Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٦٤ ٢٢١ سُورَةُ الْجَمَة هاهنا أنَّ كلمة «لعلَّ) متعلِّقة بـ ((خذوا)) و((اذكروا)) إما مجاز يَؤُولُ معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته، أو حقيقة لرجاء المخاطَب، والمعنى: خذوا واذكروا راجين أن تكونوا مثَّقين، ويرجِّح المعنى المجازيَّ أنه لا معنى لرجائهم فيما يشقُّ عليهم، أعني: التقوى، اللهم إلا بإعتبارِ تكلّفِ أنَّهم سمعوا مناقب المتَّقين ودرجاتهم، فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم. وجوَّز المعتزلة كونَها متعلِّقةً بـ ((قلنا)) المقدَّر، وأَوَّلوا الترجّي بالإرادة، أي: قلنا: [خذوا](١) واذكروا إرادة أن تثَّقوا، وهو مبنيٌّ على أصلهم الفاسدٍ من أنَّ إرادة الله تعالى لأفعال العباد غيرُ موجبة للصدور؛ لكونها عبارةً عن العلم بالمصلحة. وجوَّز العلامة تعلُّقها إذا أوّل الترجِّي بالإرادة بـ ((خذوا)) أيضاً، على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب. وجوَّز الشهاب(٢) أن تتعلق بالقول على تأويله بالطلب، والتخلَّفُ فيه جائز. وفيه: أن القول المذكور، وهو: ((خذوا ما آتيناكم)) بعينه طلبُ التقوى، فلا يصحُّ أن يقال: خذوا ما آتيناكم طالباً منكم التقوى إلا بنوعٍ تكلّف، فانهم. ثمَّ تَوَلَيْتُم مِرْ بَعْدٍ ذَلِكٌ﴾ أي: أعرضتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتُم. وأصل التولِّي: الإعراضُ المحسوس، ثم استُعمل في الإعراض المعنوي؛ كعدم القبول، ويُفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ اْخَِينَ ﴾ الفضل: التوفيق للتوبة، والرحمةُ: قبولُها، أو الفضل والرحمة: بعثةُ رسولِ الله ◌ِوَّهِ، وإدراكُهم لمدَّته، فالخطاب على الأول جارٍ على سَنَن الخطابات السابقة مجازاً باعتبار الأسلاف، وعلى الثاني جارٍ على الحقيقة. والخسران: ذهابُ رأس المال أو نقصُهُ، والمراد: لكنتم مغبونين هالكين بالانهماك في المعاصي، أو بالخَبْط في مهاوي الضلال عند الفترة، وكلمةُ ((لولا)) (١) زيادة من الكشاف ٢٨٦/١. (٢) في الحاشية ٢/ ١٧٤ . سُورَةُ الْبََّنَة ٢٢٢ التفسير الإشاري (٦٣) إما بسيطةٌ، أو مركّبةٌ من ((لو)) الامتناعية - وتقدَّم الكلام عليها - وحرفِ النفي، والاسمُ الواقع بعدها عند سيبويه(١) مبتدأُ خبرُهُ محذوفٌ وجوباً؛ لدلالة الحال عليه وسدِّ الجواب مسدَّه، والتقدير: ولولا فضلُ الله ورحمتُه حاصلان. ولا يجوز أن يكون الجوابُ خبراً؛ لكونه في الأغلب خالياً عن العائد إلى المبتدأ، وعند الكوفيين فاعلُ فعلٍ محذوفٍ أي: لولا ثَبتَ فضلُ الله تعالى ... إلخ. و ((لكنتم)) جواب ((لولا))، ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجباً، وقيل: إنه لازمٌ إلا في الضرورة كقوله: لولا الحیاءُ ولولا الدینُ عِبتُكُما بِبَعضِ ما فيكُما إذا عبْتُما عَوَري (٢) وجاء في كلامهم بعد اللام قد؛ كقوله : لقد شربْتُ دماً (٣) أحلى من العسلِ(٤) لولا الأميرُ ولولا خوفُ طاعتِهِ وقد جاء أيضاً حَذْفُ اللام وإبقاءُ ((قد)» نحو: لولا زيدٌ قد أكرمُتك. ولم يجىء في القرآن مثبتاً إلا باللَّام، إلا فيما زعم بعضهم أنَّ قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] جواب ((لولا)) قُدِّم عليها. هذا ومن باب الإشارة والتأويل في الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ﴾ المأخوذَ بدلائلٍ العقل بتوحيد الأفعال والصفات ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ طُورَ الدماغ للتمكّن من فَهْم المعاني وقبولها، أو أشار سبحانه بالظُور إلى موسى القلب، وبرَفْعه إلى علوِّه واستيلائه في جوِّ الإرشاد، وقلنا: ﴿خُذُوا﴾ أي: اقبلوا ﴿مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾ من كتاب العقل الفُرقاني بجدٌّ، وَعُوا ما فيه من الحِكَم والمعارِف والعلوم والشرائع؛ لكي تتَّقوا الشرك والجهل والفسق، ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك، فلولا حكمةُ الله تعالى بإمهاله، وحُكْمِه بإفضاله، لعاجَلَتكم العقوبة، ولَحَلَّ بكم عظيم المصيبة: (١) في الكتاب ١٢٩/٢ . (٢) البيت لتميم بن مقبل، وهو في ديوانه ص٧٦. (٣) في الأصل و(م): وما، وهو تصحيف. (٤) البيت لأبي سعيد المخزومي، كما في أمالي القالي ٢٥٩/١، وهو دون نسبة في البحر ٢٤٤/١، وفيهما :... ولولا حقُّ طاعته ... الآية : ٦٥ ٢٢٣ سُورَةُ الْبََّفَة إلى اللهِ يُدعى بالبراهين مَن أَبَى فإنْ لم يُجِبْ بادتْهُ بيضُ الصَّوَارِمِ (١) ﴿وَلَقَّدْ عَلِيْتُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِىِ السَّبْتِ﴾ اللامُ واقعةٌ في جواب قَسَمِ مُقَدِّر، و(عَلِمَ)) هنا كَعَرف، فلذلك تعدَّت إلى واحد، وظاهرُ هذا أنهم علموا أعيانَ المعتدين، وقدَّر بعضُهم مضافاً، أي: اعتداءَ الذين، وقيل: أحكامَهم. و((منكم)) في موضع الحال. و((السبت)): اسمٌ لليوم المعروف، وهو مأخوذٌ من السَّبت الذي هو القَطْع؛ لأنه سُبتَ فيه خَلْقُ كلِّ شيءٍ وعَمَلُهُ. وقيل: من السُّبوت وهو الراحة والدَّعة، والمراد به هنا: اليومُ، والكلام على حذف مضافٍ، أي: في حُكُم السبت؛ لأنَّ الاعتداء والتجاوزَ لم يقع في اليوم بل وقع في حُكْمِه، بناءً على ما حكي: أنَّ موسى عليه السلام أراد أن يجعل يوماً خالصاً للطاعة، وهو يومُ الجمعة، فخالفوه وقالوا: نجعلُه يومَ السبت؛ لأنَّ الله تعالى لم يَخْلُقْ فيه شيئاً. فأوحى الله تعالى إليه: أنْ دَعْهم وما اختاروا ثم امتَحِنْهم فيه، فأَمَرهم بترك العمل وحرَّم عليهم فيه صيد الحيتان، فلمَّا كان زمنُ داود عليه السلام اعتدوا، وذلك أنَّهم كانوا يسكنون قريةً على الساحل يقال لها أَيْلَةِ (٢)، وإذا كان يومُ السبت لم يبق حوثٌ في البحر إلَّا حَضَرَ هناك وأخرج خرطومه، وإذا مضى تفرَّقت، فحفروا حياضاً وأشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها يومَ السبت بالموج، فلا تقدر على الخروج؛ لبُعد العمق وقلَّة الماء، فيصطادونها يومَ الأحد. وروي أنهم فعلوا ذلك زماناً فلم ينزل عليه عقوبة، فاستبشروا وقالوا : قد أُحِلَّ لنا العملُ في السبت، فاصطادوا فيه علانيةً، وباعوا في الأسواق. وعلى هذا، يصحُّ جَعْلُ اليوم ظرفاً للاعتداء، ولا يحتاج إلى تقديرٍ مضاف. وقيل: المراد بالسبت هنا مصدرُ سَبَتَتِ اليهود: إذا عظّمت يوم السبت، وليس بمعنى اليوم، فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضافٍ؛ إذ يَؤُولُ المعنى إلى أنهم اعتدوا في التعظيم، وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم. (١) البيت في البحر ٢٤٥/١، وفيه: نادته، بدل: بادته. (٢) مدينة على ساحل بحر القلزم (وهو البحر الأحمر) مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. معجم البلدان ٣٩١/١. سُورَةُ الْبَقَة ٢٢٤ الآية : ٦٥ وقد ذكر بعضهم أنَّ تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى عليه السلام، وأنَّ أسماءها قبلُ غير ذلك، وهي التي في قوله : بأوَّلَ أو بأَهوَنَ أو جُبَارٍ أُؤَمِّلُ أن أعيشَ وأنَّ يَومِي فمُؤْنِس أو عَرُوبة أو شِيَارٍ(١) أو الثَّالي دُبارٍ فإنْ أَفُتْهُ واستُدلَّ بهذه الآية على تحريم الحِيّل في الأمور التي لم تُشْرَعْ كالربا، وإلى ذلك ذهب الإمام مالك، فلا تجوزُ عنده بحالٍ. قال الكواشيُّ: وجوَّزها أكثرُهم ما لم يكن فيها إبطالُ حقِّ أو إحقاقُ باطل. وأجابوا عن التمسُّك بالآية بأنها (٢) ليست حيلةً، وإنما هي عينُ المنهيِّ عنه لأنهم إنما نُهوا عن أخذها. ولا يخفى ما في هذا الجواب، وتحقيقُه في كتب الفقه. ، القِرَدة: جمع قِرْد، وهو معروف، ويُجمع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُنُوا فِرَدَةٌ خَسِينَ ﴾ (فِعْل)، الاسمُ قياساً على فُعول، وقليلاً على فِعَلَة. والخُسوء: الصَّغار والذِّلة، ويكون متعدِّياً ولازماً، ومنه قولُهم للكلب: اخْسَأُ. وقيل: الخُسوء والخَساء مصدرُ خَسَأ الكلبُ: بَعُدَ، وبعضُهم ذكر الطّرد عند تفسير الخسوء كالإبعاد، فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد، وإلَّا لَكَان الخاسىءُ بمعنى الطَّارِدِ، والتحقيقُ أنه معتَبرٌ في المفهوم إلَّا أنه بالمعنى المبنيِّ للمفعول، وكذلك الإبعاد، فالخاسئ: الصَّاغِرُ المبعَدُ المطرود. (١) نسبهما أبو هلال العسكري في الأوائل ٤٩/١ للأعشى، وليسا في ديوانه، والقلقشندي في صبح الأعشى ٣٦٥/٢ للنابغة، وليسا في ديوانه، وهما في اللسان (جبر) دون نسبة وفيه: فإن يفتني، وفي الأوائل: أو التالي دبار أو فيومي بمؤنس. قال القلقشندي: كانوا يسمون الأحد أول؛ لأنه أول أعداد الأيام، ويسمون الاثنين أهون أخذاً من الهَوْن والھُوَينى، وأوهد أيضاً أخذاً من الوَهْدة؛ لانخفاضه عن اليوم الأول في العدد، ويسمون الثلاثاء جُبّاراً؛ لأنه جبر به العدد، ويسمون الأربعاء دُباراً؛ لأنه دَبَر ما جُبر به العدد، أي: جاء دُبُرّه، ويسمُّون الخميس مؤنساً؛ لأنه يؤنس به لبركته، ويسمون الجمعة العَرُوبة، وفي لغة شاذة: عَرُوبةً بغير ألف ولام مع عدم الصرف، ومعناه: اليوم البيِّن، أخذاً من قولهم: أَغْرب، إذا أبان، والمراد أنه بيِّن العظمة والشرف. (٢) في (م): فإنها . الآية : ٦٥ ٢٢٥ سُوَّةُ الْبَّرَة وظاهِرُ القرآن أنهم مُسِخوا قِرَدةً على الحقيقة، وعلى ذلك جمهورُ المفسِّرين، وهو الصحيح. وذكر غيرُ واحدٍ منهم أنَّهم بعد أن مُسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا، ولم يعيشوا أكثرَ من ثلاثة أيام، وزعم مقاتلٌ أنهم عاشوا سبعةً أيام وماتوا في اليوم الثامن. واختار أبو بكر بن العربيّ(١) أنهم عاشوا، وأنَّ القردة الموجودين اليوم من نَسْلهم. ويردُّه ما رواه مسلم عن ابن مسعود عظُله: أنَّ رسول الله وَ﴿ قال لِمَن سأله عن القِرَدَةِ والخنازير: أهي ممَّا مُسِخ؟: ((إنَّ الله تعالى لم يُهْلِكْ قوماً - أو يعذِّب قوماً - فيَجْعلَ لهم نَسْلاً، وإنَّ القردةَ والخنازيرَ كانوا قَبْلَ ذلك))(٢). وروى ابنُ جرير عن مجاهد: أنه ما مُسِخُتْ صُوَرُهم، ولكن مُسِخَتْ قلوبُهم(٣)، فلا تَقبلُ وَعْظَاً ولا تَعي زَجْراً، فيكون المقصودُ من الآية تشبيهَهم بالقردة؛ كقوله: إذا أنت لم تَعشق ولم تَدْرٍ ما الھوی فكنْ حَجَراً من يابسِ الصَّخرِ جَلْمَدا(٤) و (كونوا)) على الأول: ليس بأمرٍ حقيقة؛ لأنَّ صيرورتهم إلى ما ذُكر ليس فيه تكسُّبٌ لهم؛ لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم، بل المرادُ منه سرعةُ التكوين، وأنَّهم صاروا كذلك كما أراد من غيرِ امتناعٍ ولا لبثٍ. وعلى الثاني: يكون الأمر مجازاً عن الشَّخلية والتَّرْك والخذلان، كما في قوله وَهُ: ((اصْنَعْ ما شِئْتَ))(٥). وقد قرَّره العلّامة في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَّيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾ [العنكبوت: ٦٦]. والمنصوبان خَبَران للفعل الناقص، ويجوز أن یکون ((خاسئين)) حالاً من الاسم. ويجوز أن يكون صفةً لـ ((قردة))، والمرادُ وَصْفُهم بالصَّغار عند الله تعالى، دفعاً لتوهُّمِ أن يُجْعَلَ مَسْخُهم وتعجيلُ عذابِهِم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفعٍ (١) في أحكام القرآن ٧٨٨/٢. (٢) صحيح مسلم (٢٦٦٣)، وأخرجه أحمد (٣٧٠٠). (٣) تفسير الطبري ٢/ ٦٥ . (٤) البيت للأحوص الأنصاري، وهو في ديوانه ص٥٣ . ، (٥) أخرجه أحمد (١٧٠٩٠)، والبخاري (٣٤٨٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري ولفظه: ((إنَّ ممَّا أَذْرَكَ الناسُ من كلام النبوة الأولى إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت)). سُوَّةُ الْبَّكَوَة ٢٢٦ الآية : ٦٦ درجاتهم. واعتُرض أنه لو كان صفةً لها لوجب أن يقول: خاسئةً؛ لامتناع الجمع بالواو والنون في غير ذوي العلم. وأُجيب بأنَّ ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في ﴿مَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء، أو بأنَّ المسخ إنَّما كان بتبديل الصورة فقط وحقيقتُهم سالمٌ، على ما روي أنَّ الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نَهَوْهم، فيقول له : أَمْ أَنْهَكَ؟ فيقول: بلى، ثم تسيل دموعه على خدِّه(١). ولم يتعرَّض في الآية لمسخ (٢) شيء منهم خنازير. وروي عن قتادة أنَّ الشباب صاروا قردةً، والشيوخَ صاروا خنازيرَ، وما نجا إلا الذين نَهَوا، وهلك سائرُهم. وقرئ: ((قَرِدَة)) بفتح القاف وكسر الراء. و((خاسين)) بغير همز(٣). ﴿َعَلْنَهَا نَكَلًا﴾ أي: كينونتَهم وصيرورتّهم قردةً، أو المَسْخةَ، أو العقوبةَ، أو الآيةَ المدلولَ عليها بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِتُهُ﴾. وقيل: الضميرُ للقرية، وقيل: للحيتان. والنَّكال: واحدُ الأنكال، وهي القيود، ونكّل به: فَعَلَ به ما يَعْتَبِرُ به غيرهُ، فيمتنع عن مثله. ﴿لَمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: لمُعاصريهم ومَن خَلْفَهم، وهو المرويُّ عن ابن عباس ها وغيرهُ. وروي عنه أيضاً: لِمَا بحَضْرَتها من القرى، أي: أهلها وما تَّبَاعَدَ عنها . أو للآتين والماضِينَ، وهو المختارُ عند جماعة، فكلٌّ من ظرفي المكان مستعارٌ للزمان، و((ما)) أُقيمت مُقام ((مَن)) إمَّا تحقيراً لهم في مقام العظمة والكبرياء، أو لاعتبار الوصف، فإنَّ ((ما)) يُعبّر بها عن العقلاء تعظيماً إذا أريد الوصفُ؛ كقوله: سبحان ما سخّركُنَّ. وصحَّح كونَها نكالاً للماضين: أنَّها ذُكرت في زُبُر الأولين فاعتبروا بها. وصحَّت الفاء؛ لأنَّ جَعْلَ ذلك نكالاً للفريقين إنَّما يتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن الفاء إنمَّا تدلُّ على ترتّب(٤) جعلِ العقوبة نكالاً على القول (١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٣٢/١ عن عطاء بنحوه. (٢) في (م): بمسخ. (٣) القراءتان في تفسير البيضاوي ١٥٩/١، والثانية رواية لابن وردان، كما في النشر ٣٩٧/١. (٤) في الأصل: ترتيب. الآية : ٦٦ ٢٢٧ سُورَةُ الْبَقَة وتَسبُّبِه عنه، سواء كان على نفسه أو على الإخبار به، فلا ينافي حصولَ الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة. وقيل: اللام لامُ الأَجْلِ، و((ما)) على حقيقتها، والنكال بمعنى العقوبة لا العبرة، والمراد بـ ((ما بين يديها)) ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك، وب ((ما خلفها)) ما بعدها. والقولُ بأنَّ المراد: جَعَلْنا المسخَ عقوبةً لأَجْل ذنوبهم المتقدِّمةِ على المسخة والمتأخّرةِ عنها، يستدعي بقاءهم مكلّفين بعد المسخ، ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد (١). وحَمْلُ الذنوب التي بعد المَسخة على السيئات الباقيةِ آثارُها، ليس بشيء كما لا يخفى. وقولُ أبي العالية: إنَّ المراد بـ ((ما بين يديها)) ما مضى من الذنوب، وبـ ((ما خلفها)) من يأتي بعدُ، والمعنى: فجعلناها عقوبةً لِمَا مضى من ذنوبهم، وعبرةً لمَن بعدهم = مُنْحَظٍّ من القول جدًّا؛ لمَزيد ما فيه من تفكيك النَّظم والتكلّف. ﴿وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الموعظةُ: ما يُذكر ممَّا يُلين القلب، ثواباً كان أو عقاباً. والمراد بـ ((المتقين)): ما يعمُّ كلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أمة، وإليه ذهب ابن عباس ◌ًُّا. وقيل: من أمة محمد چ. وقيل: منهم؛ ويحتمل أنهم اتَّعظوا بذلك وخافوا من ارتكاب خلاف ما أُمروا به، ويحتمل أنهم وَعَظَ بعضُهم بعضاً بهذه الواقعة. وحظّ العارف من هذه القصة أن يعرف أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الناس لعبادته، وجعلهم بحيث لو أُهملوا وتُركوا وخُلُّوا بينهم وبين طباعهم، لتوَغَّلوا وانهمكوا في اللَّذَّات الجسمانية، والغواشي الظلمانية؛ لضروراتهم لها واعتيادهم من الطفولية عليها : والنَّفسُ كالطفلِ إنْ تُهمِلْهُ شَبَّ على حُبِّ الرَّضَاعِ وإنْ تَفْطِمُهُ يَنْفَطِمِ (٢) فَوَضَعَ الله تعالى العبادات، وفَرَضَ عليهم تكرارَها في الأوقات المعيَّنة ليزول عنهم بها دَرَنُ الطّباعِ المتراكمُ في أوقات الغفلات، وُلمةُ الشواغل العارضةُ في أزمنة ارتكاب الشهوات، وجَعَلَ يوماً من أيام الأسبوع مخصوصاً للاجتماع على (١) سلف ص٢٢٥ من هذا الجزء. (٢) البيت من قصيدة البردة للبوصيري. ، سُؤَدَّةُ الْبَقَة ٢٢٨ الآية : ٦٧ العبادة، وإزالة وحشة التفرقة، ودَفَع ظلمةَ الاشتغال بالأمور الدنيوية، فَوَضَعَ السبت لليهود؛ لأنَّ عالَم الحسِّ الذي إليه دعوة اليهود هو آخِرُ العوالم، والسبتُ آخرُ الأسبوع، والأحدَ للنصارى؛ لأنَّ عالمَ العقل الذي إليه دعوتُهم أولُ العوالم، ويومُ الأحد أول الأسبوع، والجمعةً للمسلمين؛ لأنه يومُ الجَمْع والختم، فهو أوفقُ بهم وأليقُ بحالهم. فمَن لم يُراعِ هذه الأوضاعَ والمراقباتِ أصلاً، زال نورُ استعداده، وطَفِئَ مصباحُ فؤاده، ومُسَ كما مُسخ أصحابُ السبت، ومَن غلب عليه وَصْفٌ من أوصاف الحیوانات، ورسخ فیه بحیث أزال استعداده، وتمگّن في طباعه، وصار صورةً ذاتيةً له؛ كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلاً، أطلق عليه اسم ذلك الحيوان، حتى كأنه(١) صار طباعُه طباعَه، ونفسُه نفسَه، فليَجْهَدِ المرءُ على حفظ إنسانيته وتدبيرٍ صحته بشراب الأدوية الشرعية، والمعاجين الحكمية، وَلْيَحُثَّ نفسَه بالمواعظ الوَعْدية والوَعِيدية: وإنْ تَنْبِثْ نحوَ الفضائلِ تَلْهَجِ هي النفسُ إنْ تُهْمَلْ تُلازِمْ خَسَاسةً ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِيِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَّةٌ﴾ بيانُ نوعٍ من مساوئهم من غير تعديد النِّعم، وصحَّ العطف لأنَّ ذكر النعم سابقاً كان مشتملاً على ذكر المَسَاوئ أيضاً، من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك. وقد يقال: هو على نمط ما تقدَّم؛ لأنَّ الذبح نعمةٌ دنيويةٌ لرفع التشاجُر بين الفريقين، وأُخروية لكونه معجزةً لموسى عليه السلام. وكأنَّ مولانا الإمامَ الرازيَّ خفي عليه ذلك فقال: إنَّه تعالى لمَّا عدَّد وجوه إنعامه عليهم أولاً، ختم ذلك بشرح بعض ما وُجِّه إليهم من التشديدات، وجَعَل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية(٢)، وليس بالبعيد. وأوَّلُ القصّة: قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَّارَهْ تُمْ فِيهَا﴾ إلخ، وكان الظاهرُ أن يقال: قال موسى إذا قُتل قتيل تُنُوزع في قاتله: إنَّ الله يأمر بذبح بقرةٍ هي كذا وكذا، وأن يُضرب ببعضها ذلك القتيلُ [فيحيا](٣) ويخبر بقاتله، فيكون كيت وكيت، إلا أنه (١) في (م): كأن. (٢) تفسير الرازي ١٠٩/٣ و١١٤. (٣) زيادة من حاشية الشهاب ١٧٦/٢، والكلام منه. الآية : ٦٧ ٢٢٩ سُورَةُ الََّقَة فكَّ بعضها وقدَّم؛ لاستقلاله بنوعٍ من مساويهم التي قصد نعيُها عليهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر والاستقصاءُ في السّؤال، وتركُ المسارعة إلى الامتثال، ولو أُجري على النَّظْم لكانت قصةً واحدة، ولذهبت تثنيةُ التقريع، وقد وقع في النظم من فكِّ التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمُّنه نُكتاً وفوائد. وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حَسَب تلاوتها، بأن يأمرهم الله تعالى بذبح البقرة، ثم يقع القتل، فيُؤمروا بضرب بعضها، لكنّ المشهور خلافه. والقصة: أنه عَمَدَ أخَوَان من بني إسرائيل إلى ابن عمِّ لهما أخي أبيهما، فقتلاه ليرثا ماله، وطرحاه على باب محلّهم، ثم جاءا يطلبان بدمه، فأمر الله تعالى بذبح بقرةٍ وضَرْبِهِ ببعضها ليحيا ويُخبرَ بقاتله. وقيل: كان القاتل أخا القتيل. وقيل: ابن أخيه، ولا وارثَ له غيره، فلمَّا طال عليه عمره قتله ليرثه. وقيل: إنه كان تحت رجلٍ يقال له عاميل بنتُ عمِّ لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال، فقتله ذو قرابةٍ له لينكحها، فكان ما كان. وقرأ الجمهور: ((يأمُرُكم)) بضم الراء، وعن أبي عمرو: السكون والاختلاس(١)، وإبدال الهمزة ألفاً(٢). و((أن تذبحوا)) في موضع المفعول الثاني لـ ((يأمر)»، وهو على إسقاط حرف الجر، أي: بأن تذبحوا. ﴿قَالُواْ أَتَّخِذُنَا هُوًا﴾ استئنافٌ وقع جواباً عمَّا ينساقُ إليه الكلام، كأنه قيل: فماذا صنعوا، هل سارعوا إلى الامتثال أم لا؟ فأجيب بذلك. والاتِّخاذ كالتصيير والجَعْلِ يتعدَّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(«هزواً)) مفعولُه الثاني، ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً؛ لأنه خبرُ المبتدأ في الحقيقة وهو اسمُ ذاتٍ هنا، فيقدَّر مضاف كـ: مكان، أو: أهل، (١) المشهور عن أبي عمرو الوجهان في رواية الدوري، والإسكان في رواية السوسي. ينظر التيسير ص٧٣، والنشر ٢١٢/٢. (٢) التيسير ص٣٦، والنشر ٣٩١/١، والبحر ٢٤٩/١، وعنه نقل المصنف هذه القراءات. سُورَةُ الْبَغَة ٢٣٠ الآية : ٦٧ أو يجعل بمعنى المهزوء به؛ كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيّدٌ أَلْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] أي: مَصِيدُه، أو يجعل الذات نفسَ المعنى مبالغةً؛ ک: رجل عدل. وقد قالوا ذلك إمَّا بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرةٍ دون ذِكْرٍ الإحياء بضربها، وإما بعد أن أمرهم وذَكَر لهم؛ استبعاداً لما قاله واستخفافاً به، كما يدلُّ عليه الاستفهام؛ إذ المعنى: أَتَسْخَرُ بنا، فإنَّ جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، وأين ما نحن فيه ممَّا أنت آمِرٌ به؟ ولا يأبى ذلك انقيادُهم له؛ لأنه بعد العلم بأنه جدٌّ وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إنَّ إجابتَهم نبيَّهم - حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة - بذلك دليلٌ على سوء اعتقادهم بنبيّهم وتكذيبهم له؛ إذ لو علموا أنَّ ذلك إخبارٌ صحيحٌ عن الله تعالى، لَمَا استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام. ومن الناس مَن قال: كانوا مؤمنين مصدِّقين، ولكنْ جرى هذا على نحوٍ ما هم عليه من غِلَظِ الطَّبع والجفاء والمعصية، والعذرُ لهم أنَّهم لمَّا طلبوا من موسى عليه السلام تعيينَ القاتل، فقال ما قال، ورأوا ما بين السؤال والجواب، توهّموا أنه عليه السلام داعَبَهم، أو ظنُّوا أنَّ ذلك يجري مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا. وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد، لا على وجه الإنكار والعناد. وقرأ عاصم وابن محيصن: (يتخذنا)) بالياء(١)، على أنَّ الضمير لله تعالى. وقرأ حمزةُ، وإسماعيلُ عن نافع ((هُزْؤاً)) بالإسكان(٢)، وحفصٌ عن عاصمٍ: بالضمِّ وقَلْبٍ الهمزة واواً، والباقون بالضّمِّ والهمزةِ. والكلُّ لغاتٌ فيه. ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَِْينَ ﴾ أي: مِن أنْ أُعَدَّ في عِدَادِهم. والجهلُ - كما قال الراغب - له معانٍ: عدمُ العلم، واعتقادُ الشيء بخلافٍ ما هو عليه، وفعلُ الشيء بخلاف ما حقُّه أن يُفعل، سواءٌ اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً(٣). وهذا الأخيرُ هو المرادُ هنا. (١) القراءات الشاذة ص٦، والبحر ١/ ٢٥٠، والكلام منه. (٢) هي قراءة حمزة وصلاً، وقرأ بها من العشرة خلف ويعقوب، والمشهور عن نافع الضم والهمز. التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٥/٢-٢١٦. (٣) مفردات الراغب (جهل). الآية : ٦٨ ٢٣١ سُورَةُ الْبَّفَقَة وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصداً إلى نفي مَلْزومِه الذي رُمي به - وهو الاستهزاء - على طريق الكناية، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة(١) استفظاعاً له؛ إذ الهُزْءُ في مقام الإرشاد كاد يكون كفراً وما يجري مجراه، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكُّم مثل ﴿فَبَثِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] سائٌ، وفرقٌ بين المقامين. وذكر بعضهم أنَّ الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضُع معه سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] لأنَّ الأنبياء معصومون عن مثل ذلك. والأولُ أَوْلَى، وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام. والفرق بين الهُزْء والمزح ظاهرٌ، فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياناً، كما لا يخفى. ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَِّنٍ لأَنَا مَا هِىَّ﴾ أي: سَلْ لأَجلِنا ربَّكَ الذي عودَّك ما عوَّدك، يُظهر لنا ما حالُها وصفتُها، فالسؤالُ في الحقيقة عن الصفة؛ لأنَّ الماهية ومسمَّى الاسم معلومان ولا ثالثَ لهما لتستعملَ ((ما)) فيه. أما إذا أريد بقرةً معيَّنةً فظاهر؛ لأنه استفسارٌ لبيان المُجْمَل، وإلا فَلِمَكان التعجُّبِ وتوهُّم أنَّ مِثْلَ هذه البقرة لا تكون إلا معيَّنة. والجواب على الأول: بيان، وعلى الثاني: نسخٌ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب. وكان مقتضى الظاهرِ على الأول: أيُّ؛ لأنها للسؤال عن المميّز، وصفاً كان أو ذاتيًّا. وعلى الثاني: كيف؛ لأنها موضوعةٌ للسؤال عن الحال. و((ما)) وإن سئل بها عن الوصف، لكنه على سبيل النُّدور، وهو إمَّا مجازٌ أو اشتراك كما صرَّح به في ((المفتاح))، والغالب السؤال بها عن الجنس(٢). فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب، نزّل مجهولُ الصفة - لكونه على صفةٍ لم يوجد عليها جنسُه، وهو إحياءُ الميت بضرب بعضه - منزلةً مجهولِ الحقيقة، فيكون سؤالاً عن الجنس تنزيلاً، وعن (١) في الأصل و(م): الاستعارة، والمثبت هو الصواب، وينظر حاشية الشهاب ١٧٨/٢. (٢) ينظر مفتاح العلوم للسكاكي ص ٣١٠-٣١١. سُورَةُ الََّقَة ٢٣٢ الآية : ٦٨ الصفة حقيقةً، وإن أُجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور. والقولُ: إنه يمكن أن يجعل ((ما هي)) على حذف مضاف، أي: ما حالها؟ فيكون سؤالاً عن نوع حالٍ تفرَّع عليه هذه الخاصِّية = على بُعْده، خالٍ عن اللَّطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز. و((ما)) استفهامية، خبرٌ مقدَّمٌ لـ ((هي))، والجملةُ في موضع نصبٍ بـ ((يبيِّنْ)) لأنَّه معلَّقٌ عنها، وجاز فيه ذلك لشَبَهه بأفعال القلوب، والمعنى: يبيِّنْ لنا جوابَ هذا السؤال. ﴿قَالَ إِنَّهُ, يَقُولُ إِنَّهَ بَقَرَةٌ لَّا فَرِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ الفارض: اسمٌ للمُسِنَّة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل: فَرَضَتْ، بفتح الراءِ وضمِّها، ويقال لكلِّ ما قَدُمَ وطال امرُهُ: فارِض، ومنه قوله: لهُ قُروءٌ كفُروِ الحائضِ(١) با رُبَّ ذِي ضِغٍ عَلَيَّ فارِضٍ وكأنَّ المُسِنَّة سُمِّيت فارضاً؛ لأنها فَرَضَتْ سنَّها، أي: قطعتها وبلغت آخرها . والبِكْر: اسمٌ للصغيرة، وزاد بعضهم: التي لم تلد من الصِّغر. وقال ابن قتيبة: هي التي ولدت ولداً واحداً (٢). والبكر من النساء: التي لم يمسَّها الرجال. وقيل: هي التي لم تَحْمِلْ. والبِكْر من الأولاد: الأول، ومن الحاجات: الأولى. والبَكْر - بفتح الباء -: الفتى من الإبل، والأنثى بَكْرة، وأصله من التقدُّم في الزمان، ومنه: البكرة والباكورة. والاسمان صفةُ ((بقرة)) ولم يؤتَ بالتاء؛ لأنهما اسمان لِمَا ذكر. واعترضت (لا)) بين الصفة والموصوف وكُرِّرت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة - خلافاً للمبرِّد وابنٍ كيسان - كقوله: (١) البيت في تفسير الطبري ٨٣/٢، والنكت والعيون ١٣٩/١، والمحرر الوجيز ١٦٢/١، وتهذيب اللغة (فرض)، ومجمع البيان ٢٩٣/١، ونسبه صاحب اللسان (فرض) للعجاج. وهو في تفسير الغريب لابن قتيبة ص ٥٣ برواية: يا رُبَّ ذي ضغنٍ وضبٌّ فارض ... وورد في مجالس ثعلب ٣٠١/١، والحيوان للجاحظ ٦٦/٦ بنحوه. (٢) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٢٤٨/١، والذي في تفسير الغريب لابن قتيبة ص٥٣: ((ولا بكر))، أي: ولا صغيرة لم تلد. الآية : ٦٨ ٢٣٣ سُورَةُ الْبَدَ قَهَرتَ العدى لا مُستَعِيناً بِعُصْبةٍ ولكنْ بأنواعِ الخدائعِ والمَكْرِ (١) ومَنْ جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدَّر مبتدأً - أي: لا هي فارضٌ ولا بكر - فقد أَبْعَدَ؛ إذ الأصلُ الوصف بالمفرد، والأصلُ أيضاً أنْ لا حَذْف. وذكر ((يقول)) للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه. ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ أي: متوسِّطةُ السِّنّ. وقيل: هي التي ولدت بطناً أو بطنين، وقيل: مرَّةً بعد مرة، ويُجمع على ((فُعْل)) كقوله: ◌ِوالٌ مثلُ أعناقِ الهَوَادي نواعِمُ بين أَبكارٍ وَعُونٍ (٢) ويجوز ضمُّ عين الكلمة في الشعر. وفائدةُ هذا بعد ((لا فارضٌ ولا بكرٌ)) نفيُ أن تكون عجلاً أو جنيناً. وأراد من ((ذلك)) ما ذُكر من الوصفين السابقين، وبهذا صحَّ الإفراد وإضافة ((بين)) إليه، فإنه لا يُضاف إلَّا إلى متعدِّد. وكونُ الكلامِ ممَّا حُذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: عوانٌ بين ذلك وهذا، أي: الفارض والبكر، فيكون نظيرَ قوله: فما كان بين الخير لو جاء سالِماً أبو حُجُرٍ إلَّا ليالٍ قلائِلُ(٣) حيث أراد: بين الخير وباعثه - تكلُّفٌ مستغنّى عنه بما ذُكر. واختار السجاونديُّ أنَّ المراد: في وسط زمان الصَّلاح للعوان واعتدالِه، تقول: سافرتُ إلى الروم وطُفت بين ذلك، فالمشار إليه ((عوان)). وارتضاه بعض المحققين مدَّعياً أنه أَوْلَى لئلّا يفوت معنى ((بين ذلك))؛ لأنَّ أهل اللغة قالوا: بقرةٌ (١) البيت في الدر المصون ١/ ٤٢٠، واللباب ١٥٨/١، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك ١٥/٢، وحاشية الشهاب ١٧٨/٢، وعنه نقل المصنف. (٢) البيت للطرمَّاح، وهو في ديوانه ص٥٢٦، والخزانة ٧١/٨، وحاشية الشهاب ١٧٨/٢، ورواية الديوان: طِوالُ مَشَكِّ أعناق ... ، قال البغدادي: المثل: الشِّبه؟ أراد تشبيه أعناقهن بأعناق الظباء. والهوادي: الظباء وبقر الوحش المتقدِّمة. (٣) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ٩٠، والبحر ٢٥٢/١. وأبو حجر كنية النعمان بن الحارث الغساني. سُورَةُ البَفَة ٢٣٤ الآية : ٦٨ عوان: لا فارضٌ ولا بكر، وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى. ثم إنَّ عَوْدَ الضمائر المذكورة في السؤال والجواب، وإجراءَ تلك الصفات على (بقرة)) يدلُّ على أنَّ المراد بها معينة؛ لأنَّ الأول يدلُّ على أنَّ الكلام في البقرة المأمور بذبحها، والثاني يفيد أنَّ المقصد تعيينُها وإزالةُ إبهامها بتلك الصفات، كما هو شأن الصفة، لا أنها تكاليفُ متغايرةٌ، بخلافٍ ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء، وقيل: إنَّها لا فارضٌ ولا بكر؛ فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق. والقولُ بأنهم لمَّا تعجَّبوا من بقرة ميتةٍ يُضرب ببعضها ميتٌ فيحيا، ظنّوها معيَّنَةً خارجةً عمَّا عليه الجنس، فسألوا عن حالها وصفتها، فوقعت الضمائر لمعيَّنةٍ باعتقادهم، فعُيِّنت تشديداً عليهم، وإن لم يكن المرادُ منها أولَ الأمر معيَّنة = ليس بشيء؛ لأنه حينئذٍ لم تكن الضمائر عائدةً إلى ما أُمروا بذبحها، بل ما اعتقدوها، والظاهرُ خلافُه. واللازمُ على هذا تأخيرُ البيان عن وقت الخطاب، وليس بممتنعٍ، والممتنعُ تأخیرُه عن وقت الحاجة إلا عند مَن يُجوِّز التكليف بالمحال، ولیس بلازم؛ إذ لا دليل على أنَّ الأمر هنا للفور حتى يتوهّم ذلك. ومن الناس مَن أنكروا ذلك، وادَّعَوا أنَّ المراد بها بقرةٌ من نوع البقر بلا تعيين، وكان يحصل الامتثالُ لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت، إلا أنَّها انقلبت مخصوصةً بسؤالهم، وإليه ذهب جماعةٌ من أهل التفسير، وتمسّكوا بظاهر اللفظ، فإنه مطلقٌ، فيترك على إطلاقه، مع ما أخرجه ابن جرير بسندٍ صحيح عن ابن عباس . موقوفاً: لو ذبحوا أيَّ بقرة أرادوا لأَجْزَأَتْهم، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله تعالى عليهم(١). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً(٢). وبأنه لو كانت معيَّنةً لَمَا عَّفهم على النَّمادي، وزَجرهم عن المراجعة إلى السؤال، (١) تفسير الطبري ٢/ ١٠٠. (٢) سنن سعيد بن منصور (١٩٣ - تفسير)، وله شاهد من حديث أبي هريرة طه أخرجه البزار (٢١٨٨ - كشف)، وابن مردويه في تفسيره كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال ابن كثير بعد أن ساقه بمتنه وإسناده: وهذا حديثٌ غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. الآية : ٦٨ ٢٣٥ سُورَةُ الجَمَة واللازمُ حينئذٍ النسخُ قبل الفعل بناءً على مذهب مَن يقول: الزيادة على الكتاب نسخ؛ كجماهير الحنفية القائلين بأنَّ الأمر المطلق يتضمَّن التخييرَ وهو حكمٌ شرعيٍّ، والتقييدُ يرفعه، وهو جائزٌ بل واقعٌ كما في حديثٍ فَرْضِ الصلاةِ ليلةً المعراج، والممتنعُ النسخُ قبل التمكّن من الاعتقاد بالاتفاق؛ لأنه بداء، وقبل التمكّن من الفعل عند المعتزلة، وليس بلازم على ما قيل. على أنه قيل: يمكن أن يقال: ليس ذلك بنسخ؛ لأنَّ البقرة المطلقة متناوِلةٌ للبقرة المخصوصة، وذَبْحُ البقرة المخصوصة ذبحٌ للبقرة مطلقاً، فهو امتثالٌ للأمر الأولى، فلا يكون نسخاً . واعترض على كون التخيير حكماً شرعيًّا إلخ، بالمنع مستنداً بأنَّ الأمر المطلق إنما يدلُّ على إيجاب ماهيةٍ من حيث هي بلا شرط، لكن لمَّا لم تتحقَّق إلا في ضمن فردٍ معين، جاء التخيير عقلاً من غير دلالة النصِّ عليه، وإيجابُ الشيء لا يقتضي إيجاب مقدِّمته العقلية؛ إذ المراد بالوجوب الوجوبُ الشرعي، ومن الجائز أن يعاقب المكلَّف على ترك ما يشمله مقدّمة عقلية، ولا يعاقب على ترك المقدّمة، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهيَّاته، وفيه تأمل. وذكر بعض المحقّقين أنَّ تحقيق هذا المقام: أنه إن كان المرادُ بالبقرة المأمور بذبحها مطلقَ البقرة، أيَّ بقرة كانت، فالنسخ جائز؛ لأنَّ شرط النسخ التمكُّنُ من الاعتقاد، وهو حاصلٌ بلا ريب، وإن كان البقرةَ المعينة فلا يجوز النسخ؛ لعدم التمكّن من الاعتقاد حينئذ؛ لأنَّه إنَّما حصل بعد الاستفسار، فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي، فتدبر. ﴿فَفْعَلُواْ مَا تُؤْمِّرُونَ ﴾﴾ أي: مِن ذَبْح البقرة، ولا تكرِّروا(١) السؤال ولا تتعنَّتوا. وهذه الجملة يحتملُ أن تكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن تكون من قول موسى عليه السلام؛ حرَّضهم على امتثال ما أُمروا به شفقةً منه عليهم. و ((ما)) موصولةٌ، والعائدُ محذوف، أي: ما تؤمرونه، بمعنى: ما تؤمرون به، وقد شاع حذف الجارِّ في هذا الفعل حتى لَحِقَ بالمتعدِّي إلى مفعولين، فالمحذوفُ من أول الأمر هو المنصوب. (١) في الأصل: تكثروا، والمثبت من (م) والبحر ٢٥٢/١، والكلام منه. سُورَةُ الْبَنَة ٢٣٦ الآية : ٦٩ وأجاز بعضُهم أن تكون ((ما)) مصدريةً، أي: فافعلوا أَمْرَكُم. ويكون المصدر بمعنى المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] على أحد الوجهين، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ ذلك في الحاصل بالسَّبك قليلٌ، وإنَّما كَثُرَ في صيغة المصدر . ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأْ قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ ﴾﴾ إسنادُ البيان في كلِّ مرة إلى الله عز وجل لإظهارِ كَمالٍ المساعدة في إجابة مسؤولهم، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورة. والفقوع: أشدُّ ما يكون من الصُّفرة وأبلغُهُ، والوصفُ به للتأكيد، كـ: أمس الدابِر، وكذا في قولهم: أبيضُ ناصعٌ، وأسودُ حالكٌ، وأحمرُ قانئُ(١)، وأخضرُ ناضر. و((لونها)) مرفوعٌ بـ ((فاقع)) ولم يكتف بقوله: صفراءُ فاقعة؛ لأنه أراد تأكيدَ نسبة الصفرة، فَحَكَمَ عليها أنها صفراءُ، ثم حكم على اللون أنه شديدُ الصُّفرة، فابتدأ أولاً بوصف البقرة بالصُّفرة، ثم أكَّد ذلك بوصف اللون بها، فكأنه قال: هي صفراء، ولونُها شديدُ الصفرة. وعن الحسن: سوداء شديدة السواد. ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر؛ لأنَّ الصُّفرة وإن استعملها العرب بهذا المعنى نادراً - كما أطلقوا الأسود على الأخضر - لكنه في الإبل خاصةً على ما قيل في قوله تعالى: ﴿ِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] لأنَّ سواد الإبل تشوبُهُ صفرةٌ، وتأكيدُه بالفقوع ينافيه؛ لأنه من وَصْف الصُّفرة في المشهور. نعم، ذكر في ((اللمع)) أنه يقال: أصفرُ ناقعٌ، وأحمرُ فاقعٌ، ويقال في الألوان كلِّها: فاقعٌ وناصعٌ إذا خلصت(٢). فعليه لا يَرِدُ ما ذُكر. ومن الناس مَن قال: إنَّ الصُّفرة استعيرت هنا للسواد، وكذا فاقعٌ لشديد السواد، وهو ترشيح، ويُجعل سوادُهُ من جهة البريق واللَّمعان، وليس بشيء. وجوَّز بعضُهم أن يكون ((لونُها)) مبتدأ، وخبره إمّا ((فاقع)) أو الجملة بعده، (١) في (م): قان، وكلاهما صواب. (٢) في الأصل و(م): أخلصت، والمثبت من حاشية الشهاب ٢/ ١٨٠، والكلام منه. الآية : ٧٠ ٢٣٧ سُورَةُ الجَمَة والتأنيث على أحد معنيين، أحدهما: لكونه أُضيف إلى مؤنَّث، كما قالوا: ذهبتْ بعضُ أصابعه. والثاني: أنه يُراد به المؤنَّث، إذ هو الصُّفرة، فكأنه قال: صُفرتُها تسُّ الناظرين. ولا يخفى بُعْدُ ذلك. والسرور: أصلُه لَّةٌ في القلب عند حصول نفعٍ أو توقُّعِه، أو رؤيةِ أمرٍ مُعجِبٍ رائق، وأمَّا نفسُهُ فانشراحٌ مستبطِنٌ فيه. وبين السرور والحُبور والفرح تقارُبٌ، لكنَّ السرور هو الخالص المنكتم، سُمِّي بذلك اعتباراً بالإسرار، والحبورُ ما يُری حبرُه، أي: أثره في ظاهر البشرة، وهما يستعملان في المحمود، وأمَّا الفرح فما يحصل بَطَّراً وأَشَراً، ولذلك كثيراً ما يُذَمّ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] والمراد به هنا عند بعضٍ: الإعجاب مجازاً؛ للزومه له غالباً. والجملة صفة البقرة، أي: تُعجب الناظرين إليها . وجمهور المفسرين يشيرون إلى أنَّ الصفرة من الألوان السارّة، ولهذا كان عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه يرغِّب في النعال الصفر، ويقول: مَن لبس نعلاً أصفر قلَّ همُّه (١). ونَهَى ابن الزبير، ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السُّود؛ لأنها تغمّ. وقُرئ: ((يسرُّ) بالياء(٢)، فيحتمل أن يكون ((لونها)) مبتدأ و((يسر)) خبره، ويكون (فاقع)) صفةً تابعةً لـ ((صفراء)» على حدٍّ قوله: وإِنِّي لأسقي الشِّربَ صفراءَ فاقعاً كأنَّ ذكيَّ المسكِ فيها يُفتَّقُ(٣) إلا أنه قليل، حتى قيل: بابه الشعر. ويحتمل أن يكون ((لونها)) فاعلا بـ ((فاقع)) و ((يسرُّ) إخبارٌ مستأنف. ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يٍُّ أَنَا مَا هِىَّ﴾ إعادةٌ للسؤال عن الحال والصفة، لالردٌّ الجواب الأول بأنه غيرُ مطابِقٍ، وأنَّ السؤال باقٍ على حاله، بل لطلب الكشفِ الزائدِ على ما حصل، وإظهارٍ أنه لم يحصل البيانُ التام. ﴿إِنَّ الْبَقَّرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ تعليلٌ لقوله تعالى: (آدَعُ) كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ (١) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٢٣٥، والضعف فيه ظاهر. (٢) البحر ٢٥٣/١. (٣) البيت في الوسيط للواحدي ١٥٥/١، والبحر ٢٥٢/١، والشّرب: القوم يشربون. سُورَةُ الْبَنَة ٢٣٨ الآية : ٧٠ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وهو اعتذارٌ لتكرير السؤال، أي: إنَّ البقر الموصوفَ بما ذُكر كثير، فاشْتَبَه علينا، والتشابُه مشهورٌ في البقر، وفي الحديث: (فِتَنَّ كوجوه البقر))(١)، أي: يشبه بعضُها بعضاً. وقرأ يحيى وعكرمةُ والباقر: ((إنَّ الباقر))(٢) وهو اسمٌ لجماعة البقر، والبقر اسمُ جنسٍ جمعيٌّ، يُفرَّق بينه وبين واحده بالتاء، ومثلُه يجوز تذكيرُه وتأنيثه؛ كـ ﴿نَهْلٍ ◌ُفَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿وَاَلنَّخْلَ بَاسِقَتٍ﴾ [ق: ١٠]، وجمعهُ: أَباقر، ويقال فيه: بَيْقور، وجمعه: بَوَاقر. وفي ((البحر)): إنما سُمِّي هذا الحيوان بذلك؛ لأنه يبقرُ الأرض، أي: يشقُّها للحَرْث(٣). وقرأ الحسن: ((تَشَابَهُ)) بضمِّ الهاء جَعَلهَ مضارعاً محذوفَ التاء(٤)، وماضيه: تَشَابَهَ، وفيه ضميرٌ يعود على البقر، على أنه مؤنَّث. والأعرجُ كذلك، إلَّا أَنَّه شدَّد الشين، والأصل: تَتَشَابَهُ، فأدغم. وقرئ: ((تَشَّبَّهُ)) بتشديد الشين، على صيغة المؤنَّث من المضارع المعلوم، و((يَشَّبَّهُ» بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضاً، وابن مسعود: ((يَشَابَهُ)) بالياء والتشديد، جعله مضارعاً من تَفَاعَلَ، لكنَّه أدغم التاء في الشين. وقرئ: ((مُشْتَبِهٌ)) و(مُتَشَبَّهُ)) و((يَتَشَابَهُ))، والأعمش: ((مُتَشَابِهٌ)) و((مُتَشابِهةٌ)). وقرئ: (تَشَابَهَتْ)) بالتخفيف، وفي مصحف أبيٍّ بالتشديد(٥)، واستشكل بأنَّ التاء لا تُدغَمُ إلَّا في المضارع، وليس في زِنَّةِ الأفعال فعلٌ ماضٍ على تَفَّاعَلَ، بتشديد الفاء. ووُجِّه بأنَّ أصله: إنَّ البقرة تَشَابهتْ، فالتاء الأولى من البقرة، والثانية من الفعل، فلمَّا اجتمع مثلان أدغم، نحو: (١) أخرجه أحمد (٢٣٣٢٨) من حديث حذيفة ظه، ولفظه: ((فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقرا. (٢) المحرر الوجيز ١٦٣/١، والبحر ٢٥٣/١ عن يحيى وعكرمة، ونسبها ابن خالويه في القراءات: الشاذة ص٧ لمحمد ذي الشامة، وهو محمد المعيطي. (٣) البحر ٢٤٨/١. (٤) القراءات الشاذة ص٧، والبحر ٢٥٤/١ والكلام منه. (٥) تنظر هذه القراءات - عدا قراءة ((مُشْتَبِهُ)) - في القراءات الشاذة ص٧، والمحرر الوجيز ١٦٣/١، والكشاف ٢٨٨/١، وتفسير القرطبي ١٨٧/٢، والبحر ٢٥٤/١، والدر المصون ٤٢٧/١. الآية : ٧٠ ٢٣٩ سُورَةُ الْبَدَة الشجرةُ تمايلت(١)، إلا أنَّ جَعْلَ التَّشابُهِ في ((بقرة)) ركيكٌ، والأهونُ القولُ بعدم ثبوت هذه القراءة فإنَّ دون تصحيحها على وجهٍ وجيهٍ خَرْطُ القتاد. ويُشْكِلُ أيضاً («تَشَّابَهَ)) من غير تأنيث؛ لأنه كان يجب ثبوتُ علامته، إلا أن يقال: إنه على حدٍّ قوله: ولا أرضَ أَبقَلَ إيقالها(٢) وابن كيسان يُجِّزُه في السَّعة. ﴿وَإِنَّ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾﴾ أي: إلى عين البقرة المأمورِ بذبحها، أو لِمَا خَفِيَ من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أُمرنا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس(٣)، مرفوعاً مُعضَلاً، وسعيدٌ عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً(٤)، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً موصولاً (٥)، أنه وَّةٍ قال: (لو لم يستثنوا، لَمَا تبيَّنت لهم آخرَ الأبد)). واحتُجَّ بالآية على أنَّ الحوادث بإرادة الله تعالى، حيث علَّق فيما حكاه وجودَ الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلَّق المشيئة، وهي نفس الإرادة، وما قصَّه الله تعالى في كتابه من غير نكيرٍ فهو حبّةٌ، على ما عُرف في محلِّه. وهذا (١) كذا وجه هذه القراءة السمين في الدر المصون ١/ ٤٢٧، ووجهها أبو حيان: بأن أصلها (شَّابهت)) والتاء هي تاء البقرة، وأصله: إن البقرة أشَّابهت علينا. (٢) وصدره: فلا مزنة ودقت ودقها، والبيت لعامر بن جُوَيْن الطائي، وهو في الكتاب ٤٦/٢، وأمالي ابن الشجري ٢٤٦/١، وشرح المفصل ٩٤/٥، والخزانة ٤٥/١، والدر المصون ٤٢٧/١، وحاشية الشهاب ١٨١/٢، وعنه نقل المصنف. والشاهد فيه أن الأرض لما كان تأنيثها ضعيفاً؛ لأنه غير حقيقي، وليست له علامة، جاز في الضرورة تذكير المضمر في أبقل، قاله ابن الشجري. وصف أرضاً مُخْصِبةً لكثرة ما نزل بها من الغيث. شرح شواهد الكتاب للأعلم ص٢٥٦. (٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢/ ١٨١، والصواب: عن ابن جريج كما في تفسير الطبري ٩٩/٢. (٤) سنن سعيد بن منصور (١٩٣ - تفسير)، وأخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٠، والطبري ٩٨/٢ عن . عكرمة قوله. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٤١/١، وفي إسناده سرور بن المغيرة الواسطي وعباد بن منصور وهما ضعيفان. سُورَةُ الْبََّنَة ٢٤٠ الآية : ٧١ مبنيٍّ على القول بترادُف المشيئة والإرادة، وفيه خلافٌ، وأنَّ كون ما ذُكر بالإرادة مستلزمٌ لكون جميع الحوادث بها، وفيه نظر. واحتُجَّ أيضاً بها على أنَّ الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة، وليس هو الإرادةُ كما يقوله المعتزلة؛ لأنه تعالى لمَّا أمرهم بالذبح، فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة، فلا يكون لقوله: ((إن شاء الله)) الدالٌ على الشَّكِّ وعدم تحقَّقِ الاهتداء فائدة، بخلافٍ ما إذا قلنا: إنه تعالی قد یأمر بما لا یرید. والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنيًّا على تردّدهم في كون الأمر منه تعالى، يدفعه التقرير، إلا أنه يَرِد أنَّ الاحتجاج إنَّما يتمُّ لو كان معنى ((المهتدون)) الاهتداءَ إلى المراد بالأمر، أمَّا لو كان المراد: إن شاء الله اهتداءنا في أمرٍ ما لكنَّا مهتدين، فلا، إلا أنه خلافُ الظاهر، كالقول بأنَّ اللَّزم أن يكون المأمورُ به - وهو الذبحُ - مراداً، ولا يلزمه (١) الاهتداء؛ إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمةٌ أخرى، بل هذا أبعدُ بعيد. والمعتزلةُ والكرَّامية يحتجُّون بالآية على حدوث إرادته تعالى، بناءً على أنَّها والمشيئةَ سواء؛ لأنَّ كلمة ((إنْ)) دالَّةٌ على حصول الشرط في الاستقبال، وقد تعلَّق الاهتداءُ الحادث بها. ويجاب بأنَّ التعليق باعتبار التعلُّق، فاللازم حدوثُ التعلُّق، ولا يلزمه حدوثُ نفس الصفة. وتوسَّط الشرط بين اسم ((إنَّ) وخبرِها لتتوافق رؤوسُ الآي، وجاء خبر ((إنَّ) اسماً لأنه أدلُّ على الثبوت، وعلى أنَّ الهداية حاصلةٌ لهم، وللاعتناء بذلك أُكّد الكلام. ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾ صفةُ ((بقرة)) وهو من الوصف بالمفرد، ومَن قال: هو من الوصف بالجملة، وأنَّ التقدير: لا هي ذلول، فقد أَبْعَدَ عن الصواب. و((لا)) بمعنى غير، وهو اسمٌ على ما صرَّح به السَّخَاويُّ وغيره، لكن لكونها في صورة الحَرْف ظهر إعرابُها فيما بعدَها، ويحتمل أن تكون حرفاً كـ ((إلا)) التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَنَ فِهِمَآ ءَاِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. (١) في الأصل: يلزم، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب، وعنه نقل المصنف هذا القول.