Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ١٢٦ ٤٤١ سُوَّةُ الْبَقَة ﴿ثُمَّ أَخْطَرُُّ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الاضطرار ضدُّ الاختيار، وهو حقيقةٌ في كَون الفعل صادراً مِن الشخص من غير تعلُّقٍ إرادته به - كَمن أُلقي مِن السطح مثلاً - مجازٌ في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا يَملكُ الامتناعَ عنه، بأنْ عَرَضَ له عارضٌ يقسِره(١) على اختياره، كمَن أَكلَ الميتةَ حالَ المخمصة، وبكِلَا المَعنّيَين قال بعضٌ، ويُؤْيِّد الأولَ قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَغُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَغًّا﴾ [الطور: ١٣] و﴿يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] و﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّسِى وَالْأَقْدَاعِ﴾ [الرحمن: ٤١]. ويُؤِيد الثاني قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوّا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧١] و﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية [مريم: ٧١] و﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُرْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. والتحقيقُ أنَّ أحوالَ الكفارِ يومَ القيامة عند إدخالهم النارَ شتَّى، وبذلك يَحصلُ الجمعُ بين الآيات، وأنَّ الاضطرار مجازٌ عن كون العذاب واقعاً به وقوعاً مُحقَّقاً، حتى كأنَّه مربوط به. وقيل: إنَّ هذا الاضطرارَ في الدنيا، وهو مجازٌ أيضاً، كأنَّه شَبَّه حالَ الكافرِ الذي أَدرَّ الله تعالى عليه النِّعمةَ التي استَدْناه بها قليلاً(٢) إلى ما يُهلكه بحالٍ مَن لا يَملك الامتناعَ ممَّا اضطرَّ إليه، فاستعمل في المشبَّه ما استعمل في المشبّه به، وهو كلامٌ حَسَنٌ لولا أنَّه يَستدعي ظاهراً حَمْلَ ((ثم)) على التراخي الرُّتْبي، وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر: ((إِضْطَرُّهُ)) بكسر الهمزة(٣). ويزيد بن أبي حبيب: ((أضْطُرُّهُ) بضم الطاء. وأَبيّ: ((نَضْطَرُّهُ» بالنون. وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر(٤). وابن محيصن: ((أَطَرُّهُ» بإدغام الضاد في الطاء خبراً(٥)، قال الزمخشريُّ: وهي (١) في الأصل: يقصره. (٢) في حاشية الشهاب ٢٣٧/٢ (والكلام منه): قليلاً قليلاً. (٣) لم نقف عليها عن ابن عامر، والمشهور عنه كقراءة الجماعة، والقراءة بكسر الهمزة مذكورة عن يحيى بن وثاب في القراءات الشاذة ص٩، ومعاني القرآن للفراء ٧٨/١، والكشاف ٣١٠/١، والمحرر الوجيز ٢٠٩/١، والبحر ٣٨٤/١. (٤) تنظر هذه القراءات في معاني القرآن للفراء ٧٨/١، وللأخفش ٣٣٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/١، والكشاف ٣١٠/١، والمحرر الوجيز ٢٠٩/١، والبحر ٣٨٤/١. (٥) القراءات الشاذة ص٩، والمحتسب ٣٠٦/١، والكشاف ٣١١/١، والبحر ٣٨٤/١ و٣٨٦. سُورَةُ الجَمَة ٤٤٢ الآية : ١٢٧ لغةٌ مَرذولةٌ؛ لأنَّ حروفَ ((ضم شفر)) يُدغَمُ فيها ما يُجاورُها دون العكس(١). وفيه أنَّ هذه الحروف أُدغمتْ في غيرها، فأَدغمَ أبو عمرو الراء في اللام في ﴿نَغْفِرِ [البقرة: ٥٨](٢)، والضاد في الشين في ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢](٣)، والشين في السين في ﴿ الْعَّبِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٣](٤)، والكِسائي الفاء في الباء في ﴿نَخْسِفْ بِهِمْ﴾ [سبأ: ٩](٥)، ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا: مُضْطَجِعٌ ومُطَّجِع(٦). إلَّا أنَّ عَدَم الإدغام أكثر، وأصل ((أضطر)) على هذا على ما قيل: ((أَضْتَرُّ))، فأبدلت التاء طاءً، ثم وقع الإدغام. ﴿وَيْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ لفهم المعنى، أي: وبئسَ المصيرُ النارُ، إنْ كان المصيرُ اسمَ مكانٍ، وإنْ كان مصدراً على مَنْ أجاز ذلك فالتقدير: وبئست الصيرورةُ صيرورتُه إلى العذاب. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَهِرُ﴾ عطفٌ على ((وإذ قال إبراهيم))، و((إذ)) للمُضيِّ، وآثرَ صيغةً المضارع مع أنَّ القصّة ماضيةٌ استحضاراً لهذا الأمر، ليقتديَ الناسُ به في إتيان الطاعاتِ الشاقَّةِ مع الابتهال في قبولها، وليَعْلَموا عظمةَ البيت المبنيّ فيُعِّموه. ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ القواعد جمع ((قاعدة))، وهي الأساسُ كما قاله أبو عبيدة (٧). صفة صارت بالغَلَبة مِن قبيل الأسماءِ الجامدة، بحيث لا يُذكرُ لها موصوفٌ، ولا يُقدَّر من القعود بمعنى الثبات، ولعلَّه مجازٌ من المقابل للقيام، ومنه: تَعَّدَك الله تعالى، في الدعاء، بمعنى: أَدامَك الله تعالى وَثَبَّتَك، ورَفْعُ القواعد على هذا المعنى مَجازٌ عن البناء عليها، إذ الظاهرُ مِن رَفَع الشيء: جَعَلَه عالياً مرتفعاً، والأساسُ لا يَرتفع بل يَبقى بحاله، لكنْ لمَّا كانت هيئتهُ قبل البناء (١) الكشاف ٣١١/١. (٢) التيسير ص٤٤، والنشر ٢/ ١٢ . (٣) البحر ٣٨٧/١، قال أبو حيان: وهو ضعيف. (٤) البحر ٣٨٧/١، قال أبو حيان: والبصريون لا يجيزون ذلك عن أبي عمرو، وهو رأس من رؤوس البصریین. (٥) التيسير ص٤٤، والنشر ١٢/٢. (٦) الكتاب ٤ / ٤٧٠ . (٧) في مجاز القرآن ١/ ٥٤ . الآية : ١٢٧ ٤٤٣ سُورَةُ الَرَة عليه الانخفاضَ، ولمَّا (١) بُني عليه انتقل إلى هيئة الارتفاع، بمعنى أنَّه حصل له مع ما بُنِيَ عليه تلك الهيئةُ، صار البناءُ عليه سبباً للحصول كالرفع، فاستُعمل الرفعُ في البناء عليه، واشتقَّ من ذلك ((يرفع)) بمعنى: يبني عليها. وقيل: القواعدُ سافاتُ البناء وكلُّ سافٍ قاعدةٌ لِمَا فوقه، فالمرادُ برفْعِها على هذا بناؤها نفسُها، وَوَجْه الجمع عليه ظاهرٌ، وعلى الأول لأنَّها مُربَّعَةٌ، ولكلِّ حائط أساسٌ، وضعِّفَ هذا القول بأنَّ فيه صرفَ لفظ ((القواعد)» عن معناه المتبادِر، وليس هو کصرف الرفع في الأول. وقيل: الرفع بمعنى الرفعة والشَّرَف، و((القواعد)) بمعناه الحقيقيِّ السابق، فهو استعارةٌ تمثيليةٌ، وفيه بُعْدٌ؛ إذ لا يَظهر حينئذٍ فائدةٌ لذكر ((القواعد)). و(مِن)) ابتدائية متعلّقةٌ بـ ((يرفع))، أو حالٌ من ((القواعد))، ولم يقل: قواعدَ البيت، لِمَا في الإبهام والتبيين من الاعتناء الدالّ على التفخيم ما لا يخفى. ﴿وَإِسْمَعِيلُ﴾ عطف على ((إبراهيم))، وفي تأخيره عن المفعول المتأخّر عنه رتبةً إشارةٌ إلى أنَّ مَدْخليَّته في رفع البناء والعمل دون مدخلية إبراهيم عليه السلام، وقد وَرَد أنَّه كان يُناوله الحجارة، وقيل: كانا يَبنيان في طرفَين، أو على التناوب. وأَبعدَ بعضُهم فزعَمَ أنَّ ((إسماعيل)) مبتدأٌ وخَبَرُه محذوف، أي: يقول ربَّنا. وهذا مَيلٌ إلى القول بأنَّ إبراهيم عليه السلام هو المتفِّرُدُ بالبناء ولا مدخلية الإسماعيلَ فيه أصلاً، بناءً على ما رُوي عن عليٍّ كَرَّم الله تعالى وجْهَهُ: أنَّه كان إذ ذاك طفلاً صغيراً، والصحيحُ أنَّ الأثرَ غيرُ صحيحٍ. هذا وقد ذَكّر أهلُ الأخبار في ماهيةِ هذا البيت وقِدَمِهِ وحُدوثِهِ، ومِن أيِّ شيءٍ كان باباه، وكم مرةً حَجَّه آدم، ومِن أيِّ شيءٍ بناه إبراهيمُ، ومَن ساعده على بنائه، ومن أين أُتي (٢) بالحجر الأسود، أشياء لم يَتضمَّنها القرآن العظيم، ولا الحديثُ الصحيح، وبعضُها يُناقض بعضاً، وذلك على عادتهم في نّقْل ما دبَّ ودَرَج. ومِن مَشهورٍ ذلك أنَّ الكعبة أُنزلَتْ مِن السماء في زمان آدم، ولها بابان إلى (١) في الأصل: فلما. (٢) بعدها في الأصل: أيضاً. سُوَّةُ الْبَّفَقَة ٤٤٤ الآية : ١٢٧ المشرق والمغرب، فحجَّ آدم مِن أرض الهند، واستقبلَتْه الملائكةُ أربعين فرسخاً، فطافَ بالبيت ودخله، ثم رُفعت في زمن طوفان نوح عليه السلام إلى السماء، ثم أُنزلت مرةً أُخرى في زمن إبراهيم، فزارَها وَرَفَع قواعدَها وجَعَل بابيها باباً واحداً، ثم تَمخَّض أبو قبيس فانشقَّ عن الحجرِ الأسود، وكان ياقوتةً بيضاءَ مِن يَواقيت الجنة نَزل بها جبريل، فخبِّتْ في زمان الُوفان إلى زمن إبراهيم، فوضَعَه إبراهيم مكانه، ثم اسودَّ بمُلامَسة النساء الخُيَّض. وهذا الخبرُ وأمثاله - إنْ صحَّ عند أهل الله تعالى - إشاراتٌ ورموز لِمَن ألقى السمعَ وهو شهيد، فنزولُها في زمن آدمَ عليه السلام إشارةٌ إلى ظُهورِ عالم المَبدأ والمَعاد، ومعرفةٍ عالَم النور وعالَم الظلمة في زمانه، دون عالم التوحيد. وقصدُه زيارتَها من أرض الهند إشارةٌ إلى تَوجُّهِهِ بالتكوين والاعتدال من عالَم الطبيعة الجسمانية المُظْلِمةِ إلى مَقام القلب، واستقبالُ الملائكة إشارةٌ إلى تعلُّق القُوى النباتيَّة والحيوانيّة بالبدن، وظهور آثارها فيه قبل آثار القلب في الأربعينَ التي تكوَّنَتْ فيها بُنيَته، وتَخَّرَتْ طينتُه. أو توجُّهِه بالسير والسلوك من عالم النفس الظلمانيِّ إلى مَقام القلب، واستقبالُ الملائكة تَلقِّي القوى النفسانية والبدنية إياه بقبول الآداب والأخلاق الجميلة، والملكاتِ الفاضلة، والتمرُّن والتنقُّل في المقامات قبل وصوله إلى مقام القلب. وطوافُه بالبيت إشارةٌ إلى وصوله إلى مَقام القلب، وسلوكِه فيه مع التلوين، ودخولُه إشارةٌ إلى تمكينه واستقامته فيه، ورفعُه في زمن الطوفان إلى السماء إشارةٌ إلى احتجابِ الناس بغلبة الهوى وطوفانِ الجهل في زمن نوح عن مقام القلب. وبقاؤه في السماء إشارةٌ إلى البيت المعمور الذي هو قلب العالم، ونزولُه مرةً أخرى في زمان إبراهيمَ إشارةٌ إلى اهتداء الناس في زمانه إلى مقام القلب بهدايته. ورفعُ إبراهيمَ قواعدَه وجَعْلُهُ ذا بابٍ واحدٍ إشارةٌ إلى تَرقِّ القلب إلى مقام التوحيد؛ إذ هو أول مَن أَظْهرَ التوحيدَ الذاتيَّ المشارَ إليه بقوله تعالى حكايةً عنه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشََّوَنِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. الآية : ١٢٧ ٤٤٥ سُوَّةُ الْجَمَة والحجرُ الأسود إشارةٌ إلى الروح التي هي أمرُ الله عزَّ شأنه ويَمينه وموضع سِرِّه، وتَمخُّضُ أبي قبيسٍ وانشقاُه عنه إشارةٌ إلى ظهوره بالرياضة، وتَحرُّكِ آلاتٍ البدن باستعمالها في التفكّر والتعبُّد في طلب ظهوره، ولهذا قيل: خُبِّئَتْ، أي: احتجبت بالبدن. واسودادُه بملامسة الحُيَّض إشارةٌ إلى تَكَدُّره بغلبة القوى النفسانيةِ على القلب، واستيلائها عليه، وتسويدها الوجه النورانيَّ الذي يلي الروح منه: ولو تُرِكَ القَطَاليلاً لَنَّامَا (١). ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ﴾ أي: يقولان: ((ربَّنا))، وبه قرأ أُبيِّ(٢). والجملةُ حالٌ من فاعلِ (يرفع))، وقيل: معطوفةٌ على ما قبلها(٣) بجعلِ القول متعلَّقاً لـ ((إذ))(٤). والتقبُّلُ مَجازٌ عن الإثابة والرضا؛ لأنَّ كلَّ عمل یقبله الله تعالى، فهو يُثیبُ صاحبه ويرضاه منه. وفي سؤال الثواب على العمل دليلٌ على أنَّ تَرِثُّبَهُ عليه ليس واجباً، وإلا لم يُطلبْ. وفي اختيار صيغة التفعُّل اعترافٌ بالقصور، لما فيه من الإشعار بالتكلّف في القبول، وإنْ كان التقُّل والقبول بالنسبة إليه تعالى على السواء، إذ لا يُمكنُ تَعقُّل التكلُّف في شأنِهِ عزَّ شأنُهُ. ويُمكنُ أنْ يكونَ المرادُ مِن التقبُّل الرضا فقط دون الإثابة؛ لأنَّ غايةَ ما يَقصِدُه المُخلصون من الخدم وقوعُ أفعالهم موقعَ(٥) القبول والرضا عند المخدوم، وليس الثَّوابُ ممَّا يَخطُر لهم بيال، ولعلَّ هذا هو الأنسبُ بحال الخليل وابنه إسماعيلَ عليهما السلام. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٧)﴾ تعليلٌ لاستدعاء التقبُّل، والمراد: السميعُ لدعائنا العليمُ (٦) بنيَّاتنا، وبذلك يَصحُّ الحصْرُ المُستفادُ مِن تَعريف المسندين، ويُفيد (١) وصدره: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا، والبيت لحذام بنت الريان، كما في فصل المقال في شرح كتاب الأمثال ص٤٢، ومجمع الأمثال ٢/ ١٧٥ . (٢) المحرر الوجيز ٢١١/١، والبحر ٣٨٨/١، وهي في القراءات الشاذة ص٩، والمحتسب ١/ ١٠٨ عن ابن مسعود طلبه. (٣) في (م): قبله، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٠/١، وهو الصواب. (٤) والتقدير: ويقولان ربَّنا تقبّل منَّا إذ يرفعان، أي: وقت رفعهما. تفسير أبي السعود ١٦٠/١. (٥) في (م): لوقوع أفعالهم موضع، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٦) في (م): والعليم. سُوَّةُ الْبَقَة ٤٤٦ الآية : ١٢٨ نفيَ السمعة والرياء في الدعاء والعمل، الذي هو شرط القبول، وتأكيدُ الجملةِ لإظهار كمال قوة يقينهما بمضمونها، وتقديمُ صفة السمع - وإنْ كان سؤالُ التَّقُبلِ مُتأخراً عن العمل - المجاورة، ولأنَّها(١) ليست مثل العلم شُمولاً. ﴿رَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: مُنقادَين قائمَين بشرائعِ الإسلام، أو مخلِصَين موحّدَين لك، فمسلمَين إمَّا مِن استسلم: إذا انقاد، أو من أسلم وَجْهَه: إذا أَخلَصَ نفسَه أو قَصْدَه، ولكلٍّ من المعنَين عَرْضٌ عريض، فالمرادُ طَلَبُ الزيادة فيهما، أو الثباتُ عليهما، والأول أَولى نظراً إلى مَنصِيِهما، وإنْ كان الثاني أَولَى بالنظر إلى أنَّه أَتمُّ في إظهار الانقطاع إليه جلَّ جلاله. وقرأ ابن عباس ﴿: (مُسْلِمِينَ)) بصيغة الجمْع(٢)، على أنَّ المرادَ أنفسُهما والموجودُ من أهلهما كهاجَرَ، وهذا أَولى من جعْلٍ لفظِ الجمع مراداً به التشنیةُ، وقد قيل به هنا. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَِّنَآ﴾ عطفٌ على الضمير المنصوب في ((اجعلنا))، وهو في محلٌ المفعول الأول، و﴿أُنَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ في مَوضع المفعول الثاني معطوفٌ على (مُسلمَين لك)) ولو اعتُبر حَذْفُ الجَعْلِ فلا بُدَّ أنْ يُحمل على معنى التصيير لا الإيجاد؛ لأنَّه وإنْ صحَّ مِن جهة المعنى، إلا أنَّ الأولَ لا يَدُّ عليه. وإنَّما خَصًا الذرية بالدعاء؛ لأنَّهم أَحقُّ بالشفقة كما قال الله تعالى: ﴿قُوَأ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]؛ ولأنَّهم أولادُ الأنبياء، وبصلاحهم صلاحُ كلِّ الناس، فكان الاهتمامُ بصلاحهم أكثرَ، وخَصَّا البعضَ لِمَا عَلِمًا من قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣]، أو مِن قوله عزَّ شأنه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ باعتبار السياق، أَنَّ في ذُرِّيتهما ظَلَمَةٌ، وأنَّ الحكمةَ الإلهية تَستدعي الانقسام؛ إذ لولاه ما دارتْ أفلاكُ الأسماء، ولا كان ما كان من أملاك السماء. (١) في (م): أو لأنها . (٢) المحرر الوجيز ٢١١/١، والبحر ٣٨٨/١، وهي في القراءات الشاذة ص٩ عن الحسن وعوفٍ الأعرابي. الآية : ١٢٨ ٤٤٧ سُورَةُ الْبََّ والمرادُ من الأمة: الجماعةُ، أو الجيلُ، وخَصَّها بعضُهم بأمةٍ محمد ◌َّ، وحَمَل التنكيرَ على التنويع، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَبْعَثْ﴾ إلخ، ولا يَخفى أنَّه صَرْفٌ للَّفْظ عن ظاهره، واستدلالٌ بما لا يَدلُّ. وجَوَّز أبو البقاء أنْ يكونَ (أمةً)) المفعولَ الأول، ((ومن ذُرِّيتنا)) حالٌ، لأَنه نعتُ نكرةٍ تقدَّم عليها، و((مسلمةً)) المفعول الثاني، وكان الأصل: واجعل أمةً مِن ذريتنا مسلمةً لك، فالواو داخلةٌ في الأصل على ((أمة))، وقد فصل بينهما بالجارِّ والمجرور(١)، و(مِن)) عند بعضهم - على هذا - بيانيةٌ على حَدٍّ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥]. ونَظَر فيه أبو حيان بأنَّ أبا عليٍّ وغيرَه منعوا أنْ يفصل بينَ حرفٍ العطف والمعطوفِ بالظرف، والفصلُ بالحال أَبعدُ من الفصل بالظرف، وجعلوا ما وَرَدَ من ذلك ضرورةً، وبأنَّ كون ((من)) للتبيين ممَّا يأباه الأصحاب، ويَتأوَّلون ما فهم ذلك مِن ظاهره(٢). ولا يخفى أنَّ المسألة خلافيةٌ، وما ذكَرَه مذهبُ البعض، وهو لا يقوم حجةً على البعض الآخر. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَ﴾ قال قتادة: معالم الحجّ. وقال عطاء و[ابن](٣) مُجُرَيْجٍ: مواضع الذبح. وقيل: أعمالنا التي نعملُها إذا حجَجْنا، فالمنسَك بفتح السين - والكسرُ شاذِّ - إمَّا مصدرٌ أو مكانٌ، وأصل النُّسُك بضمتين: غايةُ العبادة، وشاعَ في الحجِّ لِمَا فيه مِن الكُلْفةِ غالباً والبعدِ عن العادة. و((أرنا)) مِن رأى البصرية، ولهمزةِ الإفعال تَعدَّتْ إلى مفعولين، أو مِن رأى القَلْبية بمعنى ((عرف)) لا ((علم))، وإلا لتعدَّتْ إلى ثلاثة. وأَنكَرَ ابنُ الحاجب، وتَبَعَه أبو حيان (٤) ثبوتَ ((رأى)) بمعنى ((عرف))، وذكره الزمخشريُّ في ((المفصّل))(٥)، والراغب في ((مفرداته))(٦)، وهما من الثقات، فلا عبرة بإنكارهما. (١) الإملاء ٢٦٧/١. (٢) البحر ٣٨٩/١، وسقط من مطبوعه بعض الكلام، وينظر الدر المصون ١/ ١١٧. (٣) زيادة من البحر ٣٨٩/١، والكلام منه. (٤) في البحر ١/ ٣٩٠. (٥) ينظر شرح المفصل لابن يعيش ٧/ ٨١. (٦) مادة (رأى)، ونقل المصنف هذه الأقوال عن حاشية الشهاب ٢٣٩/٢. سُورَةُ الْبَدَة ٤٤٨ الآية : ١٢٨ وقرأ ابن مسعود: ((وأَرِهِم مَناسِكَهم))(١) بإعادة الضمير إلى الذُّرِّيَّة، وقرأ ابن كثير ويعقوب: ((وأرْنا)) بسكون الراء(٢)، وقد شبّه فيه المنفصل بالمثَّصل، فعومل معاملة«فخذ)في جواز(٣) إسكانه للتخفيف، وقد استعملتها العرب كذلك ومنه قوله: أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللهِ نملَؤُهَا مِنْ ماءِ زمزَمَ إنَّ القوم قدْ ظَمِئُوا(٤) وقول الزمخشري إن هذه القراءة قد استُرْذِلَتْ؛ لأنَّ الكسرة منقولةٌ من الهمزة الساقطةِ دليلٌ عليها، فإسقاطها إجحافٌ(٥)، ممَّا لا يَنبغي؛ لأنَّ القراءةَ من المُتَواتِرات، ومثلُها أيضاً موجودٌ في كلام العرب العرباء. ﴿وَتُبْ عَلَيْنَاً﴾ أي: وفِّقنا للتوبة، أو: اقبلها منَّا، والتوبةُ تَختلفُ باختلاف التائبين، فتوبةُ سائرٍ المسلمين الندمُ، والعزمُ على عدمِ العود، ورَدُّ المظالم إذا أَمْكَن، ونيةُ الردِّ إذا لم يُمْكِن. وتوبةُ الخواصِّ الرجوعُ عَن المكروهات من خواطرٍ السوء، والفتورِ في الأعمال، والإتيانِ بالعبادة على غيرٍ وَجْهِ الكمال. وتوبةٌ خواصِ الخواصِّ لرفعِ الدرجاتِ، والترقِّي في المقامات، فإنْ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام طلبا التوبةَ لأنفسِهما خاصَّة، فالمرادُ بها ما هو مِن توبةٍ القسم الأخير، وإنْ كان الضميرُ شاملاً لهما وللذريَّة، كان الدعاءُ بها مُنصرِفاً لمَن هو مِنْ أهلها ممَّن يصحُّ صدورُ الذنب المُخِلِّ بمرتبةِ النبوّة منه. وإنْ قيل: إنَّ الطلب للذريَّة فقط، وارتُكِبَ التجوُّز في النسبة إجراءً للولد مجرى النفس بعلاقة البعضية، ليكونَ أقربَ إلى الإجابة، أو في الطرف حيث عبَّرَ عن الفرع باسم الأصل، أو قيل: بحذف المضاف، أي: على عُصاتنا، زال الإشكال، كما إذا قلنا: إنَّ ذلك عمَّا فَرَط منهما مِن الصغائر سهواً. والقول بأنَّهما لم يقصدا الطلب حقيقةً، وإنما ذَكَرا ذلك للتشريع وتعليمِ الناس (١) معاني القرآن للفراء ٧٩/١، والمحرر الوجيز ٢١١/١، والكشاف ٣١٢/١، والبحر ٣٩٠/١. (٢) التيسير ص٧٦، والنشر ٢/ ٢٢٢، وقرأ بها أيضاً السوسي عن أبي عمرو. (٣) قوله: جواز، ليس في(م). (٤) البيت في تفسير القرطبي ٣٩٨/٢، والبحر ٣١٩/١، والدر المصون ١١٩/٢، وحاشية الشهاب ٢٣٩/٢. (٥) الكشاف ٣١١/١. الآية : ١٢٩ ٤٤٩ سُؤَدَّةُ الْبَقَة أنَّ تلك المواضعَ مواضعُ التنصُّل، وطلبٍ التوبة من الذنوب = بعيدٌ جداً. وجَعلُ الطلبٍ للتثبيت لا أراه هنا يُجدي نَفْعاً كما لا يخفى. وقرأ عبد الله: (وتب عليهم) بضمير جَمْعِ الغيبة أيضاً (١). ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٨)﴾ تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاءٍ للإجابة، وتَقدیمُ التوبة للمُجاوَرَة، وتأخيرُ الرحمة لعمومها، ولكونها أنسبَ بالفواصل. ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ﴾ أي: أَرسِلْ في الأُمة المسلمة، وقيل: في الذرِّيَّة، وعَودُ الضمير إلى أهل مكة بعيد. ﴿رَسُولَا مِنْهُمْ﴾ أي: مِن أنفسهم، وَوَصَفه بذلك ليكونَ أَشفقَ عليهم، ويكونوا أُعَزَّ به وأشرَف، وأَقَرَبَ للإجابة؛ لأنَّهم يَعرفون مَنشأَه وصِدقَه وأمانته، ولم يُبعث مِن ذَرِّيَّةِ كِليهما سوى محمدٍ وَّهِ، وجميعُ أنبياء بني إسرائيلَ مِن ذُرَّية إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام لا مِن ذَرَّيتهما، فهو المجابُ به دعوتُهما، كما روى الإمامُ أحمدُ وشارحُ السنة عن العرباض عن رسول الله وسلم أنَّه قال: ((سأخبرُكم بأوَّلِ أمري، أنا دعوةٌ إبراهيم، وبشارةُ عيسى، ورُؤيا أُمِّي التي رأَتْ حين وضعتني))(٢)، وأراد ◌ٍِّ: أَثر دعوته، أو مدعوِّه، أو: عينَ دعوته، على المبالغة، ولمَّا كان إسماعيلُ عليه السلام شريكاً في الدعوة، كان رسولُ اللهِ وَّهِ دعوةَ إسماعيلَ أيضاً، إلا أنَّه خَصَّ إبراهيم لشرافته، وكونه أصلاً في الدعاء. ووَهِمَ مَن قال: إن الاقتصارَ في الحديث على إبراهيم يَدلُّ على أنَّ المجابَ مِن الدعوتَين كان دعوةُ إبراهيمَ دون إسماعيلَ عليهما الصلاة والسلام. وقرأ أبيٍّ: ((وابعث فيهم في آخرهم رسولاً))(٣) وهذا يُؤيِّدُ أنَّ المرادَ به نبيُّنَا وَّهِ، وفي الأثر أنَّه لمّا دعا إبراهيم قيل له: استُجيب لك، وهو يكون في آخر الزمان. ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ أي: يَقرأ عليهم ما توحي إليه مِن العلاماتِ الدالَّةِ على (١) البحر ٣٩١/١. (٢) مسند أحمد (١٧١٥٠)، وشرح السنة للبغوي ٢٠٧/١٣. (٣) النكت والعيون ١/ ١٩١، وتفسير القرطبي ٤٠٢/٢، والبحر ٣٩٢/١. سُورَةُ الْبَّرَة ٤٥٠ الآية : ١٢٩ التوحيد والنبوة وغيرهما، وقيل: خَبرَ مَن مضى ومَن يَأتي إلى يوم القيامة. والجملةُ صفةُ ((رسولاً))، وقيل: في مَوضع الحالِ منه. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ﴾ بأنْ يُفْهِمَهم ألفاظَه، ويُبِّنَ لهم كيفيةً أدائه، ويُؤْقفَهم على حقائقه وأسراره. والظاهرُ أنَّ مقصودَهما من هذه الدعوةِ أنْ يكونَ الرسولُ صاحبَ كتابٍ يُخرجُهم مِن ظُلمة الجهل إلى نورِ العلم، وقد أجاب سبحانه هذه الدعوة بالقرآن، وكونُه بخصوصه كان مدعوًّا به غيرُ بَيِّن ولا مُبِينٍ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: وَضْعَ الأشياءِ موضعها (١)، أو: ما يُزيل من القلوب وَهْجَ حُبِّ الدنيا، أو: الفقه في الدين، أو: السنَّةَ المُبيِّنة للكتاب، أو: الكتابَ نفسَه، وگُرِّر للتأكيد اعتناءً بشأنه. وقد يقال: المرادُ بها: حقائقُ الكتاب ودقائقُه، وسائر ما أُودع فيه، ویکون تعليمُ الكتاب عبارةً عن تَفْهيمِ ألفاظه، وبيانِ كيفيَّة أدائه، وتعليمُ الحكمة الإيقافُ على ما أُودع فيه، وفسَّرها بعضُهم بما تَكمُلُ به النفوسُ من المعارف والأحكام، فتشملُ الحكمةَ النظريَّة والعمليَّةً. قالوا: وبينها وبين ما في ((الكتاب)) عمومٌ مِن وَجْهْ؛ لاشتمال القرآن على القصصِ والمواعيد، وكون بعضٍ الأمور الذي يُفيد كمال النفس علماً وعملاً غيرَ مذكورٍ في ((الكتاب))، وأنت تعلم أنَّ هذا القولَ بعدَ سماع قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿يَبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ممَّا لا يَنبغي الإقدامُ عليه، اللهمَّ إلا أنْ تكونَ هذه النسبةُ بين ما في ((الكتاب)» الذي في الدعوة مع قَطْعِ النظر عمَّا أُجيبت به، وبين الحكمة، فتدبّر. ﴿وَيُزَّكِمْ﴾ أي: يُطهِّرُهم مِن أرجاسِ الشرك، وأنجاسِ الشكِّ، وقاذورات المعاصي، وهو إشارةٌ إلى التخلية، كما أنَّ التعليم إشارةٌ إلى التحلية، ولعلَّ تقديمَ الثاني على الأَول لشرافته. والقولُ بأنَّ المرادَ: يَأخذُ منهم الزكاة التي هي سببٌ لظُهْرَتهم، أو يَشهد لهم بالتزكية والعدالة، بعيدٌ. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٠)﴾ أي: الغالبُ المُحكِم لِمَا يُريد، فَلَكَ أنْ تخصِّصَ واحداً منهم بالرسالة الجامعة لهذه الصفاتِ بإرادته مِن غير مُخصِّص. (١) في (م): مواضعها. الآية : ١٣٠ ٤٥١ سُورَةُ الْبَقَة وحَمْلُ (العزيز)) هنا على مَن لا مِثْلَ له؛ كما قاله ابن عباس، أو المنتقم كا قاله الكلبيُّ، و((الحكيم)) على العالم كما قيل = لا يَخلو عن بُعد. ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبَهِرَ﴾ إنكارٌ واستبعادٌ لأنْ يكونَ في العقلاء مَن يرغبُ عن ملَّته، وهي الحقُّ الواضح غايةَ الوضوح، أي: لا يرغبُ عن ذلك أحدٌ ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةٌ﴾ أي: جَعَلَها مُهانةً ذليلةٌ. وأصلُ السَّفَه: الخِفَّة، ومنه: زمامٌ سفيه، أي: خفيف. وسَفِهَ بالكسر - كما قال المبرِّد وثعلب - مُتعدٍّ بنفسه، و((نَفْسَه)) مفعول به. وأمَّا ((سَفُه)) بالضمِّ فلازِمٌ، ويَشهدُ له ما جاء في الحديث: ((الكِبْرُ أنْ تَسْفَه الحقَّ وتغمط الناس))(١). وقيل: إنه لازمٌ أيضاً، وتَعدَّى إلى المفعول لتضمُّنه معنى ما يتعدّى إليه، أي: جَهِل نفسَه لِخِفَّة عقله وعدمٍ تَفكُّره، وهو قول الزجَّاج(٢). أو: أهلكها، وهو قول أبي عبيدة(٣). وقيل: إنَّ النصب بنزع الخافض، أي: في نفسه، فلا يُنافي اللزوم، وهو قولٌ لبعض البصريين. وقيل: على التمييز كما في قول النابغة الذبياني: أَجَبّ الَّهرَ ليس لهُ سَنَامُ(٤) ونأخذُ بعدَهُ بذِنابٍ عَيشٍ وقيل: على التشبيه بالمفعولِ به . واعتَرضَ الجميعَ أبو حيان قائلاً: إنَّ التضمينَ والنصب بنزع الخافض (١) قطعة من حديث أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٢٠)، وأحمد (٦٥٨٣)، والبزار (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو ربه، ولفظه عند أحمد: (( ... سَفَهُ الحقِّ وغَمْصُ الناس)) والغَمْصُ مِثْلُ الغَمْطِ: وهو الاستهانة والاستحقار. النهاية (غمط). وقوله: تَسْفَه الحق، أي: تجهله. حاشية الشهاب ٢٤٠/٢. وأخرج مسلم (٩١) عن ابن مسعود رضي ◌ُبه نحوه، ولفظه: ((الكبر بَطَرُ الحق وغمط الناس)). (٢) في معاني القرآن ٢١١/١. (٣) في مجاز القرآن ١/ ٥٦. (٤) ديوان النابغة ص ١١٠، والكتاب ١٩٦/١، والخزانة ٣٦٣/٩، وفيه: يجوز في الظهر ثلاثة وجوه: النصب، والرفع على الفاعلية، والخفض بإضافة أجبّ إليه. وأجبّ صفة لذناب عيش، وهو مجرور بالفتحة على رفع الظهر ونصبه، وبالكسرة إذا كان مضافاً. اهـ. وذِنابُ الشيء: عقبه، أي: نبقى بعده آيسين من الأمن والخير. حاشية الشهاب ٢٤٠/٢. سُورَةُ الْبَعَة ٤٥٢ الآية : ١٣٠ لا يَنقاسان، وإنَّ التشبيه بالمفعول به مَخصوصٌ عند الجمهور بالصفة - كما قيل به في البيت - وإنَّ البصريين مَنعوا مَجيءَ التمييز مَعرفةً، فالحقُّ الذي لا يَنبغي أنْ يُتُعدَّى، القولُ بالتَّعَدِّي (١). و(مَن)) إمَّا موصولةٌ أو موصوفة، في مَحلِّ الرفع على المختار بدلاً من الضمير في (يرغب))؛ لأنَّه استثناءٌ من غيرِ مُوجَب. وسبب نزول الآية: ما رُوي أنَّ عبد الله بن سلام دعا ابنَي أخيه سَلَمة ومُهاجراً إلى الإسلام، فقال لهما: قد علمتُما أنَّ الله تعالى قال في التوراة: إنِّي باعثٌ مِن ولد إسماعيل نبيًّا اسمه أحمد، فمَن آمن به فقد اهتدى ورَشَد، ومَن لم يُؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمةُ وأَبَى مهاجرٌ، فنزلت. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَّاً﴾ أي: اخترناه بالرسالة بتلك الملَّة، واجتبيناه مِن بين سائر الخَلْقِ، وأصلُه: اتِّخاذُ صَفوةِ الشيء، أي: خالصه. ﴿وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴾﴾ أي: المشهودِ لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، وذلك مِن حيث المعنى دليلٌ مُبيِّنٌ لكون الراغب عن مِلَّة إبراهيم سفيهاً، إذِ الاصطفاء والعزُّ في الدنيا غايةٌ المطالب الدنيويَّة، والصلاح جامعٌ للكمالات الأُخرَوية، ولا مقصدَ للإنسان الغيرِ السفیه سوی خیرِ الدارین. وأمَّا مِن حيث اللفظُ: فيحتملُ أنْ يكونَ حالاً مقرِّرةً لجهة الإنكار، واللامُ لامُ الابتداء، أي: أَيُرْغَبُ عن ملَّته ومعه ما يُوجب عكسَ ذلك، وهو الظاهرُ لفظاً لعدم الاحتياج إلى تقدير القَسَم، وارتضاه الرضيُّ. ويحتملُ أنْ يكونَ عطفاً على ما قبله، أو اعتراضاً بين المعطوفَين، واللام جوابُ القسم المقدَّر، وهو الظاهرُ معنّى؛ لأنَّ الأصل في الجُمَل الاستقلالُ، ولإفادة زيادة التأكيد المطلوب في المقام، والإشعار بأنَّ المُدَّعَى لا يَحتاج إلى البيان. والمقصودُ مدحُه عليه السلام، وإيرادُ الجملة الأولى ما ضويَّةً لمُضيِّها مِن وقت الإخبار، والثانية اسميةً لعدم تقييدها بالزمان؛ لأنَّ انتظامه في زُمرة صالحي أهلٍ (١) بنحوه في البحر ٣٩٤/١. الآية : ١٣١ ٤٥٣ سُؤَدَّةُ الْبَّكُغَة الآخرة أمرٌ مُستمِرٌّ في الدارَين، لا أنَّه يَحدُثُ في الآخرة، والتأكيد بـ ((إنَّ) واللام؛ لِمَا أنَّ الأمور الأخروية خَفيَّةٌ عند المخاطَبين، فحاجتُها إلى التأكيد أَشدُّ مِن الأمور التي تُشاهَد آثارُها .. وكلمة ((في)) مُتعلِّقةٌ بـ ((الصالحين)) على أنَّ ((أل)) فيه للتعريف، لا موصولة ليلزم تقديمُ بعضِ الصِّلة عليها، على أنَّه قد يُغْتَفَرُ في الظرف مالا يُغتفَر في غيره، أو بمحذوفٍ، أي: صالحٌ أو أعني. وجَعْلُه متعلِّقاً بـ ((اصطفيناه)) وفي الآية تقديمٌ وتأخير(١)، أو بمحذوفٍ حالاً من المُستكنِّ في الوصف، بعيدٌ. ﴾ ظرفٌ لـ ((اصطفينا))، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (َـ والمتوسِّط المعطوفُ ليس بأجنبيٍّ؛ لأنَّه لتقريرِ المتعلّق المعطوف وتأكيدِه(٢)؛ لأنَّ اصطفاءه في الدنيا إنما هو للرسالة وما يتعلَّقُ بصلاح الآخرة، فلا حاجةً إلى أنْ يجعلَ اعتراضاً أو حالاً مقدَّرةً كما قيل به. أو تعليلٌ له، أو منصوب بـ ((اذكر))، كأنه قيل: اذكر ذلك الوقتَ لتقفَ على أنَّه المصطفى الصالحُ، وأنَّه ما نالَ ما نال إلا بالمبادَرة والانقياد إلى ما أُمَرَ به، وإخلاصٍ سِرِّه حين دعاه ربُّه. وجوِّز جَعْلُه ظرفاً لـ((قال))(٣). وليس الأمرُ وما في جوابه على حقيقتهما، بل هو تَمثيلٌ، والمعنى: أَخطَرَ بباله الدلائلَ المؤذِّية (٤) إلى المعرفة، واستدلَّ بها وأذعنَ بمدلولاتها، إلا أنَّه سبحانه وتعالى عبَّر عن ذلك بالقولَين تصويراً لسرعةِ الانتقال بسرعةِ الإجابة، فهو إشارةٌ إلى استدلاله عليه السلام بالكوكب والشمس والقمر، واطّلاعِه على أَمارات الحدوث على ما يُشيرُ إليه كلامُ الحسن وابنِ عباس، مِن أنَّ ذلك قبل النبوةِ وقبل البلوغ. ومَن ذهب إلى أنَّه بعدَ النبوة، قال: المرادُ الأمرُ بالطاعة والإذعانِ لجزئيات الأحكام، أو الاستقامة والثباتُ على التوحيد، على حدٍّ ﴿فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. (١) والتقدير: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. تفسير أبي السعود ١٦٣/١. (٢) في (م): لأنه لتقدير المتعلق المعطوف تأكيده، وهو تصحيف للعبارة، وينظر تفسير أبي السعود ١٦٣/١. (٣) يعني الثانية، أي: قال أسلمتُ وقتَ قولِ الله له أَسْلِمْ. الدر المصون ١٢٣/٢. (٤) في (م): المؤيدة، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل، وتفسير أبي السعود ١/ ١٦٢. سُورَةُ الْبَقَة ٤٥٤ الآية : ١٣٢ ولا يُمكن الحَمْل على الحقيقة، أعني: إحداثَ الإسلام والإيمان؛ لأنَّ الأنبياء معصومُون عن الكفر قبل النبوة وبعدها؛ ولأنَّه لا يُتصوَّر الوحيُّ والاستنباءُ قبل الإسلام، نعم إذا حُمِل الإسلام على العمل بالجوارح، لا على معنى الإيمانِ، أَمكنَ الحملُ على الحقيقةِ كما قيل به. وفي الالتفاتِ مع التعرُّضِ لعنوان الربوبيَّةِ والإضافةِ إليه عليه السلام، إظهارٌ لمزيدِ اللطف به والاعتناءِ بتربيته، وإضافةُ الربِّ في الجواب إلى ((العالمين))؛ للإيذان بكمال قوةٍ إسلامه، حيثُ أَتقنَ حينَ النظر شمولَ رُبوبيَّته تعالى للعالمين قاطبةً لا لنفسه فقط، كما هو المأمور به ظاهراً. ﴿وَوَمَّی پھآ إِزاهِئُ بَنِهِ﴾ مَدْخُ له عليه السلام بتكميله غيرَه، إثرَ مدچِه بكماله في نفسه، وفيه توكيدٌ لوجود الرغبة في ملَّته. والتوصية: التقدُّم إلى الغير بفعلٍ فيه صلاحٌ وقربةٌ، سواءٌ كان حالةَ الاحتضار أوْ لا، وسواءٌ كان ذلك التقدُّمُ بالقول أو الدلالة، وإنْ كان الشائعُ في العرفِ استعمالَها في القولِ المخصوصِ حالةً الاحتضار، وأصلُها: الوصلُ، مِن قولهم: أرضٌ واصيةٌ، أي: مُتَّصلةُ النبات، ويقال: وَصَّاه: إذا وَصَلَه، وفَصَّاه: إذا فَصَلَه، كأنَّ الموصي يَصلُ فِعْلَه بفعل الوصيّ. والضمير في ((بها)) إمَّا للملَّة، او لقوله: ((أَسلمتُ)) على تأويل الكلمة أو الجملة. ويُرجِّحُ الأولَ كونُ المرجع مذكوراً صريحاً، وكذا تَرْكُ المُضمّرِ إلى المُظْهَر وعطفُ ((يعقوب)) عليه، فإن ذلك يَدُّ على أنه شُروعٌ في كلام آخر لبيان تَواصِي الأنبياء باستمساك الدين الحقِّ، الجامع لجميع أحكامِ الأصول والفروع؛ ليتوارثوا الملَّة القويمةً والشرعَ المستقيمَ نسلاً بعد نسلٍ، وذكر يعقوبُ الدينَ في تَوصِيَتِهِ لبنيه، وهو والملَّة أَخَوان، ولو كان الضمير للثاني لكانَ الإسلامُ بدلَه. ويُؤْيِّد الثاني كونُ الموصى به مُطابقاً في اللفظ لـ ((أسلمت))، وقربُ المعطوف عليه؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ معطوفاً على ((قال أسلمت))، أي: ما اكتفى بالامتثال بل ضَمَّ توصيةَ بنيه بالاسلام، بخلاف التقدير الأول فإنَّه معطوفٌ على ((مَن يرغب))؛ لأنَّه كما أَشَرنا إليه في معنى النفي. الآية : ١٣٢ ٤٥٥ سُورَةُ الْبَحْمَة وخصَّ البنين؛ لأنَّه عليهم أَشفق، وهم بقبول وصيته أَجدَرُ؛ ولأنَّ النفع بهم أَكثرُ. وقرأ نافع وابن عامر: ((أوصى))(١)، ولا دلالة فيها على التكثير كالأولى الدالَّةِ عليه؛ لصيغة التفعيل. ﴿وَيَعْقُوبٌ﴾ عطفٌ على إبراهيم، ورَفْعُه على الابتداء وحذفِ الخبر، أي: يعقوبُ كذلك، والجملةُ معطوفةٌ على الجملة الفعلية، وجَعْلُه فاعلاً لـ ((وصَّى)) مضمَراً بعيدٌ. وقُرئ بالنصب(٢)، فيكون عطفاً على ((بنيه))، والمرادُ بهم أبناءُ الصُّلْبِ، وهو عليه الصلاة والسلام كان نافلة. وإنما سُمِّ يعقوبُ لأنَّه وعيصاً كانا توأمين، فتقدَّم عيصٌ وخَرجَ يعقوبُ على أَثَرِه آخذاً بعقبه كذا روي عن ابن عباس، ولا أظنُّ صِحته. ﴿يَبَنِىَّ﴾ على إضمار القولِ عند البصريين، ويُقدَّر بصيغة الإفراد على تقديرٍ نصب ((يعقوب))، أي: قال، أو قائلاً، وبصيغة التثنية على تقديرِ الرفع، ووقوعُ الجملة بعدَ القول مَشروطٌ بأنْ يكونَ المقصودُ مجرَّدَ الحكاية، والكلامُ المحكيُّ مشتركٌ بين إبراهيم ويعقوب، وإن كان المخاطَبون في الحالين مُتغايرِين. وذَهب الكوفيون إلى عدم الإضمار؛ لأنَّ التوصية لاشتمالها على معنى القولِ بل هي القولُ المخصوصُ، كان حكمُها حكمَه، فيجوز وُقوعُ الجملة في حَيِّزٍ مفعولها . وقرأ ابن مسعود ﴿ه: ((أنْ يا بَنِيَّ))(٣)، ولا حاجةَ حينئذٍ إلى تقديرِ القولِ عند البصريين، بل لا يجوزُ ذلك عندهم على ما يُشيرُ إليه كلامُ بعضِ المحقّقين. وبنو إبراهيم على ما في ((الإتقان))(٤) اثنا عشر، وهم إسماعيل، وإسحاق، ومدین، وزمزان، وسرح، ونقش، ونقشان، وأميم، وکیسان، وسروج، ولوطان، ونافس، وبنو يعقوب أيضاً كذلك وهم: يوسف، وروبيل، وشمعون، ولا وي، ويهوذا، وداني، وتفتاني، وكاد، وأسبر، وإيساجر، ورايكون، وبنيامين. (١) التيسير ص٧٧، والنشر ٢٢٢/٢، وبها قرأ أبو جعفر من العشرة. (٢) القراءات الشاذة ص٩. (٣) معاني القرآن للفراء ٨٠/١، والمحرر الوجيز ٢١٣/١، والبحر ٣٩٩/١. (٤) ٢/ ١٠٩١-١٠٩٢ باختلاف يسير. سُورَةُ الَفَة ٤٥٦ الآية : ١٣٢ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الّذِينَ﴾ أي: جَعَل لكم الدِّينَ الذي هو صَفْوةُ الأديان، بأنْ شَرَعه لكم ووقَّقكم للأخذِ به، والمرادُ به دينُ الإسلام الذي به الإخلاصُ الله تعالى، والانقيادُ له، وليس المرادُ ما يَتراءَى مِن أنَّ الله تعالى جَعَلَه صَفوةَ الأديان لكم؛ لأنَّ هذا الدين صفوةٌ في نفسه لا اختصاصَ له بأحدٍ، وليس عند الله تعالى غيرُه، ومن هنا يعلم أنَّ الإسلام يُطلق على غير ديننا، لكن العرف خَصَّصَه به، وزعم بعضهم عدم الإطلاق، وأَلَّفَ في ذلك رسالة تكلَّفَ بها غاية التكلُّف (١). ﴿فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾ نَهيّ عن الاتِّصاف بخلاف حال الإسلام وقتَ الموتِ، والمفهومُ مِن الآية ظاهراً: النهيُ عن الموتِ على خلاف تلك الحال، وليس بمقصودٍ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ، وإنَّما المقدور قيدُه، فيعودُ النهيُ إليه كما سمعت؛ لِمَا أنَّ الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يَسْتَتْبع الامتناعَ عن الموت في تلك الحال، فإمَّا أنْ يُقالَ: استَعْملَ اللفظَ الموضوعَ للأول في الثاني فيكونُ مجازاً، أو يُقال: استعمل اللفظَ في معناه، لينتقلَ منه إلى ملزومه فيكون کنایةً . وقال الفاضل اليمني(٢): إنَّ هذا كنايةٌ بنفْي الذاتِ عن نَفْي الحال، على عكس ما قيل في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِلَهِ﴾ [البقرة: ٢٨] مِن أنَّه كنايةٌ بنفي الحال عن نفي الذاتِ. وفيه أنَّ نفيَ الذات إنَّما يَصيرُ كنايةً عن نفْي جميع الصفات، لا عن صفةٍ معيّنة، فافهم . والمرادُ مِن الأمر الذي يُشيرُ إليه ذلك النهيُ: الثباتُ على الإسلام؛ لأنَّه اللازمُ له والمقصودُ من التوصيةِ، ولأنَّ أصلَ الإسلام كان حاصلاً لهم، وإنَّما أَدخل حرفَ النفي على الفعل مع أنَّه ليس مَنهيًّا عنه للدلالة على أنَّ موتَهم لا على الإسلام موتٌ لا خيرَ فيه، وأنَّ حقَّه أنْ لا يَحلَّ بهم، وأنَّه يَجبُ أنْ يَحذروه غايةَ الحذر. (١) الرسالة هي: ((إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة)) للسيوطي، وهي في الحاوي ٢١٣/٢. (٢) يحيى بن القاسم بن عمر بن علي العلوي الحسني الصنعاني، عز الدين، برع في علوم كثيرة، وأكثر الاشتغال بالكشاف، وصنف حاشيته المشهورة بحاشية العلوي، توفي بعد سنة (٧٤٩هـ). البدر الطالع ٢/ ٣٤٠. الآية : ١٣٣ ٤٥٧ سُوَّةُ الْبََّة وذَكر بعضُهم أنَّ الإسلامَ المأمور به هنا، ما يَكونُ بالقلب دونَ العمل بالجوارحِ؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا يَكادُ يُمكن عند الموت، ولهذا وَرَد في الحديث: ((اللهم مَن أَحييتَه منَّا فأحيِهِ على الإسلام ومَن توقَّيتَه منَّا فتوقَّه على الإيمان))(١). ولا يخفى ما فيه. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الخطابُ لجنسِ اليهود، أو الموجودين في زَمانِه ◌ِ وَّهِ، على ما يُشيرُ إليه سببُ النزول، فقد ذكر الواحدي: أنَّ الآية نزلت في اليهود حين قالوا للنبي ﴾: ألستَ تعلم أنَّ يعقوبَ لمَّا مات أوصى بَنِهِ باليهودية(٢)؟ . و((أم) إمَّا مُنقطعةٌ بمعنى ((بل)) وهمزة الإنكار، ومعنى ((بل)): الإضرابُ عن الكلام الأول - وهو بيانُ التوصية - إلى توبيخ اليهود على ادِّعائهم اليهوديَّةَ على يعقوبَّ وأبنائه، وفائدتُه الانتقال مِن جُملةٍ إلى أخرى أَهمَّ منها، أي: ما كنتم حاضرِين حينَ احتضارِه عليه الصلاة والسلام وسؤالِهِ بنيه عن الدين، فَلِمَ تَدَّعون ما تَدَّعون؟! ولك أنْ تجعلَ الاستفهام للتقرير، أي: كانت أوائلُكم حاضرين حين وصَّى بنيه عليه الصلاة والسلام بالإسلام والتوحيد، وأنتم عالمون بذلك، فما لكم تَدَّعون عليه خلاف ما تعلمون؟ فيكون قد نَزَّل علمَهم بشهادة أوائِلهم مَنزلةً الشهادة، فخُوطِبوا بما خوطبوا. وإما متَّصلةٌ وفي الكلام حذفٌ، والتقدير: أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين؟ وليس الاستفهامُ على هذا على حقيقته؛ للعلم بتحقُّق الأول وانتفاءِ الثاني، بل هو للإلزام والتبكيت، أي: أيُّ الأمرين كان فمدَّعاكم باطلٌ، أمَّا على الأول فلأنه رَجْمٌ بالغيب، وأما على الثاني فلأنه خلافُ المشهور. واعترض أبو حيان على هذا الوجه، بأنَّا لا نعلم أحداً أجازَ حَذْفَ الجملة المعطوفِ عليها في ((أم) المثَّصلةِ، وإنما سُمِعَ حَذفُ ((أم)) مع المعطوفِ(٣)؛ لأنَّ الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل. (١) أخرجه أحمد (٨٨٠٩)، والترمذي (١٠٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله. (٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٧. (٣) وذلك كقول الشاعر: دعاني إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أَرُشْدٌ طِلَابُها - سُوَّةُ الْبَقَة ٤٥٨ الآية : ١٣٣ وقيل: الخطابُ للمؤمنين، ومعنى ((بل)): الإضرابُ عن الكلام الأول، والأخذُ فيما هو الأهمُّ، وهو التحريضُ على اتِّبَاعِهِ وَّه بإثبات بعض مُعجزاَته، وهو الإخبارُ عن أحوالِ الأنبياء السابقين من غير سماع مِن أحدٍ، ولا قراءةٍ مِن كتاب، كأنه تعالى بعد ذِكْرٍ ما تَقدَّم التفت إلى مؤمني الأمة: أَمَا شَهدتُم ما جرى، وأَمَا علمتُم ذلك بالوحي وإخبارِ الرسولِ وَ﴿، فعليكم باتِّباعه، إلا أنه اكتفى بذكْرٍ مُقاوَلةٍ يعقوب وبنيه، ليُعلَمَ عدمُ حضورهم حين توصية إبراهيم عليه الصلاة والسلام بطريق الأَوْلَى. ولا يَخفى أنَّ هذا القائل لم يعتبر سبب النزول، ولعلَّه لِمَا فيه مِن الضعف، حتى قال الإمام السيوطي: لم أقف عليه. و((الشهداء)) جَمْع شهيد أو شاهد بمعنى حاضر. و((حَضَر)) من باب قعد، وقُرئ: ((حَضِرَ)) بالكسر (١) ومضارعُه أيضاً يحضُر بالضمِّ، وهي لغةٌ شاذة، وقيل: إنها على التداخل. ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من ((إذا حضر)) بدلَ اشتمال، وكلاهما مقصودان كما هو المقرَّر في إبدال الجمل، إلا أنَّ في البدل زيادةُ بيانٍ ليست في المُبدَل مِنه، ولو تعلَّقت ((إذ)) هنا بـ ((قالوا)) لم يَنْتظمِ الكلامُ. ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى﴾ أي: أيُّ شيء تعبدونه بعد موتي، فـ ((ما)) في مَحلِّ رفع والعائدُ محذوفٌ، وكونُه في محلٌّ نصبٍ على المفعولية، مُفوَّتٌ للتقوِّي المناسب للمقام، ويُسأل بها عن كلِّ شيءٍ، فإذا عُرِفَ خُصَّ العقلاء بـ (مَن)) إذا سُئل عن تَعَيُّنْهُ (٢)، فيُجاب بما يُقيده، وإذا سئل عن وصفه قيل: ما زيدٌ أكاتبٌ أم شاعرٌ؟ وفي السؤالِ عن حالهم بعد موته دليلٌ على أنَّ الغرضَ حَثُّهم على ما كانوا عليه حالَ حياته مِن التوحيد والإسلام، وأخذُ الميثاق منهم عليه، فليس الاستفهام حقيقيًّا، وكان هذا بعد أنْ دخل عليه السلام مصرَ، ورأى فيها مَن يعبدُ النار، فخافَ على ولدِهِ فحثَّهم على ما حَثَّهم. = يريد: أم غير رشد. البحر ٤٠١/١، ونقل المصنف كلامه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٤٢/٢-٢٤٣. (١) القراءات الشاذة ص٩، والكشاف ٣١٤/١، والبحر ٤٠١/١. (٢) في الأصل: تعيينه. الآية : ١٣٣ ٤٥٩ سُوَّةُ الْبَغَة ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَآبِكَ إِنْزَهِرَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ استئنافٌ وقع جواباً لسؤالٍ نشأ عن حكاية السؤال، وفي إضافةِ الإله إلى المتعدِّد إشارةٌ إلى الاتِّفاق على وجوده وأُلوهيَّتِهِ، وقَدَّمَ ((إسماعيل)) في الذكر على ((إسحاق)) لكونه أَسنَّ منه. وعدَّهِ مِن آباء يعقوبَ مع أنه عمُّه تغليباً للأكثر على الأقلِّ، أو لأنَّه شَبَّه العمَّ بالأب لا نخراطِهما في سلكٍ واحدٍ وهو الأخوة، فأطلقَ عليه لفظَه، ويُؤيِّدُه ما أخرجه الشيخان: ((عُّ الرجلِ صنوُ أبيه)»(١)، وحينئذٍ يكونُ المرادُ بـ ((آبائك)) ما يُطلقُ عليه اللفظ، كيلا يلزمَ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، والآية على حدٍّ ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من قوله عليه الصلاة والسلام: ((احفظوني في العباس فإنَّ بقية آبائي))(٢). وقرأ الحسن: ((أبيك))(٣) وهو إمَّا مفردٌ و((إسماعيل وإسحاق)) عطفُ نسقٍ عليه، و((إبراهيم)) وحده عطفُ بيانٍ، أو جَمْعٌ وسقطت نونُه للإضافة كما في قوله: فلمَّا تَبيَّنَّ أصْوَاتَنَا بكَيْنَ وفَدَّثَنَا بالأبِينَا(٤) ﴿إِلَهَا وَحِدًا﴾ بدلٌ مِن ((إله آبائك))، والنكرة تُبدَلُ مِن المعرفة بشرطِ أن تُوصفَ ﴿﴿ نَاصِيَةٍ كَذِيَةٍ خَارِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥-١٦]، والبصريون كما في قوله تعالى ﴿بأنَّامِيّةِ لا يَشترطون فيها ذلك، وفائدةُ الإبدال دَفعُ تَوهُّم التعدُّد الناشئ مِن ذكر الإله مرَّتين. أو نصبٌ على المدح أو الحالِ الموِّة كما في ((البحر))(٥). (١) قطعة من حديث أبي هريرة بظله، وهو في صحيح مسلم (٩٨٣)، ومسند أحمد (٨٢٨٤). وأخرجه البخاري (١٤٦٨) دون قوله: ((عم الرجل صنو أبيه)). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٠٩/١٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٣٣١/١، وهو من طريق مجاهد عن النبي 8* مرسلاً. وروي متصلاً، فقد أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٢٢١) من حديث الحسن بن علي له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٩/٩: فيه جماعة لم أعرفهم. وأخرجه بنحوه الطبراني أيضاً في الكبير (١١١٠٧) من حديث ابن عباس ﴿يا، وفي إسناده عبد الله بن خراش، وهو ضعيف. (٣) القراءات الشاذة ص٩، والمحتسب ١١٢/١، والبحر ٤٠٢/١. (٤) البيت في الكتاب ٣/ ٤٠٥، والمحتسب ١١٢/١، والخصائص ٣٤٦/١، والمقتضب ١٧٤/٢ دون نسبة، ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨٤ لزياد بن واصل الأسلمي. (٥) ٤٠٣/١. والحال الموظّئة هي التي يكون المقصود بالحالية وَضْفُها. سُورَةُ الْبَحْمَة ٤٦٠ الآية : ١٣٤ (٣)﴾ أي: مُذعنون مُقِرُّون بالعبودية. وقيل: خاضعون ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مُنقادُون مستسلمون لنهيه وأمرِه قولاً وعَقْداً. وقيل: داخلون في الإسلام ثابتُون عليه. والجملة حالٌ من الفاعل، أو المفعول، أو منهما لوجود ضميريهما. أو اعتراضيةٌ مُحقِّقةٌ لمضمون ما سبق في آخر الكلام، بلا كلام. وقال أبو حيان: الأبلغُ أنْ تكونَ معطوفةً على ((نعبد))، فيكونوا قد أجابوا بشيئين، وهذا من باب الجواب المُزْبي عن السؤال(١). ﴿َتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الإشارةُ إلى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وأولادِهِ، و ((الأمة)) أتت بمعانٍ، والمرادُ بها هنا الجماعة، مِن أَمَّ بمعنى قَصَدَ، وسُميِّتْ كلُّ جماعةٍ يَجمعُهم أمرٌ ما، إمّا دينٌ واحد، أو زمانٌ واحد، أو مكانٌ، بذلك؛ لأنَّهم يَؤُمُّ بعضُهم بعضاً ويَقصدُه، والخُلُوُّ: المُضِيُّ، وأصلُه الانفراد. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَّكُم مَّا كَبْتُمْ﴾ استئنافٌ، أو بدلٌ من قوله تعالى: (خَلَثّ) لأنَّها بمعنى: لا تُشاركونهم، وهي كغير الوافية، وهذه وافيةٌ بتمام المراد. أو الأُولى صفةٌ أخرى لـ «أمة))، أو حال من ضمير ((خلت))، والثانية جملةٌ مُبتدأة، إذ لا رابطً فيها، ولا مقارنة في الزمان(٢). وفي الكلام مضافٌ محذوفٌ بقرينة المقام، أي: لكلِّ أجرُ عملِه. وتَقديمُ المُسْنَد لقَصْرِ المسند إليه على المسند، والمعنى: أنَّ انتسابكم إليهم لا يُوجبُ انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال آ: ((یا معشرَ قريش، إنَّ أولى الناسِ بالنبيِّ المتَّقون، فكونوا بسبيلٍ من ذلك، فانظروا أنْ لا يلقاني الناسُ يحملون الأعمال، وتَلْقَوْني بالدنيا فأصدُّ عنكم بوجهي))(٣). ولك أنْ تحملَ الجملة الأُولى على معنى: لها ما كسَبتْه لا يَتَخطَّاها إلى (١) البحر ٤٠٣/١. (٢) يعني يمنع العطفَ على الأولى إن كانت صفةً عدمُ الرابط، وإن كان حالاً اختلافُ زمان استقرار كسبها لها وزمان استقرار كسب المخاطبين، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان. البحر ٤٠٥/١. (٣) أخرجه أبو يعلى (١٥٧٩) من طريق الحكم بن ميناء عن النبي *. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٧/١٠: رواه أبو يعلى مرسلاً، وفيه أبو الحويرث (وهو عبد الله بن معاوية) وثقه ابن حبان وغيره، وضعَّفه غیر واحد.