Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ٢٢
٢١
سُوَّةُ الْبَقَة
وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ (١)
وعلى هذا يراد بالنزول من السماء نشوؤه من أسبابٍ سماويةٍ وتأثيراتٍ أَثيرية،
فهي مبدأ مجازيٌّ له، على أنَّ مَن انجاب عن عين بصيرته سحابُ الجهل رأى أنَّ
كلَّ ما في هذا العالم السفليِّ نازلٌ من عرش الإرادة وسماء القدرة، حَسْبَما تقتضيه
الحكمة، بواسطةٍ أو بغير واسطة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا
عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُنْزِّلُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
بل مَن عَلِمَ أنَّ الله سبحانه في السماء - على المعنى الذي أراده، وبالوصف
الذي يليق به، مع التنزيه اللائق بجلال ذاته تعالى - صحَّ له أن يقول: إنَّ ما في
العالمين من تلك السماء، ونسبةُ نزوله إلى غيرها أحياناً لاعتباراتٍ ظاهرة، وهي
راجعة إليه في الآخرة.
والماء: معروف، وعرَّفه بعضهم: بأنه جوهرٌ سيَّالٌ به قوامُ الحيوانِ، ووزنه
فَعْلِ وأَلِفُه منقلبةٌ عن واو، وهمزتُه بدلٌ من هاء، كما يدلُّ عليه مُوَيه ومياه وأمواه،
وتنوينُه للبعضية، وخصَّه سبحانه بالنزول من السماء في كثيرٍ من الآيات تنويهاً
بشأنه، لكثرة منفعته ومزيد بركته.
و((مِن)) الثانية إما للتبعيض؛ إذ كم من ثمرةٍ لم تخرج بعد، فـ ((رزقاً)) حينئذٍ
بالمعنى المصدريِّ مفعولٌ له لـ ((أَخرج)» و «لكم)) ظرف لغو مفعولٌ به ل(«رزق»، أي:
أخرج شيئاً من الثمرات - أي بعضَها - لأَجْلِ أنه رِزْقُكم، وجُوِّز أن يكون بعض
الثمرات مفعولَ ((أخرج))، و((رزقاً) بمعنى مرزوقاً حالاً من المفعول، أو نصباً على
المصدر ((أَخْرَج)).
وإما للتبيين، فـ((رِزْق)) بمعنى مرزوق مفعولٌ لـ ((أخرج)) و((لكم)) صفته، وقد كان
((من الثمرات)) صفته أيضاً، إلا أنه لما قُدِّم صار حالاً على القاعدة في أمثاله. وفي
تقديم البيان على المبيَّن خلاف، فجوَّزه الزمخشريُّ(٢) والكثيرون، ومنعه صاحب
((الدرِّ المصون))(٣) وغيره.
(١) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص١٠٤.
(٢) في الكشاف ٢٣٥/١.
(٣) ١٩٣/١.

سُورَةُ الْبَحَة
٢٢
الآية : ٢٢
واحتمالُ جَعْلِها ابتدائية بتقدير: من بذر(١) الثمرات، أو تفسير الثمرات بالبذر،
تعسُّفٌ لا ثمرةً فیه.
و((أل)) في ((الثمرات)) إما للجنس أو للاستغراق، وجَعْلُها له و((من)) زائدة ليس
بشيء؛ لأنَّ زيادة ((من)) في الإيجاب وقَبْلَ معرفةٍ مما لم يَقُلْ به إلا الأخفش(٢)،
ويلزم من ذلك أيضاً أن يكون جميعُ الثمرات التي أخرجت رزقاً لنا، وكم شجرةٍ
أثمرت ما لا يمكن أن يكون رزقاً .
وأتى بجمع القلّة مع أنَّ الموضع موضعُ الكثرة، فكان المناسبُ لذلك: من
الثمار؛ للإيماء إلى أنَّ ما برز في رياض الوجود بفيض مياه الجود كالقليل - بل أقل
قليلٍ - بالنسبة لثمار الجنة، ولِمَا ادّخر في ممالك الغيب، أو للإشارة إلى أنَّ
أجناسها من حيث إنَّ بعضها يؤكل كلُّه، وبعضَها ظاهرُه فقط، وبعضها باطنُه فقط،
المشير ذلك إلى ما يشير، قليلةٌ لم تبلغ حدَّ الكثرة.
وما ذكر الإمام البيضاويُّ وغيرُه من أنه ساغ هذا الجمع هنا لأنه أراد بالثمرات
جمعَ ثمرة أُريد بها الكثرة كالثمار، مثلها في قولك: أدركتْ ثمرةُ بستانك، وليست
التاء للوحدة الحقيقية بل للوحدة الاعتبارية، ويؤيِّده قراءة ابن السميفع: ((من الثمرة))،
أو لأنَّ الجموع يتعاوَرُ بعضها موقعَ بعض؛ كقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِنْ جَنَّتٍ﴾
[الدخان: ٢٥] و﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أو لأنها لمَّا كانت محلَّةً بالألف واللام
خرجت عن حدِّ القلة(٣) = لا يخلو صفاؤه عن كَدَر كما يسفر عنه كلام الشهاب (٤).
وإذا قيل بأنَّ جمع السلامة المؤنَّث والمذكَّر موضوعٌ للكثرة أو مشتركٌ - والمقامُ
يخصِّصه بها - اندفع السؤال وارتفع المقال، إلا أنَّ ذلك لم يذهب إليه من الناس
إلا قليل.
والباء من ((به)) للسببية، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببيةٌ عاديةٌ في أمثال هذا
الموضع، فلا تأثير للماء عندهم أصلاً في الإخراج، بل ولا في غيره، وإنما المؤثّرُ
(١) في الأصل و(م): من ذكر، والمثبت من حاشية الشهاب ٢/ ٢٠، والكلام منه.
(٢) في معاني القرآن له ١/ ٢٧٢، وذكره عنه أبو حيان في البحر ٩٨/١.
(٣) تفسير البيضاوي ١/ ١٠٩، وسبقه إلى هذا القول الزمخشري في الكشاف ٢٣٥/١، وقراءة
ابن السميفع فيه .
(٤) في الحاشية ٢١/٢-٢٢.

الآية : ٢٢
٢٣
سُؤَةُ الْبَّفَقَة
هو الله تعالى عند الأسباب لا بها؛ لحديث الاستكمال بالغير، قالوا: ومَن اعتقد
أنَّ الله تعالى أَوْدَع قوة الريِّ في الماء مثلاً فهو فاسق، وفي كفرِه قولان، وجمعٌ
على كفره كمن قال: إنه مؤثّرٌ بنفسه. فيجب عندهم أن يعتقد المكلَّف أنَّ الريَّ جاء
من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة، وصادف مجيئه شرب الماء من غير أن يكون
للماء دَخْلٌ في ذلك بوجهٍ من الوجوه، سوى الموافقةِ الصُّورية.
والفقير لا أقول بذلك، ولكني أقول: إنَّ الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها
شرعاً وقدراً، وجَعَل الأسباب محلَّ حكمته في أمره الدينيِّ الشرعيِّ، وأمرِه الكونيّ
القَدَريِّ، ومحلَّ ملكه وتصرُّفه، فإنكارُ الأسباب والقوى جَحْدٌ للضروريات، وقَدْحٌ
في العقول والفِطَر، ومكابرةٌ للحسِّ، وجَحْدٌ للشرع والجزاء، فقد جعل الله - تعالى
شأنُه - مصالحَ العباد في معاشهم ومعادهم، والثوابَ والعقابَ، والحدودَ
والكفاراتِ، والأوامر والنواهيّ، والحِلَّ والحرمةَ، كلَّ ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً
بها، بل العبدُ نفسُه وصفاتُه وأفعالُه سببٌ لما يصدر عنه، والقرآن مملوءٌ من إثبات
الأسباب، ولو تتبَّعنا ما يفيد ذلك من القرآن والسنة، لزاد على عشرة آلاف موضع
حقيقةً لا مبالغة، ويالله تعالى العجب! إذا كان الله خالقُ السبب والمسبَّب، وهو الذي
جعل هذا سبباً لهذا، والأسبابُ والمسبَّبات طوع مشيئته وقدرته منقادة، فأيُّ قَدحِ
يوجب ذلك في التوحيد، وأيُّ شرك يترتَّب عليه؟! نستغفر الله تعالى مما يقولون.
فالله عز وجل يفعل بالأسباب التي اقتضتها الحكمة مع غناه عنها، كما صحّ أنْ
يفعل عندها لا بها، وحديث الاستكمال يردُّه أنَّ الاستكمال إنما يلزم لو توقَّف
الفعل على ذلك السبب حقيقةً، واللازم باطل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فالأسبابُ مؤثِّرةٌ بقوّى أودعها الله تعالى
فيها، ولكن بإذنه، وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثِّر، كما يرشدك إليه (١)
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ولو لم يكن
في هذه الأسباب قوّى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه: ﴿يَنَارُ كُنِى بَرّاً
وَسَلَمَا عَلَى إِزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] إذ ما الفائدةُ في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق
وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة، ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول:
إلهي ما أودعتني شيئاً ولا منحتني قوة، وما أنا إلا كيَدٍ شلَّاءَ صَحِبتُها يدٌ صحيحة،
(١) في (م): إلى ذلك.

سُورَةُ الْبَدَة
٢٤
الآية : ٢٢
تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال، أفيقال لليد الشلّاء: لا تفعلي،
وفي ذلك الميدان لا تنزلي، ولا يقال ذلك لليد الفعَّالة وهي الحَرِيَّة بتلك المقالة،
ولا أظنُّ الأشاعرة يستطيعون لذلك جواباً، ولا أراهم يبدون فيه خطاباً .
وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح، وتلقَّاه أهل الله تعالى
بالقبول، ولا يوقعنَّك في شكٌّ منه نسبتُه للمعتزلة، فإنهم يقولون أيضاً: لا إله
إلا الله، أَفَتشكُّ فيها لأنهم قالوها؟ معاذ الله تعالى من التعصُّب، فالحكمة ضالَّةُ
المؤمن، والحقُّ أحقُّ بالاتِّباع، والله تعالى يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَِّ أَنْدَادًا﴾ نهيٌّ معطوفٌ على: ((اعبدوا)) مترتّبٌ عليه، فكأنه قيل: إذا
وجب عليكم عبادة ربّكم، فلا تجعلوا لله ندًّا، وأَفرِدوه بالعبادة؛ إذ لا ربَّ لكم سواه.
وإيقاعُ الاسم الجليل موقعَ الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات،
وتعليلِ الحكم بوصف الألوهية التي عليها يدور أمر الوحدانية واستحالةِ الشركة،
والإيذان باستتباعها لسائر الصفات.
وقيل: لفظ الربِّ مستعملٌ في المفهوم الكلِّي، والله عَلَمٌ للجزئيِّ الحقيقيِّ
الواجبِ الوجود تعالى شأنه، فلا يكون مِنِ وَضْعِ المُظْهَرِ موضعَ المُضْمَرِ، وحينئذٍ
يظهر الفرقُ بين هذه الآية الكريمة - حيث علَّق العبادة بصفة الربوبية فالمناسب الفاء .
وبين قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] حيث علَّق العبادة
وعدمَ الشرك بذاته تعالى، فالمناسب الواو، فلا يَرِدُ أنَّ المناسب على هذا الواوُ
كما في الآية الثانية.
أو نفيٌ منصوبٌ بإضمار (أن)) جوابٌ للأمر كما قاله مولانا البيضاوي(١).
واعترض: بأنه يأباه أنَّ ذلك فيما يكون الأول سبباً للثاني، ولا ريب في أنَّ العبادة
لا تكون سبباً للتوحيد الذي هو أصلُها ومنشؤها.
وأجيب: بأنَّ عبادته تعالى أساسُها التوحيد وعدمُ الإشراك به، وأما عبادةُ الربِّ
فليس أصلُها عدمَ الإشراك بذاته تعالى، بل من متفرِّعاته. والحقُّ أنَّ الآية تضمَّنت
عبادةَ ربِّ موصوفٍ بما يجعله كالمشاهَد؛ من خَلْقِهِ لهم ولأُصولهم، وإيداع
الكائنات العظيمة، والتفضُّلِ بإفاضة النعم الجسيمة، فدلَّت عليه دلالةً عرَّفتْهم به،
(١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٣/٢.

الآية : ٢٢
٢٥
سُورَةُ الْبَّكْغَة
فمحصِّلها: اعبدوا الله تعالى الذي عرفتموه معرفةً لا مِريةً فيها، ولا شك في أنَّ
العبادة والمعرفةَ سببٌ لعدم الإشراك؛ إذ مَنْ عرف الله تعالى لا يسوِّي به سواه،
فالذي سوَّل للمعترِض [ما مرَّ] (١) النظرُ للعبادة وقَطْعُ النظرِ عن المعرفة.
ويحتمل أن يكون متعلِّقاً بـ ((لعلَّ) فينصَبُ الفعل نصبَ ((فَأَطَّلِعَ)) على قراءة
حفص (٢) من ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ﴾ إلخ [غافر: ٣٦] على رأي، إلحاقاً بالأشياء
الستة؛ لأنها غيرُ موجبة لحصول ما يتضمَّنها، فتكون كالشرط في عدم التحقُّق.
والقولُ بالإلحاق لها بـ(لَيْتَ)) - تنزيلاً للمرجوٌّ مِنزلةَ المتمنَّى في عدم الوقوع - يَؤُولُ
إلى هذا إن أُريد بعدم الوقوع عدمُه في حال الحكم، لا استحالتُه، والمعنى:
خلقكم لتَّقوا وتخافوا عقابه فلا تشبِّهوه بخَلْقِهِ، فافهم.
ويحتمل أن تكون الفاء زائدةً مشعرةً بالسببية، وجملةُ النهي - بتأويل القول -
خبرٌ عن ((الذي)) على جَعْلِه مبتدأ(٣).
وقيل: الجملةُ متعلِّقةٌ بـ ((الذي)) والفاءُ جزاءُ شرطٍ محذوفٍ، والمعنى: هو
الذي جعل لكم ما ذكر من النعم المتكاثرة، وإذا كان كذلك فلا تجعلوا ... إلخ.
والجَعْلُ هنا بمعنى التصيير، وهو كما يكون بالفعل نحو: صَيَّرتُّ الحديدَ
سيفاً، ومنه ما تقدَّم على وجهٍ، يكونُ بالقول والعقد.
والأنداد: جمع نِدّ ـ كعِدْل وأَعْدال ـ أو نديد؛ كيتيم وأيتام. والندُّ مِثْلُ الشيء
الذي يضادُّه ويخالفه في أموره، وينافره ويتباعد عنه، وليس من الأضداد على
الأصح. وأصله من ندَّ ندوداً: إذا نفر.
وقيل: الندُّ: المشارِك في الجوهرية فقط. والشِّكْل: المشارِكُ في القَدْر
والمساحة. والشِّبْه: المشارك في الكيفية فقط. والمساوي: في الكمية فقط.
والمِثْلُ عامٌّ في جميع ذلك.
(١) زيادة من حاشية الشهاب ٢٣/١، والكلام منه.
(٢) في الأصل: أبي جعفر، وفي (م): جعفر، والمثبت من التيسير ص١٩١، والنشر ٣٦٥/٢.
(٣) ذكر هذا القول البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٥/٢، وقوله: بتأويل القول، معناه
أنه مستحق لأن يقال فيه ذلك، لا أنه وقع قولٌ ومقول فيه، كما ذكر الشهاب، وقال: وهذا
تأويل مشهور في كل إنشاء وقع خبراً. اهـ. قال البيضاوي: والمعنى: أن مَن خصَّكم بهذه
النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به.

سُوَّةُ الْبَقَة
٢٦
الآية : ٢٢
وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً، والحال أنهم ما زعموا أنها
تماثله في ذاته تعالى وصفاته، ولا تخالفه في أفعاله، وإنما عبدوها لتقرِّبهم إليه
سبحانه زُلْفى = إشارةٌ إلى استعارةٍ تهكُّمية، حيث استُعير النظير المضادُّ(١) للمناسِب
المقرِّب، كما استعير التبشير للإنذار، والأسد للجبان.
وإن أريد بالندِ النظيرُ مطلقاً لم يكن هناك تضادٌّ، وإنما هو من استعارة أحد
المتشابهين للآخر، فإنَّ المشركين جعلوا الأصنام - بحسب أفعالهم وأحوالهم -
مماثلةً له تعالى في العبادة، وهي خِطَّةٌ شنعاء، وصفةٌ حمقاء، في ذكرها ما يستلزم
تحميقَهم والتهكُّم بهم. ولعلَّ الأول أولى.
وفي الإتيان بالجمع تشنيعٌ عليهم، حيث جعلوا أنداداً لمن يستحيل أن يكون له
ندٌّ واحد، وله دِرُّ موحِّدِ الفترة زيد بن عمرو بن نفيل ظُه حيث يقول في ذلك:
أَدينُ إذا تُقسّمت الأمور
أربًّا واحداً أم ألف ربِّ
كذلك يفعل الرجل البصير(٢)
تركتُ اللات والعزَّى جميعاً.
حالٌ من ضمير ((لا تجعلوا))، والمفعول مطروحٌ، أي:
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (َّ
وحالُكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابةِ الرأي، فإذا تأمَّلتم أدنى تأمُّلٍ
علمتم وجودَ صانعٍ يجب توحيدُه في ذاته وصفاته، لا يليق أن يُعبد سواه. أو مقدَّرٌ
حَسْبَما يقتضيه المقام ويسدُّ مسدّ مفعولي العلم، أي: تعلمون أنه سبحانه لا يماثله
شيء، أو: أنها لا تماثله ولا تقدِرُ على مثل ما يفعله.
والحالُ على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد؛ إذ العلمُ مناط التكليف، ولا
تكليفَ عند عدم الأهلية، وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير؛ لأنَّ قيد الحكم تعليقُ
العلم بالمفعول، ومناط التكليف العلم فقط. والتوبيخ باعتبار بعض أفراد
المخاطبين بالنهي بناءً على عموم الخطاب حَسْبما مرَّ في الأمر، فلا يستدعي
تخصيصَ الخطاب بالكفرة، على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمراً ونهياً، بل قيل :
(١) في (م): المصادر.
(٢) تفسير البيضاوي ١١٠/١، والبيتان في سيرة ابن هشام ٢٢٦/١، ورواية الثاني فيها:
عزلت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الجلد الصبور

٢٧
التفسير الإشاري (٢٢)
سُورَةُ الْبَرَة
إنه أَوْلى؛ للخلاص من التكلَّف، وحُسْنِ الانتظام، إذ لا محيصَ في ظاهر آية
التحدِّي من تجريد الخطاب وتخصيصِه بالكفرة، مع ما فيه من رباء(١) محلِّ
المؤمنين، ورَفْعِ شأنهم عن حيزِّ الانتظام في سلك الكفرة اللئام، والإيذانِ بأنهم
مستمرُّون على الطاعة والعبادة، مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي، فتأمل.
وقد تضمَّنت هذه الآياتُ من بدائع الصنعة، ودقائق الحكمة، وظهور البراهين،
ما اقتضى أنه تعالى المنفردُ بالإيجاد، المستحقُّ للعبادة دون غيره من الأنداد التي
لا تخلق ولا ترزق، وليس لها نفعٌ ولا ضر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَآلْأَمْ﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن باب الإشارة: أنه تعالى مثَّل البدن بالأرض، والنفسَ بالسماء، والعقلَ
بالماء، وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمية والعملية المحصّلة بواسطة
استعمال العقل للحواس(٢)، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولِّدة
من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بإذن الفاعل المختار.
وقد يقال: إنه تعالى لما امتنَّ عليهم بأنه سبحانه خَلَقهم والذين من قبلهم، ذكر
ما يرشدهم إلى معرفة كيفية خَلْقِهم، فجعل الأرض التي هي فراش، مثلَ الأمِّ التي
يفترشها الرجل، وهي أيضاً تسمَّى فراشاً، وشبَّه السماء التي علتْ على الأرض
بالأب الذي يعلو على الأمُّ ويغشاها، وضرب الماء النازل من السماء مثلاً للنطفة
التي تنزل من صُلْب الأب، وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات مثلاً للولد
الذي يخرج من الأم، كلُّ ذلك ليُؤْنِسَ عقولَهم ويرشدَها إلى معرفة كيفيةِ التخليق،
ويعرِّفها أنه الخالقُ لهذا الولد، والمخرجُ له من بطن أمهِ، كما أنه الخالقُ للثمرات
ومخرجُها من بطون أشجارها، ومخرجُ أشجارها من بطون(٣) الأرض، فإذا وضح
ذلك لهم أفردوه بالألوهية، وخَصُّوه بالعبادة، وحَصَلتْ لهم الهداية:
إلى آثارِ ما صَنعَ المليكُ
تأمَّلْ في رياض الأرض وانظُرْ
على أهدابها ذهبٌ سَبِيكُ
عيونٌ من لُجينٍ شاخصاتٌ
(١) في الأصل: سمو، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦٣/١، والكلام منه.
(٢) في (م): العقل والحس.
(٣) في (م): بطن.

سُورَةُ الْبََّمَة
٢٨
الآية : ٢٣
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ
#
بأنَّ الله ليس له شَرِيكُ(١)
﴿وَ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَقِ مِّن مِثْلِهِ.﴾ لمَّا قرَّر سبحانه
أمر توحيده بأحسن أسلوب، عقَّبه بما يدلُّ على تصديق رسوله وَلِّ، والتوحيدُ
والتصديقُ توأمان لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا
أنَّ الغرض منه إثباتُ النبوة، وفي التعقيب إشارةٌ إلى الردِّ على التعليمية الذين
جعلوا معرفة الله تعالى مستفادةً من معرفة الرسول، والحَشْويَّة القائلين بعدم حصول
معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار.
والعطفُ إما على قوله تعالى: ﴿أَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ أو على ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ﴾.
وتوجيهُ الرَّبط بأنه لمَّا أوجب سبحانه وتعالى العبادةَ ونفى الشرك بإزاء تلك
الآيات، والانقيادُ لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من عنده سبحانه، أرشدهم بما
يوجب هذا العلم، ولذا لم يقل جلَّ شأنه: وإن كنتم في ريبٍ من رسالة عبدنا= غيرُ
وجيه؛ إذ يصير عليه البرهان العقليُّ سمعيًّا، ولو أريد ذلك لكفى: اعبدوا، ولا
تشركوا، من دون تفصيلِ الأدلة الأَنْفُسيةِ والآفاقية.
والظاهر أنَّ الخطاب هنا للكفار، وهو المرويُّ عن الحسن. وقيل: لليهود؛
لِمَا أنَّ سبب النزول - كما روي عن ابن عباس رضيًّا - أنهم قالوا: هذا الذي يأتينا به
محمد - مَّم - لا يشبه الوحيَ، وإنَّا لفي شك منه.
وقيل: هو على نحو الخطاب في: ((اعبدوا)). وكلمة ((إنْ)) إما للتوبيخ على
الارتياب، وتصويرٍ أنه مما لا ينبغي أن يثبت إلا على سبيل الفرض؛ لاشتمال
المقام على ما يزيله، أو لتغليبٍ مَنْ لا قَطْعَ بارتيابهم على مَن سواهم، أو لأنَّ
البعض لمَّا كان مرتاباً والبعض غير مرتاب، جعل الجميع كأنه لا قَطْعَ بارتيابهم ولا
بعدمه. وجَعْلها بمعنى ((إذا - كما ادَّعاه بعضُ المفسرين - خلافُ مذهب المحقّقين.
وإيرادُ كلمة ((كان)) لإبقاء معنى المضيِّ، فإنها لتَمُّضها للزمان لا تقلبها ((إنْ))
إلى معنى الاستقبال، كما ذهب إليه المبرِّد ومُوافقوه، والجمهورُ على أنها كسائر
(١) الأبيات في ديوان الشيخ عبد الغني النابلسي ٢/٢.

الآية : ٢٣
٢٩
سُورَةُ البََّقَة
الأفعال الماضية، وقدَّر بعضهم بينها وبين ((إن)): يكن، أو: يتبيَّن(١) مثلاً. ولا يميل
إليه الفؤاد.
وتنكير الريب للإشعار بأنَّ حقّه - إن كان - أن يكون ضعيفاً قليلاً؛ لسطوع
ما يدفعه، وقوةٍ ما يزيله، وجَعْلُه ظرفاً - بتنزيل المعاني منزلَة الأجرام واستقرارهم
فيه وإحاطته بهم - لا ينافي اعتبارَ ضَعْفِه وقلَّته؛ لِمَا أنَّ ما يقتضيه ذلك هو دوامُ
مُلابستهم به، لا قوتُه وكثرتُه.
و ((من)) ابتدائيةٌ صفةٌ ((ريب))، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، وحَمْلُها على
السببية ربَّما يُوهِمُ كونَ المنزل محلًّا للريب وحاشاه.
و ((ما)) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن الكتاب، وقيل: عن القَدْرِ
المشترك بينه وبين أبعاضه. ومعنى كونهم في ريبٍ منه: ارتيابُهم في كونه وحياً
من الله تعالى شأنه.
والتضعيف في ((نزَّلنا)) للنقل، وهو المرادِفُ للهمزة، ويؤيِّد ذلك قراءة يزيد بن
قطيب: ((أنزلنا))(٢). وليس التضعيفُ هنا دالا على نزوله منجَّماً ليكون إيثارُه على
الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم، فقد قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرَْانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ﴾
[الفرقان: ٣٢] وبناءِ التحدِّي عليه إرخاءً للعِنان، كما ذهب إليه الكثير(٣) ممن يُعقَدُ
عند ذكرهم الخناصر؛ لأنَّ ذلك قولٌ بدلالة التضعيف على التكثير، وهو إنما يكون
غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدِّية نحو: فتحت وقطعت، و((نزَّلنا»
لم يكن متعدياً قبلُ، وأيضاً التضعيفُ الذي يراد به التكثير إنما يدلُّ على كثرة وقوع
الفعل، وأمَّا على أنه يجعل اللازم متعدِّياً فلا، والفعل هنا كان لازماً، فَكونُ
التعدِّي مستفاداً من التضعيف دليلٌ على أنه للنقل لا للتكثير.
وأيضاً لو كان ((نزَّل)) مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ
(١) في الأصل و(م): تبين، والمثبت من البحر ١٠٢/١، والدر المصون ١٩٧/١، وفيهما أن
الجمهور قدَّروا في نحو ((إن كان قميصه قُدَّ»: إن یکن کان قميصه، أو: إن يتبيَّن كون قميصه.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٦/١، والبحر ١٠٣/١.
(٣) منهم الزمخشري والبيضاوي وأبو السعود. ينظر الكشاف ٢٣٨/١-٢٣٩، وتفسير البيضاوي
١١١/١- ١١٢، وتفسير أبي السعود ١/ ٦٤.

سُورَةُ الْبَغَة
٣٠
الآية : ٢٣
جْلَةٌ وَحِدَةٌ﴾ [الفرقان: ٣٢] إلى تأويلِ لمنافاة العَجُزِ الصَّدْرَ، وكذا مثل: ﴿لَوْلَا نُزْلَ
عَلَيْهِ ءَايَةٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] وقد
قرئ بالوجهين في كثيرٍ ممَّا لا يمكن فيه التنجيم والتكثير.
وجَعْل هذا غير التكثير المذكور في النحو، وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء
قليلاً قليلاً، كما ذكروه في: تسلَّلوا، حيث فسَّروه بأنهم يتسلَّلون قليلاً قليلاً،
قالوا: ونظيرُه تدرَّج وتدخّل، ونحوه رتَّبه، أي: أتى به رُتْبةً رُتْبةً، ولم يوجد غير
ذلك، فحينئذٍ تكون صيغة فعَّل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى؛ إما مجازاً أو
اشتراكاً، فلا يلزم اطرادة = بعيد، لاسيما مع خفاءِ القرينة .
وفي تعدِّي ((نَزَّل)) بـ(على)) إشارةٌ إلى استعلاء المنزَّلِ على المنزَلِ عليه، وتمُّنه
منه، وأنه صار كاللابس له، بخلاف إلى، إذ لا دلالة لها على أكثر من الانتهاء
والوصول.
وفي ذكره ◌َّه بعنوان العبودية، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة، تنبيهٌ على عِظَم
قَدْرِهِ، واختصاصِه به، وانقيادِه لأوامره، وفي ذلك غايةٌ التشريف والتنويه
بقَدْره ◌َآلات :
لا تَدْعُني إلا بياعَبْدَها فإنه أشرفُ أسمائي(١)
وقرئ: ((عبادنا))(٢) فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله وَله وأمته؛ لأنَّ جدوى
المنزَّلِ والهداية الحاصلة به لا تختصُّ، بل يشترك فيها المتبوع والتابع، فجعل كأنه
نزل عليهم، ويحتمل أنه أريد به النبيون الذين أنزل عليهم الوحيُّ، والرسولُ وَّل
أولُ مقصودٍ وأسبقُ داخِلٍ؛ لأنه الذي طلب معاندوه بالتحدِّي في كتابه، وفيه إيذانٌ
بأنَّ الارتياب فيه ارتيابٌ فيما أنزل من قبله، لكونه مصدِّقاً له ومهيمناً عليه.
وبعضُهم جعل الخطاب على هذا لمنكري النبؤَّات الذين حكى الله تعالى عنهم
بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩١].
(١) البيت لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله المغربي الزاهد كما في الوافي بالوفيات ٢١١/٢،
وأنشده أبو العباس المرسي كما في نفح الطيب ١٩٣/٢ .
(٢) الكشاف ٢٣٩/١.

الآية : ٢٣
٣١
سُورَةُ الْبَّرَة
وفي الآية التفاتٌ من الغائب إلى ضمير المتكلّم، وإلا لقال سبحانه: مما نزَّل
على عبده، لكنه عدَل سبحانه إلى ذلك تفخيماً للمنزَل والمنزَلِ عليه، لاسيما وقد
أتى بـ (نا)) المشعرة بالتعظيم التامّ وتفخيم الأمر رعايةً لرفعة شأنه عليه الصلاة
والسلام.
والفاء من ((فأتوا)) جوابيةٌ، وأمرُ السببية ظاهر، والأمر من باب التعجيز وإلقام
الحجر كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو من الإتيان
بمعنى: المجيء بسهولة كيفما كان، ويقال في الخير والشر والأعيان والأعراض،
ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي كـ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]
وأصل ((فأتوا)): فأُتيوا، فأُعِلَّ الإعلالَ المشهور، وأتى شذوذاً حذفُ الفاء (١)
فقيل: تِ وتوا.
والتنوين في ((سورةٍ)) للتفكير، أي: انتوا بسورة ما، وهي القطعة من القرآن التي
أقلُّها ثلاثُ آيات، وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى.
و((من مثله)) إما أن يكون ظرفاً مستقرًّا صفة ((سورة))، والضمير راجعٌ إما لـ ((ما))
التي هي عبارةٌ عن المنزل، أو للعبد، وعلى الأول يحتمل أن تكون ((مِن)) للتبعيض
أو للتبيين، والأخفش يجوِّز زيادتها في مثله، والمعنى: بسورةٍ مماثلةٍ للقرآن في
البلاغة والأسلوب المعجز، وهذا على الأخيرين ظاهر، وأما على التبعيض فلأنه
لم يُرَد بالمِثْلِ مِثْلٌ محقَّقٌ معيَّنٌ للقرآن، بل ما يماثله فَرَضاً، كما قيل: في مثلك
لا يُجهل، ولا شك أنَّ بعضيَّتها للمماثل الفرضيِّ لازمةٌ لمماثلتها للقرآن، فذُكِر
اللازم وأُريدَ الملزوم سلوكاً لطريق الكناية، مع ما في لفظ ((مِن)) التبعيضية الدالَّة
على القلَّةِ من المبالغة المناسبة لمقام التحدِّي، وبهذا رجَّح بعضهم التبعيض على
التبيين، مع ما في التبيين من التصريح بما عُلِمَ ضمناً، حيث إنَّ المماثلة للقرآن
تُفْهَم من التعبير بالسورة، إلا أنه مؤيَّدٌ بما يأتي. وعلى الثاني يتعيَّن أن تكون ((من))
للابتداء، مثلها في: ﴿إِنَّهُ، مِن سُلَيْمَنَ﴾ [النمل: ٣٠]، ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادةُ
امتناعَ الابتداء في الوجه الأول.
(١) يعني فاء الفعل، وهي الهمزة. وينظر البحر ١٠١/١، والدر المصون ٢٠٠/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٢
الآية : ٢٣
وإما أن يكون صلةَ ((فأتوا))، والشائعُ أنه يتعيَّن حينئذٍ عودُ الضمير للعبد؛ لأنَّ
(مِن) لا تكون بيانيةً إذ لا مبهَمَ، ولكونه مستقرًّا أبداً لا تتعلَّق بالأمر لغواً،
ولا تبعيضيةً، وإلا لكان الفعل واقعاً عليه حقيقةً كما في: أخذت من الدراهم،
ولا معنى الإتيان البعض، بل المقصدُ الإتيان بالبعض، ولا مجال لتقدير الباء مع
وجود (من))، ولأنه يلزم أن يكون (بسورة)) ضائعاً، فتعيَّن أن تكون ابتدائية، وحينئذٍ
يجب كونُ الضمير للعبد لا للمُنزّل. وجَعْلُ المتكلِّم مبدأً عرفاً للإتيان بالكلام منه
معنىٌ حسنٌ مقبول، بخلاف جَعْلِ الكلِّ مبدأً للإتيان ببعض منه، فإنه لا يرتضيه ذو
فطرةٍ سليمة. وأيضاً المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعليُّ، أو الماديُّ، أو
الغائيُّ، أو جهةٌ يتلبّس بها، وليس الكلُّ بالنسبة إلى الجزء شيئاً من ذلك، وعليه
يكون اعتبارُ مماثلةِ المأتيِّ به للقرآن في البلاغة مستفاداً من لفظ السورة ومساق
الكلام بمعونة المقام.
واعترض بأنَّ معنى ((من)) لا ينحصر فيما ذكر، فقد تجيء للبدل نحو:
﴿أَرَضِبِتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَؤُ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿لَعَلْنَا مِنْكُرُ مَّلَئِكَةُ﴾
[الزخرف: ٦٠] وللمجاوزة كـ: عُذْتُ منه. فعلى هذان لو علِّق ((من مثله)) بـ ((فأتوا))،
وحُمل ((من)) على البدل أو المجاوَزَةِ، و((مثل)) على المفحم، ورجع الضمير إلى ((ما
أنزلنا))، على معنى: فأتوا بدلَ ذلك الكتابِ العظيم شأنُه الواضحِ برهانُه، أو
مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قَدْرِه بسورة فذّة، لكان أبلغَ في
التحدي، وأَظْهَرَ في الإعجاز، على أنَّ عدم صحة شيء ممَّا اعتبر في المبدأ
ممنوع، فإنَّ الملابسة بین الکلِّ والبعض أقوى منها بین المكان والمتمكّن، فكما
يجوز جعلُ المكان مبدأَ الفعل المتمكِّن، يجوز أن يجعل الكلُّ مبدأً للإتيان
بالبعض، ولعل مَن قال ذلك لم يطرق سمعَه قولُ سيبويه: وبمنزلة المكان ما ليس
بمكان ولا زمان نحو: قرأتُ من أول السورة إلى أخرها ، وأعطيتك من درهم إلى
دينار. وأيضاً فالإتيان ببعض الشيء تفريقُهُ منه، ولا يُسْتَرابُ أنَّ الكلَّ مبدأ تفريق
البعض منه.
ويمكن أن يقال - وهو الذي اختاره مولانا الشهاب -: إنَّ المراد من الآية
التحدِّي وتعجيزُ بُلَغاءِ العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه، فمقتضى المقام

الآية : ٢٣
٣٣
سُورَةُ الَّقَة
أن يقال لهم: معاشرَ الفُصَحاء المرتابين في أنَّ القرآن من عند الله، ائتوا بمقدارٍ
أقصرِ سورةٍ من كلام البشر محلَّةٍ بطرازِ الإعجاز ونظمه، وما ذكر يدلُّ على هذا إذا
كان (من مثله)) صفةَ ((سورة))، سواء كان الضمير لـ ((ما)) أو للعبد؛ لأنَّ معناه: ائتوا
بمقدارٍ سورةٍ تماثله في البلاغة كائنةٍ من كلام أحدٍ مثل هذا العبد في البشرية، فهو
معجزٌ للبشر عن الإتيان بمثله، أو: ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثلُ هذا
المنُزَل، ومثلُ الشيء غيرُه، فهو من كلام البشر أيضاً، فإذا تعلَّقَ [بأتوا] ورجع
الضمير للعبد فمعناه أيضاً: ائتوا من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورةٍ تماثله،
فيفيد ما ذكرنا، ولو رجع على هذا لـ ((ما)) كان معناه: ائتوا من مثل هذا المنزّلِ
بسورة، ولا شك أنَّ ((مِن)) [فيه] ليست بيانية؛ لأنها لا تكون لغواً ولا تبعيضيةً؛ لأنَّ
المعنى ليس عليه، فهي ابتدائيةٌ، والمبدأ ليس فاعليًّا بل مادِّيًّا، فحينئذٍ المثلُ الذي
السورةُ بعضُ منه لم يؤمر بالإتيان به، فلا يخلو من أن يدَّعى وجودُه - وهو خلافُ
الواقع، وابتناؤه على الزعم أو الفرض تعسُّفٌ بلا مقتض - أوْ لا، ولا يليق
بالتنزيل، وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له؟!(١)
والحقُّ عندي أنَّ رجوع الضمير إلى كلٍّ من العبد و ((ما)) على تقديرَي اللغو
والاستقرار أمرٌ ممكن، ودائرةُ التأويل واسعة، والاستحسان مفوَّضٌ إلى الذوق
السليم، والذي يدركه ذوقي - ولا أزِّي نفسي - أنه على تقدير التعلَّق يكون رجوع
الضمير إلى العبد أحلى.
والبحث في هذه الآية مشهورٌ، وقد جرى فيه بين العَضُد والجاربُرديِّ ما أدَّى
إلى تأليف الرسائل في الانتصار لكلِّ(٢). وقد وُفِّقتُ للوقوف على كثير منها
والحمد لله، ونقلت نبذةً منها في ((الأجوبة العراقية)).
ثم أَوْلى الوجوهِ هنا على الإطلاق جَعْلُ الظرف صفةً للسورة، والضمير للمنزّل
لا المنزل عليه(٣)، و ((من)) بيانية:
(١) حاشية الشهاب ٣٧/٢، وما سلف بین حاصرتين منه.
(٢) ينظر في ذلك ما ذكره الشهاب في الحاشية ٣٤/٢ -٣٥. والجاربُرْدي هو فخر الدين أحمد بن
الحسن نزيل تبريز، له شرح منهاج البيضاوي، وحاشية على تفسير الكشاف، وغيرهما،
توفي سنة (٧٤٦هـ). طبقات الشافعية ٨/٩-٩، وبغية الوعاة ٣٠٣/١.
(٣) قوله: لا المنزل عليه، من الأصل وليس في (م).

سُورَةُ الْبََّلَة
٣٤
الآية : ٢٣
أمَّا أولاً: فلأنه الموافقُ لنظائره من آيات التحدِّي؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ
مِثْلِهِ،﴾ [يونس: ٣٨] لأنَّ المماثلة فيها صفةٌ للمأتيِّ به.
وأما ثانياً: فلأنَّ الكلام في المنزل لا المنزَلِ عليه، وذِكرُه إنما وقع تبعاً، ولو
عاد الضمير إليه ترك التصريح بمماثلة السورة، وهو عمدةُ التحدِّي وإن فُهم.
وأما ثالثاً: فلأنَّ أَمْرَ الجمِّ الغفير لأنْ يأتوا من مثل ما أتى به واحدٌ من
جنسهم، أبلغُ من أمرهم بأن يجدوا أحداً يأتي بمثل ما أتى به رجلٌ آخر.
وأما رابعاً: فلأنه لو رجع الضمير للعبد لأوهم أنَّ إعجازه لکونه ممن لم يدرس
ولم يكتب، لا أنه في نفسه مُعْجِزٌ، مع أنَّ الواقع هذا.
وبعضهم رجَّح ردَّ الضميرِ إلى العبد ◌َّه باشتماله على معنًى مستبدَع مُسْتَجِدٍّ، وبأنَّ
الكلام مسوقٌ للمنزَلِ عليه؛ إذ التوحيدُ والتصديق بالنبوة توأمان، فالمقصودُ إثبات
النبوة والحجة ذريعة، فلا يلزم من الافتتاح بذكرٍ ((ما نزَّلنا)) أن يكون الكلام مسوقاً له،
وبأنَّ التحدِّي على ذلك أبلغ؛ لأنَّ المعنى: اجتمعوا كلُّكم وانظروا هل يتيسّر لكم
الإتيانُ بسورةٍ ممن لم يمارس الكتب ولم يدارس العلوم؟! وضمُّ بناتِ أفكارٍ بعضهم
إلى بعض معارَضٌ بهذه الحجة، بل هي أقوى في الإفحام؛ إذ لا يبعد أن يعارضوه بما
يَصْدُرُ عن بعض علمائهم مما اشتمل على قصص الأمم الخالية المنقولة من الكتب
الماضية، وإن كان بينهما بون؛ إذ الغريق يتشبَّث بالحشيش، وأما إذا تحدَّى بسورةٍ من
أميٍّ كذا وكذا لم يبق للعوارِض مجالٌ. هذا ولا يخفى أنه صَرْحٌ ممرَّدٌ ونحاسٌ مموَّه،
وظاهرُ السياق يؤيِّد ما قلنا، ويلائمه ظاهراً، كما سنبيّه بمنِّه تعالى.
الدعاء:
قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَّكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
النداء والاستعانة، ولعل الثانيَ مجازٌ أو كنايةٌ مبنيةٌ على النداء؛ لأنَّ الشخص إنما
ينادَى ليُستعان به، ومنه: ﴿أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠].
والشهداء: جمع شهيد أو شاهد، والشهيد كما قال الراغب: كلُّ من يُعتدُّ
بحضوره ممن له الحلُّ والعقد، ولذا سمَّوا غيره مخلَّفاً (١)، وجاء بمعنى: الحاضر،
والقائم بالشهادة، والناصر، والإمام أيضاً.
(١) ينظر مفردات الراغب (شهد).

الآية : ٢٣
٣٥
سُورَةُ الْبَدَة
و(دون)» ظرف مكان لا يتصرف، ويستعمل بمِن كثيراً وبالباء قليلاً، وخصّه في
(البحر)) (١) بمِن دونها، ورَفْعُهُ في قوله :
أَلَمْ تَرَیّا أَنِّي حَمیتُ حقيقتي
وباشرتُ حدَّ الموتِ والموتُ دونُها(٢)
نادرٌ لا يقاس عليه، ومعناها: أقرب مكان من الشيء، فهو كعند، إلا أنها تُنبئ
عن دنوِّ كثير وانحطاطٍ يسير، ومنه دونك اسم فعل، لا تدوين الكتب، خلافاً
للبيضاوي(٣) كما قيل؛ لأنه من الديوان: الدفتر ومحله، وهو فارسيٌّ معرَّبٌ من
قول كسرى إذ رأى سرعة الكتَّاب في كتابتهم وحسابهم: ديوانه(٤). وقد يقال:
لا بُعْدَ فيما ذكره البيضاوي، وديوان مما اشتركت فيه اللغتان.
وقد استعمل في انحطاطِ محسوسٍ لا في ظرف؛ كدونَ زيدٍ في القامة، ثم
استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسِّية؛ كدون عمرو شرفاً .
ولشيوع ذلك اتّسع في هذا المستعار فاستعمل في كلِّ تجاوز حدٍّ إلى حدّ، ولو من
دون تفاوتٍ وانحطاط، وهو بهذا المعنى قريبُ من ((غير)) فكأنه أداة استثناء. ومن
الشائع دون بمعنى خسيس، فيخرج عن الظرفية ويُعرَّف بأل، ويُقطع عن الإضافة
كما في قوله:
إذا ما علا المرءُ رامَ العُلا ويَقْنَعُ بالدُّون مَن كان دونا(٥)
وما في ((القاموس)) من أنه يقال: رجلٌ من دون، ولا يقال: [رجلٌ] دونٌ(٦).
(١) ١/ ١٠٢.
(٢) البيت لموسى بن جابر كما في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١/ ٣٧١، وللتبريزي ١/ ١٩٢.
ودون نسبة في البحر ١٠٢/١، والدر المصون ٢٠٢/١.
(٣) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢/ ٤٠، حيث قال: معنى ((دون)): أدنى مكان من الشيء،
ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء البعض من البعض. اهـ. قال الشهاب: الذي حقِّق في كتب
اللغة أن التدوين مأخوذ من الديوان، وهو فارسي معرَّب، إلا أنه لما شاع قديماً تلاعبوا به
فصرَّفوه وقالوا : دوَّنه تدويناً.
(٤) أي: هؤلاء مجانين، أو شياطين.
(٥) البيت في الصحاح (دون)، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/ ١٩٢، واللسان (دون).
(٦) القاموس (دون)، وما بين حاصرتين منه.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٦
الآية : ٢٣
مخالف للدراية والرواية، وليس عندي وجه وجيه في توجیھه، والمشهورُ أنه ليس
لهذا فعل، وقيل: يقال: دان یدین منه.
واستعماله بمعنى: فضلاً، وعليه حُمل قول أبي تمام:
الوُدُّ للقُرْبى ولكنْ عُرْفُهُ للأبعدِ الأوطانِ دونَ الأقربِ(١)
لم يسلِّمه أرباب التنقیر، نعم قالوا: ويكون بمعنى وراء، كأمام، وبمعنى فوق
ونقيضاً له.
و((من) لابتداء الغاية متعلِّقةٌ بـ ((ادعوا))، و((دون)) مستعملٌ (٢) بمعنى التجاوزِ في
محلّ النصب على الحال، والمعنى: ادعوا إلى المعارضة مَن يحضركم أو مَن
ينصركم بزعمكم، متجاوزِينَ اللهَ تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه، والأمر للتعجيز
والإرشاد، أو: ادعوا من دون الله مَن يُقيم لكم الشهادة بأنَّ ما أتيتم به مماثلُه،
فإنهم لا يشهدون، ولا تدعوا الله تعالى للشهادة بأن تقولوا: الله تعالى شاهدٌ وعالم
بأنه مثلُه، فإنَّ ذلك علامةُ العجز والانقطاع عن إقامة البينة، والأمرُ حينئذ للتبكيت.
والشهيد على الأول بمعنى الحاضر، وعلى الثاني بمعنى الناصر، وعلى الثالث
بمعنى القائم بالشهادة.
قيل: ولا يجوز أن يكون بمعنى الإمام، بأن يكون المراد بالشهداء الآلهةَ
الباطلة؛ لأنَّ الأمر بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكُّماً، ولو قيل: ادعوا الأصنام
ولا تدعوا الله تعالى ولا تستظهروا به، لانقلب الأمر من التهكّم إلى الامتحان؛ إذ
لا دخلَ لإخراج الله تعالى عن الدعاء في التھگّم.
وفيه أنَّ: أيُّ تهكُّم وتحميقٍ أقوى من أن يقال لهم: استعينوا بالجماد ولا
تلتفتوا نحو ربِّ العباد؟ ولا يجوز حينئذٍ أن تجعل ((دون)) بمعنى القُّدَّام؛ إذ لا معنى
لأنْ يقال: ادعوها بين يدي الله تعالى، أي: في القيامة، للاستظهار بها في
المعارضة التي في الدنيا.
(١) ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي ١٠٣/١. قوله: دون الأقرب، أي: فضلاً عن
الأقرب، فكيف الأقرب. ينظر حاشية الشهاب ٤١/٢.
(٢) في (م): تستعمل.

الآية : ٢٣
٣٧
سُوَّةُ الْبَيْنَة
ير
وجوَّزوا أن تتعلَّق (من)) بـ ((شهداءكم)) وهي للابتداء أيضاً، و((دون)) بمعنى
التجاوز في محلِّ النصب على الحال، والعاملُ فيه معنى الفعلِ المستفادِ من إضافة
الشهداء، أعني: الاتخاذ، والمعنى: ادعوا الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله
تعالى، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة. ويحتمل أن يكون ((دون)) بمعنى أمام
حقيقةً، أومستعاراً من معناه الحقيقيّ الذي يناسبه، أعني(١): أدنى مكانٍ من
الشيء، وهو ظرفٌ لغوٌ معمولٌ لشهداء، ويكفيه رائحةُ الفعل فلا حاجة إلى
الاعتماد، ولا إلى تقدير: ليشهدوا. و((من)) للتبعيض كما قالوا في ﴿مِّنَّ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] لأنَّ الفعل يقع في بعض الجهتين، وظاهر كلام الدماميني
في ((شرح التسهيل)): أنها زائدة، وهو مذهبُ ابن مالك، والجمهور على أنها
ابتدائية، والمعنى: ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله عز وجل على زعمكم،
والأمر للتهكُّم، وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيحٌ له بتذكير ما اعتقدوه من
أنها من الله تعالى بمكان، وأنها تنفعهم بشهادتهم، كأنه قيل: هؤلاء عدَّتكم
ومَلاذُكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم، فلا عطر بعد عروس (٢)، وما وراء
عَبَّادَان(٣) قرية. ولم تجعل ((دون)) بمعنى التجاوز؛ لأنهم لا يزعمون شركته تعالى
مع الأصنام في الشهادة، فلا وجه للإخراج.
وقيل: يجوز أن تكون (من)) للابتداء والظرف حالٌ ويحذف من الكلام مضاف،
والمعنى: ادعوا شهداءكم من فصحاء العرب، وهم أولياء الأصنام، متجاوزين في
ذلك أولياء الله ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، والمقصودُ بالأمر حينئذٍ إرخاءُ العنان
والاستدراج إلى غاية التبكيت، كأنه قيل: تركنا إلزامكم بشهداء الحقِّ إلى شهدائكم
المعروفين بالذبِّ عنكم، فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذاراً من اللائمة وأَنَفَةً من
الشهادة البنَّةِ البطلانِ، كيف لا وأمرُ الإعجاز قد بلغ من الظهور إلى حيث لم يبق
إلى إنكاره سبیل؟
(١) بعدها في (م): به.
(٢) يضرب في ذم ادخار الشيء وقت الحاجة إليه. المستقصى ٢٦٣/٢.
(٣) عَبَّادان: بفتح العين وتشديد الباء: بلدة في آخر العراق، وعندها مصبُّ دٍجلة. صبح
الأعشى ٣٣٧/٤، ومجمع الأمثال ٢٥٧/٢.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٨
الآية : ٢٣
وإخراجُ الله تعالى على بعض الوجوه لتأكيد تناول المستثنى منه بجميع
ما عداه، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلِّفوه، لإيهامه أنهم لو دَعَوْه
تعالى لأجابهم إليه، وعلى بعضٍ للتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى،
وكونهم في عدوة (١) المحادَّة والمشاقَّة له، قاصرين استظهارَهم على ما سواه.
والالتفاتُ إما لإدخال الروع وتربية المهابة، أو للإيذان بكمال سخافةٍ عقولهم،
حيث آثروا على عبادة مَن له الألوهيةُ الجامعةُ عبادةَ مَن لا أحقرَ منه.
والصدق: مطابقةُ الواقع، والمذاهبُ فيه مشهورة، وجواب ((إن)) محذوف
لدلالة الأول عليه، وليس هو جواباً لهما، وكذا متعلِّق الصدق، أي: إن كنتم
صادقين بزعمكم في أنه كلام البشر، أو في أنكم تقدرون على معارضته، فأتوا
وادعوا، فقد بلغ السيل الزُّبى، وهذا كالتكرير للتحدِّي والتأكيد له، ولذا ترك
العطف. وجَعْلُ المتعلِّق الارتياب لتقدُّمه ممالا ارتياب في تأخّره؛ لأنَّ الارتياب
من قبيل التصوُّر الذي لا يجري فيه صدقٌ ولا كذب.
والقول بأنَّ المراد: إن كنتم صادقين في احتمال أنه كذا، مع ما فيه من
التكلُّف، لا يجدي نفعاً؛ لأنَّ الاحتمال شكِّ أيضاً.
ومن التكلّف بمكان قول الشهاب(٢): إنَّ المراد من النظم الكريم الترقِّي في
إلزام الحجة وتوضيح المحجة، فالمعنى: إن ارتبتم فأتوا بنظيره ليزول ريبُكم،
ويظهرَ أنكم أصبتم فيما خَطَر على بالكم، وحينئذٍ فإن صدقت مقالتكم في أنه
مفترَى فَأَظْهِروها ولا تخافوا.
هذا، ووجهُ ملائمةِ الآية لما قلناه في الآية السابقة: أنه سبحانه وتعالى أمرهم
بالاستعانة - إمّا حقيقةً أو تهكُّماً - بكلِّ ما يُعينهم بالإمداد في الإتيان في المِثْل، أو
بالشهادة، على أنَّ المأتيَّ به مثْلٌ، ولا شك أنَّ ذلك إنما يلائم إذا كانوا مأمورين
بالإتيان بالمثل، بخلاف ما إذا كان المأمور واحداً منهم، فإنهم باعثون له على
الإتيان، فالملائم حينئذٍ نسبةُ الشهداء إليه؛ لأنهم شهداءُ له، وإن صحَّ نسبته إليهم
باعتبار مشاركتهم إياه في تلك الدعوى بالتحريك والحثّ، والقولُ بأنهم مشاركون
(١) في (م): عروة.
(٢) في الحاشية ٤٦/٢.

الآية : ٢٤
٣٩
سُورَةُ الْبَحْمَة
للمأتيّ منه في دعوى المماثلة ليس بشيء؛ لأنه شهادةٌ على المماثلة. ثم ترجيحُ
رجوعِ الضمير للمنزَل يقتضي ترجيحَ كونِ الظرفِ صفةً للسورة أيضاً، وقد أُورد
هاهناَ أمورٌ طويلة لا طائل تحتها .
﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ﴾ فذلكةٌ لِمَا
تقدم، فلذا أتى بالفاء، أي: إذا بذلتم في السعي غايةً المجهود، وجاوزتُم في الحدِّ
كلَّ حدٍّ معهود، متشبّئين بالذُّيول، راكبين مَثْنَ كلِّ صعبٍ وذلول، وعجزتم عن
الإتيان بمثله وما يدانيه في أسلوبه وفَضْله، ظهر أنه مُعْجِزٌ، والتصديقُ به لازم،
فآمنوا واتَّقوا النار.
وأتى بـ ((إن)) والمقام لإذا لاستمرار العجز - وهو سبحانه وتعالى اللطيف
الخبير - تهكُّماً بهم، كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه: إن غلبتك لم أُبقِ عليك،
وتحميقاً لهم لشكِّهم في المتيقّن الشديدِ الوضوح، ففي الآية استعارةٌ تهكمية تبعيةٌ
حرفية، أو حقيقة وكناية كسائر ما جاء على خلاف مقتضى الظاهر، وقد يقال عبَّر
بذلك نظراً لحال المخاطبين، فإنَّ العجز كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم؛
لاتکالھم علی فصاحتهم.
و (تفعلوا)) مجزومٌ بعلم))، ولا تنازُعَ بينها وبين ((إن)) وإن تُخيِّل، وقد صرَّح ابن
هشام(١) بأنه لا يكون بين الحروف؛ لأنها لا دلالةً لها على الحدث حتى تطلب
المعمولات، إلا أنَّ ابن العلج(٢) أجازه مستدلاً (٣) بهذه الآية، ورُدَّ بأن ((إنْ)) تطلب
مثبَتاً، و((لم) منفيًّا، وشرطُ التنازع الاتحادُ في المعنى، فـ((إنْ)) هنا داخلةٌ على
المجموع عاملةٌ في محلِّه، كأنه قال: فإن تركتم الفعل، فيفيد الكلامُ استمرارَ عدم
الإتيان المحقَّق في الماضي، وبهذا ساغ اجتماعهما، وإلا فبين مقتضاهما
الاستقبالَ والمضيَّ تنافٍ.
نعم قيل: في ذلك إشكالٌ لم يحرَّر دفعُه بعدُ بما يشفي العليل، وهو أنَّ المحلَّ
إن كان للفعل وحده لزم توارُد عاملين في نحو: إنْ لم يَقُمْنَ، وإن كان للجملة یَرِدُ
(١) في شرح شذور الذهب ص٥٤٠ .
(٢) هو محمد بن عليَّ الإشبيلي، أبو عبد الله ضياء الدين، صاحب كتاب البسيط في النحو.
البحر ٤٧/٨.
(٣) في (م): استدلالاً.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٠
الآية : ٢٤
أنهم لم يَعدُّوها مما لها محلٌّ، أو للمحلِّ مع الفعل، فلا نظير له، فلعلهم يتصيَّدون
فعلاً مما بعدها ويجزمونه بها، وهو كما ترى.
وعبَّر سبحانه عن الفعل الخاصِّ - حيث كان الظاهر: فإن لم تأتوا بسورة من
مثله - بالفعل المطلَق العامٌّ ظاهراً لإيجاز القَصْر، وفيه إيذانٌ بأنَّ المقصود بالتكليف
إيقاعُ نفس الفعل المأمور به لإظهار عجزهم عنه لا تحصيل المفعول ضرورةً
استحالته، وأنَّ مناط الجواب في الشرطية - أعني الأمرَ بالاتِّقاء - هو عجزُهم عن
إيقاعه، لا فوتُ حصول المقصود (١).
وقيل: أُطلق الفعل وأُريد به الإتيانُ مع ما يتعلَّق به، على طريقة ذِكْر اللازم
وإرادةِ الملزوم؛ لما بينهما من التلازُم المصحِّح للانتقال بمعونةٍ قرائن الحال، أو
على طريقة التعبير عن الأسماء الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذراً من التكرير،
والظاهرُ أنَّ فيما عبَّر به إيجازاً وكنايةً وإيهامَ نفي الإتيان بالمثل وما يدانيه، بل
وغيره، وإن لم یکن مراداً.
و((لن)) كـ ((لا)) في نفي المستقبل، وإن فارقَتْها بالاختصاص بالمضارع، وعملٍ
النصب، إلا فيما شذَّ من الجزم بها في قوله:
حرَّك من دون بابِكَ الحلَقَهْ (٢)
لن يَخِبِ الآن مَن رجاكَ ومَن
ولا تقتضي النفيَ على التأبيد، وإن أفادت التأكيدَ والتشديد، ولا طول مدةٍ أو
قَّتَها خلافاً لبعضهم.
وليس أصلها ((لا أن)) كما ورد عن الخليل، فحذفت الهمزة لكثرتها، وسقطت
الألف للساكنَيْن، وتغيَّر الحكم وصار (لن))، تضرب كلاماً تامًّا دون ((أن))
ومصحوبها، وقيل به لقوله:
يُرجِّي المرءُ ما لا أنْ يُلاقي(٣).
وتَعرِضُ دون أَقْرَبِه الخطوبُ (٤)
(١) الكلام من تفسير أبي السعود ٦٧/١، وفيه: المفعول، بدل: المقصود.
(٢) البيت لأعرابي يمدح الحسين بن علي ظله، كما في بغية الطلب في تاريخ حلب ٢٥٩٣/٦،
وهو دون نسبة في المغني ص ٣٧٥ و٩١٦ والدر المصون ٢٠٤/١.
(٣) في الأصل و(م): يلاقيه، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) البيت بهذه الرواية في الخزانة ٤٤٠/٨ وحاشية الشهاب ٥٢/٢، ونسبه أبو زيد في