Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٢٩
٨١
سُورَةُ الْبَّنَة
وَخَلَقَ يومَ الجمعةِ النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكة)»(١) لجواز أن يُحمل على أنه
خَلَقَ مادة (٢) ذلك وأصولَه، إذ لا يتصوَّر المدائنُ والعمران والخراب قبل، فعَظْفُه
عليه قرينةٌ لذلك(٣).
واستشكالُ الإمام الرازي تأخّرَ التَّدْحِية عن خلق السماء بأنَّ الأرض جسمٌ
عظيم فامتنع انفكاكُ خَلْقِها عن التدحية، فإذا كانت التدحية متأخِّرةً كان خَلْقُها أيضاً
متأخِّراً (٤)= مبنيٌّ - كما قيل - على الغفلة؛ لأنَّ مَن يقول بتأخّر دَحْوِها عن خَلْقِها
لا يقول بعِظَمها ابتداءً، بل يقول: إنها في أوَّل الخَلْقِ كانت كهيئة الفِهْر (٥) ثم
دُحِيتْ، فيتحقَّق الانفكاك، ويصحُّ تأخّر دَخْوِها عن خَلْقِها.
وقوله قُدِّس سرُّه: إنَّ خَلْقَ الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت
مَدْحُوَّةٍ (٦). لا يخفى دفعُهُ بناءً على أنَّ المراد بذلك خلقُ الموادِّ والأصول، لا خَلْقُ
الأشياءِ فيها كما هو اليوم.
وقال بعض المحقّقين: اختلف المفسِّرون في أنَّ خَلْقَ السماء مقدَّمٌ على خلق
الأرض أو مؤخّر، نقل الإمام الواحديُّ عن مقاتل الأول، واختاره المحقِّقون، ولم
يختلفوا في أنَّ جميع ما في الأرض ممَّا ترى مؤخّرٌ عن خَلْقِ السماوات السبع، بل
اتفقوا عليه، فحينئذٍ يُجعل الخلقُ في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد، أو
بمعناه ويقدَّر الإرادة، ويكون المعنى: أراد خلقَ ما في الأرض جميعاً لكم، على
حدِّ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [الإسراء: ٤٥]،
ولا يخالفه ﴿وَآلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ فإنَّ المتقدِّم على خَلْقِ السماء إنما هو تقديرُ
الأرض وجميع ما فيها، أو إرادةُ إيجادها، والمتأخِّر عن خَلْقِ السماء إيجادُ
(١) تفسير الطبري ٣٨٢/٢٠-٣٨٣، وأخرجه أيضاً الحاكم ٥٤٣/٢ وصححه. وقال ابن كثير
عند تفسير الآيات (٨-١٢) من سورة فصلت: هذا الحديث فيه غرابة. اهـ. قلنا: وفي
إسناده أبو سعد البقال وهو ضعيف.
(٢) في الأصل: مواد، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١١٦/٢ والكلام منه.
(٣) في حاشية الشهاب: إذ لا يتصور العمران والخراب قبل خلق السماء، فعطفه عليها قرينة لذلك.
(٤) تفسير الرازي ٢/ ١٥٥ .
(٥) هو الحجر قَدْرَ ما يدقُّ به الجوز، أو ما يملأ الكف. القاموس (فهر).
(٦) تفسير الرازي ٢/ ١٥٥.

سُورَةُ الْبَقَة
٨٢
الآية : ٢٩
الأرض وجميع ما فيها، فلا إشكال، وأمَّا قولُه سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِى
يَوْمَيْنٍ﴾ فعلى تقدير الإرادة، والمعنى: أراد خَلْقَ الأرض، وكذا ﴿وَحَعَلَ فِهَا رَسِىَ﴾
ينبغي أن يكون بمعنى: أراد أن يجعل، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَّا وَلِلْأَرْضِ
أَقْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فإنَّ الظاهر أنَّ المراد: انتيا في
الوجود، ولو كانت الأرض موجودةً سابقةً لَمَا صحَّ هذا، فكأنه سبحانه قال: أنتَّكم
لتكفرون بالذي أراد إيجادَ الأرضِ وما فيها من الرَّواسي والأقواتِ في أربعة أيام،
ثم قَصَد إلى السماء فتعلَّقت إرادتُه بإيجاد السماء والأرض، فأطاعا بأمر التكوين،
فأوجد سبعَ سماوات في يومين، وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام.
بقي هنا بيانُ النكتة في تغيير الأسلوب، حيث قدَّم - في الظاهر - هاهنا وفي
((حم) السجدة خَلْقَ الأرض وما فيها على خَلْقِ السماوات، وعَكَس في
((النازعات))، ولعل ذلك لأنَّ المقام في الأوَّلين مقامُ الامتنان، فمقتضاه تقديمُ ما هو
نعمةٌ نظراً إلى المخاطَبينَ، فكأنه قال سبحانه وتعالى: هو الذي دبّر أمركم قبل خَلْقٍ
السماء، ثم خَلَقَ السماء، والمقام في الثالثة مقامُ بيانِ كمال القدرة، فمقتضاه تقدیمُ
ما هو أدلُّ على كمالها .
هذا والذي يُفهم من بعض عبارات القوم قَدَّس الله تعالى أسرارهم أنَّ المحدّد .
ويقال له سماءٌ أيضاً - مخلوقٌ قبل الأرض وما فيها، وأنَّ الأرض نفسَها خُلقت
بعدُ، ثم بعدَ خلقها خُلقت السماوات السبع، ثم بعد السبع خُلق ما في الأرض من
معادن ونبات، ثم ظهر عالَمُ الحيوان، ثم عالَمُ الإنسان، فمعنى (خَلَقَ لَكُم مَا فِى
اُلْأَرْضِ﴾ حينئذ: قدَّره، أو: أراد إيجاده، أو: أَوْجَد موادَّه، ومعنى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَسِىَ﴾ إلخ، في الآية الأخرى على نحو هذا، وخَلْقُ الأرض فيها على ظاهره،
ولا يأباه قولُه سبحانه ﴿فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَقْنِيَا﴾ إلخ، لجواز حَمْلِه على معنى: انتيا بما
خَلَقتُ فيكما من التأثير والتأثّر، وأَبْرِزا ما أودعتُكما من الأوضاع المختلفة
والكائنات المتنوّعة، أو إتيانُ السماء حدوثُها، وإتيانُ الأرض أن تصير مدحوَّة،
أو: ليأت كلٌّ منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليدَه منكما.
وبعد هذا كلِّه لا يخلو البحث من صعوبة، ولا زال الناس يستصعبونه من عهد
الصحابة ه إلى الآن، ولنا فيه إن شاء الله تعالى عودةٌ بعد عودة، ونسأل الله
تعالى التوفيق.

الآية : ٢٩
٨٣
سُورَةُ الْبَّنَة
﴿فَسَوَّهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ الضمير للسماء إن فُسِّرت بالأجرام، وجاز أن يرجع
إليها بناءً على أنها جمعٌ أو مؤوَّلةٌ به، وإلا فُمُبهَمٌ يفسِّره ما بعده على حدٍّ: نِعْمَ
رجلاً، وفيه من التفخيم والتشويق والتمكين في النفس ما لا يخفى.
وفي نصب ((سبعَ)) خمسةُ أوجه: البدل من المبهم أو العائدِ إلى السماء، أو
مفعولٌ به، أي: سوَّى منهنَّ، أو حالٌ مقدَّرةٌ، أو تمييز، أو مفعولٌ ثان لـ ((سوَّى)) بناءً
على أنَّها بمعنى صيَّر، ولم يثبت، والبدليةُ أرجحُ لعدم الاشتقاق، وبعدها الحاليةُ،
كما في ((البحر))(١).
وأريد بـ ((سوَّاهن)): أتمَّهنَّ وقوَّمهنَّ، وخلقهنَّ ابتداءً مصوناتٍ عن العوج
والفطور، لا أنَّه سبحانه وتعالى سؤَّاهنَّ بعد أن لم يكنَّ كذلك، فهو على حدٍّ قولهم:
ضيّق فمَ البئر، و: وسّع الدار. وفي مقارنة التسوية والاستواء حُسْنٌ لا يخفى.
لا يقال: إنَّ أرباب الأرصاد أثبتوا تسعةً أفلاك، وهل هي إلا السماوات(٢)؟
لأنَّا نقول: هم شاُون إلى الآن في النقصان والزيادة، فإنَّ ما وجدوه من الحركات
يمكن ضبطُها بثمانيةٍ وسبعة، بل بواحد، وبعضهم أثبتوا بين فلك الثوابت والأطلس
كُرَةً لضبط الميل الكلِّي، وقال بعض محفِّقيهم: لم يتبيَّن لي إلى الآن أنَّ كرةً
الثوابت كرةٌ واحدة، أو كراتٌ منطويةٌ بعضها على بعض، وأطال الإمام الرازي (٣)
الكلام في ذلك وأجاد.
على أنه إن صحَّ ما شاع، فليس في الآية ما يدلُّ على نفي الزوائد بناءً على
ما اختاره الإمام من أنَّ مفهوم العدد ليس بحجّة(٤)، وكلام البيضاويِّ في تفسيره
يشير إليه (٥)، خلافاً لِمَا في (منهاجه)) (٦)، الموافقِ لِمَا عليه الإمامُ الشافعي، ونَقَله
(١) ١/ ١٣٥.
(٢) في (م): سماوات.
(٣) في تفسيره ١٥٦/٢ -١٥٨.
(٤) تفسير الرازي ١٥٨/٢ .
(٥) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١١٧/٢ .
(٦) كذا ذكر، والصواب أن ما في المنهاج لا يخالف ما في التفسير. ينظر الإبهاج في شرح
المنهاج ٣٨١/١.

سُورَةُ الْبَّنَة
٨٤
الآية : ٣٠
عنه الإمام الغزالي في ((المنخول))(١).
وذكر السيالكوتي: أنَّ الحقَّ أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد.
والخلافُ في ذلك مشهورٌ، وإذا قلنا بكرويةِ العرشِ والكرسيِّ لم يبق كلام.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لِمَا قبله من خَلْقِ السماوات والأرض وما فيها
على هذا النمط العجيب والأسلوب الغريب ﴿مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوتٍ فَارْجِع
الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ ﴿٣ ثُمَّ أَنْجِعِ الْعَرَ كَرََّنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾
[الملك: ٣-٤] وفي ((عليم)) من المبالغة ما ليس في عالِم، وليس ذلك راجعاً إلى
نفس الصفة؛ لأنَّ عِلْمَه تعالى واحدٌ لا تَكَثُّرَ فيه، لكن لمَّا تعلَّق بالكلِّيِّ والجزئيِّ،
والموجودِ والمعدوم، والمتناهي وغيرِ المتناهي، وصف نفسه سبحانه بما دلَّ على
المبالغة.
والشيء هنا عامٌّ باقٍ على عمومه لا تخصيصَ فيه بوجه، خلافاً لمَن ضلَّ عن
سواء السبيل، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((عليم))، وإنما تعدَّى بالباء مع أنه من عَلِمَ
وهو متعدٍّ بنفسه، والتقويةُ تكون باللام؛ لأنَّ أمثلة المبالغة - كما قالوا - خالفت
أفعالها؛ لأنها أشبهت أَفْعَل التفضيل لِمَا فيها من الدلالة على الزيادة، فأعطيت
حكمه في التعدية، وهو أنه إن كان فعلُه متعِّدياً، فإن أَفْهمَ عِلماً أو جهلاً تعدَّى
بالباء؛ كـ: أَعْلم به وأَجْهل به، وعليمٌ به وجهولٌ به، و﴿أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ﴾
[الأنعام: ١١٧] على التأويل، وإلَّا تعدَّى باللام؛ ك: أَضْرَبُ لزيدٍ و﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾
[هود: ١٠٧] وإلا تعدَّى بما يَتَعدَّى به فعله؛ ك: أصبرُ على النار، وصبورٌ على كذا.
ولعلَّ ذلك أغلبيٍّ إذ يقال: رحيمٌ به، فافهم.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ لمَّا امتنَّ سبحانه على مَن
تقدمَّ بما تقدَّم أَتْبعَ ذلك بنعمةٍ عامَّةٍ، وكرامةٍ تامَّة، والإحسانُ إلى الأصل إحسانٌ
على الفرع، والولدُ سرُّ أبيه.
و((إذ)) ظرفُ زمانٍ للماضي مبنيٌّ لِشِبَهِهِ بالحرف وضعاً وافتقاراً، ويكون ما بعدها
جملةً فعليةً أو اسميةً، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلاً، أو يكون
(١) ينظر الإبهاج شرح المنهاج ٣٨١/١-٣٨٢، والمنخول ص ٢٩٥- ٢٩٦.

الآية : ٣٠
٨٥
سُورَةُ الْبَقَة
مضمونها مشهوراً بالوقوع في الزمان المعيّن، وإذا دخلت على المضارع قلبته إلى
الماضي، وهي ملازمةٌ للظرفية إلَّا أن يضاف إليها زمان، وفي وقوعها مفعولاً به أو
حرفَ تعليلٍ أو مفاجأةٍ أو ظرفَ مكانٍ أو زائدةً خلافٌ، وفي ((البحر))(١): أنها
لا تقع، وإذا استفيد شيءٌ من ذلك فمِن المقام.
واختلف المُعرِبون فيها هنا، فقيل: زائدة، وبمعنى قد، وفي موضع رفع، أي:
ابتداءُ خَلْقِكم إذ. وفي موضع نصبٍ بمقدَّر، أي: ابتدأ خلقَكم أو أحياكم إذ،
ويعتبر وقتاً ممتدًّا لا حين القول. وبـ ((قال)) بعدها. ومعمولٌ لـ (خَلَقكم)) المتقدِّم
والواو زائدة، والفصلُ بما يكاد أن يكون سورة. ومتعلِّق باذكر، ويكفي في صحة
الظرفية ظرفيةُ المفعول، كرميتُ الصيد في الحرم.
وهذه عدَّةُ أقوالٍ بعضُها غيرُ صحيح والبعضُ فيه تكلُّفٌ، فاللائقُ أن تجعل
منصوبةً بـ ((قالوا)) الآتي، وبينهما تناسبٌ ظاهر، والجملةُ بما فيها عطفٌ على
ما قبلها عطفَ القصة على القصة، كذا قيل، وأنت تعلم أنَّ المشهور القولُ
الأخیر، ولعله الأَوْلى، فتدبّر.
ولا يخفى لطفُ الربِّ هنا مضافاً إلى ضميره وَّهِ بطريق الخطاب، وكأنَّ في
تنويعه والخروج من عامِّه إلى خاصِّه رمزاً إلى أنَّ المُقْبَلَ عليه بالخطاب له الحظّ
الأعظم والقسمُ الأوفر من الجملة المُخْبَرِ بها، فهو ◌َّ في (٢) الحقيقة الخليفةُ
الأعظم في الخليقة، والإمامُ المقدَّم في الأرض والسماوات العُلى، ولولاه ما خلق
آدم، بل ولا ولا، ولله تعالى درُّ سيدي ابنِ الفارض حيث يقول على(٣) لسان
الحقيقة المحمّدية :
وإِنِّي وإن كنتُ ابنَ آدَمَ صورةً فلي فيه معنىّ شاهدٌ بأُبوَّتِي(٤)
واللامُ الجارَّةُ للتبليغ، و((الملائكة)) جمع مَلاَكٍ، على وزن شمائل وشمال،
(١) ١٣٧/١.
(٢) في (م): على.
(٣) في (م): عن.
(٤) ديوان ابن الفارض ص ١٠٥ .

سُورَةُ الْبََّقَة
٨٦
الآية : ٣٠
وهو مقلوبُ مألك صفةٌ مشبَّهة عند الكسائيّ، وهو مختار الجمهور، من الألوكة:
وهي الرسالة، فهم رسلٌ إلى الناس، وكالرسل إليهم.
وقيل: لا قَلْبَ، فابن كيسان إلى أنه فَعْأَل من الملك بزيادة الهمزة؛ لأنه مالِكُ
ما جعله الله تعالى إليه، أو لقوَّته، فإنَّ ((م ل ك)) يدور مع القوة والشدة، يقال:
ملكتُ العجين: شددتُ عجنه، وهو اشتقاقٌ بعید، وفعال قليل.
وأبو عبيدة إلى أنه مَفْعَل من لَأَكَ: إذا أَرْسَلَ، مصدرٌ ميميٍّ بمعنى المفعول، أو
اسمُ مكانٍ على المبالغة، وهو اشتقاقٌ بعيدٌ أيضاً، ولم يَشْتَهِرْ لأك، وكثر في
الاستعمال: أَلِكْني إليه، أي: كن لي رسولاً، ولم يجِئ سوى هذه الصيغة، فاعتَبِرْه
مهموز العين، وأنَّ أصله: أَلْتِكْني(١). وبعضٌ جعله أجوفَ من لاك يلوك.
والتاء التأنيث الجمع. وقيل: للمبالغة. ولم تُجعل لتأنيث اللفظِ كالظلمة؛
لاعتبارهم التأنيثَ المعنويَّ في كلِّ جمع، حيث قالوا: كلُّ جمعٍ مؤنثٌ بتأويل
الجماعة، وقد ورد بغير تاءٍ في قوله:
أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ المَلائِكُ(٢)
واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعاً أو عقلاً،
فذهب أكثر المسلمين إلى أنَّها أجسامٌ نورانية. وقيل: هوائيةٌ قادرةٌ على التشكّل
والظهورِ بأشكالٍ مختلفة بإذن الله تعالى.
وقالت النصارى: إنها الأنفُسُ الناطقة المفارقةُ لأبدانها الصافيةُ الخيِّرة،
والخبيثةُ عندهم شياطين.
وقال عبدةُ الأوثان: إنَّها هذه الكواكب، السَّعدُ منها ملائكةُ الرحمة، والنَّحْسُ
ملائكةُ العذاب.
والفلاسفة يقولون: إنها جواهرٌ مجرَّدَةٌ مخالفةٌ للنفوس الناطقة في الحقيقة،
وصرَّح بعضهم بأنها العقول العشرة، والنفوسُ الفَلَكيَّةُ التي تُحرِّك الأفلاك.
(١) في الأصل و(م): الأكنى، والمثبت هو الصواب، كما في اللسان (لأك)، وحاشية الشهاب
١١٩/٢، وفيهما أن أصل ألكني: التكني، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها.
(٢) وصدره: كما قد عممتَ المؤمنين بنائل، والبيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٢١٩.

الآية : ٣٠
٨٧
سُورَّةُ الْبَقَة
وهي عندنا منقسمةٌ إلى قسمين: قسمٌ شأنهم الاستغراقُ في معرفة الحقِّ،
والتنزُّهِ عن الاشتغال بغيره، يُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، وهم العِلِّيُّون
والملائكة المقرَّبون. وقسمٌ يدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض على ما سبق به
القضاءُ، وجرى به القلم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
وهم المدبِّراتُ أمراً، فمنهم سماويةٌ ومنهم أرضية. ولا يعلم عددهم إلا الله، وفي
الخبر: ((أَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تتِطّ، ما فيها موضعُ قدم إلَّ وفيه مَلَكٌ ساجدٌ أو
راكع))(١) وهم مختلفون في الهيئات، متفاوتون في العِظَم، لا يراهم على ما هم
عليه إلا أربابُ النفوس القدسية، وقد يَظْهَرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاصُّ
والعام وهم على ما هم عليه، حتى قيل: إنَّ جبريل عليه السلام في وقت ظهوره في
صورة دِحية الكلبيِّ بين يدي المصطفى وَّ﴿ لم يفارق سدرة المنتهى، ومثلُه يقع
للكُمَّل من الأولياء، وهذا ما وراء طَوْر العقل، وأنا به من المؤمنين.
وقد ذكر أهلُ الله قدَّس الله تعالى أسرارهم أنَّ أول مظهرٍ للحقِّ جلَّ شأنه
العماء، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيَّمين الذين هم فوق عالم
الأجساد والطبيعية، ولا عرشَ ولا مخلوقَ تَقَدَّمهم، فلمَّا أوجدهم تجلَّى لهم باسمه
الجميل، فهاموا في جلال جماله، فهم لا يفيقون، فلمَّا شاء أن يخلق عالَمَ التدوين
والتسطير عيَّن واحداً من هؤلاء - وهو أولُ ملكٍ ظهر عن ملائكة ذلك النور - سمَّاه
العقل والقلم، وتجلَّى له في مجلَّى التعليم الوهبيِّ بما يريد إيجاده من خَلْقِهِ لا إلى
غاية، فقبل بذاته عِلْمَ ما يكون، وما للحقِّ من الأسماء الإلهية الطالبةِ صدورَ هذا
العالم الخَلْقِيِّ، فاشتَقَّ من هذا العقل ما سمَّاه اللوح، وأمر القلم أن يتدلَّى إليه،
ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير، فجعل لهذا العلم ثلاثَ مئةٍ وستِّين سنًّا
من كونه قلماً، ومن كونه عقلاً ثلاث مئةٍ وستِين تجلِّياً أو رقيقة، كلُّ سنٍّ أو رقيقة
تفترق من ثلاثٍ مئةٍ وستين صنفاً من العلوم الإجمالية، فيفصِّلها في اللوح، وأولُ
علمٍ حصل فيه علمُ الطبيعة، فكانت دون النفس، وهذا كلَّه في عالم النور الخالص.
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢١٥١٦)، والترمذي (٢٣١٢) عن أبي ذر ظه. وأخرجه
الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١٣٤) عن حكيم بن حزام . قوله: أَّت، الأطيط
هو صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. النهاية (أطط).

سُورَةُ الجَّفَقَة
٨٨
الآية : ٣٠
ثم أوجد سبحانه الظلمةَ المَحْضَة، التي هي في مقابَلَةِ هذا النور بمنزلة العدم
المطلَقِ المقابِلِ للوجود المطلق، فأفاض عليها النورَ إفاضةً ذاتيَّةً بمساعدة الطبيعة،
فَلَأَم شعثَها ذلك النور فظهر العرش، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر،
فهو أول ما ظهر من عالم الخلق، وخَلَق من ذلك النورِ الممتزج الملائكةَ الحافِّين،
وليس لهم شغلٌ إلا كونُهم حافِّين من حول العرش يسبِّحونَ بحَمْدِه، ثم أوجد
الكرسيَّ في جوف هذا العرش، وجعل فيه ملائكةً من جنس طبيعته، فكلُّ فلكٍ
أصلٌّ لمَا خُلِقَ فيه من عُمَّاره، كالعناصر فيما خلق فيها من عُمَّارها، وقَسَمَ في هذا
الكرسيِّ الكلمةَ إلى خبر وحكم، وهما القدمان اللتان تدلَّتا له من العرش كما ورد
في الخبر، ثم خلق في جوف الكرسيِّ الأفلاك، فلكاً في جوف فلك، وخلق في
كلِّ فلكٍ عالَماً منه يَعْمُرونه، وزيَّنها بالكواكب ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾
[فصلت: ١٢] إلى أنْ خَلَقَ صور المولدات، وتجلَّى لكلِّ صنفٍ منها بحَسَبِ ما هي
عليه، فتكوَّن من ذلك أرواحُ الصور، وأَمَرها بتدبيرها، وجَعَلَها غيرَ منقسمةٍ بل ذاتاً
واحدة، وميَّز بعضها عن بعضٍ فتميّزت، وكان تمييزُها بحَسَبٍ قبولِ الصور من ذلك
التجلِّي، وهذه الصورةُ في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح، ثم أحدث سبحانه
الصورَ الجسدية الخيالية بتجلِّ آخر، وجعل لكلٍّ من الأرواح والصور غذاءً يناسبُه،
ولا يزال الحقُّ سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكةً ما داموا متنفِّسين، وسبحان
مَن يقول للشيء كن فيكون(١) .
إذا علمتَ ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقولِ لهم، فقيل: كلُّهم؛
لعموم اللفظ وعُدْمِ المخصِّص، فشمل المهيَّمين وغيرهم. وقيل: ملائكة الأرض،
بقرينةٍ أنَّ الكلام في خلافة الأرض. وقيل: إبليس ومَن كان معه في محاربة الجنِّ
الذين أُسكِنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا، فبعث الله تعالى عليهم جنداً من
الملائكة يقال لهم الجنُّ أيضاً، وهم خُزَّان الجنة، اشتقَّ لهم اسم منها، فطردوهم
إلى شعوب الجبال والجزائر.
والذي عليه السادة الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم، أنهم ما عدا العالين ممَّن
كان مودَعاً شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته، وأنَّ العالين غيرُ داخلين في الخطاب
(١) هذا الكلام وأمثاله وكذا ما سيأتي بعده عن الصوفية في هذه الأمور الغيبية ليس له أصل في
الكتاب ولا في السنَّة، ولا قال به أحد من سلف الأمة.

الآية : ٣٠
٨٩
سُورَةُ الْجَمَة
ولا مأمورين بالسجود؛ لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وقولُه تعالى:
﴿أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] يشير إلى ذلك عندهم، وجعلوا من أولئك
الملكَ المسمَّى بالروح، وبالقلم الأعلى، وبالعقل الأول، وهو المرآة لذاته تعالى،
فلا يظهر بذاته إلَّ في هذا الملك، وظهورُه في جميع مخلوقاته إنَّما هو بصفاته،
فهو قطبُ العالم الدنيويِّ والأخرويِّ، وقطبُ أهل الجنة والنار، وأهل الكثيب
والأعراف، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجهٌ يدور ذلك المخلوقُ على
وجهه، فهو قُطبُه، وهو قد كان عالِماً بخلق آدم ورتبته، فإنه الذي سَطَرَ في اللوح
ما كان وما يكون، واللوح قد عَلِمَ عِلْمَ ذوقٍ ما خَطّه القلم فيه، وقد ظهر هذا
الملك بكماله في الحقيقة المحمَّدية، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُؤُمَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ولهذا كان ◌َِّ أفضل خَلْقِ الله تعالى على الإطلاق، بل
هو الخليفةُ على الحقيقة في السبع الطباق، وليس هذا بالبعيد، فليفهم.
و((جاعِلٌ)) اسم فاعلٍ من الجَعْلِ بمعنى التصيير، فيتعذَّى لاثنين، والأول هنا
(خليفة))، والثاني: ((في الأرض))، أو بمعنى الخَلْقِ فيتعدّى لواحد، فـ ((في الأرض»
متعلّقٌ بـ ((خليفة))، وقُدِّم للتشويق. وعَمِلَ الوَصْفُ لأنه بمعنى الاستقبال، ومُعْتمِدٌ
على مسندٍ إليه.
ورجَّح في ((البحر)) كونَه بمعنى الخَلْقِ، لِمَا في المقابل، ويلزم على كونه بمعنى
التصييرِ ذكرُ ((خليفة)) أو تقديرُه فيه(١).
والمراد من ((الأرض)) إما كلُّها، وهو الظاهر، وبه قال الجمهور، أو أرض
مكة، وروي هذا مرفوعاً (٢)، والظاهر أنه لم يصحَّ، وإلا لم يُعْدَلْ عنه. وخصَّ
(١) البحر ١/ ١٤٠، وفيه: لأنهم قالوا ((أتجعل فيها من يفسد فيها)) فظاهر هذا أنه مقابلٌ لقوله:
((جاعل في الأرض خليفة)) فلو كان الجعلُ الأول على معنى التصيير لذكره ثانياً، فكان:
أتجعل فيها خليفة مَن يفسد فيها، وإذا لم يأت كذلك كان معنى الخلق أرجح، ولا احتياج
لتقدير خليفة؛ لدلالة ما قبله عليه لأنه إضمار، وكلام بغير إضمار أحسن من كلام بإضمار.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٧٦/١ من طريق عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله الو
قال: ((دحيت الأرض من مكة، وأولُ مَن طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى
الأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ يعني مكة)). قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا مرسل، وفي سنده
ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة.

سُورَةُ الْبَعَة
٩٠
الآية : ٣٠
سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات، فيظهر بحكم الخلافة فيها
حكمُ جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحقُّ ظهوره بها، بخلاف العالَم الأعلى.
والخليفة: مَن يَخلُف غيرَه وينوبُ عنه، والهاء للمبالغة، ولهذا يطلق على
المذكّر (١)، والمشهورُ أنَّ المراد به آدم عليه السلام، وهو الموافق للرواية ولإفراد
اللفظ ولمَا في السياق، ونسبةُ سفك الدم والفسادِ إليه حينئذٍ بطريق التسبُّب، أو
المراد بـ ((مَن يفسد)) إلخ: مَن فيه قوةُ ذلك.
ومعنى كونِه خليفةً: أنه خليفة الله تعالى في أرضه، وكذا كلُّ نبيٍّ، استخلفهم
في عمارة الأرض، وسياسةِ الناس، وتكميلٍ نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجةٍ
به تعالى، ولكن لقصورِ المستخلَف عليه، لِمَا أنه في غاية الكدورة والظلمة
الجسمانية، وذاتُه تعالى في غاية التقدُّس، والمناسبةُ شرطٌ في قبول الفيض على
ما جرت به العادة الإلهية، فلا بدَّ من متوسِّطِ ذي جهتي تجرُّدٍ وتعلّقٍ؛ ليستفيض من
جهةٍ ویفیض بأخرى.
وقيل: هو وذرِّيَّته عليه السلام، ويؤيِّده ظاهرُ قول الملائكة، فإلزامهم حينئذٍ
بإظهار فَضْلٍ آدم عليهم؛ لكونه الأصلَ المستتبعَ مَن عداه، وهذا كما يُستغنَى بذکر
أبي القبيلة عنهم، إلا أنَّ ذكر الأب بالعلم، وما هنا بالوصف.
ومعنى كونهم خلفاءَ: أنهم يخلفون مَنْ قَبلَهم من الجنِّ بني الجانّ، أو من
إبليس ومَن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك، على ما نطقت به الآثار (٢)،
أو أنه يخلُف بعضُهم بعضاً .
وعند أهل الله تعالى، المرادُ بالخليفة آدم عليه السلام، وهو خليفةُ الله تعالى
وأبو الخلفاء، والمجلّي له سبحانه وتعالى، والجامعُ لصفتي جماله وجلاله، ولهذا
جُمعت له اليدان وكلتاهما يمين، وليس في الموجودات مَن وسع الحقَّ سبحانه
سواه، ومن هنا قال الخليفة الأعظم وَ ه: ((إنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته))(٣)
(١) بعدها في الأصل: والمؤنث.
(٢) ينظر ما أخرجه الحاكم ٢٦١/٢ من أقوال ابن عباس چا.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨١٧١)، والبخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) عن
أبي هريرة .

الآية : ٣٠
٩١
سُورَةُ الْبَقَة
أو ((على صورة الرحمن))(١) وبه جمعت الأضداد، وكملت النشأة وظهر الحقُّ، ولم
تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعةِ القيام، بل متى فارق
هذا الإنسانُ العالَم مات العالم؛ لأنه الروح الذي به قوامه، فهو العماد المعنويُّ
للسماء، والدارُ الدنيا جارحةٌ من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه، ولمَّا
كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته، صحَّت له الخلافة وتدبير العالم،
والله سبحانه الفعَّال لِمَا يريد، ولا فاعلَ على الحقيقة سواه، وفي المقام ضيق،
والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عزَّ وجلَّ.
وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليمُ المشاورة؛ لأنَّ هذه المعاملة تشبهها، أو
تعظيمُ شأن المجعول وإظهارُ فضله، ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه
السلام لهم ليعرفوا قدره؛ لأنه باطنٌ عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة
الإلهية، وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم، وكان هذا القول على
ما ذكره الشيخ الأكبر قُدِّس سِرُّه في دولة السنبلة بعد مضيٍّ سبعةَ عَشَرَ ألفَ سنةٍ من
عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة، ومن عمر
العالم الطبيعي، المقيَّد بالزمان المحصور بالمكان، إحدى وسبعون ألف سنة من
السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول، وهو يومٌ وخُمسًا يومٍ من
أيام ذي المعارج، ولله تعالى الأمر من قبلُ ومن بعد.
وقرأ زيد بن علي: ((خَليقةً)) بالقاف(٢)، والمعنى واضح.
﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الذِّمَآءَ﴾ استكشافٌ عن الحكمة الخفيَّة
وعمّا يزيلُ الشبهة، وليسَ استفهاماً عن نفس الجَعْلِ والاستخلاف؛ لأنهم قد عَلِموه
(١) أخرجه بهذا اللفظ الحارث (٨٧٢ - بغية الباحث)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣١٣)،
وابن أبي عاصم في السنة (٥١٧)، وابن خزيمة في التوحيد ص٣٨، والطبراني في الكبير
(١٣٥٨٠) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن
عمر، عن النبي ◌َ﴾. وقد أعله ابن خزيمة بأن الثوري خالف الأعمش في إسناده، فأرسل
ولم يقل: عن ابن عمر، وأعله أيضاً بتدليس الأعمش وقد عنعن، وكذلك حبيب بن
أبي ثابت وقد عنعن، ولكن الذهبي في الميزان ٢/ ٤٢٠ نقل عن إسحاق بن راهويه
وأحمد بن حنبل تصحيحهما لهذا الحديث. وينظر الفتح ١٨٣/٥.
(٢) الكشاف ٢٧١/١، والمحرر الوجيز ١١٧/١، والبحر ١٤٠/١.

سُورَةُ الْبََّقَة
٩٢
الآية : ٣٠
قبلُ، فالمسؤولُ عنه هو الجَعْلُ، ولكنْ لا باعتبار ذاته، بل باعتبار حِكْمتِهِ ومُزيلٍ
شبهتهِ، أو تعجّبٌ من أن يُستَخلف لعمارة الأرض وإصلاحها مَن يُفسد فيها، أو
يُستَخلَفَ مكانَ أهل الفساد مثلُهم، أو مكانَ أهل الطاعة أهلُ المعصية.
وقيل: استفهامٌ محضّ حُذف فيه المعادل، أي: أتجعل فيها مَن يُفسد، أم
تجعل مَن لا يفسد؟
وجَعَلَه بعضهم من الجملة الحالية، أي: أتجعلُ فيها كذا، ونحن نسبِّح بحمدك
أم نتغيَّر؟ واختار ذلك شيخنا علاءُ الدين الموصليُّ روَّح الله تعالى رُوحَه، والأدبُ
يُسْكِتُني عنه.
وعلى كلِّ تقديرٍ ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشويةُ مستدلِين بالآية على
عدم عصمة الملائكة، لاعتراضهم على الله تعالى وطَعْنِهم في بني آدم، ومن
العجيب أنَّ مولانا الشعرانيّ(١) - وهو من أكابر أهل السنة، بل من مشايخ أهل الله
تعالى - نقل عن شيخه الخوَّاص(٢) أنه خَصَّ العصمة بملائكة السماء معلِّلاً له بأنهم
عقولٌ مجرَّدَةٌ بلا منازع ولا شهوة، وقال: إنَّ الملائكة الأرضية غيرُ معصومين،
ولذلك وقع إبليس فيما وقع، إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت
بالمشرق عند خط الاستواء. فعليه لا يبعد الاعتراض ممَّن كان في الأرض والعياذ
بالله تعالى، ويُستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أنَّ القائلين كانوا عشرة آلاف
نزلت عليهم نارٌ فأحرقتهم، وعندي أنَّ ذلك غيرُ صحيح.
وقيل: إنَّ القائل إبليس، وقد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة، ويكون
نسبةُ القول إليهم على حدٍّ: بنو فلان قتلوا فلاناً، والقائل واحد منهم. والوجهُ
ما قرَّرنا. وتكرارُ الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد، ولم يكرِّره بعدُ للاكتفاء،
مع ما في التكرار ممَّا لا يخفى.
و((السفك)) الصَّبُّ والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدم، أو فيه وفي الدمع،
(١) عبد الوهاب بن أحمد الشافعي الصوفي، من ذرية محمد بن الحنفية، من كتبه: مختصر
الفتوحات، وكشف الغمة عن جميع الأمة، توفي سنة (٩٧٣هـ). شذرات الذهب ١٠/ ٥٤٤.
(٢) علي البرلسي، ذكره الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى ١٣٥/٢ وقال: كان أميًّا لا يكتب
ولا يقرأ، وكان يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرَّفة كلاماً نفيساً تحيّر فيه
العلماء.

الآية : ٣٠
٩٣
سُورَةُ الْبَّنَة
والعطف من عطف الخاصِّ على العامٌّ للإشارة إلى عِظَم هذه المعصية؛ لأنه بها
تتلاشى الهياكل الجسمانية.
و ((الدماء»: جمع دم، ولامه ياء أو واو، وقَصْرُه وتضعيفُه مسموعان، وأصله
فَعْل أو فَعَل(١)، والمراد بها: المحرَّمة، بقرينة المقام. وقيل: الاستغراق، فيتضمَّن
جميع أنواعها من المحظور وغيره، والمقصودُ عدم تمييزه بينها .
وقرأ ابن أبي عبلة: ((يسفُكُ)) بضم الفاء، و((يُسْفِكُ)) من أَسفَكَ، وبالتضعيف من
سفَّك، وقرأ ابن هرمز بنصب الكاف، وخُرِّج على النصب في جواب الاستفهام(٢).
وقرئ على البناء للمجهول(٣)، والراجع إلى ((مَنْ)) حينئذ سواء جُعل موصولاً
أو موصوفاً محذوف، أي: فيهم.
وحُكْمُ الملائكة بالإفساد والسَّفْكِ على الإنسان بناءً على بعض هاتيك الوجوه
ليس مِن ادِّعاء علم الغيب، أو الحُكْمِ بالظنِّ والتخمين، ولكن بإخبارٍ من الله
تعالى، ولم يقصَّ علينا فيما حكى عنهم اكتفاءً بدلالة الجواب عليه للإيجاز كما هو
عادة القرآن، ويؤيِّد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه لمَّا قال الله تعالى ذلك قالوا :
وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويقتل بعضُهم
بعضاً، فعند ذلك قالوا: ربَّنا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء(٤).
وقيل: عرفوا ذلك من اللوح، ويُبعده عدمُ عِلْمٍ الجواب، ويحتاج الجواب إلى
تكلُّف.
وقيل: عرفوه استنباطاً عمَّا ركز في عقولهم من عدم عصمةٍ غيرِهم، المُفْضِي إلى
العلم بصدور المعصية عمَّن عَدَاهم، المُفْضِي إلى التنازع والتشاجُر، إذ مَن لا يَرْحَمُ
نفسَه لا يَرْحَمُ غيرَه، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء.
وقيل: قياساً لأحد الثقلين على الآخر، بجامع اشتراكهما في عدم العصمة.
ولا يخفَى ما في القولين.
(١) ينظر تفصيل ذلك في الدر المصون ٢٥٧/١.
(٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٤، والمحرر الوجيز ١١٨/١، والبحر ١٤٢/١.
(٣) ذكرها البيضاوي في تفسيره ١٣٦/١.
(٤) قطعة من خبر طويل أخرجه الطبري ١/ ٤٨٦-٤٨٨ عن ابن عباس وابن مسعود وناس من
أصحاب النبي ◌َّهو.

سُؤَدَّةُ الْبَرَة
٩٤
الآية : ٣٠
ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفةً؛ لأنَّ الخلافة تقتضي الإصلاح،
وقَهْرَ المستَخْلَفِ عليه، وهو يستلزمُ أن يصدر منه فساد؛ إما في ذاته بمقتضى
الشهوة، أو في غيره من السفك. أو لأنها مجلى الجلال كما أنها مجلى الجمال،
ولكلٍّ آثار، والإفساد والسفك من آثار الجلال، وسكتوا عن آثار الجمال إذ لا غرابة
فيها. وهم على كلِّ تقديرٍ ما قَدَروا الله تعالى حقَّ قَدْرِه، ولا يُخِلُّ ذلك بهم، ففوقَ
كلِّ ذي علمٍ عليمٌ.
﴿وَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ حالٌ من ضمير الفاعل في (أتجعل)) وفيها
تقریرٌ لجهة الإشكال، والمعنى: أتستخلفُ مَن ذُكِرَ ونحن المعصومون؟ ولیس
المقصود إلا الاستفسار عن المرجّح، لا العجب والتفاخر حتى يضر (١) بعصمتهم
كما زعمت الحشوية. ولزومُ الضمير وتركِ الواو في الجملة الاسمية إذا وقعت حالاً
مؤكِّدةً غيرُ مسلَّمٍ، كما في ((شرح التسهيل).
وصيغةُ المضارع للاستمرار، وتقديم المسنّد إليه على المُسْنَد الفعليِّ
للاختصاص. ومن الغريب جَعْلُ الجملة استفهاميةً حذف منها الأداة، وكذا المُعَادِل.
والتسبيحُ في الأصل: مطلقُ التبعيد، والمرادُ به: تبعيدُ الله تعالى عن السوء،
وهو متعدٍّ بنفسه، ويُعدَّى باللام إشعاراً بأنَّ إيقاع الفعل لأَجْلِ الله تعالى وخالصاً
لوجهه سبحانه، فالمفعولُ المقدَّر هاهنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه، وأن
يكون بدونه كما هو أصله، و((بحمدك)) في موضع الحال، والباء لاستدامة الصحبة
والمعيَّة، وإضافةُ الحمد إمَّا إلى الفاعل والمرادُ لازمُه مجازاً من التوفيق والهداية،
أو إلى المفعول، أي: متلبِّسين بحمدنا لك على ما وفَّقتنا لتسبيحك، وفي ذلك نفيُّ
ما يوهمه الإسناد من العجب.
وقيل: المراد به تسبيحٌ خاصٌّ، وهو: سبحان ذي الملكِ والمَلَكوت، سبحان
ذي العظمة والجبروت، سبحان الحيّ الذي لا يموت(٢). ويعرف هذا بتسبيح
الملائكة. أو: سبحان الله وبحمده، وفي حديث عن عبد الله(٣) بن الصامت عن
(١) في الأصل: يقر، وهو تصحيف.
(٢) قطعة من حديث أخرجه الطبري ٥٠٢/١ من طريق سعيد بن جبير عن النبي وضّ مرسلاً .
(٣) في الأصل و(م): عبادة، والمثبت هو الصواب.

الآية : ٣٠
٩٥
سُورَةُ الَّقَة
أبي ذرِّ أنَّ النبي ◌َّهِ سئل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطفى الله تعالى لملائكته
أو لعباده: سبحان الله وبحمده))(١) أي: وبحمده نسبح.
التقديس في المشهور كالتسبيح معنّى، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أنَّ أحدهما
باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات.
وقيل: التسبيح تنزيهُه تعالى عمَّا لا يليق به، والتقديس تنزيهُه في ذاته عمَّا
لا يراه لائقاً بنفسه، فهو أبلغ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخِّر نحو: سُبُّوح
قدُّوس. ويحتمل أن يكون بمعنى التطهير، والمراد نُسبِّحكَ ونُطهّر أنفسَنا من
الأدناس، أو أفعالَنا من المعاصي، فلا نفعل فِعلَهم من الإفساد والسفك، أو نُطهّر
قلوبنا من(٢) الالتفات إلى غيرك.
ولام ((لك)) إما للعلَّة متعلِّقٌ بـ ((نُقَدِّس»، والحملُ على التنازع ممَّا فيه تنازُعُ، أو
مُعَدِّيّةٌ للفعل كما في: سجدتُ لله تعالى، أو للبيان كما في: سُقياً لك، فمتعلَّقُها
حينئذٍ خبرُ مبتدأ محذوفٍ(٣)، أو زائدةٌ والمفعول هو المجرور.
ثم الظاهرُ أنَّ قائل هذه الجملة هو قائلُ الجملة الأولى، وأغربَ الشيخ صفيُّ
الدين الخزرجيُّ(٤) في كتابه ((فك الأزرار)) فجعل القائل مختلفاً، وبيَّن ذلك بأنَّ
الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مُجْمَلين، وكان إبليس مندرجاً في
جملتهم، فورد الجوابُ منهم مَجمَلاً، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل
الجواب إلى نوعين، فنوعُ الاعتراضٍ منه [كان عن إبليس]، ونوعُ التسبيح والتقديس
ممَّن عداه، فانقسم الجوابُ إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسَبَ كلُّ
جوابٍ مَن ظهر عنه. فالكلام شبيهٌ بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى
تَهْتَدُواْ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وهو تأويلٌ لا تفسير.
(١) أخرجه أحمد (٢١٣٢٠)، ومسلم (٢٧٣١).
(٢) في (م): عن.
(٣) والتقدير: تقديسُنا لك، كما في البحر ١٤٣/١ والدر المصون ٢٥٧/١، وينظر في معنى
وإعراب ((سقياً لك)) مغني اللبيب ص٢٩٢ .
(٤) أبو عبد الله الحسين بن الوزير أبي الحسن علي بن أبي المنصور، الصوفي المالكي نزيل
مصر، توفي سنة (٦٨٢هـ). ينظر إيضاح المكنون ٢٩٩/٢، والبحر ١٤٣/١، والكلام وما
سیأتي بین حاصرتین منه.

سُوَرَّةُ الْبَحْدَة
٩٦
الآية : ٣١
أي: أعلمُ من الحِكم في ذلك ما أنتم بمعزلٍ
﴿قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ
عنه. وقيل: أراد بذلك علمَه بمعصية إبليس وطاعةٍ آدم. وقيل: بأنه سيكون من
ذلك الخليفةِ أنبياءُ وصالحون. وقيل: الأحسن أن يُفسَّر هذا المبهَمُ بما أَخبر به
تعالى عنه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣].
ويفهَم من كلام القوم قدَّس الله تعالى أسرارهم، أنَّ المراد من الآية بيانُ
الحكمة من الخلافة على أدقٌّ وجهٍ وأكمله، فكأنه قال جلَّ شأنه: أريد الظهور
بأسمائي وصفاتي، ولم يَكمُّل ذلك بخَلْقِكم، فإنِّي أعلم ما لا تعلمونه؛ لقصور
استعدادكم ونقصان قابليتكم، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصِّفات فیکم،
فلا تتمُّ بكم معرفتي، ولا يظهر عليكم كنزي، فلا بدَّ من إظهار مَنْ تمَّ استعداده
وكملت قابليتُه ليكون مُجَلَّى لي، ومرآةً لأسمائي وصفاتي، ومظهراً للمتقابلات فيَّ،
ومظهراً لِمَا خفي عندي، وبي يسمع وبي يبصر وبي وبي، وبعد ذلك يرقُّ الزجاج
والخمر، وإلى الله عزَّ شأنه يرجع الأمر.
و ((أعلم) فعلٌ مضارع، واحتمالُ أنه أفعل تفضيلٍ ممَّا لا ينبغي أن يخرَّج عليه
کتاب الله سبحانه كما لا يخفى.
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اٌلْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾ عطفٌ على ((قال)) وفيه تحقيقٌ لمضمون ما تقدَّم، وظاهرُ
الابتداء بحكاية التعليم يدلُّ على أنَّ ما مرَّ من المقاولة إنَّما جرت بعد خَلْقِه عليه السلام
بمحضرٍ منه، بأن قيل إثر نفخ الروح فيه: إنِّي جاعلٌ إياه خليفة، فقيل ما قيل.
وقيل: إنه معطوفٌ على محذوف، أي: فخَلَق وعلَّم، أو: فخلقه وسوَّاه ونفخ
فيه الروحَ وعلَّم، أو: فجعل في الأرض خليفةً وعلَّم. وإبرازُ اسمه عليه السلام
للتنصيص عليه والتنويه بذكره.
و ((آدم)) صرَّح الجواليقي(١) وكثيرون أنه عربي، ووزنُه أَفْعَل من الأدْمة بضمِّ
فسكون: السُّمْرة، وياما أُحيلاها في بعض، وفسَّرها أناسٌ بالبياض. أو الأَدَمة
بفتحتين: الأسوة والقدوة. أو من أديم الأرض: ما ظهر منها، وقد أخرج أحمد
والترمذي وصحَّحه غير واحد («أنه تعالى قبض قبضةً من جميع الأرض سَهْلِها
(١) في كتابه المعرَّب ص٦١.

الآية : ٣١
٩٧
سُورَةُ الْبَّفْرَة
وحَزْنها، فخلق منها آدم فلذلك تأتي بنوه أخيافا))(١). أو من الأُذْم أو الأُدْمة:
الموافقة والأُلفة. وأصلُه أَأدم - بهمزتين - فأُبدلت الثانية ألفاً لسكونها بعد فتحة،
ومُنع صرفُه للعَلَمية ووزنِ الفعل.
وقيل: أعجميٍّ ووزنه فاعل - بفتح العين - ويكثر هذا في الأسماء كشالَح وآزَر،
ويشهد له جمعُه على أوادم بالواو، لا أآدم بالهمزة، وكذا تصغيرهُ على أُوَيْدِم
لا أُؤَيْدِم، واعتذر عنه الجوهريُّ بأنه ليس للهمزة أصلٌ في البناء معروف(٢)، فَجَعَلَ
الغالبَ عليها الواو، ولم يسلِّموه له، وحينئذٍ لا يجري الاشتقاق فيه؛ لأنه من تلك
اللغة لا نَعْلَمُه ومن غيرها لا يصح، والتوافُقُ بين اللغات بعيد، وإن ذكر فيه فذاك
للإشارة إلى أنه بعد التعريب ملحقٌ بكلامهم، وهو اشتقاقٌ تقديريٌّ اعتبروه لمعرفة
الوزن والزائدٍ فيه من غيره، ومَن أجراه فيه حقيقةً كمَن جمع بين الضَّبِّ والنون(٣)،
ولعلَّ هذا أقرب إلى الصواب.
و ((الأسماء)»: جمع اسم، وهو باعتبار الاشتقاق: ما يكون علامةً للشيء
ودليلاً يرفعُه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال،
واستُعمل عُرْفاً في الموضوع لمعنى، مفرداً كان أو مركّباً، مخبّراً عنه أو خبراً أو
رابطةً بينهما(٤)، وكلا المعنيين محتمل، والعلم بالألفاظ المفردة والمركّبة تركيباً
خبريًّا أو إنشائيًّا يستلزم العلم بالمعاني التصويرية والتصديقية، وإرادة المعنى
المصطلح ممَّا لا يصح(٥)، لحدوثه بعد القرآن.
(١) مسند أحمد (١٩٥٨٢)، وسنن الترمذي (٢٩٥٥) بنحوه من حديث أبي موسى
الأشعري ته، ولفظه من تفسير البيضاوي ١٣٧/١. قال الترمذي: حسن صحيح.
والأخياف: المختلفون. اللسان (خيف).
(٢) الصحاح (أدم).
(٣) النون: الحوت. وهذه العبارة لأبي عبيدة، ذكرها عنه الشهاب في الحاشية ١٢٤/٣،
والكلام السابق منه.
(٤) المخبر عنه هو الاسم، والخبر الفعل، والرابطة الحرف. حاشية الشهاب ١٢٥/٢.
(٥) في (م): يصلح، والمثبت من الأصل، وحاشية الشهاب ١٢٥/٢ والكلام منه، واستعمل
الاسم اصطلاحاً - كما ذكر البيضاوي - في المفرد الدالّ على معنى في نفسه غير مقترن
بأحد الأزمنة الثلاثة.

سُورَةُ البَحَة
٩٨
الآية : ٣١
وقال الإمام: المراد بالأسماء صفاتُ الأشياء ونعوتُها وخواصُّها؛ لأنها
علاماتٌ دالَّةٌ على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء(١)، وفيه كما قال
الشهاب(٢) نظر؛ إذ لم يُعْهَد إطلاقُ الاسم على مثله حتى يُفسَّر به النّظم.
وقيل: المراد بها أسماءُ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعُزي إلى ابن
عباس
وقيل: اللغات. وقيل: أسماء الملائكة. وقيل: أسماء النجوم. وقال الحكيم
الترمذيُّ: أسماؤه تعالی. وقيل وقيل وقيل.
والحقُّ عندي ما عليه أهلُ الله تعالى، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي
علمتَ، وهو أنها أسماءُ الأشياء علويَّةً وسفليةً، جوهريةً أو عَرَضيةً، ويقال لها
أسماء الله تعالى عندهم باعتبار دلالتها عليه، وظهوره فيها غير متقيِّد بها، ولهذا
قالوا: إنَّ أسماء الله تعالى غيرُ متناهية، إذ ما من شيء يبرز للوجود من خبايا الجود
إلا وهو اسم من أسمائه تعالى، وشأنٌ من شؤونه عزَّ شأنه، وهو الأول والآخر
والظاهر والباطن. ومن هنا قال قُدِّس سره:
إنَّ الوجودَ وإن تعدّد ظاهراً وحياتِكم ما فيه إلا أنتمُ (٣)
لكن الفَرقِ مقامٌ، وللجَمْعِ مقامٌ، ولكلِّ مقامٍ مقالٌ، ولولا المراتبُ لتعطّلت
الأسماء والصفات، وتعليمُها لَه عليه السلام على هذا ظهورُ الحقِّ جلَّ وعلا فيه -
منزَّهاً عن الحلول والاتحاد والتشبيه - بجميع أسمائه وصفاته المتقابلةِ حَسْبَ
استعداده الجامع، بحيث علم وجهَ الحقِّ في تلك الأشياء، وعلم ما انطوت عليه،
وفهم ما أشارت إليه، فلم يَخْفَ عليه منها خافية، ولم يبق من أسرارها باقية، فيا لله
هذا الجِرْمُ الصغير كيف حوى هذا العلم الغزير؟!
واختلف الرسميُّون بينهم في كيفية التعليم بعد أن فُسِّر بأنه فعلٌ يترتَّب عليه
العلم غالباً، وبعد حصول ما يتوقّف عليه من جهة المتعلُّم؛ كاستعداده لقبول
(١) تفسير الرازي ١٧٦/٢ .
(٢) في الحاشية ٢/ ١٢٥ .
(٣) البيت لمحمد بن سوار بن إسرائيل، نجم الدين الشيباني الشاعر، كما في فوات الوفيات ٣٨٦/٣.

الآية : ٣١
٩٩
سُورَةُ الَرَة
الفيض، وتلقِّيه من جهة المعلِّم، بلا (١) تخلُّفٍ، فقيل: بأنْ خَلَقَ فيه عليه السلام -
بموجب استعداده ـ علماً ضروريًّا تفصيليًّا بتلك الأسماء وبمدلولاتها وبدلالتها
ووجه دلالتها. وقيل: بأنْ خَلَقه من أجزاءٍ مختلفةٍ وقوّى متباينةٍ، مستعدًّا لإدراك
أنواع المدرَكات، وألهمه معرفةً ذواتِ الأشياء وأسمائها وخواصِّها ومعارفها،
وأصول العلم، وقوانين الصناعات، وتفاصيل آلاتها، وكيفيات استعمالاتها، فيكون
ما مرَّ من المقاولة قبل خَلْقِه عليه السلام.
والقول بأنَّ التعليم على ظاهره، وكان بواسطة مَلَكٍ غيرِ داخل في عموم
الخطاب بـ ((أنبؤوني))= ممَّا لا أرتضيه، اللهم إلا إن صحَّ خبرٌ في ذلك، ومع هذا
أقول: للخبر مَحْمَلٌ غيرُ ما يتبادر، ممَّا لا يخفى على مَن له ذوق. وقيل غير ذلك.
ثم إنَّ هذا التعليم لا يقتضي تقدُّم لغةٍ اصطلاحية كما زعمه أبو هاشم، واحتَجّ
عليه بوجوهٍ رُدَّت في ((التفسير الكبير))(٢)؛ إذ لو افتقر لَتَسَلْسَلَ الأمرُ أو دار.
والإمامُ الأشعريُّ يستدلُّ بهذه الآية على أنَّ الواضع للُّغات كلِّها هو الله تعالى
ابتداءً، ويجوز حدوث بعض الأوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه.
والمعتزلة يقولون: الواضعُ من البشر، آدمَ أو غيرِه، ويسمى مذهب الاصطلاح.
وقيل: وَضَعَ الله تعالى بعضَها ووضع الباقي البشر، وهو مذهب التوزيع وبه قال
الأستاذ(٣)، والمسألة مفصّلةٌ بأدلَّتها وما لها وما عليها في أصول الفقه.
وقرأ اليماني: ((وعُلِّمَ)) مبنيًّا للمفعول. وفي ((البحر)) أنَّ التضعيف للتعدية وهي
به سماعية(٤)، وقيل: قياسية، والحريريُّ في شرح ملحته(٥) يزعم أنَّ ((عَلِمَ))
المتعدِّي لاثنين يتعدَّى به إلى ثلاثة، وقد وهم في ذلك.
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ﴾ أي: المسمَّيات المفهومة من الكلام، وتذكيرُ
(١) في الأصل و(م): لا، والمثبت من تفسير أبي السعود ١/ ٨٤ وفيه: والتعليم حقيقةً عبارة عن
فعلٍ يترتَّب عليه العلم بلا تخلُّفٍ عنه.
(٢) ٢/ ١٧٥ وما بعدها.
(٣) أبو إسحاق الإسفراييني، وكلامه في حاشية العطار على جمع الجوامع ٣٥٣/١.
(٤) البحر ١٤٥/١، والقراءة أيضاً في القراءات الشاذة ص٤، والمحتسب ٦٤/١.
(٥) في الأصل و(م): لمحته، والمثبت هو الصواب، والكلام من البحر ١٤٥/١.

سُوَُّ الْبََّقَة
١٠٠
الآية : ٣١
الضمير على بعض الوجوه لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء، وللتعظيم بتنزيلها
منزلتهم في رأيٍ على البعض الآخر.
وقيل: الضمير للأسماء باعتبار أنها المسمَّيات مجازاً على طريق الاستخدام.
ومَن قال: الاسم عينُ المسمى، قال: الأسماءُ هي المسمَّيات، والضميرُ لها
بلا تكلُّفٍ، وإليه ذهب مكِّيٍّ والمهدويُّ. ويَرِدُ عليه أنَّ ((أنبئوني بأسماء هؤلاء)» يدلُّ
على أنَّ العرض للسؤال عن أسماء المعروضات لا عن نفسِها، وإلا لقيل: أنبئوني
بهؤلاء، فلا بدَّ أن يكون المعروضُ غيرَ المسؤول عنه، فلا يكون نفسَ الأسماء.
ومعنى عَرْض المسمَّيات: تصويرُها لقلوب الملائكة، أو إظهارُها لهم كالذَّرِّ،
أو إخبارُهم بما سيُؤْجِدُه من العقلاء وغيرهم إجمالاً، وسؤالهم عمَّا لا بدَّ لهم منه
من العلوم والصنائع التي بها نظامُ معاشهم ومعادهم إجمالاً أيضاً، وإلا فالتفصيلُ
لا يمكن عِلْمُه لغير اللطيف الخبير، فكأنه سبحانه قال: سأُوْجِدُ كذا وكذا فأخبروني
بما لهم وما عليهم، وما أسماءُ تلك الأنواع، من قولهم: عرضتُ أمري على فلان
فقال لي كذا، فلا يَرِدُ أنَّ المسمَّيات عند بعضٍ أعيانٌ ومعانٍ، وكيف تُعْرَضُ
المعاني كالسرور والحزن والجهل والعلم؟!
وعندي: أنَّ عرض المسمَّيات عليهم يحتمل أن يكون عبارةً عن إطلاعهم على
الصور العلمية، والأعيان الثابتة، التي قد يطَّلع عليها في هذه النشأة بعضُ عباد الله
تعالى المجرَّدين، أو إظهار ذلك لهم في عالم تتجسَّد فيه المعاني، هذا غيرُ ممتنعٍ
على الله تعالى، بل إنَّ المعاني الآن متشكِّلةً في عالم الملكوت بحيث يراها مَن
يراها، ومَن أحاط خبراً بعالم المثال لم يستبعد ذلك.
وقيل: إنهم شهدوا تلك المسمَّيات في آدم عليه السلام، وهو المراد بعرضها :
وتزعمُ أنَّك حِرْمٌ صغيرٌ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ(١)
وقرأ أُبيّ: (ثم عرضها))، وعبد الله: ((عرضهنَّ»(٢)، والمعنى: عرض
مسمَّیاتها، أو مسمّیاتهن، وقيل: لا تقدير.
(١) البيت لعلي ظه، وهو في ديوانه ص ٥٧.
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص٤.