Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٧
٣٨١
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
تُجْعَلْ صلةً فهي على أصلها فيما قيل. وأنت تعلم أنه لا يتسنَّى ذلك إلَّا إذا أُريد
الكلُّ المجموعيُّ، وهو كما ترى.
وفي ((البحر)): أنَّ قوله تعالى: (ُلِمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ) إشارةٌ إلى النبوّة، وقوله
سبحانه: ﴿وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ إشارةٌ إلى الملك، والجملتان كالشرح للميراث(١).
وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوَّةُ والملكُ، وتسخيرُ الجنِّ والإنس
والشياطين والريح.
وعن ابن عباس رضيًّا: هو ما يهمُّه عليه السلام من أمر الدنيا والآخرة. وقد
يقال: إنه ما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها .
﴿إِنَّ هَذَا﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من التعليم والإيتاء ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ﴾ والإحسانُ
من الله تعالى ﴿الْمُبِينُ ﴾﴾ الواضحُ الذي لا يَخْفَى على أحدٍ.
﴿الْمُبِينُ ﴾ أو: إنَّ هذا الفضلَ الذي أوتيتهُ لهو الفضلُ المبين، فيكون من
كلامه عليه السلام قطعاً، ذيَّل به ما تقدَّم منه ليدلَّ على أنه إنما قال ما قال على
سبيل الشكر، كما قال ◌َله: ((أنا سيدُ ولدِ آدَمَ ولا فَخْر))(٢) بالراء المهملة آخره
كما في الرواية المشهورة، أي: أقولُ هذا القول شكراً لا فخراً. ويقرُب من هذا
المعنى: ((ولا فخز)) بالزاي، كما في الرواية الغير المشهورة(٣).
﴿وَحُثِرَ لِسُلَيْمَنَ جُهُ﴾ أي: جُمِعَ له عساكرهُ من الأماكن المختلفة ﴿مِنَ الْجِنِّ
وَاْإِسِ وَالطَّيْرِ﴾ بيانٌ للجنود كما في ((البحر)) وغيره(٤). ولا يلزم من ذلك أن يكون
الجنودُ المحشورون له عليه السلام جميعَ الجنِّ وجميعَ الإنس وجميعَ الطير، إذ
يأبى ذلك - مع قَطْعِ النظر عن العقل - قصةٌ بلقيس الآتيةُ بعدُ، وكذا قصةٌ
الهدهد .
(١) البحر ٧/ ٥٩.
(٢) أخرجه أحمد (١٠٩٨٧)، والترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد
الخدري به، وهو عند مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة ربه دون قوله: ((ولا فخر)).
(٣) ذكرها ابن عربي في الباب العاشر من الفتوحات ١٣٤/١، ولم نقف عليها عند غيره.
(٤) البحر ٧/ ٦٠، والدر المصون ٥٨١/٨.

ـرَّةُ الفَصْل
٣٨٢
الآية : ١٧
ونُقل عن بعضهم أنه عليه السلام كان يأتيه من كلِّ صنفٍ من الطير واحدٌ، وهو
نصٌّ في أنَّ المحشور ليس جميعَ الطير.
ولا يكاد يصُّ إرادةُ الجميع في الجميع على ما ذكره الإمام في الآية أيضاً (١)،
وهو أنَّ المعنى أنه جعل الله تعالى كلَّ هذه الأصناف جنودَه لأنه وإن لم يستدع
الحضورَ والاجتماعَ في موضع واحدٍ بل يكفي فيه مجرَّد الانقيادِ والدخولِ في حيطة
تصرُّفه والاتِّباع له حيث كانوا؛ لإباء قصة بلقيس أيضاً عنه، فإنَّ المناسب الإخبارُ
بهذا الجعل بعد الإخبارِ بدخولها ومَن معها في حيطة تصرُّفه.
والظاهرُ أنَّ هذا الحشرَ ليس إلَّا جمعَ العساكر ليذهب بهم إلى محاربة مَن لم
يدخل في ربقة طاعته عليه السلام، وكونُه ليذهب بهم إلى مكة شكراً على ما وفّق له
من بناء بيت المقدس خلافُ الظاهر، لكنْ إذا صحَّ فيه خبرٌ قُبِلَ. وأنَّ المجموع من
الأنواع المذكورة ما يليقُ بشأنه وأُبَّهِهِ وعظمتِه سواءٌ جُعِلَتْ ((من)) بيانيةً أو تبعيضيةً.
وكونُه عليه السلام أحدَ المؤمنَيْنِ اللذينِ مَلَكا المعمورةَ بأسرها، إذا سلَّمنا
صحةَ الخبر الدالّ عليه وسلامته من المُعارِض وأنه نصٌّ في المطلوب، لا يستدعي
سوی دخولٍ سگّان المعمورة في عداد رعيته وحیطة ملکته. ولیس ذلك دفعيًّا، بل
هو إن صحَّ كان بحسب التدريج، وقد ذكر بعض المؤرِّخين أنَّ بلقيس إنما دخلت
تحت طاعته في السنة الخامسة والعشرين من ملكه، وكانت مدةُ ملكه عليه السلام
أربعين سنةً، وكذا كانت مدةُ ملكِ أبيه داود عليهما السلام.
والظاهرُ أنَّ الحاشر لكلِّ نوعٍ من الأنواع الثلاثة أشخاصٌ منهم، فيكون من كلِّ
نوعِ أشخاصٌ مأمورون بذلك معدُّون له، ولا تَسْتَبعد(٢) ذلك في الطير إذا كنت من
المؤمنين بقصة الهدهد.
ولا يلزمُك التزامُ ما قاله الإمام من أنَّ الله تعالى جعل للطير عقلاً في أيام
سليمان عليه السلام ولم يجعل لها ذلك في أيامنا (٣)، فما عليك بأسٌ إذا قلتَ بأنها
(١) ينظر تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٧.
(٢) في (م): تستعبد، وهو تصحيف.
(٣) تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٧.

الآية : ١٧
٣٨٣
سُورَةُ الْتَصْلِ
على حالةٍ واحدة اليومَ وذلك اليوم. ولا نعني بعقلها إلا ما تهتدي به لأغراضها،
ووجودُ ذلك اليومَ فيها وكذا في غيرها من سائر الحيوانات مما لا ينكره إلا مكابِرٌ.
وما علينا أن نقول: إنَّ عقولها من حيث هي كعقول الإنسان من حيث هي. ولعل
فيها مَن يهتدي إلى مالا يهتدي إليه الكثيرُ(١) من بني آدم، كالنحل، ولَعَمْري إنها لو
كانت خاليةً من العقل كما يقال وفرض وجود العقل فيها لا أظنُّ أنها تَصنعُ بعدَ
وجوده أحسنَ ممَّا تصنعُه اليوم وهي خاليةٌ منه.
ولا يجب أن يكون كلُّ عاقلٍ مكلَّفاً، فلتكن الطيورُ كسائر العقلاء الذين لم
يُبْعَثْ إليهم نبيٌّ يأمرهم وينهاهم، ويجوزُ أيضاً أن تكون عارفةً بربِّها مؤمنةً به جلَّ
وعلا من غير أن يبعث إليها نبيٌّ، كمَن ينشأ بشاهِقٍ جبلٍ وحده ويكون مؤمناً بربِّه
سبحانه، بل كونُها مؤمنةً بالله تعالى مسبحةً له وكذا سائرُ الحيوانات ممّا تشهدُ له
ظواهرُ الآيات والأخبار، وقد قدّمنا بعضاً من ذلك(٢)، وليس عندنا ما يجب له
التأويل.
وبالغ بعضهم فزعم أنها مكلَّفةٌ، وفيها وكذا في غيرها من الحيوانات أنبياءُ لهم
شرائعٌ خاصةٌ، واستَدلَّ عليه بما استَدلَّ، والمشهورُ إكفارُ مَن زعم ذلك. وقد نصَّ
على إكفاره جمعٌ من الفقهاء.
وتخصيصُ الأنواع الثلاثة بالذكر ظاهرٌ في أنه عليه السلام لم يسخّر له
الوحش، وفي خبرٍ أخرجه الحاكم عن محمد بن كعب ما هو ظاهرٌ في تسخيره له
عليه السلام أيضاً، وسنذكره قريباً إن شاء الله تعالى، لكنه لا يعوَّل عليه.
وتقديم الجنِّ للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه عليه السلام وعزَّةٍ سلطانه
من أول الأمر؛ لِمَا أنَّ الجنَّ طائفةٌ عاتيةٌ، وقبيلةٌ طاغيةٌ ماردةٌ بعيدةٌ من الحشر
والتسخير. ولم يقدَّم الطيرُ على الإنس مع أنَّ تسخيرها أشقُّ أيضاً وأدلُّ على قوة
الملك وعزَّةِ السلطان؛ لئلا يُفْصَلَ بين الجنِّ والإنس المتقابلَيْنِ والمشتركَيْنِ في كثير
من الأحكام.
(١) في الأصل: كثير.
(٢) ينظر ما سلف ٥٢٨/١٤ وما بعدها.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٨٤
الآية : ١٧
وقيل في تقديم الجنِّ: إنَّ مقام التسخير لا يخلو من تحقيرٍ، وهو مناسبٌ لهم.
وليس بشيءٍ لأنَّ التسخير للأنبياء عليهم السلام شرفٌ؛ لأنه في الحقيقة لله عزَّ وجلَّ
الذي سخّر كلَّ شيءٍ. وإذا اعتبر في نفسه فالتعليلُ بذلك غيرُ مناسبٍ للمقام،
ويكفي هذا في عدم قبوله.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يُحْبَسُ أوَّلُهم ليَلْحَقَ آخرُهم، فيكونوا مجتمعين
لا يتخلَّفُ منهم أحدٌ، وذلك للكثرة العظيمة. ويجوز أن يكون ذلك لترتيب
الصفوف كما هو المعتاد في العساكر، والأول أولى، وفيه مع الدلالة على الكثرة
والإشعارِ بكمال مسارعتهم إلى السير الدلالةُ على أنهم كانوا مَسُوسينَ غيرَ مهملين
لا يتأذَّى أحدٌ بهم.
وأصلُ الوَزْعِ: الكفُّ والمنع، ومنه قولُ عثمان رَظُهِ: ما يَزَعُ السلطانُ أكثرُ
مما يَزَعُ القرآن (١). وقولُ الحسن: لابدَّ للقاضي من وَزَعَةٍ. وقول الشاعر:
ومَن لمْ يَزَعْه لبُّه وحياؤه
فليس له من شيب فَوْدَيْهِ وازِعُ (٢)
وتخصيص حَبْسٍ أوائلهم بالذكر دون سَوْقٍ أواخرهم مع أنَّ التلاحُقَ يحصل
بذلك أيضاً؛ لأنَّ في ذلك شفقةً على الطائفتين، أمَّا الأوائلُ فمن جهةٍ أن يستريحوا
في الجملة بالوقوف عن السير، وأمَّا الأواخرُ فمن جهة أن لا يُجْهِدوا أنفسهم
بسرعة السير.
وقيل: إنَّ ذلك لِمَا أنَّ أواخرهم غيرُ قادرين على ما يقدر عليه أوائلُهم من
السير السريع، وأخرج الطبرانيُّ والطستيُّ في ((مسائله)) عن ابن عباس ظًا أنه
يُحبسُ أوَّلهم على آخرهم حتى تنامَ الطير(٣). والله تعالى أعلم بصحة الخبر.
والظاهر أنَّ هذا الوزعَ إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجوِّ.
(١) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٩٨٨/٣، وابن عبد البر في التمهيد ١١٨/١.
(٢) البيت لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي في رثاء الإمام الشافعي رحمه الله،
كما في تاريخ بغداد ٧١/٢، وتهذيب الكمال ٣٧٧/٢٤. قوله: فوديه، الفَوْد: ناحية الرأس.
القاموس (فود).
(٣) الدر المنثور ١٠٤/٥.

الآية : ١٧
٣٨٥
سِوَرَّةُ النَّصْلِ
والأخبارُ في قصته عليه السلام كثيرة؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن
جبير قال: كان يوضعُ لسليمان ثلاثُ مئة ألفِ كرسيٍّ، فيجلس مؤمني الإنس
مما يليه ومؤمني الجن من ورائهم، ثم يأمر الطير فتظلُّه، ثم يأمر الريح فتحملُه،
فيمرُّون على السنبلة فلا يحركونها(١).
وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بَلَغَنا أنَّ سليمان عليه السلام كان
معسكره مئةً فرسخ: خمسةٌ وعشرون للإنس، وخمسةٌ وعشرون للجنِّ، وخمسةٌ
وعشرون للوحش، وخمسةٌ وعشرون للطير، وكان له ألفُ بيتٍ من قوارير على
الخشب فيها ثلاث مئةِ منكوحةٍ وسبع مئة سُرِّيةٍ، فيأمر الريح العاصف فترفعهُ، ثم
يأمر الرُّخاءَ فتسير به، وأوحى الله عز وجل إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إنِّي
قد زدتُك في ملكك أنه لا يتكلّم أحدٌ من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح إليك،
وألقته في سمعك(٢).
ويُروى أنَّ الجنَّ نَسَجَتْ له عليه السلام بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في
فرسخ، ومنبرُه في وسطه من ذهب، فيصعد عليه وحوله ستُّ مئة ألف كرسيٍّ من
ذهب وفضةٍ فتقعد الأنبياءُ عليهم السلام على كراسيِّ الذهب، والعلماءُ على كراسيٍّ
الفضة، وحولَهم الناسُ، وحول الناس الجنُّ والشياطين، وتُظِلُّه الطير بأجنحتها،
وترفعُ ريحُ الصبا البساطَ فتسير به مسيرة شهر(٣).
وأخرج عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) وابنُ المنذر عن وهب بن منبه
قال: مرَّ سليمانُ عليه السلام وهو في ملكه وقد حملته الريح على رجلٍ حرَّاثٍ من
بني إسرائيل، فلمَّا رآه قال: سبحان الله! لقد أُوتِيَ آل داود ملكاً. فحملتها الريحُ
فوضعتها في أذنه فقال: ائتوني بالرجل، قال: ماذا قلت؟ فأخبره، فقال سليمان:
إني خشيتُ عليك الفتنة، لَثَوَابُ ((سبحان الله)) عند الله يومَ القيامةِ أعظمُ ممَّا رأيتَ
آلَ داود أُوتوا. فقال الحرَّاث: أَذْهَب الله تعالى همَّك كما أذهبت همِّي.
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٥٥).
(٢) المستدرك ٥٨٩/٢ .
(٣) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٢٩٦ عن مقاتل، وفيه: ثلاثة آلاف كرسي، بدل:
ست مئة ألف كرسي.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٨٦
الآية : ١٨
وفي بعض الروايات أنه عليه السلام نزل ومشى إلى الحرَّاث وقال: إنما مشيتُ.
إليك لئلا تتمنَّى ما لا تقدرُ عليه، ثم قال: لتسبيحةٌ واحدةٌ يقبلها الله تعالى خيرٌ
مما أُوتِي آل داود(١).
وأكثرُ الأخبار في هذا الشأن لا يعوَّلُ عليها، فعليك بالإيمان بما نطق به القرآن
ودلَّت عليه الأخبار الصحيحة، وإياك من الانتصار لِمَا لا صحةً له مما يذكرہ کثیرٌ
من القُصَّاص والمؤرِّخين، مما فيه مبالغاتٌ شنيعةٌ بمجرَّدٍ أنها أمورٌ ممكنةٌ يصحُ
تعلُّق قدرته عزَّ وجلَّ بها، فتفتح بذلك بابَ السخرية بالدين والعياذُ بالله تعالى.
ولا يَبِعُدُ أن يكون أكثر ما تضمَّن مثلُ ذلك من وضع الزنادقة يريدون به التنفير عن
دين الإسلام.
﴿حََّ إِذَا أَوْ عَلَى وَارِ اٌلَّمْلِ﴾ ((حتى)) هي التي يبتدأ بها الكلام، ومع ذلك هي
غايةٌ لِمَا قبلها، وهي ها هنا غايةٌ لِمَا يُنْبِئُ عنه قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) من السير،
كأنه قيل: فساروا حتى إذا أتوا .. إلخ.
ووادي النمل وادٍ بأرض الشام كثيرُ النمل، على ما روي عن قتادة ومقاتل.
وقال كعب: هو وادي السدير من أرض الطائف.
وقيل: وادٍ بأقصى اليمن، وهو معروفٌ عند العرب مذكورٌ في أشعارها .
وقيل: هو وادٍ تسكنُه الجنُّ، والنملُ مراكبُهم. وهذا عندي مما لا يُلتفت إليه.
وتعديةُ الفعل إليه بكلمة ((على)) مع أنه يتعدّى بنفسه أو بـ ((إلى)؛ إمَّا لأنَّ إتيانهم
كان من جانبٍ عالٍ، فعدِّي بها للدلالة على ذلك، كما قال المتنبي:
ولشدَّ ما جاوَزْتَ قَدْرَكَ صاعداً ولَشْدَّ ما قَرُبَتْ عليك الأنجمُ (٢)
لمَّا كان قربُ الأنجم - وإن أراد بها أبياتَ شعره - من فوق. وإمَّا لأنَّ المراد
بالإتيان عليه قَطْعُه وبلوغُ آخره، من قولهم: أتى على الشيء، إذا أنفده (٣) وبلغ
(١) الزهد ص٥١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٣/٥، ولفظ الرواية الأولى موافق
لما في الدر، ولفظ الثانية موافق لما في الزهد.
(٢) ديوان المتنبي ٢٥٩/٤.
(٣) بالدال المهملة، بمعنى: أفناه، ومنه: ((لَنَفَد البحر)). حاشية الشهاب ٣٩/٧.

الآية : ١٨
٣٨٧
سُؤَدَّةُ النَّهِ
آخره. ثم الإتيانُ عليه بمعنى قَطْعِه مجازٌ عن إرادة ذلك، وإلّا لم يكن للتحذير من
الحَظْمِ الآتي وجهٌ؛ إذ لا معنى له بعد قَطْعِ الوادي الذي فيه النملُ ومُجاوَزَتِهِ.
والظاهرُ على الوجهين أنهم أتوا عليه مشاةً، ويحتملُ أنهم كانوا يسيرون في
الهواء فأرادوا أن ينزلوا هناك فأحسَّت النملة بنزولهم فأنذرت النمل.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ جوابُ ((إذا))، والظاهر أنها صوَّتَتْ بما فهم سليمانُ عليه السلام منه
معنى: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُدُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
وهذا كما يفهم عليه السلام من أصوات الطير ما يفهم، ولا يقدح في ذلك أنه عليه
السلام لم يعلم إلَّا منطق الطير؛ إمَّا لأنها كانت من الطير ذات جناحين كما أخرج
ابنُ أبي حاتم عن الشعبيِّ، وهو وعبدُ الرزاق وعبدُ بن حميد وابنُ المنذر عن
قتادة(١). وكم رأينا نملةً لها جناحان تطيرُ بهما، وكونُ ذلك لا يقتضي عدَّها من الطير
محلٌّ نظرٍ. وإمّا لأنَّ فَهْمَ ما ذكر وقع له عليه السلام هذه المرةَ فقط، ولم يطَّردٍ كَفَهْم
أصوات الطير. وليس في الآية السابقة ولا في الأخبار ما ينفي فَهْمَ ما يقصدُه غيرُ
الطير من الحيوانات بدون اطراد.
وقال ابن بحر: إنها نطقتْ بذلك معجزةً لسليمان عليه السلام كما نطق الضبُّ
والذِّراع لرسول الله وَلِ(٢) .
قال مقاتل: وقد سمع عليه السلام قولَها من ثلاثة أميالٍ. ويلزمُ على هذا أنها
أحسَّتْ بنزولهم من هذه المسافة، والسمعُ من سليمان منها غيرُ بعيدٍ؛ لأنَّ الريح
كما جاء في الآثار تُؤْصِلُ الصوت إليه، أو لأنَّ الله تعالى وهبه إذ ذاك قوةً قدسيةً
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٩/٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥، وعزاه لعبد بن حميد وابن
المنذر السيوطي في الدره/ ١٠٤.
(٢) حديث الضب أخرجه مطولاً الطبراني في الأوسط (٥٩٩٦)، والبيهقي في الدلائل ٣٦/٦-
٣٨ من حديث عمر ظله. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٤/٨: رواه الطبراني في
الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن علي بن الوليد، قال البيهقي: والحمل في هذا
الحديث عليه. اهـ. وقال الذهبي في الميزان ٣/ ٦٥١: صدق والله البيهقي فإنّه خبر بالحل.
وقال ابن دحية كما في تخريج أحاديث الشفا ص ١٣٠ للسيوطي: حديث الضب موضوع.
وقد سلف ١/ ١٠٠، و١٦٦/٧.
وحديث تكليم الذراع له قد سلف ١٢٩/١٨.

سُورَةُ النَّهِ
٣٨٨
الآية : ١٨
سمع بها، إلا أنَّ إحساس النملة من تلك المسافة بعيدٌ، والمشهورُ عند العرب
بالإحساس من بعيد القراد، حتى ضربوا به المثل(١). وأنت تعلم أنه لا ضَرَرَ في
إنكار صحة هذا الخبر.
وقيل: إنه عليه السلام لم يسمع صوتاً أصلاً، وإنما فهم ما في نفس النملة
إلهاماً من الله تعالى. وقال الكلبي: أخبره مَلَكٌ بذلك. وإلى أنه لم يسمع صوتاً
يشيرُ قول جرير:
عِلْمَ سليمان كلامَ النمل(٢)
لو كنتُ أوتيتُ كلامَ الحُكْلِ
فإذا أراد بالحُكْل مالا يُسمَعُ صوته.
وقال بعضهم: كأنها لمَّا رأتهم متوجِّهين إلى الوادي فرَّتْ عنهم مخافةً
حَظْمِهم، فتبعها غيرُها وصاحتْ صيحةً تنبَّهتْ بها ما بحضرتها من النمل فتبعتها،
فشبّه ذلك بمخاطبة العقلاء ومُناصَحتِهم، ولذلك أُجْرُوا مجراهم، حيث جُعِلتْ هي
قائلةً وما عَدَاها من النمل مقولاً له، فيكون الكلام خارجاً مخرج الاستعارة
التمثيلية، ويجوزُ أن يكون فيه استعارةٌ مكنيةٌ.
وأنت تعلمُ أنه لا ضرورةَ تدعو إلى ذلك. ومَن تَبَّع أحوال النمل لا يستبعدُ أن
تكون له نفسٌ ناطقةٌ؛ فإنه يدّخر في الصيف ما يقتاتُ به في الشتاء، ويشقُّ ما يدَّخره
من الحبوب نصفين مخافةً أن يصيبه الندى فينبتَ، إلَّا الكزبرةَ والعدسَ فإنه يقطع
الواحدة منهما أربع قِطَع ولا يكتفي بشقِّها نصفين؛ لأنها تنبتُ كما تنبت إذا لم
تُشْقَّ. وهذا وأمثالهُ يحتاج إلى علم كلِّيٍّ استدلاليٍّ، وهو يحتاج إلى نفسٍٍ ناطقةٍ.
وقد برهن شيخُ الأشراف على ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات، وظواهرُ
(١) حيث قالوا: أسمع من قراد، وذلك أنه يسمع وطء أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها .
حياة الحيوان (قرد).
(٢) لم نقف عليه لجرير، وعزاه ابن قتيبة في المعاني الكبير ٦٣٦/٢، والجاحظ في الحيوان
٨/٤، والأزهري في تهذيب اللغة ٤/ ١٠٠-١٠١ لرؤبة، وهو في ديوانه ص١٣١. وقال
ابن بري كما في اللسان (حکل): الرجز للعجاج. ورواية الديوان وتهذيب اللغة واللسان:
لو أنني أُعطيت عِلْمَ الحُكْل، وفي المعاني: لو كنت علِّمتُ كلام الحكل. وقال ابن
بري: صوابه: أو كنت. وجاء بينهما في الديوان: علمت منه مُسْتَسِرَّ الدَّخْلِ. وهو في
البحر ٧/ ٦٠ بلفظ المصنف دون نسبة.

الآية : ١٨
٣٨٩
سُورَةُ النَّصْلِ
الآيات والأخبارُ الصحيحة تقتضيه كما سمعتَ قديماً وحديثاً، فلا حاجة بك إلى
أن تقول: يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق في النملة إذ ذاك النطق وفيما عَدَاها
من النمل العقلَ والفَهْمَ، وأما اليومَ فليس في النمل ذلك.
ثم إنه ينبغي أن يُعلم أنَّ الظاهر أنَّ علم النملة بأنَّ الآتيَ هو سليمانُ عليه
السلام وجنودهُ كان عن إلهامٍ منه عزَّ وجلَّ، وذلك كعلم الضبِّ برسول الله وَّ حين
تكلّم معه وشهد برسالته عليه الصلاة والسلام. والظاهرُ أيضاً أنها كانت كسائر
النمل في الجثة، وفيه اليومَ ما يقربُ من الذبابة، ويسمَّى بالنمل الفارسي. وبالغَ
بعضُ القصَّاص في کبرها، ولا يصحُّ له مستند.
وفي بعض الآثار أنها كانت عرجاء، واسمُها: طاخية، وقيل: جُرْمَى. وفي
((البحر)): اختلف في اسمها العَلَم، ما لَفْظُه؟ وليتَ شعري مَن الذي وضع لها لفظاً
يخصُّها، أبنوا آدم أم النمل(١)؟! انتهى.
والذي يذهب إلى أنَّ للحيوانات نفوساً ناطقةً لا يمنع أن تكون لها أسماءٌ
وَضَعها بعضُها لبعضٍ، لكنْ لا بألفاظِ كألفاظنا بل بأصواتٍ تؤدَّى على نحوٍ
مخصوصٍٍ من الأداء، ولعله يشتملُ على أمورٍ مختلفةٍ كلٌّ منها يقومُ مقام حرفٍ من
الحروف المألوفة لنا، إذا أراد أن يُتْرجِم عنها مَن عَرَفَها مِن ذوي النفوس القدسية
تَرْجَمها بما نعرفُ، ويقرِّبُ هذا لك أنَّ بعض كلام الإفرنج وأشباههم لا نسمعُ منه
إلا كما نسمع من أصوات العصافير ونحوها، وإذا تُرجم لنا بما نعرفُه ظهر مشتملاً
على الحروف المألوفة.
والظاهرُ أنَّ تاء ((نملة)) للوحدة، فتأنيث الفعل لمراعاة ظاهر التأنيث، فلا دليل
في ذلك على أنَّ النملة كانت أنثى؛ قاله بعضهم.
وعن قتادة أنه دخل الكوفةً فالتفَّ عليه الناس، فقال: سَلُوا عما شئتم. وكان
أبو حنيفةً رَظُبهِ حاضراً وهو غلامٌ حَدَثٌ، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت
ذكراً أم أنثى؟ فسألوه فأُفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين
عرفتَ؟ فقال: من كتاب الله تعالى، وهو قوله تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ) ولو كان ذكراً
لقال سبحانه: قال نملة، وذلك أنَّ النملة مثلُ الحمامة والشاة في وقوعها على
(١) البحر ٧ / ٦١ .

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٩٠
الآية : ١٨
الذكر والأنثى، فيميَّز بينهما بعلامةٍ، نحو قولهم: حمامةٌ ذَكَر وحمامةٌ أنثى، وهو
وهي، كذا في ((الكشاف))(١).
وتعقّبه ابن المنير فقال: لا أدري العجبُ منه أم من أبي حنيفة إن ثَبَتَ ذلك
عنه، وذلك أنَّ النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر وعلى الأنثى لأنه اسم
جنس، فيقال: نملةٌ ذكرٌ ونملةٌ أنثى، كما يقولون: حمامةٌ ذكرٌ وحمامةٌ أنثى، وشاةٌ
ذكرٌ وشاةٌ أنثى، فلفظُها مؤنَّثٌ ومعناها محتمِلٌ، فيمكن أن تؤنَّث لأَجلِ لفظها وإن
كانت واقعةً على ذَكَرٍ، بل هذا هو الفصيح المستعمل، ألا ترى قوله وَالآتى:
((لا يضخّى بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء))(٢) كيف أخرج عليه الصلاة والسلام هذه
الصفات على اللفظ مؤنَّثَةً، ولا يعني وَّهِ الإناث من الأنعام خاصةً، فحينئذ قولُه
تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةُ) رُوعيَ فيه تأنيثُ اللفظ، وأمَّا المعنى فيحتمل التذكير والتأنيثَ
على حدٍّ سواء. وكيف يَسأل أبو حنيفةً رَّهِ بهذا ويفحِمُ به قتادةَ مع غزارة عِلْمِهِ،
والأشبهُ أنَّ ذلك لا يصحُّ عنهما(٣). اهـ.
وقال ابن الحاجب عليه الرحمة: التأنيثُ اللفظيُّ هو أن لا يكون بإزائه ذَكرٌ في
الحيوان كظلمة وعين، ولا فرق بين أن يكون حيواناً أو غيره كدجاجة وحمامة إذا قُصِدَ
به مذكَّرٌ فإنه مؤنَّثٌ لفظيٌّ، ولذلك كان قولُ مَن زعم أنَّ النملة في قوله تعالى: (قَالَتْ
نَمْلَةٌ) أنثى لورود تاء التأنيث في ((قالت)) وهماً؛ لجوازٍ أن يكون مذكَّراً في الحقيقة،
وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنَّث اللفظيِّ، نحو: جاءت الظلمة.
وأجاب بعض فضلاء ما وراء النهر وقال: لعمري إنه قد تعسَّفَ ها هنا ابنُ
الحاجب وترك الواجب، حيث اعترض على إمام أهل الإسلام، واعتراضُه بقوله:
وورود تاء التأنيث كورودها .. إلخ، ليس بشيءٍ؛ إذ لو كان جائزاً أن يؤتى بتاء
التأنيث في الفعل لمجرَّد صورة التأنيث في الفاعل المذكَّر الحقيقيِّ لكان ينبغي
جوازُ أن يقال: جاءتني طلحةٌ، مع أنه لا يجوز.
(١) ٣/ ١٤١ -١٤٢.
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٩٧) بنحوه من حديث البراء بن عازب ظه، وقال: حديث حسن
صحیح.
(٣) الانتصاف ١٤١/٣ دون قوله: وكيف يسأل أبو حنيفة ... إلخ.

الآية : ١٨
٣٩١
سُورَةُ النَّهُلِّ
وجوابهُ عن ذلك في شرحه بقوله: وليس ذلك كتأنيث أسماء الأعلام؛ فإنها
لا يعتبر فيها إلا المعنى دون اللفظ خلافاً للكوفيين، والسُّ فيه هو أنهم نقلوها عن
معانيها إلى مدلولٍ آخر فاعتبروا فيها المدلول الثاني، ولو اعتبروا تأنيثها لكان
اعتباراً للمدلول الأول فيفسد المعنى، فلذلك لا يقال: أعجبتني طلحةُ = تناقُضٌ
محضّ، كأنَّه نسي ما أمضى في صدر كتابه من قوله: فإن سمِّي به مذكَّرٌ فشرطُه
الزيادةُ، يعني فإنْ سمِّي بالمؤنَّث المعنويِّ فشرطُه الزيادة على ثلاثة أحرفٍ،
فلا يخفى على مَن له أدنى مسكٍ أنَّ عقرب مع أنَّ علامةَ التأنيث فيه مقدَّرةٌ، العَلَميةُ
لا تمنعها عن اعتبار تأنيثها حتى تمنع من الصرف، فكيف تمنع العَلَمية عن اعتبار
التأنيث في طلحة مع أنَّ علامة التأنيث فيه لفظية، فإذن ليس طرحُ التاء عن الفعل
إلا لأنَّ التاء إنما يُجاء بها علامةً لتأنيث الفاعل، والفاعل ها هنا مذكَّرٌ حقيقيٍّ،
فكذا النملةُ لو كان مذكَّراً لكان هو مع طلحة حَذْوَ القذةِ بالقذة.
وينصر قول أبي حنيفة ظله ما نقل عن ابن السكيت: هذا بطةٌ ذَكَر، وهذا
حمامة ذَكَر، وهذا شاة: إذا عَنَّيْتَ كبشاً، وهذا بقرة: إذا عنيت ثوراً، فإنْ عنيتَ به
أنثى قلت: هذه بقرة(١). اهـ. وارتضاه الطيبيُّ، ثم قال: فظهر أنَّ القول ما قالت
حَذَامٍ، والمذهب ما سلكه الإمام.
وفي ((الكشف)): إنَّ التاء في ((نملة)) للوحدة، فهي في حكم المؤنَّث اللفظيِّ
جاز أن تعامل معاملته كتمر وتمرة، على ما نصَّ عليه في ((المفضَّل))(٢). ولا يُشْكِلُ
بنحو طلحة حيث لم يجز إلحاق فعله التاءً لأنَّ أسماء الأعلام يُعتبر فيها المعنى
دون اللفظ، خلافاً للكوفيين، إلى آخر ما ذكره ابن الحاجب، ولا نقض باعتبار
التأنيث في عقرب إن سمِّي به مذكّرٌ، ولا في طلحة نفسِه باعتبار منع الصرف على
ما ظنَّه بعضُ فضلاء ما وراء النهر.
وصوَّبه شيخنا الطيبيُّ لأنَّ اعتبار المعنى هو فيما يرجع إلى المعنى لا فيما يرجع
إلى اللفظ، وإلحاق العلامةِ باعتبار الفاعل إمَّا للتأنيث الحقيقيّ وإما لشَبهِ التأنيث
من الوحدة أو الجمعية ونحوها، فإذا لم يبق المعنى أعني التأنيثَ وشبهَ التأنيث
فلا وجه للإلحاق. وأما منعُ الصرف فلا نظر فيه إلى معنى التأنيث، بل إلى هذه
(١) إصلاح المنطق ص٣٩٦.
(٢) شرح المفصل ٧١/٥.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٩٢
الآية : ١٨
الزيادة لفظاً أو تقديراً، وذلك غيرُ مختلفٍ في المنقول والمنقولِ عنه، وكفاك دليلاً
لاعتبار اللفظ وحده في هذا الحكم تَفْرِقتُهم في ((سقر)) بين تسمية المذكَّر به
والمؤنث، دون عقرب، فلو تأمَّل المناقضُ لكان ما أورده عليه لا له، هذا وإن
الإمام ◌َُّه كوفيٍّ، والقاعدة على أصله مهدومةٌ. انتهى، وهو كلام متين.
والحزمُ القولُ بعدم صحة هذه الحكاية، فأبو حنيفةَ رَظُهُ مَن عرفْتَ وإن كان إذ
ذاك غلاماً حَدَثاً، وقتادةٌ بن دعامةَ السدوسيُّ بإجماع العارفين بالرجال كان بصيراً
بالعربية، فيبعُدُ كلَّ البعد وقوعُ ما ذكر منهما، والله تعالى أعلم.
والحَظْمُ: الكسر، والمراد به الإهلاك. والنهيُ في الظاهر لسليمان عليه السلامُ
وجنودِه، وهو في الحقيقة نهيٌ على طريق الكناية للنمل عن التوقّف حتى تُحطم؛
لأن الحطم غيرُ مقدورٍ لها، نحو قولك: لا أرينَّك هاهنا، فإنه في الظاهر نهيٌّ
للمتكلِّم عن رؤية المخاطب، والمقصودُ نهيُّ المخاطَبِ عن الكون بحيث يراه
المتكلِّم، فالجملة استئنافٌ، أو بدلُ اشتمالٍ من جملة ((ادخلوا مساكنكم)). وقول
بعضهم: إذا كان المعنى النهيَ عن التوقُّف حتى تُحطّم يحصلُ الاتِّحاد بين
الجملتين. يقتضي أنه بدلُ كلِّ من كلٍّ؛ بناءً على أنَّ الأمر بالشيء عينُ النهي عن
ضدِّه، وعلى ما ذكر لا حاجة إليه. وبالجملة اعتراضُ أبي حيان(١) على وجه
الإبدال باختلافِ مدلولَي الجملتين ليس في محلٌّه.
وجوَّز الزمخشريُّ كون ((لا يحطمنكم)) جواباً للأمر(٢). أعني: ((ادخلوا))،
و ((لا)) حينئذٍ نافيةٌ.
وتعقّب بأنَّ دخول النون في جواب الشرط مخصوصٌ بضرورةِ الشعر، كقوله:
فمهما(٣) تَشَأُ منه فزارة تُعْطِه ومهما تَشَأُ منه فزارة تَمنها (٤)
(١) في البحر ٧/ ٦٢.
(٢) الكشاف ٣/ ١٤٢.
(٣) في الأصل و(م): مهما، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) نسبه سيبويه في الكتاب ٥١٥/٣، وابن عصفور في الضرائر ص ٣٠ لابن الخَرِع، وهو
عوف بن عطية بن الخرع، وقال البغدادي في الخزانة ٣٩٨/١١: والبيت غير موجود في
ديوان ابن الخرع، وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة. اهـ. وهو دون نسبة في معاني
=

الآية : ١٨
٣٩٣
سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
وفي ((الكتاب)): وهو قليل في الشعر شبّهوه بالنهي حيث كان مجزوماً غير
واجب(١).
وأرادت النملة على ما في ((الكشاف)): لا يحطمنَّكم جنودُ سليمان، فجاءت
بما هو أبلغ، ونحوُه قولُه:
عجبتُ من نفسي ومن إشفاقها(٢)
حيث أراد: عجبتُ من إشفاق نفسي، فجاء بما هو أبلغ للإجمال والتفصيل.
وتعقّب ذلك في ((البحر)) بأنَّ فيه القولَ بزيادة الأسماء، وهي لا تجوز، بل
الظاهرُ إسنادُ الحَظْمِ إليه عليه السلام وإلى جنوده، والكلامُ على حذف مضافٍ،
أي: خَيْل سليمان وجنوده، أو نحو ذلك مما يصحُّ تقديره(٣). وللبحث فيه مجالٌ.
وجملة ((وهم لا يشعرون) حالٌ من مجموع المتعاطفين والضميرُ لهما. وجوِّز
أن تكون حالاً من الجنود والضميرُ لهم. وأيَّاما كان ففي تقييد الحطم بعدم الشعور
بمكانهم، المشعِرِ بأنه لو شعروا بذلك لم يحطموا، ما يُشْعِرُ بغايةٍ أدب النملة مع
سليمان عليه السلام وجنودِهِ، وليت مَن طعن في أصحاب النبيِّ وَّهِ ورضي الله
عنهم تأسَّى بها فكفَّ عن ذلك وأَحْسَنَ الأدب.
ورُوي أن سليمان عليه السلامِ لمَّا سمع قول النملة: ((يا أيها النمل)) إلخ قال:
ائتوني بها. فأتوا بها فقال: لمَ حذَّرْتِ النملَ ظلمي؟ أما عَلِمْتِ أني نبيّ عدل، فلمَ
قلتٍ: لا يَحْطِمِنَّكم سليمان وجنودُه. فقالت: أمَا سمعتَ قولي: وهم لا يشعرون،
= القرآن للفراء ١٦٢/١، والبحر ٦٢/٧، والدر المصون ٥٨٧/٨ دون نسبة، وروايته في
المصادر عدا البحر: تعطكم، بدل: تعطه. وقال أبو حيان: وإذا لم يجز ذلك في جواب
الشرط إلا في الشعر فأحرى أن لا يجوز في جواب الأمر إلا في الشعر، وكونه في جواب
الأمر متنازع فيه على ما قرِّر في النحو.
(١) الكتاب ٣/ ٥١٥، والبحر ٧/ ٦٢ .
(٢) الكشاف ١٤٢/٣، وبعده: ومن طِرادي الطير عن أرزاقها. والرجز لأبي البلاد خليفة بن
بلاد كما في أنساب الأشراف ٤٩٢/١١، وفي غريب الحديث لابن قتيبة ٦٦/١-٦٧: هو
لأعرابي كان يطرد الطير عن زرعه في سنة جَذْبٍ.
(٣) البحر ٧/ ٦٢.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٩٤
الآية : ١٨
ومع ذلك إني لمْ أُرِدْ حَظْمَ النفوس وإنما أردتُ حَظْمَ القلوب، خشيتُ أن يروا
ما أنعم الله تعالى به عليك من الجاه والملك العظيم فيقعوا في كفران النعم،
فلا أقلّ من أن يشتغلوا بالنظر إليك عن التسبيح. فقال لها سليمان: عِظيني،
فقالت: أعلمتَ لمَ سمِّي أبوك داود؟ قال: لا. قالت: لأنه داوى جراحة قلبه،
وهل تدري لمَ سُميِّتَ سليمان؟ قال: لا. قالت: لأنك سليمُ القلب والصدر. ثم
قالت: أتدري لمَ سخّر الله تعالى لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك الله تعالى
بذلك أنَّ الدنيا كلَّها ريحٌ، فَمَنْ اعتمد عليها فكأنما اعتمد على الريح.
وهذا ظاهرُ الوضع كما لا يخفى، وفيه ما يُشْبِهُ كلام الصوفية.
والله تعالى أعلمُ بصحّةٍ ما روي من أنها أهدتْ إليه نَبْقةً(١)، وأنه عليه السلام
دعا للنمل بالبركة.
وجوِّز أن تكون جملة ((هم لا يشعرون)) في موضع الحال من النملة، والضميرُ
للجنود كالضمائر السابقة في قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) وقوله سبحانه: (حَتَّ إِذَا أَنَوْأ)،
وهي من كلامه تعالى، أي: قالت ذلك في حال كون الجنود لا يشعرون به. وليس
بشيءٍ.
وقد يَقْرُبُ منه ما قيل: إنه يجوز أن تكون الجملة معطوفة على مقدَّرٍ، وهي من
كلامه عزَّ وجلَّ كأنّه قيل: فَهمَ سليمانُ ما قالت والجنودُ لا يشعرون بذلك.
وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان وأبو سليمان(٢) التيمي: ((نَمُلةٌ)) بضم
الميم كسَمُرة. وكذلك ((الثَّمُل))، كالرَّجْل والرَّجُل لغتان، وعن سليمان(٣) التيمي:
(١) النبقة: مفرد النَّبْق، وهو حمل السِّدْر، وأشبه شيء به العنَّاب قبل أن تشتد حمرته، ونبق
هجر بأرض العرب هو أشد نبقٍ يعلم حلاوةً، وأطيبه رائحة، ويفوِّح فم آكله وثياب مُلابسه
كما يفوح العطر. معجم متن اللغة (نبق).
(٢) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٧/ ٦١، وفي المحتسب ١٣٧/٢، وتفسير القرطبي
١١٩/١٦: سليمان التيمي، بدل: أبو سليمان، وهو الصواب، ويؤيده أن في المحرر
الوجيز ٤/ ٢٥٤: وقرأ المعتمر بن سليمان عن أبيه. وذكرها ابن خالويه في القراءات
الشاذة ص١٠٨ عن المفضل وطلحة والمعتمر بن سليمان.
(٣) في الأصل و(م): وعن أبي سليمان، والمثبت من المحتسب ١٣٧/٢، والمحرر الوجيز
٤/ ٢٥٤، وتفسير القرطبي ١٦/ ١٢٠، والبحر ٧/ ٦١، والكلام منه.

الآية : ١٩
٣٩٥
سُورَةُ النَّصِ
(نُمُلة)) و(نُمُل)) بضم النون والميم.
وقرأ شهر بن حوشب: ((مَسْكَنَكم)) على الإفراد (١).
وعن أبيٍّ: ((ادْخُلْنَ مساكنكنَّ لا يَحطِمُنْكِنَّ)) مخفَّةَ النون التي قبل الكاف(٢).
وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى بن عمر الهمدانيُّ الكوفيُّ ونوح القاضي
بضم الياء وفتح الحاء وشدِّ الطاء والنون مضارع حطّم مشدّداً(٣).
وعن الحسن بفتح الياء وإسكان الحاء وشدِّ الطاء، وعنه كذلك مع كَسْرِ الحاء،
وأصله يحتطمنَّكم من الاحتطام(٤).
وقرأ ابن أبي إسحاق وطلحةُ ويعقوبُ وأبو عمرو في روايةٍ عبيدٍ كقراءة
الجمهور إلا أنهم سّنوا نون التأكيد(٥).
وقرأ الأعمش بحذف النون وجزم الميم(٦). ولا خلافَ على هذه القراءة في
جواز أن يكون الفعلُ مجزوماً في جواب الأمر.
﴿فَسَّمَ ضَاحِكًا مِّنْ قَوْلِهَا﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم، فلا حاجةً إلى تقدير معطوفٍ
عليه، أي: فسمعها فتبسَّم، وِجَعْلِ الفاء فصيحةً كما قيل. ولعله عليه السلام
إنما تبسَّم من ذلك سروراً بما أُلْهِمَتْ من حُسْنِ حاله وحالٍ جنوده في باب التقوى
والشفقة، وابتهاجاً بما خصَّه الله تعالى به من إدراك ما هو همسٌ بالنسبة إلى البشر،
وفَهْمِ مُرادِها منه.
(١) القراءات الشاذة ص١٠٨، والمحرر الوجيز ٢٥٤/٤، والبحر ٧ / ٦١ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٤/٤، والبحر ٧ / ٦١ .
(٣) أي: ((يُحَطِّمَنَّكم))، والكلام من البحر ٦١/٧، وهي في المحرر الوجيز ٢٥٤/٤ عن الحسن
وأبي رجاء.
(٤) البحر ٧/ ٦١، والدر المصون ٥٨٩/٨. وقال السمين: وإسكان الحاء مشكل تقدم نظيره في
﴿لَّا يَهِذِى﴾ [يونس: ٣٥]. والثانية ذكرها ابن جني في المحتسب ١٣٧/٢، وذكر عن الحسن
أيضاً أنه قرأ ((يَحَطّمنَّكم)) بفتح الياء والحاء.
(٥) هي رواية رويس عن يعقوب كما في النشر ٢٤٦/٢، والكلام من البحر ٧ / ٦١ .
(٦) أي: ((يَحْطِمْكم)). البحر ٦١/٧، والدر المصون ٥٨٧/٨.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٩٦
الآية : ١٩
وجوِّز أن يكون ذلك تعجّباً من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها
ومصالح بني نوعها. والأولُ أَظْهَرُ مناسبةً لِمَا بَعْدُ من الدعاء.
وانتصب ((ضاحكاً)) على الحال، أي: شارعاً في الضحك، أعني: قد تجاوز
حدَّ التبسُم إلى الضحك، أو مقدّر الضحك، بناءً على أنه حالٌ مقدَّرةٌ كما نقله
الطيبيُّ عن بعضهم.
وقال أبو البقاء: هو حالٌ مؤكِّدةٌ(١)، وهو يقتضي كونَ التبسُم والضحكِ
بمعنّى، والمعروفُ الفرقُ بينهما. قال ابن حجر: التبسُّم: مبادئُ الضحك من غير
صوت، والضحكُ: انبساطُ الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوتٍ خفيٍّ،
فإن كان فيه صوتٌ يسمع من بعيدٍ فهو القهقهة(٢). وكأنَّ مَن ذهب إلى اتّحاد التبسُم
والضحك خصَّ ذلك بما كان من الأنبياء عليهم السلام، فإنَّ ضحكهم تبسُمٌ، وقد
قال البوصيري في مدح نبيِّنًا وَلّى:
سيدٌ ضِحْكُه التبسُّمُ والمـ شيُّ الهوينا ونومهُ الإغفاءُ(٣)
وروى البخاري عن عائشة ﴿ُّها أنها قالت: ما رأيتهُ وَِّ مُسْتَجْمِعاً قطُ
ضاحكاً - أي: مقبلاً على الضحك بكلِّيته - إنما كان يتبسَّم (٤).
والذي يدلُّ عليه مجموعُ الأحاديث أنَّ تبسُّمه عليه الصلاة والسلام أكثرُ من
ضحكه، وربما ضحك حتى بَدَتْ نواجِذُه. وكونُه ضَحِكَ كذلك مذكورٌ في
حديثٍ آخرِ أهلِ النار خروجاً منها، وأهلِ الجنة دخولاً الجنةَ. وقد أخرجه
البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ(٥). وكذا في حديثٍ أخرجه البخاريُّ في المُواقِعِ أهلَه
في رمضان(٦)، وليس في حديث عائشةَ السابقِ أكثرُ من نَفْسِها رؤيتَها إياه وَلِّ
(١) لم نقف عليه في الإملاء، وذكره السمين في الدر ٨/ ٥٩٠.
(٢) فتح الباري ١٠/ ٥٠٤ .
(٣) قصائد البوصيري ص١٣ .
(٤) صحيح البخاري (٦٠٩٢).
(٥) صحيح البخاري (٦٥٧١)، وصحيح مسلم (١٨٦)، وسنن الترمذي (٢٥٩٥) و(٢٥٩٦) من
حديث ابن مسعود څ .
(٦) صحيح البخاري (٦٠٨٧) من حديث أبي هريرة ظُه، وهو عند مسلم (١١١١).

الآية : ١٩
٣٩٧
سُؤَةُ النَّصِ
مستجمِعاً ضاحكاً، وهو لا ينافي وقوع الضحك منه في بعض الأوقات حيث لم
تره .
وأوَّلَ الزمخشريُّ ما رُوي من أنه ◌َِّ ضحك حتى بدتْ نواجذُه بأنَّ الغرض منه
المبالغةُ في وصف ما وُجد منه عليه الصلاة والسلام من الضحك النبويِّ، وليس
هناك ظهورُ النواجذ - وهي أواخرُ الأضراس - حقيقةٌ (١).
ولعله إنما لم يقل سبحانه: فتبسَّم من قولها، بل جاء جلَّ وعلا بـ ((ضاحكاً))
نصباً على الحال ليكون المقصودُ بالإفادة التجاوزَ إلى الضحك، بناءً على أنَّ
المقصود من الكلام الذي فيه قيدٌ إفادةُ القيد نفياً أو إثباتاً، وفيه إشعارٌ بقوة تأثير
قولها فيه عليه السلام، حيث أدَّاه ما عراه منه إلى أن تجاوز حدَّ التبسُّم آخِذاً في
الضحك، ولم يكن حاله التبسُّمَ فقط.
وكأنه لمَّا لم يكن قولُ: فضحك من قولها، في إفادة ما ذكرنا مِثْلَ ما في النظم
الجلیل، لم يُؤْتَ به.
وفي ((البحر))(٢): أنه لمَّا كان التبسُّم يكون للاستهزاء وللغضب، كما يقولون:
تبسَّم تبسُّم الغضبان، وتبسَّم تبسُّم المستهزئ، وكان الضحك إنما يكون للسرور
والفرح، أتى سبحانه بقوله تعالى: (ضَاحِكًا) لبيان أنَّ التبسُم لم يكن استهزاءً
ولا غضباً. انتھی.
ولا يخفى أنَّ دعوى أن الضحك لا يكون إلا للسرور والفرح يكذبها قولُه
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] فإنَّ هذا
الضحك كان من مشركي قريش استهزاءً بفقرائهم، كعمارٍ وصهيبٍ وخبَّابٍ وغيرِهم
كما ذكره المفسرون، ولم يكن للسرور والفرح. وكذا قوله تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] كما هو الظاهر، وإن هُرِعْتَ إلى التأويل
قلنا: الواقعُ يكذِّبها، فإنْ أَنْكَرْتَ ضحكَ منك أولو الألباب، وفيه أيضاً غيرُ ذلك،
فتأمل والله تعالى الهادي إلى صوب الصَّواب.
(١) الكشاف ٣/ ١٤٢.
(٢) ٧ / ٦٢.

سُورَةُ الشَِّ
٣٩٨
الآية : ١٩
وقرأ ابن السميفع(١): ((ضَحِكاً))(٢) على أنه مصدرٌ في موضع الحال، وجوِّز أن
يكون منصوباً على أنه مفعولٌ مطلقٌ، نحو: شكراً، في قولك: حَمِدَ شكراً.
﴿وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ أي: اجعلني أَزَعُ شكر نعمتك، أي: أكفُّه
وأرتبطهُ لا ينفلتُ عنِّي، وهو مجازٌ عن ملازمةِ الشكر والمداوَمةِ عليه، فكأنه قيل:
ربِّ اجعلني مُداوماً على شكر نعمتك. وهمزةٌ أَوْزِعْ للتعدية، ولا حاجةً إلى اعتبار
التضمين وكونِ التقدير: ربِّ يسِّر لي أن أشكر نعمتك وازعاً إياه.
وعن ابن عباس أنَّ المعنى: اجعلني أشكر. وقال ابن زيد: أي: حرِّضني.
وقال أبو عبيدة: أي: أَوْلعني(٣). وقال الزجَّاج فيما قيل: أي: ألهمني. وتأويلُه في
اللغة: كُفَّني عن الأشياء التي تُباعِدُني عنك(٤). قال الطيبيُّ: فعلى هذا هو كنايةٌ
تلويحيةٌ، فإنه طلب أن يكفّه عمَّا يؤدِّي إلى كفران النعمة بأنْ يُلْهِمَه ما به تقيَّدُ النعمة
من الشكر. وإضافة النعمة للاستغراق، أي: جميع نعمك.
وقرئ: ((أَوْزِعنيَ)) بفتح الياءِ(٥) .
﴿الَّىَ أَنْعَمْتَ﴾ أي: أَنعَمْتَها، وأصلهُ: أنعمتَ بها، إلَّا أنه اعتُبِر الحذفُ
والإيصال لفَقْدٍ شَرْطِ حَذْفِ العائد المجرور، وهو أن يكون مجروراً بمثل ما جُرَّ به
الموصولُ لفظاً ومعنّى ومتعلَّقاً، ومَن لا يقول باطّراد ذلك لا يعتبرُ ما ذكر، ولا أرى
فيه بأساً.
﴿عَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ﴾ أَدْرَجَ ذِكْرَ والديه تكثيراً للنعمة؛ فإنَّ الإنعام عليهما إنعامٌ
عليه من وجهٍ مستوجب للشكر، أو تعميماً لها فإنَّ النعمة عليه عليه السلام يرجع
(١) جاء في هامش الأصل: بفتح السين والفاء، وقد تضم.
(٢) المحتسب ١١٩/٢، والبحر ٧/ ٦٢ .
(٣) نقل المصنف هذه الأقوال عن البحر ٦٣/٧. وفي مجاز القرآن ٢/ ٩٢: ((أوزعني أن أشكر
نعمتك)) مجازه: سدِّدني إليه، ومنه قولهم: وَزَعني الحلم عن السفاه، أي: منعني. وقال
أيضاً ٢١٣/٢: ((أَوزِعني): أَلْهِمْني. ونقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح ٥٠٥/٨.
وتصحف: سددني، في مطبوع المجاز إلى: شددني.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١١٢/٤- ١١٣.
(٥) هي قراءة ورش والبزي. التيسير ص ١٧٠، والنشر ٣٤٠/٢.

الآية : ١٩
٣٩٩
سُورَةُ النَِّ
نفعُها إليهما، والفرق بين الوجهين ظاهر. واقْتَصَر على الثاني في ((الكشاف))(١)،
وهو أوفقُ بالشكر وكونِ الدعاء المذكور بعد وفاة والديه عليهما السلام قطعاً،
ورجِّح الأول بأنه أوفقُ بقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] بعد قوله
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ءَانْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ إلخ [سبأ: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ
الرِّيحَ﴾ إلخ [سبأ: ١٢] فتدبّر فإنه دقیق.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا﴾ عطف على ((أنْ أَشْكُرَ))، فيكونُ عليه السلام قد طلب جَعْلَه
مداوماً على عمل العمل الصالح أيضاً. وكأنه عليه السلام أراد بالشكر الشكر
باللسان المستلزمَ للشكر بالجَنان، وأردفه بما ذكر تتميماً له؛ لأنَّ عَمَلَ الصالح
شكرٌ بالأركان.
وفي ((البحر)): أنه عليه السلام سأل أولاً شيئاً خاصًّا وهو شكرُ النعمة، وثانياً
شيئاً عاماً وهو عملُ الصالح(٢).
وقوله تعالى: ﴿تَضَنْهُ﴾ قيل: صفةٌ مؤكِّدةٌ، أو مخصّصةٌ إنْ أُريدَ به كمالُ
الرضا، واختير كونُه صفةً مخصّصةً، والمراد بالرضا القبول، وهو ليس من لوازم
العمل الصالح أصلاً، لا عقلاً ولا شرعاً .
﴿وَأَدْخِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ عِبَادَِكَ الصَّالِحِينَ ﴾﴾ أي: في جملتهم، والكلام عند(٣)
الزمخشريِّ كنايةٌ عن جَعْلِه من أهل الجنة (٤). وقدّر بعضهم: الجنةَ، مفعولاً ثانياً
لـ «أدخلني))، وعلى كونه كنايةً لا حاجةً إلى التقدير، والداعي لأحد الأمرين - على
ما قيل - دفعُ التكرار مع ما قبلُ؛ لأنه إذا عمل عملاً صالحاً كان من الصالحين
البتة؛ إذ لا معنى للصالح إلا العاملُ عملاً صالحاً، وأردف طلبَ المداومة على
عمل الصالح بطلب إدخاله الجنةَ لعدم استلزام العمل الصالح بنفسه إدخالَ الجنة،
ففي الخبر: ((لن يُدْخِلَ أحدَكم الجنةَ عملُه)) قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
(١) ١٤٢/٣.
(٢) البحر ٧ / ٦٣ .
(٣) في (م): عن.
(٤) الكشاف ٣/ ١٤٢.

سُورَةُ النَّصْلِ
٤٠٠
الآية : ١٩
((ولا أنا، إلا أنْ يتغمدَّني اللهُ تعالى برحمته))(١). وكأنَّ في ذكر ((برحمتك)) في هذا
الدعاء إشارةٌ إلى ذلك.
ولا يأبَى ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىِّ أُوْرِفْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الزخرف: ٧٢] لأنَّ سببية العمل للإيراث برحمة الله تعالى.
وقال الخفاجيُّ: لك أن تقول: إنه عليه السلام عدَّ نفسه غير صالح تواضعاً (٢)،
أي: فلا يحتاج إلى التقدير، ولا إلى نظم الكلام في سلك الكناية، ولا يخفى أنَّ
هذا لا يدفع السؤال بإغناء الدعاء بالمداومة على عمل الصالح عنه.
وقيل: المراد أن يجعله سبحانه في عداد الأنبياء عليهم السلام، ويُثبِتَ اسمه
مع أسمائهم، ولا يعزلَه عن منصب النبوة الذي هو منحةٌ إلهيةٌ لا تُنال بالأعمال،
ولذا ذكر الرحمة في البين، ونقل الطبرسيُّ عن ابن عباس ما يلوِّحُ بهذا
المعنى(٣).
وقيل: المراد: أدخلني في عداد الصالحين، واجعلني أُذكَرُ معهم إذا ذُكروا،
وحاصلهُ طلبُ الذكر الجميل الذي لا يستلزمُه عمل الصالح، إذ قد يتحقَّق من
شخصٍ في نفس الأمر ولا يَعُدُّه الناس في عداد الصالحين. وفي هذا الدعاء شمةٌ
من دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ آَلْآَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]
ومقاصدُ الأنبياء في مثل ذلك أخرويةٌ.
وقيل: يحتمل أنه أراد بعمل الصالح القيامَ بحقوق الله عزَّ وجلَّ، وأراد
بالصلاح في قوله: ((في عبادك الصالحين)) القيامَ بحقوقه تعالى وحقوقٍ عباده،
فيكون من قبيل التعميم بعد التخصيص.
وتعيينُ ما هو الأَوْلَى من هذه الأقوال مفوَّضٌ إلى فكرك، والله تعالى الهادي.
وكان دعاؤه عليه السلام على ما في بعض الآثار بعد أن دخل النملُ مساكنهنَّ،
قال في ((الكشاف)): روي أنَّ النملة أحسَّتْ بصوت الجنود ولا تعلمُ أنهم في
(١) أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ٤١ .
(٣) مجمع البيان ٢٠٨/١٩.