Indexed OCR Text
Pages 321-340
الآية : ٢٢٤ ٣٢١ سُورَةُ الشّعراء وفي ((البحر)) ما هو ظاهرٌ في أنه على معنى القول، أي: قل يا محمدُ هل أنْبِّئكم .. إلخ(١)، وهو مسوقٌ للتنزيه والإبطال المذكورَيْنِ. ﴾﴾ مسوقٌ لتنزيهه عليه الصلاة وقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآهُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ والسلام أيضاً عن أن يكون - وحاشاه - من الشعراء، وإبطالُ زَعْم الكفرة أنَّ القرآن من قبيل الشعر. والمتبادرُ منه: الكلامُ المنظومُ المقفَّى، ولذلك قال كثيرٌ من المفسرين: إنهم رَمَوْه عليه الصلاة والسلام بكونه آتياً بشعرٍ منظوم مقفَّى، حتى تأوَّلوا عليه ما جاء في القرآن مما يكون موزوناً بأدنى تصرُّفٍ كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٣] ويكون بهذا الاعتبار شطراً من الطويل، وكقوله سبحانه: ﴿إِنَّ قَدْرُونَ كَانَ مِن قَوْيِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦] ويكون من المديد (٢)، وكقوله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ويكون من البسيط، وقوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمٍ هُورٍ﴾ [هود: ٦٠] ويكون من الوافر، وقوله جل وعلا: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ويكون من الكامل. إلى غير ذلك مما استخرجوه منه من سائر البحور. وقد استخرجوا منه ما يشبه البيتَ التامّ(٣)، كقوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]. وتعقِّب ذلك بأنهم لم يقصدوا هذا المقصد فيما رَمَوْه به بَّر؛ إذ لا يخفى على الأغبياء من العجم فضلاً عن بُلَغاءِ العرب أنَّ القرآن الذي جاء به ◌َّو ليس على أساليب الشعر، وهم ما قالوا فيه عليه الصلاة والسلام شاعر إلَّا لمَّا جاءهم بالقرآن، واستخراجُ ما ذكر ونحوهِ منه ليس إلَّا لمزيدٍ فصاحته وسلاسته، ولم يؤتَ به لقَصْدِ النظم. ولو اعتُبِرَ في كون الكلام شعراً إمكانُ استخراج كلام منظومٍ منه لكان كثيرٌ من الأطفال شعراء، فإنَّ كثيراً من كلامهم يمكن فيه ذلك، والظاهرُ أنهم إنما قصدوا رميه وَلّ بأنه - وحاشاه ثم حاشاه - يأتي بكلام مخيَّلٍ لا حقيقةً له، ولمَّا كان ذلك غالباً في الشعراء الذين يأتون بالمنظوم من الكلام عبَّروا عنه عليه الصلاة والسلام بشاعرٍ، وعمَّا جاء به بالشعر. (١) البحر ٤٧/٧-٤٨، وقال أبو حيان: وهذا استفهامُ توقيف وتقرير. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: من الخفيف. (٣) ويكون من البحر الوافر. مفتاح العلوم للسكاكي ص٥٩٩. سُؤَةُ الشّعرّة ٣٢٢ الآية : ٢٢٥ - ٢٢٦ ومعنى الآية: والشعراءُ يُجاريهم ويَسْلكُ مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون الضالُّون عن السَّنن، الحائرون فيما يأتون وما يَذَرون، ولا يستمرُّون على وتيرةٍ واحدةٍ في الأفعال والأقوال والأحوال، لا غيرُهم من أهل الرشد المهتدين إلى طريق الحقِّ الثابتين عليه. والحصرُ مستفادٌ من بناء (يتّبعهم)) إلخ على الشعراء عند الزمخشريِّ، كما قرَّره في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّهُ يُقَدِّرُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ (١) [المزمل: ٢٠]. ومَن لا يرى الحصر في مثل هذا التركيب يأخذه من الوصف المناسب، أعني أنَّ الغواية جُعِلَتْ علَّةً للاتِّباع فإذا انْتَفَت انْتَفَى. استشهادٌ على أنّ الشعراء ٢٢٥ وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ إنما يتَّبِعُهم الغاوون، وتقريرٌ له. والخطابُ لكلِّ مَن تتأتَّى منه الرؤيةُ؛ للإشارة إلى أنَّ حالهم من الجلاء والظھور بحیث لا يختصُّ برؤيته راءٍ دون راءٍ. وضميرُ الجمع للشعراء، أي: ألم تَرَ أنَّ الشعراء في كلِّ وادٍ من أودية القيل والقال، وفي كلِّ شِعْبٍ من شعاب الوهم والخيال، وفي كلِّ مسلكٍ من مسالك الغيِّ والضلال، يهيمون على وجوههم، لا يهتدون إلى سبيلٍ معيَّنٍ من السُّبل، بل يتحيَّرون في سباسب الغواية والسفاهة، ويتيهون في تيهِ الصَّلفِ والوقاحة، ديدنُهم تمزيقُ الأعراض المحميَّة، والقَدْحُ في الأنساب الطاهرة السَّنِيَّةِ، والنسيبُ بالحُرَمِ(٢)، والغَزَلُ والابتهارُ(٣)، والتردُّدُ بين طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء . ﴾﴾ من الأفاعيل غير مكترثين بما يستتبعه من ﴿وَأَنَهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ اللوم، فكيف يُتُوهَّمُ أن يتّبعهم في مسلكهم ذلك ويلحقَ بهم ويَنْتِظِمَ في سلكهم مَن تنزَّهتْ ساحتُه عن أن يحوم حولها شائبةُ الاتِّصافِ بشيءٍ من الأمور المذكورة، واتَّصَفَ بمحاسن الصفات الجليلة، وتخلَّقَ بمكارم الأخلاق الجميلة، وحاز جميع (١) الكشاف ١٨٧/١ و١٧٨/٤ -١٧٩. (٢) النسيب: ذكر محاسن الحسان، وإظهار التعشُّق والهيام بها. والحُرَم: جمع حُرمة، وهي المرأة المحرَّمة على غير زوجها. حاشية الشهاب ٧/ ٣٠. (٣) الابتهار: الكذب بادِّعاء الوصول إلى المحبوبة. حاشية الشهاب ٧/ ٣٠. الآية : ٢٢٦ ٣٢٣ سُورَةُ الشعراء الكمالات القُدْسيةِ، وفاز بجُمْلةِ المَلَكاتِ السَّنَّةِ الإنسية، مستقرًّا على أَقْوَمِ منهاجٍ، مستمرًّا على صراطٍ مستقيم لا يرى له العقلُ السليم مِن هاجٍ، ناطقاً بَكلِّ أَمْرٍ رشيدٍ، داعياً إلى صراط الله تعالى العزيز الحميد، مؤيَّداً بمعجزاتٍ قاهرةٍ، وآياتٍ ظاهرةٍ، مشحونةٍ بفنون الحِكَم الباهرة، وصنوفِ المعارف الزاهرة(١)، مستقلَّةٍ بنَظُم رائقٍ وأسلوبٍ فائق أَعْجَزَ كلَّ مِنْطِيقٍ ماهرٍ، وبَكَّتَ كلَّ مُفلِقٍ ساحرٍ. هذا وقد قيل في تنزيهه وَل﴿ عن أن يكون من الشعراء: إنَّ أتباع الشعراء الغاوون، وأتباعُه عليه الصلاة والسلام ليسوا كذلك. وتعقِّب بأنه لا ريبَ في أنَّ تعليلَ عَدَمِ كونه ◌َّهِ منهم بكونِ أتباعه عليه الصلاة والسلام غيرَ غاوين مما لا يليقُ بشأنه العَالَي. وقيل: ضمير الجمع للغاوين. وتعقِّب بأنَّ المحدَّث عنهم الشعراء. وعن ابن عباس ◌ًّا: أنَّ الغاوين هم الرواة الذين يحفظون شعر الشعراء ويروونه عنهم مبتهجين به. وفي روايةٍ أخرى عنه: أنهم الذين يستحسنون أشعارهم وإن لم يحفظوها . وعن مجاهد وقتادة: أنهم الشياطين. وروي عن ابن عباس أيضاً أنَّ الآية نزلت في شعراء المشركين: عبد الله بن الزِّبَعْرَى، وهبيرة بن وهب المخزوميّ، ومسافع بنِ عبد مناف، وأبو عَزَّةَ الجمحي، وأمية بن أبي الصلت، قالوا: نحن نقول مثل قول محمدٍ، وكانوا يَهْجُونه ويجتمع إليهم الأعرابُ من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم، وهم الغاوون الذين يتّبعونهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً أنه قال: تَهاجَى رجلان على عَهْدِ رسول الله وَّهِ، أحدُهما من الأنصار والآخرُ من قومٍ آخَرين، وكان مع كلِّ واحدٍ منهما غُواةٌ من قومه وهم السفهاء، فأنزل الله تعالى: (وَالشُّعَرَآهُ) الآيات(٢). وفي القلب من صحّةِ الخبر شيءٌ، والظاهرُ من السياق أنها (١) في الأصل و(م): الباهرة، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦/ ٢٧٠، والكلام منه. (٢) تفسير الطبري ٦٧٤/١٧ -٦٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٨٣٣/٩، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٩٩/٥. سُورَةُ الشِّعراء ٣٢٤ الآية : ٢٢٧ نزلت للردّ على الكفرة الذين قالوا في القرآن ما قالوا. وقرأ عيسى بن عمر: ((والشعراءَ)) بالنصب على الاشتغال(١). وقرأ السلميُّ، والحسنُ بخلافٍ عنه: (يَتْبعُهم)) مخفَّفاً(٢). وقرأ الحسن، وعبدُ الوارث عن أبي عمرو: ((يَتَّبِعْهم)) بالتشديد وتسكين العين تخفيفاً (٣)، وقد قالوا: عَضْد بسكون الضاد، فغيَّروا الضمةَ واقعةً بعد الفتحة، فلَأَنْ يغيِّروها واقعةً بعد الكسرة أَوْلَى. وروى هارونُ فتحَ العين عن بعضهم(٤)، واستشكله أبو حيان(٥). وقيل: إنه للتخفيف أيضاً، واختيارُه على السكون لحصول الغرض به، مع أن فيه مراعاةَ الأصل في الجملة؛ لِمَا بين الحركتين من المشاركة الجنسية، ولا كذلك ما بين الضمِّ والسكون، وهو غريب كما لا يخفى. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ استثناءٌ للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يُكْثِرون ذِكْرَ الله عزَّ وجلَّ، ويكونُ أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى، والحثّ على الطاعة والحكمة والموعظة، والزهدِ في الدنيا، والترهيبٍ عن الرُّكون إليها، والاغترارِ بزخارفها، والافتتانِ بملاذِّها الفانية، والترغيبِ فيما عند الله تعالى، ونَشْر محاسن رسوله وَلّ ومَدْحِه، وذِكْرِ معجزاته ليتغلغل حبُّه في سويداء قلوب السامعين، وتزدادَ رغباتُهم في اتِّباعه، ونَشْرٍ مدائح آله وأصحابه وصُلَحاءٍ أمته لنحو ذلك، ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجوٌ وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداءٍ ولا زيادةٍ، كما يشير إليه قراءةُ بعضهم: ((وانتصروا بمثل ما ظلموا))(٦). وقيل: المراد بالمستَثْنَيْنَ شعراءُ المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله وَله (١) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والكشاف ١٣٣/٣، والبحر ٤٨/٧ . (٢) البحر ٤٨/٧، وهي قراءة نافع كما في التيسير ص١١٥، والنشر ٢٧٤/٢. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٤٨/٧. (٤) القراءات الشاذة ص١٠٨، والبحر ٤٨/٧- ٤٩. (٥) في البحر ٤٩/٧ . (٦) أخرجها ابن أبي حاتم ٢٨٣٦/٩ عن قتادة. الآية : ٢٢٧ ٣٢٥ سُورَةُ الشّعراء ويكافحون هُجاةً المشركين، واستدلَّ لذلك بما أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: أنَّ هذه الآية نزلت في رَهْطِ من الأنصار هاجَوًا عن رسول الله (ێآ، منهم: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت(١). وعن السدِّي نحوه. وبما أخرج جماعةٌ عن أبي حسن سالم البرَّاد أنه قال: لمَّا نزلت: (وَالشُّعَرَآءُ) الآيةَ، جاء عبدُ الله بنُ رواحةَ وحسانُ بنُ ثابتٍ وكعب بنُ مالكٍ وهم يبكون، فقالوا: يا رسول الله، لقد أنزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم أنَّا شعراءُ، هَلَكْنا. فأنزل الله تعالى: (إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) إلخ، فدعاهم رسول الله ◌َّهُ فتلاها عليهم (٢) . وأنت تعلمُ أنَّ العبرة لعموم اللَّفِظِ لا لخصوص السبب. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس ﴿ها أنه قرأ قوله تعالى: (إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلى آخر الصفات، فقال: هم أبو بكر وعمرُ وعليٍّ وعبد الله بن رواحة(٣). ولعله من باب الاقتصار على بعض ما يدلُّ عليه اللفظُ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يُشْعِرُ بالعموم. هذا واستُدلَّ بالآية على ذمِّ الشعر والمبالغةِ في المدح والهَجْوِ وغيرهما من فنونه، وجوازِه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق، وجوازِ الهَجْوِ لمن ظُلم انتصاراً، کذا قيل. واعلم أنَّ الشعر بابٌ من الكلام حَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيحٌ، وفي الحديث: ((إنَّ من الشعر لحكمة))(٤). وقد سمع رسول الله وَّر الشعرَ وأجاز عليه، وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رابه: ((اهجهم - يعني المشركين - فإنَّ روح القدس (١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٥، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٠٠/٥. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢/ ٧٨، والطبري ٦٧٩/١٧، دون قوله: منهم كعب ... (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥١٨/٨-٥١٩، والطبري ٦٧٨/١٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٤ - ٢٨٣٥. (٣) تاريخ ابن عساكر ٩٢/٢٨، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٩٩/٥. (٤) أخرجه أحمد (٢١١٥٤)، والبخاري (٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب نظرالتله. سُؤَةُ الشّعراء ٣٢٦ الآية : ٢٢٧ سيُعِينُكَ))(١). وفي روايةٍ: ((اهجُهم وجبريلُ معك))(٢). وأخرج ابن سعد عن ابن بريدةَ أنَّ جبريل عليه السلام أعان حساناً على مدحته النبيَّ وَّهِ بسبعين بيتاً(٣). وأخرج أحمد والبخاريُّ في ((التاريخ)) وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبيّ ◌َّ: إنَّ الله تعالى أنزل في الشعراء ما أَنزل، فكيف تَرى فيه؟ فقال: ((إِنَّ المؤمنَ يُجاهِدُ بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لَكَأنَّ ما تَرْمُونَهم به نَضْحُ النَّبْلِ»(٤). وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين قال: [قال] رسول الله وَ ل﴿ ليلةً وهم في سفر: ((أين حسان بنُ ثابت؟)) فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: خُذْ، فجعل يُنْشِدُه ويُصغي إليه حتى فرغ من نشيده، فقال رسول الله وَله: ((لهذا أشدُّ عليهم من وقع النبل)»(٥) . ويُروى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا: أنَّ النبيَّ وَّ بنى لحسان بن ثابتٍ منبراً في المسجد ينشد عليه الشعر(٦). وأخرج الديلميُّ عن ابن مسعود ظُه مرفوعاً: ((الشعراءُ الذين يموتون في الإسلام يأمرُهم الله تعالى أن يقولوا شعراً يتغنَّى به الحورُ العين لأزواجهنَّ في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثُّور في النار))(٧). (١) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٩٤/١ من حديث عائشة رؤيا، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٩٧/٤-٢٩٨ من حديث جابر قائه. (٢) أخرجه البخاري (٤١٢٣)، ومسلم (٢٤٨٦) من حديث البراء بن عازب نظـ (٣) طبقات ابن سعد ٣٢٦/٤ (طبعة الخانجي). (٤) مسند أحمد (٢٧١٧٤)، والتاريخ الكبير ٣٠٤/٥-٣٠٥، وعزاه لأبي يعلى وابن مردويه السيوطي في الدر ٩٩/٥، ورواه عن أبي يعلى ابن حبان (٤٧٠٧). وأخرج مسلم (٢٤٩٠) من حديث عائشة ثنا: ((اهجوا قريشاً، فإنه أشد عليهم من رشق النبل)). (٥) طبقات ابن سعد ٣٢٥/٤-٣٢٦ (طبعة الخانجي)، وما بين حاصرتين منه. (٦) أخرجه الترمذي (٢٨٤٦) وقال: حديث حسن صحيح غريب. (٧) الفردوس بمأثور الخطاب ٣٦٢/٢، وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة ٣٨٨/٢ وقال: وفيه لاحق بن الحصين. اهـ. وذكره أيضاً الفتني في تذكرة الموضوعات ص٦٨ وقال: فيه لاحق بن الحصين كذاب وضَّاع. الآية : ٢٢٧ ٣٢٧ سُورَةُ الشّعراء ، أجمعين الشعرَ، وكذا كثيرٌ من وقد أنشد كلٌّ من الخلفاء الراشدين ظّة الصحابة ﴿، فمِن شعر أبي بكر ﴾(١): أمِنْ طَيْفٍ سَلْمَى بالبطاحِ الدَّمائثِ(٢) تَرى من لؤيٍّ فرقةً لا يَصُدُّها أَرِقْتَ وأمرٍ في العشيرة حادثٍ عن الكفر تذكيرٌ ولا بعثُ باعثٍ عليه وقالوا لستَ فينا بماكثٍ رسولٌ أتاهم صادقٌ فتكذَّبوا ولمَّا دعوناهم إلى الحقِّ أدبروا فكم قد مثلنا(٤) فيهمُ بَقَرابةٍ فإنْ يَرْجِعوا عن كُفْرِهم وعُقوقهم وإنْ يركبوا طغيانّهم وضلالَهم ونحن أناسٌ من ذؤابة غالبٍ فأوْلي بربِّ الراقصات عشيةً كأُدْم ظباءٍ حول مگَّة عگَّفٍ وهرُّوا هريرَ المُجْحَراتِ اللَّوَاهِثِ (٣) وتَرْكُ التُّقَى شيءٌ لهم غيرُ كارِثِ(٥) فما طيِّباتُ الحِلِّ مثلُ الخبائثِ فليس عذابُ الله عنهم بلابِثِ لنا العزُّ منها في الفروع الأثاثثِ(٦) حَرَاجِيجُ تَخْدِي فِي السَّريحِ الرَّثَائِثِ (٧) يَرِدْنَ حياضَ البئر ذاتِ النَّبائثِ (٨) (١) كما في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٩٢، والعمدة لابن رشيق ٣٢/١. وقال ابن إسحاق: وأكثر أهل العلم ينكر هذه القصيدة لأبي بكر. (٢) الدمائث: الرمال اللينة. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٢٧/٢، وعنه نقلنا جميع ما سيأتي من شرح الغريب. (٣) قوله: وهروا ... ، أي: وثبوا كما تثب الكلاب. والمجحرات: الكلاب التي أُجْحِرت وألجئت إلى مواضعها. واللواهث: التي أخرجت ألسنتها وتابعت أنفاسها . (٤) كذا في الأصل و(م)، وفي المصادر: منتنا، قال أبو ذر: متتنا، أي: اتَّصلنا. (٥) أي: غیر مُخْزِن. (٦) الفروع الأثاثث: هي الكثيرة المجتمعة. (٧) قوله: أُولي، معناه: أَخْلِف وأُقسم. والراقصات: الإبل، والرقص ضربٌ من المشي. وحراجيج، أي: طوال، واحدها: حرجوج، ومن رواه: عناجيج، فهي الحسان. وتَخْدي: تسرع. وقوله: في السريح، السريح: قطع جلود تربط على أخفافها مخافة أن تصيبها الحجارة. والرثائث: البالية الخلقة. (٨) قوله: كأدم ظباء، الأُذمُ من الظباء: السُّمْرُ الظهورِ، البيضُ البطون. وعَّف: مقيمة. والنبائث: جمع نبيثة، وهي تراب يخرج من البئر إذا نُقْبت. سُورَةُ الشّعراء ٣٢٨ الآية : ٢٢٧ ولستُ إذا آليتُ يوماً(١) بحانثٍ لئن لم يُفيقوا عاجلاً من ضلالهم تُحرِّمُ أطهارَ النساءِ الطّوامثِ(٢) لَتبتدرنَّهم غارةٌ ذاتُ مَصْدَقٍ ولا تَرْأَفُ الكفارَ رَأفَ ابنِ حارثِ تغادرُ قتلى تَعْصِبُ(٣) الطيرُ حولَهم وكلَّ كفورٍ يبتغي الشرَّ باحثِ فأَبْلِغْ بني سهم لديك رسالةً فإِنِّيَ من أعراضكم غيرُ شاعثٍ فإن تَشْعَئوا(٤) عِرْضي على سوء رأیکم ومن شِعرِ عمر ◌َّهِ، وكان من أَنْقَدِ أهلِ زمانه للشعر وأَنفَذِهم فيه معرفةً: ولا شكَّ أنَّ القول ما قاله كعبُ تَوَّدني کعبٌ ثلاثاً يعدُّها ولكن خوف الذنب يتبعُه الذنب(٥) وما بيَ خوفُ الموتِ إِنِّي لميتٌ وقوله، ويُروَى للأعور الشَّنِّيِّ(٦): بكفِّ الإله مقاديرُها هوِّنْ عليك فإنَّ الأمور ولا قاصرٌ عنك مأمورُها(٧) فليس بآتيك مَنْهِيُّها ومنه - وقد لبس بُرْداً جديداً فنظر الناس إليه - ويُروَى لورقة بن نوفل من أبيات: يبقى الإلهُ ويَفْنَى المالُ والولدُ لا شيء ممَّا ترى تبقى بشاشتُه (١) في المصادر: قولاً. (٢) جمع طامث، وهي الحائض. (٣) أي: تجتمع. (٤) تشعثوا: تغيروا وتفرَّقوا. (٥) العمدة ٣٤/١، ووردا ضمن قصة جرت بين كعب الأحبار وعمر ﴿ه، كما أخرج ابن شبَّة في تاريخ المدينة ٨٩١/٣-٨٩٢. وفيه: ولكنما في الذنب يتبعه الذنب. (٦) في الأصل و(م): الثني، والصواب ما أثبتناه، والأعور الشَّنِّي هو بشر بن منقذ أحد بني شَنّ بن أفصى بن عبد القيس، ويكنى أبا منقذ، وكان مع عليٍّ ◌َُّّه يوم الجمل. الشعر والشعراء ٦٣٩/٢، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٤٥، واللآلي ٨٢٧/٢. (٧) العمدة ٣٣/١، وعنه نقل المصنف. وذكرهما أبو عبيد في الأمثال ص ١٩٣ وقال: وهذا الشعر نرويه عن عمر أنه تمثّل به على المنبر. وعزاه للأعور الشَّنِّي سيبويه في الكتاب ٦٣/١ -٦٤، والبصري في الحماسة ٢/٢، والبكري في فصل المقال ص٢٨٦. وورد البيتان ضمن خبر أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص١٥٨ منسوبين لعبد الله بن الزبير ﴿يا. الآية : ٢٢٧ ٣٢٩ سُورَةُ الشِّعَرَاء والخلد حاوَلَه عادٌ فما خَلَدوا لم تُغْنِ عن هرمزٍ يوماً خزائنهُ ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنسُ والجنُّ فيما بينها تَرِدُ لابدَّ من وِرْدِه يوماً كما وَرَدوا(١) حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ ومن شعر عثمان رضڅ﴾ : وإنْ عضَّها حتى يضرَّ بها الفقرُ(٢) غِنَى النفسِ يُغْني النفسَ حتى يكفّها ومن شعر عليٍّ كرم الله تعالى وجهه - وكان مجوِّداً حتى قيل: إنه أشعرُ الخلفاء طم - يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين: نواصيُّها حمرُ النحورِ دَوَامي ولمَّا رأيتُ الخيلَ تَزْحَمُ بالقنا وأَعْرضَ نقعٌ في السماء كأنه عجاجةُ دَجٍْ ملبَّسٍ بقَتَامِ ونادی ابنُ هند في الكلاع وحمير وكندة في لخم وحيٍّ جذامٍ إذا ناب دهرٌ جُنَّتي وسهامي تيمَّمتُ همدانَ الذين همُ همُ فوارسُ من همدانَ غيرُ لئامِ فجاوبني من خيل همدان عصبةٌ وكانوا لدى الهيجا كشربٍ مدامٍ لقلتُ لهمدانَ ادخلوا بسلام(٣) فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها فلو كنتُ بوَّاباً على باب جنةٍ وقد جمعوا ما نسب إليه رعُه من الشعر في ديوان كبير ولا يصح منه إلا اليسير. ومن شعر ابنه الحسن ﴿ه وقد خرج على أصحابه مختضباً: نسوِّد أعلاها وتأبى أصولُها فليت الذي يَسْوَدُّ منها هو الأصلُّ (٤) ومن شعر الحسين رظته وقد عاتبه أخوه الحسن ربه في امرأته: (١) العمدة ٣٣/١-٣٤، وبهجة المجالس لابن عبد البر ٣٤٠/٢. (٢) العمدة ٣٤/١، وزهر الآداب للقيرواني ٣٩/١. (٣) العمدة ٣٤/١، والديوان المنسوب لعلي ظه ص ١١٣. وجاء بدل: تزحم، في العمدة: ترجم، وفي الديوان: تقرع، وفيه: وأقبل رهج في السماء كأنه ... (٤) العمدة ٣٥/١. وأخرج صدره عن عقبة بن عامر ظله ابنُ أبي شيبة ٨٣٤/٨، وابن حبان في الثقات ٢٨٠/٣. وابن عبد البر في التمهيد ٨٥/٢١ وقال: وهو بيت محفوظ له (أي: لعقبة)، ثم ذكر عجزه برواية: ولا خير في الأعلى إذ فسد الأصل. سُورَةُ الشّعراء ٣٣٠ الآية : ٢٢٧ تَخُلُّ بها سُكِينةُ والرَّبابُ لَعَمْرُكَ إِنَّنِي لَأُحِبُّ داراً وليس لِلائمي عندي عتابُ(١) أحبُّهما وأبذلُ جُلَّ مالي ومن شعر فاطمة ﴿َّا قالته يومَ وفاةٍ أبيها عليه الصلاة والسلام: أنْ لا يشمَّ مدى الزمانِ غَوَالیا ماذا على مَن شَمَّ تربةَ أحمدٍ صبَّتْ على الأيام صِرْنَ لياليا(٢) صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنها ومن شعر العباس ظ له يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله چلهير: بوادي حُنَينٍ والأسنَّةُ تُشْرَعُ ألَا هل أَتَى عِرسي(٣) مَكَرِّي ومَوْقفي وهامٌ تَدَهْدَى والسواعدُ تُقْطَعُ بزوراءَ تُعطي باليدين وتَمنَعُ وقد فرَّ مَن قد فرَّ عنه فأَقْشَعوا(٤) وقَوْلي إذا ما النفسُ جاشت لها قَدي وكيف رَدَدْتُ الخيلَ وهي مغيرةٌ نَصَرْنا رسول الله في الحرب سبعةً ومن شعر ابنه عبد الله إذا طارقاتُ الهمِّ ضاجَعَتِ الفتى وباكّرَني في حاجةٍ لم يَجِدْ لها فَرَجْتُ بمالي همَّه من مقامه وكان له فضلٌ عليَّ بظنّه وأَعملَ فِكْرَ الليلِ والليلُ عاكرُ سوايَ ولا مِن نكبةِ الدهر ناصرُ وزايَلَه همٌّ طَروقٌ مُسامِرُ بيَ الخيرَ إِنِّي للَّذي ظنَّ شاكرُ(٥) وهلمَّ جرًّا إلى حيث شئتَ، وليس من بني عبد المطلب - كما قيل - رجالاً ولا نساءً مَن لم يقل الشعر، حاشا النبيَّ بَّهِ؛ ليكون ذلك أبلغَ في أمره عليه الصلاة والسلام. (١) الأغاني ١٣٦/١٦، والعمدة ٣٥/١-٣٦. (٢) سير أعلام النبلاء ٢/ ١٣٤، وقال الذهبي: وهو مما ينسب لعائشة ولا يصح. والثاني منهما ذكره المرزباني في معجم الشعراء ص ٤٠٣ عن أبي منصور الباخرزي، واسمه محمد بن إبراهيم. (٣) العرس: امرأة الرجل. القاموس (عرس). (٤) العمدة ٣٦/١، والاستيعاب ٨/٦، والبيت الأخير في أسد الغابة ١٨٩/١. (٥) العمدة ٣٦/١-٣٧، والعقد الفريد ٢٣٠/١، وتاريخ ابن عساكر ٣٦٦/٤. وجاء في العقد وتاريخ ابن عساكر: وزايله الهم الطروق المساوِرُ. الآية : ٢٢٧ ٣٣١ سُورَةُ الشّعراء ولأجلَّة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء المسلمين شعرٌ كثيرٌ أيضاً، ومن ذلك قولُ الشافعيِّ قڅ: والموتُ يطلبه في ذلك البلدِ ومُتْعِبِ العيس مرتاحٌ إلى بلدٍ لو كان يعلمُ غيباً مات من كمد وضاحكِ والمنايا فوق هامته فما يفكِّر في رزقٍ لبَعْدٍ غَدٍ(١) مَن كان لم يؤتَ علماً في بقاء غدٍ والاستقصاءُ في هذا الباب يحتاجُ إلى إفراده بكتابٍ، وفيما ذُكر كفايةٌ. وقد مدحه أيضاً غيرُ واحدٍ من الأجلَّة، فعن عمر ◌َظُبه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعريِّ: مُرْ مَن قِبَلَكَ بتعلُّم الشعر، فإنه يدلُّ على معالي الأخلاق، وصوابٍ الرأي، ومعرفةِ الأنساب. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: الشعرُ ميزانُ العقول. وكان ابن عباس ﴿يا يقول: إذا قرأتُم شيئاً من كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإنَّ الشعر ديوان العرب(٢). وما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رَُّه قال: بينما نحن نسيرُ مع رسول الله وَ ل﴿ إذا عَرَضَ شاعرٌ يُنْشِدُ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لأَنْ يمتلئ جوفُ أحدكم قيحاً خيرٌ من أن يمتلئ شعراً))(٣)، حمله الشافعيُّ(٤) عليه الرحمةُ على الشعر المشتملِ على الفحش. ورُوي نحوُه عن عائشةً ◌ّا، فقد أخرج الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أنَّ أبا هريرة يروي عن رسول الله وَالحجر: ((لأَنْ يمتلئ جوفُ أحدكم)) الحديثَ، فقالت: رحم الله تعالى أبا هريرةَ، إنما قال رسول الله مَ: ((لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحاً خيرٌ له من أنْ يمتلئ شعراً من (١) العمدة ١/ ٤٠، وفيه: ماذا تفكّره لرزق بعد غدٍ. (٢) ذكر هذه الأخبار ابن رشيق في العمدة ٢٨/١ و٣٠، وخبر عليٍّ فيه بلفظ: الشعر ميزان القول، وفي رواية: ميزان القوم. (٣) مسند أحمد (١١٠٥٧)، ومصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٧٢٠، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٢٥٩) .. (٤) كما في الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ٢٠٤/٢، وعنه نقل المصنف. سُؤَةُ الشّعراء ٣٣٢ الآية : ٢٢٧ الشعر الذي هُجيتُ به))(١)، يعني نفسَه الشريفةَ عليه الصلاة والسلام. ذَكَر ذلك المرشديُّ(٢) في ((فتاواه)) نقلاً عن كتاب ((بستان الزاهدين)). ولا يخفَى أنه يُبعِدُ الحملَ المذكور التعبيرُ بـ ((يمتلئ))، فإنَّ الكثير والقليل مما فيه فحشٌ أو هجوٌ لسيِّد الخَلْقِ وَِّ سواءٌ، وما أحسنَ قول الماورديِّ(٣): الشعرُ في كلام العرب مستحبُّ ومباحٌ ومحظورٌ، فالمستحبُّ ما حذَّر من الدنيا ورَّب في الآخرة وحثّ على مكارم الأخلاق، والمباحُ ما سَلِمَ من فحشٍ أو كذبٍ، والمحظور نوعان: كذبٌ وفحشٌ، وهما جرحٌ في قائله، وأما مُنْشِدُه فإن حكاه اضطراراً لم يكن جرحاً، أو اختياراً جرح. وتبعه على ذلك الرُّوْيانِيُّ، وجَعَلَ الرويانيُّ ما فيه الهجوُ لمسلم سواءٌ كان بصدقٍ أو كذبٍ من المحظور أيضاً، ووافقه جماعةٌ، إلا أنَّ إثم الصادق أخفُّ من إثم الكاذب كما قال القَمُوليُّ(٤). وإثم الحاكي على ما قال الرافعيُّ دون إثم المُنْشِدِ. وقال الأذرعيُّ: ليس هذا على إطلاقه، بل إذا استوى الحاكي والمنشدُ، أمَّا إذا أنشده ولم يُذِعْه فأذاعه الحاكي فإنمه أشدُّ بلا شكِّ. (١) ذكره الذهبي في الميزان ٣/ ٥٥٨ من طريق أبي يوسف القاضي عن الكلبي به. وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢١٣١/٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعراً هجيت به)) والكلبي متروك، وروى البخارى عن سفيان: قال لي الكلبي: كلُّ ما حدَّثتك عن أبي صالح فهو كذب. وحديث أبي هريرة به أخرجه أحمد (٧٨٧٤)، والبخاري (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧) بمثل حديث أبي سعيد السالف. (٢) هو: عبد الرحمن بن عيسى بن مرشد، أبو الوجاهة العمري، المعروف بالمرشدي الحنفي، مفتي الحرم المكي، توفي مقتولاً سنة (١٠٣٧هـ). خلاصة الأثر ٣٦٩/٢. (٣) كما في الزواجر ٢٠٤/٢، وعنه نقل المصنف ما سيأتي من أقوال. (٤) هو: أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكيٍّ بن ياسين، أبو العباس نجم الدين، له: البحر المحيط في شرح الوسيط، وشرح مقدمة ابن الحاجب، وله تكملة على تفسير الفخر الرازي، توفي سنة (٧٢٧هـ). طبقات الشافعية ٩/ ٣٠، وطبقات المفسرين للأدنهوي ص٢٦٨. وكلامه من كتابه جواهر البحر كما في الزواجر ٢/ ٢٠٢. الآية : ٢٢٧ ٣٣٣ سُؤَةُ الشعراء واحتُرِز بقيد المسلم عمَّا فيه الهجوُ لكافرٍ؛ فإنَّ فيه تفصيلاً، وفصّل بعضُهم ما فيه الهجوُ لمسلم أيضاً، وذلك أنَّ كثيراً من العلماء أطلقوا جوازَ هجوٍ الكافر استدلالاً بأمره وَّةٍ حَسَّاناً ونحوَه بهجوِ المشركين. وقال بعضهم: محلٌّ ذلك الكفارُ على العموم، وكذا المعيَّنُ الحربيُّ ميتاً كان أو حيًّا حيث لم يكن له قريبٌ معصومٌ يتأذَّى به، وأما الذمِّي أو المعاهَدُ أو الحربيُّ الذي له قريبٌ ذمِّيٌّ أو مسلمٌ يتأذَّى به، فلا يجوزُ هجوه كما قال الأذرعيُّ وابن العماد وغيرُهما، وقالوا: إنَّ هجوَ حسان وإن كان في معيَّنٍ لكنه في حربيٍّ، وعلى التنزُّل فهو ذبٌّ عن رسول الله وَّهِ، فيكون من القُرَبِ فضلاً عن المباحات. وألحق الغزاليُّ(١) وتبعه جمعٌ المبتدعَ بالحربيِّ، فيجوز هَجْوُه ببدعته، لكنْ لمقصدٍ شرعيٍّ کالتحذير من جهته. وجوَّز ابنُّ العماد هَجْوَ المرتدِّ دون تارك الصلاة والزاني المحصَن. وما قاله في المرتدِّ واضحٌ لأنه كالحربيِّ بل أقبح، وفي الأخيرين محلَّه حيث لم يتجاهَرُ(٢)، أمّا المتجاهِرُ بفسقه فيجوزُ هَجْوُه بما تجاهَرَ به فقط؛ لجواز غيبته بذلك فقط. وقال البلقينيُّ: الأرجحُ تحريمُ هَجْوِ المتَجاهر المذكورِ لا لِقَصْدِ (٣) زَجْرِه؛ لأنه قد يتوبُ وتبقى وصمةُ الشعر السائر عليه، ولا كذلك الكافرُ إذا أسلم. وردَّ بأنَّ مجاهرته بالمعصية وعدمَ مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيَّراه غير محترمٍ ولا مراعًى، فهو المهدِرُ لحرمة نفسه بالنسبة لِمَا تَجَاهَر به، فلَمْ يبالِ ببقاء تلكَ الوصمة عليه. نعم لو قيل بحرمة إنشاده بعد التوبة إذا كان يتأذَّى به هو أو قريبُه المسلم أو الذميُّ، أو بعد موته إذا كان يتأذَّى به مَن ذُكر لم يَبْعُدْ. وذَكَر جماعةٌ أنَّ من جملة المحظور أيضاً ما فيه تشبيبٌ بغلامٍ ولو غيرَ معَيَّنٍ مع ذِكْرٍ أنه يعشقُه، أو بامرأةٍ أجنبيةٍ معيَّنةٍ وإن لم يذكرها بفحشٍ، أَو بامرأةٍ مبهمةٍ مع (١) في الإحياء ٢/ ٢٨٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في الزواجر ٢٠٣/٢. (٢) في الزواجر: يتجاهرا. (٣) في الزواجر: إلا لقصد. سُورَةُ الشَّجَرَاء ٣٣٤ الآية : ٢٢٧ ذِكْرِها بالفحش، ولم يفرِّقوا بين إنشاء ذلك وإنشاده. واعتبر بعضُهم التعيينَ في الغلام كالمرأة، فلا يحرمُ التشبيب بمبهَم؛ قال الأذرعيُّ: وهو الأقربُ، والأول ضعيفٌ جدّاً. وقال أيضاً: يجب القطعُ بأنه إذا شبَّب بحليلته ولم يذكر سوى المحبةِ والشوقِ، أو ذكر شيئاً من التشبيهات الظاهرة، أنه لا يضرُّ، وكذا إذا ذكر امرأةٌ مجهولةً ولم يذكر سوءاً. وفي ((الإحياء)»(١): في حرمةِ التشبيب بنحو وَصْفِ الخدود والأصداغ وسائر أوصاف النساء نظرٌ، والصحيحُ أنه لا يحرُمُ نَظْمُه ولا إنشادُه بصوتٍ وغيرٍ صوتٍ(٢)، وعلى المستمع أن [لا] ينزله على امرأةٍ معيَّنةٍ، فإنْ نزَّله على حليلته جاز، أو على غيرها فهو العاصي بالتنزيل، ومَن هذا وصفُه فينبغي أن يجتنب السماع. وذكر بعضُ الفضلاء أنَّ ما يحرُم إنشاؤه قد لا تحرُم روايتهُ، فإنَّ المغازيّ رُوي فيها قصائدُ الكفار الذين هاجَوا فيها الصحابةَ ﴿ه، ولم ينكر ذلك أحدٌ، وقد روي أنه ◌َ﴿ أذن في الشعر الذي تقاوَلَتْ به الشعراءُ في يوم(٣) بدر وأُحُد وغيرهما، إلا قصيدةً ابن أبي الصلت الحائية (٤). انتهى. قال الأذرعيُّ: ولا شكَّ في هذا إذا لم يكن فيه فحشٌ ولا أذّى لحيٍّ أو ميتٍ من المسلمين، ولم تَدْعُ حاجةٌ إليه، وقد ذَمَّ العلماء جريراً والفرزدقَ في (١) إحياء علوم الدين ٢٨٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في الزواجر ٢٠١/٢، وما سيأتي بين حاصرتين منهما . (٢) في الإحياء: بلحن وغير لحن. (٣) في (م): يومي، والمثبت من الأصل والزواجر ٢/ ٢٠٢. (٤) أخرجه أبو يعلى (٦٠٥٩) من حديث أبي هريرة عظته بلفظ: رخّص رسول اللهِ وَّ في شعر الجاهلية إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت في أهل بدر، وقصيدة الأعشى في ذكر عامر وعلقمة. وفي إسناده أبو بكر الهذلي، قال عنه ابن حبان في المجروحين ٣٠٩/١: يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات. وقصيدة أمية الحائية هي التي رثى بها من قتل من المشركين ببدر، فكان من رؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهما ابنا خاله. الخزانة ٢٥١/١. الآية : ٢٢٧ ٣٣٥ سُؤَةُ الشَّجَرَّة تَهاجِيهما ولم يذمُّوا مَن اسْتَشْهَد بذلك على إعرابٍ وغيرِه من علم اللسان، ويجب حَمْلُ كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادةُ أهل اللعب والبطالة، وعلى إنشاد شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراماً؛ إذ ليس فيه إلا أذّى أو وقيعةٌ في الأحياء، أو إساءة الأحياء في أمواتهم، أو ذكرُ مساوي الأموات، وغير ذلك، وليس مما يُحتجُّ به في اللغة ولا غيرها، فلم يبق إلا اللعبُ بالأعراض. وزاد بعضٌ حرمةَ شعرٍ فيه تعريضٌ، وجَعَلَ التعريضَ في الهجو كالتصريح، وله وجهٌ وجيه. وقال آخر: إنَّ ما فيه فخرٌ مذمومٌ، وقليلُه ككثيرِهِ، والحقُّ أنَّ ذلك إن تضمَّن غرضاً شرعيًّا فلا بأس به، وللسلف شعرٌ كثيرٌ من ذلك، وقد تقدَّم لك بعضُ منه. وحمل الأكثرون الخبرَ السابق على ما إذا غلب عليه الشعرُ ومَلَكَ نفسَه، حتى اشتغل به عن القرآن والفقه ونحوهما، ولذلك ذكر الامتلاء، والحاصل أنَّ المذموم امتلاءُ القلب من الشعر بحيث لا يتّسع لغيره، ولا يلتفتُ إليه. وليس في الخبر ذمُّ إنشائه ولا إنشاده لحاجةٍ شرعيةٍ وإلَّا لوقع التعارُضُ بينه وبين الأخبار الصحيحة الدالّة على حِلِّ ذلك، وهي أكثر من أن تُحْصَى، وأبعدُ من أن تقبل التأويل كما لا يخفى، وما رُوي عن الإمام الشافعيِّ من قوله: ولولا الشعرُ بالعلماء يزري لكنتُ اليومَ أَشْعَرَ من لبيدٍ(١) محمولٌ على نحو ما حَمَلَ الأكثرون الخبرَ عليه، وإلا فما قاله شعرٌ، وفي معناه قولُ شيخنا علاء الدين علي أفندي تغمَّده الله تعالى برحمته مخاطباً خاتمةً الوزراء في الزوراء دواد باشا من أبيات: لقُمْتُ ما بين مُنْشِيهِ ومُنْشِدِهِ ولو لداعيه يرضى الشعر منقبةً هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى كلامٌ يتعلَّق بهذا البحث أيضاً عند الكلام في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى﴾ [يس: ٦٩]. (١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٧٢. سُورَةُ الشعراء ٣٣٦ الآية : ٢٢٧ ومن اللطائف أنَّ سليمان بن عبد الملك سمع قول الفرزدق: فِتْنَ بجانبيَّ مُصَرَّعاتٍ وبتُّ أفضُّ أغلاقَ الختام فقال له: قد وجب عليكَ الحدّ. فقال: يا أمير المؤمنين، قد درأ الله تعالى عني الحدَّ بقوله سبحانه: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ)(١). ﴿وَسَيَعْدُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٨﴾ تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ؛ لِمَا في (سيعلم)) من تهويل متعلّقه، وفي ((الذين ظلموا)) من الإطلاق والتعميم، وقد كان السلف الصالحُ يتواعظون بها، وختم بها أبو بكرٍ رَظُّه وصيّته حين عهد لعمر رُبه، وذلك أنه أمر عثمان ظلبه أن يكتب في مرض موته حينئذٍ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عَهِدَ به أبو بكر بن أبي قُحافةً عند آخِرِ عَهْدِه بالدنيا وأولٍ عَهْدِه بالآخرة، في الحال التي يؤمنُ فيها الكافرُ ويتَّقي فيها الفاجرُ، ويَصْدُقُ فيها الكاذب، أنِّي قد استخلفتُ عليكم عمر بن الخطاب، فإنْ يعدل فذاك ظنِّ به ورجائي فيه، وإن يَجُرْ ويبدِّل فلا عِلْمَ لي بالغيب، والخيرَ أردتُ، ولكلِّ امرئ ما اكتسب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ)(٢). وتفسير الظلم بالكفر وإن كان شائعاً في عدَّة مواضعَ من القرآن الكريم إلّا أنَّ الأنسب على ما قيل هنا الإطلاقُ؛ لمكان قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ). وقال الطيبيُّ: سياقُ الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله وَّر، وما لقي منهم من الشدائد كما مرَّ من أول السورة، يؤيِّد تفسيرَ الظلم بالكفر. وروى محيي السنَّةِ: ((الذين ظلموا)): أشركوا وهَجَوا رسول الله وَّلِينَ(٣). وقرأ ابن عباس، وابن أرقم عن الحسن: ((أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتون)) بالفاء والتاء الفوقية(٤)، من الانفلات بمعنى النجاة، والمعنى: إن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى، وسيعلمون أنْ ليس لهم وجهٌ من وجوه الانفلات. (١) الأغاني ٣٧٣/٢١، والكشاف ١٣٣/٣. (٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٦٧٢/٢، وابن أبي حاتم ٢٨٣٦/٩-٢٨٣٧. (٣) تفسير البغوي ٤٠٥/٣ . (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٨، والبحر ٤٩/٧، والكلام منه. التفسير الإشاري (١-٢١٤) ٣٣٧ سُورَةُ الشَّعراء و((سيعلم)) هنا معلّقة، و((أيَّ)) استفهام مضافٌ إلى ((منقلب))، والناصبُ له (ينقلبون))، والجملة سادَّةٌ مسدّ المفعولين، كذا في ((البحر))(١). وقال أبو البقاء: (أَنَّ مُنقَلَبٍ) مصدرٌ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ (يَنْقَلِبُونَ) أي: ينقلبون انقلاباً أيَّ منقلبٍ، ولا يعملُ فيه (يَعْلَمُ) لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله(٢). وتعقّب(٣) بأنه تخليط؛ لأنَّ (أَيّا) إذا وصف بها لم تكن استفهاماً، وقد صرَّحوا بأنَّ الموصوف بها قسيمُ الاستفهامية، وتحقيقُ انقسام (أََّّ) يُطلب من كتب النحو، والله تعالى أعلم. ومما قيل في بعض الآيات من باب الإشارة: ﴿طنّمْ﴾ قال الجنيد: الطاءُ طَرَبُ التائبين في ميدان الرحمة، والسينُ سرورُ العارفين في ميدان الوصلة، والميم مقامُ المحبِّين في ميدان القربة. وقيل: الطاءُ طهارةُ القدم من الحدثان، والسين سناءُ صفاتِه تعالى التي تكشفُ في مرايا البرهان، والميم مَجْدُه سبحانه الذي ظهر بوصف البهاء في قلوب أهل العرفان. وقيل: الطاءُ طهارةُ قلبٍ نبيِّه ◌َّهِ عن تعلُّقات الكونين، والسينُ سيادتهُ نَّال على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، والميم مشاهدتهُ عليه الصلاةُ والسلام جمالَ ربِّ العالمين. وقيل: الطاءُ شجرة طُوبَى، والسينُ سِدْرةُ المنتهى، والميمُ محمدٌ بَّهِ. وقيل غير ذلك. ﴿لَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِينَ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى كمال شفقته بَّهِ على أمته، وأنَّ الحرص على إيمان الكافر لا يمنع سوابقَ الحُكْم. (١) ٧ /٤٩ . (٢) الإملاء ١٢٥/٤. (٣) المتعقب هو أبو حيان في البحر ٧/ ٥٠ . سُورَةُ الشعراء ٣٣٨ التفسير الإشاري (١-٢١٤) ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ آَنْتِ اٌلْقَوْمَ الَِّمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ﴾ إلى آخر القصة، فيه إشارةٌ إلى حُسْنِ التعاضُدِ في المصالح الدينية، والتلطُّفِ بالضالِّ في إلزامه بالحجج القطعية، وأنه لا ينبغي عدمُ الاحتفال بمن ربَّيته صغيراً، ثم رأيته وقد مَنَحَه الله تعالى ما مَنَحَه من فضله كبيراً . وقال بعضهم: إن فيه إشارةً إلى ما في الأنفس، وجَعَلَ موسى إشارةً إلى موسى القلب، وفرعونَ إشارةً إلى فرعون النفس، وقومَه إشارةً إلى الصفات النفسانية، وبني إسرائيل إشارةً إلى الصفات الروحانية، والفَعْلَةَ إشارةً إلى قتل قبطيِّ الشهوة، والعصا إشارةً إلى عصا الذِّكر، أعني: لا إله إلا الله، واليدَ إشارةً إلى يد القدرةِ، وكونَها بيضاء إشارةً إلى كونها مؤيَّدةً بالتأييد الإلهي، والناظرين إشارةً إلى أرباب الكشف الذين ينظرون بنور الله تعالى، والسَّحرةَ إشارةً إلى الأوصاف البشرية والأخلاق الرديَّة، والناسَ إشارةً إلى الصفات الناسوتية، والأجرَ إشارةً إلى الحظوظ الحيوانية، والحبالَ إشارةً إلى حبال الحيل، والعصيَّ إشارةً إلى عصيِّ التمويهات والمخيّلات، والمدائن إشارةً إلى أطوار النفس، وهكذا. وعلى هذا الطريق سلكوا في الإشارة في سائر القصص، فجعلوا إبراهيم إشارةً إلى القلب، وأباه وقومه إشارةً إلى الروح وما يتولَّد منها، والأصنامَ إشارةً إلى ما يلائم الطباع من العُلْوِيَّات والسُّفْليات، وهكذا مما لا يخفى على مَن له قلب أو ألقَى السَّمْعَ وهو شهيد. وللشيخ الأكبر قدِّس سرُّه في هذه القصص كلامٌ عجيبٌ مَن أراده فليطلبه في كتبه، وهو قدِّس سرُّه ممن ذهب إلى أنَّ خطيئة إبراهيم عليه السلام التي أرادها بقوله: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِ يَوْمَ الَّذِينِ﴾ كانت إضافةً المرض إلى نفسه في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضِتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وقد ذكر قدِّس سرّه أنه اجتمع مع إبراهيم عليه السلام فسأله عن مراده بها فأجابه بما ذُكر. وقال في باب أسرار الزكاة من (الفتوحات)): إنَّ قول الرسول: ((إن أجري إلا على ربِّ العالمين)) لا يقدحُ في كمال عبوديته، فإنَّ قوله ذلك لأنْ يُعْلِمَ أنَّ كلَّ عملٍ خالصٍ يطلب الأجر بذاته، وذلك لا يُخْرِجُ العبدَ عن أوصاف العبودية، فإنَّ العبد في صورة الأجير وليس التفسير الإشاري (١-٢١٤) ٣٣٩ سُورَةُ الشَّجَرَآء بأجيرٍ حقيقةً، إذ لا يستأجِرُ السيدُ عبدَه بل يَسْتأجِرُ الأجنبيَّ وإنما العملُ نفسُه يقتضي الأجرة، وهو لا يأخذها وإنما يأخذها العامل وهو العبدُ، فهو قابضُ الأجرة من الله تعالى، فأشْبهَ الأجيرَ في قبض الأجرة وخالفه بالاستئجار (١). اهـ. وحقَّق أيضاً ذلك في الباب السادس عشر والثلاث مئة من ((الفتوحات))(٢). وذكر في الباب السابع عشر والأربع مئة منها أنَّ أجر كلِّ نبيِّ يكون على قَدْرِ ما ناله من المشقّة الحاصلة له من المخالفين(٣). ﴿وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنه ليس للشيطان قوةٌ حَمْلِ القرآن؛ لأنه خُلِقَ من نارٍ وليس لها قوةُ حَمْلِ النور، ألا ترى أنَّ نار الجحيم كيف تستغيثُ عند مرور المؤمن عليها، وتقول: ((جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورُك لَهبي))(٤)؟ ولنحو ذلك ليس له قوةٌ على سمعه، وهذا بالنسبة إلى أول مراتب ظهوره، فلا يَرِدُ أنه يلزم على ما ذُكر أن الشياطين لا يسمعون آيات القرآن إذا تلوناها ولا يحفظونها، وليس كذلك. نعم ذُكر أنهم لا يقدرون أن يسمعوا آية الكرسيِّ وآخر ((البقرة))، وذلك لخاصيةٍ فيهما . ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَفْرَينَ﴾ فيه إشارة إلى أنَّ النسب إذا لم ينضمَّ إليه الإيمانُ لا ينفع شيئاً، ولمَّا كان حجابُ القرابة كثيفاً أُمر ◌َّةِ بإنذار عشيرته الأقربين. ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاَكَ لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ هم أهلُ النسب المعنويِّ الذي هو أقرب من النسب الصُّوري، كما أشار إليه ابنُ الفارض قدِّس سرُّه بقوله: بيننا من نَسَبٍ من أَبَوَي(٥) نَسَبٌ أقربُ في شَرْعِ الھوی وأنا أَحْمَدُ الله تعالى كما هو أهلُه على أنْ جَعَلني من الفائزين بالنسبين، حيث (١) بنحوه في الفتوحات ١/ ٥٧٥. (٢) الفتوحات ٣/ ٦٣. (٣) الفتوحات ٢٣/٤. (٤) سلف ١٦/ ١٤٩ . (٥) ديوان ابن الفارض ص١٩. سُورَةُ الشعراء ٣٤٠ التفسير الإشاري (١-٢١٤) وَهَبَ لي الإيمان، وجعلني من ذرِّية سيد الكونين وَّ، فها أنا من جهةٍ أمِّ أبي من ذرِّية الحسن، ومن جهة أبي من ولد الحسين : نسبٌ كأنَّ علیه من شمس الضحى نوراً ومن فَلَق الصباح عمودا والله عزَّ وجل هو وليُّ الإحسان المتفضِّل بصنوف النعم على نوع الإنسان، والصلاةُ والسلامُ على سيد العالمين وآله وصحبه أجمعين.