Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ٧١ ٢٤١ سُورَةُ الْبَارَة والذَّلولُ: الرَّيِّضُ الذي زالت صعوبته، يقال: دابَّةٌ ذَلول بيِّنة الذُّل، بالكسر، ورجل ذَلول: بَيِّن الذُّل، بالضم. ﴿ُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْمَثَ﴾ ((لا)»: صلةٌ لازمةٌ لوجوب التكرار في هذه الصورة، وهي مفيدةٌ للتصريح بعموم النفي؛ إذ بدونها يحتمل أن يكون لنفي الاجتماع، ولذا تسمَّى المذكّرة. والإثارة: قلبُ الأرض للزراعة، من أَثَرْتُه: إذا هيَّجته. و((الحرث)): الأرضُ المهيّأة للزرع، أو هو شقُّ الأرض ليُبذَر فيها، ويطلق على ما حُرث وزُرع، وعلى نفس الزَّرع أيضاً. والفعلان صفتا ((ذلول))، والصفةُ يجوز وصفُها على ما ارتضاه بعضُ النُّحاة، وصرَّح به السَّمين(١)، والفعل الأول داخلٌ في حيِّز النفي، والمقصودُ نفيُ إثارتها الأرض، أي: لا تثير الأرض فتذلَّ، فهو من بابٍ: على لاحِبٍ لا يُهْتَدى بمثَارِهِ(٢) ففيه نفيٌّ الأصل والفرع معاً، وانتفاءُ الملزوم بانتفاء اللازم؛ قال الحسن: كانت هذه البقرة وحشيةً، ولهذا وصفت بأنها: لا تثير الأرض إلخ. وذهب قومٌ إلى أنَّ ((تثير)) مُثبَتٌ لفظاً ومعنَى، وأنه أَثبتَ للبقرة أنها تثيرُ الأرض وتحرثُها، ونفى عنها سقيَ الحرث. ورُوَّ بأنَّ ما كان يَحرُثُ لا ينتفي عنه كونُه ذلولاً . وقال بعضٌ: المرادُ أنها تثير الأرض بغير الحرث بَطَراً ومَرَحاً، ومن عادة البقر إذا بَطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير ترابَ الأرض، فيكون هذا من تمام قوله: لا ذلول؛ لأنَّ وصفَها بالمَرَح والبطر دليلٌ على ذلك، وليس عندي بالبعيد. وذهب بعضُهم - كما في الكواشي - إلى أنَّ جملة ((تثير)) في محلٌّ نصبٍ على الحال. قال ابن عطيّة: ولا يجوز ذلك؛ لأنَّها من نكرة(٣). واعتُرض بأنه إن أراد (١) ينظر الدر المصون ٤٣٠/١، وحاشية الشهاب ١٨٢/٢. (٢) وعجزه: إذا سافَه العَوْد النباطيُّ جرجرا، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه صفحة ٦٦، وسلف ١/ ٤٥٧. (٣) المحرر الوجيز ١٦٤/١. ١ سُوَّةُ البََّعَة ٢٤٢ الآية : ٧١ بالنكرة ((بقرة)) فقد وُصفت، والحالُ من النكرة الموصوفةِ جائزةٌ جوازاً حَسَناً، وإن أراد بها: ((لا ذلول)»، فمذهب سيبويه جوازُ مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف، وقد صرَّح بذلك في مواضع من كتابه(١)، اللهمَّ إلّا أنْ يقال: إنَّه تَبِعَ الجمهورَ في ذلك، وهم على المنع. وجَعْلُ الجملة حالاً من الضمير المستكنِّ في (ذلول))، أي: لا ذلولٌ(٢) في حالِ إثارتها، ليس بشيء. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: ((لا ذَلُولَ)) بالفتح(٣)، فـ ((لا)) للتبرئة، والخبر محذوفٌ، أي: هناك، والمراد: مكان وجدت هي فيه، والجملةُ صفة ((ذلول)) وهو نفيٌّ لِأَنْ توصف بالذّل ويقال: هي ذلول، بطريق الكتابة؛ لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به، ضرورةً اقتضاءِ الصفةِ للموصوف، فلمَّا لم يكن في مكانها لم تكن موصوفةً به، فهذا كقولهم: محلٌّ فلان مظنَّة الجودِ والكرم. وهذا أَوْلَى ممَّا قيل: إنَّ (تثير)) خبرُ ((لا)) والجملةُ معترضةٌ بين الصفة والموصوف؛ لأنه أبلغ کما لا يخفى. وبعضُهم خرَّج القراءة على البناء نظراً إلى صورة ((لا))، كما في: كنت بلا مالَ، بالفتح، وليس بشيء؛ لأنَّ ذلك مقصورٌ على مَوْرِدِ السماع، وليس بقياسيٍّ على ما يُشعر به كلام الرضي (٤). وقرئ: ((تُسْقِي)) بضم حرف المضارعة(٥)، من أسقى بمعنى سقى، وبعضٌ فرَّق بينهما، بأنَّ سقى لنفسه، وأسقى لغيره، كماشيته وأرضه. ﴿مُسَلَّمَّةٌ لَّا شِيَّةَ فِيهَا﴾ أي: سلَّمها الله تعالى من العيوب؛ قاله ابن عباس. أو أعفاها أهلُها من سائر أنواع الاستعمال، قاله الحسن. أو: مطهّرةٌ من الحرام، لا غَصْبَ فيها ولا سرقة؛ قاله عطاء. أو أُخلص لونها من الشِّيات؛ قاله مجاهد. والأَوْلى ما ذهب إليه ابن عباس ﴿يا؛ لأنَّ المطلَق ينصرف إلى الكامل، ولكونه (١) الكتاب ١١٣/٢-١١٤، والكلام من البحر ٢٥٦/١. (٢) أي: لا تذلُّ. البحر ٢٥٦/١، والدر المصون ٤٢٩/١. (٣) القراءات الشاذة ص٧، وإعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١. (٤) في شرح الكافية ١٥٨/٢. (٥) القراءات الشاذة ص٧. الآية : ٧١ ٢٤٣ سُورَةُ الْبَرَة تأسيساً، وعلى آخر الأقوال يكون ((لا شية فيها)) - أي: لا لونَ فيها يخالف لونَها - تأكيداً، والتضعيفُ هنا للنقل والتعدية، ووَهَمَ غيرُ واحد فزعم أنه للمبالغة. والشِّيّة: مصدرُ وَشَيتُ الثوب أَشِيْهِ وَشْياً: إذا زيَّنته بخطوطٍ مختلفةِ الألوان، فحُذف فاؤه؛ كعِدَة وزنَة، ومنه الواشي للنَّمَّام، قيل: ولا يقال له: واشٍ حتى يغيِّر كلامَه ويزيِّنه. ويقال: ثورٌ أَشْيَه، وفرسٌ أبْلقٌ، وكبشٌ أُخْرجُ(١)، وتيس أبرق، وغراب أبقع كلُّ ذلك بمعنى البُلقة. وفي ((البحر)) ليس الأَشْيه في قولهم: ثورٌ أَشْيه - للذي فيه بَلَقٌ - مأخوذاً من الشِّية؛ لاختلاف المادتين(٢). و(شيةً)) اسمُ ((لا)) و((فيها)) خبره. ﴿قَالُواْ أَلْثَنَّ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أَظْهَرْتَ حقيقةً ما أُمرنا به، فالحقُّ هنا بمعنى الحقيقة. وقيل: بمعنى الأمر المقضيِّ أو اللازم. وقيل: بمعنى القول المطابق للواقع، ولم يريدوا أنَّ ما سبق لم يكن حقًّا، بل أرادوا أنه لم يظهر الحقُّ به كمالَ الظهور، فلم يجئ بالحق، بل أومأ إليه، فعلى هذه الأقوال لم يكفُروا بهذا القول. وأجراه قتادة على ظاهره، وجَعَلَهُ متضمِّناً أنَّ ما جئت به من قبلُ كان باطلاً، فقال: إنَّهم كفروا بهذا القول. والأَوْلى عدمُ الإكفار. و (الآن)) ظرفُ زمان لازمُ البناء على الفتح، ولا يجوز تجريدُهُ من ((أل))، واستعمالهُ على خلافه لَحْن، وهي تقتضي الحال وتخلّص المضارعَ له غالباً، وقد جاءت حيث لا يمكن أن تكون له نحو ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] إذ الأمرُ نصِّ في الاستقبال. وادَّعى بعضُهم إعرابَها؛ لقوله: كأَنَّهُما مِلآنٍ لمْ يَتَغيَّرا(٣) يريد: من الآنِ، فَجَرَّه، وهو يحتمل البناء على الكسر. و((أل)) فيها للحضور (١) الخَرَج: لونان من بياض وسواد. القاموس (خرج). (٢) البحر ٢٥٧/١. (٣) وعجزه: وقد مرَّ للدارين مِن بعدنا عصرُ، والبيت لأبي صخر الهذلي، وهو في أمالي القالي ١٤٨/١، والخصائص ٣١٠/١، وأمالي ابن الشجري ١٦٨/٢، وشرح المفصل ٣٥/٨، والخزانة ٢٥٨/٣، والدر المصون ٤٣٣/١. سُورَةُ الْبَعَة ٢٤٤ الآية : ٧١ عند بعض، وزائدةٌ عند آخرين، وبُنيت لتضمُّنها معنى الإشارة، أو لتضمُّنها معنى ((أل)) التعريفية كسَحَرَ. وقُرئ: ((آلآن)) بالمدِّ على الاستفهام التقريريِّ، إشارةً إلى استبطائه وانتظارهم له (١). وقرأ نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وعنه روايتان؛ حذف واو ((قالوا)) وإثباتُها(٢). ﴿فَذَبَجُوهَا﴾ أي: فطلبوا هذه البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصَّلوها (فذبحوها))، فالفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوف؛ إذ لا يترتَّب الذبحُ على مجرَّد الأمر بالذبح وبيانِ صفتها، وحُذف لدلالة الذبح عليه، وتحصيلُها كان باشترائها من الشَّابِّ البارِّ بأبويه، كما تظافرت عليه أقوال أكثر المفسرين، والقصةُ مشهورة. وقيل: كانت وحشيةً فأخذوها. وقيل: لم تكن من بقر الدنيا، بل أنزلها الله تعالى من السماء، وهو قولٌ هابطٌ إلى تخوم الأرض. قيل: ووجهُ الحكمة في جَعْلِ البقرة آلةً دون غيرها من البهائم، أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل، وحُبِّب ذلك في قلوبهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] ثم بعد ما تابوا أراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم، ليكون حقيقةً لتوبتهم. وقيل - ولعله ألطفُ وأولى -: إنَّ الحكمة في هذا الأمر إظهارُ توبيخِهم في عبادة العجل، بأنَّكم كيف عبدتُم ما هو في صورة البقرة، مع أنَّ الطّبع لا يقبل أن يخلق الله تعالى فيه خاصِّيَّةً يحيا بها ميتٌ بمعجزةٍ نبيٍّ؟ وكيف قبلتُم قولَ السامريِّ: إنه إلهكم، وها أنتم لا تقبلون قولَ الله سبحانه أنه يُحيي بضَرْبٍ لحمةٍ منه الميتَ؟ سبحان الله تعالى، هذا الخرقُ العظيم. ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾﴾ كَنَى عن(٣) الذبح بالفعل، أي: وما كادوا يذبحون، (١) حاشية الشهاب ٢/ ١٨٣، والقراءة في تفسير البيضاوي ١/ ١٦٢، وتفسير أبي السعود ١/ ١١٢. (٢) البحر ٢٥٧/١، وينظر التيسير ص٣٥، والنشر ٤١٤/١. (٣) في (م): على. الآية : ٧١ ٢٤٥ سُوَّةُ الْبَرَة واحتمال أن يكون المراد: وما كادوا يفعلون ما أُمروا به بعد الذبح من ضَرْبٍ بعضِها على الميت، بعيدٌ. وكاد: موضوعةٌ لدنوِّ الخبر حصولاً، ولا يكون خبرُها في المشهور إلا مضارعاً دالًّا على الحال لتأكيد القُرْب. واختلف فيها؛ فقيل: هي في الإثبات نفيٌّ، وفي النفي إثبات، فمعنى كاد زيدٌ يخرجُ: قاربَ ولم يخرج. وهو فاسد؛ لأنَّ معناها مقارَبةُ الخروج، وأمَّا عدمُه فأَمرٌ عقليٍّ خارجٌ عن المدلول، ولو صحَّ ما قاله، لكانٍ ((قارب)). ونحوه كذلك، ولم يقل به أحد. وقيل: هي في الإثبات إثباتٌ، وفي النفي الماضي إثباتٌ، وفي المستقبل على قياس الأفعال. وتمسّك القائل بهذه الآية؛ لأنه لو كان معنى ((وما كادوا)) هنا نفياً للفعل عنهم، لنَاقض قولَه تعالى: ﴿فَذَّبَجُوهَا﴾ حيث دلَّ على ثبوت الفعل لهم. والحقُّ أنها في الإثبات والنفي كسائر الأفعال، فمُثْبَتُها لإثبات القُرْبِ، ومَنْفُّها لنفيه، والنفي والإثبات في الآية محمولان على اختلاف الوقتين أو الاعتبارين، فلا تناقضَ؛ إذ مِن شَرْطِه اتحادُ الزمان والاعتبار، والمعنى: أنهم ما قارَبوا ذَبْحَها حتى انقطعت تعلُّلاتهم، فذبحوا كالمُلْجَأ، أو فذبحوها ائتماراً وما كادوا من الذبح خوفاً من الفضيحة، أو استثقالاً لغلوِّ ثمنها، حيث روي أنهم اشتروها بملء جلدها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير. واستشكل القول باختلاف الوقتين بأنَّ الجملة حالٌ من فاعل ((ذبحوها))، فيجب مقارنةُ مضمونها لمضمون العامل. والجواب بأنهم صرَّحوا بأنه قد يقيَّد بالماضي، فإن كان مثبتاً قُرن بـ ((قد)) لتقرُّبه من الحال، وإن كان منفيًّا كما هنا لم يُقرن بها؛ لأن الأصل استمرارُ النفي، فيفيد المقارَبة = لا يجدي نفعاً؛ لأنَّ عدمَ مقاربةِ الفعل لا يُتَصوَّر مقارنته (١) له، [هنا] ولهذا عوَّل بعض المتأخّرين في الجواب على أنَّ ((وما كادوا يفعلون)) كنايةٌ عن تعسُّر الفعل وثقلِهِ عليهم، وهو مستمرّ باقٍ، وقد صرَّح في ((شرح التسهيل)) أنه قد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل. ومرادُهُ أنه فَعَل بِعُسرٍ لا بسهولة، وهو خلاف الظاهر الذي وُضع له اللفظ، فافهم. (١) في الأصل و(م): مقارنتها، والمثبت من حاشية الشهاب ١٨٣/٢، والكلام وما سيأتي بين حاصرتین منه . سُورَةُ الْبَقَة ٢٤٦ الآية : ٧٢ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أي: شخصاً، أو: ذا نَفْسٍ، ونسبةُ القتل إلى المخاطّبين لوجوده فيهم، على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا وُجد مِن بعضها ما يُذُّ به أو يُمدحِ. وقولُ بعضهم: إنه لا يحسن إسنادَ فعلٍ أو قولٍ صدرَ عن البعض إلى الكلِّ، إلَّا إذا صدر عنه بمُظاهَرَتهم أو رضاً منهم. غيرُ مسلَّم، نعم لا بدَّ لإسناده إلى الكلِّ من نكتةٍ ما، ولعلَّها هنا الإشارةُ إلى أنَّ الكلَّ بحيث لا يَبْعُدُ صدورُ القتل منهم؛ لمزيدِ حرصهم، وكثرةٍ طمعهم، وعِظَم جرأتهم: فهُمْ كأصابعِ الكفّينِ طبعاً وكلٌّ منهُمُ طَمِعٌ جَسُورُ وقيل: إنَّ القاتل جَمْعٌ، وهم ورثةُ المقتول، وقد روي انهم اجتمعوا على قتله، ولهذا نُسب القتل إلى الجمع. ﴿ فَذَارَأْ تُمْ فِيهَا﴾ أصلُه: تدَارَأْتُم من الدَّرْء: وهو الدفع، فاجتمعت التاء والدال مع تقارُب مخرجيهما، وأُريد الإدغام فقُلبت التاءُ دالاً وسُكِّنت للإدغام، فاجتُلبت همزةُ الوصل للتوصُّل إلى الابتداء بها، وهذا مطّردِ في كلِّ فعلٍ على ((تَفَاعَلَ)) أو (تَفَعَّلَ)) فاؤه دال(١)، أو طاء، أو ظاء، أو صاد، أو ضاد. والتدارؤ هنا؛ إما مجازٌ عن الاختلاف والاختصام، أو كنايةٌ عنه؛ إذ المتخاصمان يدفع كلٌّ منهما الآخر، أو مستعملٌ في حقيقته - أعني: التَّدافُعَ - بأنّ طَرَحَ قتلَها كلٌّ عن نفسه إلى صاحبه، فكلٌّ منهما من حيث إنه مطروحٌ عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح. وقيل: إنَّ طَرْحَ القتل - في نَفْسِه - نَفْسُ دَفْعِ الصاحب، وكلٌّ من الطارِحَينِ دافعٌ، فتَطارُحُهما تدافُعٌ. وقيل: إنَّ كلاً منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة، فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت مثَّهم، يقول الآخر: بل أنت المتَّهم وأنا البريء، ولا يخفى أنَّ ما ذُكر - على ما فيه - بالمجاز أَلْيقُ، ولهذا عَدَّ ذلك أبو حيان من المجاز(٢). (١) في الأصل و(م): تاء والمثبت من حاشية الشهاب ١٨٤/٢، والكلام منه. وينظر الدر المصون ٤٣٤/١ (٢) البحر ٢٥٩/١. الآية : ٧٣ ٢٤٧ سُورَةُ الْجَمَة والضمير في ((فيها)) عائدٌ على النفس. وقيل: على القِتْلة المفهومة من الفعل. وقيل: على التُّهمة الدالٌ عليها معنى الكلام. وقرأ أبو حيوةَ: ((فتداراتم)) على الأصل، وقيل: قرأ هو وأبو السَّوَّار: (فاذَّرَأْتُم)) بغير ألفٍ قبل الراء، وإنَّ طائفةً أخرى قرؤوا: ((فَتَدارَأْتُم)(١). ﴿وَللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُبُونَ ﴾﴾ أي: مُظهرٌ لا محالةً ما كنتم تكتمونه من أمر القتيل والقاتل، كما يشير إليه بناءُ الجملة الاسمية، وبناءُ اسم الفاعل على المبتدأ، المفيدُ لتأكيد الحكم وتَقَوِّيه، وذلك بطريق التفضُّلِ عندنا والوجوبٍ عند المعتزلة. وتقديرُ المتعلّق خاصًّا هو ما عليه الجمهور. وقيل: يجوز أن يكون عامًا في القتيل وغيره، ويكون القتيل من جملة أفراده، وفيه نظر؛ إذ ليس كلُّ ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى. وأُعمل ((مُخْرِجٌ)) لأنه مستقبلٌ بالنسبة للحكم الذي قبله، وهو التدارؤ، ومُضِيُّه الآن لا يضرُّ. والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار، وفي ((البحر)): إنَّ (كان)) للدلالة على تقدُّم الكتمان(٢). ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَأْذَّارَهْتُمْ﴾، وما بينهما اعتراضٌ يفيد أنَّ كتمان القاتل لا ينفعه، وقيل: حال، أي: والحالُ أنَّكم تعلمون ذلك. والهاء في ((اضربوه)) عائدٌ على النفس بناءً على تذكيرها؛ إذ فيها التأنيثُ - وهو الأشهر - والتذكير، أو على تأويل الشخص أو القتيل، أو على أنَّ الكلامَ على حذف مضاف، أي: ذا نفس، وبعد الحذف أُقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: الأظهرُ أنَّ التذكير لتذكير المعنى، وإذا كان اللفظ مذكَّرًا والمعنى مؤنَّئاً أو بالعكس، فوجهان، وذُكِّر هذا الضمير - مع سَبْقِ التأنيث - تفتُّناً، أو تمييزاً بين هذا الضمير والضمير الذي بعده توضيحاً، والظاهرُ أنَّ المراد بالبعض أيُّ بعضٍ کان؛ إذ لا فائدة في تعيينه(٣) ولم یرِدْ به نقلٌ صحيح. (١) البحر ٢٥٩/١، وقراءة ((فتدارأتم)) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨ لابن مسعود ټپڼ. (٢) البحر ٢٥٩/١. (٣) في (م): تعينه .. سُورَةُ الْبَقَة ٢٤٨ الآية : ٧٣ واختلف بمَ ضربوه؟ فقيل: بلسانها، أو بأصغريها، أو بفخذها اليمنى، أو بذَنَبها، أو بالغضروف، أو بالعظم الذي يليه، أو بالبَضْعة التي بين الكتفين، أو بالعُجْب، أو بعظم من عظامها. ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه. ومَن قال: إنَّهم مكثوا في تطلُبها أربعين سنة، أو أنَّهم أُمروا بطلبها ولم تكن في صُلْبٍ ولا رحم، قال: إنَّ الضرب على القبر بعد الدفن، والأظهرُ أنه المباشَرُ بالضرب لا القبر. وفي بعض الآثار: أنه قام وأوداجُه تشخُب دماً، فقال: قتلني ابن أخي. وفي روايةٍ: فلانٌّ وفلان - لابْنَيْ عمِّه - ثم سقط ميتاً، فأُخِذا وقُتلا، وما ورث قاتلٌ بعد ذلك. وفي بعض القصص: أنَّ القاتل حلف بالله تعالى ما قتلتُه، فكذب بالحقِّ بعد معاینته. قال الما ورديُّ(١): وإنَّما كان الضرب بميتٍ لا حياة فيه؛ لئلا يلتبس على ذي شبهةٍ أنَّ الحياة إنَّما انقلبت(٢) إليه ممَّا ضُرب به، فلإزالة الشبهة وتأكُّد الحجة كان ذلك. ﴿كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾ جملةُ اعتراضية تفيد تحقُّق المشبّه وتيقُّنَّه بتشبيه الموعود بالموجود، والمماثلةُ في مطلق الإحياء، وفي الكلام حَذْفٌ دَّت عليه الجملة، أي: فضربوه فَحَيِيَ، والتكلُّم من الله تعالى مع مَن حضر وقت الحياة. والكاف خطابٌ لكلِّ مَن يصحُّ أن يُخاطب ويسمع هذا الكلام؛ لأنَّ أمر الإحياء عظيمٌ يقتضي الاعتناءُ بشأنه أن يخاطَب به كلُّ مَن يصحُّ منه الاستماع، فيدخل فيه أولئك دخولاً أوَّليًّا، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ إلخ، ولا بدَّ على هذا من تقدير القول، أي: قلنا، أو قلنا له لهم كذلك، ليرتبط الكلام بما قبله. وقيل: حرفُ الخطاب مصروفٌ إليهم، وكان الظاهر: كذلكم، على وفق ما بعده، إلا أنه أفرده بإرادة كلِّ واحد، أو بتأويلٍ فريقٍ ونحوه؛ قصداً للتخفيف. ويحتمل أن يكون التكلُّم مع مَن حضر نزول الآية، وعليه: لا تقديرَ إذ ينتظم بدونه، بل ربَّما يخرج معه من الانتظام، وأَبْعَدَ الماورديُّ فجعله خطاباً من موسى نفسه عليه (٣) السلام(٣) . (١) في النكت والعيون ١٤٤/١. (٢) في النكت والعيون: انتقلت. (٣) النكت والعيون ١٤٤/١. سُورَةُ الْجَمَة ٢٤٩ التفسير الإشاري (٦٧ -٧٣) ﴿وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾ مستأنَفٌ أو معطوفٌ على ما قبله، والظاهرُ أنَّ الآيات جَمْعٌ في اللفظ والمعنى، والمراد بها: الدلائلُ الدالَّةُ على أنَّ الله تعالى على كلِّ شيء قدير. ويجوز أن يُراد بها هذا الإحياءُ، والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمورٍ بديعة، من ترتّبِ الحياة على الضرب بعضوٍ ميت، وإخبارِ الميت بقاتله وما يلابِسُه من الأمور الخارقة للعادات. وفي ((المنتخب)): أنَّ التعبير عن الآية الواحدة بالآيات؛ لأنها تدلُّ على وجود الصانع القادر على كلِّ المقدورات، العالم بكلِّ المعلومات، المختارِ في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحةٍ مَن لم يكن قاتلاً، وعلى تعيُّن تلك التهمة على مَن باشر القتل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ أي: لكي تَعْقِلوا الحياة بعد الموت، والبعثَ، والحشرَ، فإنَّ مَن قدرَ على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفُسِ كلِّها؛ لعدم الاختصاص ﴿مَا خَلْقُّكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٣٨] أو لكي يَكْمُلَ عَقْلُكم، أو لعلكم تمتنعون من عصيانه، وتعملون على قضية عقولكم، وقد ذكر المفسِّرون أحكاماً فقهيةً انتزعوها واستدلُّوا عليها من قصة هذا القتيل، ولا يظهر ذلك من الآية، ولا أرى لذكر ذلك طائلاً سوى الُول. هذا ومن باب الإشارة: أنَّ البقرة هي النفسُ الحيوانية حين زال عنها شَرَهُ الصِّبا، ولم يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَر، وكانت مُعْجِبةً رائقةً النظر، لا تثيرُ أرضَ الاستعداد بالأعمال الصالحة، ولا تسقي حَرْث المعارف والحِكم التي فيها بالقوة بمياه التوجُّهِ إلى حضرة القدس، والسيرٍ إلى رياض الأنس، وقد سلمت لترعى أزهارَ الشهوات، ولم تُقَيَّد بقيود الآداب والطاعات، فلم يرسخ فيه مذهبٌ واعتقاد، ولم يظهر عليها ما أُودع فيها من أنوار الاستعداد، وذَبْحُها قمعُ هواها ومنعُها عن أفعالها الخاصةِ بها بشفرةٍ سكِّينِ الرياضة، فمَن أراد أن يحيا قلبُه حياةً طيبة، ويتحلَّى بالمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية، وينكشف له حال الملك والملكوت، وتظهرَ له أسرار اللاهوت والجبروت، ويرتفعَ ما بين عقله ووَهْمِه من التدارؤ والنزاع الحاصلِ بسبب الألف للمحسوسات، فليذبحها، ولْيُؤْصِلْ أثره إلى سُؤَدَّةُ الْبَكَفَة ٢٥٠ الآية : ٧٤ قلبه الميت، فهناك يخرج المكتوم وتفيضُ بحار العلوم، وهذا الذبح هو الجهاد الأكبر، والموتُ الأحمر، وعُقباه الحياةُ الحقيقية، والسعادة الأبدية. ودونَ اجتناءِ النحلِ ما جَنتِ النحلُ (١) ومَن لم يَمُتْ في حبِّهِ لم يَعِشْ به وقد أشير بالشيخ والعجوز والطفل والشاب المقتول - على ما في بعض الآثار في هذه القصة - إلى الروح والطبيعة الجسمانية والعقل والقلب، وتطبيقُ سائرِ ما في القصة بعد هذا إليك، هذا(٢) وسلام الله تعالى عليك. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ القسوة في الأصل: اليُيس والصلابةُ، وقد شُبِّهت هنا حالُ قلوبهم - وهو (٣) نبؤُّها عن الاعتبار - بحال قسوة الحجارة، في أنَّها لا يجري فيها لطفُ العمل. ففي ((قست)) استعارةٌ تبعيَّة أو تمثيلية، و((ثم)) لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلُها. وقيل: إنها للتراخي في الزمان؛ لأنهم قست قلوبهم بعد مُدَّة حين قالوا: إنَّ الميت كَذَبَ عليهم، أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم. والضميرُ في ((قلوبكم)) لورثة القتيل عند ابن عباس ؤها، وعند أبي العالية وغيره: لبني إسرائيل. ﴿مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: إحياءِ القتيل. وقيل: كلامِه. وقيل: ما سبق من الآيات التي عَلِموها؛ كمسخهم قردةً وخنازير، ورفعِ الجبل، وانبجاسِ الماء، والإحياء، وإلى ذلك ذهب الزَّجَّاج(٤)، وعليه تكون (ثم قست)) إلخ، عطفاً على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفاً على قصة ((وإذ قتلتم)). ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ﴾ أي: في القسوة وعدم التأثَّر، والجمعُ لجمع القلوب، وللإشارة إلى أنها متفاوتةٌ في القسوة كما أنَّ الحجارة متفاوتةٌ في الصلابة. والكافُ للتشبيه، وهي حرفٌ عند سيبويه وجمهور النحويين، والأخفشُ يدَّعي اسميَّتها. وهي متعلقةٌ هنا بمحذوف، أي: كائنةٌ كالحجارة، خلافاً لابن عصفور؛ إذ زعم أنَّ كاف التشبيه لا تتعلَّق بشيء. (١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٣٤، وقوله: ما جنت النحل، هو لسعها لمن يجني عسلها . (٢) قوله: هذا، ليس في الأصل. (٣) في (م) وهي. (٤) في معاني القرآن ١/ ١٥٥. الآية : ٧٤ ٢٥١ سُورَةُ الْبَقَة ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ أي: من الحجارة، فهي كالحديد مثلاً، أو كشيءٍ لا يتأثَّر أصلاً، ولو وَهْماً. و((أو)) لتخيير المُبالغ، ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر. أو للتنويع، أي: بعضٌ كالحجارة وبعضُ أشدُّ. أو للترديد، بمعنى تجويزِ الأمرين مع قَطْعِ النظر عن الغير على ما قيل. أو بمعنى ((بل)) ويحتاج إلى تقديرِ مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجُمَل، أو بمعنى الواو. أو للشك، وهو لاستحالته عليه تعالى يُصرف إلى الغير، والعلَّامةُ لا يرتضي ذلك لِمَا أنَّه يؤدِّي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراجٌ للألفاظ عن أوضاعها، فإنَّها إنَّما وُضعت ليعبِّر بها المتكلِّم عمَّا في ضميره، والحقُّ جوازُ اعتبارِ السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جَرْيِها على الأصل بالنظر إلى المتكلِّم، فلا بأس بأن يُسْلَكَ بـ ((أو)) في الشكِّ مَسْلَكَ ((لعلَّ) في الترجِّي الواقع في كلامه تعالى، فتلك جادّةٌ مسلوكةٌ لأهل السُّنة، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك، فتذكَّر. و((أشد)»: عطفٌ على ((كالحجارة)) من قبيل عطف المفرد على المفرد، كما نقول: زيدٌ على سفر أو مقيمٌ. وقدَّر بعضُهم: أو هي أشدُّ، فيصير من عطف الجُمل، ومن الناس مَن يقدِّر مضافاً محذوفاً، أي: مثلُ ما هو أشدُّ، ويجعلُه معطوفاً على الكاف إن كان اسماً، أو مجموع الجارِّ والمجرور إذا كان حرفاً، ثم لمَّا حُذف المضاف أُقيم المضاف إليه مقامَه، فَأُعرب بإعرابه، ولا يخفى أنَّ اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعَدٌ جدًّا. وقرأ الأعمش: ((أو أشدَّ» مجروراً بالفتحة (١) لكونه غيرَ منصرِفٍ؛ للوصف ووزنِ الفعل، وهو عطفٌ على الحجارة، واعتبارُ التشبيه حينئذٍ ظاهرٌ. وإنَّما لم يقل سبحانه وتعالى: أقسى، مع أنَّ فِعْلَ القسوة ممَّا يُصاغ منه ((أَفْعل)) وهو أَخْصَرُ، ووارِدٌ في الفصيح كقوله: كلُّ خُمْصانةٍ أرقُّ من الخَهْـ رِ بقلبٍ أقسى من الجُلْمورِ(٢) لِمَا في ((أشدّ) من المبالغة؛ لأنه يدلُّ على الزيادة بجوهره وهيئته، بخلافٍ (١) الكشاف ١/ ٢٩٠، وهي في القراءات الشاذة ص٧ عن أبي حيوة. (٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ص١٩، والخمصانه بفتح الخاء وضمِّها: الضامرة البطن. ينظر اللسان (خمص). سُورَةُ الْبَقَة ٢٥٢ الآية : ٧٤ ((أقسى)) فإنَّ دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالةٌ على اشتداد القسوتين، ولو كان ((أقسى)) لكان دالاً على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة واشتمالِ القلوب على زيادة القسوة، لا في شدَّة القسوة. وليس هذا مثلَ قولك: زيدٌ أشدُّ إكراماً من عمرو، حيث ذكروا أنْ ليس معناه إلا أنهما مُشْترِكان في الإكرام، وإكرامُ زيدٍ زِيدَ على إكرام عمرو، لا أنهما مشتركان في شدَّة الإكرام، وشدَّةُ إكرام زيد زائدةٌ على شدَّة إكرام عمرو = للفرق بين ما بُني للتوصُّل وما بُني لغيره، وما نحن فيه من الثاني، وإن كان الأولُ أكثر. والاعتراضُ بأنَّ ((أشدّ) محمولٌ على القلوب دون القسوة، ليس بشيء؛ لأنه محمولٌ عليها بحسب المعنى، لكونها تمييزاً محوَّلاً عن الفاعل، أو منقولاً عن المبتدأ كما في ((البحر))(١). ويمكن أن يقال: إنَّ الله تعالى أَبْرَزَ القساوة في معرض العيوب الظاهرة، تنبيهاً على أنها من العيوب، بل العيبُ كلُّ العيب ما صدَّ عن عالِم الغيب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَىَ اَلْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ أَلْأَنْهَدُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءِ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْبَةِ اَللَّهِ﴾ تذييلٌ لبيانٍ تفضيلٍ قلوبهم على الحجارة، أو اعتراضٌ بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ وبين الحال عنها وهو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ﴾ لبيانٍ سبب ذلك، فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب، كما في قوله(٢): فلا مَجْرُهُ یبدُو وفي الیاسِ راحةٌ ولا وَضْلهُ(٣) يَصْفو لنا فنُكارِمُهْ وجَعْلُهُ جملةً حاليةً مشعِرةً بالتعليل، يأباه الذوق؛ إذ لا معنى للتقييد. وكونُه بياناً وتقريراً من جهة المعنى لِمَا تقدم، مع كونه بحسب اللفظ معطوفاً على جملة ((هي كالحجارة أو أشدّ)) - كما قاله العلامة - ممَّا لا يظهر وجهُه؛ لأنه إذا كان بياناً (١) ١/ ٢٦٢. (٢) هو الرماح بن ميادة، كما في الصناعتين لأبي هلال العسكري ص٤٠٩، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر ص ١٤٧، وذكره القزويني في الإيضاح ص ١/ ٢٠٧ دون نسبة. (٣) في الأصل: و(م): وصفه، والمثبت من نقد الشعر والإيضاح، ووقع في الصناعتين: ودُّه. الآية : ٧٤ ٢٥٣ سُؤَةُ الْبَعَة في المعنى، كيف يصحُّ عطفُهُ ويُترك جعلُهُ بياناً؟ والمعنى: إنَّ الحجارة تتأثَّر وتنفعل، وقلوبُ هؤلاء لا تتأثَّر ولا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلاً. وقد ترقّى سبحانه في بيان التفضيل، كأنه بيَّن أوّلاً تفضيلَ قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثَّر تأثّراً يترتَّب عليه منفعةٌ عظيمةٌ من تفجّر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثَّر تأثّراً ضعيفاً يترتَّب عليه منفعةٌ قليلةٌ من خروج الماء، ثم على الحجارة التي تتأثَّر من غير منفعة، فكأنه قال سبحانه: قلوبُ هؤلاء أشدُّ قسوةً من الحجارة؛ لأنها لا تتأثَّر بحيث يترتَّب عليه المنفعةُ العظيمة، بل الحقيرة، بل لا تتأثَّر أصلاً. وبما ذُكر يظهر نكتةُ ذِكْر تفُجُر الأنهار وخروج الماء، وتَرْك فائدة الهبوط. وذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنَّ الآيةَ وارِدَةٌ على نهج التتميم (١) دون الترقِّي؛ كـ ((الرحمن الرحيم))؛ إذ لو أُريد الترقّي لقيل: وإنَّ منها لَمَا يَشَّفَّق فيخرج منه الماء، وإنَّ منها لَمَا يتفَجَّر منه الأنهار. وفائدتُه استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغُ من الترقِّي، ويكون ((وإنَّ منها)) الأخيرُ تتميماً للتتميم. ولا يخفى أنه يَرِدُ عليه منعُ إفادِه لاستيعاب جميع الانفعالات، وخلوِّه عن لطافة ما ذكرناه. والتفجّر: التفتّح بسعةٍ وكثرة، كما يدلُّ عليه جوهرُ الكلمة وبناءُ التفعُّل. والمراد من الأنهار: الماءُ الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إمَّا على حذف المضاف، أو ذكِر المحلِّ وإرادةٍ الحال، أو الإسناد مجازي، قال بعض المحقّقين: وحَمْلُها على المعنى الحقيقي وَهْمٌ؛ إذ التفتُّح لا يمكن إسناده إلى الأنهار، اللَّهم إلّا بتضمين معنى الحصولِ بأن يقال: يتفجّر ويحصل منه الأنهار، على أنَّ تفجير الحجارة بحيث تصير نهراً غيرُ معتاد، فضلاً عن كونها أنهاراً. والتشقُّق: التصدُّع بطولٍ أو بعَرْض. والخشية: الخوف، واختلف في المراد منها؛ فذهب قومٌ - وهو المَرْويُّ عن مجاهد وغيرِه - إلى أنَّها هنا حقيقةٌ، وهي مضافةٌ إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي: من خشية الحجارةِ اللهَ، ويجوز أن يخلق الله تعالى العقلَ والحياة في الحجر، واعتدالُ (١) هو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلةٍ تفيد نكتة. الإتقان ٨٧١/٢. سُورَةُ الْبَدَة ٢٥٤ الآية : ٧٤ المزاج والبنيةِ ليسا شرطاً في ذلك، خلافاً للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقةٌ بذلك، وفي الصحيح: (إِنَّي لَأَعرِفُ حجراً كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث))(١)، وأنه وَّهِ بعد مبعثه ما مرَّ بحجرٍ ولا مَدَرٍ إلَّاسلَّم عليه(٢)، وورد في الحجر الأسود أنه يشهد لِمَن استلمه(٣)، وحديثُ تسبيح الحصى بكفِّه الشريفِ وَّ مشهور (٤). وقيل: هي حقيقة، والإضافةُ هي الإضافة، إلا أنَّ الفاعل محذوفٌ هو العباد، والمعنى: إنَّ من الحجارة ما ينزل بعضُه عن بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه؛ وتحقيقهُ أنَّه لمّا كان المقصود منها خشية الله تعالى، صارت تلك الخشية كالعلَّة المؤثّرة في ذلك الهبوط، فيؤول المعنى: أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى. وذهب أبو مسلم إلى أنَّ الخشية حقيقةٌ، وأنَّ الضمير في ((منها لَمَا يهبط)) عائدٌ على القلوب(٥)، والمعنى: إنَّ من القلوب قلوباً تطمئنُّ وتسكنُ وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكنى عن ذلك بالهبوط. وقيل: إنَّها حقيقةٌ، إلَّا أنَّ إضافتَها مِن إضافة المصدر إلى الفاعل، والمرادُ بالحجر: الْبَرَدَ، وبخشيته تعالى: إخافتُه عبادَه بإنزاله. وهذا القولُ أبردُ من الثلج، وما قبله أكثفُ من الحجر، وما قبلهما بَيْنَ بَیْن. (١) أخرجه أحمد (٢٠٨٢٨)، ومسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سمرة و (٢) قطعة من حديث أخرجه الطيالسي (١٥٣٩)، والحارث (٩٢٨ - بغية الباحث) من حديث عائشة ها. وأخرجه الترمذي (٣٦٢٦)، والطبراني في الأوسط (٥٤٢٧) بنحوه من حديث علي له. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي تحفة الأحوذي ١٠/ ١٠٠ : حسن غريب. (٣) أخرجه أحمد (٢٢١٥)، والترمذي (٩٦١) وحسنه، وهو من حديث ابن عباس . (٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٤٤٢، والبزار (٤٠٤٠)، والطبراني في الأوسط (١٢٤٤) و(٤٠٩٧)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٦٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٣٢٥) و(٣٢٦) من حديث أبي ذر ◌ُّه. وأخرجه ابن الجوزي في العلل (٣٢٧) من حديث أنس ◌ُ، وينظر الشفا للقاضي عياض ٥٨٨/١، والبداية والنهاية ٨/ ٦٩٤ - ٦٩٦، وفتح الباري ٦/ ٥٩٢ . (٥) تفسير الرازي ٣/ ١٣٠، وذكر الماوردي في النكت والعيون ١٤٦/١ هذا القول أيضاً عن ابن بحر . الآية : ٧٤ ٢٥٥ سُورَةُ الْبَارَة وقال قوم: إنَّ الخشية مجازٌ عن الانقياد لأمر الله تعالى، إطلاقاً لاسم المَلزوم على اللَّازم، ولا ينبغي أن تُحمل على حقيقتها: أمَّا على القول بأنَّ اعتدال المزاج والبنيةِ شرطٌ، وما ورد ممَّا يقتضي خلافَه محمولٌ على أنَّ الله تعالى قَرَنَ ملائكته بتلك الجمادات، ومنها هاتيك الأفعال، ونحوُ: ((هذا جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه))(١) على حذفٍ مضافٍ، أي: يُخُبنا أهلُه ونُحبُّ أهلَه = فظاهر. وأمَّا على القول بعدم الاشتراط، فلأنَّ الهبوط والخشيةَ على تقديرٍ خَلْقِ العقل والحياة، لا يصحُّ أن يكون بياناً لكون الحجارة في نفسها أقلَّ قسوةً، وهو المناسبُ للمقام. والاعتراضُ بأنَّ قلوبَهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار، ولا تمتنع عمَّا يُراد بها على طريق القسر والإلجاء، كما في الحجارة، وعلى هذا لا يتمُّ ما ذُكر، فالأَولى الحملُ على الحقيقة = أُجيب عنه بأنَّ المراد أنَّ قلوبَهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثّر الذي يليق بها وخُلقت لأجله، بخلاف قلوبهم، فإنها تنبو عن التأثّر الذي يليق بها وخُلقت له. والجواب بأنَّ ما رأوه من الآيات ممَّا يَفْسِرُ القلب ويُلْجِئه، فلمَّا لم تتأثّر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة، ويتأثَّرُ الحجر من قاسٍ واحد، تكون قلوبهم أشدُّ قسوة = لا يخلو عن نظر؛ لأنه إن أُريد بذلك المبالغةُ في الدلالة على الصدق فلا ينفع، وإن أُريد به حقيقةُ الإلجاء فممنوعٌ، وإلَّا لَمَا تخلَّف عنها التأثُّر، ولَمَا استحقَّ مَنْ آمن بعد رؤيتها الثوابَ، لكونه إيماناً اضطراريًّا، ولم يقل به أحد. ثم الظاهر على هذا تعلُّقُ خشية الله بالأفعال الثلاثة السابقة. وقرئ: ((وإنْ)) على أنَّها المخفَّفةُ من الثقيلة(٢)، ويلزمُها اللامُ الفارقةُ بينها وبين النافية، والفرَّاء يقول: إنَّها النافية، واللام بمعنى ((إلا))، وزعم الكسائي أنَّ ((إنْ)) إن وَلِيَها اسمٌ كانت المخفَّفةَ، وإنْ فِعلٌ كانت النافيةَ، وتُظْرب: أنها إن وَلِيَها فِعلٌ كانت بمعنى ((قد)). (١) أخرجه أحمد (١٢٤٢١)، والبخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٦٥) و(١٣٩٣) من حديث أنس. (٢) القراءات الشاذة ص٧، والمحتسب ٩١/١ عن قتادة. سُورَةُ الََّة ٢٥٦ الآية : ٧٥ وقرأ مالك بن دينار: ((يَنْفَجِرُ)) مضارع انفجر (١)، والأعمش: ((يَتَشقَّق)(٢)، و «يَهْبُطُ)) بالضم(٣) . ﴿وَمَا اَللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (09﴾ وعيدٌ على ما ذكر، كأنه قيل: إنَّ الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسيةِ قلوبُهم، حافظٌ لأعمالهم مُخصٍ لها، فهو مُجازيهم بها في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن كثير: ((يعملون)) بالياء التحتانية(٤)، ضمَّا إلى ما بعده من قوله سبحانه: ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ و﴿يَسْمَعُونَ﴾ و﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية، المناسبة: ((وإذ قتلتم))، و((ادَّاراتم))، و((تكتمون)) إلخ، وقيل: ضمًّا إلى قوله تعالى: ﴿أَظْمَعُونَ﴾ بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعداً (٥) لهم، ويبعده أنه لا وجهَ لذكر وغْدِ المؤمنین تذییلاً لبيان قبائح اليهود. ﴿أَظْمَعُونَ﴾ : الاستفهامُ للاستبعاد، أو للإنكار التوبيخي. والجملة قيل: معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾، أو على مُقدَّرٍ بين الهمزة والفاء عند غير سيبويه، أي: أتحسبون(٦) أنَّ قلوبَهم(٧) صالحةٌ للإيمان فتطمعون؟ والطمع: تعلُّقُ النفس بإدراك مطلوبٍ تعلُّقاً قويًّا، وهو أشدُّ من الرجاء، لا يحدث إلَّا عن قوةٍ رغبةٍ وشدَّةِ إدارةٍ، والخطاب لرسول الله وَلخير والمؤمنين. أو للمؤمنين؛ قاله أبو العالية وقتادة. أو للأنصار؛ قاله النقَّاش. والمرويُّ عن ابن عباس ومقاتل: أنه لرسول الله وَل﴿ خاصةً، والجمعُ للتعظيم. ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ أي: يصدِّقوا مُستَجيبينَ لكم، فالإيمانُ بالمعنى اللُّغوي، والتعدية باللام للتضمين، كما في قوله تعالى: ﴿فَامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. (١) الكشاف ١/ ٢٩٠، والمحرر الوجيز ١٦٧/١. (٢) القراءات الشاذة ص٧، وفيه أن الأعمش ومالك بن دينار قرأا: ((لمَّا يتفجَّر)). (٣) المحتسب ١/ ٩٢. (٤) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٧/٢. (٥) في (م): وعد. (٦) في الأصل و(م): تحسبون، والمثبت هو الصواب. (٧) في (م): قلوبكم، وهو تصحيف. الآية : ٧٥ ٢٥٧ سُوَّةُ الْبَعَة أو: يؤمنوا لأَجْلِ دعوتكم لهم - فالفعل مُنَّزلٌ منزلةَ اللازم - والمرادُ بالإيمان المعنى الشرعيُّ، واللام لامُ الأَجْل. وعلى التقديرين (أن يؤمنوا)) معمولٌ لـ ((تطمعون)) على إسقاطِ حرفِ الجرِّ، وهو في موضع نصبٍ عند سيبويه، وجَرِّ عند الخليل والكسائيّ. وضميرُ الغَيبة لليهود المعاصرين له وَّر؛ لأنهم المطموعُ في إيمانهم. وقيل: المراد جنسُ اليهود، ليصحَّ جَعْلُ طائفةٍ منهم مطموعَ الإيمان وطائفةٍ محرِّفین، وفيه ما لا يخفى. ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: طائفةٌ من أسلافهم وهم الأحبار ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ﴾ أي: يسمعون التوراة ويؤوِّلونها تأويلاً فاسداً حَسْبَ أغراضهم، وإلی ذلك ذهب ابن عباس والجمهورُ على أنَّ تحريفَها بتبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نَعْتِهِوَِّ، فإنه روي أنَّ من صفاته فيها أنه أبيضَُّ ربعةٌ، فغيَّروه بأسمر طويل، وغيّروا آيَةَ الرَّجم بالتسخيم وتسويدِ الوجه، كما في البخاري(١). وقيل: المراد بكلام الله تعالى ما سمعوه على الُور، فيكون المراد من الفريق طائفةً من أولئك السبعين، وقد روى الكلبيُّ أنهم سألوا موسى عليه السلام أن يُسمعهم كلامه تعالى، فقال لهم: اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة. ففعلوا فأسمعهم الله تعالى كلامه، ثم قالوا: سمعنا يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا. والتحريفُ على هذا: الزيادة. ثم لا يخفى أنَّ فيما افتروا شاهداً على فساده، حيث علَّقوا الأمر بالاستطاعة والنهيَ بالمشيئة، وهما لا يتقابلان، وكأنهم أرادوا بالأمر غيرَ الموجب، على معنى: افعلوا إن شئتم وإن شئتم فلا تفعلوا. كذا أفاده العلّامة(٢)، ومقصودهُ بيانُ منشأً تحريفهم الفاسد، فلا ينافي كونَ عدم التقابل شاهداً على فساده. ومقتضى هذه الرواية أنَّ هؤلاء سمعوا كلامَه تعالى بلا واسطة، كما سمعه موسى عليه السلام، والمصحَّح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة، وأنَّ ذلك مخصوصٌ به عليه السلام. (١) صحيح البخاري (٤٥٥٦) و(٦٨١٩) و(٧٥٤٣)، وأخرجه مسلم (١٦٩٩)، وهو من حديث عبد الله بن عمر ة (٢) أي: أبو السعود في تفسيره ١١٦/١. سُورَةُ الْبَقَة ٢٥٨ الآية : ٧٦ وقيل: المرادُ به الوحيُّ المنزل على نبيِّنَا وَّهِ، كان جماعةٌ من اليهود يسمعونه فيحرِّفونه قصداً أن يُدخلوا في الدِّين ما ليس منه، ويحصل التضادُّ في أحكامه ﴿وَيَأْبَ اَللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِزَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. وقرأ الأعمش: ((كَلِمَ الله))(١). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: ضَبَطوه وفَهِموه، ولم يَشْتَبِهْ عليهم صحتُه، و((ما)) مصدرية، أي: من بعد عَقْلِهم إياه، والضميرُ في ((عقلوه) عائدٌ على كلام الله. وقيل: ((ما)) موصولة، والضمير عائدٌ عليها، وهو بعيد. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ متعلّقُ العلم محذوف، أي: أنَّهم مُبْطِلون كاذبون، أو: ما في تحريفه من العقاب، وفي ذلك كمالُ مذمَّتهم، وبهذا التقرير يندفع توقُّمُ تكرارٍ ما ذكر بعد ما عقلوه. وحاصلُ الآيةِ استبعادُ الطمع في أن يقع من هؤلاء السَّفلة إيمان، وقد كان أحبارُهم ومقدَّموهم على هذه الحالة الشنعاء، ولا شكَّ أنَّ هؤلاء أسوأُ خلقاً وأقلُّ تمييزاً من أسلافهم. أو استبعادُ الطمع في إيمان هؤلاء الكَفَرةِ المحرِّفين، وأسلافُهم الذين كانوا زمن نبيِّهم فعلوا ذلك، فلهم فيه سابقة، وبهذا يندفع ما عسى أن يختلج في الصدر من أنه كيف يلزم من إقدام بعضهم على التحریف حصولُ اليأس من إيمان باقيهم؟ ﴿وَإِذَا لَقُّواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾: جملةٌ مستأنفةٌ سِيقت إِثْرَ بيانِ ما صدر عن أسلافهم، لبيان ما صدر عنهم بالذَّاتِ من الشَّنائع المؤيسة عن إيمانهم، من نفاق بعضٍ، وعتابٍ آخرين عليهم، ويحتمل أن تكون حاليةً معطوفةً على ((وقد كان فريقٌ منهم)) إلخ. وقيل: معطوفة على ((يسمعون)). وقيل: على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قََّلْتُمْ نَفْسًا﴾ عَظْفَ القصة على القصة. وضميرُ ((لقوا)) لليهود على طِبْقِ (أن يؤمنوا لكم))، وضميرُ ﴿قَالُوا﴾ لِلَّقين، لكن لا يتصدَّى الكلُّ للقول حقيقةً، بل بمباشرةٍ منافقيهم وسكوتِ الباقين، فهو من إسنادٍ ما للبعضِ للكلِّ، ومثلُه أكثر من أن يُحصى، وهذا أَدخَلُ كما قال مولانا مفتي الديار الرومية في تقبيح حال السَّاكتين أولاً، العاتبين ثانياً - لِمَا فيه من الدلالة على نفاقهم واختلافِ أحوالهم وتناقُضٍ آرائهم - من إسناد القول إلى المباشِرين خاصةً (١) القراءات الشاذة ص٧، والمحتسب ٩٣/١. الآية : ٧٦ ٢٥٩ سُوَّةُ الْجَفَقَة بتقدير المضاف، أي: قال منافقوهم (١)، كما فَعَلَه البعض. وقيل: الضمير الأول لمنافقي اليهود كالثاني، ليتَّحددَ فاعلُ الشَّرط والجزاء مراعاةً لحقٌ النظم، ويؤيِّده ما روي عن ابن عباس والحسن وقتادة في تفسير ﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ يعني: منافقي اليهود المؤمنين الخُلَّصَ. قالوا: إلا أنَّ السِّباق واللَّحاق . كما رأيت وسترى - يُبْعِدان ذلك. وقرأ ابن السَّميفع: ((لاقوا))(٢). ﴿وَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: انفرد(٣) بعضُ المذكورين - وهم الساكتون منهم - بعد فراغهم عن الاشتغال بالمؤمنين، متوجّهين منضمِّين إلى بعضٍ آخر منهم، وهم مَن نافق. وهذا كالنصِّ على اشتراك السّاكتين في لقاء المؤمنين، إذ الخلوُّ إنما يكون بعد الاشتغال، ولأنَّ عتابهم معلَّقٌ بمحض الخلوِّ، ولولا أنهم حاضرون عند المُقاولة لوجب أن يُجعل سماعُهم من تمام الشرط، ولأنَّ فيه زيادةَ تشنيعٍ لهم على ما أُوتوا من السكوت ثم العتاب. ﴿قَالُوا﴾: أي: أولئك البعضُ الخالي، موبِّخين لمنافقيهم على ما صنعوا بحضرتهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تُخبرون المؤمنين بما بيَّنه الله تعالى لكم خاصةً من نعت نبيِّه محمد وآله؛ أو من أَخْذ العهود على أنبيائكم بتصديقه وَّه ونصرته. والتعبيرُ عنه بالفتح للإيذان بأنه سرِّ مكتومٌ وباب مغلق. وفي الآية إشارةٌ إلى أنهَّم لم يكتفوا بقولهم: ((آمنا»، بل علَّلوه بما ذُكِر، وإنما لم يصرّح به تعويلاً على شهادة التوبيخ. ومن الناس مَن جوَّز كونَ هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا، وحينئذٍ يكون البعض الذي هو فاعلُ ((خلا)) عبارةً عن المنافقين، وفيه وَضْعُ المُظهَر موضعَ المُضمَرِ تكثيراً للمعنى، والاستفهامُ إنكارٌ ونهيٌّ عن التحديث في الزمان المستقبل. وليس بشيء وإنْ جلَّ قائلُه، اللهم إلّا أن يكون فيه روايةٌ صحيحة، ودون ذلك خَرْطُ القتاد. (١) تفسير أبي السعود ١/ ١١٧. (٢) البحر ٢٧٢/١، وينظر القراءات الشاذة ص٢. (٣) في (م): أي إذا انفرد. سُورَةُ الْبََّقَة ٢٦٠ الآية : ٧٦ ﴿لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ﴾ متعلِّقٌ بالتّحديث دون الفتح، خلافاً لمَن تكلَّف له، والمراد تأكيدُ النكير وتشديدُ التَّوبيخ، فإنَّ التحديث - وإن كان منكراً في نفسه - لكنَّه لهذا الغرض ممَّا لا يكاد يصدر عن العاقل، والمفاعلةُ هنا غيرُ مُرَادةٍ، والمراد: ليَحتجُوا به عليكم، إلا أنه إنَّما أتى بها للمبالغة، وذَكّر ابن تمجيد(١): أنه لو ذهب أحدٌ إلى المشاركة بين المحتَجِّ عليه، بأن يكون من جانبٍ احتجاجٌ، ومن جانب آخرَ سماع، لكان له وجهٌ كما في: بايعت زيداً. وقد تقدَّم ما ينفعك هنا فتذكَّر. واللام هذه لامُ كي، والنصب بـ ((أن)) مُضمَرةٍ بعدها، أو بها، وهي مفيدةٌ للتعليل، ولعلَّه هنا مجازٌ؛ لأنَّ المحدِّثين لم يَحوموا حول ذلك الغرض، لكنَّ فعلَهم ذلك لمَّا كان مُستَتبعاً له البتة جُعلِوا كأنَّهم فاعلون له، إظهاراً لكمالٍ سخافةٍ عقولهم وركاكةٍ آرائهم. وضمير ((به)) راجع إلى ((ما فتح الله)) على ما يقتضيه الظاهر. ﴿عِنْدَ رَيَّكُمُّ﴾ أي: في كتابه وحُكمه، وهو عند عصابةٍ بدلٌ من (به))، ومعنى كونه بدلاً منه: أنَّ عامله الذي هو نائبٌ عنه بدلٌ منه؛ إمَّا بدل الكلِّ إن قُدِّر صيغةً اسم الفاعل، أو بدل اشتمالٍ إن قُدِّر مصدراً، وفائدتُه بيانُ جهة الاحتجاج بما فتح الله تعالى، فإنَّ الاحتجاج به يُتُصوَّر على وجوهٍ شتَّى، كأنَّه قيل: ليحاجُوكم به بكونه في كتابه، أي: يقولوا: إنَّه مذكورٌ في كتابه الذي آمنتم به، وبما ذُكِر يظهر وجهُ الجمع بين قوله تعالى: ((به)) أي: بما فتح الله عليكم، وقولِه تعالى: ((عند ربِّكم))، واندفع ما قيل: لا يصحُّ جَعْلُهُ بدلاً لوجوب اتحاد البدل والمبدل منه في الإعراب، وهاهنا ليس كذلك لكون الثاني ظرفاً والأولِ مفعولاً به بالواسطة. وقيل: المعنى: بما عند ربِّكم، فيكون الظرف حالاً من ضمير (به))، وفائدتُه التصريحُ بكون الاحتجاج بأمرٍ ثابت عنده تعالى، وإنْ كان ذلك مستفاداً من كونه بما فتح الله تعالى. وقيل: عند ذِكْرٍ ربِّكم، فالكلام على حذف مضاف، والمراد من الذكر: الكتاب، وجَعْلُ المحَاجَّة بما فتح الله تعالى باعتبارِ أنَّه في الكتاب مُحاجَّةٌ عنده (١) مصطفى بن إبراهيم، مصلح الدين الحنفي، كان معلم السلطان محمد الفاتح، له حاشية على تفسير البيضاوي طبعت بهامش حاشية القونوي على الكشاف. هدية العارفين ٢/ ٤٣٣، والأعلام ٢٢٨/٧.