Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٩٤
٣٢١
سُوَبَةُ الْبََّقَة
ولا يَخفى بُعدُه؛ فإنه تقييدٌ للحكم قبل مجيئه، ولا وجهَ لتقديم مُتعلِّق الخبر على
الاسم، مع لزوم توسُّط الظرف بين الاسم والخبر.
وَأَبْعَدَ المهدوي وابن عطية(١) أيضاً فجعلا ((خالصةً)) حالاً، و((عند الله)) هو
الخبر، مع أنَّ الكلام لا يَستقلُّ به وحده.
و((دون)) هنا للاختصاص وقطع الشركة، يقال: هذا لي دونك، وأنت تريد
لا حقَّ لك فيه معي ولا نصيب، وهوَ مُتعلِّق بـ ((خالصة)).
والمرادُ بـ ((الناس)): الجنسُ، وهو الظاهر. وقيل: المرادُ بهم النبيُّ ◌َّ
والمسلمون. وقيل: النبيَُّ﴿ وحده؛ قاله ابن عباس ﴿يا. قالوا: ويطلق الناس
ويُراد به الرجل الواحد، ولَعَلَّه لا يكون إلَّا مجازاً بتنزيل الواحد منزلةَ الجماعة.
﴿فَتَمَنَّوْ اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ في أنَّ الجنة خالصةٌ لكم، فإنَّ مَن
أيقن أنه من أهل الجنة اختار أنْ يَنتقل إلى دار القرار، وأَحبَّ أن يَخلُص من المُقام
في دار الأكدار، كما روي عن عليٍّ كرَّم الله وجهه، أنه كان يطوف بني الصَّفَّين في
غِلالَةٍ(٢)، فقال له الحسن: ما هذا بِزِيِّ المحاربين، فقال: يا بُنيّ، لا يبالي أبوك
سَقَطَ على الموت، أم سَقَطَ عليه الموت.
وکان عبد الله بن رواحة(٣) ينشد وهو يقاتل الروم:
يا حبَّذَا الجَّنةُ واقترابُها
طيبةٌ وباردٌ شرابُها
والرومُ رومٌ قددَنا عذابُها
وقال عمار بصفين: غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه. وروي عن حذيفة أنه
(١) في المحرر الوجيز ١/ ١٨١، ونقل المصنف قوله وقول المهدوي عن البحر ٣١٠/١. وينظر
الدر المصون ٨/٢.
(٢) الغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب، أو تحت الدرع. اللسان (غلل).
(٣) كذا ذكر، والصواب أنها لجعفر بن أبي طالب له، كما في سيرة ابن هشام ٣٧٨/٢،
وحلية الأولياء ١١٨/١، وتهذيب الكمال ٥/ ٥٨، والبداية والنهاية ٤٢٠/٦.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٢٢
الآية : ١٤
كان يتمنَّى الموت، فلمَّا احتضر قال: حبيبٌ جاء على فاقة.
وعنه ◌َّهِ أَنَّه لمَّا بلغه قَتْلُ مَنْ قُتِل بِبئر معونة: قال: ((يا ليتني غُودرتُ معهم في
لحف الجبل))(١).
ويُعلَمُ مِن ذلك أنَّ تَمَنِّيَ الموت لأَجْلِ الاشتياقٍ إلى دار النعيم ولقاء الكريم
غيرُ منهيٍّ عنه، إنَّما النهيُ عنه تَمنِِّه لأجل ضُرِّ أصابه؛ فإنه أثر الجزع وعدمُ الرضا
بالقضاء، وفي الخبر: ((لا يتَمَّينَّ أحدُكم الموتَ لضُرِّ نزل به، وإن كان ولا بد
فَلْقُلْ: اللهمَّ أَحْيِنِي ما كانت الحياةُ خيراً لي، وأَمِثْني ما كانت الوفاةُ خيراً لي))(٢).
والمرادُ بالتمنِّي: قولُ الشخصٍ: ليت كذا، وليس(٣) من أعمال القلب، أو
الاشتهاءُ بالقلب ومحبةُ الحصول على القول، فمعنى الآية: سلوا الموت باللسان؛
قاله ابن عباس ظه. أو: اشْتَهوه بقلوبكم وسَلُوه بألسنتكم؛ قاله قوم. وعلى
التقديرين: الأمر بالتمني حقيقة.
واحتمالُ أنْ يكونَ المراد: تعرَّضوا للموت ولا تحترزوا عنه كالمُتمِنِّي، فحارِبوا
مَن يُخالفكم ولا تكونوا مِن أهل الجزية والصَّغار، أو كونوا على وجهٍ يكون المُتمنُّون
للموت المشتَهُون للجنة عليه من العمل الصالح = ممَّا لا تساعده الآثار؛ فقد أخرج
ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباس ﴿ موقوفاً: لو تمنَّوا الموت لشَرِقَ أحدهم
بريقه(٤). وأخرج البيهقيّ عنه مرفوعاً: ((لا يقولها رجل منهم إلا غَصَّ بريقه))(٥)،
والبخاريُّ مرفوعاً عنه أيضاً (٦): ((لو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا)).
(١) أخرجه أحمد (١٥٠٢٥) من حديث جابر ◌ُه، وهو في قتلى أحد، وليس فيمن قتل في بئر
معونة كما ذكر المصنف.
(٢) أخرجه أحمد (١١٩٧٩)، والبخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس ضـ
(٣) في (م): وليت، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٧٧ .
(٥) دلائل النبوة للبيهقي ٢٧٤/٦. وفي إسناده محمد بن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن
أبي صالح، وتسمى سلسلة الكذب، ينظر تدريب الراوي ١/ ١٨١ .
(٦) كذا ذكر، ومثله في الدر المنثور ٨٩/١، وحاشية الشهاب ٢٠٩/٢، والصواب أنه عند البخاري
موقوف على ابن عباس ؤها من رواية الإسماعيلي، كما ذكر الحافظ في الفتح ٧٢٤/٨ وأخرجه
مرفوعاً من حديث ابن عباس أحمد (٢٢٢٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٥).

الآية : ٩٥
٣٢٣
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
وقرأ ابن أبي إسحاق: (فَتَمنَّوا الموت)) بكسر الواو(١)، وحكى الحسن بن
إبراهيم عن أبي عمرو فتحها، وروى عنه أيضاً اختلاس ضمَّتها(٢).
﴿وَلَنْ يَتَمَثَّوْهُ أَبَدًا﴾ الظاهرُ أنه جملةٌ مستأنفة معترِضة غيرُ داخلةٍ تحت الأمر،
سِيقَتْ مِن جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام الدالِّ على كذبهم في
دعواهم، والمراد: لن يتمنوه ما عاشوا، وهذا خاصٌّ بالمعاصرين له وٍَّ، على
ما روي عن نافع ﴿ه قال: خاصَمَنَا يهوديٌّ وقال: إنَّ في كتابكم ((فتمنوا الموت))
إلخ، فأنا أَتمنَّى الموتَ، فمالي لا أموت؟ فسمع ابن عمر رضيُهَا فَغَضِبَ، فدخل بيته
فَسَلَّ سيفه وخرج، فلما رآه اليهودي فرَّ منه، وقال ابن عمر: أما والله لو أدركتُه
لضربتُ عنقه. تَوهَّم هذا الكلبُ اللَّعينُ الجاهلُ أنَّ هذا لكلِّ يهوديٍّ، أو لليهود في
كلِّ وقتٍ، لا إنَّما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون ويجحدون نبوةً النبيِّ وَّر بعد أن
عرفوا، وكانت المحاجَّة معهم باللسان دون السيف.
ويُؤيِّد هذا ما أخرج ابن جرير عن ابن عباس موقوفاً: لو تمثّوه يوم قال لهم
ذلك، ما بَقِيَ على وجه الأرض يهوديٌّ إلا مات(٣).
وهذه الجملةُ إخبارٌ بالغيب، ومعجزةٌ لِهِوَلِّ، وفيها دليلٌ على
اعترافهم بنبوَّته بَّهِ؛ لأنهم لو لم يَتَيقَّنوا ذلك ما امتنعوا من التمنِّي. وقيل: لا دليل،
بل الامتناعُ كان بصَرْف الصَّرفة كما قيل في عدم معارضة القرآن (٤).
والقول: بأنه كيف يكون ذلك معجزةً، مع أنه لا يُمكن أنْ يُعلَمَ أنه لم يَتمنَّ أحدٌ،
والتمنِّي أمرٌ قلبيٍّ لا يُطّلع عليه؟! مجابٌ عنه بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ المراد بالتمنِّي هنا الأمرُ
القلبيُّ، بل هو أنْ يقول: ليت كذا، ونحوَه - كما مرَّ آنفاً - ولو سُلِّم أنه أمرٌ قلبي، فهذا
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٨/١، والبحر ٣١٠/١.
(٢) البحر ٣١٠/١، والمشهور عن أبي عمرو كقراءة الجماعة.
(٣) تفسير الطبري ٢٦٨/٢ .
(٤) وهو قول النظام وبعض القدرية كما في تفسير القرطبي ١١٩/١، فقد ذكروا أن الله سبحانه
صرف همم العرب عن معارضة القرآن مع تحديهم بأن يأتوا بمثله. قال القرطبي: وهذا
فاسد لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا أن المنع
والصَّرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزاً.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٢٤
الآية : ٩٥
مذكورٌ على طريق المُحاجَّة وإظهارِ المعجزة، فلا يُدفع إلَّا بالإظهار والتلفُّظ، كما إذا
قال رجلٌ لامرأته: أنت طالق إن شئتِ أو أحببتٍ، فإنه يُعلَّق بالإخبار لا بالإضمار،
فحيث ثبتَ عدمُ تلفّظهم بالأخبار، وبأنه لو وقع لنُقُل واشتَهَر لتَوقُّرِ الدَّواعي إلى نقله؛
لأنه أمرٌ عظيم يدور عليه أمرُ النبوّة (١)، فإنَّه بتقدير عدمه يَظهر صدقُه، وبتقدير حصوله
يَبطل القولُ بنبوَّته، ثبت كونه معجزةً أيَّده بها ربُّه. ومَن حمل التمنِّي على المجاز لا يَرِدُ
عنده هذا السؤال، ولا يَحتاج إلى هذا الجواب، وقد علمتَ ما فيه.
وذهب جُمهور المفسرين إلى عموم حكم الآية لجميع اليهود في جميع
الأعصار - ولستُ ممَّن يقول بذلك، وإن ارتضاه الجمُّ الغفير - وقالوا: إنه المشهورُ
الموافِقُ لظاهرِ النظم الكريم، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ ذلك بالنسبةِ إلى جميعِ اليهود
المعتقدين نبوَّتَه و ﴿، الجاحدين لها في جميع الأعصار، لا بالنسبة إلى اليهود
مطلقاً في جميعها، ومع هذا لي فيه نظرٌ بَعْدُ.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بسبب ما عملوا مِنْ المعاصي الموجبة للنار، کالكفر
بمحمد ◌َّهِ والقرآن، وقتلِ الأنبياء، و((ما)) موصولةٌ والعائدُ محذوف، أو مصدريةٌ
ولا حذفَ. واليدُ كنايةٌ عن نفس الشخص، ويُكْنَى بها عن القدرة أيضاً، لِمَا أنها
من بين جوارح الإنسان مناطُ عامَّةٍ صنائعه، ومدارُ أكثر منافعه.
ولا يجعل الإسناد مجازيًّا، واليد على حقيقتها، فيكون المعنى: بما قدَّموا
بأيديهم، كتحريف التوراة = ليشمل ما قدَّموا بسائر الأعضاء وهو أبلغُ في الذم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيُمْ بِلَِّينَ ﴾﴾ تَذييلٌ للتهديد والتنبيهِ على أنهم ظالمون في ادِّعاءِ
ما ليس لهم ونَفْسِهِ عن غيرهم، والمرادُ بـ ((العلم)) إمَّا ظاهرُ معناه، أو أنه كَنَی به عن
المُجازاة، و((أل)) إمَّا للعهد وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار للذَّم، وإمَّا للجنس فيدخلُ
المعهودون فيه على طرز ما تقدَّم.
﴿وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾ الخطابُ للنبيِّ وَهُ. و ((تجد)) مِن وَجَدَ
بعقله، بمعنى عَلِمَ المتعدِّيةِ إلى مَفعولين، والضميرُ مفعولٌ أول، و((أحرصَ)) مفعولٌ
ثانٍ، واحتمال أنها من وجد بمعنى: لقي وأصابَ فتتعدّى إلى واحدٍ و((أحرصَ))
(١) في (م): لأنه أمر عظيم يدور عليه أمر عظيم يدور عليه أمر النبوة.

الآية : ٩٦
٣٢٥
سُورَةُ الْبَقَة
حال، لا يَتَأَتَّى على مذهب مَن يقول: إنَّ إضافة أَفْعَلَ مَحضةً، كما سيأتي.
والضميرُ عائدٌ على اليهود الذين أخبر عنهم بأنَّهم لا يتمثَّون الموت. وقيل:
على جميعهم. وقيل: على علماء بني إسرائيل. و((أل)) في ((الناس)) للجنس وهو
الظاهر، وقيل: للعهد والمرادُ جماعةٌ عُرفوا بغلبة الحرص عليهم.
وتنكير «حياة)) لأنه أُريدَ بها فردٌ نوعيٍّ، وهي الحياةُ المتطاوِلةُ، فالتنوينُ
للتعظيم، ويجوزُ أنْ يكون للتحقير؛ فإنَّ الحياة الحقيقية هي الأخرويةٌ ﴿وَإِنَ الذَّارَ
اُلْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيْوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. ويجوز أنْ يكونَ التنكير للإبهام؛ بل قيل: إنه
الأَوْجَهُ، أي: على حياةٍ مُبُهَمَةٍ غيرِ معلومةِ المقدار، ومنه يُعلم حرصهم على الحياة
المُتَطاوِلة من باب الأولى.
وجَوَّز أبو حيان أنْ يكونَ الكلام على حَذْف مضافٍ أو صفةٍ، أي: طولٍ حياةٍ،
أو حياةٍ طويلة(١). وأنت تعلم أنَّه لا يحتاج إلى ذلك.
والجملةُ إمَّا حالٌ من فاعلِ ((قل))، وعليه الزَّجَّاج(٢)، وإمَّا معترضةٌ لتأكيد عدم
تمنِيهم الموتَ. وقرأ أُبيِّ: ((على الحياة) بالألف واللَّام(٣).
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ هم المجوس، ووُصِفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور
والظلمة، وكانت تحيّتُهم إذا عَطَس العاطس: عِشْ ألفَ سنة. وقيل: مُشْرِكو العرب
الذين عبدوا الأصنام. وهذا من الحَمْل على المعنى، كأنه قال: أحرصَ من الناس
ومن الذين .. إلخ، بناءً على ما ذهب إليه ابن السرَّاج وعبد القاهر والجُزُوليُّ
وأبو علي (٤)، مِن أنَّ إضافةً أفعل المضاف - إذا أُريدَ الزيادةُ على ما أضيف إليه .
لفظيةٌ؛ لأنْ المعنى على إثبات ((مِن)) الابتدائية، والجارُّ والمجرور في موضع نصب
مفعوله. وسيبويه يجعلها معنويةً بتقدير اللام. والمرادُ بالناس على هذا التقدير:
ما عدا اليهود؛ لمَا تَقرَّر أنَّ المجرور بـ ((من)) مفضول عليه بجميع أجزائه، أو الأعمّ،
(١) البحر ٣١٣/١.
(٢) في معاني القرآن ١/ ١٧٧-١٧٨ .
(٣) الكشاف ٢٩٨/١، والبحر ٣١٣/١.
(٤) في الإيضاح، كما في شرح المقدمة الجزولية للشلوبين ٨٤٤/٢، وينظر كلام ابن السراج في
الأصول في النحو ٦/٢. والجزولي هو عيسى بن عبد العزيز، له: شرح أصول ابن
السرّاج، والمقدمة الجزولية، وغيرهما. توفي (٦٠٧هـ). بغية الوعا: ٢٣٦/٢.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٢٦
الآية : ٩٦
ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه؛ لأن أفعل ذو جهتين: ثبوتُ أصل المعنى،
والزيادةُ، فكونه من جملتهم بالجهة الأُولى دون الثانية، وجيء بـ ((مِن)) في الثانية لأنَّ
من شرط ((أفعل)) المرادِ به الزيادةُ على المضاف إليه أن يضاف إلى ما هو بعضُه؛
لأنه موضوعٌ لأنْ يكون جزءاً من جملةٍ معيَّنةٍ بعده، مجتمعةٍ منه ومن أمثاله،
ولا شك أنَّ اليهود غيرُ داخلين في الذين أشركوا، فإن الشائع في القرآن
ذِكرُهما متقابلين.
ويجوز أن يكون ذلك من باب الحذف، أي: وأحرصَ من الذين، وهو قولُ
مقاتل، ووجهُ الآية على مذهب سيبويه. وعلى التقديرين ذِكرُ المشركين تخصيصٌ
بعد التعميم على الوجه الظاهر في اللام؛ لإفادة المبالغة في حرصهم، والزيادة في
تَوبيخهم وتقريعهم، حيث كانوا مع كونهم أهلَ كتابٍ يرجون ثواباً ويخافون عقاباً
أحرصَ ممَّن لا يرجو ذلك، ولا يُؤمن ببعثٍ، ولا يعرف إلا الحياة العاجلة،
وإنَّما كان حرصُهم أبلغ لعلمهم بأنهم صائرون إلى العذاب، ومن توقَّع شرًّا كان
أنفرَ الناس عنه، وأحرصهم على أسباب التباعُد منه.
ومن الناس مَن جوَّز كون ((من الذين)) صفةً لمحذوفٍ معطوفٍ على الضمير
المنصوب في (لتجدنهم))، والكلام على التقديم والتأخير، أي: لتجدنَّهم وطائفةً من
الذين أشركوا أحرص الناس.
ولا أظنُّ يُقْدِمُ على مثل ذلك في كتاب الله تعالى مَنْ له أدنى ذوق؛ لأنه - وإن
كان معنّى صحيحاً في نفسه - إلَّا أنَّ التركيب يَنبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورةً
تدعو إليه، لا سيما على قولِ مَن يَخصُّ التقديم والتأخير بالضرورة.
نعم، يحتمل أن يكون هناك محذوفٌ هو مبتدأ والمذكورُ صفته، أو المذكورُ
خبرُ مبتدأ محذوفٍ صفتُه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، وحَذْفُ موصوفِ الجملة فيما إذا كان
بعضاً من سابقه المجرورِ بـ ((مِن)) أو ((في)) جائزٌ في السعة، وفي غيره مُختصُّ
بالضرورة نحو:
أنا ابنُ جَلا وطَلَّاعُ الثَّنايا(١)
(١) وعجزه: متى أضع العمامة تعرفوني، والبيت لسُحَيْم بن وَثيل، كما في الكتاب ٢٠٧/٣،
والأصمعيات ص١٦، والشعر والشعراء ٦٤٢/٢، والخزانة ٢٥٥/١. والشاهد فيه علي

الآية : ٩٦
٣٢٧
سُورَةُ النَّفَقَة
وحينئذٍ يُراد بـ ((الذين أشركوا)) اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿عُزَيْرٌّ ◌َبْنُ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٣٠]، ووضع المُظهَر موضع المضمَر نعياً عليهم بالشرك.
وجَوَّز بعضُهم أنْ يُرادَ بذلك الجنس، ويُراد بمَن يَوَدُّ أحدُهم: اليهود، والمرادُ
کلُّ واحدٍ منهم، وهو بعيد.
وجملة («يَوَدُّه إلخ، على الوجهين الأوَّلَيْن مستأنفةٌ، كأنه قيل: ما شدَّةٌ
حرصهم؟ وقيل: حال من ((الذين))، أو من ضميرٍ ((أشركوا))، أو من الضمير
المنصوب في ((لتجدنَّهم)).
﴿لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ جوابُ ((لو) محذوفٌ، أي: لسُرَّ بذلك، وكذا مفعولُ
(يوذُّ) أي: طولَ الحياة، وحُذف لدلالة ((لو يعمَّر)) عليه، كما حُذف الجواب لدلالة
(يوذُّه عليه، وهذا هو الجاري على قواعد البصريِّين في مثل هذا المكان.
وذهب بعضُ الكوفيين في مثل ذلك إلى أنَّ (لو)) مصدريةٌ بمعنى ((أنْ))، فلا يكون
لها جواب، ويَنْسِكُ منها مصدرٌ هو مفعولُ ((يوذُّ»، كأنه قال: يَودُّ أحدهم تعميرَ
ألف سنة.
وقيل: ((لو)) بمعنى ((ليت))، ولا يحتاج إلى جواب، والجملةُ محكيَّةٌ بـ ((يودُّ» في
موضع المفعول، وهو وإن لم يكن قولاً ولا في معناه لكنَّه فعلٌ قلبيٍّ يَصدرُ عنه
الأقوال، فعومل معاملتها، وكان أصلُه: لو أُعمَّر، إلَّا أنه أُورِدَ بلفظ الغيبة لأَجْلِ
مناسَبةٍ(١) (يودُّ) فإنَّه غائب، كما يقال: حَلَفَ ليَفْعَلنَّ، مقام ((لأفعلن))، وهذا
بخلافٍ ما لو أتى بصريح القول، فإنه لا يجوز: قال ليفعلنَّ. وإذا قلنا: إنَّ ((لو))
التي للتمنِّي مصدرية، لا يحتاج إلى اعتبار الحكاية، وابن مالك يقول: إنَّ((لو)) في
أمثال ذلك مصدرية لا غير، لكنَّها أشبهت ((ليت)» في الإشعار بالتمنِّي، وليست
حرفاً موضوعاً له كـ ((ليت))، ونحو: لو تأتيني فتحدِّثَني، بالنصب، أصلُه: وَددتُ لو
تأتيني إلخ، فحُذف فعلُ التمنِّي لدلالة ((لو)) عليه. وقيل: هي ((لو)) الشرطية أُشربت
معنی التمنِّي.
= بعض الوجوه أن ((جلا)) فعل ماض وقع صفة لموصوف محذوف، تقديره: أنا ابن رجل
جلا، أي: جلا أمره ووضح، أو كَشَفَ الشدائد. ينظر شرح المفصل ٦٢/٣.
(١) في الأصل: مناسبته.

سُورَةُ الْبَرَة
٣٢٨
الآية : ٩٦
ومعنى ((ألف سنة)): الكثرةُ؛ ليشمل مَن يودُّ أن لا يموت أبداً، ويحتمل أنْ يُراد
((ألف سنة)) حقيقة.
و (الأَلْفُ)) العدد المعلوم من الألفة، إذ هو مُؤلَّفٌ من أنواع الأعداد بناءً على
مُتعارفِ الناس، وإنْ كان الصحيح أنَّ العدد مُرَّبٌ من الوحدات التي تحته
لا الأعداد.
وأصل ((سنة)) سَنْوَة، لقولهم: سنوات، وقيل: سَنْهة كجَبْهة؛ لقولهم: سانَهْتُ(١)،
وتَسنَّهتِ النخلةُ: إذا أَتَتْ عليها السنون، وسُمع أيضاً في الجمع سَنّهات.
﴿َمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَّابِ أَنْ يُعَنَّرُّ﴾ (ما)) حِجازيةٌ أو تميميةٌ، و((هو)) ضميرٌ
عائدٌ إلى ((أحدهم)) اسمُها أو متبدأ، و((بمزحزحه)) خبرُها أو خبرُه، والباء زائدة،
و((أنْ يُعمَّر)) فاعلُ (مُزَحزِجِه)). والمعنى: ما أحدهم(٢) يُزحزحُه من العذاب تعميرُه،
وفيه إشارةٌ إلى ثبوت مَن يُزحزِجُه التعمير، وهو ﴿مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢].
ولا يجوز عند المحقّقين أنْ يكونَ الضميرُ المرفوع للشأن؛ لأنَّ مُفسِّرَه جملةٌ.
ولا تدخل الباء في خبر ((ما)) و((ليس)) إلا إذا كان مفرداً عند غير الفرَّاء، وأجازّ ذلك
أبو عليَّ، وهو مَيلٌ منه إلى مَذهب الكوفيِّين، مِن أنَّ مفسِّرَ ضميرٍ الشأن يَجوز أن
يكونَ غيرَ جملةٍ إذا انتظم إسناداً معنوياً، نحو: ما هو بقائم زيدٌ.
نعم، جوَّزوا أنْ يكونَ لِمَا دلَّ عليه (يُعمَّر))، و((أنْ يُعمَّر)) بدل منه، أي:
ما تعميرُه بمُزحزِجِه مِن العذاب. واعتُرض بأنَّ فيه ضعفاً للفصل بين البدلِ والمُبدلِ
منه، وللإبدال من غير حاجةٍ إليه.
وأجابَ بعض المحقّقين: أنه لمَّا كان لفظُ التعمير غيرَ مذکورٍ بل ضميرهُ،
حسُنَ الإبدالُ، ولو كان التعميرُ مذكوراً بلفظه لكانَ الثاني تأكيداً لا بدلاً. ولكونه
في الحقيقة تكريراً يُفيد فائدتَه مِن تقريرِ المحكوم عليه اعتناءً بشأنِ الحُكم، بناءً
على شِدَّة حِرصه على التعمير وَودادِهِ إِيَّاه، جازَ الفصل بينه وبينَ المُبدل منه بالخبر،
كما في التأكيدِ في قوله تعالى: ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧].
(١) سانَهَهُ: عامَلَه بالسنة. اللسان (سنه).
(٢) في (م): أحد.

الآية : ٩٦
٣٢٩
سُورَةُ الْبَّدَة
وقيل: ((هو)) ضميرٌ مُبهمٌ يُفسِّره البدل، فهو راجعٌ إليه لا إلى شيءٍ مُّتقدِّمٍ مفهومٍ
من الفعل، والتفسيرُ بعدَ الإبهام ليكونَ أَوقعَ في نفس السامع، ويَستقرَّ في ذِهِّنْه كونُه
محكوماً عليه بذلك الحكم، والفصل بالظرف بينه وبينَ مُفسِّرِه جائزٌ، كما يُفهمُه
كلامُ الرضي في بحث أفعال المدح والذمِّ.
واحتمالُ أنْ يكون ((هو)) ضميرَ فَضْلٍ قُدِّم مع الخبر(١) بعيد.
والزَحْزَة: التبعيد، وهو مُضاعَفٌ مِن زعَّ يَزُُّ زخًا، كَكَبْكَبَ مِن کبَّ، وفيه
مبالغة، لكنَّها متوجّهةٌ إلى النفي على حدٍّ ما قيل في (٢): ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾
[فصلت: ٤٦] فَيَؤُول إلى أنه لا يُؤْثِّر في إزالة العذاب أقلَّ تأثيرٍ التعميرُ، وصحَّ ذلك
مع أنَّ التعميرَ يُقيد رفعَ العذاب مُدَّة البقاء؛ لأنَّ الإمهالَ بحسب الزمان وإن حصل،
لكنَّهم لاقترافهم المعاصي بالتعميرِ زادَ عليهم مِن حيث الشدَّةُ، فلم يُؤثِّر في إزالته
أدنى تأثير، بل زاد فيه حيثُ استوجبوا بمقابلةِ أيامٍ معدودة عذابَ الأبد.
﴿وَلَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: عالِمٌ بخَفيَّاتِ أعمالهم، فهو مُجازيهم
لا محالة. وحَمْلُ البصر على العلم هنا - وإنْ كان بمعنى الرؤيةِ صفةً لله تعالى أيضاً .
لأنَّ بعضَ الأعمال لا يصِحُّ أنْ يُرى، على ما ذهب إليه بعضُ المحققين. وفي هذه
الجملة مِن التهديد والوعيدِ ما هو ظاهرٌ. و((ما)) إمّا موصولة، أو مصدرية، وأتى
بصيغةِ المضارع لتواخي الفواصلٍ.
وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب: ((تعملون)) بالتاء(٣)، على سبيل الالتفات.
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ أخرج ابن أبي شيبة في (مسنده))، وابنُ جرير وابن
أبي حاتم عن الشّعبيّ: أنه دخل عمر څله مدارسَ اليهود يوماً فسألهم عن جبريل،
فقالوا: ذاك عَدوُّنا، يُطْلِعُ محمداً على أَسرارنا، وإنه صاحبُ كلِّ خَسْفٍ وعذابٍ،
(١) والتقدير: وما تعميره هو بمزحزحه، وهذا جائز عند الكوفيين، ولا يجيزه البصريون؛ لأن
شرط الفصل عندهم أن يكون متوسطاً. البحر ٣١٦/١.
(٢) قوله: في، ساقط من (م)
(٣) النشر ٢١٩/٢ عن يعقوب، وذكرها عن الباقين ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٢/١،
وأبو حيان في البحر ٣١٦/١.

سُورَةُ الْبَعَة
٣٣٠
الآية : ٩٧
وميكائيلُ صاحبُ الخضْبِ والسلام. فقال: ما مَنزلتُهما مِنَ الله تعالى؟ قالوا:
جبريلُ عن يمينه وميكائيلُ عن يَساره، وبينهما عداوةٌ، فقال: لئن كانا كما تقولون
فليسا بعدوَّين، ولأنتم أَكفرُ من الحَمير، ومَن كان عدوًّا لأحدهما فهو عدوٌّ لله. ثم
رجع عمر فوجدَ جبريلَ قد سبقه بالوحي، فقال ◌َّر: ((لقد وافقك ربُّك يا عمر))،
قال عمر: لقد رأيتُني بعد ذلك أَضْلَبَ من الحجر(١).
وقيل: نزلت في عبد الله بن صوريا، كان يهودياً مِن أحبار فَدَك، سألَ
رسولَ اللهِوَ﴿ عَمَّن يَنزل عليه، فقال: ((جبريل)) فقال: ذاك عدوُّنا عادانا مراراً،
وأشدُّها أنه أَنزِلَ على نبيِّنا أنَّ بيت المقدس سيخربه بختنصَّر، فبعثنا مَنْ يَقتلُه فرآه
بيابلَ، فَدَفَعَ عنه جبريلُ وقال: إنْ كان رَبُّكم أمرَه بهلاككم فلا يُسلِّطكم عليه، وإلَّا
فَبِمَ تقتلونه؟! وصدَّقه الرجلُ المبعوثُ ورَجَع إلينا، وكَبُر بختنصَّر وقَوِيَ وغزانا،
وخرَّب بيتَ المقدس. وروى ذلك بعض الحفّاظ، وقال العراقيُّ: لم أَقف له على
سند. فلعلَّ الأول أقوى منه، وإن أَوهَمَ صنيع بعضهم العكس.
و ((جبريل)) عَلَمُ مَلَك كان يَنزل على رسول الله وِ ◌ّهِ بالقرآن، وهو اسمٌ أعجميٍّ
ممنوعٌ مِن الصرف للعَلَميةِ والعُجمة، وأَبْعدَ مَن ذَهَب إلى أنَّه مشتقٌّ مِن جَبَروت الله
تعالى، وجّعلُهُ مرَّباً تركيبَ مزْج مِن مضافٍ ومضافٍ إليه، فمَنْعُه من الصرف للعَلَمية
والتركيب، ليس بشيء؛ لأنَّ ماً يُرَّبُ هذا التركيبَ يجوزُ فيه البناءُ والإضافةُ ومنعُ
الصرف، فكونه لم يُسمَع فيه الإضافة أو البناء، دليلٌ على أنه ليس مِن تركيبِ المزج.
وقد تصرَّفت فيه العرب على عادتها في تغييرِ الأسماء الأعجمية، حتى بَلغَتْ
فيه إلى ثلاث عشرة لغة، أفصحُها وأشهرها: ((جِبْرِيل)) كقِنْديل، وهي قراءةٌ
أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم (٢)، وهي لغةُ الحجاز، قال ورقة بن
نوفل :
(١) بنحوه في مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٥، وتفسير الطبري ٢٨٧/٢ - ٢٩١، وتفسير ابن
أبي حاتم ١/ ١٨١. قال السيوطي في الدر المنثور ٩٠/١: صحيح الإسناد، ولكن الشعبي
لم يدرك عمر. ولفظ المصنف في الكشاف ٢٩٩/١، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب
٢١١/٢. قال الشهاب: المدارس بيت اليهود التي يدرسون فيه كتبهم، جمع مدراس.
(٢) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٩/٢، وقرأ بها أيضاً من العشرة يعقوب وأبو جعفر.

الآية : ٩٧
٣٣١
سُورَةُ الْبََّرَة
وجِبْريلُ يأتيهِ وميكالُ معْهمَا من اللهِ وحيٌّ يَشرحُ الصدرَ مُنزَلُ(١)
الثانية: كذلك إلا أنها بفتح الجيم، وهي قراءة ابن كثير، والحسن، وابن
محيصن، قال الفرَّاء(٢): لا أُحبُّها؛ لأنه ليس في الكلام فَعْلِيل. وليس بشيء؛ لأنَّ
الأعجميَّ إذ عرَّبوه قد يُلحقونه بأوزانهم كلِجَام، وقد لا يُلحقونه بها كإبْريسَم،
وجَبريل مِن هذا القبيل، مَع أنه سُمع سَمْويل(٣) لطائر.
الثالثة: ((جَبْرَئيل)) كسَلْسَبِيل، وبها قرأ حمزة، والكِسائي، وحمَّاد عن أبي بكر
عن عاصم(٤)، وهي لغةُ قيس وتميم وكثير من أهل نجد، وحكاها الفرَّاء واختارها
الزجَّاج(٥)، وقال: هي أجود اللغات. وقال حسان:
شَهِدْنا فما تَلْقَى لنا مِن كَتيبةٍ مَدَى الدهرِ إلَّا جَبْرَئِيلُ أَمَامُها(٦)
الرابعة: كذلك إلَّا أنها بدون ياء بعد الهمزة، وهي رواية يحيى بن آدم عن
أبي بكر عن عاصم(٧)، وتُروى عن يحيى بن يعمر.
الخامسة: كذلك إلَّا أنَّ اللام مُشدَّدة، وهي قراءةُ أبان عن عاصم، ويَحيى بن
يَعمَر (٨) أيضاً.
السادسة: (جَبْرائِل)» بألفٍ وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء، وبها قرأ ابن
عباس ظُبه، وعكرمة(٩).
(١) تاريخ ابن عساكر ١٠/٦٣، والبداية والنهاية ٢٦/٤، والبحر ٣١٨/١، والدر المصون
١٩/٢، والخزانة ٣٩٦/٣.
(٢) قوله في البحر ٣١٨/١، والدر المصون ١٩/٢، وحاشية الشهاب ٢١١/٢.
(٣) في (م): سموأل، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢١١/٢، والكلام منه.
(٤) والمشهور عن أبي بكر: ((جَبْرَئِّل)) بغير ياء، وستأتي. وينظر النشر ٢١٩/٢.
(٥) في معاني القرآن ١٧٩/١.
(٦) شرح بانت سعاد لابن هشام ص٥٥، والبحر ٣١٨/١، وهو دون نسبة في معاني القرآن
للزجاج ١٨٠/١، وحجة القراءات لابن زنجلة ص ١٠٧. وخطأ البغدادي في الخزانة ٢١٧/١
من نسبه لحسان، وذكر أن الصاغاني في العباب نسبه لكعب بن مالك الأنصاري.
(٧) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٩/٢.
(٨) المحتسب ٩٧/١، والبحر ٣١٨/١، والكلام منه.
(٩) المحرر الوجيز ١٨٣/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨ لفياض والحسن.

سُورَةُ الْبَلْقَة
٣٣٢
الآية : ٩٧
السابعة: مثلها مع زيادة ياء بعد الهمزة(١).
الثامنة: ((جَبْرائِيْل)) بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش، وابن يعمر (٢)،
ورواها الكسائي عن عاصم (٣).
التاسعة: ((جبرال))(٤).
العاشرة: ((جبريل) بالياء والقصر، وهي قراءة طلحة بن مُصرّف(٥).
الحادية عشرة: ((جَبْرينَ))، بفتح الجيم والنون(٦).
الثانية عشرة: كذلك إلَّا أنها بكسر الجيم وهي لغةُ أسد(٧).
الثالثة عشرة: ((جبراین))(٨).
قال أبو جعفر النحاس: جُمع ((جبريل)) جَمْعَ تكسيرٍ على جَبَارِيل(٩)، على اللغة
العالية. واشتهر أنَّ معناه: عبدُ الله، على أنَّ ((جبر)) هو الله تعالى و((إيل)) هو العبد،
وقيل عكسه. ورَدَّه بعضُهم بأنَّ المعهودَ في الكلام العجميِّ تقديمُ المضافِ إليه على
المضاف، وفيه تأمُّل.
﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ جوابُ الشرط إمَّا نِيابةً، أو حقيقةً، والمعنى: مَن عاداه
منهم فقد خَلَع ربقة الإنصاف، أو كَفَر بما معه مِن الكتاب بمعاداته إيَّاه لنزوله
عليك بالوحي؛ لأنه نَزَّل كتاباً مصدِّقاً للكتب المتقدِّمة. أو: فالسببُ في عداوتِهِ أنَّه
نَزَّل عليك، وليس المبتدأ على هذا الأخير محذوفاً، و((إنه نزَّله)) خبرَه، حتى يَرِد
(١) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٣/١.
(٢) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٣/١، والبحر ٣١٨/١. قال ابن جني: فيقوى في
نفسي أنها همزة مخففة وهي مكسورة، فخفيت وقربت من الياء، فعبَّر القراء عنها بالياء.
(٣) سلف المشهور عنهما قريباً.
(٤) البحر ٣١٨/١، والدر المصون ٢٠/٢.
(٥) ذكرها الشهاب في الحاشية ٢١١/٢، وينظر البحر ٣١٨/١، والدر المصون ٢٠/٢.
(٦) البحر ٣١٨/١، والدر المصون ٢٠/٢.
(٧) القراءات الشاذة ص٨، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٠، والبحر ٣١٨/١.
(٨) حاشية الشهاب ٢١١/٢، وهي في الدر المصون ٢٠/٢ بلفظ: ((جبرايين)).
(٩) في الأصل و(م): جبارين، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٥٠/١، ومثله في البحر
٣١٨/١، وتفسير القرطبي ٢٦٤/٢.

الآية : ٩٧
٣٣٣
سُورَةُ الْبَقَة
أنَّ الموضع للمفتوحة، بل إنَّ الفاءَ داخلةٌ على السبب، ووقع جزاءً باعتبار الإعلام
والإخبار بسبيَّتَه لِمَا قبله، فَيَؤُولُ المعنى إلى: مَن عاداه فأُعْلِمُكم بأنَّ سببَ عداوته
كذا، فهو كقولك: إنْ عاداك فلان فقد آذيتَه، أي: فأُخبِرُكَ بأنَّ سببَ عداوتك أنك
آذیتَه .
وقيل: الجزاءُ مَحذوفٌ، بحيث لا يكونُ المذكورُ نائباً عنه، ويُقدَّر مُؤخّراً عنه،
ويكون هو تعليلاً وبياناً لسبب العداوة، والمعنى: مَن عاداه لأنه نَزَّله على قلبك
فليمتْ غَيظاً، أو فهو عدوٍّ لي وأنا عدوٌّ له (١)، والقرينةُ على حَذْف الثاني الجملةُ
المعترِضةُ المذكورة بعده في وعيدهم.
واحتمالُ أنْ يكون ((مَن كان عدوًّا)) إلخ، استفهاماً للاستبعادِ أو التهديد،
ويكون ((فإنه)) تعليلَ العداوة وتقييداً لها، أو تَعليلَ الأمر بالقول = ممَّا لا يَنبغي أنْ
يُرتكبَ في القرآن العظيم.
والضمير الأول البارز لجبريل، والثاني للقرآن كما يُشير إليه الأحوال؛ لأنَّها
كلها مِن صفات القرآن ظاهراً، وقيل: الأول لله تعالى، والثاني لجبريل، أي:
فإنَّ الله نَزَّل جبريلَ بالقرآن على قلبك، وفي كلِّ مِن الوجهين إضمارٌ يَعودُ على
ما يَدلُّ عليه السياق، وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى.
ولم يقل سبحانه ((عليك)) كما في قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ﴾
[طه: ٢]، بل قال: ((على قلبك)) لأنه القابلُ الأول للوحي إنْ أُريد به الروح، ومَحلُّ
الفهم والحفظ إنْ أُريد به العضو، بناءً على نفي الحواسِّ الباطنة.
وقيل: كَنى بالقلب عن الجُملة الإنسانية، كما يُكنَى ببعضٍ الشيء عن كلِّه.
وقيل معنى ((نزَّله على قلبك)): جعل قلبك متَّصفاً بأخلاق القرآن، ومتأدِّباً بآدابه،
كما في حديث عائشة ◌ًّا: (كان خُلقُه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه))(٢).
وكان الظاهرُ أنْ يقولَ: على قلبي؛ لأنَّ القائلَ رسولُ الله ◌ِيَّةِ، لكنه حَكَى
(١) في (م): وأنا عدوه.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢٨٨/٣-٢٨٩، والطبراني في الأوسط
(٧٢)، وهو عند أحمد (٢٤٦٠١)، ومسلم (٧٤٦) دون: يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

سُورَّةُ الْبََّقَة
٣٣٤
الآية : ٩٧
ما قال الله تعالى له وجَّعَل القائلَ كأنه الله تعالى لأنه سَفِيرٌ مَخْضٌ.
﴿إِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بأمرِهِ، أو بعلْمِه وتَمكينِه إياه من هذه المنزلةِ، أو باختياره،
أو بتيسيره وتَسهيله. وأصلُ معنى الإذنِ في الشيء: الإعلامُ بإجازته، والرُّخصةُ فيه،
فالمعاني المذكورةُ كلُّها مَجازيةٌ، والعلاقةُ ظاهرة، والمنتَخَب - كما في ((المنتَخَب)) .
المعنى الأول(١). والمعتزلةُ لمَّا لم يقولوا بالكلام النفسيِّ - وإسنادُ الإذن إليه تعالى
باعتبار الكلام اللَّفظيّ يحتاج إلى تكلُّف - اقتصر الزمخشريُّ على الوجه الأخير(٢).
والقول: إنَّ الإذن بمعنى الأمرِ إنْ أُريدَ بالتنزيلِ معناه الظاهر، وبمعنى التيسير
إنْ أُرِيدَ به التحفيظ(٣) والتفهيم، ممَّا لا وَجْهَ له.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتبِ الإلهية التي مُعظمها التوراة، وانتصابُ
(مصدِّقاً)) على الحال مِن الضمير المنصوب في ((نزله)) إنْ كانَ عائداً للقرآن، وإن
كان لجبريل فيحتملُ وجهَين: أحدهما: أنْ يكونَ حالاً من المحذوف لفهم المعنى،
كما أشرنا إليه. والثاني: أنْ يكونَ حالاً من ((جبريل)). والهاء إما للقرآن، أو
لجبريل، فإنه مصدِّقٌ أيضاً لِمَا بينَ يديه من الرُّسُلِ والكُتب.
﴿وَهُدًى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ مَعطوفان على ((مصدِّقاً))، فهما حالان مثلُه،
والتأويل غير خَفيِّ، وَخَصَّ المؤمنين بالذِّكْرِ لأنه على غيرِهم عمى.
وقد دلَّتِ الآيةُ على تعظيم جبريل، والتنويهِ بقدره، حيثُ جعلَه الواسطةَ بينه
تعالى وبينَ أشرفِ خَلْقِه، والمُنَزَّل بالكتابِ الجامع للأوصافِ المذكورة، ودلّت
على ذمِّ اليهود، حيث أَبغضوا مَن كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى.
قيل: وتَعلَّقت الباطنيةُ بهذه الآية وقالوا: إنَّ القرآن إلهامٌ، والحروفُ عبارةٌ
الرسول وَ﴿، وَرُدَّ عليهم بأنه معجزةٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، وأنَّ الله تعالى سمَّاه قرآناً،
وكتاباً وعربيًّا(٤)، وأنَّ جبريل نزل به والمُلْهَمُ لا يحتاج إليه.
(١) البحر ٣٢٠/١، والمنتخب كما ذكر أبو حيان في البحر ١٦١/١ لمحمد بن عبد الله بن
أبي الفضل المرسي.
(٢) الكشاف ٢٩٩/١.
(٣) في الأصل و(م): التحفظ، والمثبت من حاشية الشهاب ٢١٢/٢، والكلام منه.
(٤) في الأصل: عربيا، والمثبت من (م)، والبحر ٣٢١/١، والكلام منه.

الآية : ٩٨
٣٣٥
سُورَةُ الَّغَة
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبَكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ
٩٨
العدوُّ للشخص ضِدُّ الصديق، يَستوي فيه المُذكَّرُ والمؤنَّثُ والتثنية والجمع، وقد
يُؤنَّث ويُثَّى ويُجْمَع، وهو الذي يُريد إنزَال المَضارِّ به، وهذا المعنى لا يَصِحُّ إلا فينا
دونه تعالى، فعداوةُ الله هنا مجازٌ، إمَّا عن مخالفته تعالى وعدم القيامِ بطاعته؛ لِمَا
أنَّ ذلك لازمٌ للعداوة، وإمَّا عن عداوةٍ أَوليائِه. وأما عداوتُهَم لجبريلَ والرسلٍ
عليهم السلام فصحيحةٌ؛ لأنَّ الإضرارَ جارٍ عليهم، غاية ما في الباب(١) أنَّ
عداوتَهم لا تُؤثِّر؛ لعجزِهم عن الأمورِ المُؤثِّرةِ فيهم. وصُدِّر الكلام على الاحتمال
الأخير بذكره(٢) لتفخيم شأنٍ أولئك الأولياء، حيثُ جَعَل عداوتهم عداوتَه تعالى.
وأُفردَ الملكان بالذكرٍ تَشريفاً لهما وتفضيلاً، كأنَّهما من جنسٍ آخَرَ، تنزيلاً للتغايُرِ
في الوصف مَنزلةَ التغايرِ في الذات كقوله:
فإنَّ المِسكَ بعضُ دمِ الغزالِ(٣)
فإن تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم
وقيل: لأن اليهودَ ذَكَروهما ونَزَلت الآيةُ بسببهما. وقيل: للتنبيه على أنَّ معاداةَ
الواحد والكلِّ سواءٌ في الكفر واستِجلابِ العداوة من الله تعالى، وأنَّ مَن عادى
أحدَهم فكأنَّما (٤) عادى الجميع؛ لأن الموجِبَ لمحبَّتهم وعداوتهم على الحقيقة
واحدٌ، وإن اختلفَ بحَسَبِ التوهُّم والاعتقادِ، ولهذا أَحبَّ اليهودُ ميكائيل(٥)
وأَبغضوا جبريلَ.
واستَدلَّ بعضُهم بتقديم جبريل على ميكائيل على أنه أفضلُ منه، وهو المشهور.
واستَدَلُّوا عليه أيضاً بأنه يَنزلُ بالوحي والعلمِ وهو مادةُ الأرواح، وميكائيلُ
بالخضبِ والأمطار وهي مادةُ الأبدان، وغِذاءُ الأرواح أفضلُ مِن غذاء الأشباح.
واعترض: بأنَّ التقديم في الذكر لا يَدُّ على التفضيل؛ إذ يحتمل أنْ يكونَ
ذلك للترقّ أو لنكتةٍ أخرى، كما قُدِّمت الملائكةُ على الرسلِ وليسوا أفضلَ منهم
(١) في الأصل: البال.
(٢) أي: بذكر الله سبحانه. ينظر حاشية الكازروني على هامش تفسير البيضاوي ١٧٣/١ .
(٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٥١/٣ .
(٤) في الأصل: فقد، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٣٤/١، والكلام منه.
(٥) في الأصل: ميكال.

سُورَةُ الْبَغَ
٣٣٦
الآية : ٩٨
عندنا، وكذا نزوله بالوحي ليس قطعيًّا بالأفضلية، إذ قد يُوجَدُ في المفضول ما ليس
في الفاضل، فلا بُدَّ في التفضيل من نصٍّ جليٍّ واضح.
وأنا أقول بالأفضلية، وليس عندي أقوى دليلاً عليها مِن مَزیدِ صُحبتِهِ لحبیبٍ
الحقِّ بالإتِّفاق، وسيِّدِ الخلقِ على الإطلاق ◌َّهِ، وكثرةٍ نُصرتِه، وحُبّه له ولأمَّته،
ولا أرى شيئاً يقابل ذلك، وقد أثنى الله تعالى عليه - عليه السلام - بما لم يُثْنِ به
على ميكائيل، بل ولا على إسرافيلَ وعزرائيلَ، وسائرِ الملائكة أجمعين.
قال: قال
وأخرج الطبراني - لكن بسندٍ ضعيفٍ - عن ابن عباس
رسول الله ◌َ﴿: ((ألا أُخْبِرُكم بأَفْضَلِ الملائكةِ: جبريل))(١).
وأخرج أبو الشيخ(٢) عن موسى بن أبي عائشة(٣) قال: بَلغَني أنَّ جبريلَ إمامُ
أهل السماء.
و (مَنْ)) شرطية، والجوابُ؛ قيل: محذوفٌ، وتقديره: فهو كافرٌ مَجْزيٌّ بأشدِ
العذاب، وقيل: ((فإنَّ الله)) إلخ، على نَمَط ما عَلمْتَ. وأتى باسم الله ظاهراً ولم يقل:
فإنَّه عدوٌّ، دَفعاً لانفهام غيرِ المقصودِ، أو للتعظيم والتفخيم، والعربُ إذا فَخَّمتْ شيئاً
كرَّرتْه بالاسم الذي تَقدَّم له، ومنه: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَ اَللَّهَ﴾ [الحج: ٦٠] وقوله:
لا أَرَى المؤْتَ يَسبِقُ المؤْتَ شَيٌ(٤)
و((أل) في ((الكافرين)) للعهد، وإيثارُ الاسميَّةِ للدلالة على التحقُّق(٥) والثباتِ،
(١) المعجم الكبير (١١٣٦١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٤٠: فيه نافع أبو هرمز، وهو
ضعيف. اهـ. وقال الذهبي في الميزان ٤٣/٤: نافع بن هرمز ضعفه أحمد وجماعة وكذبه
ابن معين مرة، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث.
(٢) في العظمة (٣٦١).
(٣) في الأصل و(م): موسى بن عائشة، والمثبت هو الصواب، وينظر التهذيب ١٧٩/١ .
(٤) وعجزه: نقَّص الموت ذا الغنى والفقيرا، والبيت لسواد بن عدي كما في الكتاب ٦٢/١،
ولعدي بن زيد كما في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٣٦/١، وأمالي ابن الشجري ٦/٢،
وقال الأعلم في شرح شواهد الكتاب ص٨٦: وقيل لأمية بن أبي الصلت. اهـ. وهو في
ديوان أمية ص١٦٤. وينظر الخزانة ٣٧٩/١.
(٥) في (م): التحقيق، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣٤/١، والكلام منه.

الآية : ٩٨
٣٣٧
سُوَّةُ الْجَدَة
ووضع المُظْهر مَوضع المُضْمرِ للإيذان بأنَّ عداوةَ المذكورين كُفْرٌ، وأنَّ ذلك بَيِّنٌ
لا يَحتاجُ إلى الإخبار به، وأنَّ مدار عداوته تعالى لهم وسَخَطه المستوجِب لأشدٌ
العقوبة والعذاب هو كفرُهم المذكور.
وقيل: يحتمل أنه تعالى عَدَلَ عن الضمير لعِلْمِه أنَّ بعضهم يُؤْمنُ، فلا ينبغي أنْ
يطلقَ عليه عداوة الله تعالى للمآل، وهو احتمالٌ أبعدُ من العَيُّوق.
ويحتمل أنْ تكون ((أل)) للجنس كما تَقدَّم. ومِن الناس مَن روى أنَّ عمرَ ظُه
نطقَ بهذه الآية مُجاوِباً لبعضٍ اليهود في قوله: ذاك عدوُّنا، يَعني جبريل، فنزلت
على لسان عمر، وهو خبرٌ ضَعيفٌ كما نصّ عليه ابن عطية (١).
والكلامُ في مَنْعِ صرفٍ ميكائيل كالكلام في جبريل، واشتهر أنَّ معناه:
◌ُبيد الله، وقيل: عبد الله، وفيه لغات:
الأولى: ((مِيكال)) كمِفْعال، وبها قرأ أبو عمرو وحفص(٢)، وهي لغة الحجاز.
الثانية: كذلك، إلَّا أنَّ بعدَ الألف همزةٌ، وقرأ بها نافع، وابن شنبوذ لقنبل(٣).
الثالثة: كذلك إلا أنه بياء بعد الهمزة، وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر
وأبو بكر، وغير ابن شنبوذ لقنبل، والبزي(٤).
الرابعة: ((مِيكَتيل)) كمِيْكَفِيل، وبها قرأ ابن مُحيصن(٥).
الخامسة: كذلك إلّا أنَّه لا ياءً بعد الهمزة، وقُرِىء بها(٦).
السادسة: ((مِيكاييل)) بياءين بعد الألف أولهما مكسورة، وبها قرأ الأعمش(٧).
(١) في المحرر الوجيز ١٨٤/١ ..
(٢) التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٩/٢، وهي قراءة يعقوب من العشرة. والكلام من البحر ٣١٨/١.
(٣) البحر ٣١٨/١، وقراءة نافع في التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٩/٢، وهي قراءة أبي جعفر من
العشرة. أما المشهور عن قنبل فهو: ((ميكائيل))، وستأتي.
(٤) وهي قراءة خلف من العشرة، كما النشر ٢١٩/٢.
(٥) البحر ٣١٨/١.
(٦) المحتسب ٩٧/١، والبحر ٣١٨/١، وينظر القراءات الشاذة ص٨.
(٧) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٤/١، والبحر ٣١٨/١.

سُورَةُ الْكَفَة
٣٣٨
الآية : ٩٩ -١٠٠
ولساداتنا الصوفيةٍ قَدَّس الله تعالى أسرارهم في هذين المَلَكَین - بل وفي
أخويهما إسرافيلَ وعزرائيلَ عليهما السلام أيضاً - كلامٌ مَبسوطٌ، والمشهورُ أنَّ
جبريل هو العقلُ الفعَّال، وميكائيلُ هو روحُ الفَلَك السادس، وعقلُهُ المُفيضُ للنفس
النباتية الكلِّية الموّلة بأرزاقِ الخلائقِ، وإسرافيلُ هو روحُ الفلكِ الرابع، وعقلُه
المفيضُ للنفسِ الحيوانيةِ الكلِّية المؤثّلة بالحيوانات، وعِزرائيلُ هو روحُ الفلك
السابعِ المؤكَّلِ بالأرواح الإنسانية كلِّها، بعضها بالوسائط التي هي أعوانُه
وبعضُها بنفسه، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
نزلت بسبب
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
ابن صوريا كما روي عن ابن عباس با حينَ قال لرسول الله وَّ: ما جئتنا بشيءٍ
نعرفُه، وما أُنزل عليك مِن آيات فنتَبعَك. وجُعلتْ عطفاً على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن
كَانَ عَدُوًّا﴾ إلخ، عَظْفَ القصة على القصة. و((ما يكفر)) إلخ عطف على جوابٍ
القسم، فإنَّه كما يُصدَّر باللام يُصدّر بحرف النفي.
والآيات: القرآنُ والمعجزات والإخبار(١) عمَّا خَفِي وأُخفي في الكُتب
السابقة، أو الشرائعُ والفرائض، أو مجموعُ ما تَقدَّم كله، والظاهرُ الإطلاق.
و ((الفاسقون)): المتمَرِّدون في الكفرِ، الخارجون عن الحدود، فإنَّ مَن ليس
على تلك الصفات مِن الكفرةِ لا يَجترىُ على الكفر بمثلٍ هاتيك البينات؛ قال
الحسن: إذا استُعمل الفسقُ في نوعٍ من المعاصي، وقَعَ على أعظمٍ أفرادٍ ذلك النوعِ
مِن كفر أو غيره. فإذا قيل: هو فَاسقٌ في الشُّربِ، فمعناه: هو أكثرُ ارتكاباً له،َ
وإذا قيل: هو فاسٌ في الزِّنا، يكون معناه: هو أشدُّ ارتكاباً له. وأصلُهُ مِن فَسَقَتِ
الرُّطَبَة: إذا خَرَجَتْ من قِشْرِها. واللامُ إمَّا للعهد؛ لأنَّ سياق الآيات يدلُّ على أنَّ
ذلك لليهود، وإمَّا للجنسِ وهم داخلونَ، كما مرَّ غيرَ مَرَّة.
﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُوا عَهْدًا﴾ نزلَتْ في مالك بن الصيف قال: والله ما أُخِذ علينا
عهدٌ في كتابنا أنْ نُؤْمنَ بمحمد ولا ميثاقٌ. وقيل: في اليهودِ؛ عاهدوا إنْ خَرَج
لَنؤمننَّ به، ولَنكوننَّ معه على مُشركي العربِ، فلمَّا بُعث كفروا به. وقال عطاء: في
(١) في الأصل: أو الإخبار.

الآية : ١٠٠
٣٣٩
سُورَةُ الْبَّكْرَة
اليهود؛ عاهدوا رسولَ الله وَّهِ بعهودٍ فنقضُوها، كفِعْل قُريظة والنضير.
والهمزةُ للإنكار، بمعنى: ما كان يَنبغي، وفيه إعظامُ ما يُقْدمون عليه مِن تکرُّر
عهودهم ونَقْضِها، حتى صار سجيَّةً لهم وعادة، وفي ذلك تسليةٌ له وَّةِ، وإشارةٌ إلى
أنه ينبغي أنْ لا يَكْترثَ بأمرهم، وأنْ لا يَصعُب عليه مخالفتُهم.
والواو للعطف على محذوفٍ، أي: أَكَفَرُوا بالآيات وَكُلَّما عاهدوا، وهو مِن
عطف الفعلية على الفعلية؛ لأن ((كلَّما)) ظرفُ («نبذه)) والقرينةُ على ذلكَ المحذوفِ
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾ إلخ.
وبعضُهم يُقدِّر المعطوفَ مأخوذاً مِن الكلام السابق، ويقولُ بتوسُّط الهمزة بين
المعطوف والمعطوف عليه لغرضٍ يَتعلَّق بالمعطوف خاصة، والتقدير عنده: نقضُوا
هذا العهد وذلك العهد أوكلما عاهدوا. وفيه - مع ارتكابٍ ما لا ضرورةً تدعو إليه -
أنَّ الجُملَ المذكورة بقربه ليس فيها ذكرُ نقضِ العهدِ.
وقال الأخفشُ: هي زائدة(١). والكِسائيّ هي (أو)) الساكنةُ حُرِّكتْ واوها بالفتح
وهي بمعنى بل(٢). ولا يَخفى ضَعْف القولين. نعم، قرأ أبو السمَّال العدوي
وغيرُه: ((أوْ)) بالإسكان(٣)، وحينئذٍ لا بأس بأنْ يقال: إنَّها إضرابيةٌ؛ بناءً على رأي
الکوفیین، وأنشدوا :
بدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحى وصورتِها أو أنتِ في العينِ أملحُ(٤)
والعطفُ - على هذا - على صلة الموصول الذي هو ((اللام)) في ((الفاسقون))
مَيلاً إلى جانب المعنى، وإنْ كان فيه مَسخ ((اللام)) الموصولة، كأنه قيل: إلا الذين
فَسِقُوا بل كلَّما عاهدوا، والقرينةُ على ذلك ((بل أكثرهم)) إلخ، وفيه ترقِّ إلى الأغلظِ
فالأغلظ. ولك أنْ لا تَميلَ مع المعنى بل تعطف على الصلة، و((أل)) تَدخُل على
(١) معاني القرآن للأخفش ٣٢٦/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٢، والبحر ٣٢٣/١، والكلام منه.
(٣) القراءات الشاذة ص٨، والمحتسب ٩٩/١، والبحر ٣٢٤/١.
(٤) نسبه ابن جني في الخصائص ٤٥٨/٢، والمحتسب ٩٩/١ لذي الرمة، وقال البغدادي في
الخزانة ٦٨/١١: لم أجده في ديوانه. اهـ. وهو في ملحق الديوان ١٨٥٧/٣. وذكره الفراء
في معاني القرآن ١/ ٧٢ دون نسبة.

سُورَةُ الَّفَقَة
٣٤٠
الآية : ١٠٠
الفعل بالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُعَّدِّقِينَ وَالْمُضَّلِّقَتِ وَأَقْرَغُواْ﴾
[الحديد: ١٨] لاغتفارِهم في الثواني ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائل. ومن الناس مَن جوَّز
هذا العطف باحتمالَيه على القراءة الأولى أيضاً، ولم يَحتج إلى ذلك المحذوف.
وقرأ الحسن وأبو رجاء: ((عُوهِدوا))(١)، وانتصاب ((عهداً) على أنه مصدر على
غير الصدر، أي: معاهدةً، ويؤيِّده أنه قرئ: ((عَهِدوا))(٢)، أو على أنه مفعول به
بتضمين ((عاهدوا)) معنى أَغْطَوا.
﴿َّذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: نَقَضَه وتَرَكَ العمل به. وأصلُ النبذ: طَرحُ ما لا يُعتدُّ
به كالنعل البالية، لكنَّه غلب فيما من شأنه أنْ يُنسى؛ لعدم الاعتداد به. ونسبةُ النبذِ
إلى العهد مجازٌ، والنبذُ حقيقة إنما هو في المتجسِّدات نحو ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
فَنَبَذْتَهُمْ فِ آلْبَةِّ﴾ [القصص: ٤٠].
والفريق: اسمُ جِنسٍ لا واحدَ له، يقع على القليل والكثير، وإنما قال: ((فريق))
لأنَّ منهم مَن لم يَنبذه.
وقرأ عبد الله: ((نقضه))، قال في ((البحر)): وهي قراءةٌ تُخالفُ سوادَ المصحف،
فالأَوْلى حَمْلُها على التفسير (٣). وليس بالقوي؛ إذ لا يَظهرُ للتفسير دون ذكر المفسَّر
خلال القراءة وجهٌ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل أن يُرادَ بالأكثر النابذون، وأنْ يُرادَ مَن(٤)
عداهم، فعلى الأول: يكونُ ذلك ردًّا لِمَا يُتوهّم أنَّ الفريقَ هم الأَقلُّون، بناء على
أنَّ المُتبادِرُ منه القليل. وعلى الثاني: ردٌّ لِمَا يُتوهَّم أنَّ مَن لم يَنبذ جهاراً يؤمنون به
سرًّا. والعطف على التقديرين مِن عَظْفِ الجمل، ويحتمل أنْ يكونَ من عطف
المفردات، بأنْ يكونَ (أكثرهم)) معطوفاً على ((فريق))، وجملة ((لا يؤمنون)) حالٌ من
(أكثرهم))، والعاملُ فيها «نبذه)).
(١) القراءات الشاذة ص٨، والبحر ٣٢٤/١، والكلام منه.
(٢) القراءات الشاذة ص٨، والمحتسب ٩٩/١ - ١٠٠، والبحر ٣٢٤/١.
(٣) البحر ٣٢٤/١، والقراءة ذكرها أيضاً الزمخشري في الكشاف ١/ ٣٠٠.
(٤) في الأصل: ما.