Indexed OCR Text
Pages 401-420
الآية : ٢٠ ٤٠١ سُورَةُ النَِّ الهواء، فأمر سليمان عليه السلام الريحَ فوقفت لئلا يُذْعَرْنَ حتى دَخَلْنَ مساكنهنَّ، ثم دعا بالدعوة (١) . ﴿وَتَفَقَّدَ اَلَّيْرَ﴾ أي: أراد معرفة الموجودِ منها من غيره، وأصل التفقُّد معرفةٌ الفَقْدِ، والظاهرُ أنه عليه السلام تفقَّد كلَّ الطير، وذلك بحسب ما تقتضيه العنايةُ بأمور الملك والاهتمامُ بالرعايا لا سيما الضعفاء منها؛ قيل: وكان يأتيه من كلِّ صنفٍ واحدٌ، فلم يَرَ الهدهد. وقيل: كانت الطير تظلُّه من الشمس، وكان الهدهدُ يستر مكانه الأيمن، فمسَّته الشمسُ فنظر إلى مكانِ الهدهد فلم يَرَه. وعن عبد الله بن سلام: أنَّ سليمان عليه السلام نزل بمفازةٍ لا ماء فيها، وكان الهدهدُ يرى الماء في باطن الأرض فيخبرُ سليمان بذلك، فيأمر الجنَّ فتسلخ الأرض عنه في ساعة كما تُسلخ الشاة، فاحتاجوا إلى الماء، فتفقَّد لذلك الطيرَ فلم يَرَ الهدهد(٢). ﴿فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَىَ الْهُدْهُدَ﴾، وهو طائرٌ معروفٌ مُنْتِنٌ يأكل الدمَ فيما قيل، ويُكْنَى بأبي الأخبار، وأبي الربيع، وأبي ثمامة، وبغير ذلك مما ذكره الدميري(٣). وتصغيرهُ على القياس هُدَيْهِد، وزعم بعضُهم أنه يقال في تصغيره: هُدَاهِد، بقَلْبٍ الياء ألفاً، وأنشدوا : كهُدَاهدٍ كسر الرماة جناحه(٤) ونظير ذلك: دُوابَّة وشُوابَّة في دُوَيَبَّة وشٌوَيِّبَّة. والظاهرُ أنَّ قوله عليه السلام ذلك مبنيٌّ على أنه ظنَّ حضوره ومَنَع مانعٌ له من رؤيته، أي: عدمُ رؤيتي إياه مع حضوره لأيِّ سببٍ، أَلِسَاتٍ أم لغيره؟ ثم لاح له أنه غائبٌ، فأضْرَبَ عن ذلك وأخذ يقول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآَبِينَ ﴾﴾ كأنه يَسألُ عن (١) الكشاف ٣/ ١٤٢. (٢) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٥٦٦/١١-٥٦٧، والطبري ٣٠/١٨. (٣) في حياة الحيوان ٣٧٨/٢. (٤) وعجزه: يدعو بقارعة الطريق هديلا، والبيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص٢٣٨. سُؤَدَّةُ النَّهُلِّ ٤٠٢ الآية : ٢٠ صحة ما لاح له، فـ ((أم)) هي المنقطعة، كما في قولهم: إنها لإبلٌ أم شاءٌ. وقال ابن عطية: مقصدُ الكلام: الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم من مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضربٌ من الإيجاز، والاستفهامُ الذي في قوله: ((مالي)) ناب منابَ الهمزة التي تحتاجها ((أم))(١). انتهى. وظاهره أنَّ ((أم)) متصلةٌ والهمزةُ قائمةٌ مقام همزة الاستفهام(٢)، فالمعنى عنده: أغاب عنِّي الآن فلم أره حالَ التفقُّد، أم كان ممن غاب قبلُ ولم أشعر بغيبته. والحقُّ ما تقدَّم. وقيل: في الكلام قلبٌ، والأصل: ما للهدهد لا أراه، ولا يخفى أنه لا ضرورةً إلى ادِّعاء ذلك، نعم قيل: هو أوفقُ بكون التفقُّد للعناية. وذُكر أنَّ اسم هذا الهدهد یعفور. وکونُ الهدهد یری الماء تحت الأرض رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحَّحه عن ابن (٣) عباس طًا(٣). وأخرج ابن أبي حاتم وسعيد بن منصور عن يوسف بن ماهك، أنَّ ابن عباس حين قال ذلك اعترض عليه نافع بنُ الأزرق كعادته، بأنه كيف ذاك والهدهدُ يُنْصَبُ له الفخُ ويوضع فيه الحبة وتُستَرُ بالتراب فيُصْطاد؟ فقال ◌َُّبه: إنَّ البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر. فقال ابن الأزرق: لا أجادلُك بعدها بشيء(٤). ولا مانع من أن يقال: يجوزُ أن يرى الحبة أيضاً، إلا أنه لا يعرف أنَّ التقاطها من الفخِّ يوجبُ اصطياده، وكثيرٌ من الطيور وسائر الحيوانات يُصْطاد بما يَراه بنوع حيلة. (١) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤. (٢) كذا وقعت العبارة عند المصنف، وجاء في البحر ٦٤/٦ (والكلام فيه بنحوه): فظاهر هذا الكلام (يعني كلام ابن عطية) أن ((أم)) متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله: ((ما لي)) ناب مناب ألف الاستفهام. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٦/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٨٥٩/٩، والمستدرك ٤٠٥/٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٤/٥ . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٨٥٩/٩- ٢٨٦٠، وعزاه لسعيد بن منصور السيوطي في الدر ١٠٤/٥. الآية : ٢٠ ٤٠٣ سُوَّةُ النَُّلِّ ويجوز أيضاً أن يراها ويعرفَ المكيدةَ في وضعها إلَّ أنَّ القدر يغلبُ عليه فيظُّ أنه ينجو إذا التقطها بأحد وجوهٍ يتخيَّلُها، فيكون نظيرَ مَن يخوض المهالك لظنِّ النجاة مع مشاهدةٍ هلاك الكثير ممن خاضها قبله، وإذا أراد الله تعالى بقومٍ أمراً سلب من ذوي العقول عقولَهم. نعم إنَّ رؤيته الماء تحت الأرض وإن جاز على ما تقتضيه أصول الأشاعرة أمرٌ يستبعدُه العقل جدّاً، ولا جَزْمَ لي بصحة الخبر السابق، وتصحيحُ الحاكم محكومٌ عليه عند المحدّثين بما تعلم، ومثلُه ما تقدمَّ عن ابن سلام، وكذا غيرُه من الأخبار التي وقفتُ عليها في هذا الشأن، وليس في الآية إشارةٌ إلى ذلك، بل الظاهرُ بناءً على ما يقتضيه حالُ سليمان عليه السلام أنَّ التفقُّد كان منه عليه السلام عنايةً بأمور ملكه، واهتماماً بضعفاء جنده، وكأنه عليه السلام أخرج كلامه كما حكاه النظمُ الجليل لغلبة ظنِّه أنه لم يُصِبْه ما أهلكه، وليكون ذلك مع التفقُّد من باب الجمع بين صفتي الجمال والجلال، وهو الأكملُ في شأن الملوك. ولعل ما وقع من حديث النملة كان كالحالة المذكِّرة له عليه السلام للتفقُّد. وعلى ما تقدَّم عن ابن سلام أنَّ الحالةَ المذكِّرة بل الداعية هي النزولُ في المفازة التي لا ماء فيها، وكونُ الهدهد قُنَاقِتَهَ(١)، ويحكون في ذلك أنَّ سليمان عليه السلام حين تمَّ له بناءُ بيتِ المقدس تجهّز ليحجَّ بحَشْرِهِ، فوافَى الحرمَ وأقام به ما شاء، وكان يقرِّب كلَّ يوم طولَ مقامه خمسةَ آلافٍ بقرةٍ، وخمسةَ آلافِ ناقةٍ، وعشرين ألفَ شاةٍ، وقال لأَشْرافِ مَن معه: إنَّ هذا مكانٌ يخرج منه نبيٌّ عربيٍّ صفتُه كذا وكذا، يُعْطَى النصرَ على مَن عاداه، ويُنصَرُ بالرعب من مسيرة شهرٍ، القريبُ والبعيدُ عنده سواءٌ في الحقِّ، لا تأخذُه في الله تعالى لومةُ لائم. قالوا : فبأيِّ دينٍ يَدِيْنُ يانبيَّ الله؟ فقال: بدينِ الحنيفية، فطوبى لمن آمنَ به وأدركه، فقالوا: كما بيننا وبين خروجه؟ قال: مقدارُ ألفِ عامٍ، فَلْيبلِّغ الشاهدُ منكم الغائبَ فإِنه سيدُ الأنبياء وخاتَمُ الرسل عليهم السلام. ثم عزم على السير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحاً يؤمُ سهيلاً، فوافى صنعاء وقتَ الزوال وذلك مسيرةُ شهرٍ، فرأى أرضاً أعجبته خضرتُها (١) القُناقِن بالضم: البصير بالماء في حفر القُّنِيِّ، جمعها بالفتح. القاموس (قنن). سُؤَدَّةُ النَّصِ ٤٠٤ الآية : ٢١ فنزل ليتغذَّى ويصلِّي، فلم يجدوا الماء فكان ما كان(١). وفي بعض الآثار ما يعارضُ حكايةَ الحِّ، فقد روي عن كعبِ الأحبار(٢) أنَّ سليمان عليه السلام سار من إصْطَخْرَ يريدُ اليمن، فمرَّ على مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: هذه دارُ هجرة نبيِّ يكون آخِرَ الزمان، طوبى لمن اتَّبعه. ولمَّا وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناماً تُعبد، فجاوزه فبكى البيتُ، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟ قال: يا ربّ، أبكاني أنَّ هذا نبيٌّ من أنبيائك ومعه قومٌ من أوليائك، مرُّوا عليَّ ولم يهبطوا ولم يصلّوا عندي، والأصنامُ تُعبد حولي من دونك. فأوحى الله تعالى إليه: لا تَبْكِ فإنِّي سوف أُبكيك(٣) وجوهاً سجَّداً، وأُنْزِلُ فيك قرآناً جديداً، وأبعثُ منك نبياً في آخر الزمان أَحَبَّ أنبيائي إليَّ، وأجعلُ فيك عمَّاراً من خَلْقي يعبدونني، وأفرضُ عليهم فريضةً يرقُّون إليك رفيفَ النسر إلى وكره، ويحتُّون إليك حنينَ الناقة إلى ولدها، والحمامةِ إلى بيضها، وأطهِّرُك من الأوثان وعَبَدةِ الشيطان. ثم مضى سليمان حتى أتى على وادي النمل. ولا يظهرُ الجمع بين الخبرين، ولعل المقدار الذي يصحُّ من الأخبار أنه عليه السلام لمَّا تمَّ له بناءُ بيت المقدس حجَّ، وأكثرَ من تقريب القرابين، وبشَّر بالنبيِّ وَّهِ، وقَصَدَ اليمن، وتفقَّد الطير فلم يَرَ الهدهدَ فتوَّده بقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ. عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قيل: بِنَتْفِ ريشه، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج. والظاهرُ أنَّ المراد جمیعُ ریشه. وقال يزيد بن رومان: بنتفٍ ريش جناحيه. وقال ابن وهب: بنتفِ نصف ريشه. وزاد بعضهم مع النتف إلقاءه للنمل، وآخرُ تركَه في الشمس. وقيل: ذلك بطَلْبِه بالقَطِران وتشميسه. وقيل: بحبسه في القفص، وقيل: بجمعه مع غير جنسه، وقيل: بإبعاده من خدمة سليمان عليه السلام، وقيل: بالتفريق بينه وبين إلْفِهِ، وقيل: بإلزامه خدمةَ أقرانه. (١) تفسير البغوي ٤١٢/٣، وبنحوه في عرائس المجالس ص٣١٢-٣١٣. (٢) كما في تفسير البغوي ٣/ ٤١٠-٤١١. (٣) في تفسير البغوي: أملؤك. الآية : ٢١ ٤٠٥ سُورَةُ الْتَضْلِ وفي ((البحر)): الأجودُ أن يجعل كلٌّ من الأقوال من باب التمثيل وهذا التعذيبُ للتأديب، ويجوز أن يبيح الله تعالى له ذلك لِمَا رأى فيه من المصلحة والمنفعة، كما أباح سبحانه ذَبْحَ البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا . سخّر له الطير ولم يتم ما سخّر من أجله إلا بالتأديب والسياسةِ جاز أن يباح له ما يُسْتَصْلَح به(١). وفي ((الإكليل)) للجلال السيوطيّ: قد يستدلُّ بالآية على جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي أو إسراعها أو نحو ذلك، وعلى جوازٍ نتفِ ريش الحيوان لمصلحةٍ بناءً على أنَّ المراد بالتعذيب المذكور نتفُ ريشه. وذَكَر فيه أنَّ ابن العربيِّ استدلَّ بها على أنَّ العذاب على قَدْرِ الذنب لا على قَدْرِ الجسد، وعلى أنَّ الطير كانوا مكلَّفين؛ إذ لا يعاقَبُ على ترك فعل إلا مَن كلِّف به(٢). اهـ فلا تغفل. ﴿أَوْ لَأَذْبَجَنَّهُ﴾ كالترقِّي من الشديد إلى الأشدِّ، فإنَّ في الذبح تجريعُ كأسٍ المنَيَّةِ، وقد قيل: كلُّ شيءٍ دون المنية سهلٌ. ﴿أَوْ لَيَأْنِيَنِّى بِسُلْطَانٍ تُبِينٍ ﴾﴾ أي: بحجَّةٍ تُبِينُ عُذْرَهُ في غيبته. وما ألطفَ التعبيرَ بالسلطان دون الحجة هنا؛ لَما أنَّ ما أتى به من العذر انجرَّ إلى الإتيان بیلقیس وهي سلطان. ثم إنَّ هذا الشقَّ وإنْ قُرِنَ بحرف القَسَم ليس مُقْسَماً عليه في الحقيقة، وإنما المقسَمُ عليه حقيقةً الأوَّلان، وأدخل هذا في سلكهما للتقابل، وهذا كما في ((الكشف)) نوعٌ من التغليب لطيفُ المسلك، ومآلُ كلامه عليه السلام: ليكوننَّ أحدُ الأمور، على معنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيبٌ ولا ذبحٌ، وإن لم يكن كان أحدُهما، فـ ((أو)) في الموضعين للترديد. وقيل: هي في الأول للتخيير بين التعذيب والذبح، وفي الثاني للترديد بينهما وبين الإتيان بالسلطان، وهو كما ترى. (١) بنحوه في البحر ٦/ ٦٥. (٢) الإكليل في استنباط التنزيل ص٢٠١، وكلام ابن العربي في أحكام القرآن ١٤٤٣/٣. سُورَةُ النَّصْلِ ٤٠٦ الآية : ٢١ وزعم بعضهم أنها في الأول للتخيير وفي الثاني بمعنى ((إلا))، وفيه غفلةٌ عن لام القَسَم. وجوِّز أن تكون الأمورُ الثلاثة مقسماً عليها حقيقةً، وصحَّ قَسَمُه عليه السلام على الإتيان المذكور لعِلْمِه بالوحي أنه سيكون، أو غلبةِ ظنّه بذلك لأمرٍ قام عنده يفيدُها . وإلَّا فالقسمُ على فِعْلِ الغير في المستقبل من دون علم أو غلبةٍ ظنٍّ به لا يكاد يَسُوغُ في شريعةٍ من الشرائع. وتعقِّب بأن قوله: ﴿سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [الآية: ٢٧] ينافي حصول العلم وما حاكاه له. ودفع المنافاة بأنه يجوز أن يأتي بحجّةٍ لا يعلمُ سليمان عليه السلام ولا يظنُّ صدقَها وكذبها غيرُ سديدٍ؛ إذ قوله: ((مبین)) یأباه. وبالجملة الوجهُ ما ذُكر أوَّلاً . فتأمَّل. وقرأ عيسى بن عمر: ((ليأتينَّ)) بنونٍ مشدّدةٍ مفتوحةٍ بغير ياء(١). وكُتب في الإمام: ((لا أذبحنه)) بزيادة ألفٍ بين الذال والألف المثَّصلةِ باللام(٢)، ولا يعلمُ وجهه كأكثر ما جاء فيه مما يخالفُ الرسم المعروف. وقيل: هو التنبيهُ على أنَّ الذبح لم يقع. وقال ابن خلدون في ((مقدمة)) تاريخه: إنَّ الكتابة العربيةَ كانت في غاية الإتقان والجودة في حِمْيرَ، ومنهم تعلَّمها مُضر، إلا أنهم لم يكونوا مُجيدين لبعدهم عن الحضارة، وكان الخطُ العربيُّ أولَ الإسلام غيرَ بالغ إلى الغاية من الإتقان والجودة وإلى التوسُّط؛ لمكان العرب من البداوة والتوخُّشَ وبُعْدِهم عن الصنائع، وما وقع في رسم المصحف من الصحابة ﴿ه من الرسوم المخالِفَةِ لِمَا اقتضته أقيسةُ رسوم الخطّ وصناعته عند أهلها كزيادة الألف في ((لا اذبحنه)) من قلَّة الإجادة لصنعة الخطّ، واقتفاءُ السَّلَفِ رَسْمَهم ذلك من باب التبرُّك. وتوجيهُ بعض المغفَّلين تلك المخالفةَ بما وجَّهه بها ليس بصحيح، والداعي له (١) البحر ٧ /٦٥. (٢) المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني ص٨٨، والوسيلة إلى كشف العقيلة لعَلَم الدين السخاوي ص ٤٠ و ١٥٧ . الآية : ٢١ ٤٠٧ سُؤَةُ النَّصْلِ إلى ذلك تنزيهُ الصحابة عن النقص لما زعم أنَّ الخطّ كمالٌ، ولم يتفطّن لأنَّ الخطّ من جملة الصنائع المدنية المعاشية، وذلك ليس بكمال في حقِّهم؛ إذ الكمالُ في الصنائع إضافيٍّ وليس بكمالٍ مطلقٍ؛ إذ لا يعودُ نقصُه على الذات في الدين ونحوه، وإنما يعود على أسباب المعاش. وقد كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام أميًّا، وكان ذلك كمالاً في حقِّه وبالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام. ومِثْلُ الأمية تَنزُّهُه عليه الصلاة والسلام عن الصنائع العملية التي هي أسبابُ المعاش والعمران، ولا يُعدُّ ذلك كمالاً في حقِّنا؛ إذ هو رَّهِ منقطعٌ إلى ربِّه عز وجل، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((أنتم أعلمُ بأمور دنياكم)). انتهى ملخّصاً (١). وأنت تعلم أنَّ كون زيادة الألف في ((لا اذبحنه)» لقلَّة إجادتهم ظُه صنعةً الكتابة في غاية البعد، وتعليلُ ذلك بما تقدَّم من التنبيه على عدم وقوع الذبح كذلك، وإلا لزادوها في («لأعذبنه)) لأنَّ التعذيب لم يقع أيضاً. وما أشار إليه من أنَّ الإجادة في الخطّ ليس بكمالٍ في حقٌّهم، إن أراد به أنَّ تحسين الخطّ وإخراجَه على صورٍ متناسبةٍ يستحسنُها الناظر وتميلُ إليها النفوسُ كسائر النقوش المستحسنة ليس بكمالٍ في حقِّهم ولا يضرُّ بشأنهم فَقْدُه فمسلّم، لكنَّ هذا شيءٌ وما نحن فيه شيّ. وإن أراد به أنَّ الإتيان بالخطّ على وجهه المعروفِ عند أهله، من وَصْلِ ما يَصِلونه وفَصْلِ ما يفصلونه، ورَسْمٍ ما يرسمونه وتَرْكِ ما يتركونه، ليس بكمال فهذا محلُّ بحثٍ، ألا ترى أنه لا يُعترض على العالم بقبح الخطّ وخروجِه عن الصور الحسنة والهيئات المستحسنة، ويُعترضُ عليه بوَضْلٍ ما يُفْصَلُ وفَصْلِ ما يُؤْصَلُ، وَرَسْمٍ ما لا يُرْسَمُ وعَدَمِ رَسْمٍ ما يُرْسَمُ، ونحوِ ذلك، إن لم يكن ذلك لنكتة. والظاهر أنَّ الصحابة الذين كتبوا القرآن كانوا متقنين رسمَ الخطّ، عارفين ما يقتضي أن يكتب وما يقتضي أن لا يكتب، وما يقتضي أن يُؤْصَلَ، وما يقتضي أن لا يُؤْصَلَ، إلى غير ذلك، لكنْ خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمةٍ، (١) مقدمة ابن خلدون ٥٠٣/٢-٥٠٦، دون الحديث، والحديث سلف ١٤/ ٢٦٣. سُورَةُ النَّصِ ٤٠٨ الآية : ٢١ ويُستأنَسُ لذلك بما أخرجه ابن الأبَّار (١) في كتابه ((التكملة)) عن عبد الله بن فُرُّوخ [عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن أبيه] قال: قلت لابن عباس: يا معشر قريش، أخبروني عن هذا الكتاب العربي، هل كنتم تكتبونه قبل أن يَبعث الله تعالى محمداً بَّر، تجمعون منه ما اجتمع وتفرِّقون منه ما افترق، مثل الألف واللام [والميم] والنون؟ قال: نعم. قلت: وممن أخذتُموه؟ قال: من حرب بن أمية. قلت: وممن أخذه حربٌ؟ قال: من عبد الله بن جدعان. قلت: وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار. قلت: وممن أخذه أهلُ الأنبار؟ قال: من طارئٍ طرأ عليهم من أهل اليمن. قلت: وممن أخذ ذلك الطارئ؟ قال: من الخلجان بن القسم كاتبِ الوحي لهودٍ النبيِّ عليه السلام، وهو الذي يقول: ورأيٌ على غير الطريق يعبّرُ أفي كلِّ عامِ سنَّةٌ تُحْدِثونها بها جرهُم فيمَن يَسُبُّ وحِمْيرُ(٢) ولَلْمَوْتُ خيرٌ من حياةٍ تسبُّنا انتھی . وفي كتاب ((محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر)) (٣) أنَّ أول مَن اشتهر بالكتابة في الإسلام من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمانُ وعليٍّ وأبي بنُ كعب وزيد بنُ ثابت ه، والظاهر أنهم لم يشتهروا في ذلك إلا لإصابتهم فيها . والقولُ بأنَّ هؤلاء الأجلَّةَ وسائرَ الصحابة لم يعرفوا مخالفةَ رَسْمِ الألف هنا لِمَا (١) في الأصل و(م): ابن الأنباري، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في مقدمة ابن خلدون ٢/ ٥٠٤، والكلام منه. وابن الأبار هو محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعيُّ الأندلسيُّ البَلَنْسيُّ، أبو عبد الله الحافظ المقرئ، ويقال له: الأبار وابن الأبار، له: تكملة الصلة، وتحفة القادم، والمعجم، وغيرها، مات مقتولاً سنة (٦٥٨هـ). سير أعلام النبلاء ٣٣٦/٢٣. (٢) التكملة ٢٢٨/٢، ومقدمة ابن خلدون ٢/ ٥٠٤، وذكره أيضاً ابن الجوزي في المنتظم ١٩٦/١١، وما سلف بين حاصرتين من المصادر. (٣) لعلي دَدَه بن مصطفى الموستاري ثم السكتواري، علاء الدين الملقب بشيخ التربة، فاضل بوسنوي ولد في بلدة موستار، وتوفي سنة (١٠٠٧هـ). كشف الظنون ٤٨٣/١ ١٦١٠/٢، والأعلام ٤/ ٢٨٧ . الآية : ٢٢ ٤٠٩ سُؤَدَّةُ النَّصْلِ يقتضيه قوانينُ أهل الخطِّ، وكذا سائر ما وقع من المخالفة، ممَّا لا يُقْدِمُ عليه مَن له أدنى أدبٍ وإنصاف. ومثلُ هذا القولُ بأنه يحتمل أنه عَرف ذلك مَن عرف منهم إلا أنه ترك تغييره إلى الموافق للقوانين أو وافقه على الغلط للتبرُّك. ومن الناس مَن جوَّز أن يكون ما وقع من الصحابة من الرسم المخالفِ بسبب قلَّة مهارةٍ مَن أخذوا عنه صنعةً الخطّ، فيكون هو الذي خالف في مثل ذلك ولم يعلموا أنه خالف، فالقصورُ - إن كان - ممن أخذوا عنه، وأمَّا هم فلا قصورَ فيهم إذ لم يُخلُّوا بالقواعد التي أخذوها، وإخلالُهم بقواعدَ لم تصل إليهم ولم يعلموا بها لا يعدُّ قصوراً، وهذا قريبٌ مما تقدَّم إلا أنه ليس فيه ما فيه من البشاعة. ثم إن الإنصاف بعد كلِّ كلام يقتضي الإقرار بقوة دعوة أنَّ المخالفة لضَعْفٍ صناعة الكتابة إذ ذاك إن صحَّ أنّها وقعت أيضاً في غير الإمام من المكاتبات وغيرها، ولعله لم يصحَّ وإلا لَنُقِلَ، فتأمَّل والله تعالى يتولَّى هداك. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ الظاهرُ أنَّ الضمير للهدهد، و((بعيد)» صفةٌ زمانٍ، والكلامُ بيانٌ لمقدَّرٍ، كأنه قيل: ما مضى من غيبته بعد التهديد؟ فقيل: مكث غير بعيد، أي: مكث زماناً غيرَ مديدٍ، ووَصْفُ زمانٍ مكثه بذلك للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان عليه السلام، وليعلم كيف كان الطير مسخراً له. وقيل: الضميرُ لسليمان. وهو كما ترى. وقيل: ((بعيد)) صفةُ مكانٍ، أي: فمكث الهدهدُ في مكانٍ غير بعيدٍ من سليمان. وجَعْلُه صفةَ الزمان أولى. ويُحكى أنه حين نزل سليمان عليه السلام حلَّق الهدهدُ فرأى هدهداً - واسمه فيما قيل: عفير - واقعاً، فانحظّ إليه فوصف له ملكَ سليمان وما سخّر له من كلِّ شيءٍ، وذكر له صاحبُه مُلْكَ بلقيس، وذهب معه لينظر، فما رجع إلَّا بعد العصر. وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لَّما لم يره دعا عريف الطير وهو النسر، فسأله فلم يجد عنده عِلْمَه، ثم قال لسيد الطير وهو العُقاب: عليَّ به. فارتفعتْ فنظرتْ فإذا هو مقبلٌ، فقصدته فناشدها الله تعالى وقال: بحقِّ الله الذي قوَّاك سُورَةُ النَلِ ٤١٠ الآية : ٢٢ وأَقْدَركِ عليَّ إلا رحمتني. فتركته وقالت: ثكلتك أمُّك إن نبيَّ الله تعالى قد حلف ليعذِّبَّك أو ليذبحثَّك. قال: وما استثنى؟ قالت: بلى، قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّ بِسُلْطَانٍ تُبِينٍ﴾ فقال: نجوتُ إذاً. فلما قَرُبَ من سليمان أرخى ذَنَبه وجناحيه يجرُّها على الأرض تواضُعاً له، فلمَّا دنا منه أخذ برأسه فمدَّه إليه، فقال: يا نبيَّ الله تعالى، اذْكُرْ وقوفك بين يدي الله عزَّ وجلَّ. فارْتَعدَ سليمانُ وعفا عنه(١). وعن عكرمةً أنه إنما عفا عنه لأنه كان بارًّا بأبويه يأتيهما بالطعام فيزُّهما (٢) لکېرهما . ثم سأله: ﴿فَقَالَ أَخَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ.﴾ أي: علماً ومعرفةً، وحفظتُه من جميع جهاته، وابتداءُ كلامه بذلك لترويجه عنده عليه السلام، وترغيبِه في الإصغاء إلى اعتذاره، واستمالةٍ قلبه نحوَ قبوله؛ فإنَّ النفس للاعتذار المنبئ عن أمرٍ بديعٍ أَقْبلُ، وإلى تلقِّي ما لا تعلمهُ أَمْيلُ. وأيَّد ذلك بقوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِبَلٍ يَقِينٍ (﴿4﴾ حيث فسَّر إبهامَه السابق نوعَ تفسيرٍ، وأراه عليه السلام أنه كان بصدد إقامةٍ خدمةٍ مهمَّةٍ له، حيث عبّر عما جاء به بالنبأ الذي هو الخبرُ الخطيرُ والشأنُ الكبير، ووصفه بما وصفه. وقال الزمخشريُّ: إنَّ الله تعالى أَلْهَم الهدهدَ فكافح سليمانَ بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوّة والحكمة والعلوم الجمَّة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاءً له في علمه، وتنبيهاً على أنَّ في أدنى خَلْقِه وأضعفِه مَن أحاط علماً بما لم يُحِط به، لتتحاقَر إليه نفسُه، ويصغر إليه علمه، ويكون لطفاً به في ترك الإعجاب الذي هو فتنةُ العلماء وأَعْظِمْ بها فتنة(٣). انتهى. وتعقِّب بأنَّ ما أحاط به من الأمور المحسوسة التي لا تعدُّ الإحاطةُ بها فضيلةً، ولا الغفلةُ عنها نقيصةً؛ لعدم توقُّف إدراكها إلَّا على مجرَّدٍ إحساسٍ يستوي فيه العقلاء وغيرهم، وماذا صدر عنه عليه السلامُ مع ما حُكي عنه ما حُكي من الحمد والشكر والدعاء حتى يليقَ بالحكمة الإلهية تنبيهُه عليه السلام على تركه؟! (١) عرائس المجالس ص٣١٤-٣١٥. (٢) زَقَّ الطائرُ فرخَه: أطعمه بفِيْه. مختار الصحاح (زقق). (٣) الكشاف ١٤٣/٣ . الآية : ٢٢ ٤١١ سُورَةُ النَّصِْ واعتُرض بأنَّ قوله: ((أحطتُ)) إلخ ظاهرٌ في أنه كلامُ مدلٌّ بعِلْمِه مصغّرٍ لِمَا عند صاحبه، وأنَّ العلم بالأمور المحسوسة وإن لم يكن فضيلةً إلا أنَّ فَقْدَه بالنسبة إلى سليمان عليه السلام وملكِه، وإلقاءِ الريح الأخبارَ في سمعه، يدلُّ على ما يدل، وفي التنبيه المذكور تثبيتٌ منه تعالى له عليه السلام على الحمد والشكر، وهو مما يناسبُ دعاءه السابقَ بقوله: ((ربِّ أوزِغْني أنْ أشكر نعمتك))، ولعل الأَوْلَى والأظهرُ مع هذا ما ذكر أوَّلاً . و((سبأ)) منصرفٌ على أنه لِحَيٍّ من الناس سُمُّوا باسم أبيهم سبأ بن يشجب بن یعرب بن قحطان . وفي حديث فروةً وغيره عن رسول الله وَّهِ أنَّ سبأ اسمُ رجلٍ وَلَدَ عشرةً من الولد، تَيامَنَ منهم ستةٌ وتشاءَمَ أربعةٌ، والستة: حِمْيرٌ وكِنْدَةُ والأَزْدُ وأَشْعَرُ وخَتْعَم، والأربعة: لَخْمٌ وُذاٌ وعاملةُ وغسَّان(١). وقيل: سبأ لقبٌ لأبي هذا الحيِّ من قحطان، واسمهُ: عبد شمس، وقيل: عامر، ولقِّب بذلك لأنه أولُ مَن سَبَی. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((من سَبَأَ) بفتح الهمزة غير مصروف(٢)، على أنه اسمٌ للقبيلة، ثم سمِّيتْ به مأرب: سبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرةُ ثلاثٍ، وجوِّز أن يراد به على الصرف الموضعُ المخصوصُ، وعلى منع الصرف المدينةُ المخصوصةُ، وأنشدوا على صَرْفِه قولهُ: الواردون وتيمٌ في ذُرَا سبأٌ قد عَضَّ أعناقهم جِلْدُ الجواميسِ(٣) (١) أخرجه أحمد (٨٩/٢٤٠٠٩)، والترمذي (٣٢٢٢) وقال: حديث حسن غريب. وجاء فيهما أن الستة الذين تيامنوا: ((الأَزْدُ والأشعريون وحميرٌ ومَذْحَجٌ وأَنْمارٌ وكندةُ)) وفي آخره: فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: ((الذين منهم خثعمٌ وبجيلةُ)). (٢) التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢، وهي عن ابن كثير من رواية البزي، وستأتي رواية قنبل عنه . (٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١٣٠/١، والكشاف ١٤٤/٣، والمحرر الوجيز ٢٥٥/٤، وزاد المسير ٤٥٢/٤، والبحر ٦٦/٧، وتفسير القرطبي ١٣٥/١٦ ورواية الديوان: تدعوك تيمٌ وتيمٌ في قرى سبأ ... ، أراد أنهم أسرى وفي أعناقهم أطواق من جلد الجواميس. سُوَرَّةُ النَّْلِ ٤١٢ الآية : ٢٢ وقرأ قنبل من طريق النبال بإسكان الهمزة (١)، وخرِّج على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقال مكِّي: الإسكانُ في الوصل بعيدٌ غيرُ مختارٍ ولا قويٌّ(٢). وقرأ الأعمش: ((من سَباءِ)) بكسر الهمزة من غير تنوينٍ، حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية(٣)، وخرِّجت على أنَّ الجرَّ بالكسرة لرعاية ما نقل عنه، فإنه في الأصل اسمُ الرجل أو مكانٌ مخصوصٌ، وحذف التنوين لرعاية ما نُقل إليه، فإنه جُعل اسماً للقبيلة أو للمدينة، وهو كما ترى. وقرأ ابن كثير في روايةٍ: ((من سَبِى)) بتنوين الباء على وزن رحِّى، جَعَله مقصوراً مصروفاً. وذكر أبو معاذ أنه قرأ: ((من سَبْأَى)) بسكون الباء وهمزةٍ مفتوحة غيرِ منَّونةٍ على وزن فَعْلَى، فهو ممنوعٌ من الصرف للتأنيث اللازم(٤). وروى ابن حبيب عن اليزيديِّ: ((من سبا)) بألفٍ ساكنة، كما في قولهم: تفرَّقوا أیدي سبا (٥) . وقرأت فرقة: ((بنبا)) بالألف عوض الهمزة، وكأنها قراءةُ من قرأ ((سبا)) بالألف؛ لتتوازنَ الكلمتان كما توازنتْ في قراءة مَن قرأهما بالهمزة المكسورة والتنوين. وفي ((التحرير)): أنَّ مِثْلَ: ((من سبأ بنبأ)) يسمَّى تجنيسَ التصريف، وهو أن تنفرد كلٌّ من الكلمتين بحرفٍ، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيّرِ اِّْ وَبِمَا كُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وحديثِ: ((الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ))(٦). وقال الزمخشريُّ(٧): إنَّ قوله تعالى: (مِن سَبَلٍ بٍِّ) من جنس الكلام الذي سمَّاه المحدثون: البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلَّق باللفظ، بشرط أن يجيءَ (١) التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢، والبحر ٧/ ٦٦. (٢) الكشف عن وجوه القراءات لمكي بن أبي طالب ١٥٦/٢، والبحر ٧ /٦٦ . (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٩، والمحرر الوجيز ٢٥٥/٤، والبحر ٦٦/٧ . (٤) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١٠٩، والبحر ٦٦/٧، والكلام منه. (٥) أي: تفرَّقوا تفرُّقاً لا اجتماع بعده. مجمع الأمثال ٢/ ٢٧٥، والكلام من البحر ٦٦/٧. (٦) أخرجه أحمد (٥١٠٢)، والبخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر ـ والكلام من البحر ٧/ ٦٦ . (٧) في الكشاف ١٤٤/٣ . الآية : ٢٢ ٤١٣ سُورَةُ النَلِ مطبوعاً أو يَصِيغَه(١) عالمٌ بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسدادَه، ولقد جاء هاهنا زائداً على الصحة فحسن وبدع لفظاً ومعنّى، ألا ترى لو وضع مكان (بنبأ)): بخبر، لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصحُّ؛ لمَا في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصفُ الحال. اهـ. وهذه الزيادةُ كونُ الخبر ذا شأنٍ. وكونُ النبأ بمعنى الخبر الذي له شأنٌ ممَّا صرَّح به غيرُ واحدٍ من اللغويين، والظاهر أنه معنًى وضعيٍّ له. وزعم بعضهم أنه ليس بوضعيٍّ، وليس بشيءٍ. وقول المحدِّثين: أنبأنا، أحظُ درجةً من: أخبرنا، غيرُ واردٍ لأنه اصطلاحٌ لهم. وقرأ الجمهور: ((فمكُث)) بضم الكافِ. والفتحُ قراءةُ عاصم، وأبي عمرو في رواية الجعفيّ، وسهلٍ وروح(٢). وقرأ أبيٍّ: ((فمكث ثم قال)). وعبد الله: ((فمكث فقال). وكلتا القراءتين في الحقيقة - على ما في ((البحر)) - تفسيرٌ لا قراءةٌ؛ لمخالفتها سوادَ المصحف(٣). وقرئ في السبعة: ((أحطت)) بإدغام التاء في الطاء مع بقاء صفة الإطباق، وليس بإدغامٍ حقيقيٍّ. وقرأ ابن محيصن بإدغامٍ حقيقيٍ(4). واعترض ابنُ الحاجب القراءةَ الأولى بأنَّ الإطباق، وهو رفعُ اللسان إلى ما يحاذيه من الحنك للتصويت بصوتٍ الحرف المخرَج، لا يستقيم إلا بنفس الحرف وهو الطاءُ هنا، والإدغامُ يقتضي إبدالها تاءً وهو ينافي وجود ذلك؛ لأنه يقتضي أن تكون موجودةً وغيرَ موجودةٍ، وهو تناقضٌ، فالتحقيقُ أن نحو: (أحطتُ)) بالإطباق ليس فيه إدغامٌ، ولكنه لمَّا أَمْكَنَ النطقُ بالثاني مع الأول من غير ثقلٍ على اللسان كان كالنطق بالمِثْلِ بعد المِثْلِ فأطلق عليه الإدغام توسُّعاً، قاله الطيبيُّ. (١) في الكشاف: يصنعه. (٢) التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢ عن عاصم وروح، وقرأ باقي العشرة بضمّ الكاف، والكلام من البحر ٧/ ٦٥ . (٣) البحر ٧/ ٦٥، ووقع فيه: فيمكث، في القراءتين. (٤) حاشية الشهاب ٧/ ٤١، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٨٩/٢. سُوَدَّةُ النَّصْلِ ٤١٤ الآية : ٢٣ وفي ((النشر)) أنَّ التاء تُدغم في الطاء في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِي اُلَهَارِ﴾(١) [هود: ١١٤]، وفي ((التسهيل)) أنه إذا أُدْغِمَ المُطْبَقُ يجوزُ إبقاء الإطباق وعدُمه(٢). وقال سيبويه: كلٌّ كلامٌ عربيٍّ(٣)، كذا في (٤) الحواشي الشهابية(٥)، فتأمَّل. وفي قوله تعالى: (أَحَطتُ) إلخ دليلٌ بإشارةِ النصِّ والإدماج على بطلان قول الرافضة: إنَّ الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيءٌ من الجزئيات. ولا يَخْفَى أنهم إن عَنَوا بذلك أنه يجب أن يكون الإمامُ عالماً على التفصيل بأحكام جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعُها، وأن يكون مستحضراً الجوابَ الصحيحَ عن كلِّ ما يُسأل عنه، فبطلانُ كلامهم في غاية الظهور، وقد سئل عليٍّ كرم الله تعالی وجهه وهو على منبر الكوفة عن مسألةٍ فقال: لا أدري. فقال السائل: ليس مكانُك هذا مكانَ مَن يقول: لا أدري. فقال الإمام كرم الله تعالى وجهه: بلى واللهِ، هذا مكانُ مَن يقول: لا أدري، وأمَّا مَن لا يقول ذلك فلا مكان له. يعني به اللهَ عزَّ وجلَّ. وإنْ عَنَوا أنه يجب أن يكون عالماً بجميع القواعد الشرعية وبكثيرٍ من الفروع الجزئية لتلك القواعد بحيث لو حَدَثَتْ حادثةٌ ولا يُعلم حكمُها يكون متمكِّناً من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح، فذاك حقٌّ وهو في معنى قول الجماعة: يجبُ أن يكون الإمام مجتهداً. وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلَبُ من محلِّه. وقوله تعالى ﴿إِنِّ وَجَدَثُ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ - أي: تتصرَّفُ بهم ولا يَعترضُ عليها أحدٌ - استئنافٌ لبيان ما جاء به من النبأ، وتفصيلٌ له إثر إجمالٍ، وعَنَى بهذه المرأة بلقيس(٦) بنت شَراحيل بن مالك بن ريان من نسل يعرب بن قطحان، ويقال: من نسل تبَّع الحميريِّ. (١) النشر ٢٨٩/١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٤٢. (٢) ينظر التسهيل ص٣٢٣، والكلام من حاشية الشهاب ٤٢/٧. (٣) الكتاب ٤/ ٤٦٠، وحاشية الشهاب ٤٢/٧ . (٤) قوله: في، ساقط من (م). (٥) ٧/ ٤٢. (٦) جاء في هامش (م): بكسر الباء معرَّب، وهو قبل التعريب بفتحها. اهـ منه، وذكره الشهاب في الحاشية ٧/ ٤٢ نقلاً عن الطيبي. الآية : ٢٣ ٤١٥ سُؤَدَّةُ التَصْلِ وروى ابن عساكر عن الحسن أنَّ اسم هذه المرأة ليلى(١)، وهو خلافُ المشهور. وقيل: اسم أبيها السَّرْحُ بن الهداهد. ويحكى أنه كان أبوها ملك أرض اليمن كلِّها، ووَرِث المُلْكَ من أربعين أباً، ولم يكن له ولدٌ غيرُها، فغَلَبتْ بعده على الملك ودانت لها الأمة. وفي بعض الآثار أنه لما مات أبوها طمعت في الملك، وطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها قومٌ وأبى آخرون، فملَّكوا عليهم رجلاً يقال: إنه ابن عمِّها، وكان خبيثاً فأساء السيرة في أهل مملكته، حتى كان يفجُرُ بنساء رعيته، فأرادوا خَلْعَه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ذلك أدركتها الغيرةُ، فأرسلت إليه تعرضُ نفسَها عليه، فأجابها وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأسُ منك. قالت: لا أغربُ عنك لأنك كفؤٌ كريمٌ، فاجمع رجال أهلي واخطبني. فجمعهم وخطبها، فقالوا: لا نراها تفعل. فقال: بلى إنها رغبت فيَّ، فذكروا لها ذلك فقالت: نعم. فزوَّجوها منه، فلما زُقَّت إليه خرجت مع أناسٍ كثيرٍ من حشمها وخدمها، فلمَّا خَلَتْ به سقته الخمر حتى سكر، فقتلته وحزَّتْ رأسه وانصرفت إلى منزلها، فلمَّا أصبحت أرسلت إلى وزرائه وأحضرتهم وقرَّعتهم، وقالت: أما كان فيكم مَن يأنَفُ من الفجور بكرائم عشيرته؟! ثم أرتهم إياه قتيلاً، وقالت: اختاروا رجلاً تملُّكوه عليكم. فقالوا: لا نرضى غيرك. فمَّكوها وعَلِموا أن ذلك النكاح كان مكراً وخديعةً منها. واشتهر أنَّ أمَّها جنيَّة، وقد أخرج ذلك ابنُ أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد(٢)، والحكيم الترمذيُّ وابن مردويه عن عثمان بن حاضر: أنَّ أمَّها امرأةٌ من الجنِّ يقال لها: بلقمة بنت شيصا(٣). وابن أبي حاتم عن زهير بن محمد: أنَّ أمَّها فارعة الجنيَّة (٤). (١) الدر المنثور ١٠٥/٥ . (٢) الدر المنثور ١٠٥/٥ بلفظ: صاحبة سبأ كانت أمها جنية، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٩/١١ دون قوله: أمها . (٣) الدر المنثور ١٠٥/٥-١٠٦، وفيه: شيصان بالنون. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٥. سُوَرَّةُ النَّسْلِ ٤١٦ الآية : ٢٣ وفي التفسير الخازنيّ: أن أباها شراحيل كان يقول لملوك الأطراف: ليس أحدٌ منكم كفؤاً لي، وأَبَى أن يتزوَّج فيهم، فخطب إلى الجنِّ فزوَّجوه امرأةً يقال لها: ريحانة بنت السكن. وسببُ وصوله إلى الجنِّ حتى خطب إليهم - على ما قيلَ - أنه كان كثيرَ الصيد، فربما اصطاد الجنَّ وهم على صور الظباء فيخلِّي عنهم، فظهر له مَلِك الجنِّ وشكره على ذلك واتَّخذه صديقاً، فخطب ابنته فزوَّجه إياها . وقيل: إنه خرج متصيِّداً فرأى حيَّتين يقتتلان بيضاء وسوداء، وقد ظهرت السوداء على البيضاء، فقتل السوداء وحمل البيضاء وصبَّ عليها الماء فأفاقت فأطلقها، فلمَّا رجع إلى داره جلس وحده منفرداً، فإذا هو معه شابٌ جميلٌ فخاف منه، فقال: لا تخف، أنا الحيةُ البيضاء الذي أحييتني، والأسودُ الذي قتلته هو عبدٌ لنا تمرَّد علينا وقتل عدَّةً منَّا، وعرض عليه المال، فقال: لا حاجة لي به، ولكن إن كان لك بنتٌ فزوِّجْنيها. فزوَّجه ابنته فولدت له بلقيس(١). انتھی . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في ((العظمة)) وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجه: ((أحدُ أبوي بلقيس كان جنيّاً))(٢). والذي ينبغي أن يعوَّل عليه عدمُ صحة هذا الخبر. وفي ((البحر)): قد طوَّلوا في قصصها - يعني بلقيس - بما لم يثبت في القرآن ولا الحديث الصحيح (٣). وإنَّ ما ذكر من الحكايات أشبهُ شيءٍ بالخرافات، فإنَّ الظاهر - على تقدير وقوع التناكُح بين الإِنس والجنّ، الذي قيل: يُصْفَعُ السائلُ عنه لحماقته وجهله - أن لا يكون توالدٌ بينهما، وقد ذكر عن الحسن فيما رَوى ابن عساكر أنه قيل بحضرته: (١) تفسير الخازن ١٤٢/٥. (٢) تفسير الطبري ٨٣/١٨، والعظمة (١١١٣)، وتاريخ ابن عساكر ٦٧/٦٩، وهو فيه دون إسناد، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٠٥/٥، وقال المناوي في فيض القدير ١٨٦/١: وفيه سعيد بن بشر، قال في الميزان عن ابن معين: ضعيف، وعن ابن مسهر: لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث. ثم ساق من مناكيره هذا الخبر. (٣) البحر ٧/ ٦٧ . الآية : ٢٣ ٤١٧ سُورَةُ الفَصْلِ إنَّ ملكة سبأ أحدُ أبويها جنِّي، فقال: لا يتوالدون، أي: أن المرأة من الإنس لا تلد من الجنِّ، والمرأة من الجنِّ لا تلدُ من الإنس(١). نعم رُوي عن مالك ما يقتضي صحة ذلك؛ ففي ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم: روى أبو عثمان [سعيد بن العباس الرازي في كتاب ((الإلهام والوسوسة)) فقال: حدثنا مقاتل، حدثني] سعيد بن داود الزبيديُّ قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالكٍ يسألونه عن نكاح الجنِّ، وقالوا: إنَّ هاهنا رجلاً من الجنِّ زعم أنه يريد الحلال. فقال: ما أرى بأساً في الدِّين، ولكنْ أكره إذا وُجِدَتِ امرأةٌ حاملٌ قيل لها: مَن زوجُك؟ قالت: من الجنِّ، فيكثر الفساد في الإسلام بذلك(٢). انتهى، ولعله لم يثبت عن مالك لظهور ما يَردُ على تعليل الكراهة. ثم ليت شعري، إذا حملت الجنّةُ من الإنسيِّ، هل تبقى على لطافتها فلا تُرى والحملُ على كثافته فيُرى، أو يكونُ الحمل لطيفاً مثلها فلا يُرَيان، فإذا تمَّ أمره تكثف(٣) وظهر كسائر بني آدم، أو تكونُ متشكِّلةً بشَكْلِ نساءِ بني آدم ما دام الحملُ في بطنها، وهو فيه يتغذّى وينمو بما يصل إليه من غذائها؟ وكلٌّ من الشقوق لا يخلو عن استبعادٍ كما لا يخفى. وإيثارُ (وجدتُ)) على: رأيتُ، لِمَا أُشير إليه فيما سبق من الإيذان بكونه عند غيبته بصدد خدمته عليه السلام، بإبرازِ نفسه في معرض مَن يتفقَّد أحوالها ويتعرَّفُها: كأنها ◌ِلْبتُه وضالَّتُه، لِيَعْرِضَها على سليمان عليه السلام، وقيل: للإشعار بأنَّ ما ظفر به أمرٌ غيرُ معلوم أوَّلاً؛ لأن الوجدان بعد الفَقْدِ، وفيه رمزٌ بغرابة الحال. وضمير ((تملكهم)) لسبأ على أنه اسمٌ للحيِّ، أو لأهلها المدلولِ عليهم بذكر مدينتهم على أنها اسمٌ لها. وليس في الآية ما يدلُّ على جواز أن تكون المرأة ملكةً، ولا حجةً في عمل قومٍ كفرةٍ على مثل هذا المطلب؛ وفي ((صحيح البخاريِّ)) (١) تاريخ ابن عساكر ٦٧/٦٩. (٢) الأشباه والنظائر ص ٣٩٠، وذكره أيضاً الشبلي في أحكام الجان ص٩٧، وما سلف بين حاصرتین منهما . (٣) في الأصل: تكشف. سُورَةُ النَّسْلِ ٤١٨ الآية : ٢٣ من حديث أبي بكرة (١)، أنَّ النبيَّ وَِّ لمَّا بلغه أنَّ أهل فارس قد ملَّكوا بنتَ كسرى، قال: ((لن يُفْلِحَ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة)»(٢). ونقل عن محمد بن جرير (٣) أنه يجوز أن تكون المرأة قاضيةً، ولم يصحَّ عنه. وفي ((الأشباه)): لا ينبغي أن تولَّى القضاءَ وإن صحَّ منها بغير الحدود (٤) والقصاص(٤). وذكر أبو حيان أنه نُقل عن أبي حنيفة عليه الرحمةُ أنها تقضي فيما تَشْهَدُ فيه، لا على الإطلاق، ولا أَنْ يُكتَبَ لها منشورٌ بأنَّ فلانة مُقْدِمةٌ على الحكم وإنما ذلك على سبيل التحكيم لها(٥). ﴿وَأُوِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: من الأشياء التي تحتاجُ إليها الملوك، بقرينةٍ ((تملِكهُم))، وقد يقال: ليس الغرض إلا إفادةَ كثرة ما أوتيت. والجملةُ تحتمل أن تكون عطفاً على جملة ((تملكهم))، وأن تكون حالاً من ضمير ((تملكهم)) المرفوعِ، بتقدير (قد)) أو بدونه. ﴿وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ ﴾﴾ قال ابن عباس كما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر: أي: سريرٌ كريمٌ من ذهبٍ وقوائمه من جوهرٍ ولؤلؤ، حَسَنُ الصنعة غالي الثمن(٦). وروي عنه أيضاً أنه كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، وكان طولُه في السماء ثلاثين ذراعاً أيضاً. وقيل: كان طوله ثمانين في ثمانين، وارتفاعه ثمانين. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد: أنه سريرٌ من ذهبٍ، وصفحتاه مرضَّعتان بالياقوت والزَّبَرْجَد، طولُه ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً(٧). (١) في الأصل و(م) والبحر: ابن عباس، والتصويب من صحيح البخاري. (٢) صحيح البخاري (٤٤٢٥)، وهو عند أحمد (٢٠٤٣٨). (٣) كما في البحر ٦٧/٧، وعنه نقل المصنف. (٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٨٥. (٥) البحر ٧ / ٦٧ . (٦) تفسير الطبري ٤٠/١٨، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٦/٥. (٧) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٧. الآية : ٢٤ ٤١٩ سُؤَدَّةُ النَّصْلِ وقيل: كان من ذهب مكلّلاً بالدرِّ والياقوت الأحمر والزَّبَرْجَد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزُّمُرُّد، وعليه سبعةُ أبياتٍ على كلِّ بيتٍ بابٌ مغلقٌ. وقيل غيرُ ذلك، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. وبالجملة فالظاهرُ أن المراد بالعرش السرير، وقال أبو مسلم: المرادُ به المُلْكُ، ولا داعي إليه . واستعظامُ الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهدُه من مُلْكِ سليمان عليه السلام، إمّا بالنسبة إلى حالها، أو إلى عروش أمثالها من الملوك. وجوِّز أن يكون ذلك لأنه لم يكن لسليمان عليه السلام مثلُه وإن كان عظيم الملك، فإنه قد يوجدُ لبعض أمراء الأطراف شيءٌ لا يكون للمَلِكِ الذي هم تحت طاعته. وأيّاً ما كان فوصفُه بذلك بين يديه عليه السلام لِما ذُكر أوَّلاً من ترغيبه عليه السلام في الإصغاء إلى حديثه، وفيه توجيهٌ لعزيمته عليه السلام نحو تسخيرها، ولذلك عقبه بما يُوجبُ غزوَها من كُفْرِها وكُفْرٍ قومها، حيث قال: ﴿وَجَدَثُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى. قال الحسن كانوا مجوساً يعبدون الأنوار. وقيل: كانوا زنادقة. والظاهر أنَّ هذه الجملة استئنافُ كلام، وأنَّ الوقف على ((عظيم))، قال صاحب ((المرشد)): ولا يُؤْقَفُ على ((عرش))، وقد زعم بعضهم جوازَه، وقال: معناه: عظيم عند الناس. وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتم وغيرُه من المتقدِّمين، ونسبوا القائل به إلى الجهل. وقولُ مَن قال: معناه: عظيمٌ عبادتهم للشمس من دون الله تعالى، قولٌ رکیٌ لا يُعتَدُّ به، وليس في الكلام ما يدل عليه. وفي ((الكشاف)): من نَوْكَى القصَّاص مَن وقف على ((عرش)) يريد: عظيمٌ أنْ وجدتُها، فرَّ من استعظام الهدهدِ عرشَها، فوقع في عظيمةٍ وهي نسخُ كتاب الله تعالى(١). (١) الكشاف ١٤٤/٤، وفيه: مسخ، بدل: نسخ، وكذا نقل عنه السمين في الدر ٨/ ٥٩٧. وقال السمين: النوكى: الحمقى، جمع أحمق، وهذا الذي ذكره من أمر الوقف نقله الداني عن نافع وقرَّره، وأبو بكر بن الأنباري عن بعض أهل العلم، فلا ينبغي أن يقال: نوكى القصاص. سُوَّةُ النَّصْلِ ٤٢٠ الآية : ٢٥ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ التي هي عبادةُ الشمس، ونظائرُها من أصناف الكفر والمعاصي. والجملة تحتمل العطفَ على جملة ((يسجدون))، والحاليةَ من الضمير على نحو ما مرَّ آنفاً . ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ أي: الشيطان، وجوِّز كونُ الضمير للتزيين المفهوم من الفعل، أي: فصدَّهم تزيينُ الشيطان ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: سبيل الحقِّ والصوابِ ﴿فَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿لَا يَهْتَدُونَ (٨)﴾ إليه. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ أي: لئلا يسجدوا، واللامُ للتعليل، وهو متعلِّقٌ بـ ((صدَّهم) أو ((زين)). والفاء في ((فصدَّهم)) لا يلزم أن تكون سببيةً؛ لجواز كونها تفريعيةً أو تفصيلية. أي: فصدّهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله عز وجل، أو: زيّن لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له تعالی. وجوِّز أن تكون ((أن)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ وقع بدلاً من ((أعمالهم)) وما بينهما اعتراضٌ، كأنه قيل: وزيَّن لهم الشيطان عَدَمَ السجود لله تعالى. وتعقِّب بأنه ظاهرٌ في عدِّ عدم السجود من الأعمال، وهو بعيد. وجوِّز أن يكون ذلك بدلاً من السبيل، و((لا)) زائدة مثلها في قوله تعالى: ﴿إِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ [الحديد: ٢٩]، كأنه قيل: فصدَّهم عن السجود لله تعالى. وجوِّز أن يكون بتقدير ((إلى)) و((لا)) زائدة أيضاً، والجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ بـ ((يهتدون))، كأنه قيل: فهم لا يهتدون إلى السجود له عز وجل. وأنت تعلم أنَّ زيادة ((لا)) وإن وقعت في الفصيح خلافُ الظاهر. وجوِّز أن لا يكون هناك تقديرٌ، والمصدرُ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: دأبُهم عدمُ السجود. وقيل: التقدير: هي - أي: أعمالُهم - عدمُ السجود، وفيه ما مرَّ آنفاً. وقرأ ابن عباس وأبو جعفر والزهريُّ والسُّلميُّ والحسن وحميد والكسائيُّ: (أَلَا)) بالتخفيف(١)، على أنها للاستفتاح، و((يا)) حرفُ نداء، والمنادى محذوف، (١) التيسير ص ١٦٧-١٦٨، والنشر ٣٣٧/٢ عن الكسائي وأبي جعفر ورويس عن يعقوب، والكلام من البحر ٦٨/٧ .