Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٧٦
٢٦١
سُوَّةُ الْبَقَة
توسَّعاً. وهذه الأقوالُ مبنيَّةٌ على أنَّ المراد بالمحاجَّة في الدنيا، وهو ظاهر لأنها
دار المحاجَّة، والتأويلُ في قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾.
وقيل: ((عند ربكم)) على ظاهره، والمُحاجَّة يومَ القيامة. وأعتُرض بأنَّ الإخفاء
لا يَدفع هذه المحاجَّة؛ لأنه إمَّا لأَجْلٍ أنْ لا يطَّلع المؤمنون على ما يحتجُون به،
وهو حاصلٌ لهم بالوحي، أو ليكون للمُحتجِّ عليهم طريقٌ إلى الإنكار، وذا لا يُمكن
عنده تعالى يوم القيامة، ولا يُظنُّ بأهل الكتاب أنَّهم يعتقدون أنَّ إخفاء ما في
الكتاب في الدنيا يَدفع المحاجَّة بكونه فيه في العُقبى؛ لأنه اعتقادٌ منهم بأنه تعالى
لا يعلم ما أنزل في كتابه، وهم برآء منه.
والقول بأنّ المراد: ليحاجُّوكم يوم القيامة وعند المُسائل، فيكون زائداً في
ظهور فضيحتكم، وتوبيخكم على رؤوس الأشْهاد في الموقف العظيم، فكأنَّ القوم
يعتقدون أنَّ ظهور ذلك في الدنيا يزيد ذلك في الآخرة، للفرق بين مَن اعترف
وكتم، وبين مَن ثَبَت على الإنكار، أو بأنَّ المحاجَّة بأنكم بُلُّغتُم وخالفتُم تندفع
بالإخفاء = يَرِدُ عليه أنَّ الإخفاء حينئذٍ إنَّما يَدفع الاحتجاج بإقرارهم، لا بما فتح الله
عليهم، على أنَّ المدفوع في الوجه الأول زيادةُ التوبيخ والفضيحة، لا المحاجَّة.
وقيل: ((عند ربكم)) بتقدير: من عند ربكم، وهو معمولٌ لقوله تعالى: (بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ
عَلَيْكُمْ)، وهو ممَّا لا ينبغي أن يُرتكب في فصيح الكلام.
وجوَّز الدامغاني أن يكون ((عند)) للزلفى، أي: ليحاجوكم به متقرِّبين إلى الله
تعالى، وهو بعيد أيضاً، كقول بعض المتأخّرين: إنه يمكن أن تجعل المحاجَّة به
عند الربِّ عبارةً عن المباهلة في تحقّق (١) ما يُحدثونه، وعليه تكون المحاجَّة على
مُقتضى المفاعلة.
وعندي أنَّ رجوعَ ضميرٍ ((به لـ ((ما فتح الله)) من حيثُ إنه محدَّثٌ به، وجَعْلَ
القيد هو المقصود، أو للتحديث المفهوم من ((أتحدِّثونهم)) وجَعْلَ القيد
هو المقصود، أو للتحديث المفهوم من ((أتحدِّثونهم))، وحَمْلَ ((عند ربكم)) على يوم
القيامة، والتزامَ أنَّ الإخفاء يدفع هذا الاحتجاج =ليس بالبعيد، إلا أنَّ أحداً لم
يُصرِّح به، ولعلَّه أولى من بعض الوجوه، فتدبر.
(١) في الأصل: تحقيق.

سُورَةُ الْبََ
٢٦٢
الآية : ٧٧
﴾﴾ عطفٌ إما على ((أتحدِّثونهم)) والفاء لإفادة تَرتُّبِ عدم عقْلِهم
﴿أَفَلَا نَعْقِلُونَ
على تحديثهم، وإمَّا على مقدَّر، أي: ألا تتأمَّلون فلا تعقلون، والجملةُ مؤكِّدَةٌ
لإنكار التحديث، وهو من تمام كلام اللَّائمين، ومفعولهُ إما ما ذُكر أولاً، أو
لا مفعول له، وهو أبلغ.
وقيل: هو خطابَّ من الله تعالى للمؤمنين، مثَّصلٌ بقوله تعالى: (أَفَظْمَعُونَ)
والمعنى: أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود، وأنْ لا مَطمع في إيمانهم، وهم على
هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة. ويُبعده قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ فإنه
تجهيلٌ لهم منه تعالى فيما حكى عنهم، فيكون توسيط خطاب المؤمنين في أثنائه من
قبيل الفصل بين الشجرة ولحائها، على أنَّ في تخصيص الخطاب بالمؤمنين تعسُّفاً
ما، وفي تعميمه للنبيِّ ◌َّل سوء أدب كما لا يخفى.
والاستفهام فيه للإنكار مع التقريع؛ لأنَّ أهل الكتاب كانوا عالِمين بإحاطة
عِلْمِه تعالى، والمقصودُ بيانُ شناعةٍ فِعْلِهم بأنَّهم يفعلون ما ذُكر مع علمهم ﴿أَنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا يُبِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٨)﴾ وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الآتي بالمعصية مع العلم
بكونها معصيةً أعظمُ وزراً. والواو للعطف على مقدَّرٍ ينساقُ إليه الذهن، والضمير
للموبِّخين، أي: يلومونهم على التحديث المذكور مخافة المُحاجَّة، ولا يعلمون
ما ذكر. وقيل: الضمير للمنافقين فقط، أو لهم وللموبِّخين، أو لآبائهم المحرِّفين.
والظاهرُ حَمْلُ ما في الموضعَين على العموم، ويدخل فيه الكفرُ الذي أَسرُّوه،
والإيمانُ الذي أعلنوه، واقتصر بعض المفسرين عليهما .
وقيل: العداوة والصَّداقة.
وقيل: صفته ◌َّيه* التي في التوراة المنزلة، والصِّفة التي أظهروها افتراءً على الله
تعالى.
وقدَّم سبحانه الإسرار على الإعلان، إمّا لأنَّ مرتبةَ السرِّ متقدِّمةٌ على مرتبةٍ
العَلَن، إذ ما من شيءٍ يُعلَنُ إلا وهو - أو مَباديه - قبل ذلك مُضْمَرٌ في القلب يتعلَّق
به الإسرار غالباً، فتعلّقُ عِلْمِه تعالى بحالته الأولى متقدّمٌ على تعلَّقه بحالته الثانية.
وإمَّا للإيذان بافتضاحهم ووقوعِ ما يَحْذَرونه من أول الأمر.
وإمَّا للمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع الأشياء، كأنَّ عِلْمَه
بما يسرُّون أقدمُ منه بما يعلنونه، مع كونهما في الحقيقة على السَّوية، فإنَّ علمه

الآية : ٧٨
٢٦٣
سُورَةُ الْبَرَة
تعالى ليس بطريق حصول الصورة، بل وجودُ كلِّ شيء في نفسه علمٌ بالنسبة إليه
تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ولا الكامنة، وعكس
الأمر في قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىِّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُعَاسِبْكُمْ بِ الَّهُ ﴾
[البقرة: ٢٨٤] لأنَّ الأصل فيما تتعلَّق المحاسبة به هو الأمور البادية دون الخافية.
وقرأ ابن محيص: ((أولا تعلمون))، بالتاء(١)، فيحتمل أن يكون ذلك خطاباً
للمؤمنين أو خطاباً لهم، ثم إنه تعالى أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة
إهمالاً لهم، ويكون ذلك من باب الالتفات.
﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان قبائح جَهَلة اليهود إثْر
بيان شنائع الطوائف السَّالفة. وقيل عطفٌ على ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]
وعليه الجمع. وقيل: على ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾. واختار بعض المتأخّرين أنّه وهذا الذي
عُطفَ عليه اعتراضٌ وقع في البَيْنِ لبيان أصناف اليهود، استطراداً لأولئك
المحرِّفین.
والأميون: جمع أُمِّيٍّ، وهو كما في ((المُغْرِب)): مَن لا يكتب ولا يقرأ، منسوبٌ
إلى أمَّة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون(٢)، أو إلى الأمّ بمعنى أنه
كما ولدته أمُّه، أو إلى أمّ القرى؛ لأن أهلها لا يكتبون غالباً، والمراد أنهم جَهَلة.
و((الكتاب)): التوراة، كما يقتضيه سباقُ النظم وسياقه، فاللَّام فيه إمّا للعهد، أو أنه
من الأعلام الغالبة، وجَعْلُه مَصْدرَ كَتَبَ كتاباً، واللامُ للجنس، بعيد. وقرأ ابن
أبي عبلة: ((أُمْيون)) بالتخفيف(٣).
﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾ جمع أُمْنيَّةَ، وأصلُها أُمْنُويَة: أُفْعُولَة، وهو في الأصل ما يُقدِّره
الإنسان في نفسه، من مَنَى: إذا قدَّر، ولذلك تُطلق على الكذب وعلى ما يُتمنَّى
وما يُقرأ، والمرويُّ عن ابن عباس ومجاهد ﴿ه: أنَّ الأمانيَّ هنا: الأكاذيب،
أي: إلا أكاذيبَ أخذوها تقليداً من شياطينهم المحرِّفين.
(١) القراءات الشاذة ص٧.
(٢) المُغْرِب في ترتيب المُعْرِب للمطرِّزي ٤٥/١ .
(٣) أي: بتحفيف الميم، كما في المحرر الوجيز ١٦٩/١، والبحر ٢٧٥/١. ونصَّ السمين في
الدر المصون ٤٤٥/١ على أنها بتخفيف الياء، ثم قال: كأنه استثقل تَوَاليَ تضعِيفينِ.

سُورَةُ الْبَرَ
٢٦٤
الآية : ٧٨
وقيل: إلا ما هم عليه من أمانيِّهم أنَّ الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم،
ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأنَّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.
وقيل: إلا مواعيد مجرَّدةً سمعوها من أحبارهم، من أنَّ الجنة لا يدخلها إلا مَن
كان هوداً، وأنَّ النار لا تمسُّهم إلا أياماً معدودة. واختاره أبو مسلم. والاستثناءُ
على ذلك منقطعٌ؛ لأنَّ ما هم عليه من الأباطيل، أو سمعوه من الأكاذيب، ليس من
الكتاب.
وقيل: إلا ما يقرؤون قراءةً عاريةً عن معرفةِ المعنى وتدبُّرِهِ. فالاستثناءُ حينئذٍ
متَّصِلٌ بحَسَب الظاهر. وقيل: منقطع أيضاً؛ إذ ليس ما يُتلى من جنس علم
الكتاب. واعتُرض هذا الوجه بأنه لا يُناسب تفسيرَه الآتي بما في «المُغرب)).
وأُجيب بأنَّ معناه أنه لا يقرأ من الكتاب ولا يَعلم الخط، وأمَّا على سبيل
الأخذ من الغير، فكثير (١) من الأمِّين ما يقرؤون من غير علم بالمعاني، ولا بصُوَر
الحروف. وفيه تكلّف؛ إذ لا يُقال للحافظ الأعمى: إنه أمِّيٍّ. نعم، إذا فُسِّر الأُميُّ
بمَن لا يُحسِنُ الكتابة والقراءة - على ما ذهب إليه جَمْعٌ - لا يُنافي أن يَكتب ويقرأ
في الجملة. واستُدل على ذلك بما رَوى البخاريُّ ومسلم(٢): أنَّ رسول الله وَّهِ يومَ
صلح الحديبية أخذ الكتاب - وليس يُحْسِنُ الكَتْبَ - فكتب: ((هذا ما قاضى عليه
محمد بن عبد الله)) إلخ. ومَن فسَّر الأمِّيَّ بما تقدَّم، أوَّلَ الحديث بأنَّ: ((كتب)) فيه
بمعنى: أَمَر بالكتابة، وأطال بعض شُرَّاح الحديث الكلام في هذا المقام، وليس
هذا محلّه.
وقرأ أبو جعفر والأعرج، وابن جماز عن نافع، وهارون عن أبي عمرو:
((أمَانِيَ)) بالتخفيف(٣).
(١) في (م): فكثيراً.
(٢) صحيح البخاري (٤٢٥١)، وصحيح مسلم (١٧٨٣): (٩٢)، وأخرجه أحمد (١٨٦٣٥)،
وهو من حديث البراء بن عازب عليه.
(٣) النشر ٢١٧/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٢٧٦/١، والمشهور عن نافع وأبي عمرو
التشديد. وابن جماز هو سليمان بن مسلم بن جماز أبو الربيع المدني، قرأ على أبي جعفر
يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، وقرأ أيضاً على نافع واعتمد على حرفه وشاركه في
الأخذ عن بعض شيوخه. معرفة القراء الكبار ٢٩٣/١.

الآية : ٧٩
٢٦٥
سُورَةُ الَقَة
١﴾: الاستثناء مفرَّغ، والمستثنى محذوفٌ أقيمت صفتُه
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
مقامه، أي: ما هم إلا قومٌ قُصارى أمرهم الظنُّ من غير أن يَصِلوا إلى مرتبة العلم،
فأنَّى يُرجى منهم الإيمان المؤسَّس على قواعد اليقين. وقد يُطلق الظنُّ على ما يقابل
العلم اليقينيَّ عن دليل قاطع، سواء قطع بغير دليل، أو بدليلٍ غيرٍ صحيح، أو لم
يقطع، فلا ينافي نسبة الظنِّ إليهم إن كانوا جازمين.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْنُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ الويل: مصدرٌ لا فِعْلَ له من لفظه،
وما ذُكِر من قولهم: وَأَلَ، مصنوع كما في البحر(١)، ومثلُه: وَيْحِ ووَيْب ووَيْس
ووَيْه وعَوْل، ولا يُثَنَّى ولا يُجْمع. ويقال: ويلة ويُجْمع على ويلات. وإذا أضيف
فالأحسن فيه النصب، ولا يجوز غيرُه عند بعضٍ، وإذا أفردتَه اختيرَ الرفع. ومعناه:
الفضيحة والحسرة، وقال الخليل: شدة الشر. والمفضل(٢): الحزن. وغيرهما:
الهلكة. وقال الأصمعي: هي كلمةُ تفجُّع وقد تكون ترخُّماً، ومنه: ((ويلُ امِّهِ مِسعَرَ
حرب))(٣)، وورد من طرقٍ صحَّحها الحفّاظ عن رسول الله وَّ ر أنه قال: ((الويل وادٍ
في جهنّم يهوي به الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره))(٤). وفي بعض الروايات:
(إنه جبل فيها))(٥). وإطلاقه على ذلك إمَّا حقيقةٌ شرعية، وإمَّا مجازٌ لغويٌّ من
(١) ٢٧٠/١.
(٢) في الأصل و(م): وابن المفضل، والمثبت من البحر ٢٧٠/١، والنكت والعيون ١٥١/١
وهو الصواب، والمفضل بن سلمة لغوي أديب له تصانيف في معاني القرآن والآداب وقد
أخذ عن ابن الأعرابي وغيره من المشاهير، ومات بعد التسعين ومئتين. السير ٣٦٢/١٤.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٨٩٢٨)، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) عن المسور بن
مخرمة ومروان بن الحكم. قوله: ((ويلُ امِّه))، قال الحافظ في الفتح ٥/ ٣٥٠: بضم اللام
ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة. وقوله: ((مِسْعَرَ حرب)) بكسر الميم وسكون السين وفتح
العين وبالنصب على التمييز. وهو ما تحرك به النار من آلة الحديد، يصفُه بالمبالغة في
الحرب والنجدة. النهاية (سعر).
(٤) أخرجه أحمد (١١٧١٢)، والترمذي (٢٥٧٦) من طريق درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد
الخدري له، عن النبي ◌َّه به، وإسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.
قال الترمذي: حديث غريب.
(٥) أخرجه الطبري ١٦٤/١ من حديث عثمان بن عفان له، وقال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: غريب جدًّا.

سُورَةُ الْبَحَة
٢٦٦
الآية : ٧٩
إطلاق لفظ الحال على المحلِّ، ولا يمكن أن يكون حقيقةً لغوية؛ لأنَّ العرب
تكلَّمت به في نظمها ونثرها قبل أن يجيء القرآن، ولم تطلقه على ذلك.
وعلى كلِّ حالٍ هو هنا مبتدأُ خبرُه («اللَّذين))، فإنْ كان عَلَماً - لِمَا في الخبر -
فظاهر، وإلا فالذي سوَّغ الابتداء به كونُه دعاءً، وقد حُوِّل عن المصدر المنصوب
للدلالة على الدوام والثبات، ومثلُه يجوز فيه ذلك لأنه غيرُ مُخبرٍ عنه. وقيل:
لِتَخَصُّص النكرة فيه بالداعي، كما تخصَّص سلامٌ في: سلامٌ عليك، بالمسلِّم، فإنَّ
المعنى: سلامي عليك، وكذلك المعنى هاهنا: دعائي عليهم بالهلك ثابتٌ لهم.
والكتابة معروفة، وذَكَر الأيدي تأكيداً لدفع توهُّم المجاز، ويقال: أولُ مَن
كتب بالقلم إدريس، وقيل: آدمُ عليهما السلام.
والمراد بـ ((الكتاب): المحرَّف، وقد روي أنهم كتبوا في التوراة ما يدلُّ على
خلاف صورة النبيِّ وَّهِ، وبثُّها في سفهائهم وفي العرب، وأَخْفَوا تلك النُّسخ التي
كانت عندهم بغير تبديل، وصاروا إذا سئلوا عن النبي ◌َّ ه يقولون: ما هذا هو
الموصوف عندنا في التوراة، ويُخرجون التوراة المبدَّلة ويقرؤونها، ويقولون: هذه
التوراة التي أُنزلت من عند الله.
ويحتمل أن يكون المراد به: ما كتبوه من التأويلات الزَّائغة(١)، وروَّجوه على
العامَّة.
وقد قال بعض العلماء: ما انفكَّ كتابٌ مُنزَلٌ من السماء مِن تضمُّن ذِكْر
النبيِّ ◌َّه، ولكن بإشارة لا يعرفُها إلا العالِمون، ولو كان متجلِّياً للعوامٌ لَمَا عُوتب
علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضاً بنقله من لسانٍ إلى لسان، وقد وُجِد في
التوراة ألفاظٌ إذا اعتَبرْتَها وجدتها دالَّةً على صحة نبؤَّته عليه الصلاة والسلام،
بتعريضٍ هو عند الراسخين جَليٍّ، وعند العامَّة خفيٍّ، فعَمَد إلى ذلك أحبارٌ من
اليهود فأوَّلوه، وكتبوا تأويلاتهم المحرَّفةَ بأيديهم.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ إعظاماً لشأنه وتمكيناً له في قلوب أتباعهم الأمِّيين.
و (ثم) للتراخي الرُّتْبي، فإنَّ نسبة المحرَّف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحاً أشدُّ
(١) في الأصل: الزائفة.

الآية : ٧٩
٢٦٧
سُورَةُ الْبَنَة
شناعةً من نَفْس التحريف والتأويل. والإشارةُ إمّا إلى الجميع، أو إلى الخصوص.
﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلاً﴾: أي: ليُحصِّلوا بما أشاروا إليه غرضاً من أغراض
الدنيا الدنيئة، وهو - وإن جلَّ - أقلُّ قليلٍ بالنسبة إلى ما استوجبوه من
العذاب الدائم، وحُرِمُوه من الثواب المقيم. وهو علَّةٌ للقول، كما في ((البحر))(١).
ولا أرى في الآية دليلاً على المنع مِن أَخْذِ الأجرة على كتابة المصاحف،
ولا على كراهية بيعها، والأعمش تَأوَّلَ الآية واستدلَّ بها على الكراهة، وطَرْفُ
المُنْصِفِ أعمى عن ذلك، نعم ذهب إلى الكراهة جمعٌ منهم ابن عمر ◌ًا، وبه قال
بعضُ الأئمة، لكنْ لا أظنُّهم يستدلُّون بهذه الآية، وتمامُ البحث في محله.
﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَبْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مَِّّا يَكْسِبُونَ (٦)﴾ الفاء لتفصيل ما أُجملَ
في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ) إلخ، حيث يدلُّ على ثبوت الويل للموصوفين
بما ذُكِر لأجْل اتصافهم به بناءً على التعليق بالوصف من غير دلالة على أنَّ ثبوته
لأجل مجموع ما ذُكِر، أوْ لا بل كل واحدٍ، فبيَّن ذلك بقوله: (فَوَيْلٌ لَّهُم) إلخ، مع
ما فيه من التنصيص بالعلَّة، ولا يخفى ما في هذا الإجمال والتفصيل من المبالغة في
الوعيد والزَّجْرِ والتهويل.
و ((من)) تعليليةٌ متعلِّقة بـ ((ويل))، أو بالاستقرار في الخبر. و ((ما)) قيل: موصولةٌ
اسميةٌ والعائدُ محذوف، أي: كتَبَتْه. وقيل: مصدرية. والأولُ أَدْخَلُ في الزجر عن
تعاطي المحرَّف، والثاني في الزجر عن التحريف. و((ما)) الثانية مثلها. ورجّح
بعضهم المصدريةَ في الموضعين لفظاً ومعنىّ لعدم تقدير العائد، ولأنَّ مكسوبَ
العبد حقيقةً فعلُه الذي يُعاقب عليه ويُئاب.
وذكر بعضُ المحقّقين: أنَّ التحقيق أنَّ العبد كما يُعاقب على نفس فِعْلِه يُعاقِب
على أَثَرٍ فعله؛ لإفضائه إلى حرام آخر، وهو هنا يُفضي إلى إضلال الغير وأكلٍ
الحرام، وغايَرَ بين الآيتين بأنه بيَّن في الأولى استحقاقَهم العقابَ بنفس الفعل،
وفي الثانية استحقاقَهم له بأثره، ولذا جاء بالفاء. ولا يخفى أنه كلامٌ خالٍ عن
التحقيق، كما لا يخفى على أرباب التدقيق.
(١) ٢٧٧/١.

سُورَةُ الََّة
٢٦٨
الآية : ٨٠
وممَّا ذكرنا ظهر فائدة ذِكْر الويل ثلاثَ مرات. وقيل: فائدتُه أنَّ اليهود جَنَوا
ثلاثَ جنايات: تغييرَ صفة النبيِّ نَّه، والافتراءَ على الله تعالى، وأخذَ الرشوة،
فهُدِّدوا بكلِّ جنايةٍ بالويل، وكأنه جعل محظّ الفائدة في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ) إلى
آخر المعطوف، كما في خبرٍ: ((لا يَؤُمَّنَّ الرجل قوماً فيخصَّ نفسَه بالدعاء)»(١)، وهو
على بُعْدِهِ لا يَظْهَرُ عليه وجهُ إيرادِ الفاءِ في الثاني.
ثم الظاهرُ أنَّ مفعول الكَسْبِ حاصلٌ، وهو ما دلَّ عليه سياقُ الآية. وقيل:
المراد بـ ((ما يكسبون)): جميعُ الأعمال السيئة ليشملَ القول. ولا يخفى بُعدُه. وعدمُ
التعرُّضِ للقول لِمَا أنَّه من مبادي ترويج ما كتبت أيديهم.
والآيةُ نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة
النبيِّ ◌َّر على حالها، فغيَّروها. وقيل: خاف ملوكهم على مُلْكهم إذا آمن الناس،
فرشوهم فحرَّفوا .
والقول بأنها نزلت في الذين لم يؤمنوا بنبيٍّ ولم يتّبعوا كتاباً، بل كتبوا بأيديهم
كتاباً وحلَّلوا فيه ما اختاروا، وحرَّموا ما اختاروا، وقالوا: هذا من عند الله = غيرُ
مَرْضيٍّ، كالقول بأنها نزلت في عبد الله بن سرح كاتبٍ النبيِّ وَِّ، كان يغيرِ القرآن
فارتدٌ.
﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَبَّامًا تَعْدُودَةٌ﴾: جملةٌ حاليةٌ معطوفةٌ على قوله
تعالى: (وَقَّدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) عند فريق منهم، وعند آخرين على (وَإِذْ قَلْتُمْ) عطف
قصة على قصة. واختار بعض المحققين: أنها اعتراضٌ لردِّ ما قالوا حين أُوعِدُوا -
على ما تقدم - بالويل، بل جميعُ الجمل عنده من قوله تعالى: (أَفَظَمَعُونَ) إلى قوله
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ) إلخ، ذُكِر استطراداً بين القصتين المعطوفتين، فالضميرُ في
((قالوا)) عائدٌ على ((الذين يكتبون الكتاب)).
والمسُّ: اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة، وذكر
(١) أخرجه أحمد (١٢١٥٢) من حديث أبي أمامة ظه. وأخرجه أحمد (٢٢٤١٥)، والترمذي
(٣٥٧) وحسنه من حديث ثوبان ظُه. وأخرجه بنحوه أبو داود (٩١) من حديث
أبي هريرة څ.

الآية : ٨٠
٢٦٩
سُورَةُ الْبَدَ
الراغب أنَّه كاللَّمس، لكنَّ اللمس قد يُقال لطلب الشيء وإنْ لم يوجد؛ كقوله:
وأَلْمُهُ فلا أَجِدُهُ(١)
والمرادُ من ((النار)): نارُ الآخرة، ومن ((المعدودة): المحصورة القليلة، وكَنَّى
بالمعدودة عن القليلة لِمَا أنَّ الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينِهِ، تُصوّرُ القليلَ
مُتَيسِّرَ العددِ والكثيرَ مُتعسِّرَه، فقالوا: شيء معدود، أي: قليل. وغيرُ معدود، أي:
كثير. والقول بأنَّ القلَّة تُستفاد من أنَّ الزمان إذا كثر لا يُعدُّ بالأيام، بل بالشهور
والسَّنةِ والقرن، يُشْكِلُ بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾
[البقرة: ١٨٣-١٨٤] وبقوله سبحانه: ﴿وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [البقرة: ٥١].
وروي عنهم: أنَّهم يعذَّبون أربعين يوماً عددَ عبادتهم العجلَ، ثم ينادَى:
أَخْرِجوا كلَّ مختونٍ من بني إسرائيل. وفي رواية: أنهم يُعذّبون سبعة أيام، لكلِّ
ألفٍ سنة من أيام الدنيا يوم، وهي سبعة آلاف سنة.
وروي عن ابن عباس : أنَّهم زعموا أنَّهم وَجدوا مكتوباً في التوراة: إنَّ
ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقُّوم، وأنهم
يَقطعون في كلِّ يومٍ مسيرةً سنة فيكملونها، وقد قالوا ذلك حين دخل النبيُّ وَّ
المدينة وسمعه المسلمون، فنزلت هذه الآية.
﴿قُلْ أَنَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ تبكيتٌ لهم وتوبيخ، والعهدُ مجازٌ عن خبره تعالى
أو وَعْدِه بعدم مَساس النارِ لهم سوى الأيامِ المعدودة، وسمَّى ذلك عهداً لأنه أَوْكَدُ
من العهود المؤكَّدةِ بالقسم والنذر.
وفسَّره قتادة هنا بالوعد مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قوله
سبحانه: ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٥ -٧٧].
واعتُرض بأنه لا وجهَ للتخصيص؛ فإنَّ: ((لن تمسَّنا)) إلخ، فرعُ الوعد والوعيد؛
لأنَّ مساس النار وعید.
(١) مفردات الراغب (مسس)، والبيت في الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١/ ٤٧، وشرح ديوان
الحماسة للمرزوقي أيضاً ١٦٨/١، وللتبريزي ١٨٤/٢، وصدره: أُلامُ على تَكِّيهِ.

سُوَرَّةُ الْبَكْرَة
٢٧٠
الآية : ٨٠
وأُجيب بأنه إنَّما لم يتعرَّض للوعيد؛ لأنَّ المقصود بالاستفهام الوعد لا الوعيد؛
فإنه ثابت في حقهم.
ورُوي عن ابن عباس ﴿ه أنَّ معنى الآية: هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم
وأطعتم، فتَستدلَّون بذلك وتعلمون خروجكم من النار؟ ويَؤُولُ إلى: هل أسلفتم
عند الله أعمالاً توجب ما تدَّعون؟ والمعنى الأولُ أظهر.
وقرأ ابن كثير وحفصٌ بإظهار الذال، والباقون بإدغامه(١). وحذفت من
(اتخذتُم))(٢) همزةُ الوصل لوقوعها في الدَّرْجِ.
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَةٌ﴾: جواب شرطٍ مقدَّر، أي: إن انَّخذتُم عند الله عهداً
فلن يُخلِف، وقدَّره العلّامة: إن كنتم اتخذتم؛ إذ ليس المعنى على الاستقبال، وهو
مبنيٌّ على أنَّ حرف الشرط لا يُغيِّر معنى ((كان))، وفيه خلافٌ معروف، فإن قلت:
لا يصح جَعْلُ ((فلن يخلف الله)) جزاءً؛ لامتناع السببية والترتَّبِ لكون ((لن)» لمحض
الاستقبال. قلت: ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله:
قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنَا ثم القُفولُ فقد جئنا خراسانا(٣)
ولو سلِّم فقد ترتّب على انِّخاذ العهد الحكمُ بأنَّه لا يُخلِف العهد فيما يستقبل
من الزمان فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. كذا
أفاده العلّامة.
والجوابُ الأول مبنيٌّ على أنَّ الفاء الفصيحة لا تُنافي تقديرَ الشرط، وأنها تُفيد
كونَ مَدْخولها مسبّباً(٤) عن المحذوف سواء تَرتَّبَ عليه أو تَأخَّرَ؛ لتوقُّفه على أمر
آخر، بدليلٍ أنَّ قوله: فقد جئنا خراسانا، عَلَمٌ عندهم في الفصيحة مع كونه بتقدير
الشرط وعدم الترتُّب، كما في ((شرح المفتاح)) الشريفي.
(١) التيسير ص ٤٤، والنشر ١٥/٢.
(٢) في (م): اتخذ.
(٣) البيت للعباس بن الأحنف، كما في دلائل الإعجاز للجرجاني ص ٩٠، وهو في حاشية
الشهاب ١٩٢/٢ دون نسبة.
(٤) في (م): سبباً، وهو تصحيف.

الآية : ٨٠
٢٧١
سُورَةُ الإِفَة
ومَبْنَى الثاني على أنَّ المراد حكمُهم لا حكمه تعالى حين النزول. ولخفاء ذلك
قال المولى عصام: الأظهر أنه دليلُ الجزاء وُضع موضعه، أي: إن كنتم اتخذتُم
عند الله عهداً فقد نجوتم؛ لأنه لن يُخلف الله عهده. فافهم.
ومن الناس مَن لا يُقدِّر محذوفاً ويجعلُ الفاء سببيةً؛ ليكون اتخاذُ العهد مترتِّباً
عليه عدمُ إخلاف الله تعالى عهده، ويكون المنكَرُ حينئذٍ المجموع، فتفطّن، وهذه
الجملةُ كما قال ابن عطية: اعتراضية بين ((اتخذتم)) والمعادل(١). فلا موضع لها في
الإعراب.
وإظهارُ الاسم الجليل للإشعار بعلَّة الحكم، فإنَّ عدم الإخلاف(٢) من قضية
الألوهية، والعهدُ مضافٌ إلى ضميره تعالى لذلك أيضاً، أو لأنَّ المراد به جميعُ
عهوده لعمومه بالإضافة، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقُّق
مضمون كلامهم، وإن كان معلّقاً على الاتخاذ المعلَّق بحبال العدم.
واستَدلَّ بالآية مَن ذهب إلى نفي الخُلف في الوعد والوعيد بحَمْلِ العهد على
الخبر الشامل لهما. وادَّعى بعضهم أنَّ العهد ظاهرٌ في الوعد بل حقيقةٌ عُرْفيةٌ فيه،
فلا دليلَ فيها على نفي الخُلْفِ في الوعيد.
﴿َ نَغُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ (أم)) يحتمل أن تكون متَّصلةً للمعادلةِ
بين شيئين، بمعنى: أيُّ هذين واقع: اتخاذُكم العهدَ، أم قولُكم على الله
ما لا تعلمون، وأخرج (٣) ذلك مُخْرَجَ المتردّد في تعيينه على سبيل التقرير لأولئك
المخاطَّبين(٤)؛ لعِلْم المستفهِم وهو النبيُّونَ ﴿ بوقوع أحدهما - وهو قولُهم
بما لا يعلمون - على التعيين، فلا يكون الاستفهامُ على حقيقته، ويُعلم من هذا أنَّ
الواقع بعد ((أم)) المثَّصلةِ قد يكون جملة؛ لأنَّ التسوية قد تكون بين الحُكْمین،
وبهذا صرَّح ابن الحاجب في ((الإيضاح)).
(١) المحرر الوجيز ١٧١/١، وينظر البحر ٢٧٨/١.
(٢) في (م): الاختلاف، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١/ ١٢١،
والكلام منه .
(٣) في (م): وخرج، والمثبت من الأصل والبحر ٢٧٨/١ والكلام منه.
(٤) أي: حملهم على الإقرارا به. حاشية الشهاب ٢/ ١٩٢ .

سُورَةُ الْبَّرَة
٢٧٢
الآية : ٨١
ويحتمل أن تكون منقطعةً بمعنى بل [والهمزة](١)، والتقدير: بل أتقولون،
ومعنى بل فيها: الإضرابُ، والانتقالُ من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد
همزتُها من التوبيخ على القول.
وظاهرُ كلام صاحب ((المفتاح)»(٢) تعيُّنُ الانقطاع، حيث جَعَلَ علامةَ المنقطعة
كونَ ما بعدها جملةً.
وإنما علَّق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه وتعالى ما لا يعلمون وقوعَه، مع أنّ
ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدمَ وقوعه = للمبالغة في التوبيخ، فإنَّ
التوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على الأعلى بطريقِ الأَوْلى، وقولُهم المحكيُّ
وإن لم يكن صريحاً بالافتراء عليه جلَّ شأنه، لكنَّه مستلزمٌ له؛ لأنَّ ذلك الجزم
لا یکون إلا بإسناد سببه إليه تعالی.
﴿بَلَّ مَنْ كَبَ سَيْئَةُ وَأَحَتْ بِهِ، خَطِيَتُهُ، فَأُوْلَبَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴾﴾ جوابٌ عن قولهم المحكيّ، وإبطالٌ له على وجهٍ أعمَّ، شاملٍ لهم
ولسائر الكفرة، كأنه قال: بلى(٣) تمسُّكم وغيرَكم دهراً طويلاً وزماناً مديداً،
لا کما تزعمون، ویکون ثبوتُ الکلِّيَّة کالبرهان علی إبطال ذلك بجعله کبری
الصغرى سهلةِ الحصول، فـ ((بلى)) داخلةٌ على ما ذُكر بعدها، وإيجازُ الاختصار أبلغُ
من إيجاز الحذف. وزَعَم بعضهم أنها داخلة على محذوف، وأنَّ المعنى: بلى
تَمسُّكم أياماً معدودة. وليس بشيء.
وهي حرفُ جواب؛ كجَيْرِ ونعم، إلا أنَّها لا تقع جواباً إلا لنفي متقدِّم، سواء
دَخَلَه استفهامٌ أم لا، فتكون إيجاباً له، وهي بسيطة. وقيل: أصلها بل، فزيدت
عليها الألف.
والكَسْب: جلبُ النفع. والسيئةُ: الفاحشة الموجبة للنار؛ قاله السدي. وعليه
تفسيرُ مَن فسَّرِها بالكبيرة؛ لأنها التي تُوجِبُ النارَ، أي: يستحقُّ فاعلُها النارَ إن لم
يُغفر له. وذهب كثيرٌ من السلف إلى أنها هنا الكفرُ.
(١) زيادة من البحر ٢٧٨/١، والدر المصون ٤٥٥/١، وحاشية الشهاب ٢/ ١٩٢.
(٢) مفتاح العلوم للسكاكي ص١١٩ .
(٣) في (م): بل.

الآية : ٨١
٢٧٣
سُورَةُ الَقَة
وتعليق الكسب بالسيئة على طريقة التهكم، وقيل: إنهم بتحصيل السيئة
استجلبوا نفعاً قليلاً فانياً، فبهذا الاعتبار أوقع عليه الكسب.
والمراد بالإحاطة: الاستيلاءُ والشمول وعمومُ الظاهر والباطن. والخطيئةُ:
السيئة. وغُلِّبت فيما يُقصد بالعَرَض، أي: لا يكون مقصوداً في نفسه، بل يكون
القصد إلى شيء آخر، لكن تولَّد منه ذلك الفعل، كمَن رمى صيداً فأصاب إنساناً،
وشرب مُسْكراً فجنى جناية، قال بعض المحقّقين: ولذلك أضاف الإحاطة إليها،
إشارةً إلى أنَّ السيئات باعتبارٍ وصفِ الإحاطة داخلةٌ تحت القصد بالعَرَض؛ لأنها
بسبب نسيان التوبة، ولكونها راسخةً فيه متمكِّنّةً حال الإحاطة أضافها إليه، بخلاف
حال الكسب فإنها متعلَّقُ القصدِ بالذات وغير حاصلة فيه، فضلاً عن الرسوخ، فلذا
أضاف الكسب إلى ((سيئة)) ونگَّرها .
وإضافة الأصحاب إلى النار على معنى المُلازَمة؛ لأنَّ الصحبة وإن شملت
القليل والكثير لكنَّها في العرف تُخَصُّ بالكثرة والملازَمة، ولذا قالوا: لو حلف مَن
لاقی زیداً أنه لم یصحبه لم يحنث.
والمراد بالخلود: الدوام، ولا حُجَّة في الآية على خلود صاحب الكبيرة؛ لأنَّ
الإحاطة إنَّما تصحُّ في شأن الكافر؛ لأنَّ غيره إن لم يكن له سوى تصديقٍ قلبه
وإقرارٍ لسانه، فلم تُحِظ خطيئته به لكون قلبه ولسانه منزَّهاً عن الخطيئة، وهذا
لا يتوقّف على كون التصديق والإقرار حسنتين، بل على أنَ لا يكونا سيِّئتين،
فلا يَرِدُ البحث بأنَّ الخصم يجعل العمل شرطاً لكونهما حسنتين، كما يُجعل
الاعتقادُ شرطاً لكون الأعمال حسنات، فلا يتمُّ عنده أنَّ الإحاطة إنما تصحُّ في
شأن الكافر، ولا يحتاج إلى الدفع بأنَّ المقصود أنه لا حُجَّة له في الآية، وهذا يتمُّ
بمجرَّد كون الإحاطة ممنوعةً في غير الكافر، فلو ثبت أنَّ العمل داخل في الإيمان
صارت الآية حُجَّة، ودون إثباته خَرْطُ القتاد.
ثم إنَّ نفي الحُجِّية بحَمْلِ الإحاطة على ما ذُكر، إنما يُحتاج إليه إذا كانت السيئة
والخطيئة بمعنى واحد، وهو مطلق الفاحشة، أمّا إذا فُسِّرت السيئة بالكفر أو

سُورَةُ الْبَّكْرَة
٢٧٤
الآية : ٨١
الخطيئة به حَسْبَما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ًا، وأبي هريرة بَ لُبه،
وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع(١)، فنفي الحُجِّية أظهرُ من
نارٍ على علم.
ومن الناس مَن نفاها بحَملِ الخلود على أصل الوضع؛ وهو اللبثُ الطويل،
وليس بشيء؛ لأنَّ فيه تهوينَ الخَطْبِ في مقام التهويل، مع عدم ملائمته حَمْلَ
الخلود في الجنة على الدوام.
وكذا لا حُجَّة في قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) إلخ، بناءً على ما زعمه
الجُبَّائي حيث قال: دلَّت الآية على أنه تعالى ما وعد موسى ولا سائرَ الأنبياء بعده
بإخراج أهل الكبائر والمعاصي من النار بعد التعذيب، وإلا لَمَا أَنكر على اليهود
بقوله تعالى: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ) إلخ، وقد ثبت أنه تعالى أَوْعَدَ العصاة بالعذاب زجراً لهم
عن المعاصي، فقد ثبت أن يكون عذابهم دائماً، وإذا ثبت في سائر الأمم وجب
ثبوته في هذه الأمة، إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم إذا كان قَدْرُ المعصية
واحداً = لأنَّ ما أَنكر الله عليهم جزمَهم بقلَّة العذاب لا انقطاعه(٢) مطلقاً، على أنَّ
ذلك في حقِّ الكفار لا العصاة كما لا يخفى.
و ((مَن)) تَحْتَمِلُ أن تكون شرطيةً، وتحتملُ أن تكون موصولةً، والمسوِّغاتُ
لجواز دخول الفاء في الخبر إذا كان المبتدأ موصولاً موجودةٌ، ويُحسِّن الموصوليةَ
مجيءُ الموصول في قَسِيمه(٣).
وإيرادُ اسم الإشارة المنبئ عن استحضار المشار إليه بما لَه من الأوصاف
للإشعار بعلِيتَّها لصاحبية(٤) النار، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتهم في
الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاةً لجانب المعنى في كلمة
(مَن) بعد مراعاةٍ جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة؛ لِمَا أنَّ ذلك هو المناسب لِمَا
أسند إليهم في تَينك الحالتين، فإنَّ كسبَ السيئةِ وإحاطةَ الخطيئة به في حالة
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٥٧-١٥٨، وتفسير الطبري ١٧٩/٢ - ١٨٠.
(٢) في (م): لانقطاعه، وهو تصحيف، والكلام من تفسير الرازي ١٤٣/٣.
(٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾.
(٤) في الأصل: لمصاحبية.

الآية : ٨٢
٢٧٥
سُورَةُ الْبََّة
الإفراد، وصاحبيَّةُ النار في حالة الاجتماع. قاله بعضُ المحقّقين (١)، ولا يخلو عن
حُسْنِ.
وقرأ نافع: ((خطيئاتُه))(٢). وبعضٌ: ((خطاياه))(٣) و((خَطِيَّتُه))، و((خَطِيَّاتُه)) بالقلب
والإدغام(٤). واستحسنوا قراءة الجمع بأنَّ الإحاطة لا تكون بشيء واحد، ووُجّهت
قراءة الإفراد بأنَّ الخطيئة وإن كانت مفردةً لكنَّها لإضافتها متعددةٌ، مع أنَّ الشيء
الواحد قد يحيط كالحلقة، فلا تغفل.
﴿وَأَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الَّذَلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ لمَّا
ذكر سبحانه أهل النار وما أعدَّ لهم من الهلاك، أَتبع ذلك بذكر أهل الإيمان وما أعدّ
لهم من الخلود في الجنان، وقد جرت عادته جلَّ شأنه على أن يَشفَع وعدَه بوعيده،
مراعاةً لِمَا تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى.
وقيل: إنَّ في الجمع تربيةَ الوعيد بذكر ما فات أهلَه من الثواب، وتربيةَ الوعد
بذكر ما نجا منه أهله من العقاب.
وعَظْفُ العمل على الإيمان يدلُّ على خروجه عن مسمَّاه، إذ لا يُعطف الجزء
على الكلِّ، ولا يدلُّ على عدم اشتراطه به حتى يدلَّ على أنَّ صاحب الكبيرة غيرُ
خارج عن الإيمان، وتكون الآية حجةً على الوعيدية، كما قاله المولى عصام.
فإن قلت: للمخالف أنْ يقول: العطف للتشريف؛ لكون العمل أشقَّ وأحمزَ من
التصديق، وأفضلُ الأعمال أحمزها(٥).
أُجيب بأنَّ الإيمان أشرفُ من العمل لكونه أساسَ جميع الحسنات، إذ الأعمال
ساقطةٌ عن درجة الاعتبار عند عدمه.
ويخطر في البال أنَّه يمكن أن يكون لذكر العمل الصالح هنا مع الإيمان نكتةٌ،
(١) هو أبو السعود في تفسيره ١٢٢/١.
(٢) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٣) الكشاف ٢٩٢/١، والبحر ٢٧٩/١.
(٤) القراءتان في تفسير البيضاوي ١٦٦/١، وتفسير أبي السعود ١/ ١٢٢.
(٥) أي: أقواها وأشدُّها. النهاية (حمز).

سُورَةُ الْبَرَة
٢٧٦
الآية : ٨٣
وهو أن يكون الإيمان في مقابلة السيئة المفسَّرة بالكفر عند بعض، والعملُ الصالح
في مقابلة الخطيئة المفسَّرة بما عَدَاه.
والمرادُ من ((الذين آمنوا)): أمةُ محمدٍ وَّه ومؤمنو الأمم قبلهم، قاله ابن عباس
وغيرُه، وهو الظاهر. وقال ابن زيد: المراد بهم النبيُّ وَّر وأمته خاصة.
وذكرُ الفاء فيما سبق وتركُها هنا، إما لأنَّ الوعيد من الكريم مظنَّةُ الخُلفِ دون
الوعد، فكان الأول حَريًّا بالتأكيد دون الثاني، وإمَّا للإشارة إلى سَبْق الرحمة؛ فإنَّ
النحاة قالوا: مَن دخل داري فأكرمُه، يقتضي إكرام كلِّ داخلٍ، لكنْ على خطرِ أنْ
لا يُكرم، وبدون الفاء يقتضي إكرامَه البتة.
وإما للإشارة إلى أنَّ خلودهم في النار بسبب أفعالهم السيئة وعصيانهم،
وخلودُهم في الجنة بمحض لطفه تعالى وكرمه، وإلا فالإيمان والعملُ الصالح
لا يفي بشكر ما حصل للعبد من النعم العاجلة. وإلى كلِّ ذهب بعضٌ، والقولُ بأنَّ
تَرْكَ الفاء هنا لمزيدِ الرغبة في ذكر ما لهم، ليس بشيء.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ شروعٌ في تعداد بعضٍ آخرَ من قبائح أسلاف
اليهود، ممَّا يُنادي باستبعادِ إيمان أخلافهم. وقيل: إنه نوعٌ آخرُ من النعم التي
خصَّهم الله تعالى بها، وذلك لأنَّ التكليف بهذه الأشياء مُوصِلٌ إلى أعظم النعم
وهو الجنة، والموصِلُ إلى النعمة نعمةٌ.
وهذا الميثاق ما أُخِذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم عليهم السلام،
أو ميثاقٌ أُخِذ عليهم في التوراة، وقول مكِّي(١): إنه ميثاقٌ أَخَذه الله تعالى عليهم
وهم في أصلاب آبائهم كالذَّر، لا يَظهرُ وجهُه هنا.
﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ على إرادة القول، أي: قلنا أو قائلين؛ ليرتبط بما قبله،
وهو إخبارٌ في معنى النهي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وكما تقول: تذهبُ إلى فلانٍ وتقولُ له كيت وكيت، وإلى ذلك ذهب الفرَّاء(٢).
ويُرجِّحه أنَّه أبلغُ من صريح النهي؛ لِمَا فيه من إيهام أنَّ المَنهيَّ كأنه سارَع إلى ذلك
(١) هو مكي بن أبي طالب القيسي، المقرئ صاحب التصانيف، المتوفى سنة (٤٣٧هـ). السير
١٧/ ٥٩١. وكلامه في المحرر الوجيز ١/ ١٧٢ .
(٢) في معاني القرآن ١/ ٥٣.

الآية : ٨٣
٢٧٧
سُورَةُ الْبَفَقَة
فوقع منه، حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي، أي: يَنبغي أَنْ يكون كذلك. فلا يَرِدُ
أنَّ حال المخبّر عنه على خلافه، وأنَّه قرأ ابن مسعود: ((لا تعبدوا)) على النهي(١)،
وأنَّ («قولوا)) عَظْفٌ عليه، فيحصلُ التناسبُ المعنويُّ بينهما في كونهما إنشاءً، وإنْ
كان يجوز عظْفُ الإنشاء على الإخبار فيما له محلٌّ من الإعراب.
وقيل: تقديره: أنْ لا تعبدوا، فلمَّا حُذِف الناصب ارتفع الفعلُ، ولا يجب
الرفع بعد الحذف في مثل ذلك، خلافاً لبعضهم، وإلى هذا ذهب الأخفش (٢)،
ونظيره من نثر العرب: مُرْه يحفرَها، ومِن نَظْمِها:
ألا أيُّهذا الزاجري أَحضُرَ الوغى
وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هل أنت مُخلِدِي(٣)
ويؤيِّد هذا قراءةُ: (أن لا تعبدوا))(٤)، ويُضْعِفُه أنَّ: ((أنْ)) لا تُحذف قياساً إلا (٥)
في مواضع ليس هذا منها، فلا ينبغي تخريجُ الآية عليه، وعلى تخريجها عليه فهو
مصدرٌ مُؤوَّلٌ بدلٌ من الميثاق، أو مفعولٌ به بحذف حرف الجرِّ، أي: بأنْ لا، أو:
على أن لا .
وقيل: إنه جواب قسم دلَّ عليه الكلام، أي: حلَّفْناهم لا تعبدون، أو جوابُ
الميثاق نفسِه؛ لأنَّ له حُكمَ القسم. وعليه يَخلو الكلام عمَّا مرَّ في وجه رجحان
الأول.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء حكايةً لِمَا خوطبوا به،
والباقون بالياء(٦)؛ لأنهم غُيَّب.
وفي الآية حينئذٍ(٧) التفاتان: في لفظ الجلالة، و((تعبدون)).
(١) القراءات الشاذة ص٧.
(٢) يعني في التزام الرفع. ينظر معاني القرآن للأخفش ٣٠٧/١-٣٠٨، والبحر ٢٨٣/١، والدر
المصون ٤٦٠/١.
(٣) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ص٣٢، والكتاب ٩٩/٣. قال السمين في الدر المصون
١/ ٤٦٠: وروي: مُرْه يحفرها، وأحضر الوغى بالوجهين.
(٤) الكشاف ٩٣/١، وتفسير البيضاوي ١٦٦/١.
(٥) قوله: إلا، ساقط من (م)، والكلام من حاشية الشهاب ١٩٤/٢
(٦) وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢.
(٧) يعني على قراءة التاء، كما في حاشية الشهاب ٢/ ١٩٤.

سُورَةُ الْبَّكَوَّة
٢٧٨
الآية : ٨٣
﴿وَلَوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ﴾ متعلِّق بِمُضمَر تقديرُه: وتُحْسِنون، أو: وأَحْسِنوا، والجملةُ
معطوفةٌ على ((تعبدون))، وجُوِّز تعلُّقه بـ ((إحساناً))، وهو يتعذَّى بالباء وإلى، ك ﴿أَحْسَنَ
إِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾
[القصص: ٧]، ومَنْعُ تقديم (١) معمول المصدَرِ عليه مطلقاً ممنوع.
ومِن المُعْرِبين مَن قدَّر: استوصوا، فـ ((بالوالدين)) متعلِّق به، و((إحسانا)) مفعولُه.
ومنهم مَن قدَّر: ووصَّيناهم، فـ ((إحساناً)) مفعولٌ لأجله.
و ((الوالدين)) تَثْنيةُ والد؛ لأنه يطلق على الأب والأم، أو تغليبٌ بناءً على أنه
لا يقال إلّا للأب كما ذهب إليه الحلبي(٢)، وقد دلَّت الآية على الحثّ ببر الوالدين
وإكرامهما، والآياتُ والأحاديثُ في ذلك كثيرة، وناهيك احتفالاً بهما أنَّ الله عزَّ
اسمه قرن ذلك بعبادته.
﴿وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ﴾ عظْفٌ على ((الوالدين)). و((القربى)) مصدرٌ
كالرُّجْعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابةُ الرحم والصُّلب. و((اليتامى)) وزنه
فَعالى، وأَلِفُهُ للتأنيث، وهو جَمْع يتيم كَندٍمِ ونَدامى، ولا يَنقاس، ويجمع على
أيتام. واليُتْمُ: أصلٌ معناه الانفراد، ومنه: الدرَّة اليتيمة. وقال ثعلب: الغفلة،
وسُمِّي اليتيم يتيماً لأنه يُتغافل عن برّه(٣). وقال أبو عمرو: الإبطاء؛ لإبطاء البرِّ
عنه .
وهو في الآدميين من قِبل الآباء، ولا يُتْمَ بعد بلوغ، وفي البهائم من قبل
الأمهات، وفي الطيور من جهتهما، وحكى الماوردي: أنَّه يُقال في الآدميين لِمَن
فُقِدت أُمُّه أيضاً(٤). والأول هو المعروف.
و((المساكين)) جمْع مِسْكين على وزن مِفْعيل، مشتقٌّ من السُّكون، كأنَّ الحاجة
(١) في (م): تقدم.
(٢) ينظر الدر المصون ٤٦٣/١، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي أيضاً ٢٨٩٦/٤-٢٨٩٧.
(٣) مجالس ثعلب ص٦٧ .
(٤) كذا نقل المصنف عن البحر ١/ ٢٨١، ومثله في المحرر الوجيز ١٧٢/١، وتفسير القرطبي
٢٢٩/٢، والذي في النكت والعيون ٣٢١/٢: أن يتم الآدميين بموت الآباء دون الأمهات،
ويتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء.

الآية : ٨٣
٢٧٩
سُورَةُ البَّفَقَة
أَسكنتْه، فالميم زائدةٌ كمَحْضَر من الحضور(١)، ورُوي: تَمَسْكن فلان، والأصحُ
تَسكَّن، أي: صار مسكيناً، والفرق بينه وبين الفقير معروف. وسيأتي إن شاء الله
تعالى.
وقد جاء هذا الترتيب اعتناءً بالأوكد فالأوكد، فبدأ بالوالدين إذ لا يَخفى
تقدُّمهما على كلِّ أحد في الإحسان إليهما، ثم بذي القربى لأنَّ صلة الأرحام
مؤكّدة، ولمشاركة الوالدين في القرابة وكونهما منشأً لها. وقد وَرَدَ في الأثر أنَّ الله
تعالى خاطب الرحم فقال: ((أنتِ الرَّحمُ وأنا الرَّحمنُ، أَصِلُ من وَصَلكِ وأقطعُ من
قَطَعك))(٢). ثم باليتامى؛ لأنهم لا قدرة لهم تامَّة على الاكتساب، وقد جاء («أنا
وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)) وأشار وَّ إلى السبابة والوسطى(٣).
وتأخَّرتْ درجة (المساكين)) لأنَّ المسكين يُمكنه أن يَتعهَّد نفسه بالاستخدام،
ويُصلحَ معيشته مهما أمكن، بخلاف اليتيم؛ فإنَّه لصِغَره لا يُنْتفعُ به، ويَحتاج إلى
مَن ینفعه.
وأُفرد ((ذي القربى)) - كما في ((البحر)) - لأنه أُريد به الجنس؛ ولأنَّ إضافته(٤)
إلى المصدر يَندرج فيه كلُّ ذي قرابة، وكأنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ ذوي القربى - وإن
كثروا - كشيءٍ واحدٍ لا يَنبغي أنْ يُضْجَر من الإحسان إليهم.
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: قولاً حُسْناً، سَمَّاه به للمبالغة، وقيل: هو لغةٌ في
الحَسَن كالبُخْلِ والبَخَل، والرُّشْد والرَّشَد، والعُرْب والعَرَب، والمرادُ: قولوا لهم
القولَ الطيِّب، وجارِبوهم بأحسن ما يحبُّون؛ قاله أبو العالية. وقال سفيان الثوري:
مُروهم بالمعروف وانهَوْهم عن المنكر. وقال ابن عباس رَظُ: قولوا لهم: لا إله
إلا الله، ومُروهم بها. وقال ابن جُريج: أَغْلِموهم بما في كتابكم من صِفة
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي البحر ١/ ٢٨١: كمخضير من الحضر، وهو الصواب، والمحضير
هو الفرس الشديد الحُضْر، وهو العَدْوُ. ينظر الصحاح والأساس واللسان (حضر).
(٢) أخرجه أحمد (٨٣٦٧)، والبخاري (٤٨٣٠)، ومسلم (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة
دون قوله: أنت الرحم وأنا الرحمن.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٨٢٠)، والبخاري (٥٣٠٤) من حديث سهل بن سعد ه. وأخرجه
أحمد (٨٨٨١)، ومسلم (٢٩٨٣) من حديث أبي هريرة
(٤) في الأصل: ولأنه لإضافته، والمثبت من (م) والبحر ٢٨٤/١.

سُوْلَةُ الْبَغَة
٢٨٠
الآية : ٨٣
رسول الله وَّة. وقول أبي العالية في المَرْتَبة العالية.
والظاهرُ أنَّ هذا الأمرَ من جُملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل. ومَن قال:
إنَّ المخاطَب به الأمة وهو مُحكَم، أو منسوخ بآية السيف، أو أنَّ ((الناس)
مَخصُوصٌ بصالحي المؤمنين، إذْ لا يكون القول الحسن مع الكفار والفسَّاق؛ لأنَّا
أُمِرْنا بلعنهم وذمِّهم ومحاربتهم = فقد أَبعَد.
وقرأ حمزة والكسائيُّ ويعقوب: (حَسَنا)) بفتحتين(١). وعطاءٌ وعيسى
بضمَّتين(٢)، وهي لغةُ الحجاز. وأُبيِّ وطلحةُ بنُ مُصرِّف: (حُسْنى)(٣) على وزن
فُعلى، واختلف في وجهه؛ فقيل: هو مصدرٌ كَرُجَعى، واعتَرضَه أبو حيان بأنَّه غيرُ
مَقيس ولم يُسمع فيه (٤).
وقيل: هو صفةٌ كحُبلى، أي: مقالةً أو كلمةً حُسْنَى، وفي الوصف بها وجهان:
أحدهما: أن تكونَ باقيةً على أنها للتفضيل، واستعمالُها بغير الألف واللام
والإضافة للمعرفة نادر، وقد جاء ذلك في الشعر كقوله:
وإنْ دَعَوتٍ إلى جُلَّى ومَكْرُمةٍ يوماً كرامَ سَرَاةِ النَّاسِ فادْعِينا(٥)
وثانيهما: أنْ تُجرَّد عن التفضيل فتكونَ بمعنى: حَسَنةً(٦)، كما قالوا ذلك في:
یوسف أحسن إخوته.
وقرأ الجخدريُّ: ((إحسانا))(٧) على أنَّه مصدرُ أَحْسَنَ الذي همزته للصيرورة،
(١) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٨/٢، وقرأ بها أيضاً خلف من العشرة.
(٢) القراءات الشاذة ص٧، والبحر ٢٨٥/١.
(٣) القراءات الشاذة ص٧، ومعاني القرآن للأخفش ٣٠٩/١، والبحر ٢٨٥/١.
(٤) البحر ٢٨٥/١-٢٨٦.
(٥) البيت وقع في شعرين أحدهما للمرقّش الأكبر وهو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن
قيس بن ثعلبة، والثاني لبشامة بن حزن النهشلي. وهو في المفضليات ص٤٣١، وشرح
الحماسة المرزوقي ١٠١/١، وللتبريزي٥١/١، والخزانة ٣٠١/٨، والبحر ٢٨٦/١.
والكلام منه، والدر المصون ٤٦٨/١. ووقع في المصادر غير البحر: سراة كرام
الناس .... وفي المفضليات: خيار، بدل: كرام.
(٦) أي: وقولوا للناس مقالة حسنة. البحر ٢٨٦/١.
(٧) القراءات الشاذة ص٧، والبحر ٢٨٥/١.