Indexed OCR Text

Pages 1-20

زوج المجانية
تَفِي الُهآر ◌َعَظِيمُ والِسَيْع المثَانى
تأليف
شِهَابُ الرِينْ أبوُ الثَّمَاء
◌َحْمُودِ بْن عَبْدُ اللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّة هَذَا الجزء
يَامِنْ جَبُوشٌ
سَاهُمْ في تحقيقه
فارسلا مقلى ل شيت
المجلّ العشرون
مؤسسة الرسالة

3
一

◌ُقَةُ الْمَعَانِى
تفِ القُرآن ◌َظِيمُ والِسُّنْع المثَام
(٢٠)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطَّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتّوزيع
بيروت -وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ النَّصْلِك
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى: (وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا) مسوقٌ لِمَا
سيق هو له، واللام واقعةٌ في جواب قسم محذوف، أي: وبالله لقد أرسلنا ﴿إِلَى
ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وإنما أقسم على ذلك اعتناء بشأن الحكم، و((صالحاً)) بدلٌ من
((أخاهم)) أو عطفٌ بيانيٍّ.
و ((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُواْ الَّهَ﴾ مفسِّرَةٌ لِمَا في الإرسال من معنى القول
دون حروفه. وجوِّز كونُها مصدريةً حُذف منها حرفُ الجر، أي: بأنْ، وقيل: لأنّ.
ووصلُها بالأمر جائزٌ لا ضير فيه كما مر.
وقُرئ بضم النون إتباعاً لها للباء(١).
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾ أي: فاجأ إرسالنا تفرُّقُهم واختصامُهم، فآمن
فريقٌ وكَفَر فريقٌ، وكان ما حكى الله تعالى في محلٌّ آخَرَ بقوله سبحانه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ
الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٧٥].
فـ ((إذا)) فجائيةٌ والعاملُ فيها مقدَّرٌ، لا ((يختصمون))، خلافاً لأبي البقاء لأنه
صفةُ ((فريقان)) كما قال(٢). ومعمولُ الصفة لا يتقدَّم على الموصوف، وقيل:
هذا حيث لا يكون المعمول ظرفاً. وضمير ((يختصمون)) لمجموع الفريقين، ولم
يقل: يختصمان، للفاصلة، ويُوهم كلامُ بعضهم أنَّ الجملة خبرٌ ثانٍ، وهو
كما ترى.
(١) هي قراءة نافع وابن كثير والكسائي وابن عامر وأبي جعفر وخلف. التيسير ص٧٨، والنشر
٢٢٥/٢.
(٢) الإملاء ١٣٤/٣-١٣٥، وفيه: ((إذا)) هنا للمفاجأة فهي مكان، و((هم)) مبتدأ، و((فريقان))
الخبر، و((يختصمون)) صفة، وهي العاملة في ((إذا)).

سُورَةُ النَّصْلِ
٦
الآية : ٤٦
و ((هم)) راجعٌ إلى ((ثمود)) لأنه اسمٌ للقبيلة. وقيل: إلى هؤلاء المذكورين ليشمل
صالحاً عليه السلام، والفريقان حينئذٍ أحدُهما صالحٌ وحده وثانيهما قومُه. والحاملُ
على هذا كما ذكره ابن عادل: العطفُ بالفاء؛ فإنها تُؤْذِنُ أنهم عقيبَ الإرسال
بلا مهلةٍ صاروا فريقين، ولا يصيرُ قومه عليه السلام فريقين إلا بعد زمانٍ(١).
وفيه أنه يأباه قولُه تعالى: (قَالُواْ آَمَرْنَا بِكَ وَيَمَن مَعَكَّ) وتعقيبُ كلِّ شيءٍ بحسَبِهِ،
على أنه يجوز كونُ الفاء لمجرَّد الترتيب.
ولعل فريق الكفرة أكثرُ، ولذا ناداهم بقوله: ((يا قوم)) كما حكي عنه في قوله
تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ﴾ لجَعْلِه في حكم الكلِّ، أي: قال عليه السلام للفريق الكافر
منهم بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتوِّ والعناد حتى بلغوا من المكابرة إلى
أن قالوا له عليه السلام: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[الأعراف: ٧٧] متلطّفاً بهم: ﴿يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِلسَّيِئَةِ﴾ أي: بالعقوبة التي تسوءُكم
﴿قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾ أي: التوبة، فتؤخّرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا من جهلهم
وغوایتھم یقولون: إن وقع إیعاده تُبنا حينئذٍ، وإلا فنحن علی ما نحن عليه.
تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ أي: هلَّا تستغفرونه تعالى قبل نزولها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
(٤٦)
بقبولها؛ إذ سنَّةُ الله تعالى عدمُ القبول عند النزول.
وقد خاطبهم عليه السلام على حَسَب تخمينهم وجهلهم في ذلك بأنَّ ما خمَّنوه
من التوبة إذ ذاك فاسدةٌ، وأن استعجالهم ذلك خارجٌ من المعقول. والتقابلُ بين
السيئة والحسنة بالمعنى الذي سمعت حاصلٌ من كون أَحدهما حسناً والآَخَرِ سيئاً.
وقيل: المراد بالسيئة تكذيبهم إياه عليه السلام وكفرُهم به، وبالحسنة
تصديقُهم وإيمانهم، والمراد من قوله: ((لم تستعجلون)) إلخ لومُهم على المسارعة
إلى تكذيبهم إياه وكفرِهم به، وحضُّهم على التوبة من ذلك بترك التكذيب
والإيمان. وحاصلُه لومُهم على إيقاع التكذيب عند الدعوة دون التصديق،
وحضُّهم على تَلَافي ذلك. وإيهامُ الكلام انتفاء اللوم على إيقاع التكذيب بعد
التصدیق مما لا یکاد یُلتفت إليه.
(١) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الحنبلي ١٥/ ١٧٥ .

الآية : ٤٧
٧
سُورَةُ الَمْلِ
ولا يخفى بعد طيِّ الكشح عن المناقشة فيما ذكر أنَّ المناسب لِمَا حكى الله
تعالى عن القوم في سورة ((الأعراف)) ولِمَا جاء في الآثار هو المعنى الأول، ومن
هنا ضعِّف ما روي عن مجاهد من تفسير الحسنة برحمة الله تعالى، لتُقابِلَ السيئة
المفسَّرَ بعقوبته عزَّ وجلَّ، ويكون المراد من استعجالهم بالعقوبة قبل الرحمة طلبَهم
إياها دون الرحمة، فتأمل.
﴿قَالُواْ أَتَزْنَ﴾ أصلُه: تطيَّرنا، وقرئ به(١)، فأدغمت التاء في الطاء وزيدتْ
همزةُ الوصل ليتأتّى الابتداء. والتطيُّر: التشاؤم، عبّر عنه بذلك لِمَا أنهم كانوا إذا
خرجوا مسافرين فيمرُّون بطائر يَزْجُرونه، فإن مرَّ سانحاً بأنْ مرَّ من مَيَامِنِ الشخص
إلى مياسره تيمَّنوا، وإن مرَّ بارحاً بأن مرَّ من المياسر إلى الميامن تشاءموا؛ لأنه
لا يمكن للمارِّ به كذلك أن يرميه حتى ينحرف، فلمَّا نسبوا الخير والشر إلى الطائر
استُعير لِمَا كان سبباً لهما من قَدَرِ الله تعالى وقسمته عزَّ وجل، أو من عمل
العبد الذي هو سببُ الرحمة والنعمة. أي: تشاءمنا ﴿بِكَ وَبِمَن ◌َّعَكْ﴾ في دينك،
حيث تتابَعَتْ علينا الشدائد - وقد كانوا قحطوا - ولم نَزلْ في اختلافٍ وافتراق مذ
اخترعتُم دينكم. وتشاؤمهم يحتمل أن يكون من المجموع، وأن يكون من كلٍّ من
المتعاطفين.
﴿قَالَ طَبِرَكُمْ﴾ أي: سببُكم الذي منه ينالكم ما ينالُكم من الشر ﴿عِندَ اللهِ﴾
وهو قَدَرُه سبحانه، أو عملُكم المكتوبُ عنده عزَّ وجل.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوَّمْ تُفْتَنُونَ ﴾﴾ إضرابٌ من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يَحيقُ بهم
إلى ذِكْرِ ما هو الداعي إليه، أي: بل أنتم قومٌ تُختَبرون بتعاقُبِ السرَّاء والضرَّاء، أو
تعذَّبون، أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرةً.
وجاء ((تفتنون)) بتاء الخطاب على مراعاة ((أنتم))، وهو الكثير في لسان العرب،
ويجوز في مثل هذا التركيب: يفتنون، بياء الغيبة على مراعاة لفظ ((قوم))، وهو قليلٌ
في لسانهم.
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي: مدينةٍ ثمود وقريتهم وهي الحجر ﴿نِسْعَةُ رَفْطٍ﴾ هو اسم
(١) الكشاف ١٥١/٣، والبحر ٧/ ٨٢.
٣ ٠

سُورَةُ النَّصِْ
٨
الآية : ٤٨
جمع يُطلق على العصابة دون العشرة كما قال الراغب(١)، وفي ((الكشاف)): هو من
الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة(٢). وقيل: بل يقال إلى الأربعين، وليس بمقبول.
وأصله على ما نُقل عن الكرمانيِّ من الترهيط، وهو تعظيمُ اللَّقَم وشدَّةُ الأكل.
وقد أضيف العددُ إليه، وقد اختلف في جواز إضافته إلى اسم الجمع؛ فذهب
الأخفش إلى أنه لا ينقاس، وما ورد من الإضافة إليه فهو على سبيل الندور، وقد
صرَّح سيبويه أنه لا يقال: ثلاثُ غَنَم(٣).
وذهب قومٌ إلى أنه يجوز ذلك وینقاسُ، وهو مع ذلك قليل.
وفضَّل قوم بين أن يكون اسمُ الجمع(٤) للقليل كرَهطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فيجوز أن
يضاف إليه إجراءً له مجرى جمع القلَّة، أو للكثير، أو يُستعمل لهما، فلا يجوز
إضافته إليه، بل إذا أريد تمييزه به جيء به مقروناً بـ ((من)) كـ : خمسةٍ من القوم،
وقال تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وهو قول المازنيِّ.
واختار غيرُ واحدٍ أنّ إضافة ((تسعة)) إلى ((رهط)) هاهنا باعتبار أنَّ ((رهطاً)) لكونه
اسمَ جمعٍ للقليل في حكم أشخاص ونحوِه من جموع القلّة، وهي يضاف إليها
العدد، كتسعة أشخاصٍ، وتسع أنفُسٍ، وهذا معنى قولهم: إنَّ وقوع ((رهط)) تمييزاً
لـ ((تسعة)) باعتبار المعنى، فكأنه قيل: تسعة أشخاص.
وقيل: أي: تسعةُ أنفُسٍ، وتأنيثُ العدد لأنَّ المذكور في النظم الكريم ((رهط))
وهو مذكّر، فليس ذاك من غير الفصيح كقوله :
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْرٍ (٥)
(١) في مفرداته (رهط).
(٢) الكشاف ١٥١/٣ .
(٣) الكتاب ٥٦٢/٣. ونقل المصنف كلامه وكلام الأخفش بواسطة أبي حيان في البحر ٨٣/٧.
(٤) في (م): الجميع.
(٥) وعجزه: لقد جار الزمان على عيالي، والبيت للحطيئة، وهو في ديوانه ص٣٩٥، والكتاب
٥٦٥/٣، والخزانة ٣٦٤/٧. ورواية الديوان: ونحن ثلاثةٌ وثلاثُ ذودٍ.
قال البغدادي: أنشده سيبويه شاهداً على تأنيث ثلاثة أنفس، وكان القياس: ثلاث أنفس،
لأن النفس مؤنثة، لكن أنّث لكثرة إطلاق النفس على الشخص.

الآية : ٤٨
٩
سُورَةُ النَّصْلِك
نعم تقدير ما تقدَّم أسلمُ من المناقشة. وأمَّا ما قيل: أي: تسعةُ رجال، ففيه
الغفلةُ عمَّا أشرنا إليه، ثم إنه ليس المراد أنَّ الرهط بمعنى الشخص أو بمعنى
النفس، بل أنَّ التسعة من الأشخاص أو من الأنفس هي الرَّهْطُ، فليس المعدودُ
بالتسعة ما دلَّ عليه الرهط من الجماعة ليكون هناك تسعُ جماعاتٍ لا تسعةُ أفراد.
وقال الإمام: الأقربُ أن يكون المراد: تسعة جَمْع؛ إذ الظاهر من الرهط
الجماعةُ، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف
صفاتهم وأحوالهم، لا لاختلاف النسب(١). اهـ.
وقيل: كان هؤلاء التسعةُ رؤساءَ، مع كلِّ واحدٍ منهم رَهْطٌ، ولذا قيل: ((تسعة
رهط)) وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد ربِّ، وغنم بن غنم، ورياب(٢) بن
مهرج، [ومصدع بن مهرج]، وعمير بن كردبة، وعاصم بن مخرمة، وسبيط بن
صدقة، وسمعان بن صفي، وقدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة،
وكانوا عتاةً قومٍ صالح ومن أبناء أشرافهم (٣).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّ أسماءهم: دعمي، ودعيم، وهرمي،
وهريم، ودواب، وصواب، ودياب، ومسطح، وقدار وهو الذي عقر الناقة(٤).
﴿يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ لا في المدينة فقط، إفساداً بحتاً لا يخالطه شيءٌ من
الصلاح، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾﴾ أي: لا يفعلون شيئاً
من الإصلاح، أو: لا يصلحون شيئاً من الأشياء، والمراد أنَّ عادتهم المستمرةَ
ذلك الإفساد كما يؤذِنُ به المضارع، والجملة في موضع الصفة لـ ((رهط)) أو
( ((تسعة)).
(١) تفسير الرازي ٢٠٣/٢٤.
سـ
(٢) في (م): ودباب.
(٣) ذكره عن وهب الزمخشري في الكشاف ١٥١/٣-١٥٢، والقرطبي ١٨٣/١٦، وما سلف بين
حاصرتين منهما. قال السهيلي في التعريف والإعلام ص١٢٩ : ذكر النقاش التسعة وسماهم
بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية، غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين، ولكن
نذكره على رسم وجدناه في كتاب محمد بن حبيب [المسمى: المحبّر، وكلامه فيه
ص٣٥٧] ... ، ثم ذكر أسماءهم باختلافٍ عما روي عن وهب.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠، باختلاف يسير.

سُورَةُ النَِّ
١٠
الآية : ٤٩
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ ببيانِ بعض(١) ما فعلوا من الفساد، أي: قال بعضهم لبعض
في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه السلام، وكان ذلك على ما رُوي عن ابن
عباس بعد أن عقروا الناقة وأنذرهم بالعذاب، وقوله: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةً
أَيَّامٍ﴾ إلخ [هود: ٦٥].
﴿تَقَاسَمُواْ بِالَّهِ﴾ أمرٌ من التقاسمُ، أي: التحالف، وقع مقول القول، وهو قول
الجمهور.
وجوِّز أن يكون فعلاً ماضياً بدلاً من ((قالوا))، أو حالاً من فاعله بتقديرِ ((قد)) أو
بدونها، أي: قالوا متقاسمين، ومقولُ القول: ﴿لَتُبِيِّنَنَّهُ، وَأَهْلَهُ﴾ إلخ، وجوَّز
أبو حيان على هذا أن يكون ((بالله)) من جملة المقول(٢).
والبَيَاتُ: مباغتةُ العدوِّ ومفاجأتهُ بالإيقاع به ليلاً وهو غافل. وأرادوا قتله عليه
السلام وأهلَه ليلاً وهم غافلون. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس
من آبين الملوك استراقُ الظَّفر(٣).
وقرأ ابن أبي ليلى: ((تقسَّموا)) بغير ألف وتشديدِ السين(٤)، والمعنى كما في
قراءة الجمهور.
وقرأ الحسن وحمزة والكسائي: ((لتُبِئْتَّه)) بالتاء(٥) على خطاب بعضهم لبعض.
وقرأ مجاهد وابن وثاب وطلحةُ والأعمش: ((ليبيثُنَّه)) بياء الغيبة(٦)، و((تقاسموا))
على هذه القراءة لا يصحُّ إلا أن يكون خبراً، بخلافه على (٧) القراءتين الأوْلَيين فإنه
(١) في الأصل: لبعض، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٩٠، والكلام منه.
(٢) البحر ٧ / ٨٤ .
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ١٥٢، وآيين وآئين كلمة فارسية معناها: عادة، سيرة،
طبيعة، طبع، دأب، قانون، نظام، أسلوب ... ، وذكره أبو حيان في البحر ٧/ ٨٤ وفيه:
ليس من عادة الملوك ...
(٤) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧/ ٨٣.
(٥) التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة،
وذكرها عن الحسن أبو حيان في البحر ٧/ ٨٤.
(٦) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧ / ٨٤.
(٧) في (م): عن.

الآية : ٤٩
١١
سُورَةُ الْنَصِ
يصحُّ أن يكون خبراً كما يصحُّ أن يكون أمراً. وذلك لأنَّ الأمر خطابٌ، والمقسمُ
عليه بعده لو نظر إلى الخطاب وجب تاءُ الخطاب، ولو نظر إلى صيغة قولهم عند
الحلف وجب النون، فأمَّا ياء الغائب فلا وجه له، وأما إذا جُعل خبراً فهو على
الغائب، كما تقول: حلف ليَفْعَلَن.
﴿ثُمَّ لَقُولَنَّ لِوَلِهِ﴾ أي: لوليٌّ صالح. والمراد به طالبُ ثاره من ذوي قرابته إذا
قتل. وقرأ: ((لتقولُن)) بالتاء مَن قرأ (لتُبَيُّنَّه)) كذلك. وقرأ («ليقولُنَّ)) بياء الغيبة مَن قرأ
بها فيما تقدَّم.
وقرأ حميد بن قيس الأولَ بياء الغيبة وهذا بالنون(١)، قيل: والمعنى على
ذلك: قالوا متقاسمين بالله: ليبيتَنَّه قومٌ منَّا ثم لنقولنَّ جميعنا لوليه.
﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ،﴾ أي: ما حضرنا هلاكهم، على أن ((مهلك)) مصدرٌ
كمرجع، أو: مكانَ هلاكهم، على أنه للمكان، أو: زمانَ هلاكهم على أنه للزمان.
والمراد نفيُ شهود الهلاك الواقع فيه. واختاروا نفي شهود مهلك أهله على نفي
قتلهم إياهم قصداً للمبالغة، كأنهم قالوا: ما شهدنا ذلك فضلاً عن أن نتولَّى
إهلاكهم، ويُعلم من ذلك نفيُ قتلهم صالحاً عليه السلام أيضاً لأنَّ مَن لم يقتل
أتباعه کیف یقتله.
وقيل: في الكلام حذف، أي: ما شهدنا مهلكَ أهله ومهلكه. واستظهره
أبو حيان(٢) ثم قال: وحذفُ مثلِ هذا المعطوف جائزٌ في الفصيح كقوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وقال الشاعر:
فما كان بين الخير لو جاء سالماً أبو حُجُرٍ إلَّا ليالٍ قلائلُ(٣)
أي: بين الخير وبيني. اهـ، وفيه ما لا يخفى.
وقيل: الضمير في ((أهله)) يعود على الوليّ، والمراد بأهل الوليّ صالحٌ
وأهلُه.
(١) البحر ٧ / ٨٤.
(٢) في البحر ٧/ ٨٤ .
(٣) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ٩٠.

سُورَةُ النَّصْلِ
١٢
الآية : ٤٩
واعترض بأنه لو أريد أهلُ الوليّ لقيل: أهلِكَ، أو: أهلِكم(١).
ومُنع بأنَّ ذلك غيرُ لازم، فقد قرئ: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾
[آل عمران: ١٢] بالخطاب والغيبة(٢)، ووجهُ ذلك ظاهرٌ. نعم رجوعُ الضمير إلى
الوليِّ خلافُ الظاهر كما لا يخفى.
وقرأ الجمهور: (مُهْلَكَ)) بضم الميم وفتح اللام(٣) من أَهْلَكَ، وفيه الاحتمالات
الثلاث. وقرأ أبو بكر: ((مَهْلَكَ)) بفتحهما على أنه مصدر.
﴿وَإِنَّا لَصَدِفُونَ ﴾ عطف على ((ما شهدنا)) كما ذهب إليه الزجَّاج(٤)،
والمعنى: ونحلف إنَّا لصادقون. وجوِّز أن تكون الواو للحال، أي: والحالُ إنَّا
لصادقون فیما ذكرنا .
واستشكل ادِّعاؤهم الصدق في ذلك وهم عقلاء ينفرون عن الكذب ما أمكن.
وأجيب بأنَّ حضور الأمر غيرُ مباشرته في العرف؛ لأنه لا يقال لمن قتل رجلاً: إنه
حضر قتله، وإن كان الحضورُ لازماً للمباشرة، فحلفوا على المعنى العرفيٍّ على
العادة في الأيمان، وأَوْهَموا الخصم أنهم أرادوا معناه اللغويّ، فهم صادقون غيرُ
حانثين، وكونُهم من أهل التعارُفِ أيضاً لا يضرُّ، بل يفيد فائدةً تامةً.
وقال الزمخشريُّ: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيَّتوا صالحاً وبيَّتوا أهله فجمعوا بين
البياتين، ثم قالوا: ما شهدنا مهلك أهله، فذكروا أحدهما، كانوا صادقين؛ لأنهم
فعلوا البياتين جميعاً لا أحدَهما(٥).
وتعقّب(٦) بأنَّ مَن فعل أمرين وجَحَد أحدَهما لم يكن في كذبه شبهةٌ، وإنما تتمُّ
الحيلةُ لو فعلوا أمراً واحداً وادُّعي عليهم فعلُ أمرین فجحدوا المجموع. ولذا لم
(١) في الأصل و(م): أهله، والمثبت من حاشية الشهاب ٥١/٧.
(٢) سلفت ٤/ ٥٢ .
(٣) التيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١١/٢. وهي قراءة العشرة سوی عاصم، فقد روى عنه حفص
«مهلك)) بفتح الميم وکسر اللام، وستأتي رواية أبي بكر عنه.
(٤) في معاني القرآن ٤/ ١٢٤ .
(٥) الكشاف ٣/ ١٥٢.
(٦) في الانتصاف ٣/ ١٥٢.

الآية : ٥٠-٥١٠٠
١٣
سُورَةُ النَملِك
يختلف العلماء في أنَّ من حلف: لا أضرب زيداً، فضرب زيداً وعَمْراً، كان
حانثاً، بخلاف مَن حلف: لا أضرب زيداً وعَمْراً، ولا آكل رغيفين، فأكل
أحدهما، فإنه محلٌّ خلافٍ للعلماء في الحنث وعدمه.
والحقُّ أنَّ تبرئتهم من الكذب فيما ذكر غيرُ لازمةٍ حتى يتكلَّف لها(١)، وهم
الذين كذبوا على الله تعالى، ورسولِه عليه السلام، وارتكبوا ما هو أقبحُ من الكذب
فيما ذكر، ومقصودُ الزمخشريِّ تأييدُ ما يزعمه هو وقومه من قاعدة التحسين
والتقبيح بالعقل بموافقة قوم صالح عليها، ولا يكاد يتمُّ له ذلك.
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا﴾ بهذه المواضعة ﴿وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (@)﴾ أي:
أهلكناهم إهلاكاً غيرَ معهودٍ، أو جازينا مكرهم من حيث لا يحتسبون.
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ شروعٌ في بيانِ ما ترتّب على
ما باشروه من المكر، والظاهرُ أن ((كيف)) خبرٌ مُقدَّمٌ لـ ((كان))، و((عاقبة)) الاسم،
أي: كان عاقبة مكرهم واقعةً على وجهٍ عجيب يُعتبر به، والجملة في محلِّ
نصبٍ على أنها مفعولُ (انظر))، وهي معلّقة لمكان الاستفهام، والمراد: تَفَكَّرْ
في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّا دَقَرْنَهُمْ﴾ في تأويل مصدرٍ وقع بدلاً من ((عاقبة مكرهم»،
أو خبر مبتدأ محذوفٍ هو ضميرُ العاقبة، والجملةُ مبيِّنَةٌ لِمَا في ((عاقبة مكرَهم؛ من
الإبهام، أي: هو - أو هي - تدميرُنا وإهلاكُنا إياهمِ ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ الذين لم يكونوا
منهم في مباشرة التبييت ﴿أَجْمَعِينَ ﴾﴾ بحيث لم يشذَّ منهم شاذَّ. أو هو على تقدير
الجارِّ، أي: لتدميرنا إياهم، أو بتدميرنا إياهم، ويكون ذلك تعليلاً لما ينبئُ عنه
الأمر بالنظر في كيفية عاقبة أمرهم من الهول والفظاعة.
وجوَّز بعضُهم كونَه بدلاً من ((كيف)). وقال آخرون: لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ البدل
عن الاستفهام يلزمُ فيه إعادةُ حرفه، كقولك: كيف زيدٌ أصحيحٌ أم مريض؟.
وجوِّز أن يكون هو الخبر لـ ((كان))، وتكون ((كيف)) حينئذٍ حالاً والعاملُ فيها
((كان)) أو ما يدلُّ عليه الكلام من معنى الفعل.
(١) في الأصل: لهم.

سُورَةُ التَِّ
١٤
الآية : ٥١
ويجوزُ أن تكون ((كان)) تامةً، و((كيف)) عليه حالٌ لا غير، والاحتمالاتُ الجائزة
في ((أنَّا دَمَّرناهم)) لا تخفى(١).
وقرأ الأكثر: ((إنَّا)) بكسر الهمزة(٢). فـ ((كيف)) خبرُ ((كان))، و((عاقبة)) اسمها،
وجملة ((إنَّا دمَّرناهم)) استئنافٌ لتفسير العاقبة.
وجوِّز أن تكون خبرَ مبتدأ محذوف؛ قال الخفاجي: الظاهرُ أنه الشأن أو
ضميره، لا شيءٌ آخَرُ مما يحتاج للعائد ليُعتَرضَ عليه بعدم العائد. ولا يَرِدُ عليه أنَّ
ضمير الشأن المرفوع مَنَعَ كثيرٌ من النحويين حَذْفَه، فإنه غيرُ مسلَّم (٣). ويجوز أن
تكون ((كان)) تامةً و((كيف)) حال كما تقدَّم.
ولم يجوِّز الجمهور كونَها ناقصةً والخبر جملة ((إنا دمرناهم)) لعدم الرابط.
وقيل: يجوز، ويكفي للربط وجودُ ما يرجع إلى متعلَّق المبتدأ إذ رجوعُه إليه نفسِه
غيرُ لازمٍ، وهو تكلّفٌ وإنما يتمشى على مذهب الأخفش القائل: إذا قام بعض
الجملة مقام مضافٍ إلى العائد اكتُفي به، وغيره من النحاة يأباه.
وجوَّز أبو حيان(٤) على كلتا القراءتين أن تكون ((كان)) زائدةً، و((عاقبة)) مبتدأ،
و(کیف) خبر مقدّم له.
وقرأ أُبيّ: ((أنْ دمَّرناهم)(٥) بـ ((أنْ)) التي من شأنها أن تنصب المضارع، ويجري
في المصدر الاحتمالاتُ السابقة فيه على قراءة ((أنَّا)) بفتح الهمزة.
هذا وفي كيفية التدمير خلافٌ؛ فروي أنه كان لصالح عليه السلام مسجدٌ في
الحجر في شعبٍ يصلِّي فيه، فقالوا: زعم صالحٌ أنه يفرغُ منَّا بعد ثلاثٍ، فنحن
تفرُ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه
(١) وهي الثلاث التي ذكرها المصنف أولاً، أي: كونه بدلاً، أو خبراً لمبتدأ محذوف، أو على
تقدير الجارِّ، فيجوز مع هذه الأوجه الثلاثة أن تكون ((كان)) تامة.
(٢) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. التيسير ص١٦٨، والنشر
٣٣٨/٢.
(٣) حاشية الشهاب ٧/ ٥٢ .
(٤) في البحر ٨٦/٧.
(٥) المحرر الوجيز ٢٦٤/٤، والبحر ٨٦/٧.

الآية : ٥٢
١٥
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم. فبعث الله تعالى صخرةً من الهضب حيالهم، فبادروا
فطبقت عليهم فمَ الشعب، فلم يَدْرِ قومُهم أين هم، ولم يدروا ما فُعل بقومهم،
وعذَّب الله تعالى كلاّ منهم في مكانه ونجَّى صالحاً ومَن معه.
وقيل: جاؤوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله تعالى ملائكةً ملءَ دارٍ
صالح عليه السلام فرموهم بالحجارة يرونها ولا يرون رامياً وهلك سائر القوم
بالصيحة.
وقيل: إنهم عزموا على تبييته عليه السلام وأهله، فأخبر الله تعالى بذلك
صالحاً، فخرج عنهم، ثم أهلكهم بالصيحة وكان ذلك يومَ الأحد.
﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ﴾ جملةٌ مقرِّرةٌ لِمَا قبلها. وقولُه تعالى: ﴿خَارِيَةً﴾ أي: خاليةً
أو ساقطةً متهدِّمةً أعاليها على أسافلها، كما روي عن ابن عباس ﴿بِمَا ظَلَمُوَأْ﴾
أي: بسبب ظلمهم المذكور، حالٌ من ((بيوتهم))، والعاملُ فيها معنى الإشارة.
وقرأ عيسى بن عمر: ((خاويةٌ)) بالرفع(١) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي
خاويةٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ لـ ((تلك))، أو خبرٌ لها و((بيوتهم)) بدلٌ.
و((بيوتُهم)) هذه هي التي قال فيها وَلير لأصحابه عام تبوك: ((لا تدخلوا على هؤلاء
المعذَّبين إلَّا أن تكونوا باكين)) الحديث(٢). وهي بوادي القرى بين المدينة والشام.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر من التدمير العجيب بظُلْمِهم ﴿لَبَةٌ﴾ لعبرةً
عظيمةً ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ما من شأنه أن يُعلم من الأشياء، أو: لقوم يتَّصفون
بالعلم. وقيل: لقوم يعلمون هذه القصة. وليس بشيء.
وفي هذه الآية - على ما قيل - دلالةٌ على الظلم يكون سبباً لخراب الدور؛
وروي عن ابن عباس أنه قال: أجدُ في كتاب الله تعالى أنَّ الظلم يخرِّبُ البيوت،
وتلا هذه الآية. وفي التوراة: ابنَ آدم لا تظلم يخرب بيتك. قيل: وهو إشارةٌ إلى
هلاك الظالم؛ إذ خرابُ بيته متعقّبٌ هلاكه.
(١) الكشاف ١٥٣/٣، والبحر ٨٦/٧.
(٢) أخرجه أحمد (٤٥٦١)، والبخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر رض

سُورَةُ النَّسْلِ
١٦
الآية : ٥٣ - ٥٤
ولا يخفى أنَّ كون الظلم بمعنى الجور والتعدِّي على عباد الله تعالى سبباً
لخراب البيوت مما شوهد كثيراً في هذه الأَعصار، وكونُه بمعنى الكفر كذلك ليس
كذلك، نعم لا يَبعدُ أن يكون على الكفرة يومٌ تخرَّبُ فيه بيوتُهم إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ صالحاً ومَن معه من المؤمنين ﴿وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (@)
من الكفر والمعاصي اتَّقاءً مستمرًّا، فلذا خُصُّوا بالنجاة. روي أنَّ الذين آمنوا به
عليه السلام كانوا أربعةَ آلافٍ، خرج بهم صالح إلى حضرموت، وحين دخلها مات
ولذلك سميت بهذا الاسم، وبنى المؤمنون بها مدينةً يقال لها: حاضورا، وقد تقدَّم
الكلام في ذلك(١)، فتذكَّر.
﴿وَلُوطَا﴾ منصوبٌ بمضمرٍ معطوفٍ على ((أرسلنا)) في صدر قصة صالح عليه
السلام، داخلٍ معه في حيِّز القسم، أي: وأرسلنا لوطاً ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ،﴾ ظرفٌ
للإرسال، على أنَّ المراد به أمرٌ ممتدٌ وقع فيه الإرسال وما جرى بينه وبين قومه من
الأحوال والأقوال.
وجوِّز أن يكون منصوباً بإضمارٍ: اذكر، معطوفاً على ما تقدَّم عطفَ قصةٍ على
قصة، و((إذ)) بدلٌ منه بدلَ اشتمالٍ. وليس بذاك.
وقيل: هو معطوفٌ على ((صالحاً). وتعقِّب بأنه غيرُ مستقيم؛ لأنَّ ((صالحاً)) بدلٌ
أو عطفُ بيان لـ ((أخاهم)) وقد قيِّد بقيدٍ مقدَّم عليه وهو ((إلى ثمود))، فلو عطف عليه
تقيّد به، ولا يصحُّ لأنَّ لوطاً عليه السلام لَمَّ يرسَل إلى ثمود، وهو متعيِّنٌ إذا تقدَّم
القيد بخلافٍ ما لو تأخّر.
وقيل: إنَّ تعيُّنه غيرُ مسلَّم إذ يجوز عطفُه على مجموع القيد والمقيّد، لكنه
خلافُ المألوف في الخطابيات، وارتكابُ مثله تعسُّفٌ لا يليق.
وجوِّز أن يكون عطفاً على ((الذين آمنوا)).
وتعقِّب بأنه لا يناسبُ أساليبَ سَرْدِ القصص، مِن عَطْفِ إحدى القصتين على
الأخرى لا على تتمة الأولى وذيلها كما لا يخفى.
(١) ١٧ / ١٦٧.

الآية : ٥٥
١٧
سُوَّةُ النَّصْلِ
﴿أَتَأَتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: أتفعلون الفعلةَ المتناهيةَ في القبح والسماجة،
والاستفهامُ إنكاريٌّ.
جملةٌ حاليةٌ من فاعل ((تأتون)» مفيدةٌ
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (@)
لتأكيد الإنكار، فإنَّ تعاطيَ القبيح من العالِم بقبحه أقبحُ وأشنعُ. و((تبصرون)) من
بَصَرِ القلب، أي: أتفعلونها والحالُ أنتم تعلمون علماً يقينيًّا كونَها كذلك.
ويجوز أن يكون من بَصَرِ العين، أي: وأنتم ترون وتشاهدون كونَها فاحشةً،
على تنزيل ذلك - لظهوره - منزلةً المحسوس. وقيل: مفعولُ ((تبصرون)) من
المحسوسات حقيقةً، أي: وأنتم تبصرون آثارَ العصاةِ قبلكم، أو: وأنتم ينظرُ
بعضكم بعضاً لا يستثِرُ ولا يتحاشى من إظهار ذلك؛ لعدم اكتراثكم به. ووجهُ إفادة
الجملة على الاحتمالين تأكيدَ الإنكار أيضاً ظاهر.
وقوله تعالى: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَأْنُونَ الرَّحَالَ شَهْوَةٌ﴾ تثنيةٌ للإنكار، وبيانٌ لِمَا يأتونه من
الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام، وتحليةُ الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأنَّ
مضمونها مما لا يصدِّقُ وقوعَه أحدٌ لكمال شناعته، وإيرادُ المفعول بعنوان الرجولية
دون الذكورية لتربية (١) التقبيح، وبيان اختصاصه ببني آدم.
وتعليلُ الإتيان بالشهوة تقبيحٌ على تقبيحِ، لِمَا أنها ليست في محلِّها، وفيه
إشارةٌ إلى أنهم مخطئون في محلِّها فعلاً، وفي قوله تعالى: ﴿مِّن دُونِ
اُلِّسَاءِ﴾ - أي: متجاوزين النساءَ اللاتي هُنَّ محالُّ الشهوة - إشارةٌ إلى أنهم
مخطئون فيه تركاً. ويُعلم مما ذكرنا أنّ ((شهوة)) مفعولٌ له للإتيان، وجوِّز أن
یکون حالاً.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾﴾ أي: تفعلون فعلَ الجاهلين بقبح ذلك، أو تجهلون
العاقبةَ. أو الجهلُ بمعنى السفاهةِ والمجون، أي: بل أنتم قومٌ سفهاءُ ماجنون، كذا
في ((الكشاف))، وأيًّا ما كان فلا ينافي قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)(٢).
ولم يرتضٍ ذلك الطيبيُّ، وزعم أنَّ كلمة الإضراب تأباه، ووجَّه الآية بأنه تعالى
(١) في (م): لتربيته.
(٢) الكشاف ٣/ ١٥٣.

سُؤَدَّةُ الْنَصْلِ
١٨
الآية : ٥٦
لمَّا أنكر عليهم فعلَهم على الإجمال وسمَّاه فاحشةً، وقيَّده بالحال المقرِّرةِ لجهة
الإشكال تتميماً للإنكار بقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، أراد مزيدَ ذلك التوبيخ
والإنكار، فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة، وأشار سبحانه إلى ما أشار، ثم أَضْرَبَ
عن الكلِّ بقوله سبحانه: ((بل أنتم)) إلخ، أي: كيف يقال لمن يرتكبُ هذه الفحشاءَ:
وأنتم تعلمون، فَأَوْلَى حرفَ الإضراب ضميرَ ((أنتم)) وجعلهم قوماً جاهلين، والتفتَ
في ((تجهلون)) موبِّخاً معيِّراً. اهـ، وفيه نظر.
والقولُ بالالتفات هنا مما قاله غيره أيضاً، وهو التفاتٌ من الغيبة التي في
((قوم)) إلى الخطاب في ((تجهلون)). وتعقَّبه الفاضلُ السيالكوتي بأنه وهم، إذ ليس
المراد بـ ((قوم)) قومَ لوطٍ، حتى يكون المعبّر عنه في الأسلوبين واحداً كما هو شرطٌ
الالتفات، بل معنّى كلِّيٍّ حُمِلَ على قوم لوط عليه السلام.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ الخطاب فيه مع أنه صفةٌ لـ ((قوم)) - وهو اسم ظاهرٌ - من
قبيل الغائب؛ لمراعاة المعنى؛ لأنه مثَّحدٌ مع ((أنتم)) لحمله عليه.
وجَعَله غيرُ واحدٍ مما غلِّب فيه الخطاب. وأُورد عليه أنَّ في التغليب تجوُّزاً
ولا تجوُّز هنا. وأجيب بأنَّ نحو ((تجهلون)) موضوعٌ للخطاب مع جماعةٍ لم يذكروا
بلفظ غيبةٍ، وهنا ليس كذلك، فكيف لا يكون فيه تجوُّزٌ؟ وقيل: قولهم إنَّ في
التغليب تجوُّزاً خارجٌ مخرج الغالب.
وقال الفاضل السيالكوتي: إنَّ قوله تعالى: (بَلّ أَنْتُمٌ) إلخ من المجاز باعتبار
ما كان، فإن المخاطب في ((تجهلون)) باعتبارٍ كون القوم مخاطبين في التعبير
بـ ((أنتم))، فلا يَرِدُ أنَّ اللفظ لم يستعمل فيه في غير ما وضع له ولا الهيئة التركيبية،
ولم يسند الفعل إلى غير ما هو له فيكون هناك مجاز، فافهم.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوَا ءَالَ لُوطٍ﴾ أي: مَن أَّبع دينَه،
وإخراجُه عليه السلام يُعلم من باب أَوْلَى. وقال بعض المحققين: المراد بـ ((آل لوط))
هو عليه السلام ومَن تَبِعَ دينه، كما يراد من ((بني آدمَ)) آدمُ وبنوه. وأيًّا ما كان
فلا تدخل امرأتُه عليه السلام فيهم.
وقوله سبحانه: ((إلا)) إلخ، استثناءٌ مفرٌَّ واقعٌ في موقع اسم ((كان)). وقرأ

الآية : ٥٧ - ٥٩
١٩
سُورَةُ النَّصْلِك
الحسن وابن أبي إسحاق: ((جوابُ)) بالرفع(١)، فيكون ذاك واقعاً موقعَ الخبر، وقد
مرَّ تحقيق الكلام في مثل هذا التركيب(٢) .
وفي قوله تعالى: ﴿مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ بإضافة القرية إلى ((كم)) تهوينٌ لأمر الإخراج.
وقولُه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر على وجهٍ يتضمَّنُ
الاستهزاء، أي: إنهم أناسٌ يزعمون التطهُّر والتنزُّه عن أفعالنا أو عن الأقذار،
ويَعُدُّون فِعْلَنا قذراً، وهم متكلِّفون بإظهار ما ليس فيهم. والظاهرُ أنَّ هذا الجوابَ
صدر عنهم في المرة الأخيرة من مراتب مواعظه عليه السلام بالأمر والنهي، لا أنه
لم يصدر عنهم كلامٌ آخَرُ غیرُه.
﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: بعد إهلاك القوم، فالفاء فصيحةٌ ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَهَا﴾
أي: قدَّرنا كونَها ﴿مِنَ اُلْغَبِينَ ﴾﴾ أي: الباقين في العذاب. وقدِّر المضافُ
لأنَّ التقدير يتعلَّقُ بالفعل لا بالذات، وجاء في آيةٍ أخرى ما يقتضي ذلك، وهو قولُه
تعالى: ﴿قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ﴾ [الحجر: ٦٠].
وقرأ أبو بكر: ((قَدَرناها)) بتخفيف الدال(٣).
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ غيرَ معهودٍ ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴾﴾ أي: فبئس مطر
المنذرين مطرُهم، وقد مرَّ مثلُ هذا فارْجِعْ إلى ما ذكرناه عنده(٤).
﴿قُلِ لْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَيُّ﴾ إثر ما قصَّ سبحانه وتعالى على
رسوله والر قصص الأنبياء المذكورين وأخبارهم الناطقةَ بكمال قدرته تعالى وعظم
شأنه سبحانه، وبما خصَّهم به من الآيات القاهرة والمعجزات الباهرة الدالّة على
جلالة أقدارهم وصحة أخبارهم، وقد بيَّن على ألسنتهم صحةً الإسلام والتوحيدِ،
وبطلانَ الكفر والإشراك، وأنَّ مَن اقتدى بهم فقد اهتدى، ومَن أعرض عنهم فقد
(١) المحتسب ١٤١/٢، والبحر ٨٦/٧.
(٢) ينظر ما سلف ٥٠/٥، والآية (٨٢) من سورة الأعراف.
(٣) التيسير ص١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢.
(٤) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٧٣) من سورة الشعراء.

سُوَّةُ النَّصْلِ
٢٠
الآية : ٥٩
تردَّى في مهاوي الرَّدَى، وشَرَحَ صدره الشريفَ بَّه بما في تضاعيف تلك القصص
من فنون المعارف الربانية، ونوَّر قلبه بأنوار الملكات السبحانية الفائضةِ من عالم
القدس، وقرَّر بذلك فحوى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَُلَّى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾
[النمل: ٦] أمره(١) وَّر أن يحمده بأتمٍّ وجهٍ على تلك النعم، ويسلّم على كافة الأنبياء
عليهم السلام، الذين من جملتهم مَن قصَّت أخبارُهم وشُرِحَتْ آثارهم؛ عرفاناً
لفضلهم، وأداءً لحقٌّ تقدُّمهم واجتهادهم في الدين، فالمرادُ بالعباد المصطفَيْنَ
الأنبياءُ عليهم السلام؛ لدلالة المقام، وقولِه تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى
اَلْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١].
وقيل: هذا أمرٌ له ◌َّو بحمده تعالى على هلاك الهالكين من كفار الأمم،
والسلام على الأنبياء وأتباعهم الناجين وَ *. والسلامُ على غير الأنبياء عليهم
السلام إذا لم يكن استقلالاً مما لا خلافَ في جوازه، ولعل المنصفَ لا يرتابُ في
جوازه على عباد الله تعالى المؤمنين مطلقاً .
وقيل: أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بالحمد على ما خصَّه جلَّ وعلا به من رفع
عذاب الاستئصال عن أمته، ومخالفتِهم لمن قبلهم ممن ذُكرت قصتُه من الأمم
المستأصَلة بالعذاب، وبالسلام على الأنبياء الذين صبروا على مشاقٌ الرسالة،
فالمراد بالمصطفين الأنبياءُ خاصةً.
وأخرج عبد بن حميد والبزَّارُ وابنُ جريرٍ وغيرُهم عن ابن عباس أنه قال فيهم:
هم أصحابُ محمد بَّه، اصطفاهم الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام(٢). وأخرج
عبد بن حميد وابن جريرٍ عن سفيان الثوريِّ أنه قال في ((وسلام)) إلخ: نزلت في
أصحاب محمد نَّر خاصةً(٣). وهذا ظاهرٌ في القول بجواز السلام على غير الأنبياء
استقلالاً، كما هو مذهبُ الحنابلة وغيرهم.
(١) في الأصل و(م): أمر، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٩٣/٦، والكلام منه.
(٢) البزار (٢٢٤٣ - كشف الأستار)، وتفسير الطبري ٩٨/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٠٦/٩،
وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١١٣/٥. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٨٧: فيه
الحكم بن ظهير، وهو متروك.
(٣) تفسير الطبري ٩٩/١٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١١٣/٥.