بعدُ، وهي دابةٌ ذاتُ
وبرٍ وقوائم)، (٤).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٩٢٥/٩.
(٢) تفسير الطبري ١٢٤/١٨-١٢٥. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إسناده لا يصح، اهـ.
قلنا: في إسناده روَّاد بن الجراح عن سفيان بن سعيد الثوري، قال الحافظ في التقريب:
رؤَّاد بن الجراح صدوق اختلط بأخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٦٧/١٥ و١٨١، وتالي تلخيص المتشابه ٣٨٥/٢.
(٤) الدر المنثور ١١٧/٥، وأخرجه أيضاً الذهبي في الميزان ٨٤/٣-٨٥، وهو من طريق عقبة بن
أبي الحسناء عن أبي هريرة، قال الذهبي: عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة مجهول.

الآية : ٨٢
٦٥
سُورَةُ الْنَصِ
وأخرج البخاريُّ في ((تاريخه))، وابن ماجه وابن مردويه عن بريدة عظته قال:
ذهب بي رسول الله وَله إلى موضعٍ بالبادية قريبٍ من مكة، فإذا أرضٌ يابسةٌ حولها
رملٌ، فقال رسول الله وَّهِ: ((تخرجُ الدابةُ من هذا الموضع)) فإذا شبرٌ في شبرٍ(١).
وجاء في بعض الروايات أنها تخرج من أقصى البادية، وفي بعضٍ من مدينة قوم
لوط، وفي بعضٍ أنَّ لها ثلاثَ خرجاتٍ في الدهر: تخرجُ في أول خرجةٍ في أقصى
اليمن منتشراً ذكرُها بالبادية، ولا يدخل ذكرُها القريةَ - يعني مكة - ثم تخرج خرجةً
أخرى فيعلو ذكرها في البادية ويدخل القرية، ثم بينما الناس في أعظم المساجد
حرمةً لم يَرُغهم إلا وهي في ناحية المسجد من الركن الأسود وباب بني مخزوم،
فيرفضُّ الناس عنها شتَّى، وتَثْبتُ عصابةٌ من المسلمين عرفوا أنهم لن يُعْجِزوا الله
تعالى، فتنفُضُ عن رأسها الترابَ فتجلو عن وجوههم حتى كأنهم الكواكب
الدرية(٢).
واختلف أيضاً في أنها هل تُخلَقُ يوم تخرج أو هي مخلوقةٌ الآن؟ فقيل: إنها
تُخْلَقُ یوم تُخْرُج.
وقيل: إنها مخلوقة الآن، لكن لم تؤمر بالخروج؛ واستدلَّ بما روي عن ابن
عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو مُحْرِمٌ؛ وقال: إنَّ الدابة لتسمعُ قَرْعَ عصايَ هذه.
وعليه مَن يقول: إنها الثعبان، ومَن يقول: إنها الجسَّاسة التي تتجسَّسُ الأخبارَ
للدجال، كما هو المرويُّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وزعم بعضُهم أنها مخلوقٌ في عهد الأنبياء المتقدِّمين عليهم السلام، فقد أخرج
ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن: أنَّ موسى
(١) الدر المنثور ١١٧/٤، والتاريخ الكبير ١٦١/٣، وسنن ابن ماجه (٤٠٦٧)، وفيه: فتر في
شبر، وكذا أخرجه أحمد (٢٣٠٢٣)، وابن الجوزي في العلل (١٥٢٥). وهو من طريق
خالد بن عبيد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. قال ابن الجوزي: قال أبو حاتم بن حبان:
خالد بن عبيد يروي عن أنس نسخة موضوعة، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب.
(٢) قطعة من حديث أخرجه الطيالسي (١٠٦٩) عن حذيفة بن أسيد مرفوعاً بإسنادين، الأول فيه
رايٍ مبهم، والثاني فيه طلحة بن عمرو، وهو متروك كما في الميزان ٣٤٠/٢-٣٤٢.
وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٨٤/٢، والطبري ١٢٢/١٨-١٢٣، والحاكم ٤٨٤/٤
وصححه عن حذيفة مص ﴿ موقوفاً.
١

سُورَةُ النَّصِ
٦٦
الآية : ٨٢
عليه السلام سأل ربَّه سبحانه أن يُرِيَه الدابةَ، فخرجت ثلاثةَ أيام ولياليهنَّ تذهبُ في
السماء لا يُرى واحدٌ من طرفيها، فرأى عليه السلام منظراً فَظيعاً فقال: يا ربّ
رُدَّها. فردَّها(١).
وجاء في حديثٍ أخرجه نعيم بن حماد في ((الفتن))، والحاكم في ((المستدرك))
عن ابن مسعود: أنها إذا خرجتْ تقتلُ إبليس عليه اللعنةُ وهو ساجدٌ، وذلك بعد
طلوع الشمس من مغربها(٢)، وتحقُّق هلاكه عنده. والأخبارُ في هذه الدابة كثيرة.
وفي ((البحر)) أنهم اختلفوا في ماهيتها، وشكلها، ومحلِّ خروجها، وعددٍ
خروجها، ومقدارٍ ما يخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به، اختلافاً
مضطرباً معارضاً بعضه بعضاً، فاَّحْنا ذكره لأنَّ نقله تسويدٌ للورق بما لا يصحُ
وتضييعٌ لزمان نقله(٣). اهـ.
وهو كلامٌ حقٌّ وأنا إنما نقلتُ بعضَ ذلك دفعاً لشهوةٍ مَن يحبُّ الاطلاع على
شيءٍ من أخبارها صدقاً كان أو كذباً، وقد تصدَّى السفاريني في كتابه «البحور
الزاخرة)) للجَمْعِ بين بعض هذه الأخبارِ المتعارِضة، ولا أظنُّه أتى بشيءٍ.
ثم إنَّ الأخبار المذكورة أقربُها للقبول الخبر الذي حسَّنه الترمذيُّ، ومن
الأخبار في هذا الباب ما صحَّحه الحاكم، وتصحيحُه محكومٌ عليه بين المحدِّثين
بعدم الاعتبار. وقُصارى ما أقول في هذه الدابة: إنها دابةٌ عظيمةٌ ذاتُ قوائم،
ليست من نوع الإنسان أصلاً، يُخرجها الله تعالى آخر الزمان من الأرض.
وفي تقييد إخراجها بقوله سبحانه: (مِنَ الْأَرْضِ) نوعُ إشارةٍ - على ما قيل - إلى
أنَّ خلْقَها ليس بطريق التوالُدِ، بل هو بطريقِ التولَّد، نحو خَلْقِ الحشرات.
وقيل: إنه للإشارة إلى تكوُّنها في جوف الأرض، فيكون في إخراجها من
الأرض رمزٌ إلى ما يكون في الساعة التي أُخرجت هي بين يديها، من تشقُّق الأرض
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٦٦/١٥، والكلام من الدر المنثور ١١٥/٥.
(٢) الفتن (١٨٥٧)، والمستدرك ٥٢١/٤-٥٢٢ مطولاً من طريق ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن
حسين، عن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، عن
النبي ◌ُّه. قال الحاكم: عبد الوهاب بن حسين مجهول.
(٣) البحر ٧ / ٩٦ - ٩٧.

الآية : ٨٢
٦٧
سُورَةُ النَّصْلِّ
وخروج الناس من جوفها أحياءً كاملةً خلقتُهم. وفي هذا وما قبله ذهابٌ إلى تعلُّق
(من الأرض)) بـ ((أخرجنا))، وهو الظاهرُ الذي ينبغي أن يعوَّل عليه، دون كونه متعلِّقاً
بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((دابة))، أي: دابةً كائنةً من الأرض.
﴿ِتُكَلِمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾ أي: تكلّمهم بأنهم كانوا
لا يتيقَّنون بآيات الله تعالى الناطقةِ بمجيء الساعة ومباديها، أو بجميع آياته التي من
جملتها تلك الآيات.
وقيل: بآياته التي من جملتها خروجها بين يدي الساعة، وليس بذاك.
وإضافةُ الآيات إلى نون العظمة لأنها حكايةٌ منه تعالى لمعنى قولها لا لِعَيْنِ
عبارتها. وقيل: لأنها حكايةٌ منها لقول الله عزَّ وجلَّ. وقيل: لاختصاصها به تعالى
وأَثَرتِها عنده سبحانه، كما يقول بعض خواصٌ الملك: خيلُنا وبلادنا، وإنما الخيل
والبلاد لمولاه. وقيل: هناك مضافٌ محذوف، أي: بآيات ربِّنا.
والظاهر أنَّ ضمير الجمع في ((تكلمهم)) للكفرة المنكِرينَ للبعث مطلقاً،
لا للكفرة المحدَّثِ عنهم فيما سبق بخصوصهم، ضرورةً أنهم ليسوا موجودين عند
إخراج الدابة لتكلِّمهم، وتكليمُها إياهم وهم موتى بعيدٌ أو غيرُ معقول، والرجعةُ
التي يعتقدها الشيعة لا نعتقدها، والآيةُ الآتية لا تدلُّ - كما يزعمون - عليها.
ويسهّل أمرَ ذلك أنه ليس مدار الحديث عنهم سوى ما هم عليه من الشرك والكفر
بالآيات وإنكارِ البعث، وذلك موجودٌ فيهم وفي الكفرة الموجودين عند إخراج
الدابة. ومثلُه ضميرا ((عليهم)) و((لهم)). والمراد بـ ((الناس)) الكفرةُ الماضون مطلقاً،
لا مشركو أهل مكة فقط، والمراد بإخبارها إياهم بذلك التحسُّرُ على ما فاتهم من
الإيقان بما قَرُبَ وقوعُه، وظهور بطلان ما اعتقدوه فيه، ومؤاخذتهم على التكذيب
به أشدَّ مؤاخذةٍ، وفي ذلك استدعاءٌ لأمثالهم إلى ترك ما هم عليه مما شاركوهم به
من التكذيب وإنكارٍ البعث. وجوِّز أن يراد بالناس مشركو أهل مكة، وأمرُ الإخبار
على حاله.
وقيل: يجوز أن تكون الضمائر للناس لا للكفرة منهم خاصةً، ويرادُ بالناس إمَّا
الكفرة المنكرون للبعث، والمراد بالإخبار التنفيرُ عما كانوا عليه من الإنكار ليثبُتَ
المؤمنُ ويَرْتَدِع الكافر، وإما مشركو أهلٍ مكة والمراد بالإخبار ذلك.

سُورَةُ النَِّ
٦٨
الآية : ٨٢
وقيل: المراد به التشنيعُ عليهم بين أحبَّائهم وأعدائهم، وكان بلسان الدابة
ليكون أبلغَ؛ لِمَا فيه من ظهور خطئهم عندما لا يظنُّ إدراكه له فضلاً عن النطق به
وإذاعتِهِ على سبيل التشنيع، وكان بين يدي الساعة ليردفه بلا كثيرٍ فَضْلٍ ما يشبهه من
شهادة الأعضاء عليهم، وهي أبعدُ وقوعاً من (١) تشنيع الدابة، وفي وقوعها بعده
ما يشبه الترقِّي من العظيم إلى الأعظم.
وأيَّد كون الضمائر للناس على الإطلاق، وأنَّ المراد بالناس المذكورِ في النظم
الكريم أهلُ مكة، ما روي عن وهب أنَّ الدابة تُخبر كلَّ مَن تراه أنَّ أهل مكة كانوا
بمحمدٍ بَّهِ والقرآنِ لا يوقنون.
وقيل: ضميرا ((عليهم)) و((لهم)) لمشركي أهل مكة المحدَّثِ عنهم فيما سبق،
ومعنى ((لهم)): لذمِّهم أو نحوه، وضمير ((تكلِّمهم)) للناس الموجودين عند الإخراج،
أو للكفرة كذلك، والمراد بالناس المذكور في النظم الكريم أولئك المشركون.
وقيل غير ذلك، ولا يخفى عليك بأدنى تأمُّلٍ ما هو الأولى والأظهرُ في الآية
من الأقوال.
وأيًّا ما كان فوصفُ الناس بعدم الإيقان بالآيات مع أنهم كانوا جاحدين لها
للإيذان بأنه كان من حقٌّهم أن يوقنوا بها ويقطعوا بصحّتها، وقد اتَّصفوا بنقيض ذلك.
وكونُ التكليم من الكلام هو الظاهر، ويؤيِّده قراءة أبيٍّ: ((تُنَبِّؤهم))(٢)، وقراءةُ
يحيى بن سلام: ((تحدِّثهم))(٣). وقيل: هو من الكُلْم بمعنى الجَرْح، والتفعيلُ
للتكثير، ويؤيِّده قراءةُ ابن عباس ومجاهدٍ وابنٍ جبيرٍ وأبي زرعة والجحدريِّ
وأبي حيوة وابن أبي عبلة: ((تَكْلِمُهم) بفتح التاء وسكونِ الكاف وتخفيفِ اللام(٤).
وقراءةُ بعضهم: ((تجرحهم)»(٥) مكان: ((تكلُّمهم)).
(١) في (م): مع.
(٢) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ٢/ ١٤٥، والبحر ٧ / ٩٧.
(٣) البحر ٧/ ٩٧، وأخرجها الطبري ١٢٧/١٨ عن قتادة.
(٤) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢١/٣-٢٢٢،
والبحر ٧/ ٩٧.
(٥) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧ / ٩٧.

الآية : ٨٢
٦٩
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
وكأنه أريد بالجَرْحِ ما هو مقابل التعديل، ويرجعُ ذلك إلى معنى التشنيع،
ورجوعُ الضمائر عليه إلى الكفرة المحدَّثِ عنهم فيما سبق مما لا غبار عليه. وقوله
تعالى: (أَنَّ النَّاسَ) إلخ بتقدير: بأنَّ الناس، والمعنى: تشنِّع عليهم بهذا الكلام،
ويراد بالناس فيه أولئك المشنَّعُ عليهم، وظاهر الآية وقوعُه في كلامها بهذا اللفظ،
ولعل فَهْمَ السامعين كونَ المراد به مشركي مكة وقتَ التشنيع بمعونة قرينةٍ تدلُّ على
ذلك إذ ذاك، ويحتمل أن يكون الواقع فيه بدله: مشركي مكة أو نحوه، لكن جاء
في الحكاية بلفظ ((الناس))، والنكتة فيه على ما قيل: الإيماءُ إلى كثرتهم. وقيل:
الرمزُ إلى مزيدٍ قبح عدم الإيقان منهم. ويُعلم مما ذكر وجهُ العدول عن ((أنهم)» إلى
((أنَّ الناس)).
وجوِّز أن يكون بتقدير حرف التعليل، أي: لأنَّ الناس .. إلخ، وهو تعليلٌ من
جهته تعالى لجرحها إياهم، وفيه إقامة الظاهر مقام الضمير الراجع كالضمائر
السابقة إلى مشركي مكة.
وجوِّز أن تقدَّر الباء على أنها سببية(١).
وجوِّز أيضاً أن يكون المراد بالكلم الجرحَ بمعنى الوسم، فقد روي أنها تسمُ
جبهةَ الكافر، وفي روايةٍ أخرى: أنها تَخْطِمُ(٢) أنفه بعصا موسى عليه السلام التي
معها. واختار بعضهم كونَ المراد به ما ذكر لِمَا في حديثٍ أخرجه نعيم بن حماد
وابن مردويه عن [ابن] عمر ◌ًَّا مرفوعاً: ((ليس ذلك بحديثٍ ولا كلام، ولكنه سمةٌ
تسم مَن أمرها الله تعالى))(٣).
وسأل أبو الجوزاء(٤) ابنَ عباس ◌ِّ هل ما في الآية: تُكلِّمهم، أو: تَكْلِمهم؟
(١) أي: تخاطبهم أو تجرحهم بسبب انتفاء إيقانهم بآياتنا. البحر ٧ / ٩٧.
(٢) في (م): تحطم، وينظر ما سلف ص٦١ من هذا الجزء.
(٣) الفتن (١٨٦٩)، وأخرجه أيضاً الفاكهي في أخبار مكة (٢٣٥٩)، وعزاه لابن مردويه السيوطي
في الدر ١١٥/٥، وما بين حاصرتين من المصادر. وهو من طريق محمد بن عبد الرحمن بن
البيلماني عن أبيه عن ابن عمر. وعبد الرحمن بن البيلماني ضعيف كما ذكر الحافظ في
التقريب، وابنه محمد بن عبد الرحمن ضعيف أيضاً، وقد اتهمه ابن عدي وابن حبان.
(٤) في الأصل و(م) والبحر ٧/ ١٩٧: الحوراء، والمثبت من تفسير القرطبي ١٢٤/١٦ وهو
الصواب؛ قال أبو أحمد العسكري، في تص ٠١٠٠ الحدثين ٦٧٨/٢: باب ما يصحف من

سُورَةُ النَِّ
٧٠
الآية : ٨٣
فقال: كلُّ ذلك تفعلُ؛ تكلُّم المؤمنَ، وتَكْلِمُ الكافرَ تَجْرُه.
والظاهرُ أنَّ الضمائر على تقديرٍ أنْ يراد بالكُلْمِ الجرحُ والوسمُ راجعةٌ إلى
الكفرة على الإطلاق دون المحدَّثِ عنهم فيما سبق؛ إذ لا معنى لوَسْمِها إياهم،
ويتعيَّنُ أن يراد بالناس أولئك الكفرة الذين عادت عليهم الضمائرُ، ولعل المعنى:
تَسِمُهم لأنهم كانوا في علمنا بآياتنا لا يوقنون.
وقرأ ابن مسعود: ((بأنَّ)(١) وجُعلت مؤيِّدةً لكون التكليم من الكلام، وهو مبنيٌّ
على الظاهر، وإلا فالباء تحتمل أن تكونَ للسببية فتلائمُ كونه من الكَلْم بمعنى الجرح.
وقرأ بعض السبعة: ((إنَّ) بكسر الهمزة(٢)، وخرِّج على إضمار القول، أو إجراءٍ
التكليم من الكلام مجراه، أو على أنَّ الكلام استئنافٌ مسوقٌ من جهته سبحانه
للتعلیل، فتدبّر.
﴿وَبَوْمَ نَخْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِتَايَتِنَا﴾ بيانٌ إجماليٌّ لحال المكذِّبين
عند قيام الساعة بعد بيان بعض مباديها، و((يوم)) منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ خُوطِبَ به
نبيُّنَا وَّهِ، أي: اذكر يومَ، وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت مع أنَّ المقصود تذكيرُ
ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ بیانُ سرِّه مراراً.
والمراد بهذا الحشر الحشرُ للتوبيخ والعذابِ بعد الحشر الكليِّ الشامل لكافةٍ
الخَلْقِ، وهو المذكورُ فيما بعدُ من قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إلى آخره
[الآية: ٨٧]، ولعل تقديم ما تضمّن هذا على ما تضمَّن ذلك دون العكس مع أنَّ
الترتيب الوقوعيَّ يقتضيه؛ للإيذان بأنَّ كلَّ مما تضمَّنه هذا وذاك من الأحوال طامَّةٌ
كبرى، وداهيةٌ دهياءُ، حقيقةٌ بالتذكير على حيالها، ولو روعي الترتيبُ الوقوعيُّ
= أبي الحوراء وأبي الجوزاء: أبو الحوراء ربيعة بن شيبان السعدي روى عن الحسن بن علي،
وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الرَّبْعي روى عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو وعائشة.
والخبر أخرجه ابن أبي حاتم ٢٩٢٦/٩ إلا أن السائل فيه لابن عباس هو أبو داود نفيع
الأعمى، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب.
(١) القراءات الشاذة ص١١٠، والمحتسب ١٤٥/٢، والبحر ٧ / ٩٧.
(٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. التيسير ص١٦٩، وقرأ بها من العشرة
خلف وأبو جعفر. النشر ٣٣٨/٢.

الآية : ٨٣
٧١
سُوَّةُ النَّمِ
لربما تُوهِّم أنَّ الكلَّ داهيةٌ واحدةٌ قد أُمِرَ بذكرها كما مرَّ في سورة (البقرة)»(١)، مع
أنَّ الأنسب بذكرٍ أنَّ الكفرة لا يوقنون بالآيات، المرادِ به أنهم يكذِّبون بها، أن
يُذكر بعده ما تضمَّن التوبيخ منه عزَّ وجلَّ والتعذيبَ على ذلك التكذيب.
و ((من)) الثانيةُ بيانيةٌ جيء بها لبيان ((فوجاً))، و((من)) الأولى تبعيضية؛ لأنَّ كلَّ
أمَّةٍ منقسمةٌ إلى مصدِّقٍ ومكذِّبٍ، أي: ويوم نجمعُ من كلِّ أمةٍ من أمم الأنبياء
عليهم السلام أو من أهل كلِّ قرنٍ من القرون جماعةٌ كثيرةً مكذِّبةً بآياتنا. ﴿فَهُمْ
يُوزَعُونَ ﴾﴾ أي: يُحبَسُ أوَّلُهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف
التوبيخ والمناقشة، وفيه من الدلالة على كثرة عددهم وتباعُدِ أطرافهم ما لا يخفى.
وقيل: ((من)) الثانية تبعيضية كالأولى، والمراد بالفوج جماعةٌ من الرؤساء
المتبوعين للكفرة، وعن ابن عباس: أبو جهل والوليد بن المغيرة وشعبة بنُ
ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكة. وهكذا يُحشر قادةُ سائر الأمم بين أيديهم إلى
النار.
وهذه الآيةُ من أشهر ما استَدلَّ بها الإمامية على الرجعة؛ قال الطبرسيُّ في
تفسيره ((مجمع البيان))(٢): واستَدَلَّ بهذه الآية على صحة الرجعة مَن ذهب إلى ذلك
من الإمامية، بأن قال: إنَّ دخول ((من)) في الكلام يوجب التبعيض، فدلَّ بذلك على
أنه يُحشر قومٌ دون قوم، وليس ذلك صفةُ يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه:
﴿وَحَشَرْتَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، وقد تظاهرت الأخبارُ عن أئمة الهدى
من آلٍ محمدٍ وَل﴿ في أنَّ الله تعالى سيُعيد عند قيام المهديِّ قوماً ممن تقدَّم موتُهم
من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويُعيد
أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعضَ ما يستحقُّونه من العقاب بالقتل على
أيدي شيعته، أو الذلِّ والخزي بما يشاهدون من علوِّ كلمته، ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّ
هذا مقدورٌ لله تعالى غيرُ مستحيلٍ في نفسه، وقد فعل الله تعالى ذلك في الأمم
الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدَّة مواضع مثل قصة عزير وغيره عليه السلام،
وصحَّ عن النبيِّ وَّهِ قوله: ((سيكون في أمتي كلُّ ما كان في بني إسرائيل حَذْوَ النعل
(١) ٢٧٠/١.
(٢) ٢٥١/٢٠-٢٥٢.

سُورَةُ النَّمِ
٧٢
الآية : ٨٣
بالنعل والقذَّةِ بالقذَّة، حتى لو أنَّ أحدهم دخل جُحْرَ ضبٍّ لدخلتموه))(١).
وتأوَّل جماعةٌ من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة
والأمرِ والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأوَّلوا الأخبار الواردة في
ذلك لمَّا ظنُّوا أنَّ الرجعة تنافي التكليف، وليس كذلك لأنه ليس فيها ما يُلْجِئ إلى
فعل الواجب والامتناع من القبيح، والتكليفُ يصحُّ معها كما يصحُّ مع ظهور
المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفَلْقِ البحر وقَلْبِ العصا ثعباناً وما أشبه
ذلك، ولأن الرجعة لم تَثْبُتْ بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرَّقُ التأويل عليها،
وإنَّما المعوَّل عليه في ذلك إجماعُ الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبارُ تعضدُه
وتؤیّدُه. انتهى.
وأقول: أولُ من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ، ولكن خصَّها بالنبي ◌َّ، وتبعه
جابرٌ الجعفيُّ في أول المئة الثانية فقال برجعة الأمير كرم الله تعالى وجهه أيضاً، لكنْ
لم يوقّتها بوقتٍ، ولمَّا أتى القرنُ الثالث قرَّر أهلُه من الإمامية رجعةَ الأئمة كلِّهم
وأعدائهم وعيَّنوا لذلك وقتَ ظهور المهديِّ، واستدلُّوا على ذلك بما رَوَوْه عن أئمّة
أهل البيت، والزيديَّةُ كافةً منكِرونَ لهذه الدعوى إنكاراً شديداً، وقد ردُّوها في كتبهم
على وجهٍ مستوفّى برواياتٍ عن أئمة أهل البيت أيضاً تُعارِض رواياتِ الإمامية.
والآية(٢) المذكورة هنا لا تدلُّ على الرجعة حسبما يزعمون، ولا أظنُّ أنَّ أحداً
منهم يزعم دلالتها على ذلك، بل قصارى ما يقول: إنها تدلُّ على رجعة المكذِّبين
أو رؤسائهم، فتكون دالَّةً على أصل الرجعة وصحتِها لا على الرجعةِ بالكيفية التي
يذكرونها، وفي كلام الطبرسيِّ ما يشير إلى هذا.
وأنت تعلم أنه لا يكاد يصحُّ إرادةُ الرجعة إلى الدنيا من الآية لإفادتها أنَّ
الحشر المذكور لتوبيخ المكذُّبين وتقريعهم من جهته عزَّ وجلَّ، بل ظاهرُ ما بعدُ
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد (١١٨٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري ظه: ((لتتَّبعنَّ
سَنَنَ بني إسرائيل شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع، حتى لو دخل رجل من بني إسرائيل جحر ضبٍّ
لتبعتموهم فيه)) وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي سعيد، والرواية الصحيحة: ((لتتبعن سنن
من قبلكم شبراً بشبر ... )) وهي عند أحمد (١١٨٠٠)، والبخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).
(٢) في (م): والآيات.

الآية : ٨٣
٧٣
سُورَةُ الْنَصْلِ
يقتضي أنه تعالى بذاته يوبِّخهم ويقرِّعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه، والمعروفُ من
الآيات لمثل ذلك هو يومُ القيامة، مع أنها تفيدُ أيضاً وقوعَ العذاب عليهم
واشتغالَهم به عن الجواب، ولم تُفِدْ موتَهم ورجوعَهم إلى ما هو أشدُّ منه وأبقى
وهو عذابُ الآخرة الذي يقتضيه عظمُ جنايتهم، فالظاهرُ استمرارُ حياتهم وعذابهم
بعد هذا الحشر، ولا يتسنَّى ذلك إلا إذا كان حشرَ يوم القيامة.
وربما يقال أيضاً: مما يأبى حَمْلَ الحشر المذكور على الرجعة أنَّ فيه راحةً لهم
في الجملة حيث يفوتُ به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذِّبين
كيفما كان أشدُّ من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمالٌ لِمَا يقتضيه عظمُ الجناية.
وأيضاً كيف تصحُّ إرادةُ الرجعة منها، وفي الآيات ما يأبى ذلك، منه قوله
تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن
وَرَآيِهِم بَرََّغُ إِلَى يَوْرِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩- ١٠٠] فإنَّ آخر الآية ظاهرٌ في عدم الرجعة
مطلقاً .
وكونُ الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عزَّ وجل
مما لا ينتطحُ فيه كبشان، إلا أنَّ الكلام في وقوعه، وأهلُ السنَّةِ ومَن وافقهم
لا يقولون به ويمنعون إرادته من الآية، ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة.
والأخبارُ التي روتها الإمامية في هذا الباب قد كفتنا الزيديَّةُ مؤنةَ ردِّها، على
أنَّ الطبرسيَّ أشار إلى أنها ليست أدلةً، وأنَّ التعويل ليس عليها، وإنما الدليلُ
إجماعُ الإمامية، والتعويلُ ليس إلا عليه، وأنت تعلم أنَّ مدار حجِّيَّة الإجماع على
المختار عندهم حصولُ الجزم بموافقة المعصوم، ولم يحصل للسنيِّ هذا الجزمُ من
إجماعهم هذا، فلا ينتهضُ ذلك حجةً عليه، مع أنَّ له إجماعاً يخالفُه، وهو إجماعُ
قومه على عدم الرجعة الكاشف عمَّا عليه سيِّدُ المعصومين وَلِّ، وكلُّ ما تقوله
الإمامية في هذا الإجماع يقول السنيُّ مثله في إجماعهم.
وما ذكر من قوله وَله: ((سيكون في أمتي)) الحديثَ(١) لا تُعلمُ صحتُه بهذا
اللفظ، بل الظاهرُ عدمُ صحته، فإنه كان في بني إسرائيل ما لم يذكر أحدٌ أنه يكون
(١) سلف قريباً.

سُورَةُ النَّصْلِ
٧٤
الآية : ٨٤
مثله في هذه الأمة، كنَتْقِ الجبل عليهم حين امتنعوا عن أَخْذِ ما آتاهم الله تعالى من
الكتاب، والبقاءِ في التّيْهِ أربعين سنةً حين قالوا لموسى عليه السلام: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ونزولِ المنِّ والسلوى عليهم فيه،
إلى غير ذلك. وبالجملة القولُ بالرجعة حَسْبَما تزعمُ الإمامية مما لا ينتهضُ عليه
دليلٌ، وكم من آيةٍ في القرآن الكريم تأباه غيرُ قابلةٍ للتأويل، وكأنَّ ظُلْمةً بُغْضِهم
للصحابة ه حالت بينهم وبين أن يحيطوا علماً بتلك الآيات، فوقعوا فيما وقعوا
فيه من الضلالات.
﴿حََّ إِذَا جَآءُو﴾ إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة والحساب
أي: اللهُ عزَّ وجلَّ موبِّخاً لهم على التكذيب، لا سائلاً سبحانه وتعالى سؤال
استفسار؛ لاستحالته منه عزَّ وجل، وعدم وقوعِ الاستفسار عن الذنب يوم القيامة
من غيره تعالى من الملائكة عليهم السلام - وإن كان ممكناً - على ما يدلُّ عليه قولُه
تعالى: ﴿لَّا يُكَلُ عَن ذَلْبِهِ إِسْ وَلَا جَآَنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] على أحد التفسيرين.
والالتفاتُ لتربية المهابة.
﴿أَكَذَّبْتُمْ بِثَايَتِىِ﴾ الناطقة بلقاء يومكم هذا، وقولُه تعالى: ﴿وَلَمْ تُحِطُواْ بِهَا
عِلْمًا﴾ جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لزيادة شناعة التكذيب وغايةٍ قبحه، ومؤكِّدةٌ للإنكار
والتوبيخ، أي: أكذَّبتم بها بادي الرأي غيرَ ناظرين فيها نظراً يؤدي إلى العلم
بكنهها، وأنَّها حقيقةٌ بالتصديق حتماً، وهذا - على ما قيل - ظاهرٌ في أنَّ المراد
بالآيات فيما تقدَّم الآياتُ التنزيلية، لأنها المنطوِيَةُ على دلائل الصحة وشواهدِها
التي لم يحيطوا بها علماً مع وجوب أن يتأمَّلوا ويتدبّروا فيها، لا نفسُ الساعة
وما فيها .
وقال بعضُ الأجلَّة: إنَّ التكذيب يأبى بظاهره أن يراد بالآيات الآياتُ
التكوينيةُ كالمعجزات ونحوِها؛ إذ ليس فيها نسبةٌ يتعلَّق بها ذلك، وإرادةُ الأعمِّ
تستدعي اعتبارَ التغليب، وكونُ التكذيب بمعنى نفي دلالتها على المراد
منها - كتصديق النبيِّ نَّ في المعجزات ونحوه - في نحوها من آيات الأنفس
والآفاق = خلافُ الظاهر، فالأولى إبقاؤه على الظاهر، وحَمْلُ الآيات على
الآيات التنزيلية.

الآية : ٨٤
٧٥
سُوَّةُ النَّصْلِ
وقيل: هو معطوفٌ على ((كذبتم)) والهمزةُ لإنكار الجمع والتوبيخ عليه، كأنه
قيل: أجمعتُم بين التكذيب بآياتي وعدمِ التدبُّر فيها.
﴿أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أم ماذا كنتم تعملون بها، على أنَّ المراد التبكيتُ،
وأنهم لم يعملوا إلا التكذيب، وهو أحدُ وجهين ذكرهما الزمخشريُّ(١). وقرَّره في
((الكشف)) بأنَّ ((أم)) متصلةٌ، والأصل: أكذَّبتُم بآياتي أم صدَّقتم، والمعادَلةُ بين
الفعلين المتعلِّقين بالآيات، لكن جيءَ بالأول مجيء معلومٍ محقَّقٍ، وبالثاني لا على
ذلك النهج تنبيهاً على انتفائه، كأنه قيل: أهو ما عُهِدٌ من التكذيب أم حَدَثَ
حادثٌ؟ ووجهُ الدلالة أنه جعل العديل مردّداً فيه، فلم يجعل التصديق مثل التكذيب
في الاستفهام عن حاله، بل إنما شكّ في وجود معادل التكذيب، لأن قوله تعالى:
(أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ) يشملُ التكذيب المذكورَ أولاً وعديلَه الحقيقيَّ، وهذه قرينةٌ أنه لم
يُجأ بالاستفهام جهلاً بالحال، بل إنما أُريد التبكيتُ والإلزام على معنى: قل لي:
ويحك إنْ حَدَثَ أمرٌ آخَرُ، بتَّا بالقول بأنه لم يحدثْ ما يضادُّ الأول، وإشعاراً بأنه
إذا سئل عن الذي عَمِلَه لم يُجِبْ إلَّا بما قدَّم أولاً. ثم قال: وهذا وجهٌ لائحٌ،
وإنما جاز دخول ((أم)) على ((ما)) الاستفهامية لهذه النكتة، فإنها خرجت عن حقيقة
الاستفهام إلى البتِّ بالحكم، لا بالمعادل بل بالأول.
وثانيهما أنَّ المعنى: أَمَا (٢) كان لكم عملٌ في الدنيا إلا الكفرَ والتكذيبَ
بآيات الله تعالى ((أم ماذا كنتم تعملون)) من غير ذلك. وقرَّره في ((الكشف)) أيضاً بأنَّ
(أم)) على اتِّصالها، ولكنَّ المعادلة بين التكذيب وكلِّ عملٍ غيرِه تعلَّق بالآيات أوْ
لا، والإيرادُ على صيغة الاستفهام للنكتة السابقة، فدلَّ على أنه لم يكن لهم عملٌ
إلا التكذيب والكفر كأنهم لم يُخلقوا إلا لذلك، فلأَجْلِه لم يعملوا غيره، وجَعَلَ
سائرَ أعمالِهِم - لاستمرار الكفر بهم - نفسَ الكفرِ أو كَلَا عملٍ .
ثم قال: وهذا وجهٌ وجيهٌ بالغٌ، ومنه ظهر أنَّ دخول ((أم)) على أسماء الاستفهام
غيرُ منكَرٍ إذا خَرَجَتْ عن حقيقة الاستفهام، وهو منقاسٌ(٣) معنَى وإن كانت مراعاةٌ
(١) في الكشاف ١٦١/٣.
(٢) في الأصل و(م): ما، والمثبت من الكشاف.
(٣) في (م): مقاس.

سُورَةُ الْتَهْلِا
٧٦
الآية : ٨٥ - ٨٦
صورة الاستفهام أيضاً منقاسةً من حيث اللفظ، لكنهم يرجِّحون في نحوه جانبَ
المعنى ولا يلتفتون لفت اللفظ. اهـ.
واختار أبو حيان(١) كون ((أم)) منقطعةً، فتقدَّر بـ ((بل)) وحدها، وهي للانتقال من
توبيخ إلى توبيخ، وليس في ذلك شائبةٌ من دخول الاستفهام على الاستفهام،
وما تقدَّم أبعدُ مغزّى.
و (ماذا)) تحتمِلُ أن تكون بجملتها استفهاماً منصوبَ المحلِّ بخبر ((كان)) وهو
(تعملون))، أو مرفوعةً على الابتداء والجملةُ بعده خبرُه والرابطُ محذوفٌ؛ أي:
تعملونه .
وتحتمل أن تكون ((ما)) فيها استفهاماً، و((ذا)) اسم موصول بمعنى (الذي))،
وهما مبتدأ وخبر، والجملةُ بعدُ صلةُ الموصول، والعائدُ إليه محذوفٌ.
وقرأ أبو حيوة: ((أمَاذا)) بتخفيف الميم (٢)، وفيها دخولُ الاستفهام على
الاستفهام، وقد سمعت وجهه.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم﴾ حلَّ بهم العذابُ الذي هو مدلولُ القول الناطق بحلوله،
وهو كبُّهم في النار ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسبب ظلمهم الذي هو تكذیبُهم بآيات الله
تعالى ﴿فَهُمْ لَا يَنَطِقُونَ (٨٥)﴾ بحَّةٍ لانتفائها عنهم بالكلِّية، وابتلائهم بما حلَّ بهم
من العذاب الأليم.
وقيل: يُختم على أفواههم فلا يقدرون على النطق بشيءٍ أصلاً.
وفي ((البحر))(٣): أنَّ انتفاء نُطْقِهم يكون في موطنٍ من مواطن القيامة، أو من
فريقٍ من الناس؛ لأنَّ القرآن الكريم ناطقٌ بأنهم ينطقون في بعض المواطن بأعذارٍ ،
وما يرجون به النجاة من النار.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُواْ فِيهِ﴾ الرؤيةُ قلبيةٌ لا بصريةٌ؛ لأنَّ نفسَ الليل
والنهار وإن كانا من المبصَراتِ لكنَّ جَعْلَهما كما ذكر من قبيل المعقولات، أي:
(١) في البحر ٩٨/٧.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧١/٤، والبحر ٩٩/٧.
(٣) ٧ /٩٩ .

الآية : ٨٦
٧٧
سُورَةُ التَّعْلِ
ألم يعلموا أنَّا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالقرار والنوم، قال
بعض الرجاز:
النومُ راحةٌ القوى الحسية من حركاتٍ والقوى النفسية(١)
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرً﴾ أي: ليبصِروا بما فيه من الإضاءة طرقَ الثقلُّب في أمور
معاشهم، فبولغ حيث جعل الإبصار الذي هو حالُ الناس حالاً له، ووَضْفاً من
أوصافه التي جُعِلَ عليها بحيث لا ينفكُ عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك
لِمَا أنَّ تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار.
والمشهور أنَّ في الآية صنعةَ الاحتباك، والتقدير: جعلنا الليل مظلماً ليسكنوا
فيه والنهارَ مبصِراً لينتشروا فيه.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: في جَعْلِهما كما وُصفا، وما في اسم الإشارة من معنى.
البعد للإشعار ببعد درجته في الفضل ، ﴿لَآَيَتِ﴾ عظيمةً ﴿لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ فإنه يدلُّ
على التوحيد، وتجويزِ الحشر، وبعثِ الرسل عليهم السلام؛ لأنَّ تعاقُبَ النور
والظلمة على وجهٍ مخصوص غيرِ متعيِّنٍ بذاته لا يكون إلا بقدرةٍ قاهرةٍ ليست لِمَا
أشركه المشركون، وأنَّ مَن قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادةٍ واحدةٍ (٢) قدر
على إبدال الموتِ بالحياة في موادِّ الأبدان، وأنَّ مَن جعل الليل والنهار سببين
المنافعهم ومصالحهم لعله لا يخلُّ بما هو مناطُ جميع مصالحهم في معاشهم
ومعادهم وهو بعثة الرسل عليهم السلام.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): ((لآيات)) عظيمةً كثيرةً ((لقوم يؤمنون))، دالَّةً على
صحة البعث وصِدْقِ الآيات الناطقة به دلالةً واضحةً، كيف لا وإنَّ مَن تأمَّل في
تعاقُب الليل والنهار واختلافهما على وجوهٍ بديعةٍ مبنيَّةٍ على حِكَمٍ رائقةٍ تَحارُ في
فهمها العقولُ ولا يحيطُ بها إلَّا علم الله جلَّ وعلا، وشاهَدَ فَي الآفاق تبدُّل
ظلمة الليل المحاكيةِ للموت بضياءِ النهار المضاهي للحياة، وعايَنَ في نفسه
(١) ذكره أبو حيان في البحر ٧/ ٩٩.
(٢) في (م): واحد، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥٩/٧،
والكلام منه.

سُورَةُ النَّصْلِ
٧٨
الآية : ٨٧
تبدُّل النوم الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو مثلُ الحياة، قضى بأنَّ
الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وأنَّ الله تعالى يبعث مَن في القبور قضاءً متقَناً، وجَزَمَ
بأنه تعالى قد جعل هذا أنموذجاً له ودليلاً يستدلُّ به على تحقُّقه، وأنَّ الآيات
الناطقةَ به ويكون حال الليل والنهار برهاناً عليه وسائرَ الآياتِ كلّها حقٌّ نازلٌ
من عند الله تعالى(١). اهـ.
ولعل الأولَ أولى، لاسيما إذا ضمَّ إلى الاستدلال على جواز الحشر مشابهةٌ
النوم واليقظة للموت والحياة، لِمَا في هذا من خفاءِ الدلالة.
وتخصيصُ المؤمنين بالذكر لِمَا أنهم هم المنتفعون بالآيات، ووجهُ رَبْطِ هذه
الآية بما قبلها أنها كالدليل على صحة ما تضمَّنته من الحشر.
﴿وَيَوْمَ يُنْفَغُ فِ الصُّورِ﴾ إما معطوفٌ على ((يوم نحشر)) منصوبٌ بناصبه، أو
منصوبٌ بمضمَرِ معطوفٍ على ذلك الناصب. والصورُ - على ما في ((التذكرة)) - قرنٌ
من نور، وذكر البخاري عن مجاهد أنه كالبوق(٢).
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابيٍّ إلى
النبيِّي ◌َّهِ فقال: ما الصور؟ قال: ((قرنٌ يُنْفَخُ فيه))(٣).
والمشهور أن صاحب الصور هو إسرافيل عليه السلام؛ وذكر القرطبيُّ أنَّ الأمم
مُجْمِعةٌ على ذلك، وهو مخلوقٌ اليوم، فقد أخرج الترمذيُّ وحسّنه عن أبي سعيد
الخدريِّ عن النبيِّ وَّرَ أنه قال: ((كيف أَنْعَمُ وصاحبُ الصور قد الْتَقَمَ القرنَ واستمع
الإذْنَ متى يؤمر بالنفخ))؟! فكأنَّ ذلك ثَقُل على أصحاب رسول الله بَّر، فقال عليه
الصلاة والسلام لهم: ((قولوا: حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل))(٤).
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ٣٠٣.
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ص١٧٨، وقول مجاهد في صحيح
البخاري قبل الحديث (٦٥١٧).
(٣) سنن الترمذي (٢٤٣٠) و(٣٢٤٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٥٠٧)، وأبو داود (٤٧٤٢). قال
الترمذي: هذا حديث حسن.
(٤) سنن الترمذي (٢٤٣١) و(٤٢٤٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١١٠٣٩)، وابن حبان (٨٢٣).
وينظر شواهده في حاشية المسند.

الآية : ٨٧
٧٩
سُؤَةُ النَّصْلِ
وروي أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما طَرَفَ(١) صاحب الصور مُذْ وكِّل به
مستعدًّا بحذاء العرش مخافةً أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتدَّ [إليه] طرفُه، كأن عينيه
کو کبان درِّيَّان))(٢).
وجاء عن أبي هريرة من حديث مرفوع: ((إنَّ عِظَمَ دارةٍ فيه كعرض السماوات
والأرض))(٣) وهذا مما يؤمَنُ به وتفوَّضُ كيفيتُهُ إلى علَّام الغيوب.
وقيل: إنَّ الصور بسكون الواو بمعنى الصُّوَر بضم الصاد وفتح الواو جمع
صورة، وعليه أبو عبيدة(٤).
والكلام في الوجهين على حقيقته، وقيل: في الكلام استعارةٌ تمثيلية، شبَّه هيئة
انبعاث الموتى من القبور إلى المحشر إذا نُودوا بالقيام بهيئة قيام جيشٍ نُفِخَ لهم في
المزمار المعروف، وسَيْرِهم إلى محلٌّ عُيِّنَ لهم.
والأولُ قولُ الأكثرين، وعليه المعوَّل؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُغْرَى﴾
[الزمر: ٦٨] ظاهرٌ في أنَّ الصُّوْر ليس جمعَ صورة وإلَّا لقال سبحانه: فیھا، بدل
((فيه)). وارتكابُ التأويل بجعل الكلام من باب التمثيل ظاهرٌ في إنكار أن يكون
هناك صُؤْرٌ حقيقةً، وهو خلافُ ما نَطَقَتْ به الأحاديثُ الصِّحاح، وقد قال أبو الهيثم
على ما نقل عنه القرطبيُّ في ((تفسيره)): مَن أنكر أن يكون الصُّورُ قرناً فهو كمن أنكر
العرش والصراط والميزان، وطلب لها تأويلات(٥).
(١) في الأصل و(م): أطرق، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) أخرجه الحاكم ٤٥٨/٥-٤٥٩، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢١٨٥)، وأبو الشيخ
في العظمة (٣٩٣)، وما بين حاصرتين من المصادر. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٣٦٨/١١.
(٣) قطعة من حديث طويل جدًّا، أخرجه إسحاق بن راهويه (١٠)، والطبراني في الطوال (٣٦)،
وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٨)، ووقع في الأصل و(م): دائرة، والمثبت من المصادر. قال
ابن حجر في الفتح ٣٦٨/١١: مداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع
ضعفه، وينظر تتمة كلامه ثمة، وكذلك كلام ابن كثير فيه عند تفسير الآية (٧٣) من سورة
الأنعام. وسيأتي مزيد كلام عليه ص٨٦ من هذا الجزء.
(٤) مجاز القرآن ١٩٦/١ .
(٥) تفسير القرطبي ٤٣٠/٨، وذكره أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة (صور)، وأبو الهيثم هو
الرازي، اشتهر بکنیته.

سُورَةُ النَّمِ
٨٠
الآية : ٨٧
وهذا النفخ قيل: المراد به النفخة الثانية، وإليه ذهب صاحب ((الغنيان))(١)،
واختاره العلّامة أبو السعود وقال: الذي يستدعيه سياقُ النظم الكريم وسباقُه ذلك،
وأنَّ المراد بالفزع في قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ﴾ ما يعتري
الكلَّ عند البعث والنشور من الرعب والتهيُّبِ الضروريَّيْنِ الجِبِلِيين بمشاهدةِ الأمور
الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق.
ثم قال: وقيل: المراد بالنفخ هي النفخة الأولى، وبالفزع هو الذي يستتبع
الموت لغاية شدة الهول، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَحِقَ مَن فِ
السَّمَوَتِ وَمَنِ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] فيختصُّ أثرها بمن كان حيًّا عند وقوعها دون
مَن مات قبل ذلك من الأمم. وقيل: إنَّ المراد بهذه النفخة نفخةُ الفزع التي تكون
قبل نفخة الصَّعق، التي أُريدَتْ بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً مَّا لَهَا
مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] وشنَّع على كِلَا القولين بما هو مذكورٌ في تفسيره(٢).
وقال العلّامة الطيبيُّ: الحقُّ أنَّ المِزاد بقوله تعالى: (يُنفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ) هو
النفخةُ الأولى، وقولُه تعالى الآتي: (وَكُلُّ) إلخ إشارةٌ إلى النفخة الثانية.
واعلم أنهم اختلفوا في عدد النفخات(٣)؛ فقيل: ثلاث: نفخةُ الصَّعقِ
المذكورةُ في قوله تعالى: (وَنُفِيخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ)،
ونفخةُ البعث المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَبْدَاثِ إِلَى
رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، ونفخةُ الفزع المذكورةُ في الآية المذكورة ها هنا، وهو
اختيار ابن العربي. وقيل: اثنتان، ونفخةُ الفزع هي نفخةُ الصَّعْقِ؛ لأنَّ الأمرين:
الفزعَ بمعنى الخوف والصَّعْقَ بمعنى الموت لازِمانٍ لها(٤)، قال القرطبيُّ (٥):
والسنَّةُ كحديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص - وهو طويلٌ، منه مع
حذفٍ: ((ثم يُنْفَخُ في الصور .. فأولُ مَن يسمعُه رجلٌ يَلُوطُ حوضَه، فَيُصْعَقُ، ثم
(١) كما في البحر ٧/ ٩٩.
(٢) تفسير أبي السعود ٦/ ٣٠٣ - ٣٧٤.
(٣) في الأصل و(م): النفخة، والمثبت من التذكرة ص ١٨٤، والكلام منه.
(٤) أي: فزعوا فزعاً ماتوا منه. التذكرة ص١٨٤، وتفسير القرطبي ٢١٧/١٦.
(٥) في التذكرة ص١٨٤، والتفسير ٢١٧/١٦-٢١٨.