Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٦٥ ٢٠١ سُورَةُ الشّعراء سائقاً أحسنَ سياقاً من هذا. وقال آل فرعون: ما رأينا وازعاً أحسنَ زعةً من هذا(١). وقرأ الحسن وأبو حيوة: ((وزَلَفْنا)) بدون همزة (٢). وقرأ أبيٌّ وابن عباس وعبد الله بن الحارث: ((وأزْلَقْنا)) بالقاف عوضَ الفاء(٣)، أي: أزلقنا أقدامهم، والمعنى: أذهبنا عزَّهم كقوله: تداركتُما عبساً وقد ثُلَّ عرشُها وذبيان إذ زلَّتْ بأقدامها النعلُ(٤) ويحتملُ أن يجعل الله تعالى طريقهم في البحر على خلافٍ ما جعله لبني إسرائيل يَساً، فيزلقهم فيه. هذا، وقال صاحب ((اللوامح)): قيل: مَن قرأ(٥) بالقاف أراد بـ ((الآخَرين)) فرعونَ وقومه، ومَن قرأ بالفاء أراد بهم موسى عليه السلام وأصحابه،أي: جمعنا شملَهم وقرَّبناهم بالنجاة. ولا يخفى أنه يُبْعِدُ إرادةَ موسى عليه السلام وأصحابِه من ((الآخَرين)) قولُه ﴾ أي: وأنجيناهم من الهلاك في أيدي سبحانه: ﴿وَجَّنَا مُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ: أَجْمَعِينَ (ِّ أعدائهم، ومن الغَرَقِ في البحر بحِفْظِه على تلك الهيئة إلى أن خرجوا إلى البرِّ. وقيل: ((ومَن معه)) للإشارة إلى أنَّ إنجاءهم كان ببركة مصاحبةٍ موسى عليه السلام ومتابعته . وقيل: لينتظم مَن آمَن به عليه السلام من القِبْطِ؛ إذ لو قيل: وقومَه، لتَبادَرَ منه بنو إسرائيل، وفيه بحثٌ. (١) فتوح مصر ص ٨٥ - ٨٦. (٢) البحر ٧/ ٢٠. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والمحتسب ١٢٩/٢، والبحر ٢٠/٧. (٤) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ١٠٩ برواية: تداركتما الأحلاف قد ثلَّ ... ، قال الشارح: الأحلاف: عبس وفزارة. وتُلَّ عرشها: هذا مَثَلٌ، أي: أصابها ما كسرها وهدمها . (٥) كذا ذكر المصنف، والذي في البحر ٧/ ٢٠ يشير إلى أن هذا الكلام هو لصاحب البحر، .... ففيه: ((أزلقنا)) بالقاف، أي: أزللنا؛ قاله صاحب ((اللوامح)). قيل: من قرأ سُورَةُ السَّعراء ٢٠٢ الآية : ٦٦ - ٦٧ ٦٦ فرعون وجنوده بإطباق البحر علیهم بعد خروج موسى ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِنَ عليه السلام ومَن معه، وكان له وجبةٌ؛ روي عن ابن عباس: أنَّ بني إسرائيلَ لمَّا خرجوا سمعوا وجبةَ البحر، فقالوا: ما هذا؟ فقال موسى عليه السلام: غَرِقَ فرعونُ وأصحابه. فرجعوا ينظرون، فألقاهم البحرُ على الساحل. والتعبيرُ عن فرعون وجنوده بـ ((الآخَرين)) للتحقير. والظاهر أنَّ ((ثُم)) للتراخي الزماني، ولعل الأولى حملُها على التراخي المعنوي لِمَا بين المعطوفين من المباعَدةِ المعنوية. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من القصة، وما فيه من معنى البُعْدِ لتعظيم شأن المشارِ إليه. وقيل: لبُعْدِ المسافة بالنظر إلى مبدأ القصة. ﴿لَآيَةٌ﴾ أي: لآيَةً عظيمةً تُؤْجِبُ الإيمانَ بموسى عليه السلام، وتصديقَه بما جاء به. وأريدَ بها - على ما قيل - انقلابُ العصا ثعباناً، وخروجُ يدِه عليه السلام بيضاءَ للناظرين، وانفلاقُ البحر، وأُفْرِدتْ لاتِّحاد المدلول. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: أكثرُ قوم فرعونَ الذين أُمِرَ موسى عليه السلام أن يأتيهم، وهم القِبْطُ على ما استظهره أَبو حيان(١)، حيث لم يؤمن منهم سوى مؤمنٍ آلٍ فرعون، وآسيةَ امرأةٍ فرعون، وبعضٍ السحرة على القول بأنَّ بعضَهم من القِيْطِ لا كلَّهم كما عليه أهلُ الكتاب، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ كلام بعضٍ منَّا، والعجوزِ التي دلَّت موسى على قبرٍ يوسفَ عليهما السلام ليلةً الخروج من مصر لیحمِلَ عظامه معه. وقيل: المراد بالآية ما كان في البحر من إنجاء موسى عليه السلام ومَن معه وإغراقِ الآخَرين، وضميرُ ((أكثرهم)) للناس الموجودين بعد الإغراق والإنجاءٍ من قوم فرعونَ الذين لم يخرجوا معه لعذرٍ ومن بني إسرائيل، والمراد بالإيمان المنفيِّ عنهم التصديقُ اليقينيُّ الجازم الذي لا يقبل الزوال أصلاً، أي: وما كان أكثر الناس الموجودين بعد تحقّق هذه الآية العظيمة وظهورِها مصدِّقين تصديقاً يقينيّاً جازماً لا يقبلُ الزوال، فإنَّ الباقين في مصر من القِبْطِ لم يؤمن أحدٌ منهم مطلقاً، (١) في البحر ٧/ ٢١. الآية : ٦٧ ٢٠٣ سُورَةُ السَّعراء وأكثرُ بني إسرائيل كانوا غير متيقِّنين، ولذا سألوا بقرةً يعبدونها وعبدوا العجلَ، فلا يقال لهم مؤمنون بالمعنى المذكور، ويكفي في إيمان البعض الذي يدلُّ عليه المفهومُ كونُ البعضِ المؤمنِ من بني إسرائيل، وحيث كان المراد: وما كان أكثرهم بعد تحقَّقِ آيتي الإغراق والإنجاء وظهورِهما مؤمنين، لا يصحُّ جَعْلُ الضمير للقِبْطِ إلا ببيانِ الأقلِّ المؤمنِ والأكثرِ الكافر منهم بعد تحقَّقِ الآيتين، وما ذكر في بيان الأقلِّ المؤمنِ منهم ليس كذلك؛ إذ إيمانُ مَن ذُكِرَ كان في ابتداء الرسالة، على أنَّ العجوز من بني إسرائيل كما جاء في حديثٍ أخرجه الفريابيُّ وعبد بن حميد وابنُ أبي حاتم والحاكمُ وصحَّحه عن أبي موسى مرفوعاً(١)، بل أخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ًا أنها شارح ابنة أشير بن يعقوب عليه السلام(٢). فهي بنتُ أخي يوسف عليه السلام، فتكونُ أقربَ من موسى عليه السلام إلى إسرائيل. وأجيب بأنَّ مَن يُرْجِعُ الضميرَ على القِبْطِ لا يلزمُه أن يفسِّر الآيةَ بالإغراق والإنجاء، بل يقول: المراد بها المعجزاتُ من العصا واليدِ وانفلاقِ البحر، ويقول: إنَّ إيمان الأقلِّ بعد تحقُّقٍ بعضها كافٍ لاتِّحاد مدلولها في تحقّق المفهوم. وأمَّا إرجاعُ الضمير على الناس الموجودين بعد الإغراق والإنجاءِ من بني إسرائيل وقومٍ فرعونَ الذين لم يخرجوا معه فخلافُ الظاهر. وكذا حَمْلُ الإيمان على ما ذُكر، وجَعْلُ أكثر بني إسرائيل المخصوصين بالإنجاء غيرَ مؤمنين، وإنْ حَصَلَ منهم عند وقوع بعض الآيات ما لا ينبغي صدُوره من المؤمنين فإنهم لم يستمرُّوا عليه؛ فقد أخرج الخطيب في ((المتفق والمفترق)) عن أبي الدرداء: جَعَلَ النبيُّ نَّهِ يصفّق بيديه ويعجَبُ من بني إسرائيل وتعنُّتِهم، لمّا (١) المستدرك ٤٠٤/٢-٤٠٥ و٥٧١- ٥٧٢، وعزاه لعبد بن حميد والفريابي وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٨٧/٥-٨٨. وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٧٢٥٤)، وابن حبان (٧٢٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧١/١٠ : رجال أبي يعلى رجال الصحيح. اهـ. وذكره ابن كثير عند تفسير الآيات (٥٢-٥٩) من سورة الشعراء بإسناده عن ابن أبي حاتم وقال: هذا حديث غريب جداً، والأقرب أنه موقوف. (٢) فتوح مصر ص٨١، وفيه: آشار، بدل: أشير، وذكره عنه السيوطي في الدر ٨٨/٥، وفيه: آشي. وجاء في حاشية (م): وذكر بعضهم أن اسم هذه العجوز مريم بنت ياموشا. اهـ منه. سُورَةُ السَّعراء ٢٠٤ الآية : ٦٧ حضروا البحرَ وحضر عدوُّهم جاؤوا موسى عليه السلام فقالوا: قد حَضَرَنا العدوُّ فماذا أمرتَ؟ قال: أن أنزل ها هنا، فإمَّا أنْ يفتحَ لي ربِّي ويهزمَهم، وإمَّا أن يَفْرقَ لي هذا البحر. فانطلق نفرٌ منهم حتى وقعوا في البحر، فأوحى الله تعالى إلى موسى: أنِ اضْرِبْ بعصاك البحر، فضَربه فتأطَّط كما يتأطّطُ العرشُ، ثم ضربه الثانيةَ فمثل ذلك، ثم ضربه الثالثةَ فانصدع، فقالوا: هذا عن غير سلطانِ موسى. فجازُوا البحرَ، فلم يُسمَعْ بقومٍ أعظمَ ذنباً ولا أسرعَ توبةً منهم(١). ومتى حُمِلَ الإيمانُ على ما ذُكر، وصحَّ نفيُ الإيمان عمَّن صدر منه ما يدلُّ على عدم رسوخه، جاز إرجاع الضمير على بني إسرائيل خاصة، فإنَّ أكثرهم لم يكونوا راسخين فيه. وظاهرُ عبارةِ بعضهم يوهمُ إرجاعَه إليهم، وليس ذاك بشيء. وقد سلك شيخ الإسلام(٢) في تفسير الآية مسلكاً تفرَّد في سلوكه فيما أظنُّ، فقال: ((إنَّ في ذلك))، أي: في جميع ما فُصِّل مما صَدَرَ عن موسى عليه السلام وظهر على يديه من المعجزات القاهرة، ومما فعل فرعونُ وقومُه من الأقوال والأفعال، وما فُعِلَ بهم من العذاب والنكال، ((لآيةً)) أي: أيّةً آيةٍ، أو آيةً(٣) عظيمة لا تكاد توصفُ، مُوجِبةً لأنْ يَعْتِرَ بها المعتبرون، ويقيسوا شأنَ النبيِّ وَ ل﴿ بشأن موسى عليه السلام، وحالَ أنفسِهم بحال أولئك المهلَكين، ويجتنبوا تعاطيَ ما كانوا يتعاطَوْنه من الكفر والمعاصي ومخالفةِ الرسولِ، ويؤمنوا بالله تعالى، ويطيعوا رسولَه وَلّ؛ كيلا يحلَّ بهم ما حلَّ بأولئك. أو: إنَّ فيما فصِّل من(٤) القصة من حيث حكايتُه عليه السلام إياها على ما هي عليه من غير أن يسمعها من أحدٍ، ((لآيةً)) عظيمةٌ دالَّةٌ على أنَّ ذلك بطريق الوحي الصادقٍ، موجبةً للإيمان بالله تعالى وحدَه وطاعةٍ رسوله وَّ، ((وما كان أكثرهم)) (١) المتفق والمفترق ١٢٦٤/٢-١٢٦٥، وسلف بعضه ص٨٦ من هذا الجزء. وذكره عن الخطيب السيوطي في الدر المنثور ٨٦/٥، وفيه: الفرش، بدل: العرش. وجاء في مطبوع المتفق والمفترق: ويقينهم، بدل: وتعنتهم. و: وقفوا، بدل: وقعوا. (٢) في تفسيره ٢٤٦/٦. (٣) في الأصل و(م): وآية، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٤) في (م): في، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. الآية : ٦٧ ٢٠٥ سُورَةُ الشعر أي: أكثرُ هؤلاء الذين سمعوا قصَّتهم منه عليه الصلاة والسلام ((مؤمنين)) لا بأنْ يقيسوا شأنه ﴿ ﴿ بشأن موسى عليه السلام، وحالَ أنفسهم بحالٍ أولئك المكذِّبين المهلَكينَ، ولا بأنْ يتدبَّروا في حكايته عليه الصلاة والسلام لقصَّتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كون كلٍّ من الطريقين ممَّا يؤدِّي إلى الإيمان قطعاً. ومعنى ((ما كان أكثرهم مؤمنين)): ما أكثرهم مؤمنين، على أنَّ ((كان)) زائدةٌ كما هو رأي سيبويه(١)، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وهو إخبارٌ منه تعالى بما سيكون من المشركين بعد سماع الآيات الناطقة بالقصة تقريراً لِمَا مرَّ من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّعَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُواْ﴾ إلخ [الشعراء: ٥-٦]. وإيثارُ الجملة الاسمية للدلالة على استقرارهم على عدم الإيمان، واستمرارِهم عليه. ويجوز أن تُجعل ((كان)) بمعنى ((صار)) كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] فالمعنى: وما صار أكثرهم مؤمنين مع ما سمعوا من الآية العظيمةِ الموجبة للإيمان بما ذُكر من الطريقين، فيكون الإخبارُ بعدم الصيرورة قبل الحدوث للدلالة على كمال تحقُّقه وتَقَرُّرِهِ، كقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُونَ﴾ [النحل: ١]. وادَّعى أن هذا التفسيرَ هو الذي تقتضيه جزالةُ النظم الكريم من مطلع السورة الكريمة إلى آخرِ القصص السبع، بل إلى آخر السورة الكريمة اقتضاءً بيِّناً . ثم قال: وأمَّا ما قيل من أنَّ ضمير ((أكثرهم)) لأهل عَصْرِ فرعون من القِبْطِ وغيرهم، وأنَّ المعنى: وما كان أكثرُ أهلِ مصرَ مؤمنين حيث لم يؤمن منهم إلَّا آسيةٌ ومؤمنُ آلٍ فرعون والعجوزُ التي دلَّت على قبر يوسفَ عليه السلام، وبنو إسرائيل بعد ما نَجَوا سألوا بقرةً يعبدونها، واتَّخذوا العجل، وقالوا: ((لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً) = فبمعزلٍ عن التحقيق، كيف لا ومساقُ كلِّ قصةٍ من القصص الواردة في السورة الكريمة سوى قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو لبيان حالٍ طائفةٍ معيّنةٍ قد عَتَوا عن أمر ربِّهم وعَصَوا رسلَه، كما يُفْصِحُ عنه تصديرُ القصص بتكذيبهم (١) في الكتاب ٧٣/١. سُوَةُ الشّعراء ٢٠٦ الآية : ٦٧ المرسَلين بعد ما شاهدوا (١) بأيديهم من الآيات العظام ما يوجبُ عليهم الإيمان، ويزجرُهم عن الكفر والعصيان، وأصرُّوا على ما هم عليه من التكذيب، فعاقبهم الله تعالى لذلك بالعقوبة الدنيوية، وقطع دابرهم بالكلِّية، فكيف يمكن أن يخبر عنهم بعدم إيمان أكثرهم، لا سيما بعد الإخبار بهلاكهم؟ وعدُّ المؤمنين من جملتهم أوَّلاً، وإخراجُهم منها آخِراً، مع عدم مشاركتهم لهم في شيء مما حكي عنهم من الجنايات أصلاً، مما يجب تنزيهُ التنزيل عن أمثاله. ورجوعُ ضمير ((أكثرهم)) في قصة إبراهيم عليه السلام إلى قومه مما لا سبيلَ إليه أيضاً أصلاً؛ لظهورٍ أنهم ما ازدادوا بما سمعوه منه إلا طغياناً وكفراً، حتى اجترؤوا على تلك العظيمة التي فعلوها به، فكيف يعبّر عنهم بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمَنَ له لوٌّ فنجَّاهما الله تعالى إلى الشام، فتدبَّر(٢). اهـ. وتعقّب بأنَّ فيه(٣) محذوراً من عدَّة أوجهٍ : أمَّا أوَّلاً: فِلِأَنَّ حَمْلَ ((كان)) على الصلة مع ظهورِ الوجه الصحيح غيرُ صحيح. وقد لزم هنا بعد هذا حَمْلُ الجملة الاسمية باعتبارِ الاستمرار على أنهم لا يكونون بعد نزول هذه الآية مؤمنين. وإن جُعِلَ بمعنى ((صار)» يلزمُ جَعْلَه مضارعاً، لكن عدل عنه للدلالة على كمال التحقُّق. وهذا أيضاً - مع إمكان المعنى العاري عن الاحتياج لذلك - غيرُ مناسب. وأمَّا ثانياً: فلأنَّ إرجاع ضمير ((أكثرهم)) إلى قوم نبيِّنا بِّهِ صَرْفٌ عن مرجعه المتقدِّم المذكورِ لفظاً سيَّما في القصص الآتية المصدَّرةِ بـ «كذَّبتْ)). وأمَّا ثالثاً: فلأنَّ قوله: لا بأن يقيسوا شأنه عليه الصلاة والسلام بشأن موسى عليه السلام .. إلخ. لا يخلو عن صعوبةٍ؛ إذ الأمرُ المشترك بينهما عليهما الصلاة والسلام ليس إلّا أنَّ كلّ منهما نبيٌّ مؤيَّدٌ بالمعجزات مطلقاً، وأمَّا إنْ نُظِرَ إلى خصوصيات المعجزات فلا يخفى أنه لا مشاركةَ بينهما. وكذا قياسُ حالهم على حال فرعون وقومِه لا يخلو عنها على هذا القياس. (١) بعدها في الأصل و(م): ما، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٢) تفسير أبي السعود ٦/ ٢٥٣-٢٥٤. (٣) في (م): فيها . الآية : ٦٧ ٢٠٧ سُؤَدَّةُ الشعراء وأما رابعاً: فلأنَّ قوله تعالى: (إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةٌ) إلخ قد ذكر على هذا النسق في سبعة مواضع، ولا بد من تنسيق تفسيره على نظام واحد فيها مهما أمكن. ومن جملة ذلك ما في قصة نبيِّ الله تعالى لوطٍ عليه السلام وقد ذُكر فيها من حالٍ قومه فِعْلُهم الشنيعُ المعهود ثم إهلاكُ جميعهم. وما في قصة نبيِّ الله تعالى شعيبٍ عليه السلام وقد ذكر فيها من حال أصحاب الأيكة عملُهم المتعلِّقُ بالكيل والوزن ثم إهلاكُ جميعهم، من غير تصريحٍ بحيثيةٍ كُفْرِ كلِّ قومٍ، فلا يناسب فيهما أن يقال: إنَّ في ذلك لآيةً موجبةً لإيمان قريش بأن يقيسوا حال أنفسهم بحال أولئك المهلکین، ويجتنبوا تعاطيَ ما كانوا يتعاطون من المعاصي. هذا على الطريق الأول. وأما الطريقُ الثاني ففيه أيضاً عدَّةُ محذورات: أما أوَّلاً وثانياً فلِمَا ذُكر أوَّلاً وثانياً. وأما ثالثاً: فلأنَّ كلّ من كلتا القصتين ذُكر هنا على وجه الإجمال، وذُكر مفصَّلاً في سورةٍ أخرى، وكلٌّ منهما ذِكْرٌ مُحْدَثٌ بحسب نزوله، فلا وجاهةً في أنْ يقال: وما أكثرهم مؤمنين بك بأنْ يتدبَّروا في حكايتك لقصتهم من غير أن تسمعها من أحدٍ، بناءً على أنهم قد سمعوها منه عليه الصلاة والسلام مفصّلةً قبل نزول هذه الآية، مع أنَّ كون حكايته وَّهِ ذلك من غير أن يسمعه من أحدٍ مما يؤدِّي إلى إيمانهم قطعاً محلٌّ ترُّدٍ. وأمَّا رابعاً: فلأنَّ آخِرَ هذه القصة قولُه تعالى: (وَأَنْجَنَا) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا) وكذا آخرُ قصةٍ لوط عليه السلام قولُه تعالى: (فَيْنَهُ) (ثُمَّ دَقَرْنَا) (وَأَمْطَرْنَا) فالمتبادرُ أن تكون الإشارةُ إلى نفس المحكيِّ المشتمل على الأفعال العجيبة الإلهية لا إلى حكايتها . وأما ما قاله في تزييف ما قيل فليس بشيءٍ أيضاً؛ لأنَّ نسبة التكذيب إلى كلِّ قوم من الأقوام الذين نسب إليهم إنما هي باعتبارِ الأكثر، كما يرشد إليه قولُه تعالى فيَ قصة قوم نوح عليه السلام حكايةً عنهم بعد أن قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. وقولُه عز وَّجلَّ بعد ذلك حكايةً عن نوح عليه السلام ما قال في جوابهم: ﴿وَمَآ أَنَّأْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِينَ﴾ [الشعراء: ١١٤] فيكون ضمير ((أكثرهم)) راجعاً إلى القوم غير ملاحظ فيهم ذلك. سُورَةُ الشَّجَرَة ٢٠٨ الآية : ٦٨ - ٦٩ ومثله كثيرٌ في الكلام، ويرادُ بالأكثر في المواضع السبعة جمعٌ موصوفون بزيادة الكثرة، سواءٌ كان البعض المؤمنُ واحداً أو أكثر، فلا يَرِدُ أنه كيف يعبر عن قوم إبراهيم عليه السلام بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمن له لوط عليه السلام، فتأمل. انتھی. ولا يخفَى ما فيه من الغثِّ والسمين. وأنا أختار كما اختار شيخُ الإسلام رجوعَ الضمير إلى قوم نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وأولُ السورة الكريمة وآخِرُها في الحديث عنهم، وتسليتِه ◌َّرِ عما قالوه في شأن كتابه الأكرم، ونَهْبِهِ صريحاً وإشارةً عن أن يذهب بنفسه الشريفة عليهم حسرات، وكلُّ ذلك يقتضي اقتضاءً لا ريبَ فيه رجوعَ الضمير إلى قومه عليه الصلاة والسلام، ويهوِّن أمرَ عدم رجوعه إلى الأقرب لفظاً، ويكون الارتباط على هذا بينَ الآيات أقوى. وأختار أنَّ الإشارة إلى ما تضمَّنَتْه القصةُ، وأنَّ المعنى: إنَّ فيما تضمَّنَتْه هذه القصةُ لآيَةً عظيمةً دالَّةً على ما يجب على قومك الإيمانُ به من شؤونه عزَّ وجلَّ، وما كان أكثرهم مؤمنين بذلك. وكذا يقال في جميع ما يأتي إن شاء الله تعالى، وكلُّ ذلك على نمطٍ ما تقدَّم. وكذا الكلامُ في ((كان)) وما يتعلَّق بالجملة، والكلامُ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوْ اٌلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ كالكلام فيما تقدَّم أيضاً، ولعل تخريج ما ذُكر على هذا الوجه أحسنُ من تخريج شيخ الإسلام، فتأمَّل، والله تعالى أعلم بحقائق ما أنزله من الكلام. ﴿وَتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عطفٌ على المضمَرِ العامل في ((إذ نادى)) إلخ، أي: اذكُر ذلك القومك واتُل عليهم ﴿نَبَّأَ إِزَهِيمَ (﴾ أي: خبرَه العظيمَ الشأنِ حَسْبَما أُوحِيَ إليك؛ ليتأكَّد عندك ـ لعَدَمِ تأثّرهم بما فيه - العلمُ بشدّةِ عنادِهم. وتغييرُ الأسلوب لمزيد الاعتناء بأمر هذه القصة؛ لأنَّ عدم الإيمان بعد وقوفهم على ما تضمَّنته أقوى دليلٍ على شدة شكيمتهم؛ لِمَا أنَّ إبراهيم عليه السلام جدُّهم الذي يفتخرون بالانتساب إليه والتأسِّي به عليه السلام. الآية : ٧٠ - ٧١ ٢٠٩ سُورَةُ الشّعراء إِذْ قَالَ﴾ منصوبٌ على الظرفية لـ ((نبأ)) على ما ذهب إليه أبو البقاء(١)، أي: نبأه وقتَ قوله ﴿لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ﴾. أو على المفعولية لـ ((اتل)) على أنه بدلٌ من ((نبأ)) على ما يقتضيه كلام الحوفيّ(٢)، أي: أتل عليهم وقتَ قوله لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾ على أنَّ المتلوَّ ما قاله عليه السلام لهم في ذلك الوقت. وضمير ((قومه)) عائدٌ على إبراهيم. وقيل: عائدٌ على أبيه ليوافق قوله تعالى: ﴿إِنّ أَرَكَ وَقَّوْمَكَ فِىِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]. ويلزمُ عليه التفكيك. وسألهم عليه السلام عمَّا يعبدون ليبنيَ على جوابهم أنَّ ما يعبدونه بمعزلٍ عن استحقاق العبادة بالكلِّيةِ، لا للاستعلام؛ إذ ذلك معلومٌ مشاهَدٌ له عليه السلام. لم يقتصروا على الجواب الكافي بأنْ ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَتَظَلُّ لَمَا عَلِكِفِينَ يقولوا: أصناماً، كما في قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوِّ﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى غير ذلك، بل أطنبوا فيه بإظهار الفعل وعَظْفِ دوام عكوفهم على أصنامهم مع أنه لم يَسأل عنه؛ قصداً إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثةِ من الابتهاج والافتخارِ بذلك. وهو على ما في (الكشف)) من الأسلوب الأحمق. والمرادُ بالظلول الدوامُ، كما في قولهم: لو ظلَّ الظلمُ هلك الناس. وتكون (ظلَّ)) على هذا تامةً. وقد قال بمجيئها كذلك ابنُ مالك(٣)، وأنكره بعضُ النحاة. وقيل: فِعْلُ الشيءِ نهاراً، فقد كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، فتكون ((ظلَّ)) على هذا ناقصةً دالَّةً على ثبوت خبرها لاسمها في النهار. واختار بعضُ الأجلَّةِ الأولَ لتبادُرِ الدوام، وكونِه أبلغَ مناسباً لمقام الابتهاج والافتخار، واختار الزمخشريُّ(٤) الثاني لأنه أصلُ المعنى، وهو مناسبٌ للمقام أيضاً؛ لأنه يدلُّ على إعلانهم الفعلَ لافتخارهم به. و((عاكفين)) على الأول حالٌ، وعلى الثاني خبرٌ، والجارُّ متعلِّقٌ به. وإيرادُ اللام (١) في الإملاء ١١٣/٤ . (٢) كما في البحر ٧/ ٢٢. (٣) في التسهيل ص٥٣. (٤) في الكشاف ١١٦/٣، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ١٦/٧. سُورَةُ الشّعرّة ٢١٠ الآية : ٧٢ دون ((على)) لإفادةِ معنّى زائدٍ، كأنهم قالوا: نظلُّ لأَجْلِها مُقْبِلين على عبادتها، أو مستديرين حولها. وهذا أيضاً - على ما قيل - من جملةٍ إطنابهم. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من تفصيل جوابهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ دَخَلَ فِعْلُ السماع على غيرِ مسموعٍ. ومذهبُ الفارسيِّ(١) أنه حينئذٍ يتعدَّى إلى اثنين، ولا بدَّ أن يكون الثاني مما يدلُّ على صوتٍ، فالكافُ هنا عنده مفعولٌ أولُ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، والتقدير: هل يسمعونكم تدعون، وحُذِفَ لدلالة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَدْعُونَ (®)﴾ عليه. ومذهبُ غيره أنه حينئذٍ متعدٍّ إلى واحد، وإذا وقعت بعده جملةٌ ملفوظةٌ أو مقدَّرةٌ فهي في موضع الحال منه إن كان معرفةً، وفي موضع الصفة له إن كان نكرةً. وجوِّز فيها البدليةُ أيضاً. وإذا دخل على مسموع تعدَّى إلى واحدٍ اتفاقاً، ويجوز أن يكون ما هنا داخلاً على ذلك على أنَّ التقدير: هل يسمعون دعاءكم، فحُذِفَ المضافُ لدلالة ((إذا تدعون» أيضاً عليه. وقيل: السماع هنا بمعنى الإجابة، كما في قوله وَله: ((اللهمّ إنِّي أعوذ بك من دعاءٍ لا يُسْمَع))(٢)، ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: هل يجيبونكم، وحينئذٍ لا نزاعَ في أنه متعدٍّ لواحدٍ ولا يحتاج إلى تقديرِ مضافٍ. والأَوْلَى إبقاؤه على ظاهرِ معناه فإنه أنسبُ بالمقام. نعم ربما يقال: إنَّ ما قيل أوفقُ بقراءةِ قتادة ويحيى بن يعمر: ((يُسْمِعونكم)) بضم الياء وكَسْرِ الميم من أَسْمِعَ(٣)، والمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديره: الجوابَ. (١) كما في البحر ٢٣/٧. (٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦٥٥٧)، والترمذي (٣٤٨٢)، والنسائي ٢٥٤/٨-٢٥٥ عن عبد الله بن عمرو. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن عمرو وأخرجه أحمد (٨٤٨٨)، وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائي ٢٦٣/٨، وابن ماجه (٣٨٣٧) من به. حديث أبي هريرة ظـ (٣) القراءات الشاذة ص١٠٧، والمحتسب ١٢٩/٢، والبحر ٢٣/٧. الآية : ٧٣ - ٧٦ ٢١١ سُورَةُ الشّعراء و((إذ)) ظرفٌ لِمَا مضى، وجيء بالمضارع لاستحضارِ الحالِ الماضية وحكايتها . وأمَّا كونُ ((هل)) تخلّصُ المضارعَ للاستقبال فلا يضرُّ هنا؛ لأنَّ المعتبرَ زمانُ الحُكُم لا زمانُ التكلُّم، وهو هنا كذلك لأنَّ السماع بعد الدعاء. وقال أبو حيان: لا بدَّ من التجوُّز في ((إذ)) بأن تُجْعلَ بمعنى ((إذا))، أو التجوُّز في المضارع بأنْ يُجعلَ بمعنى الماضي(١). واعتبارُ الاستحضارِ أبلغُ في التبكيت. وقرئ بإدغام ذال ((إذ)) في تاء ((تدعون)) وذلك بقَلْبِها تاءً وإدغامها في التاء(٢). ﴿أَوْ يَنفَعُونَّكُمْ﴾ بسبب عبادتكم لهم ﴿أَوْ يَضُرُّونَ ﴾﴾ أي: يضرُّونكم بتَرْكِكُم لعبادتهم؛ إذ لا بدَّ للعبادة - لا سيما عند كونها على ما وصفتُم من المبالغة فيها - من جَلْبٍ نَفْعٍ أو دفع ضرِّ. وتُرِكَ المفعولُ للفاصلة، ويدلُّ عليه ما قبله. وقيل: المراد: أو يضرُّون مَن أعرضَ عن عبادتهم كائناً مَن كان، وهو خلافُ الظاهر الذي يقتضيه العطفُ. ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (*َ﴾ أَضْرَبوا عن أن يكون لهم سمعٌ أو نفعٌ أو ضرٌّ اعترافاً بما لا سبيل لهم إلى إنكاره، واضطرُّوا إلى إظهار أنْ لا سَنَدَ لهم سوى التقليدٍ، فكأنهم قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعوننا ولا يضرُّون، وإنما وجدْنا آباءنا يفعلون مثلَ فِعْلِنا، ويعبدونهم مثلَ عبادتنا، فاقتدينا بهم. وتقديمُ المفعول المطلقِ للفاصلة. ، أي: أَنَظَرتُم فَأَبْصَرْتُم، أو: أتأمَّلتم(٣) فعلمتُم ﴿قَالَ أَفَهَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أيَّ شيءٍ استدمتُم على عبادته، أو: أيَّ شيءٍ تعبدونه ﴿أَنْتُمْ وَمَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ والكلامُ إنكارٌ وتوبيخٌ يتضمَّن بطلانَ آلهتهم وعبادتها، وأنَّ عبادتها ضلالٌ قدیمٌ لا فائدةَ في قِدَمِه إلا ظهورُ بطلانِهِ، كما يؤذِنُ بهذا وصفُ آبائهم بالأقدمين. وقولُه (١) البحر ٢٣/٧، وقال أبو حيان أيضاً: وقد ذكر أصحابنا أن من قرائن صرف المضارع إلى الماضي إضافة ((إذ)) إلى جملة مصدَّرة بالمضارع، ومثَّلوا بقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: وإذ قلت. (٢) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وهشام وخلف. التيسير ص٤١-٤٢، والنشر ٢/٢-٣. (٣) في (م): تأملتم. سُورَة الشعراء ٢١٢ الآية : ٧٧ تعالى: ﴿فَهُمْ عَدُوٌّ لِ﴾ قيل: تعليلٌ لِمَا يُفهم من ذلك من أني لا أعبدهم، أو لا تصحُ عبادتهم. وقيل: خبرٌ لـ ((ما كنتم)) إذ المعنى: أفأخبِرُكم وأُعْلِمُكم بمضمون هذا. واختار بعض الأجلَّةِ أنه بيانٌ وتفسيرٌ لحالٍ ما يعبدونه، التي لو أحاطوا بها علماً لَمَا عبدوه، أي: فاعلموا أنهم أعداءٌ لعابِدِيهم الذين يحبُّونهم كحبِّ الله تعالى؛ لما أنهم يتضرَّرون من جهتهم تضرُّرَ الرجل من جهة عدوِّه، فإطلاقُ العدوِّ عليهم من باب التشبيه البليغ. وجوِّز أن يكون من باب المجازِ العقليِّ بإطلاق وَصْفِ السَّبب على المسبّب من حيث إن المُغْريَ والحاملَ على عبادتهم هو الشيطانُ الذي هو عدوٌّ مبينٌ للإنسان. والأول أظهر. والداعي للتأويل أنَّ الأصنام لكونها جماداتٍ لا تصلحُ للعداوة. وما قيل: إنَّ الكلامَ على القلب، والأصل: فإني عدوٌّ لهم، ليس بشيء. وقال النسفي: العدوِّ اسمٌ للمُعادي والمُعادَى جميعاً (١)، فلا يحتاجُ إلى تأويل ويكون كقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. وصوَّر الأمر في نفسه تعريضاً لهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] ليكون أبلغَ في النصح، وأدْعَى للقبول. ومن هنا استعمل الأكابرُ التعريضَ في النصح، ومنه ما يُحكَى عن الشافعيِّ أنَّ رجلاً واجهه بشيءٍ، فقال: لو كنتُ بحيث أنتَ لاحتجتُ إلى أدب. وسمع رجلٌ ناساً يتحدَّثون في الحِجْرِ فقال: ما هو بيتي ولا بيتُكم (٢). وضميرُ ((إنهم)) عائدٌ على ((ما)) وجُمع مراعاةً لمعناها، وإفرادُ العدوِّ مع أنه خبرٌ عن الجمع إمَّا لأنه مصدرٌ في الأصل، فيطلقُ على الواحد المذكَّر وغيرِهِ، أو الاتّحاد الكلِّ في معنى العداوة، أو لأن الكلام بتقديرٍ: فإنَّ كلّ منهم، أو لأنه بمعنى النسب، أي: ذو كذا، فيستوي فيه الواحدُ وغيره(٣)، كما قيل. (١) لم نقف عليه في تفسير النسفي. (٢) ذكرهما الزمخشري في الكشاف ١١٦/٣. (٣) كما في قولك: هم ذو عداوة. حاشية الشهاب ٧/ ١٧ . الآية : ٧٨ ٢١٣ سُورَةُ الشَُّعَرَآء ﴾﴾ استثناءٌ منقطعٌ من ضمير ((إنهم)) عند WV وقوله سبحانه ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ( جماعةٍ منهم الفرَّاء(١)، واختاره الزمخشريُّ(٢)، أي: لكن ربُّ العالمين ليس كذلك؛ فإنه جلَّ وعلا وليُّ مَن عَبَدَه في الدنيا والآخرة، لا يزال يتفضَّلُ عليه بالمنافع. وقال الزجَّاج: هو استثناءٌ متَّصلٌ من ذلك الضمير العائدِ على ((ما تعبدون))، ويُعتبر شمولُه لله عزَّ وجلَّ، وفي آبائهم الأقدمين مَن عَبَدَ الله جلَّ وعلا من غير شكِّ. أو يقال: إنَّ المخاطبين كانوا مشركين وهم يعبدون الله تعالى والأصنام(٣). وتخصيصُ الأصنام هنا بالذكر للردِّ، لا لأنَّ عبادتهم مقصورةٌ عليها، ولو سلِّم أنه لذلك فهو باعتبارِ دوام العكوف، وذلك لا ينافي عبادتَهم إياه عزَّ وجلَّ أحياناً. وقال الجرجانيُّ(٤): إنَّ الاستثناء من ((ما كنتم تعبدون))، و((إلا)) بمعنى ((دون)) و((سوى))، وفي الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، والأصل: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلَّ ربَّ العالمين - أي: دون ربِّ العالمين - فإنَّهم عدوٌّ لي. ولا يَخْفَى ما فيه. ﴿الَّذِى خَقَفِ﴾ صفةٌ لـ ((رب العالمين))، ووَصَفَه تعالى بذلك وبما عُطِفَ عليه مع اندراجِ الكلِّ تحت ربوبيته تعالى للعالمين زيادةً في الإيضاح في مقام الإرشاد. وقيل: تصريحاً بالنعم الخاصَّةِ به عليه السلام وتفصيلاً لها؛ لكونها أَدْخَلَ في اقتضاءِ تخصيصٍ العبادة به تعالى، وقَصْرِ الالتجاء في جَلْبِ المنافع الدينية والدنيوية ودَفْعِ المضارِّ العاجلة والآجلة عليه تعالی. ﴿فَهُوَ يَدِينِ (٨﴾ عطفٌ على الصلة، أي: فهو يهديني وحده جلَّ شأنُه إلى كلِّ ما يهمُّني ويُصْلِحُني من أمور المعاش والمعادِ هدايةً متصلةً بحين الخَلْقِ ونَفْخِ الروح، متجدِّدةً على الاستمرار كما ينبئ عنه الفاء وصيغةُ المضارع. فإنه تعالى يهدي كلَّ ما خَلَقَه لِمَا خُلِقَ له هدايةً متدرِّجةً من مبتدأ إيجاده إلى منتهى أجَلِهِ، (١) في معاني القرآن ٢/ ٢٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٢٤. (٢) في الكشاف ٣/ ١١٧ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٩٣/٤ بذكر الوجه الثاني فقط، وهو كون المخاطبين كانوا يعبدون الله تعالى والأصنام. (٤) كما في تفسير القرطبي ٣٨/١٦، والبحر ٢٤/٧، والدر المصون ٥٣٠/٨. سُؤَةُ الشَّجَرَة ٢١٤ الآية : ٧٩ يتمكَّن بها من جَلْبٍ منافعه ودَفْع مَضارِّه إمَّا طبعاً وإمَّا اختياراً، مبدؤها بالنسبة إلى الإنسان هدايةُ الجنين لامتصاص دم الطمث في المشهور، ومنتهاها الهدايةُ إلى طريق الجنة والتنقُّمٍ بنعيمها المقيم. وجوَّز الحوفيُّ وغيرُه کونَ الموصول مبتداً، وجملة («هو يهديني) خبره، ودخلت الفاء في خبره لتَضمُّنه معنى الشرط، نحو: الذي يأتيني فله درهمٌ. وتعقّبه أبو حيان: بأنَّ الفاء إنما يؤتى بها في خبر الموصول لتضمُّنه معنى الشرط إذا كان عامًّا، وهنا لا يُتخيَّل فيه العموم، فليس ما نحن فيه نظيرَ المثال. وأيضاً الفعلُ الذي هو ((خلق)) ممَّا لا يمكنُ فيه تجدُّدٌ بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام، فلعل ذلك على مذهب الأخفش من جواز زيادة الفاء في الخبر مطلقاً، نحو: زيدٌ فاضْرِبْه(١). وأجيب بأن اشتراط العموم غير مسلَّم - كما فصَّله الرضيُّ - وإنما هو أغلبيٍّ. وبأنَّ مطلق الخلق مما يمكن فيه التجدُّدُ، وهو ممكنُ الإرادة وإن ظهر في صورة المخصوص. وتَسبُّبُ الخَلْقِ للهداية بمقتضى الحكمة(٢)، وقيل: إنه سببٌ للإخبار بها لتحقُّقِها، وليس بشيء. ويلزمُ على الإعراب المذكور أن يكون الموصولُ في قوله سبحانه: ﴿وَلَّذِى هُوَّ ﴾ مبتدأَ محذوفَ الخبر لدلالة ما قبله عليه، وكذا اللَّذانِ بعده. يُطْعِمُنِ وَيَسْقِنِ ٧٩ ولا يخفى ما في ذلك لفظاً ومعنّى، فاللائقُ بجزالةِ التنزيل الإعرابُ الأول، وعليه يكون الموصول عطفاً على الموصول الأول. وإنما كرِّر الموصول في المواضع الثلاثة، مع كفاية عَظْفِ ما في حيِّز الصلة من الجمل الستِّ على صلة الموصول الأول؛ للإيذان بأنَّ كلَّ واحدةٍ من تلك الصلات نعتٌ جليلٌ له تعالى، مستقلٌّ في استيجاب الحُكْمِ؛ حقيقٌ بأنْ تجريّ عليه عزَّ وجلَّ بحيالها ولا تُجعلَ من روادف غيرها . (١) بنحوه في البحر ٢٤/٧. (٢) يشير المصنف بهذا إلى أن الفاء في ((فهو يهدين)) للسببية على القول بأن الموصول مبتدأ دخلت الفاء في خبره لتضمنه معنى الشرط. حاشية الشهاب ٧/ ١٨ . الآية : ٨٠ - ٨١ ٢١٥ سُودَةُ الشعراء والظاهرُ أنَّ المراد إطعامُ الطعام المعروف، وسَقْيُ الشراب المعهود، وجيءَ بـ ((هو)) هنا دون الخلق؛ لشيوع إسناد الإطعام والسَّقْي إلى غيره عزَّ وجلَّ بخلافٍ الخَلْقِ. وعلى هذا القياسُ فيما جيء فيه بـ ((هو)) وما تُرِكَ مما يأتي إنْ شاء الله تعالی . وعن أبي بكر الورَّاقِ أنَّ المعنى: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شرابٍ، كما جاء: ((إني أَبِيتُ يطعمني ربِّي ويسقين))(١) وهو مشربٌ صوفيٍّ. وأتي بهذين الصفتين بعد ما تقدَّم لِمَا أنَّ دوام الحياة وبقاءَ نظام خَلْقِ الإنسان بالغذاء والشراب ما سَلَكَ فيهما مَسْلَكَ العدل، وهو أشدُّ احتياجاً إليهما منه إلى غيرهما، ألا ترى أنَّ أهل النار وهم في النار لم يشغلهم ما هم فيه من العذاب عن طلبهما فقالوا: ﴿أَفِضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]. عطفٌ على ((يطعمني ويسقين)) نُظم معهما في ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ سلك الصلة لموصولٍ واحد؛ لِمَا أنَّ الصحة والمرضَ من متفرِّعات الأكل والشرب غالباً: فإنَّ الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب(٢) وقالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سببُ آجالكم؟ لقالوا: التُّخَمُ. ونسبةُ المرض الذي هو نقمةٌ إلى نفسه، والشفاء الذي هو نعمةٌ إلى الله جلَّ شأنُه؛ لمراعاة حُسْنِ الأدب كما قال الخضر عليه السلام: ﴿فَرَّدَتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وقال: ﴿فَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]. ولا يَرِدُ إسنادُه الإماتةَ - وهي أشدُّ من المرض - إليه عزَّ وجلَّ في قوله: ﴿وَأُلَّذِى لإمكان الفَرْقِ بأنَّ الموت قد عُلِمَ واشْتَهَر أنه قضاءٌ محتومٌ يُسِتُنِ ثُمَّ يچچِينِ من الله عزَّ وجلَّ على سائر البشر، وحكمٌ عامٌّ لا يُخَصُّ، ولا كذلك المرضُ، فكم من معافىّ منه إلى أنْ يَبْغتَه الموتُ. فالتأسِّي بعموم الموت يُسْقِطُ أثَرَ كونِه نقمةً، فيَسُوغُ [في] الأدب نسبتُه إليه، وأمَّا المرضُ فلمَّا كان يُخَصُّ به بعضُ البشر دون (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣) عن أبي هريرة ظُه. (٢) البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه ١/ ٢٣١، وفيه: يحول، بدل: يكون. سُورَةُ الشّعراء ٢١٦ الآية : ٨١ بعضٍ كان نقمةً محقَّقةً، فاقتضى العلوُّ في الأدب أن ينسبه الإنسانُ إلى نفسه باعتبار السبب الذي لا يخلو منه. ويؤيِّد ذلك أنَّ كلَّ ما ذُكر مع غير المرض أخبر عن وقوعه بّاً وجزماً؛ لأنه أمرٌ لا بدَّ منه، وأمّا المرضُ فلمَّا كان قد يتَّفق وقد لا ، أورده مقروناً بشَرْطِ ((إذا))، فقال: ((وإذا مرضتُ))، وكان يمكنه أن يقول: والذي أَمْرضُ(١) فيشفيني، كما قال في غيره، فما عدل عن المطابقة والمجانسة المأثورة إلا لذلك، كذا قاله ابن المنير(٢). وقال الزمخشريُّ: إنما قال: ((مرضتُ)) دونَ: أَمْرَضَني؛ لأنَّ كثيراً من أسباب المرض يَحْدثُ بتفريطٍ من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغيرِ ذلك(٣). وكأنه إنما عَدَلَ في التعليل عن حُسْنِ الأدب لمَّا رأى أنه عليه السلام أضاف الإماتة إليه عزَّ وجلَّ، وهي أشدُّ من المرض، ولم يخطر له الفرقُ بما مرَّ أو نحوِهِ، وغفل عن أنَّ المعنى الذي أبداه في المرض ينكسِرُ بالموت أيضاً، فإنَّ المرض كما يكون بسببٍ تفريط الإنسان في المطعم وغيره، كذلك الموتُ الناشئ عن سبب هذا المرض الذي يكون بتفريط الإنسان، وقد أضاف عليه السلام الإماتةَ مطلقاً إليه عزَّ شأنهُ(٤). وقال بعضُ الأجلَّة(٥) بعد التعليل بحُسْنِ الأدب في وجهِ إسناد الإماتة إليه تعالى: إنها حيث كانت [من] معظم خصائصه عزَّ وجلَّ كالإحياء بدءاً وإعادةً، وقد نيطتْ أمورُ الآخرةِ جميعاً بها وبما بعدها من البعث، نَظَمهما في سمطٍ واحدٍ في قوله: ((والذي يُميتني ثم يُحْبِين))، على أنَّ الموت لكونه ذريعةً إلى نَيْلِه عليه السلام للحياة الأبدية بمعزلٍ من أن يكون غيرَ مطبوعٍ عنده عليه السلام. انتهى. وأَوْلَى من هذه العلاوةِ ما قيل: إنَّ الموت لأهل الكمال وصلةٌ إلى نيل المَحَابِّ الأبدية، التي تُسْتَحْقَرُ دونها الحياة الدنيوية، وفيه تخليصُ العاصي من اكتساب المعاصي. (١) كذا في الأصل و(م)، والذي في الانتصاف ١١٧١٣ (والكلام منه): والذي يُمرضني. (٢) في الانتصاف ١١٧١٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) الكشاف ٣/ ١١٧ . (٤) الانتصاف ٣/ ١١٧. (٥) هو أبو السعود في تفسيره ٦/ ٩٧، وما سيأتي بين حاصرتين منه. الآية : ٨٢ ٢١٧ سُورَةُ الشّعراء ثم إنَّ حَمْلَ المرض والشفاء على ما هو الظاهرُ منهما هو الذي ذهب إليه المفسِّرون. وعن جعفر الصادقِ رَ﴿له أنَّ المعنى: وإذا مرضتُ بالذنوب فهو يشفيني بالتوبة. ولعله لا يصحُّ، وإن صحَّ فهو من باب الإشارة لا العبارة. و((ثم)) في قوله: ((ثم يحيين)) للتراخي الزمانيّ؛ لأنَّ المراد بالإحياء: الإحياءُ للبعث، وهو متراخٍ عن الإماتة في الزمان في نفس الأمر، وإنْ كان كلُّ آتٍ قريبٌ. وأَثبتَ ابنُ أبي إسحاق ياء المتكلِّم في ((يهديني)» وما بعده، وهي روايةٌ عن نافع(١). ج﴾ استَعْظَم عليه السلام ما عسى ﴿وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَتِ يَوْمَ الَّذِينِ يَنْدُرُ منه من فِعْلِ خلافِ الأَوْلَى حتى سمَّاه خطيئة. وقيل: أراد بها قولَه: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقولَه ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: هي أختي(٢). ويدلُّ على أنه عليه السلام عدَّها من الخطايا ما ورد في حديث الشفاعة من امتناعه عليه السلام من أن يَشْفَعَ حياءً من الله عزَّ وجلَّ لصدور ذلك عنه(٣). وفيه أنه وإنْ صحَّ عدُّها من الخطايا بالنظر إليه عليه السلام لِمَا قالوا: إنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، إلَّا أنه لا يصحُّ إرادتُها هنا لِمَا أنها إنما صَدَرتْ عنه عليه السلام بعد هذه المقاولةِ الجارية بينه وبين قومه: أمَّا الثالثةُ فظاهرةٌ؛ لوقوعها بعد مهاجرته عليه السلام إلى الشام، وأمَّا الأوليان فلأنهما وقعتا مُكْتَنَفتين بكَسْرِ الأصنام، ومن البيِّن أنَّ جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادي الأمر. وهذا أولى ممَّا قيل: إنها من المعاريض، وهي لكونها في صورة الكذب يمتنعُ لها مَن تَصْدُرُ عنه من الشفاعة، ولكونها ليست كذباً حقيقةً لا تفتقر إلى الاستغفار، (١) " حر ٢٥/٧، وهي خلاف المشهور عن نافع. (٢) وردت هذه الثلاثة في حديث أبي هريرة لله عند أحمد (٩٢٤١)، والبخاري (٣٣٥٧) و(٣٣٥٨) و(٥٠٨٤)، ومسلم (٢٣٧١)، والترمذي (٣١٦٦). (٣) أخرجه البخاري (٣٣٦١)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة نظراته سُوَّةٌ الشعراء ٢١٨ الآية : ٨٣ فلا يصحُّ إرادتُها هنا؛ لأنَّ ذلك الامتناعَ ليس إلا لعدِّه إياها من الخطايا، ومتى عدَّتْ منها افتقرت إلى الاستغفار. وقيل: أراد بها ما صَدَرَ عنه عند رؤية الكوكب والقمر والشمس من قوله: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٦] وكان ذلك قبل هذه المقاولة كما لا يخفى. وقد تقدَّم أنَّ ذلك ليس من الخطيئة في شيء(١). وقيل: أراد بها ما عسى يندرُ منه من الصغائر، وهو قريبٌ مما تقدَّم. وقيل: أراد بها خطيئة مَن يؤمِنُ به عليه السلام، كما قيل نحوُه في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وهو كما ترى. والطمعُ على ظاهره، ولم يَجْزِمْ عليه السلام لعِلْمِهِ أنْ لا وجوبَ على الله عزَّ وجلَّ. وعن الحسن أنَّ المراد به اليقين، وليس بذاك. والظرفان متعلِّقان بـ (يغفر))، والإتيانُ بالأول للإشارة إلى أنَّ نَفْعَ مغفرته تعالى إنما يعود إليه عليه السلام. وتعليقُ المغفرةِ بيوم الدين مع أنَّ الخطيئة إنما تُغفَرُ في الدنيا لأنَّ أثرها يتبيَّنُ يومئذٍ، ولأنَّ في ذلك تهويلاً لذلك اليوم، وإشارةً إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تُغفر. وفي هذه الجملة من التلطّفِ بأبيه وقومه في الدعوة إلى الإيمان ما فيها . وقرأ الحسن: ((خطاياي)) على الجمع(٢). ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا﴾ لمَّا ذَكَر لهم من صفاته عزَّ وجلَّ مما يدلُّ على كمالٍ لُظْفِه تعالى به ما ذَكَر حَمَله ذلك على مناجاته تعالى ودعائه لرَبْطِ العتید وجَلْبٍ المزید. والمراد بالحُكْم على ما اختاره الإمام (٣): الحكمةُ التي هي كمالُ القوة العِلْميةِ، بأن يكون عالماً بالخير لأجل العمل به . (١) ينظر ما سلف ٢٥٩/٨ وما بعدها. (٢) القراءات الشاذة ص١٠٧، والبحر ٢٥/٧. (٣) هو الرازي في تفسيره ٢٤/ ١٤٧-١٤٨ بنحوه. الآية : ٨٣ ٢١٩ سُورَةُ الشعراء وقيل: الأَوْلَى أن يفسّر بكمال العلم المتعلِّق بالذات والصفات، وسائرٍ شؤونه عزَّ وجلَّ وأحكامِه التي يُتُعبَّد بها . وقيل: هي النبوّة. ورُدَّ بأنها كانت حاصلةً له عليه السلام، فالمطلوبُ إمّا عينُ الحاصل، وهو محالٌ ضرورةَ امتناعٍ تحصيل الحاصل، أو غيرُه وهو محالٌ أيضاً لأنَّ الشخص الواحد لا يكون نبيًّا مرتين. وأجيب بمنع كونها حاصلةً وقت الدعاء، سلَّمنا ذلك إلا أنه لا محذورَ؛ لجوازٍ أن يكون المرادُ طلبَ كمالِها، ويكونُ بمزيدِ القرب والوقوف على الأسرار الإلهية، والأنبياءُ عليهم السلام متفاوتون في ذلك. وجوِّز أن يكون المرادُ طلبَ الثبات، ولا يجبُ على الله تعالى شيء. والمراد بقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِينَ ﴾﴾ طلبُ كمالِ القوَّة العَمَليةِ، بأنْ يكون موقَّقاً لأعمالٍ ترشِّحه للانتظام في زمرة الكاملين، الراسخين في الصلاح، المنزَّهينَ عن كبائر الذنوب وصغائرِها . وقدِّم الدعاء الأولُ على الثاني لأنَّ القوة العِلْمية مقدَّمةٌ على القوة العَمَلية؛ لأنه يمكن أن يعلم الحقَّ وإن لم يعمل به، وعَكْسُه غيرُ ممكنٍ، ولأنَّ العلم صفةٌ الروح، والعملَ صفةُ البدن، فكما أنَّ الروح أشرفُ من البدن، كذلك العلمُ أشرفُ من العمل. وقيل: المراد بالحُكْمِ الحكمةُ التي هي الكمالُ في العلم والعمل، والمرادُ بقوله: ((وألحقني) إلخ طَلَبُ الكمال في العمل، وذِكْرُه بعد ذلك تخصيصٌ بعد تعميم؛ اعتناءً بالعمل من حيث إنه النتيجةُ والثمرةُ للعلم. وقيل: المراد بالأول ما يتعلَّقُ بالمعاش، وبالثاني ما يتعلَّق بالمعاد. وقيل: المراد بالحُكْمِ رياسةُ الخَلْقِ، وبالإلحاق بالصالحين التوفيقُ للعَدْلِ فيما بينهم مع القيام بحقوقه تعالى. وقيل: المراد بهذا: الجمعُ بينه عليه السلام وبين الصالحين في الجنة. وأنت تعلمُ أنه لا يَحْسُنُ بعد هذا الدعاءِ طلبُه أن يكون من ورثة جنة النعيم. سُوَةُ الشِّعراء ٢٢٠ الآية : ٨٤ والأَّوْلَى عندي أن يفسّر الحكمُ بالحكمة بمعنى الكمالِ في العلم والعمل، والإلحاقُ بالصالحين بجَعْلٍ منزلته كمنزلتهم عنده عزَّ وجلَّ، والمراد بطلب ذلك أن يكون عِلْمُه وعملُه مقبولَيْنِ، إذ ما لم يُقْبَلَا لا يُلْحَقُ صاحبهما بالصالحين، ولا تُجعَلُ منزلتُه كمنزلتهم، وكأنه لذلك عدل عن قول: ربِّ هَبْ لي حكماً وصلاحاً، أو: ربِّ هَبْ لي حكماً واجعلني من الصالحين، إلى ما في النظم الكريم، فتأمل ولا تغفل. ﴾ أي: اجْعَلْ لنفعي ذكراً صادقاً في جميع ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْآَخِينَ الأمم إلى يوم القيامة، وحاصلُه: خَلِّدْ صِيْتِي وذكري الجميلَ في الدنيا، وذلك بتوفيقه للآثار الحسنةِ، والسننِ المَرْضِيَّةِ لديه تعالى، المستحسَنةِ التي يقتدي بها الآخرون، ويذكرونه بسببها بالخير وهم صادقون. فاللسانُ مجازٌ عن الذِّكر بعلاقةِ السببية، واللامُ للنفع، ومنه يستفادُ الوصفُ بالجميل. وتعريفُ ((الآخرین)) للاستغراق. والكلامُ مستلزمٌ لطلب التوفيق للآثار الحسنةِ التي أشرنا إليها، وكأنه المقصودُ بالطلب علی أبلغ وجهٍ. ولا بأس بأنْ يريدَ تخليدَ ذِكْرِه الجميل، ومَدْحَه بما كان عليه عليه السلام في زمانه. ولكون الثناء الحَسَنِ مما يدلُّ على محبة الله تعالى ورضائه كما ورد في الحديث(١)، يَحْسُنُ طلبُه من الأكابر من هذه الجهة، والقَصْدُ كلُّ القصد هو الرضا . ويحتمل أن يُراد بـ ((الآخِرِين)) آخِرُ أمةٍ يُبعَثُ فيها نبيٍّ، وأنه عليه السلام طلب الصیت الحسن والذُّكْرَ الجمیل فیھم ببعثة نبيِّ فیھم یجدِّدُ أصل دينه، ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد، معلِّماً لهم أنَّ ذلك ملَّةَ إبراهيم عليه السلام، فكأنه طَلَبَ بعثةَ نبيِّ كذلك في آخر الزمان لا تُنْسَخُ شريعتُه إلى يوم القيامة، وليس ذلك إلا نبيَّنا محمداً وَّه، وقد طَلَبَ بعثتَه عليهما الصلاة والسلام بما هو أصرحُ (١) الذي أخرجه مسلم (٢٦٤٢) عن أبي ذرِّ ◌َه أنه قال: قيل لرسول الله وَطار: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)).