Indexed OCR Text

Pages 341-360

سُورَةُ النَّهُلِ
وتسمَّى أيضاً كما في ((الدر المنثور))(١) سورةَ سليمان. وهي مكيةٌ كما روي عن
ابن عباس وابن الزبير ه(٢). وذهب بعضُهم إلى مدنيّةِ بعضٍ آياتها كما سيأتي إن
شاء الله تعالى.
وعددُ آياتها خمسٌ وتسعون آيةً حجازيٌّ وأربعٌ بصريٌّ وشاميٍّ وثلاثٌ
كوفيٌّ .
ووجهُ اتصالها بما قبلها أنها كالتتمة لها، حيث زاد سبحانه فيها ذكر داود
وسليمان، وبَسَط فيها قصةً لوط عليه السلام أبسط مما هي قبلُ، وقد وقع فيها: (إِذْ
قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ إِنَّ مَانَسْتُ نَارًا) إلخ، وذلك كالتفصيل لقوله سبحانه فيما قبل: ﴿فَوَهَبَ
لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾(٣) [الشعراء: ٢١].
وقد اشتمل كلٌّ من السورتين على ذكر القرآن وكونه من الله تعالى، وعلى
تسليته وآله، إلى غير ذلك.
وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد أنَّ ((الشعراء)) نزلت ثم (طس)) ثم
.(٤)
((القصص)) (٤).
(١) كذا ذكر، والصواب أن ذلك في الإتقان ١٧٣/١.
(٢) أخرجه عن ابن عباس النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٧٤/٢، وعن ابن الزبير ابن مردويه
كما في الدر المنثور ١٠٢/٥.
(٣) تناسق الدرر للسيوطي ص٧١.
(٤) المصدر السابق.

سُورَةُ النَّسُلِّ
٣٤٢
الآية : ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿طسنَّ﴾ قرئ بالإمالة وعَدَمِها(١)، والكلامُ فيه كالكلام في نظائره من الفواتح.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السورة المذكورة، وأداةُ البُعْدِ للإشارة إلى بُعْدِ المنزلة في
الفضل والشرف، أو إلى الآيات التي تُتلى بعدُ، نظير الإشارة في قوله تعالى:
﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ١-٢]، أو إلى مطلق الآيات، ومحلَّه الرفع على
الابتداء، خبرُه قولُه تعالى: ﴿مَايَتُ الْقُرْءَانِ﴾ والجملةُ مستأنفةٌ، أو خبرٌ لقوله تعالى:
﴿طسرّ﴾.
وإضافة ((آيات)) إلى ((القرآن)) لتعظيم شأنها، فإنَّ المراد به: المنزلُ المباركُ،
المصدِّق لِمَا بين يديه، الموصوف بالكمالات التي لا نهايةً لها. ويطلق على كلِّ
المنزَلِ عليه بَّرِ للإعجاز، وعلى بعضٍ منه، وجوِّز هنا إرادةُ كلِّ من المعنيين، وإذا
أريد الثاني فالمراد بالبعض جميعُ المنزل عند نزول السورة.
وقولُه تعالى: ﴿وَكِتَابٍ تُبِينٍ ﴾﴾ عطفٌ على ((القرآن))، والمرادُ به القرآنُ،
وعَطفُه عليه مع اتِّحاده معه في الصدق كعطف إحدى الصفتين على الأخرى كما في
قولهم: هذا فِعْلُ السخيِّ والجوادِ الكريم، وتنوينهُ للتفخيم.
و ((المبين)) إما من أبان المتعدِّي، أي: مُظْهِر ما في تضاعيفه من الحِكَم
والأحكام، وأحوالِ القرون الأولى، وأحوالِ الآخرة التي من جملتها الثوابُ
والعقابُ، أو سبيلَ الرشدِ (٢) والغيِّ، أو نحو ذلك، والمشهور في أمثال هذا
الحذف أنه يفيدُ العمومَ. وإما من أبانَ اللازم بمعنى بان، أي: ظاهر الإعجاز، أو
ظاهر الصحة للإعجاز. وهو على الاحتمالين صفةٌ مادحةٌ لـ ((كتاب))، مؤكِّدةٌ لِمَا
أفاده التنوين من الفخامة.
ولمَّا كان في التنكير نوعٌ من الفخامة وفي التعريف نوعٌ آخَرُ، وكان الغرضُ
(١) أمال الطاء شعبة وحمزة والكسائي وخلف. التيسير ص ١٦٥، والنشر ٢/ ٧٠.
(٢) أي: أو مُظْهرٌ سبيلَ الرشد، ينظر تفسير أبي السعود ٦٣/٥، و٢٧١/٦.

الآية : ١
٣٤٣
سُورَةُ النَّصْلِ
الجمعَ للاستيعاب الكامل، عرّف ((القرآن)) ونكّر ((الكتاب))، وعكس في (الحجر))،
وقدّم المعرَّف في الموضعين لزيادة التنويه. ولمَّا عقبه سبحانه بالحديث عن
الخصوص ها هنا قدَّم كونه قرآناً؛ لأنه أدلُّ على خصوص المنزَلِ على محمد وَّلـ
للإعجاز، كذا في ((الكشف)).
وقال بعض الأجلَّة(١): قدِّم الوصف الأول ها هنا نظراً إلى حال تقدُّم
القرآنية(٢) على حال الكتابية، وعُكِس هنالك لأنَّ المراد تفخيمُه من حيث اشتمالُه
على كمال(٣) جنس الكتب الإلهية حتى كأنه كلُّها، ومن حيث كونه ممتازاً عن غيره
نسيجَ وحده بديعاً في بابه، والإشارةُ إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على
انطوائه على كمالاتِ غيره من الكتب أَدْخَلُ في المدح؛ لئلا يُتَوَهَّم من أول الأمر
أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصافٍ خاصةٍ به من غير اشتماله على نعوتِ كمالٍ
سائرِ الكتب الكريمة .
وفي هذا حملُ ((أل)) على الجنس في ((الكتاب))، والظاهر أنها في ((القرآن))
للعهد، فيختلفُ معناها في الموضعين، وإليه يشير ظاهر كلام «الكشاف»
كما قيل(٤). واعتُذِرَ له بأنه إذا رجع المعنيان إلى التفخيم فلا بأس بمثل هذا
الاختلاف. وجوِّز أن تكون في الموضعين للعهد، وأن تكون فيهما للجنس فتأمَّل.
وقيل: إنَّ اختصاص كلٍّ من الموضعين بما اختصَّ به من تعيين الطريق.
وجوِّز أن يراد بالكتاب اللوحُ المحفوظ، وإبانتهُ أنه خُطّ فيه ما هو كائنٌ إلى
يوم القيامة، فهو يبيِّنه للناظرين فيه، وتأخيرهُ هنا عن القرآن باعتبار تعلُّق عِلْمِنا به،
وتقديمهُ في ((الحِجْر)) عليه باعتبارِ الوجود الخارجيّ؛ فإنَّ القرآن بمعنى المقروء لنا
مؤخّرٌ عن اللوح المحفوظ. ولا يخفى أنَّ إرادة غير اللوح من الكتاب أظهر.
وقال بعضهم(٥): لا يساعد إرادةَ اللوح منه ها هنا إضافةُ الآيات إليه؛ إذ
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٦٣/٥ و٢٧١/٦- ٢٧٢، وينظر ما سلف ٣٧٧/١٣-٣٧٨.
(٢) في تفسير أبي السعود: إلى تقدم حال القرآنية.
(٣) في تفسير أبي السعود: على صفات كمال.
(٤) ينظر الكشاف ٣٨٥/٢ و١٣٤/٣-١٣٥، وينظر ما سلف ٣٧٨/١٣.
(٥) هو أبو السعود في تفسيره ٦/ ٢٧٢ .

سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
٣٤٤
الآية : ٢
لا عَهْدَ باشتماله على الآيات، ولا وَصْفُه بالهداية والبشارةِ؛ إذ هما باعتبارِ إبانته،
فلا بدَّ من اعتبارها بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم المؤمنون، لا إلى الناظرين
فيه .
وقرأ ابن أبي عبلة: ((وكتابٌ مبينٌ)) برفعهما(١)، وخرِّج على حذف المضاف
وإقامةِ المضاف إليه مقامه، أي: وآياتُ كتابٍ، وقيل: يجوزُ عدمُ اعتبار الحذف،
والكتابُ لكونه مصدراً في الأصل يجوز الإخبارُ به عن المؤنَّث.
وقيل: رُبَّ شيءٍ يجوزُ تبعاً ولا يجوزُ استقلالاً، ألا ترى أنهم حظروا: جاءتني
زيدٌ، وأجازوا: جاءتني هندٌ وزيدٌ؟
وقوله تعالى: ﴿هُدَى وَيُشْرَى﴾ في حيِّز النصب على الحالية من ((آيات))، على
إقامة المصدر مقام الفاعل فيه للمبالغة، كأنها نفسُ الهدى والبشارة، والعاملُ معنى
الإشارة، وهو الذي سمَّته النحاة عاملاً معنوياً. وجوَّز أبو البقاء على قراءة الرفع
في ((كتاب)) كونَ الحال منه، ثم قال: ويَضْعفُ أن يكون من المجرور، ويجوز أن
يكون حالاً من الضمير في ((مبين)) على القراءتين(٢).
وجوَّز أبو حيان كونَ النصب على المصدرية، أي: تَهْدي هُدًى وتُبشِّر بُشْرَى،
أو الرفع على البدلية من ((آيات)) - واشتراط الكوفيين في إبدال النكرة من المعرفة
شرطين: اتحاد اللفظ، وأن تكون النكرةُ موصوفةً نحو قوله تعالى: ﴿لَتْفَمَا بِالنَّصِيَةِ
* نَاصِيَةِ كَذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥-١٦]، غيرُ صحيح كما في ((شرح التسهيل))؛ لشهادة
السماع بخلافه - أو على أنه خبرٌ بعد خبرٍ لـ «تلك))، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي:
هي هدىّ وبشرى(٣).
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ يحتمل أن يكون قيداً للهدى والبشرى معاً، ومعنى هدايةٍ
الآيات لهم وهم مهتدون أنها تزيدُهم هدى؛ قال سبحانه: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا
(١) الكشاف ١٣٥/٣، والبحر ٧/ ٥٣.
(٢) الإملاء ٤/ ١٢٧ .
(٣) البحر ٥٣/٧. وقوله: واشتراط الكوفيين ... إلى قوله: لشهادة السماع بخلافه، نقله
المصنف عن حاشية الشهاب ٧/ ٣٢.

الآية : ٣
٣٤٥
سُورَةُ النَّصْلِ
فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وأما معنى تبشيرِها إياهم فظاهرٌ؛ لأنها
تبشِّرهم برحمةٍ من الله تعالى ورضوانٍ وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيم، كذا قيل، وفي
((الحواشي الشهابية)): أنَّ الهدى على هذا الاحتمال إمَّا بمعنى الاهتداء، أو على
ظاهره، وتخصيصُ المؤمنين لأنهم المنتفعون به وإن كانت هدايتُها عامةً، وجَعْلُ
المؤمنين بمعنى الصائرين للإيمان تكلَّفٌ، كحَمْلِ هداهم على زيادته(١).
ويحتمل أن يكون قيداً للبشرى فقط، ويبقى الهدى على العموم وهو بمعنى
الدلالة والإرشاد، أي: هدّى لجميع المكلَّفين وبشرى للمؤمنين.
﴿الَِّينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ صفةٌ مادحةٌ للمؤمنين، وكنى بإقامة الصلاة
وإيتاء الزكاة عن عمل الصالحات مطلقاً، وخُصًّا لأنهما على ما قيل أُمَّا العبادةِ
البدنية والمالية. والظاهرُ أنه حمل الزكاة على الزكاة المفروضة.
وتعقِّب بأنَّ السورة مكيةٌ، والزكاةُ إنما فُرضت بالمدينة.
وقيل: كان في مكة زكاةٌ مفروضةٌ، إلا أنها لم تكن كالزكاة المفروضة
بالمدينة، فَلْتُحْمَل في الآية عليها .
وقيل: الزكاةُ هنا بمعنى الطهارةِ من النقائص وملازمةِ مكارم الأخلاق، وهو
خلافُ المشهور في الزكاة المقرونةِ بالصلاة، ويُبعِدهُ تعليقُ الإيتاء بها .
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾ يَحْتَمِلُ أن يكون معطوفاً على جملة
الصلة، ويَحْتَمِلُ أن يكون في موضع الحال من ضمير الموصول.
ويحتمل أن يكون استئنافاً جيء به للقصد إلى تأكيد ما وُصِفَ المؤمنون به،
من حيث إنَّ الإيقان بالآخرة يستلزمُ الخوفَ المستلزمَ لتحمُّل مشاقٌ التكليف،
فلا بدَّ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقد أقيم الضمير فيه مقام اسم الإشارة
المفيدِ لاكتساب الخَلَاقةِ بالحكم باعتبار السوابق، فكأنه قيل: وهؤلاء الذين
يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون
بالآخرة.
(١) حاشية الشهاب ٧/ ٣٢.

سُوَدَّةُ النَّصِْ
٣٤٦
الآية : ٤
وسمَّى الزمخشريُّ هذا الاستئنافَ اعتراضاً، وكونُه لا يكون إلَّا بين شيئين
يتعلَّقُ أحدهما بالآخر - كالمبتدأ والخبر - غيرُ مسلَّم عنده. واختار هذا الاحتمالَ
فقال: إنه الوجه، ويدلُّ عليه أنه عَقَدَ الكلامَ جملةً ابتدائيةً، وكرَّر فيها المبتدأ الذي
هو (هم))، حتى صار معناها: وما يوقنُ بالآخرة حقَّ الإيقان إلا هؤلاء الجامعون
بين الإيمان والعملِ الصالح، لأنَّ خوف العاقبة يَحْمِلُهم على تحمُّل المشاقٌ(١).
انتھی.
وأنكر ابن المنير إفادةً نحوِ هذا التركيب الاختصاصَ، وادَّعى أنَّ تكرار الضمير
للتَّظْرِيةِ؛ لمكان الفَصْلِ بين الضميرين بالجارِّ والمجرور(٢).
والحقُّ أنه يفيد ذلك كما صرَّحوا به في نحو: هو عرفَ، وكذا يفيدُ التأكيد لِمَا
فيه من تكرار الضمير.
وزعم أبو حيان أنَّ فيما ذكره الزمخشريُّ دسيسةَ الاعتزال(٣). ولا يخفَى أنه
ليس في كلامه أكثر من الإشارة إلى أنَّ المؤمن العاصيّ لم يُؤْقِنْ بالآخرة حقَّ
الإيقان، ولعل جَعْلَ ذلك دسيسةً مبنيٌّ على أنه بنى ذلك على مذهبه في أصحاب
الكبائر وقوله فيهم بالمنزلة بين المنزلتين. وأنت تعلم أنَّ القول بما اختاره في الآية
لا يتوقَّفُ على القول المذكور.
وتغييرُ النظم الكريم على الوجهين الأوَّلين لِمَا لا يخفى، وتقديمُ ((بالآخرة)» في
جميع الأوجُه لرعاية الفاصلة، وجوِّز أن يكون للحصر الإضافي كما في ((الحواشي
الشهابية»(٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ﴾ بيانٌ لأحوال الكفرة بعد أحوال المؤمنين، أي:
لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال
السيئة، حَسْبَما ينطقُ به القرآن.
(١) الكشاف ١٣٥/٣-١٣٦.
(٢) الانتصاف ٣/ ١٣٥.
(٣) البحر ٥٣/٧.
(٤) ٣٢/٧.

الآية : ٤
٣٤٧
سُؤَدَّةُ النَّصَلِّ
﴿َزَيَّنَا لَمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ القبيحةَ بما رَكَّبنا فيهم من الشهوات والأماني، حتى رأوها
حسنةً.
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾﴾ يتحيَّرون ويتردَّدون [على التجدُّد](١) والاستمرارِ في الاشتغال
بها والانهماكِ فيها من غير ملاحظةٍ لِمَا يتبعها. والفاءُ لترتيب المسبّب على السبب.
ونسبةُ التزيين إليه عزَّ وجلَّ عند الجماعة حقيقةٌ وكذا التزيينُ نفسُه، وذهب
الزمخشريُّ إلى أنَّ التزيين إمَّا مستعارٌ للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق، وإما حقيقةٌ
وإسنادهُ إليه سبحانه وتعالى مجازٌ وهو حقيقةً للشيطان كما في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤] والمصحِّح لهذا المجاز إمهالُه تعالى الشيطانَ
وتخليتُه حتى يزيِّن لهم(٢). والداعي له إلى أحد الأمرين إيجابُ رعاية الأصلح عليه
عزَّ وجلَّ.
ونسب إلى الحسن أنَّ المراد بالأعمال: الأعمالُ الحسنةُ(٣)، وتزيينُها بيانُ
حُسْنِها في أنفسها حالاً، واستتباعِها لفنون المنافع مآلاً، أي: زينًا لهم الأعمالَ
الحسنة فهم يتردّدون في الضلال والإعراض عنها. والفاء عليه لترتيب ضدِّ المسبّب
على السبب، كما في قولك: وعظتُه فلم يتَّعظ. وفيه إيذانٌ بكمال عتوِّهم ومكابرتهم
وتعكيسِهم الأمورَ.
وتعقّب (٤) هذا القولُ بأنَّ التزيين قد ورد غالباً في غير الخير، نحو قوله تعالى:
﴿ُزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]
﴿ِزَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] إلخ، ووروده في الخير قليلٌ
نحو قوله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ويُبْعِدُ حَمْلَ
الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم وهم لم يعملوا حسنةً أصلاً .
وكونُ إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرِهم بها، وإيجابها عليهم، لا يدفعُ البُعْدَ.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٦/ ٢٧٢، والكلام منه.
(٢) الكشاف ١٣٦/٣ .
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٣٦/٣.
(٤) المتعقب هو ابن المنير في الانتصاف ١٣٦/٣.

سُورَةُ النَّصْلِ
٣٤٨
الآية : ٥
وذكر الطيبيُّ أنه يؤيِّد ما ذُكر أولاً أنَّ وزانَ فاتحةِ هذه السورة إلى ها هنا وزانٌ
فاتحةِ ((البقرة))، فقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] وقوله سبحانه: (زَيََّ لَمْ أَعْمَلَهُمْ) كقوله جل وعلا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَ
قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
وقد سبق بيانُ وجهِ دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك، وأنَّ التركيب من
باب تحقيق الخبر، وأنَّ المعنى استمرارُهم على الكفر، وأنهم بحيث لا يُتوقَّع
منهم الإيمانُ ساعةً فساعةً أمارة لرَقْم الشقاء عليهم في الأزل والختم على
قلوبهم، وأنه تعالى زيَّن لهم سوءَ أعمالهم فهم لذلك في تيهِ الضلال يتردّدون،
وفي بيداء الكفر يعمهونَ. ودلَّ على هذا التأويلِ إيقاعُ لَفْظِ المضارع في صلة
الموصول والماضي في خبره، وترتيبُ قوله تعالى: (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) بالفاء عليه،
واختصاصُ الخطاب بما يدلُّ على الكبرياء والجبروت من باب تحقيق الخبر،
نحو قول الشاعر:
إنَّ التي ضربَتْ بيتاً مهاجرةً بكوفةِ الجند غالتْ ودَّها غولُ (١)
وفي الأخبار الصحيحة ما ينصرُ هذا التأويلَ أيضاً(٢).
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين الموصوفين بالكفر والعَمَهِ، وهو مبتدأُ خبرُه
﴿الَّذِينَ لَمْ سُوَّهُ الْعَذَابِ﴾، يحتملُ أن يكون المراد: لهم ذلك في الدنيا، بأنْ يُقتلوا
أو يؤسَروا أو تُشدَّد عليهم سكراتُ الموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ
اُلْأَخْسَرُونَ
ويحتمل أن يكون المرادُ: لهم ذلك في الدارين، وهو الذي استظهره
أبو حيان(٣)، ويكون قولُه تعالى: (هُمُ) إلخ لبيانِ أنَّ ما في الآخرة أعظمُ العذابين،
بناءً على أنَّ الأخسرين أفعلُ تفضيل، والتفضيلُ باعتبار حاليهم في الدارين، أي:
(١) البيت لعبدة بن الطبيب، وسلف عند تفسير الآية (٩١) من سورة آل عمران.
(٢) قال أبو السعود في تفسيره ٢٧٢/٦: ((زينًا لهم أعمالهم)) القبيحة، حيث جعلناها مشتهاةً
للطبع محبوبة للنفس، كما ينبئ عنه قوله {قلهو: ((حفت النار بالشهوات)). اهـ. والحديث
أخرجه أحمد (٧٥٣٠)، والبخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣) عن أبي هريرة ◌ُه.
(٣) في البحر ٧/ ٥٤ .

الآية : ٦
٣٤٩
سُورَةُ النَّصْلِ
هم في الآخرة أخسرُ منهم في الدنيا لا غيرُهم، كما يدُّل عليه تعريف الجزأين،
على معنى أنَّ خسرانهم في الآخرة أعظمُ من خسرانهم في الدنيا، من حيث إنَّ
عذابهم في الآخرة غيرُ منقطعٍ أصلاً وعذابهم في الدنيا منقطعٌ، ولا كذلك غيرُهم
من عصاة المؤمنين؛ لأنَّ خسرّانهم في الآخرة ليس أعظمَ من خسرانهم في الدنيا من
هذه الحيثية، فإنَّ عذابهم في الآخرة ينقطعُ ويعقبه نعيمُ الأبد، حتى يكادوا لا يَخْطُرُ
بيالهم أنهم عذِّبوا، كذا قيل.
وقال بعضهم: إنَّ التفضيل باعتبار ما في الآخرة، أي: هم في الآخرة أشدُّ
الناس خسراناً لا غيرُهم؛ لحرمانهم الثوابَ واستمرارِهم في العقاب، بخلافٍ
عصاة المؤمنين، ويلزمُ من ذلك كونُ عذابهم في الآخرة أعظمَ من عذابهم في
الدنيا، ويكفي هذا في البيان.
وقال الكرمانيُّ: إنَّ أفعل هنا للمبالغة لا للشركة؛ قال أبو حيان(١): كأنه
يقول: ليس للمؤمن خسرانٌ البتةَ حتى يَشْركَه فيه الكافر ويَزِيدَ عليه، ولم يتفطَّنْ
لكون المراد أنَّ خسران الكافر في الآخرة أشدُّ من خسرانه في الدنيا، فالاشتراكُ
الذي يدلُّ عليه أفعل إنما هو بَيْنَ ما في الآخرة وما في الدنيا. اهـ كلامهُ. وكأنه
يسلِّمُ أنْ ليس للمؤمن خسرانٌ البتةَ، وفيه بحثٌ لا يخفى.
وتقديم ((في الآخرة)) إما للفاصلة أو للحصر.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَّى الْقُرْءَانَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيقَ بعد بيانِ بعض شؤون
القرآن الكريم تمهيداً لِمَا يعقبه من الأقاصيص، وتصديرُه بحَرْفي التأكيد لإبراز كمالٍ
العنايةِ بمضمونه، وبُني الفعلُ للمفعول وحُذِفَ الفاعلُ وهو جبريلُ عليه السلام؛
للدلالة عليه في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الْزُحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. ولقي المخفَّفُ
يتعدَّى لواحد، والمضاعَفُ يتعدَّى لاثنين، وهما هنا نائبُ الفاعل و((القرآن»،
والمراد: وإنَّك لتُعْطَى القرآنَ تُلقَّنُه ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾ أي: أيِّ حكيم وأيِّ
عليم، وفي تفخيمهما تفخيمٌ لشأن القرآن، وتنصيصٌ على علوِّ طبقته عليه الصلاة
والسلام في معرفته والإحاطة بما فيه من الجلائل والدقائق.
(١) في البحر ٧/ ٥٤، وعنه نقل المصنف قول الكرماني.

الآية : ٧
٣٥٠
سُورَةُ النَّمْلِك
والحكمةُ - كما قال الراغب - من الله عزَّ وجل معرفةُ الأشياء وإيجادُها على
غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفةُ الموجودات وفعلُ الخيرات(١). وجمع بينها
وبين العلم مع أنه داخلٌ في معناها لغةً كما سمعتَ؛ لعمومه - إذ هو يتعلَّق
بالمعدومات ويكون بلا عملٍ - ودلالةِ الحكمة على إحكام العمل وإتقانه، وللإشعار
بأنَّ ما في القرآن من العلوم منها ما هو حكمةٌ كالشرائع، ومنها ما هو ليس كذلك
كالقصص والأخبار الغيبية.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ منصوبٌ على المفعولية بمضمَرٍ خُوطبَ به
النبيُّ وَّرَ، وأمر بتلاوة بعضٍ من القرآن الذي تلقَّاهُ وَّهِ من لدنه عز وجلَّ تقريراً
لما قبله وتحقيقاً له، أي: اذكر لهم وقتَ قولِ موسى عليه السلام لأهله.
وجوِّز أن تكون ((إذ)) ظرفاً لـ ((عليم)). وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّ ذلك ليس بواضحٍ؛
إذ يصيرُ الوصفُ مقَيَّداً بالمعمول(٢) .
وقال في ((الكشف)): ما يتوهّم من دَخل التقييد بوقتٍ معَّينٍ مندفعٌ؛ إذ ليس
مفهوماً معتبراً عند المعتبر، ولأنه لمَّا كان تمهيداً لقصةٍ حَسُنَ أن يكون قيداً لها،
كأنه قيل: ما أَعْلَمَه حيث فُعِلَ بموسى عليه السلام ما فُعِلَ، ولمَّا كان ذلك من
دلائل العلم والحكمة على الإطلاق لم يضرَّ التقييدُ، بل نَفَعَ لرجوعه بالحقيقة إلى
نوعٍ من التعليل والتذكير. اهـ.
ولا يخفى أنَّ الظاهر مع هذا هو الوجهُ الأول.
ثم إنَّ قولَ موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ مَانَسْتُ نَارَ سَلِكُ مِنْهَا بِخَيٍ﴾ كان في أثناء
سيره خارجاً من مدينَ عند وادي طُوى، وكان عليه السلام قد حاد عن الطريق في
ليلةٍ باردةٍ مظلمةٍ، فَقَدحَ فَأَصْلَدَ زَنْدَه، فبدا له من جانب الطور نارٌ.
والمراد بالخبر الذي يأتيهم به من جهة النار الخبرُ عن حال الطريق؛ لأنَّ مَن
يذهبُ لضوءِ نارٍ على الطريق يكون كذلك. ولم يجرَّدِ الفعلُ عن السين إما للدلالة
على بُعْدِ مسافة النار في الجملة حتى لا يستوحشوا إن أبطأ عليه السلام عنهم، أو
(١) مفردات الراغب (حكم).
(٢) البحر ٧/ ٥٤ .

الآية : ٧
٣٥١
سُؤَدَّةُ التَِّ
لتأكيد الوعد بالإتيان؛ فإنها كما ذكره الزمخشريُّ تدخل في الوعد لتأكيده وبيانِ أنه
كائنٌ لا محالةَ وإنْ تأخّر (١).
وما قيل من أنَّ السين للدلالة على تقريب المدَّة دفعاً للاستيحاش،
إنما ينفعُ - على ما قيل - في اختياره على ((سوف))، دون التجريد الذي يتبادرُ من
الفعل معه الحالُ الذي هو أتمُّ في دفع الاستيحاش. ولعل الأَوْلَى اعتبارُ كونه
للتأکید.
لا يقال: إنه عليه السلام لم يتكلّم بالعربية، وما ذُكر من مباحثها؛ لأنَّا نقول:
ما المانع من أن يكون في غير اللغة العربية ما يؤدِّي مؤذَّاها، بل حكايةُ القول عنه
عليه السلام بهذه الألفاظ يقتضي أنه تكلّم في لغته بما يؤدِّي ذلك ولا بدَّ.
وجمع الضمير - إنْ صحَّ أنه لم يكن معه عليه السلام غيرُ امرأته - للتعظيم،
وهو الوجهُ في تسمية الله تعالى شأنُه امرأةً موسى عليه السلام بالأهل مع أنهم(٢)
جماعةُ الأتباع.
﴿أَوْ مَلِكُمْ بِشِهَاٍ قَبَسٍ﴾ أي: بشعلةِ نارٍ مقبوسة، أي: مأخوذةٍ من أصلها،
فـ ((قبسٍ)) صفةٌ ((شهاب)) أو بدلٌ منه، وهذه قراءةُ الكوفيين ويعقوب، وقرأ باقي
السبعة والحسن: ((بشهابٍ قبسٍ)) بالإضافة(٣)، واختارها أبو الحسن(٤)، وهي
إضافةٌ بيانيةٌ لِمَا بينهما من العموم والخصوص، كما في: ثوبٍ خزٍّ، فإن الشهاب
یکون قبساً وغیرَ قبس .
والعِدَتَان على سبيل الظنِّ، ولذلك عبَّر عنهما بصيغة الترجِّي في سورة طه،
فلا تَدَافُعَ بين ما وقع هنا وما وقع هناك، والترديدُ للدلالة على أنه عليه السلام إن
لم يظفر بهما لم يَعْدَمْ أحدهما، بناءً على ظاهر الأمر، وثقةً بسنَّةِ الله عز وجل أنه
لا يكادُ يجمع حرمانين على عبده.
(١) الكشاف ٣١٥/١ عند تفسير الآية (١٣٧) من سورة البقرة، و٢٠٢/٢ و٢١٠ عند تفسير الآية
(٧١) والآية (٩٩) من سورة التوبة، وينظر حاشية الشهاب ٣٣/٧.
(٢) في (م): أنه.
(٣) التبسير ص ١٦٧، والنشر ٣٣٧/٢.
(٤) هو الأخفش، وكلامه في الحجة للفارسي ٣٧٧/٥.

الآية : ٨
٣٥٢
سُورَةُ النَّصْلِ
وقيل: يجوز أن يقال: الترديدُ لأنَّ احتياجه عليه السلام إلى أحدهما لا لهما؛
لأنه كان في حالِ الترحال وقد ضلَّ عن الطريق، فمقصودهُ أن يجد أحداً يهدي إلى
الطريق فيستمرَّ في سفره، فإنْ لم يجده يقتبسُ ناراً ويوقدها ويدفعُ ضرر البرد في
الإقامة .
وتعقِّب بأنه قد ورد في القصة أنه عليه السلام كان قد ولد له عند الطور ابنٌ في
ليلةٍ شاتيةٍ وظلمةٍ مثلجةٍ، وقد ضلَّ الطريق وتفرَّقتْ ماشيتهُ، فرأى النار فقال لأهله
ما قال، وهو يدلُّ على احتياجه لهما معاً لكنه تحرَّى عليه السلام الصدق فأتى
بـ ((أو)).
﴿ََّلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾﴾ أي: رجاءً أو لأَجلِ أنْ تستدفئوا بها، والصِّلاءُ بكسرٍ
الصاد والمدِّ، ويُفتَح بالقصر: الدنوُّ من النار لتسخين البدن، وهو الدفء، ويطلق
على النار نفسِها، أو هو بالكسر الدفءُ، وبالفتح النار.
﴿فَمَّا جَآءَهَا﴾ أي: النارَ التي قال فيها: ((إِنِّي آنستُ ناراً)). وقيل: الضمير
للشجرة، وهو كما ترى، وما ظنَّه داعياً ليس بداع لِمَا أَشَرْنا إليه.
﴿نُودِيَ﴾ أي: موسى عليه السلام من جانب الطور: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ معناه: أي
بورك، على أنَّ ((أنْ)) مفسِّرةٌ لِمَا في النداء من معنى القول دون حروفه.
وجوِّز أن تكون ((أنْ)) المخففةً من الثقيلة واسمُها ضميرُ الشأن. ومَنَعه بعضُهم
لعدم الفصل بينها وبين الفعل بـ ((قد)) أو السين أو ((سوف)) أو حرف النفي، وهو
مما لابدَّ منه إذا كانت مخفَّفةً؛ لِمَا في ((الحجة)) لأبي عليٍّ الفارسيِّ أنها لمَّا كانت
لا يليها إلا الأسماءُ استقبحوا أن يليها الفعلُ من غير فاصلٍ (١).
وأجيب بأنَّ ما ذكر ليس على إطلاقه، فقد صرَّحوا بعدم اشتراط الفصل في
مواضعَ، منها ما يكون الفعلُ فيه دعاءً، فلعل مَن جوَّز كونها المخفَّفة ها هنا جَعَل
((بورك)) دعاءً، على أنه يجوز أن يدَّعي أنَّ الفصل بإحدى المذكورات في غير
ما استثني أغلبيُّ لقوله:
(١) حاشية الشهاب ٣٤/٧.

الآية : ٨
٣٥٣
سُورَةُ النَّسْلِ
قبل أن يُسألوا بأعظم سؤل(١)
علموا أنْ يؤمَّلون فجادوا
وجوِّز أن تكون المصدريةَ الناصبة للأفعال، و((بورك)) حينئذٍ إمَّا خبرٌ أو إنشاء
للدعاء .
وادَّعى الرضيُّ أنَّ ((بورك)) إذا جُعِلَ دعاءً فـ(أنْ)) مفسِّرَةٌ لا غير؛ لأنَّ المخفَّفةَ
لا يقع بعدها فعلٌ إنشائيٌّ إجماعاً، وكذا المصدرية، وهو مخالفٌ لِمَا ذكره النحاة،
ودعوى الإجماع ليست بصحيحةٍ، والقولُ بأنه يفوتُ معنى الطلب بعد التأويل
بالمصدر قد تقدّم ما فيه(٢) .
وفي ((الكشف)) يَمنع عن جَعْلِها مصدريةً عدمُ سدادِ المعنى؛ لأنَّ ((بورك)) إذ ذاك
ليس يصلحُ بشارةً، وقد قالوا: إنَّ تصدير الخطاب بذلك بشارةٌ لموسى عليه السلام
أنه قد قُضي له أمرٌ عظيم تنتشرُ منه في أرض الشام كلِّها البركةُ، وهذا بخلافٍ ما إذا
كان ((بورك)) تفسيراً للشأن. اهـ. وفيه نظر.
وعلى الوجهين الكلامُ على حذف حرف الجرِّ، أي: نودي بأنْ .. إلخ،
والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بما عنده وليس نائبَ الفاعل، بل نائبُ الفاعل ضميرُ
موسى عليه السلام. وقيل: هو نائبُ الفاعل ولا ضمير.
وقال بعضهم في الوجه الأول أيضاً: إنَّ الضمير القائم مقام الفاعل ليس
لموسى عليه السلام، بل هو لمصدرِ الفعل، أي: نودي هو، أي: النداء، وفسَّر
النداء بما بعده.
والأظهرُ في الضمير رجوعُه لموسى، وفي ((أنْ)) أنها مفسِّرةٌ، وفي ((بورك)) أنه
خبرٌ، وهو من البركة وقد تقدَّم معناها(٣). وقيل هنا: المعنى: قدِّس وطهِّر وزِيدَ
خيراً .
﴿مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ذهب جماعةٌ إلى أنَّ في الكلام مضافاً مقدَّراً في
موضعين، أي: مَن في مكان النار ومَن حول مكانها، قالوا: ومكانُها البقعة التي
(١) سلف ١٣/ ٢٤٠.
(٢) عند تفسير الآية (١٩٣) من سورة آل عمران.
(٣) ٤٩٢/١١ - ٤٩٣.

سُورَةُ النَّصِ
٣٥٤
الآية : ٨
حصلت فيها، وهي البقعةُ المباركةُ المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿نُورِىَ مِن شَطِ
الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الُْقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] وتدلُّ على ذلك قراءةُ أبيٍّ: (تباركت
الأرضُ ومَن حولها))(١).
واستُظْهِرَ عمومُ ((من)) لكلِّ مَن في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام
الموسومة بالبركات لكونها مبعثَ الأنبياء عليهم السلام وكِفَاتَهم (٢) أحياءً وأمواتاً،
ولا سيما تلك البقعة التي كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام فيها .
وقيل: (مَن في النار)) موسى عليه السلام، و((مَن حولها)) الملائكةُ الحاضرون
عليهم السلام، وأيِّد بقراءة أبيٍّ فيما نَقَل أبو عمرو الداني، وابنُ عباس ومجاهدٌ
وعكرمةُ: ((ومن حولها من الملائكة)»(٣)، وهي عند كثيرٍ تفسيرٌ لا قراءةٌ لمخالفتها
سوادَ المصحف المجمَع عليه.
وقيل: الأول الملائكة، والثاني موسى عليهم السلام.
واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجَعْلِ الظرفية مجازاً عن القرب التام،
وذهب إلى القول الثاني في المراد بالموصولَين. وأيَّاً ما كان فالمرادُ بذلك بشارةٌ
موسى عليه السلام.
والمراد بقوله تعالى على ما قيل: ﴿وَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ تعجيبٌ له عليه
السلام من ذلك، وإيذانٌ بأنَّ ذلك مُريدُه ومكوِّنُه ربُّ العالمين، تنبيهاً على أنَّ
الكائن من جلائِل الأمور وعظائم الشؤون، ومن أحكام تربيته تعالى للعالمين. أو
خبرٌ له عليه السلام بتنزيهه سبحانه؛ لئلا يُتْوَهَّم من سماع كلامه تعالى التشبيهُ
بما للبشر. أو طلبٌ منه عليه السلام لذلك.
وجوّز أن يكون تعجّباً صادراً منه عليه السلام بتقدير القول، أي: وقال:
سبحان الله .. إلخ.
وقال السديُّ: هو من كلام موسى عليه السلام، قاله لَمَّا سمع النداء من
(١) المحتسب ١٣٤/٢.
(٢) أي: مقرَّهم. حاشية الشهاب ٧/ ٣٤.
(٣) المحرر الوجيز ؟! ٢٥٠، والبحر ٥٦/٧.

الآية : ٩
٣٥٥
سُورَةُ النَّصْلِ
الشجرة تنزيهاً لله تعالى عن سمات المُحدَثين. وكأنه على تقدير القول أيضاً،
وجعل المقدَّر عطفاً على ((نودي)).
وقال ابن شجرة(١): هو من كلام الله تعالى، ومعناه: وبورك مَن سبّح الله تعالى
ربَّ العالمين. وهذا بعيدٌ من دلالة اللفظ جدًّا.
وقيل: هو خطابٌ لنبيِّنَا وَّ مرادٌ به التنزيهُ، وجُعِلَ معترضاً بين ما تقدَّم وقولِه
﴾ فإنه مثَّصلٌ معنی بذلك.
تعالى: ﴿يَمُوسَىَّ إِنَّهُ، أَنَا اللَّهُ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ
والضمير للشأن، وقولهُ سبحانهُ: ((أنا الله)) مبتدأ وخبر، و((العزيزُ الحكيمُ)) نعتان
للاسم الجليل ممهِّدتان لِمَا أريد إظهارهُ على يده من المعجزة، أي: أنا الله القويُّ
القادرُ على ما لا تنالُهُ الأوهام من الأمور العظام، التي من جملتها أمرُ العصا
واليد، الفاعلُ كلَّ ما أفعلهُ بحكمةٍ بالغةٍ وتدبيرٍ رصين، والجملة خبر ((إنَّ) مفسِّرةٌ
لضمير الشأن.
وجوِّز أن يكون الضمير راجعاً إلى ما دلَّ عليه الكلام، وهو المكلِّم المنادي،
و ((أنا)) خبر، أي: إنَّ مكلِّمك المنادي لك أنا، والاسمُ الجليل عطفُ بيانٍ لـ (أنا)»،
وتجوزُ البدليةُ عند مَن جوَّز إبدالَ الظاهر من ضمير المتكلِّم بدلَ كلِّ، ويجوز أن
يكون ((أنا)) توكيداً للضمير، و((الله)) الخبر.
وتعقّب أبو حيان إرجاعَ الضمير للمكلِّم المنادي بأنه إذا حُذف الفاعل وبُني
فعلُه للمفعول لا يجوزُ عَوْدُ ضمير على ذلك المحذوف؛ لأنه نقضٌ للغرض من
حذفه، والعزمٍ على أن لا يكون محدَّثاً عنه(٢).
وفيه أنه لم يقل أحدٌ إنه عائدٌ على الفاعل المحذوف، بل على ما دلَّ عليه
الكلام، ولو سلِّم فلا امتناعَ في ذلك إذا كان في جملةٍ أخرى(٣). وأيضاً قولُه:
والعزمٍ على أن لا يكون محدَّثاً عنه، غيرُ صحيح، لأنه قد يكون محدَّثاً عنه ويحذفُ
(١) كما في البحر ٥٦/٧، والكلام منه.
(٢) البحر ٧/ ٥٦ .
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ، مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ ثم قال: ﴿وَأَدَّاءُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الذي عفا،
وهو ولي الدم. حاشية الشهاب ٧/ ٣٥، والكلام منه.

سُورَةُ الْنَصْلِ
٣٥٦
الآية : ٩
للعلم به وعدم الحاجة إلى ذكره. ثم إنَّ الحمل مفيدٌ من غير رؤية، لأنه عليه
السلام عَلِمَه سبحانه عِلْمَ اليقين بما وقر في قلبه، فكأنه رآه عزَّ وجلَّ.
هذا، وفي قوله تعالى: (أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ) إلخ أقوالٌ أُخَرُ:
الأول: أنَّ المراد بمن في النار نورُ الله تعالى، وبمن حولها الملائكة عليهم
السلام، وروي ذلك عن قتادة والزجَّاج(١).
والثاني: أنَّ المراد بمن في النار الشجرةُ التي جعلها الله تعالى محلًّا للكلام،
وبمن حولها الملائكةُ عليهم السلام أيضاً، ونقل هذا عن الجبائيّ. وفي ما ذكر
إطلاق ((مَن)) على غير العالِم.
والثالث: ما أخرجه ابن جَریرٍ وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن ابن عباس، قال
في قوله تعالى: (أَنْ بُورِكَ مَن فِ التَّارِ): يعني تباركَ وتعالى نفسَه، کان نورُ ربِّ
العالمين في الشجرة (وَمَنْ حَوْلَهَا) يعني الملائكة عليهم السلام(٢). واشتهر عنه كونُ
المراد بمن في النار نفسَه تعالى، وهو مرويٌّ أيضاً عن الحسن وابن جبير وغيرهما،
كما في ((البحر))(٣).
وتعقَّب ذلك الإمامُ بأنَّا نقطعُ بأنَّ هذه الرواية عن ابن عباس موضوعةٌ مختلقةٌ (٤).
وقال أبو حيان: إذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومَن ذُكر أُوِّلَ على حذفٍ، أي:
بورك مَن قدرتُه وسلطانُه في النار(٥) .
وذهب الشيخ إبراهيم الكورانيُّ في رسالته: («تنبيهُ العقول على تنزيهِ الصوفية
عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحادِ والحلول)) إلى صحة الخبر عن الحبر نظرابه،
وعَدَم احتياجه إلى التأويل المذكور، فإنَّ الذي دعا المؤوِّلين أو الحاكِمينَ بالوضع
(١) في معاني القرآن ١٠٩/٤.
(٢) تفسير الطبري ١٠/١٨ و١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٨٤٥/٩ و٢٨٤٦-٢٨٤٧، وعزاه لابن
مردويه السيوطي في الدر ١٠٢/٥ .
(٣) ٥٥/٧ .
(٤) تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٢.
(٥) البحر ٧ /٥٦ .

الآية : ٩
٣٥٧
سُورَةُ النَّسِْ
إلى التأويل أو الحُكم بالوضع ظَنُّ دلالَتِه على الحلول المستحيل عليه تعالى، وليس
كذلك بل ما يدلُّ عليه هو ظهورُه سبحانه في النار وتجلِّيه فيها، وليس ذلك من
الحلول في شيء؛ فإنَّ كون الشيء مُجَلَّى لشيءٍ ليس كونه محلًّا له، فإنَّ الظاهر في
المرآة مثلاً خارجٌ عن المرآة بذاته قطعاً، بخلاف الحالِّ في محلٌّ فإنه حاصلٌ فيه،
ثم إنَّ تجلَِّه تعالى وظهورَه في المَظاهِرِ يجامع التنزيه.
ومعنى الآية عنده: فلمَّا جاءها نودي أن بورك، أي: قُدِّسَ ـ أو نحو ذلك - من
تجلَّى وظهر في صورة النار لما اقتضته الحكمةُ لكونها مطلوبةً لموسى عليه السلام،
ومَن حولها من الملائكة، أو منهم ومن موسى عليهم السلام، وقوله تعالى:
((وسبحان الله)) دفعٌ لِمَا يوهمُه التجلِّي في مظهر النار من التشبيه، أي: وسبحان الله
عن التقيُّد بالصورة والمكان والجهة وإن ظهر فيها بمقتضى الحكمة؛ لكونه موصوفاً
بصفةِ ((ربِّ العالمين)) الواسع القدوس الغنيِّ عن العالمين، ومَن هو كذلك لا يتقيّد
بشيءٍ من صفات المحدَثات، بل هو جلَّ وعلا باقٍ على إطلاقه حتى عن قيدٍ
الإطلاق في حال تجلِّيه وظهوره فيما شاء من المَظاهِر؛ ولهذا ورد في الحديث
الصحيح: ((سبحانك حيث كنتَ))(١) فأثبت له تعالى التجلِّيَ في الحيث، ونزَّهه عن
أن يتقيَّد بذلك، ((يا موسى إنه)) أي: المنادي المتجلِّي في النار («أنا الله العزيزُ))
فلا أتقيَّدُ بمظهرٍ للعزة الذاتية، لكنِّي الحكيم ومقتضى الحكمة الظهورُ في صورة
مطلوبك. وذَكَر أنَّ تقدير المضاف كما فعل بعضُ المفسِّرين عدولٌ عن الظاهر لظنِّ
المحذور فيه، وقد تَبَيَّن أنْ لا محذورَ، فلا حاجةَ إلى العدول. انتهى.
وكأني بك تقول: هذا طورُ ما وراءَ طورِ العقول.
(١) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٧٦)، وفي الأوسط (٦٤٤٢) من حديث
ثجا، قال ابن كثير عند تفسير الآية (٨٥) من سورة الإسراء: هذا حديث غريب
ابن عباس .
بل منكر. وقال عند تفسير الآية (٣٨) من سورة النبأ: هذا حديث غريب جدًّا، وفي رفعه
نظر، وقد يكون موقوفاً على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات.
وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٦٥٠٣) من طريق عبد الله بن المنكدر بن محمد بن
المنكدر، عن أبيه، عن جده، عن أنس، عن النبي ◌َّ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
١/ ٨٠: رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به عبد الله بن المنكدر، قلت: هو وأبوه
ضعيفان. اهـ.

سُورَةُ النَّمِْ
٣٥٨
الآية : ١٠
ثم إنه لا مانع على أصول الصوفية أن يريدوا بـ ((من حولها)) اللهَ عزَّ وجلَّ
أيضاً؛ إذ ليس في الدار عندهم غيرُه سبحانه ديَّار.
ولا بُعْدَ في أن تكون الآية عند ابن عباس - إنْ صحَّ عنه ما ذكر - من المتشابه،
والمذاهبُ فيه معلومةٌ عندك.
والأوفقُ بالعامة التأويلُ، بأن يقال: المراد: أنْ بورك مَن ظَهَر نورُه في النار،
ولعل في خبر الحبر السابق ما يشير إليه.
وإضافةُ النور إليه تعالى لتشريف المضاف، وهو نورٌ خاصٌّ كان مَظْهَراً لعظيم
قدرته تعالى وعظمته.
وسمعتُ من بعض أجلَّةِ المشايخ يقول: إنَّ هذا النور لم يكن عيناً ولا غيراً،
على نحو قول الأشعريِّ في صفاته عزَّ وجلَّ الذاتية، وهو أيضاً منزعٌ صوفيٌّ يرجع
بالآخرة إلى حديث التجلِّي والظهور كما لا يخفى، فتأمَّل.
﴿وَلْقِ عَصَاٌ﴾ عطف على ((بورك)) مُنْتِظِمٌ معه في سلك تفسير النداء، أي: نودي
أَنْ بورك وأَنْ ألقِ عصاك، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ [القصص: ٣١]
بعد قوله سبحانه: ﴿أَنْ يَمُوسَىَ إِنَّ أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] بتكرير ((أنْ))؛ فإنَّ القرآن
يفسِّر بعضُه بعضاً، وهذا ما اختاره الزمخشريُّ(١).
وأُورد عليه أنَّ تجديد النداء في قوله تعالى: (يَمُوسَى) إلخ يأباه.
وُردَّ بأنه ليس بتجديدِ نداءٍ لأنه من جملة تفسير النداء المذكور.
وقيل: لا يأباه لأنه جملةٌ معترضةٌ. وفيه بحث.
واعترض أيضاً بأنَّ (بورك)) إخبارٌ و((ألق)) إنشاء، ولا يُعْطَفُ الإنشاءُ على
الإخبار، ومن هنا قيل: إنَّ العطف على ذلك بتقديرٍ: وقيل له: ألق، أو العطف
على مقدَّرٍ، أي: افعل ما آمرُك وألق.
وفيه أنه في مثل هذا يجوزُ عطف الإنشاء على الإخبار؛ لكون النداء في معنى
(١) في الكشاف ١٣٨/٣.

الآية : ١٠
٣٥٩
سُوَرَّةُ النَِّ
القول، بل أجاز سيبويه(١): جاء زيد ومَن عمرو؟ بالعطف.
ولا يَرِدُ هذا أصلاً على مَن يجعل ((بورك)) إنشاءً، ويَرِدُ على مَن جَعَلَ العطف
على ((إِفْعَلْ)) محذوفاً أنَّ الظاهر حينئذ: فَأَلْقِ بالفاء.
واختار أبو حيان(٢) كونَ العطف على جملةٍ ((إنه أنا الله العزيز الحكيم))، ولم
يُيالِ باختلاف الجملتين اسميةً وفعليةً، وإخباريةً وإنشائية، لِمَا ذُكر أنَّ الصحيح عدمُ
اشتراطِ تناسُبِ الجملتين المتعاطفتين في ذلك؛ لما سمعتَ آنفاً عن سيبويه.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُ﴾ فصيحةٌ تُفْصِحُ عن جملةٍ قد حُذِفتْ ثقةً
بظهورها، ودلالةً على سرعة وقوع مضمونها، كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حيةً
فلما أبصرها تتحرَّك بشدةِ اضطرابٍ، وجملةُ ((تهتزُّ) في موضع الحال من مفعول
((أى))، فإنها بَصَرِيةٌ كما أشرنا إليه، لا عِلْميةٌ كما قيل.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ في موضع حالٍ أخرى منه، أو هو حالٌ من ضمير
(تهتزُّ)) على طريقة التداخُلِ.
والجانُّ: الحيَّة الصغيرة السريعةُ الحركةِ، شبَّهها سبحانه في شدة حركتها
واضطرابها مع عظم جثتها بصغار الحيات السريعة الحركة، فلا ينافي هذا قوله
تعالى في موضع آخر: ﴿فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧].
وقيل: يجوز أن يكون الإخبار عنها بصفاتٍ مختلفةٍ باعتبار تنقُّلها فيها .
وقرأ الحسن والزهريُّ وعمرو بن عبيد: ((جَأَنٌّ) بهمزةٍ مفتوحةٍ(٣) هرباً من التقاء
الساكنين وإن كان على حدِّه، كما قيل: دَأَبَّة وشَأبة.
﴿وَلَّ مُدْرًا﴾ أي: انهزم ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولمْ يَرْجِعْ على عَقِبِه، من عقَّب
المقاتل: إذا كرَّ بعد الفرار، قال الشاعر:
ولا نزلوا يومَ الكريهة مَنْزِلا(٤)
فما عقَّبوا إذ قيل هل مِن مُعقّبٍ
(١) كما في البحر ٧/ ٥٦ .
(٢) في البحر ٧/ ٥٦ .
(٣) المحتسب ١٣٥/٢، والبحر ٥٦/٧ .
(٤) الكشاف ١٣٨/٣، والبحر ٥٧/٧، والدر المصون ٨/ ٥٧٧.

سُؤَدَّةُ النَّصْلِ
٣٦٠
الآية : ١٠
وهذا مرويٌّ عن مجاهد. وقريبٌ منه قولُ قتادة: أي: لم يلتفت. وهو الذي
ذكره الراغب(١).
وكان ذلك منه عليه السلام لخوفٍ لَحِقَه؛ قيل: لمقتضَى البشرية؛ فإنَّ الإنسان
إذا رأى أمراً هائلاً جدّاً يخاف طبعاً، أو لِمَا أنه ظنَّ أنَّ ذلك لأمرٍ أُريد وقوعُه به،
ويدلُّ على ذلك قولُه سبحانه: (يَمُوسَى لَا تَخَفْ) أي: من غيري أيَّ مخلوقٍ كان حيَّةً
أو غيرَها، ثقةً بي واعتماداً عليَّ، أو: لا تخف مطلقاً، على تنزيلِ الفعل منزلةً
اللازم، وهذا إما لمجرَّد الإيناس دون إرادة حقيقة النهي، وإما للنهي عن منشأ
الخوف، وهو الظنُّ الذي سمعته.
وقوله تعالى: ﴿إِ لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾﴾ تعليل للنهي عن الخوف،
وهو - على ما قيل - يؤيِّد أنَّ الخوف كان للظنِّ المذكور، وأنَّ المراد: لا تخف
مطلقاً. والمراد من ((لديَّ): في حضرة القُرْبِ مِنِّي، وذلك حين الوحي، والمعنى:
إنَّ الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم، بل لا يخطر ببالهم
الخوفُ وإنْ وُجِدَ ما يُخاف منه لفَرْطِ استغراقهم إلى تلقِّي الأوامر وانجذابِ
أرواحهم إلى عالم الملكوت. والتقييد بـ ((لديَّ) لأنَّ المرسلين في سائر الأحيان
أخوفُ الناسِ من الله عزَّ وجلَّ، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾
[فاطر: ٢٨] ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنهُ.
وقيل: المعنى: لا تخف من غيري، أو: لا تخف مطلقاً؛ فإنَّ الذي ينبغي أن
يَخاف منه أمثالُك المرسلون إنما هو سوءُ العاقبة، وإنَّ الشأن لا يكون للمرسلين
عندي سوءُ عاقبةٍ ليخافوا منه. والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا،
لئلا يَرِدَ قتلُ بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام. والمراد بـ ((لدي)) على ما قال
الخفاجيُّ: عند لقائي(٢)، و: في حكمي، على ما قال ابن الشيخ.
وأيًّا ما كان يلزمُ مما ذُكر أنَّ المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوءَ العاقبة؛
لأنَّ الله تعالى آمَنَهم من ذلك، فلو خافوا لَزِمَ أن لا يكونوا واثقين به عزَّ وجلَّ،
(١) في مفرداته (عقب).
(٢) حاشية الشهاب ٣٦/٧.