Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٨٣ ٢٨١ سُورَةُ الَّقَة كما تقول: أَعشَبتِ الأرض إعشاباً، أي: صارت ذاتَ عُشبٍ، فهو حينئذٍ نعتٌ المصدرٍ محذوف، أي: قولاً ذا حُسْنٍ. ﴿وَأَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ﴾: أراد سبحانه بهما ما فَرَضَ عليهم في مَّتهم؛ لأنَّ حِكايةٌ لِمَا وقع في زمان موسى عليه والسلام، وكانت زكاةُ أموالهم - كما رُوي عن ابن عباس وه - قرباناً تهبط إليها نارٌ فتحملها، وكان ذلك علامةَ القبول، وما لا تفعل النار به كذلك كان غير مُتَقبَّل. والقول بأنَّ المراد بهما هذه الصلاةُ وهذه الزكاةُ المفروضتان علينا، والخطابُ لِمَن بحضرة النبيِ ﴿﴿ من أبناء اليهود لا غير، والأمرُ بهما كِنايةٌ عن الأمر بالإسلام، أو للإيذان بأنَّ الكفّار مُخاطَبون بالفروع أيضاً = ليس بشيء كما لا يخفى. ◌ِثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعرضتُم عن الميثاق ورفضتموه، و((ثم)) للاستبعاد، أو لحقيقة التراخي، فيكون توبيخاً لهم بالارتداد بعد الانقياد مدةً مديدة، وهو أشنعُ من العصيان من الأول. وقد ذكر بعضُ المحقّقين أنَّه إذا جُعل ناصبُ الظرف خطاباً له وَّهِ والمؤمنين، فهذا التفاتٌ إلى خطاب بني إسرائيل جميعاً، بتغليب أخلافهم على أسلافهم، الجريان ذِكْرهم كلِّهم حينئذٍ على نهج الغيبة، فإنَّ الخطابات السابقةَ للأسلاف محكيَّةٌ بالقول المقدَّر قبل ((لا تعبدون)) کأنهم استُحضِرُوا عند ذِكْر جناياتهم فنُعِيتْ عليهم. وإنْ جُعل خطاباً لليهود المعاصرين، فهذا تعميمٌ للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف، كما أنه تعميم للتَّولِّي بتنزيل الأخلاف مَنزلَة الأسلاف؛ للتشديد في التوبيخ. وقيل: الالتفات إنَّما يجيء على قراءة ((لا يعبدون)) بالغيبة، وأمَّا على قراءةِ الخطاب، فلا التفات. ومِن الناس مَنْ جَعَلَ هذا الخطاب خاصًّا بالحاضرين في زمنه عليه الصلاة والسلام، وما تَقدَّم خاصاً بمَنْ تَقدَّم، وجَعَل الالتفات على القراءتين، لكنَّه بالمعنى الغير المصطلح عليه؛ لأنَّ(١) كونَ الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يَقُل به أهل المعاني، لكنه وقع مثلُه في كلام بعض الأدباء، (١) في (م): أن، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. سُورَةُ الْبَوَة ٢٨٢ الآية : ٨٣ وما ذكرناه من التغليب أولى وأحرى، خلافاً لِمَن التفت عنه. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ﴾ وهم مِن الأسلاف مَن أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومِن الأخلاف مَن أسلم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، فالقلَّة في عدد الأشخاص. وقول ابن عطية: إنه يحتمل أن تكون في الإيمان، أي: لم يبقَ حين عَصَوا وكَفَر آخرُهم بمحمد زَّهِ إلا إيمانٌ قليل، إذ لا ينفعهم(١) = لا يُقْدِم عليه إلا القليلُ ممَّن لم يُعطّ فهماً في الألفاظ العربية. ورُويَ عن أبي عمرو وغيره رفع ((قليل)﴾(٢)، والكثير المشهورُ في أمثال ذلك النصبُ؛ لأنَّ ما قبله موجب. واختلفوا في تخريج الرفع؛ فقيل: إنَّ المرفوع تأكيدٌ للضمير أو بَدَلٌ منه، وجاز لأنَّ (توليتم) في معنى النفي، أي: لم يفُوا. وقد خرَّج غيرُ واحدٍ قولَهِّ فيما صحَّ على الصحيح: ((العالَمون هَلْكَى إلَّا العالِمون، والعالِمون هَلْكَى إلّا العامِلون، والعامِلون هَلْكَى إلَّ المُخْلِصون، والمُخْلِصون على خَطَرِ عظيم))(٣)، وقولَ الشاعر: وَبِالصَّرِيمَةِ منهم مَنْزِلٌ خَلَقٌ عَافٍ تَغِيَّرَ إلّا النُّؤْيُّ والوَيِّدُ(٤) على ذلك. وقولُ أبي حيان: إنه ليس بشيء؛ إذ ما من إثباتٍ إلَّا ويُمكن تأويلُه بنفي، فيلزم جوازُ ((قام القومُ إلا زيدٌ» بالرفع على التأويل والإبدال، ولم يُجوِّزه النحويون(٥) = ليس بشيء كما لا يخفى. (١) المحرر الوجيز ١/ ١٧٣. (٢) البحر ٢٨٧/١، وهي في القراءات الشاذة ص٧ عن ابن مسعود ظه. والمشهور عن أبي عمرو النصب. (٣) ذكره الصغاني في الموضوعات ص ١٠ وقال: وهذا الحديث مفترى ملحون. وأخرج البيهقي نحوه في الشعب (٦٨٦٨) عن ذي النون المصري قوله. (٤) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ص١٦٨، ومغني اللبيب ص٣٦٣، والبحر ٢٨٨/١، والدر المصون ٤٧١/١. ووقع في الأصل و(م): النوء والوتد، والمثبت من المصادر. والصريمة: الرملة المتقطعة. والنؤي: حفيرة تحفر حول الخباء والخيمة لئلا يدخل المطر. شرح أبيات المغني للبغدادي ٥/ ١٢٧ . (٥) البحر ٢٨٣/١. الآية : ٨٣ ٢٨٣ سُورَةُ الْبَقَدَةِ وقيل: إنَّ ((إلا)) صفة بمعنى ((غير)) ظَهَرَ إعرابُها فيما بعدها، وقد عقد سيبويه لذلك باباً في ((كتابه))(١) فقال: هذا بابُ ما يكون فيه ((إلَّا)) وما بَعْدَها وصفاً بمنزلةٍ ((غير)) و((مثل))، وذكر من أمثلة هذا الباب: لو كان معنا رجلٌ إلا زيدٌ لغُلِينًا، و﴿لَوْ كَنَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقوله: أنیخَتْ فأَلقَتْ بَلدً فوقَ بلدةٍ قليلٍ بها الأَصواتُ إلَّا بُخَامُها(٢) وخرَّج جمْعٌ جميعَ ما سلف على هذا. وفيه أنَّ ذلك - فيما نحن فيه - لا يستقيم إلَّا على مذهب ابن عصفور، حيث ذهب إلى أنَّ الوصف بـ ((إلا)) يُخالف الوصف بغيرها من حيثُ إنَّه يُوصَف بها النكرة والمعرفة، والظاهرُ والمضمَر، وأمَّا على مَذْهب غيره - وهو ابن شاهين بالنسبة إليه، من أنه لا يوصفُ بها إلَّا إذا كان الموصوف نَّكِرةً أو معرفةً بلام الجنس - فلا. والمُبرِّد يَشترطُ في الوصف بها صلاحیةً البدل في موضعه. وقيل: إنه مبتدأ خبرُه محذوف، أي: لم يتولَّوا(٣)، ولا يَرِدُ عليه شيءٌ ممَّا تقدَّم، إلّا أنَّ فيه كلاماً سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السََّجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]. » جملةٌ معترِضةٌ، أي: وأنتم قومٌ عادتكم الإعراضُ ﴿وَأَنْتُمُ مُعْرِشُونَ والتولِّي عن المواثيق، ويُؤخذُ كونُه عادتَهم من الاسمية الدالَّةِ على الثبوت. وقيل: حالٌ مؤكِّدة، والتولِّي والإعراضُ شيءٌ واحد، ويجوزُ فصلُ الحال المؤكِّدة بَالواو عند المحقّقين. وفرَّق بعضهم بين التولِّي والإعراض، بأنَّ الأولُ قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراضُ هو الانصرافُ عن الشيء بالقلب. وقيل: إنَّ التولِّي أنْ يَرجع عَودُه إلى بَدْئه، والإعراض أن يَتْرُكَ المنهج، ويأخذ في عُرْض الطريق، والمتولِّي أقربُ أمراً من المُعْرِض؛ لأنه متى عَزَم سَهُل عليه العَود إلى سلوك المنهج، والمُعرِضُ حيث تَرَك المنهج وأخذ في عُرْض الطريق (١) ٣٣٠/٢-٣٣١، والكلام من البحر ٢٨٧/١-٢٨٨. (٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ١٠٠٤، والكتاب ٣٣٢/٢، والخزانة ٤٢٠/٣. والبلدة الأولى: الصدر، والثانية: الأرض، أي: أُبْركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. (٣) في الأصل و(م): يقولوا، والمثبت من البحر ٢٨٨/١، والدر المصون ١/ ٤٧١. سُورَةُ الَّزَة ٢٨٤ الآية : ٨٤ يحتاج إلى طلب منهجه فيَغْسر عليه العود إليه . ومن الناس مَن جوَّز أنْ يكون ((معرضون)» على ظاهره، والجملةُ حالٌ مقيِّدة، أي: لَمْ يتولَّ القليلُ وأنتم مُعْرِضون عنهم ساخطون لهم، فيكون في ذلك مزيدُ توبيخِ لهم ومَدْحِ(١) للقليل، وهو (٢) بعيدٌ، كالقول بأنها مقيِّدةٌ، ومتعلِّق التولِّي والإعراضِ مُختَلِفٍ، أي: توليتم عن(٣) المضيِّ في الميثاق، وأعرضْتُم عن اتِّباع هذا النبي وَّ. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ على نحو ما سبق في ((لا تعبدون))، والمرادُ أنْ لا يَتعرَّض بعضكم بعضاً بالقتل والإجلاء، وجعل قتل الرجل غيرَه قتل نفسِه لاتِّصاله نسباً أو ديناً، أو لأنه يُوجبه قصاصاً، ففي الآية مجازٌ، إمَّا في ضمير ((كم)) حيث عبَّر به عمَّن يَتَّصل به، أو في (تسفكون)) حيث أُريدَ به ما هو سبب السفك. وقيل: معناه: لا ترتكبوا ما يُبيحُ سَفْك دمائكم وإخراجَكم من دياركم، أو: لا تفعلون ما يُرديكم ويَصرفُكم عن لذَّات الحياة الأبدية، فإنه القتل في الحقيقة، ولا تقترفوا ما تُمنعون به عن الجنة التي هي دارُكم. وليس النفي في الحقيقة جلاءَ الأوطان، بل البعد عن(٤) رياض الجنان، ولعلَّ ما يساعده سياقُ النَّظْمِ الكريم هو الأول. والدماء: جمع دم، معروف وهو محذوفُ ((اللام))، وهي ((ياء)) عند بعضٍ، لقوله: جَرَى الدَّمَيَانِ بالخَبَرِ اليقِينِ(٥) وواوٌ عند آخرين لقولهم دَمَوان، ووزنه فَعْل أو فَعَل، وقد سُمِع مقصوراً وكذا مشدّداً. (١) في الأصل و(م): ومدحاً، والمثبت هو الجادة. (٢) في (م): فهو. (٣) في (م): على. (٤) في (م): من. (٥) وصدره: فلو أنَّا على حجر ذُبحنا، والبيت لعلي بن بدال كما في أمالي الزَّجَّاجي ص ٢٠، والخزانة ٧/ ٤٨٢، ونسبه البصري في الحماسة ٤٠/١ للمثقب العبدي، ونسب لغيرهما كما ذكر البغدادي، غير أنه رجح نسبته لعلي بن بدَّال. الآية : ٨٤ ٢٨٥ سُؤَدَةُ الْبَّكَقَة وقرأ طلحةُ وشعيبٌ: (تَسْفُكون)) بضم الفاء (١)، وأبو نَهيِك بضمِّ التاء وفَتْحِ السين وكَسْرِ الفاء مُشدَّدَةٍ (٢)، وابنُ أبي إسحاق كذلك إلَّا أنه سَكَّن السين وخَفَّفَ الفاء(٣) ٠ ﴿قُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق، واعترفتُم بلزومه خَلفَاً بعد سَلَفٍ، فالإقرارُ ضدُّ الجَحْد، ويَتعدَّى بالباء، قيل: ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء على حاله من غير اعترافٍ به، وليس بشيء إذ لا يُلائمه حينئذٍ. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾﴾ حالٌ مؤكِّدةٌ دافعةٌ (٤) احتمالَ أن يكونَ الإقرار ذِكْرُ أمرٍ آخر لكنَّه يقتضيه، ولا يجوزُ العطف لكمال الاتِّصال، ولا الاعتراضُ؛ إذ لیس المعنى: وأنتم عادتُكم الشهادة، بل المعنى على التقييد. وقيل: وأنتم أيها الموجودون تَشهدون على إقرار أسلافكم، فيكون إسنادُ الإقرار إليهم مجازاً وضُعِّف بأنَّه(٥) يكون حينئذٍ استبعادُ القتل والإجلاء منهم مع أنَّ أخْذَ الميثاقِ والإقرارَ کان من أسلافهم لاتِّصالهم بهم نسباً وديناً، بخلافٍ ما إذا اعتبر نسبة الإقرار إليهم على الحقيقة، فإنه يكون بسبب إقرارهم وشهادتهم، وهو أبلغُ في بيان قُبْحٍ(٦) صنيعهم. وادَّعى بعضهم أنَّ الأظهر أنَّ المراد: أقررتُم حالَ كونكم شاهدين على إقراركم، بأنْ شَهِدَ كلُّ أحدٍ على إقرار غيره كما هو طريق الشهادة، ولا يخفى انحطاط المبالغة حينئذٍ. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ نزلت - كما في ((البحر))(٧) - في بني فَينُقاع (١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٤٢، والمحرر الوجيز ١٧٣/١، والبحر ٢٨٩/١، وشعيب هو ابن أبي حمزة، أبو بشر الأموي مولاهم، الحمصي، الكاتب. السير ١٨٧/٧. (٢) المحرر الوجيز ١٧٣/١، والبحر ٢٨٩/١، وأبو نهيك هو عثمان بن نهيك الأزدي الفراهيدي البصري. تهذيب التهذيب ٥٩٩/٤. (٣) البحر ٢٨٩/١. (٤) في (م): رافعة. (٥) في (م): بأن. (٦) في (م): قبيح. (٧) ٢٩١/١. : سُورَةُ الَقَة ٢٨٦ الآية : ٨٥ ونبي قُريظة وبني النضير من اليهود. كان بنو فَينُقاع أعداءَ بني قريظة، وكانت الأوسُ حلفاءَ بني قَينُقاع، والخزرجُ حلفاء بني قريظةً والنضير، والأوسُ والخَزْرِجُ أخوان، وبنو قريظة والنضير أخوان، ثم افترقوا فصارت بنو النضير حلفاءَ الخزرج، وبنو قريظةَ حلفاءَ الأوس، فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قَصَّ الله تعالى، فعيَّرهم الله تعالى بذلك. و((ثم)) للاستبعاد في الوقوع، لا للتَّراخي في الزمان؛ لأنه الواقع في نَفْس الأمر، كما قيل به(١). و(أنتم)) مبتدأ، و((هؤلاء)) خبرُه، على معنى: أنتم - بعد ذلك المذكورِ من الميثاق والإقرارِ والشهادة - هؤلاء الناقضون، كقولك: أنت ذلك الرجلُ الذي فَعَل كذا، وكان مُقتضى الظاهر: ثم أنتم بعد ذلك التوكيدِ في الميثاق نقضتُم العهد فتقتلون أنفسكم .... إلخ، أي: صفتُكم الآن غيرُ الصفة التي كنتم عليها، لكنْ أُدخل ((هؤلاء)) وأُوقِع خبراً ليُفيد أنَّ الذي تغيَّر هو الذات نفسُها، نعياً عليهم لشدَّةِ وكادةٍ(٢) الميثاق ثم تساهُلِهم فيه، وتَغييرُ الذات فُهِم من وَضْع اسم الإشارة الموضوع للذات موضعَ الصفة، لا مِنْ جَعْل ذات واحدٍ في خطابٍ واحدٍ مخاطباً وغائباً، وإلا لفُهم ذلك من نحو ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوٌْ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] أيضاً، وصحَّ الحَمْلُ مع اعتبار التغيُّر؛ لأنه ادِّعائي وفي الحقيقة واحد، وعُدُّوا حضوراً مشاهدين باعتبار تعلُّق العلم بما أُسند إليهم من الأفعال المذكورة سابقاً، وغُيَّباً باعتبار عدم تعلّق العلم بهم؛ لِمَا سيُحْكَى عنهم من الأفعال بعدُ، لا لأنَّ المعاصي تُوجب الغَيبة عن عز (٣) الحضور: إذ المناسبُ حينئذٍ الغيبةُ في ((تقتلون)) ((وتُخرجون))، قاله السيالكوتي. و﴿تَقْتُلُونَ﴾: إما حالٌ والعامل فيه معنى الإشارة، أو بيان، كأنه لمَّا قيل: (ثم أنتم هؤلاء)) قالوا: كيف نحن؟ فجيء بـ ((تقتلون)) تفسيراً له. ويحتمل أنْ تُجعل مفسِّرةً لها من غير تقديرٍ سؤال. وذهب ابن كيسان وغيرُه إلى أنَّ ((أنتم)) مبتدأ، و((تقتلون)) الخبر و(«هؤلاء)) (١) قوله: به، ليس في الأصل. (٢) في (م): وكادت، وهو تصحيف. (٣) في (م): غير. ٠١٥٢٠ ٠ ١٢٥ الآية : ٨٥ ٢٨٧ سُوَّةُ الْبََّقَة تخصيصٌ للمخاطبين لمَّا نُبِّهوا على الحال التي هم عليها مقيمون، فيكون إذ ذاك منصوباً بأعني، وفيه أن النحاة نصُّوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة، والمستقرُّ من لِسان العرب أنه يكون بـ ((أيَّتها))؛ كـ: اللهمَّ اغفر لنا أيتها العصابة، وبالمعرَّف باللام كـ: نحن العربَ أَقْرى الناسِ للضيف، أو الإضافة كـ (نحن معاشرَ الأنبياء لا نورث))(١) وقد يكون بالعَلَم ک : بنا تميماً يُكْشَفُ الضَّباب(٢) وأكثر ما يأتي بعد ضميرٍ مُتكلُّم، وقد يَجيءُ بعد ضمير المخاطَب، كـ: بِكَ اللهَ نرجو الفضلَ. وقيل: ((هؤلاء)) تأكيدٌ لغوي لـ ((أنتم))، فهو إمَّا بدل منه، أو عظفُ بيانٍ عليه، وجَعْلُه من التأكيد اللفظيِّ بالمرادِفِ تَوهُّمٌ، والكلامُ على هذا خالٍ عن تلك النكتة. وقيل: ((هؤلاء)) بمعنى الذين، والجملة صِلتُه، والمجموعُ هو الخبر، وهذا مبنيٌّ على مذهب الكوفيين، حيث جَوَّزوا كونَ جميع أسماء الإشارة موصولةً، سواء كانت بعد ((ما)) أو لا، والبصريون يخصُّونه إذا وقعت بعد ((ما)) الاستفهامية، وهو المصحَّح، على أنَّ الكلام يصير حينئذٍ من قبيل: أنا الذي سمَّتْني أمِّي حَيْدَرَةُ (٣) (١) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٢٧٥) من حديث عمر ته بلفظ: ((إنا معاشرَ ... ))، وهو عند أحمد (٤٢٥)، والبخاري (٦٧٢٨)، ومسلم (١٧٥٧) دون قوله: ((إنا معاشر الأنبياء)). قال الحافظ في الفتح ٨/١٢: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ نحن، لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ: ((إنَّا معاشر ... )) أخرجه عن محمد بن منصور عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه . (٢) في الأصل و(م): الضبابا، والمثبت من المصادر، والرجز لرؤية كما في الكتاب ٢٣٤/٢، والخزانة ٤١٣/٢، وهو في ملحقات ديوانه ص١٦٩ وقبله: راحت وراح كعصا السَيْساب. قال البغدادي: بنا متعلق بقوله: يكشف، وقدم للحصر، والمعنى: بنا تكشف الشدائد في الحروب وغيرها . (٣) وعجزه: كليثٍ غاباتٍ كريهِ المَنْظَرَه، والبيت لعليٍّ ◌َلُه، وورد ضمن حديث طويل في فتحِ سُورَةُ الَفَة ٢٨٨ الآية : ٨٥ وهو ضعيف، كما قاله الشهاب(١). وقرأ الحسن: ((تُقتِّلون)) على التكثير، وفي تفسير المهدويِّ أنَّها قراءة أبي نَهِيك(٢). ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَكِهِمْ﴾ عطفٌ على ما قبله، وضميرُ ((ديارِهم)) للفريق، وإيثارُ الغيبة مع جواز دياركم - كما في الأول - للاحتراز عن توهُّم کون المراد إخراجَهم من ديار المخاطَبين من حيث [هي] (٣) ديارُهم لا ديارُ المخرجين. ﴿َتَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُذْوَنِ﴾ حال من فاعل ((تُخْرِجون)) أو من مفعوله، قيل: أو من كليهما؛ لأنه لاشتماله على ضميرهما يبيِّن هيئتهما، والمعنى على الأول: تَخْرِجون متظاهرين عليهم، وعلى الثاني: تُخرجون فريقاً مُتَظَاهَراً عليهم، وعلى الثالث: تخرجون واقعاً التظاهر منهم عليهم. والتظاهر: التعاون، وأصلُه من (الظّهْر)) كأنَّ المتعاونَيْنِ يُسند كلُّ واحدٍ منهما ظهره إلى صاحبه. و ((الإثم)): الفعل الذي يَستحقُّ عليه صاحبه الذَّ واللَّوم. وقيل: ما تَنفر منه النفس ولا يَطمئنُّ إليه القلب، وفي الحديث: ((الإثم ما حاك في صدرك)) (٤). وهو مُتعلِّقٌ بـ ((تظاهرون)) حالٌ من فاعله، أي: مُتلبِّسين بالإثم، وكونُه هنا مجازاً عمَّا يوجبه من إطلاق المسبَّب على سببه كما سمِّيت الخمر إثماً في قوله: شَربتُ الإثمَ حتى ضلَّ عَقلِي كذاكَ الإثمُّ تذهبُ بالعُقولِ(٥) ممَّا لا يدعو إليه داعٍ. و((العُدْوان)): تَجاوزُ الحدِّ في الظلم. وقرأ عاصمٌ وحمزةٌ والكسائيُّ: ((تَظَاهرون)) بتخفيف الظاء(٦)، وأصلُه بتاءين = خيبر، أخرجه أحمد (١٦٥٣٨)، ومسلم (١٨٠٧) عن سلمة بن الأكوع ظُه. (١) في الحاشية ٢/ ١٩٧ . (٢) البحر ١/ ٢٩١، والقراءة عن الحسن في المحرر الوجيز ١٧٤/١. (٣) ما بين حاصرتين زيادة من تفسير أبي السعود ١٢٥/١، والكلام منه. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٦٣١)، ومسلم (٢٥٥٣) عن النواس بن سمعان . (٥) البيت في الصحاح (أثم)، واللسان (أثم)، والبحر ٢٩١/١. (٦) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢، وقرأ بها خلف من العشرة. الآية : ٨٥ ٢٨٩ سُورَةُ الْبَيْرَة حُذفت ثانيتُهما عند أبي حيان وأولاهما عند هشام (١)، وقرأ باقي السبعة بالتشديد على إدغام التاء في الظاء. وأبو حيوة: ((تُظَاهِرُون)) بضمِّ التاءُ وكَسْرِ الهاء، ومجاهد وقتادة باختلافٍ عنهما: (تَّهَّرون)) بفتح التاء والظاء والهاء مشدَّدتين دون ألف، ورُويت عن أبي عمرو أيضاً، وبعضهم: ((تتظاهرون)) على الأصل(٢). ﴿وَإِن يَأْتُكُمْ أُسَكَرَى تُقَدُوهُمْ﴾: أي: تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر: (تَفْدوهم))(٣) وعليه حَمَل بعضٌ قراءة الباقين؛ إذ لا مُفاعَلَةً. وفرَّق جمْعٌ بين فادَى وفَدَى، بأن معنى الأول: بادَلَ أسيراً بأسیر، والثاني: جمع الفداء، ويُمگّر علیه قول العباس څه: فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً، إذ من المعلوم إنه ما بادل أسيراً بأسير. وقيل: ((تفادوهم)) بالعنف، و((تفدوهم)) بالصلح. وقيل: ((تفادوهم)): تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم، ومنه قولهُ: قِفِي فادِي أَسبرَكِ إنَّ قَوْمي وقَومَك لا أَرى لهُمُ احتِفَالا(٤) وقال أبو علي: معناه لغة: تُطلِقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئاً. وأراه هنا کسابقه في غاية البعد. والقول بأن معنى الآية: وإن يأتوكم أُسارى في أيدي الشياطين تتصدَّون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ، مع تضييعكم أنفسكم، إلى البطون أقرب كما لا يخفى. والأسارى: قيل: جمع أسير بمعنى مأسور، وكأنهم حملوا أسيراً على كسلان (١) في الأصل و(م): هاشم، والمثبت من البحر ٢٩١/١، وهو هشام بن معاوية الضرير النحوي الكوفي صاحب الكسائي، المتوفى سنة (٢٠٩هـ). إنباه الرواة ٣٦٤/٣. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٧، والبحر ٢٩١/١، والكلام منه. (٣) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢. (٤) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ص٣١. سُورَةُ الْبَقَة ٢٩٠ الآية : ٨٥ فجمعوه جَمْعَه، كما حملوا كسلان عليه، فقالوا كَسْلى، كذا قال سيبويه(١)، ووجهُ الشَّبَه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرُّفه للأسر، والكسلان محبوس عن ذلك لعادته. وقيل: إنه مجموعٌ كذا ابتداءً من غير حَمْل، كما قالوا في قديم: قُدامى. وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية، خلافاً لبعضهم، حيث زعم أن الفتح هو الأصل، والضم ليزداد قوةً. وقيل: جمع أسرى، وبه قرأ حمزة(٢)، وهو جمع أسير كجريح وجَرْحَى، فيكون أُسارى جمع الجمع، قاله المفضَّل. وقال أبو عمرو: الأسرى مَن في اليد، والأُسارى مَن في الوثاق(٣). ولا أرى فرقاً، بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقاً أَسْرَى وأُسارى. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: حال من فاعِل ((تخرجون فريقاً)) أو مفعولِه بعد اعتبار التقييد بالحال السابقة، وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَأْتُوَكُمْ﴾ اعتراضٌ بينهما لا معطوفٌ على ((تظاهرون))، لأنَّ الإتيان لم يكن مقارناً للإخراج، وقيِّد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد دون القتل للاهتمام بشأنه لكونه أشدَّ منه ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. وقيل: لا بل لكونه أقلَّ خطراً بالنسبة إلى القتل، فكأنه(٤) مظنة التساهل، ولأنَّ مساق الكلام لذمِّهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم، وذلك مختصٍّ بصورة الإخراج، إذ لم يُنقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قِصاص، وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق. وقيل: النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده ((لا تخرجون أنفسكم)» بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل، أنهم امتثلو حكماً في (١) في الكتاب ٢٠٥/٣. (٢) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢. (٣) أبو عمرو هو ابن العلاء، وكلامه في النكت والعيون ١٥٥/١. (٤) في (م): فكان. الآية : ٨٥ ٢٩١ سُورَةُ الْبَقَة باب المخرج وهو الفداء، وخالفوا حكماً وهو الإخراج، فجَمَعَ مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به ((أفتؤمنون)) إلخ أشدَّ اتصال، ويتَّضحَ كفرُهم بالبعض وإيمانُهم بالبعض كمالَ اتِّضاح، حيث وقع في حقِّ شخصٍ واحدٍ. والضمير للشأن، والجملةُ بعدَه خبرُه، وقيل: خبره ((محرَّمٌ)) و((إخراجُهم)) نائب فاعل، وهو مذهب الكوفيين، وتبعهم المَهْدويّ، وإنما ارتكبوه لأنَّ الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ، فلا يجيزون: قائمٌ زيدٌ، على أن يكون قائم خبراً مقدماً، والبصريون يُجَوِّزون ذلك، ولا يجيزون هذا الوجه؛ لأن ضمیر الشأن لا يُخبر عنه عندهم إلا بجملة مُصرَّحٍ بجزأيها . وقيل: إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضاً، و((محرم)) خبره، و((إخراجهم)) بدلُ منه مفسِّرٌ له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم مَن منعه، وأجازه الكسائي. وقيل: راجع إلى الإخراج المفهوم من ((تخرجون))، و((إخراجهم)) عطف بيان له، أو بدل منه، أو من ضمير («محرم))، وضُعِّف بأنه بَعْدَ عودِه إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه . ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون ((هو)) ضمير فصل، وقد تقدم مع الخبر، والتقدير: وإخراجُهم هو محرَّمٌ عليكم، فلمَّا قُدِّم خبر المبتدأ عليه قُدم ((هو)) معه، ولا يجوِّزه البصريون، لأن وقوع الفصل بين معرفةٍ ونكرةٍ لا تُقَارِبُ المعرفة لا يجوز عندهم، وتَوسُّطه بين المبتدأ والخبر، أو بين ما هما أصله، شرطٌ عندهم أيضاً. ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره (١). ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ﴾: عطف على ((تقتلون))، أو على محذوف، أي: أتفعلون ما ذكر ((فتؤمنون)) إلخ، والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى؛ إذ العهد كان بثلاثة أشياء: ترك القتل، وترك الإخراج، ومفاداة الأسارى. فقتلوا، وأخرجوا على خلاف العهد، وفدوا (١) المحرر الوجيز ١٧٥/١ وفيه: وقيل: ((هو) الضمير المقدر في ((محرم)) قدِّم وأُظهر. وينظر الكلام عليه في البحر ٢٩٢/١-٢٩٣، والدر المصون ٤٨٧/١-٤٨٨. سُورَةُ الْبَدَة ٢٩٢ الآية : ٨٥ بمقتضاه. وقيل: المواثيق أربعة، فزيد: ترك المظاهرة. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية، أنَّ عبد الله بن سلام مرَّ على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب، ولا يفادي مَن وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أمَا إنه مكتوبٌ عندك في كتابك أنْ فادوهنَّ کلّهن(١). وروى محيي السنة(٢) عن السُّدِّي: أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضُهم بعضاً، ولا يُخرج بعضُهم بعضاً من ديارهم، وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه. ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة، مع دلالةٍ صريحٍ التوراة عليها، لكن ما في ((الكشاف))(٣) من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟! فقالوا: أُمرنا بالفداء، وحرِّم علينا القتال، لكنَّا نستحي من حلفائنا. يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال، فإطلاق الكفر حينئذ على فِعْلِ ما حرِّم: إمَّا لأنه كان في شرعهم كفراً، أو أنه للتغليظ، كما أطلق على ترك الصلاة ونحوِه ذلك في شرعنا . والقول: بأن المعنى: أتستعملون البعض وتتركون البعض، فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار، لا اعتبار به، كالقول بأن المراد بالبعض المؤمَّن به نبوة موسى عليه السلام، والبعض الآخر نبوة نبينا وَله. ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾: الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمانِ ببعض، أو إلى ما فعلوه من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى. والجزاءُ: المقابلة، ويطلق في الخير والشر. والخِزْي: الهوان، والماضي: خَزِيَ بالكسر، وقال ابن السِّكِّيت(٤): معنى خزي: وقع في بلية، (١) تفسير الطبري ٢١٢/٢، ورأس الجالوت هو رئيس اليهود، كما أن الأسقف رأس النصارى، والموبذ رئيس المجوس. ثمار القلوب للثعالبي ص٣٢٢. (٢) هو البغوي في تفسيره ١/ ٩١ .. (٣) ٢٩٤/١. (٤) في إصلاح المنطق ص٤١٢، ونقله المصنف عن الصحاح (خزي). الآية : ٨٥ ٢٩٣ سُؤَةُ البَّفْقَة وخَّزِي الرجل خّزاية: إذا استحى، وهو خَزْيان، وقوم خَزَايا، وامرأة خَزْبًا. والمراد به هنا: الفضيحةُ والعقوبة، أو ضربُ الجزية غابرَ الدهر، أو غَلَبةُ العدو، أو قتلُ قريظةً وإجلاءُ النضير من منازلهم إلى أريحا وأَذْرِعات. وقد رُوي عن ابن عباس ﴿يَا أنه قال: كان عادة بني قريظة القتل، وعادة بني النضير الإخراج، فلما غلب رسول الله وفي أجلى بني النضير، وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم. وتنكير الخزي للإيذان بفظاعة شأنه، وأنه بلغ مبلغاً لا يُكتَنَّه(١) كُنْهُه، ومن هنا لم يخصَّه بعضُهم ببعض الوجوه، وادعى أنَّ الأظهر ذلك، وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض، أيِّ بعضٍ كان، ولذلك أفردها، وحينئذ يتناول الكَفَرة بنبوة محمد وَّر، ونظيره مَن يفعل جميع ذلك. و ﴿الدُّنْيَا﴾ مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن واو ولا يحذف منها الألف واللام إلا قليلا، وخصَّه أبو حيان في الشعر(٢). و﴿ما﴾: نافية، و﴿مَن﴾: إن جعلت موصولة فلا محل لـ ((يفعل)) من الإعراب، وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها. و﴿مِنكُمْ﴾ حال من فاعل ((يفعل). و﴿إِلَّا خِىٌ﴾: استثناء مفرَّغ وقع خبراً للمبتدأ، ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور، ونُقل عن يونس إجازتُه في الخبر بعد ((إلَّا)) كائناً ما كان، وقال بعضهم: إن كان ما بعد ((إلا)) هو الأول في المعنى، أو منزَّلٌ منزلته، لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزَّلاً منزلة الأول، وإن كان وصفاً أجاز فيه الفرَّاء النصب، ومنعه البصريون، وحكي عنهم أنهم لا يجوِّزون النصب في غير المصادر إلا أن يُعرف المعنى، فيُضمر ناصب حينئذ، وتحقيقه في محله. ﴿وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَّ أَشَدِّ الْتَذَّابِ﴾: أي: يصيرون إليه، فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب. وقد يراد بالرد: الرجوع إلى ما كانوا فيه، كما في قوله (١) في (م): يكنه، وكلاهما صواب. (٢) البحر المحيط ٢٩٢/١. سُورَةُ الْبَّنَة ٢٩٤ الآية : ٨٥ تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أَمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وكأنهم كانوا في الدنيا أو في القبور في أشد العذاب أيضاً، فرُدُّوا إليه. والمراد به الخلود في النار، وأَشَدِّيتُه من حيث إنه لا انقضاء له، أو المراد: أشد جميع أنواع العذاب، ولكن بالنسبة إلى عذابٍ مَن لم يفعل هذا العصيان؛ لأنَّ عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَِئَةٌ مِثْلُهَاْ﴾ [الشورى: ٤٠]، ويدلُّ على ما قررناه قوله تعالى: ﴿مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾، فلا يَرِدُ ما أورده الإمام الرازي أنه: كيف يكون عذاب اليهود أشدَّ من الدهرِيَّة المنكرين للصانع(١)؟ ولا يفيد ما قيل: لأنهم كفروا بعد معرفتهم أنه كتاب الله تعالى، وإقرارِهم وشهادتهم. إذ الكافر الموحِّد كيف يقال: إنه أشدُّ عذاباً من المشرك، أو النافي للصانع؟! وإن كان كفره(٢) عن علم ومعرفة. وضمير ((يردُّون)) راجع إلى ((مَن))، وأُوثرَ صيغة الجمع نظراً إلى معناها بعد ما أُوثر الإفراد نظراً إلى لفظها، لِمَا أن الرد إنما يكون بالاجتماع، وغيِّر السَّبْكَ حيث لم يقل مثلاً: وأشدُّ العذابِ يومَ القيامة؛ للإيذان بكمال التنافي بين جزاءَي النشأتين، وتقدیمُ اليوم على ذِكْر ما يقع فيه؛ لتهويل الخَطْب وتفظيع الحال من أول الأمر. وقرأ الحسن وابن هُرْمُز باختلاف عنهما، وعاصمٌ في رواية المفضَّل: (تُرَدُّون)) على الخطاب(٣)، والجمهورُ على الغيبة، ووجه ذلك أنَّ ((يردون)) راجع إلى ((مَن يفعل))، فمَن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة ((مَن))، ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله في (منكم))، لا أن الضمير حينئذٍ راجع إلى ((كُم)) كما وهم. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾: اعتراض وتذييل لتأكيد الوعيد المستفاد مما قبله، أي: إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من القبائح، التي من جملتها هذا المنكر، والمُخاطَب به مَن كان مخاطباً بالآية قبل. ورُوي عن عمر ظُبه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مَضَوْا، وأنتم تُعْنَوْن بهذا (١) تفسير الرازي ٣/ ١٧٤ . (٢) في الأصل: كفرهم. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/١، والمحرر الوجيز ١٧٧/١ عن الحسن وابن هرمز، وذكر رواية المفضل عن عاصم البيضاوي ١٦٨/١، وهي قراءة شاذة كما في حاشية الشهاب ١٩٨/٢. التفسير الإشاري (٨٥-٨٦) ٢٩٥ سُورَةُ الْبَّكْوَة يا أمة محمد وبما يجري مجراه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر: ﴿يَعْمَلُونَ﴾: بالياء على أنَّ الضمير لـ ((مَن))، والباقون بالتاء من فوق(١). ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾: أي: آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة، وأعرضوا عنها مع تمكّنهم من تحصيلها . ﴿فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعودون به يوم القيامة، أو مطلَقُ العذابِ دنيويًّا كان أو أخرويًّا ﴿وَلَا هُمْ يُصَرُونَ ﴾﴾: بدفْع الخزي إلى آخر الدنيا. أو بدفع الجزية في الدنيا والتعذيب في العقبى. وعلى الاحتمال الأول في الأمرين يستفاد نفي دفع العذاب من نفي تخفيفه بأبلغ وجه وآكَدِه، ورجَّحه بعضهم بأن المقام على الثاني يستدعي تقديم نفي الدفع على نفي التخفيف. وتقديم المسند إليه لرعاية الفاصلة والتقوِّي، لا للحصر، إذ ليس المقام مقامه، ولذا لم يقل: فلا عنهم يخفف العذاب، والجملة معطوفة على الصلة، ويجوز أن يوصل الموصول بصلتين مختلفتين زماناً . وجُوِّز أن يكون ((أولئك)) مبتدأ و ((الذین)) خبره، وهذه الجملة خبرٌ بعد خبر، والفاء لِمَا أنَّ الموصول إذا كانت صلته فعلاً كان فيها معنى الشرط. وفيه أن معنى الشرطية لا يسري إلى المبتدأ الواقعة خبراً عنه. وجوِّز أيضاً أن يكون (أولئك)) مبتدأ و((الذين)) مبتدأ ثانٍ، وهذه الجملة خبرُ الثاني، والمجموع خبرُ الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأن ((الذين)) هم ((أولئك))، ولا يخفى ما فيه. هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ بميلكم إلى هوى النفس وطباعها، ومْتارَكَتكِم حياتكم الحقيقية لأجل تحصيل لذَّاتكم الدَّنيَّة ومَآربكم الدنيويَّة ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ﴾ ذواتكم من مَقارِّكم الروحانية، ورياضكم (٢) (١) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢. (٢) في م: ورياضتكم، وهو تصحيف. سُورَةُ الْبَقَة ٢٩٦ الآية : ٨٧ القدسية ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بقبولكم لذلك، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عليه باستعداداتكم الأوَّليَّة وعقولكم الفطرية، ثم ﴿أَنْتُمْ هَؤُلَاء﴾ الساقطون عن الفطرة، المُحتجبون عن نور الاستعداد [الأصلي](١) ﴿تَقْنُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ وتهلكونها بغوایتکم ومتابعتكم الهوى ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ من أوطانهم القديمة، بإغوائهم وإضلالهم وتحريضهم على ارتكاب المعاصي، تتعاونون عليهم بارتكاب الفواحش لِيَرَوكم فيتَّبعوكم فيها، وبإلزامكم إياهم رذائل القوتين البهيمية والسَّبعية، وتحريضكم لهم عليها ﴿وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَرَى﴾ في قيد ما ارتكبوه ووثاق شَيْنٍ ما فعلوه، قد أخذتهم الندامة، وعيّرتهم عقولهم وعقولُ أبناء جنسهم بما لحقهم من العار والشَّنار، تفادوهم بكلمات الحكمة والموعظة الدالة على أن اللَّذات(٢) المُستعلية هي العقليّة والروحيّة، وأنَّ اتِباع النفس مذمومٌ رديء، فَيَتَّعظوا بذلك وَيتخلَّصوا من هاتيك القيود سُويْعةً. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ ببعض كتاب العقل والشرع قولاً وإقراراً ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِّ﴾ فعلاً وعملاً، فلا تنتهون عما نهاكم عنه ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا﴾ ذلةٌ وافتضاحٌ في الحياة الدنيا، ويوم مفارقة الروح البدن ﴿يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَّابِ﴾ وهو تعذيبهم بالهيئات المظلمة الراسخة في نفوسهم، واحتراقُهم بنيرانها ﴿وَمَا اللَّهُ بِظَافِلٍ﴾ عن أفعالكم، أحصاها وضَبَطَها في أنفسكم وكتبها عليكم. ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾: شُروعٌ في بيان بعضٍ آخرَ من جناياتهم، وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار كمال الاعتناء به. والإيتاء: الإعطاء. و((الكتاب)): التوراة في قول الجمهور، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((آتينا))، وعند السُّهيليّ: مفعولٌ أول، والمراد بإتيانها له: إنزالُها عليه. وقد رُوي عن ابن عباس ﴿يَا أنَّ التوراة نزلت جملةً واحدةً، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم يُطِقْ، فبعث بكلِ حرفٍ منها مَلَكاً فلم يطيقوا حملها، فخفَّفها الله تعالى لموسى عليه السلام فحَمَلَها . وقيل: يحتمل أن يكون ((آتينا)) إلخ: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود (١) ما بين حاصرتين زيادة من تفسير ابن عربي ٦٦/١، والكلام منه. (٢) في الأصل: الذات، والمثبت من (م) وتفسير ابن عربي. الآية : ٨٧ ٢٩٧ سُؤَّةُ الْبَقَة والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، والكلام على حذفٍ مضافٍ، أي: عِلْمَ الكتاب، أو فَهْمَه، وليس بالظاهر. ﴿وَقَفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِ﴾ يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه، وقفَّاه به: إذا أَتْبعَه إياه، من القفا، وأصل هذه الياء واوٌ؛ لأنها متى وقعت رابعةً أُبدلت، كما تقول: عَرَيت، من العَرْو. أي: أرسلناهم على أثره، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتًْا﴾ [المؤمنون: ٤٤]. وكانوا إلى زمن عيسى عليه السلام أربعة آلاف، وقيل: سبعين ألفاً، وكلُّهم على شريعته عليه السلام، منهم يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيا، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم عليهم الصلاة والسلام. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر: ((بالرُّسْل)) بتسكين السين(١)، وهو لغة أهل الحجاز، والتحريكُ لغة تميم. ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ﴾ أي: الحُججَ الواضحة الدَّالة على نبوَّته، فتشمل كلَّ معجزة أوتيها عليه السلام، وهو الظاهر. وقيل: الإنجيل. وعيسى أصله بالعبرانية: إيشوع بهمزةٍ ممالة بَيْن بَيْن، أو مكسورة، ومعناه السيد، وقيل: المبارَك، فَعُرِّب، والنسبة إليه عِيسِيّ وعِيسَويّ، وجمعه: عِيسَوْن بفتح السين، وقد تُضَمّ. وأفرده عن الرسل - عليه السلام - لتميُّزه(٢) عنهم؛ لكونه من أولي العزم وصاحبَ كتاب. وقيل: لأنه ليس مُتَّبِعاً لشريعة موسى عليه السلام، حيث نَسَخ كثيراً من شريعته. وأضافه إلى أمه ردًّا على اليهود؛ إذ زعموا أنَّ له أباً. ومريم بالعبرية: الخادم، وسُمِّيت أمُّ عيسى به لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. وقيل: العابدة. وبالعربية من النساء: مَن تحب محادثة الرجال، فهي كالزير من الرجال، وهو الذي يحب محادثة النساء، قيل: ولا يناسب ((مريم)) أن يكون عربيًّا، لأنها كانت بريَّةً عن محبة محادثة الرجال، اللهم إلا أنْ يُقالَ: سُمِّيت (١) القراءات الشاذة ص٨، والمحرر الوجيز ١٧٦/١. (٢) في الأصل: لتمييزه. سُورَةُ الْبَغَة ٢٩٨ الآية : ٨٧ بذلك تمليحاً كما يسمَّى الأسود كافوراً. وقال بعض المحققين: لا مانع من تسميتها بذلك بناءً على أن شأن مَن يخدم من النساء ذلك. وفي ((القاموس)): هي التي تحبُّ محادثة الرجال، ولا تَفْجُر (١). وعليه لا بأس بالتسمية، كما ذكره المولى عصام. والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي، بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف. وعن الأزهري: المريم: المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال(٢). وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بمريم البتول. ووزنه عربيًّا مَفْعَل لا فَعْيَل؛ لأنه لم يثبت في الأبنية على المشهور، وأثبته الصاغاني في ((الذيل)) وقال: إنه مما فات سيبويه، ومنه عَثْيَر للغبار، وضَهْيد بالمهملة والمعجمة للصُّلب، واسمُ موضع، ومَذين على القول بأصالة ميمه، وضَهْيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ثدي لها، من المضاهاة، كأنها أطلق عليها ذلك لمشابهتها الرجل. وابن جني يقول: إن ضَهْيد وعَثير مصنوعان، فلا دلالة فيهما على إثبات فَعْيل(٣). وذكر السيالكوتي: أن عِثْيَر بمعنى الغبار مكسور(٤) العين. وإذا كان مَفْعلاً فهو أيضاً على خلاف القياس، إذ القياس إعلالُه بنقل حركة الياء إلى الراء وقَلْبِها ألفاً، نحو مباع، لكنه شدَّ كما شذَّ مَذْين ومَزْيد. وإذا كان من رام يَرِيم: إذا فارق وبرح، فالقياس كَسْرُ يائه أيضاً. ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾ أي: قوَّيناه بجبريل عليه السلام، وإطلاق ((روح القدس) عليه شائع، فقد قال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ، رُوحُ اَلْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقال ◌َلهُ لحسان رعظ اته (اهجهم وروح القدس معك)»(٥)، ومرة قال له: ((وجبريل معك))(٦). وقال حسان : (١) القاموس (ريم). (٢) لم نقف عليه في تهذيب اللغة للأزهري، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٩٩/٢. (٣) ينظر البحر ٢٩٧/١، التكملة والذيل والصلة للصاغاني ٢٧٣/٢، مادة (ضهد)، والخصائص لابن جني ٣١٦/٣، وحاشية الشهاب ١٩٩/٢. (٤) في م: بكسر. (٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٨٦٤٢) من حديث البراء بن عازب نظره، وأخرجه بنحوه أحمد (٧٦٤٤)، والبخاري (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥) من حديث أبي هريرة ظُه. (٦) أخرجه أحمد (١٨٥٢٦)، والبخاري (٤١٢٣)، مسلم (٢٤٨٦) من حديث البراء بن عازب طه. الآية : ٨٧ ٢٩٩ سُورَةُ الْبَيْنَة وجبريلٌ ورُوحُ القُدْسِ فينًا ورُوحُ القُدْسِ ليسَ له ◌ِفَاءٌ(١) و﴿اَلْقُدُسِ﴾ الطهارة والبركة، أو التقديس ومعناه التطهير. والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، وهي معنوية بمعنى اللام، فإذا أضيف العَلَمُ كذلك(٢) يكون مؤوَّلاً بواحد من المسمَّين به. وقال مجاهد والربيع: ((القدس)) من أسماء الله تعالى كالقدوس. وزعم بعضهم أنَّ إطلاق الروح على جبريل مجاز، لأنه الريح المتردد في مخارق الإنسان، ومعلوم أنَّ جبريل ليس كذلك، لكنه أُطلق عليه على سبيل التشبيه، من حيث إنَّ الروح سبب الحياة الجسمانية، وجبريل سبب الحياة المعنوية بالعلوم. وكأنَّ هذا الزعم نشأ من كثافة روح الزاعم، وعدم تَغْذُّيها بشيءٍ من العلوم. وخُصَّ عيسى عليه السلام بذكر التأييد بـ ((روح القدس)) لأنه تعالى خَصَّه به من وقت صباه إلى حال كبره، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلُّ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠]، ولأنه حَفِظَه حتى لم يَدْنُ منه الشيطان، ولأنه بالغ اثنا عشر ألف يهودي لقتله، فدخل عيسى بيتاً فرفعه عليه السلام مكاناً عليًّا . وقيل: ((الروح) هنا اسمُ الله تعالى الأعظم، الذي کان يحيي به الموتى، ورُوي ذلك کالأول عن ابن عباس جّ . وقال ابن زيد: الإنجيل، كما جاء في شأن القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآً إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وذلك لأنه سببٌ للحياة الأبدية، والتحلِّي بالعلوم والمعارف التي هي حياة القلوب، وانتظام المعاش الذي هو سبب الحياة الدنيوية. وقيل: روح عيسى عليه السلام نفسِه، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته عليه تعالى، ولذلك أضافها لنفسه، أو لأنه لم تضمَّه الأصلاب (١) ديوان حسان ص٨، وورد في حديث عائشة ﴿تا عند مسلم (٢٤٩٠)، ووقع في الديوان: وجبريل أمين الله فينا ... ، وعند مسلم: وجبريل رسول الله فينا ... (٢) في الأصل: لذلك. سُورَةُ الْبَكَفَة ٣٠٠ الآية : ٨٧ ولا أرحام الطوامث، بل حصل من نفخ جبريل عليه السلام في درع أمه، فدخلت النفخة في جوفها . وقرأ ابن كثير: ((القُدْس، بسكون الدال حيث وقع(١)، وأبو حيوة: ((القُدُوس)) بواو(٢). ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ﴾ مسبَّب عن قوله تعالى: ((ولقد آتينا))، بحيث لا يتمُّ الكلام السابق بدونه، كالشرط بدون الجزاء، وقد أُدخلت الهمزة بين السبب والمسبَّب للتوبيخ على تعقيبهم ذلك بهذا، والتعجيب من شأنهم، على معنى: ولقد آتينا موسى الكتاب، وأنعمنا عليكم بكذا وكذا؛ لتشكروا بالتلقِّي بالقبول، فعكستم بأن كذَّبتم. ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، والفاء للعطف على مقدَّرٍ، كأنه قيل: أفعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم، ثم المقدَّر يجوز أن يكون عبارةً عما وقع بعد الفاء، فيكون العطف للتفسير، وأن يكون غيره مثل: أكفرتم النعمة واتبعتم الهوى، فيكون لحقيقة التعقيب، وضُعِّف هذا الاحتمال بما ذكره الرضي: أنه لو كان كذلك، لجاز وقوع الهمزة في الكلام قبل أن يتقدَّمه ما كان معطوفاً عليه، ولم تجئ إلا مبنيَّة على كلامٍ متقدِّم. وفي كون الهمزة الداخلة على جملةٍ معطوفةٍ بالواو، أو الفاء، أو ثم، في محلها الأصلي، أو مقدَّمةً من تأخيرٍ، حيث إنَّ محلّها بعد العاطف، خلافٌ مشهور بين أهل العربية، وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع على هذا، وفي البعض على ذلك، بحسب مُقتضى المقام ومساق الكلام، والقلب يميل إليه. قيل: ولا يلزم بطلان صدارة الهمزة، إذ(٣) لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه، وتعلَّق معناها بمضمونه، غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول، أو لوقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ، وهذا مرادُ مَن قال: إنها مقحمةٌ مزيدةٌ لتقرير معنى الإنكار أو التقرير، أي: مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عظفه، ولم يُرِدْ أنها صلة. (١) التيسير: ص٧٤، النشر ٢١٦/٢. (٢) المحرر الوجيز ١٧٦/١ . (٣) في الأصل: إذا، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٠٠/١، والكلام منه. ٠