Indexed OCR Text
Pages 181-200
الآية : ٥١ ١٨١ سُورَةُ الشِّعراء وقيل: إنَّ عدم العطف لتعلُّق التعليل بالمعلَّل الأولِ مع تعليله، وجوِّز أن يكون تعليلاً للعلَّة. والأول أظهر، أي: لا ضيرَ علينا في ذلك إنَّا نطمعُ أن يغفر لنا ربُّنا خطايانا لكوننا أولَ المؤمنين. والطمع إمَّا على بابه كما استظهَره أبو حيان (١)؛ لعَدَم الوجوب على الله عزَّ وجلَّ، وإمَّا بمعنى التيقُّنِ كما قيل به في قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الذِينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. وقولُهم: ((أول المؤمنين)) يحتملُ أنهم أرادوا به: أول المؤمنين من أتباع فرعونَ، أو: أولَ المؤمنين من أهل المَشْهَدِ، أو: أولَ المؤمنين من أهل زمانهم. ولعل الإخبار بكونهم كذلك لعَدَمِ علمهم بمؤمنٍ سبقهم بالإيمان، فهو إخبارٌ مبنيٌّ علی غالب الظِّ، ولا محذورَ فیه، کذا قيل. وقيل: أرادوا: أولَ مَن أَظْهَرَ الإيمانَ بالله تعالى وبرسوله عند فرعون كفاحاً بعد الدعوةِ وظهورِ الآية، فلا يَرِدُ مؤمنُ آلٍ فرعون وآسيةُ، وكذا لا يَرِدُ بنو إسرائيل - لأنهم كما في ((البحر)) كانوا مؤمنين قبلهم(٢) - إمَّا لعدم عِلْمِ السحرة بذلك، أو لأنَّ كلّاّ من المذكورين لم يُظْهِرِ الإيمانَ بالله تعالى ورسوله عند فرعون كفاحاً بعد الدعوة وظهورِ الآية، فتأمل. وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ: ((إنْ كنّا)) بكْسِر همزة ((إنْ))(٣)، وخرِّج على أنَّ (إنْ)) شرطيةٌ والجوابُ محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبله، أي: إن كنّا أولَ المؤمنين فإنَّا نطمعُ. وجَعَل صاحب ((اللوامح))(٤) الجوابَ ((إنَّا نطمعُ)) المتقدِّمَ، وقال: جاز حذف الفاء منه لتقدُّمه. وهو مبنيٌّ على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرِّد، حيث يجوِّزون تقديمَ جواب الشرط. وعلى هذا فالظاهرُ أنهم لم يكونوا متحقِّقين بأنهم أولَ المؤمنين. (١) في البحر ١٦/٧ . (٢) البحر ٧ / ١٧ . (٣) القراءات الشاذة ص١٠٦، والمحتسب ١٢٧/٢، والبحر ١٦/٧. (٤) كما في البحر ١٦/٧، وعنه نقل المصنف. سُورَةُ الشَّجَرَة ١٨٢ الآية : ٥٢ وقيل: كانوا متحقِّقينَ ذلك، لكنهم أبرزوه في صورة الشكِّ لتنزيل الأمر المعتمد منزلةَ غيره تمليحاً وتضرُّعاً لله تعالى، وفي ذلك هضمُ النفس، والمبالغةُ في تحرِّي الصدق، والمشاكلةُ مع ((نطمع)) على ما هو الظاهرُ فيه. وجوَّز أبو حيان أن تكون ((إنْ)) هي المخفَّفة من الثقيلة، ولا يُحتاج إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون، فلا احتمالَ للنفي. وقد ورد مثلُ ذلك في الفصيح؛ ففي الحديث: إنْ كان رسول الله وَّهِ يحبُّ العَسَل(١). وقال الشاعر: وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادنِ (٢) ونحن أباةُ الضيم من آل مالكٍ وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أولُ المؤمنين أتمَّ جَزْمٍ. واختلف في أنَّ فرعونَ هل فَعَل بهم ما أقسم عليه أوْ لا؟ والأكثرون على أنه لم يفعل؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ أَتََّعَكُمَا الْغَلِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. وبعضُ هؤلاء زعم أنهم لمَّا سجدوا رأوا الجناتِ والنيرانَ وملكوتَ السماواتِ والأرضِ، وقُبضت أرواحُهم وهم ساجدون. وظواهرُ الآياتِ تكذِّبُ أمرَ الموتِ في السجود، وأمَّا أمرُ رؤيةٍ (٣) ما ذُكر فلا جَزْمَ عندي بصِدْقِه، والله تعالى أعلم. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ﴾ وذلك بعد سنينَ أقامَ بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الحقِّ، ويُظْهِرُ لهم الآيات، فلم يزيدوا إلّا عُتَوًّا وعناداً حَسْبَما فصِّل في سورة الأعراف بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِلْسِنِينَ﴾ الآيات [الأعراف: ١٣٠]. وقرئ: ((أنِ اسْرِ)) بكسر النون ووَصْلِ الألف من سَرَى(٤). وقرأ اليمانيُّ: ((أنْ سِرْ))(٥) أمراً من سار يسير. (١) البحر ١٦/٧، والحديث أخرجه البخاري (٥٢٦٨) عن عائشة رضيها بلفظ: كان رسول الله وَله يحب العسل والحلوى، وكان إذا انصرف .... الحديث، ولم نقف عليه برواية البحر. (٢) البحر ١٦/٧، والبيت للطرمَّاح، وهو في ديوانه ص ٥١٢، برواية: أنا ابنُ أباةٍ ..... (٣) في (م): وأما رؤية أمر. (٤) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢/ ٢٩٠ عن نافع وابن كثير وأبي جعفر. (٥) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٧/ ١٧ . الآية : ٥٣ - ٥٤ ١٨٣ سُورَةُ الشعراء ﴿إِنَّكُر ◌ُتَّبَعُونَ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر بالإسراء، أي: يتّبعكم فرعونُ وجنودُه مُصْبِحِينَ، فَأَسْرٍ ليلاً بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، بل يكونون على أَثَرِكم حين تَلِجُون البحرَ، فيدخلون مداخِلَكم، فأطبقُه عليهم فأُغْرِقُهم. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ، أي: فَأَسْرَى بهم وأُخْبِرَ فرعونُ بذلك فأرسل الْمَدَّيِنِ﴾ أي: مدائنِ مصر ﴿خَشِرِينَ ﴾﴾ جامعينَ للعساكر ليتبعوهم. ﴿إِنَّ هَؤُلاءٍ﴾ يريد بني إسرائيلَ، والكلامُ على إرادة القول، والظاهرُ أنه حالٌ، أي: قائلاً: إنَّ هؤلاء ﴿لَشِرْزِمَةٌ﴾ أي: طائفةٌ من الناس. وقيل: هي السَّفِلةُ منهم. وقيل: بقيةُ كلِّ شيءٍ خسيسٍ، ومنه: ثوبٌ شراذمُ وشراذمة (١)، أي: خَلِقٌ مقطّعٌ، قال الراجز: جاء الشتاءُ وقميصي أخلاق شراذمٌ يضحك منه التَّوَّاقْ(٢) وقرئ: ((لشرُّ ذمَّةٍ)) بإضافة ((شر)) مقابلٍ خير إلى ((ذمة))، قال أبو حاتم: وهي قراءةُ مَن لا يؤخَذُ منه. ولم يَرْوِها أحدٌ عن رسول الله وَلِ(٣) . ﴿قَلِلُونَ ﴾﴾ صفةُ ((شرذمة)) وكان الظاهر: قليلةٌ، إلا أنه جُمِعَ باعتبار أنَّ الشرذمة مشتملةٌ على أسباطِ، كلُّ سبطٍ منهم قليل، وقد بالَغَ اللعينُ في قلَّتهم حيث ذَكَرهم أوَّلاً باسم دالٌّ على القلّة وهو ((شرذمة))، ثم وَصَفَهم بالقلَّة، ثم جَمَعَ القليلَ للإشارة إلى قلَّةٍ كُلِّ حزبٍ منهم، وأتى بجمع السلامة وقد ذُكر أنه دالٌّ على القلة؛ واستقلَّهم بالنسبة إلى جنوده. (١) في الأصل و(م): شرذام وشرذامة، والمثبت من حاشية الشهاب ١٤/٧، والكلام منه، وهو الموافق لما في كتب اللغة. ينظر مادة (شرذم) في الصحاح ومفردات الراغب واللسان وغيرها . (٢) العين ٣٠٢/٦، وتهذيب اللغة ٣٠/٧ و٢٥٦/٩، والصحاح (نوق)، واللسان (توق). ورواية الصحاح: النوَّاق بالنون، وهما روايتان كما ذكر صاحب اللسان. قال الجوهري: النَّوَّاق من الرجال: الذي يَروض الأمور ويصلحها. وقال الأزهري: التوَّاق: الذي تتوق نفسه إلى كل دناءة. وقيل: التوَّاق اسم ابنه. اهـ. (٣) البحر ١٨/٧. سُؤَدَّةُ الشّعراء ١٨٤ الآية : ٥٥ - ٥٦ فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السديِّ أنَّ موسى عليه السلام خرج في ستِّ مئةٍ ألفٍ وعشرين ألفاً لا يُعدُّ فيهم ابنُ عشرين لصغره، ولا ابنُ ستِّين لكبره، وتَبِعَهم فرعونُ على مقدِّمته هامان في ألفِ ألفٍ وسبع مئةِ ألفِ حصان(١). وقيل: أرسلَ فرعونُ في أثرهم ألفَ ألفٍ وخمسَ مئةٍ ألفِ مَلِكٍ مسوَّرٍ، مع كلِّ مَلِكِ ألفٌ، وخرج هو في جمعٍ عظيمٍ، وكانت مقدِّمتُه سبعَ مئة ألفِ رجلٍ، كلٌّ رجلٍ على حصانٍ وعلى رأسه بيضة، وهم كانوا - على ما روي عن ابن عباس - ستَّ مئة ألفٍ وسبعين ألفاً . وأنا أقول: إنهم كانوا أقلّ من عساكر فرعون، ولا أجزِمُ بعددٍ في كِلًا الجمعين، والأخبارُ في ذلك لا تكاد تصحُّ، وفيها مبالغاتٌ خارجةٌ عن العادة. والمشهورُ عند اليهود أنَّ بني إسرائيل كانوا حين خرجوا من مصر ستَّ مئة ألفٍ رجلٍ خلا الأطفالَ، وهو صريحُ ما في التوراة التي بأيديهم (٢). وجوِّز أن يُراد بالقلَّة الذلةُ لا قلَّةُ العدد، بل هي مستفادةٌ من ((شرذمة))، يعني أنهم لقلَّتهم أذلَّاء لا يَُالَى بهم ولا يُتوقَّعُ غلبتُهم. وقيل: الذلَّة مفهومةٌ من ((شرذمة)) بناءً على أنَّ المراد منها بقيةُ كلِّ شيءٍ خسيسٍ، أو السَّفِلَةُ من الناس، و((قليلون)) إمَّا صفةٌ لها أو خبرٌ بعد خبرٍ لـ ((إنَّ). والظاهرُ ما تقدَّم. لفاعلون ما يغيظُنا، من مخالفةِ أمرنا، والخروجِ بغير ﴿وَإِنّهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ إذْننا، مع ما عندهم من أموالنا المستعارَةِ، فقد روي أنَّ الله تعالى أمرهم أن يستعيروا الحلي من القِبْطِ، فاستعاروه وخرجوا به. وتقديمُ ((لنا)) للحَصْرِ والفاصلةِ، واللامُ للتقوية أو تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللَّازم. ﴾ أي: إنَّا لجمعٌ(٣) من عاداتنا الحذرُ والاحترازُ ﴿وَإِنَّا تَجَمِيعُ حَذِرُونَ ٥٦ (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨١ . (٢) العهد القديم، سفر الخروج ص١٧٢ . (٣) في الأصل: لجميع، والمثبت من (م) وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٤/٧، والكلام منه. قال الشهاب قوله: لجمع، إشارة إلى أن جميع بمعنى الجمع وليست التي يؤكد بها . الآية : ٥٦ ١٨٥ سُورَةُ الشعراء واستعمالُ الحَزْم في الأمور. أشار أوَّلاً إلى عدم ما يمنع اتِّباعَهم من شوكتهم، ثم إلى تحقّقِ ما يدعو إليه من فَرْطِ عداوتهم ووجوبِ التيقُّظ في شأنهم؛ حثّاً عليه، أو اعتذاراً بذلك إلى أهل المدائن كيلا يُظَنَّ به - عليه اللعنةُ - ما یکسِرُ سلطانه. وقرأ جمعٌ من السبعة وغيرهم: ((حَذِرون)) بغير ألفٍ(١). وقُرِّق بین حاذِرٍ بالألف وحَذِرٍ بدونها بأنَّ الأول اسمُ فاعلٍ يفيد التجدُّدَ والحدوثَ، والثاني صفةٌ مشبَّهةٌ تفيدُ الثباتَ، وقريبٌ منه ما رُوي عن الفرَّاء والكسائيِّ، أنَّ الحَذِر من كان الحَذَرُ في خِلْقتِهِ، فهو متيقِّظُ مُنْتَبِهٌ(٢). وقال أبو عبيدة: هما بمعنَى واحدٍ(٣). وذهب سيبويه إلى أن حذراً يكون للمبالغة، وأنه يعملُ كما يعملُ حاذِر، فينصب المفعول به، وأنشد: حَذِرٌ أموراً لا تضيرُ وآمِنٌ ما ليس مُنْجِيَه من الأقدارِ(٤) وقد نُوزِعَ في ذلك بما هو مذكورٌ في كتب النحو. وعن ابن عباسٍ وابن جُبيرٍ والضَّحَّاك وغيرِهم: أنَّ الحاذِرَ التامُّ السلاح. وفسّروا ما في الآية بذلك، وكأنه بمعنى: صاحب حذرٍ، وهي آلةُ الحرب سمِّيت بذلك مجازاً، وحُمِلَ على ذلك قوله تعالى: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. (١) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وهشام، وقرأ بها من العشرة أبو جعفر ويعقوب. التيسير ص١٦٥، والنشر ٣٣٥/٢. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٨٠/٢، ونقله المصنف عنه وعن الكسائي بواسطة أبي حيان في البحر ١٨/٧. (٣) مجاز القرآن ٨٦/٢، والبحر ١٨/٧. (٤) الكتاب ١١٣/١، والبحر ١٨/٧، والكلام منه، والمقتضب ١١٦/٢، والحلل للبَطَلْيَوْسي ص١٣١، والخزانة ١٦٩/٨. قال المبرد: هذا بيت موضوع محدث. وقال السمين في الدر المصون ٨٠/٦: قيل: إنه مصنوع، وهو فاسدٌ أتقنت حكايته في شرح التسهيل. وقال البطليوسي: هذا البيت مصنوع ليس بعربي، ولأجل هذا رُدَّ على سيبويه. قال البغدادي: إن طُعن على سيبويه بهذا البيت فقد استُشهد ببيت آخر لا مطعن فيه، وهو قول لبید : أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادةَ سَمْحَجٍ بسَراته نَدَبٌّ لها وكُلومُ وكذا ذكر البطليوسي بيتاً آخر لزيد الخيل لاً مطعن فيه. سُورَةُ الشَّعراء ١٨٦ الآية : ٥٧ - ٥٨ وقرأ سميط بن عجلان وابنُ أبي عمار وابن السميفع: ((حادِرون)) بالألف والدالِ المهملة(١)، من قولهم: عينٌ حَدْرةٌ، أي: عظيمة، وفلانٌ حادِرٌ، أي: متورِّم. قال ابن عطية: والمعنى: ممتلئون غيظاً وأنفةً(٢). وقال ابن خالويه: الحادِر: السمينُ القويُّ الشديد(٣). والمعنى: أقوياء أشدَّاء، ومنه قولُ الشاعر: وأُبْغضُه من بُغْضِها وهو حادِرُ(٤) أحبُّ الصبيَّ السَّوْءَ من أجل أمِّه وقيل: المعنى: تامُّو السلاح، على هذه القراءة أيضاً، أَخْذاً من الحَدَارة بمعنى الجَسَامةِ والقوة، فإنَّ تامَّ السلاحِ يَتْقوَّى به كما يَتقوَّى بأعضائه. و((جميع)) على جميع القراءات والمعاني بمعنى الجمع، وليست التي يؤكّد بها كما أشرنا إليه، ولو كانت هي المؤكِّدةَ لنُصِبَتْ. ﴿فَأَخْرَحْنَهُم﴾ أي: فرعونَ وجنوده، أي: خلقنا فيهم داعيةَ الخروجِ بهذا السبب الذي تضمَّنته الآياتُ الثلاث، فحَمَلَتْهم عليه، أو: خَلَقْنا خُروجَهم. (@) كانت لهم بحافتي النيل، كما روي عن ابن عمر(٥) وغيره. ﴿مِّنِ جَتَّتٍ وَعُونٍ ﴿وَكُونٍ﴾ أي: أموالٍ كَنَزوها وخزنوها تحت الأرض. وخُصَّتْ بالذِّكر لأنَّ الأموال الظاهرةَ أمورٌ لازمةٌ لهم؛ لأنها من ضروريات معاشِهم، فإخراجُهم عنها معلومٌ بالضرورة. (١) القراءات الشاذة ص١٠٦، والمحتسب ١٢٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٢/٤، والبحر ١٨/٧. (٢) المحرر الوجيز ٢٣٢/٤، والبحر ١٨/٧. (٣) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ١٨/٧. (٤) العين ١٧٦/٣، وتهذيب اللغة ٤٠٨/٤، والكشاف ١١٤/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٤/٧، والبحر ١٨/٧، واللسان (حدر). قال الشهاب يقول: إني أحب بعض الصبيان وإن كان قبيحاً لحبِّ أمّه، وقد أبغض بعض الصبيان لبغض أمه وإن كان حسناً، فکنی عن حسنه بكونه حادراً. (٥) كذا في الأصل و(م) والبحر ١٨/٧: ابن عمر، وأخرجه النحاس في معاني القرآن ٨١/٥ مطولاً من طريق ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو رضيًا. وكذا ذكره عن عبد الله بن عمرو القرطبي ٢٦/١٦، وابن كثير عند تفسير الآية (٢٦) من سورة الدخان. الآية : ٥٨ ١٨٧ سُؤَّةُ الشِّعراء وقيل: لأنَّ أموالهم الظاهرةَ قد انطمستْ بالتدمير. وتعقِّب بأنَّ الإخراج قبل الانطماس، إذ من جملة الأموال الظاهرة الجناتُ، والإخبارُ عنهم بأنهم أَخْرِجوا منها بعنوانِ كونِها جناتٍ، والأصلُ فيه الحقيقة. وعلى تقديرِ تسليم أنه بَعْدُ يَرِدُ أنَّ المدمّر ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُه وما كانوا يعرشون، وهو مفسَّرٌ بالقصور والعمارات والجنان، فيبقى ما سوى ذلك غيرَ محكوم عليه بالتدمير من الأموال الظاهرة، مع أنهم أُخرجوا منه أيضاً، فيُحتاج توجیه عدم التعرُّض له بغير ما ذكر. وقيل: المراد بالكنوز أموالُهم الباطنةُ والظاهرةُ، وأُطلق عليها ذلك لأنها لم يُنْفَقْ منها في طاعة الله تعالى، ونُقل ذلك عن مجاهد، والأولُ أوفقُ باللغة. وأكثرُ جَهَلةِ أهلِ مصر يزعمون أنَّ هذه الكنوزَ في المقَظّم(١) من أرض مصر، وأنها موجودةٌ إلى الآن، وقد بذلوا على إخراجها أموالاً كثيرةً لشياطينِ المغاربة وغيرِهم فلم يظفروا إلا بالتراب، أو حجر الكذَّان(٢). وقال ابن جبير: المراد بالعيون عيونُ الذهب. وهو خلافُ المتبادر. ومِثْلُه ما قاله الضحاك، من أنَّ المراد بالكنوز الأنهار. ﴿وَمَقَامِ كَرِيمٍ ﴾﴾ هي المساكنُ الحِسانُ كما قال النّقَّاشُ(٣). وعن ابن لهيعة: أنها كانت بالفيوم من أرض مصر. وقيل: مجالس الأمراء والأشراف والحگّام التي تحقُّها الأتباعُ. وقيل: الأسرَّة في الكلل. وحكى الماورديُّ أنها مرابطُ الخيل(٤). وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أنها المنابر للخطباء. (١) هو الجبل المشرف على القرافة مقبرةٍ فسطاطِ مصرَ والقاهرة، وهو جبلٌ يمتد من أسوان على شاطئ النيل الشرقي حتى يكون منقطعه طرف القاهرة، ويسمى في كل موضع باسم. معجم البلدان ٥/ ١٧٦ . (٢) الكذَّان: حجارة رِخوة، وربما كانت نخرة، وقيل: هي الحجارة التي ليست بصلبة. اللسان (كذذ). والكلام منقول من البحر ١٨/٧ -١٩ باختصار. (٣) البحر ١٩/٧، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٧٢ عن سعيد بن جبير. (٤) النكت والعيون ٤/ ١٧٢، ونقله عنه المصنف بواسطة أبي حيان في البحر ١٩/٧. سُورَةُ الشِّعرّة ١٨٨ الآية : ٥٩ - ٦٠ وقرأ قتادةُ والأعرج: ((ومُقام)) بضمُّ الميم من أقام (١). ﴿ كَذَلِكَ﴾ إمَّا في موضع نصبٍ على أنْ يكون صفةً لمصدرٍ مقدَّرٍ، أي: إخراجاً مثلَ ذلك الإخراجِ أخرجنا، والإشارةُ إلى مصدرِ الفعل. أو في موضع جرِّ على أن يكون صفة لـ ((مقام))، أي: مقامٍ كريمٍ مثل ذلك المقام الذي كان لهم. وعلى الوجهين لا يَرِدُ أنه يلزمُ تشبيهُ الشيء بنفسه كما زعم أبو حيان(٢)؛ لِمَا مرَّ تحقيقه. أو في موضع رفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمرُ كذلك، والمرادُ تقريرُ الأمرِ وتحقیقُه. واختار هذا الطيبيُّ فقال: هو أقوى الوجوهِ؛ ليكون قولُه تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَهَا بَنِيّ إِسْرَوِيلَ )) - أي: ملَّكناها لهم تمليكَ الإرثِ - عَطْفاً عليه، والجملتان معترضتان ٥٩ بين المعطوف عليه وهو «فأخرجناهم))، والمعطوفِ وهو قولُه تعالى: ﴿فَأَتْبَعُهُمْ﴾ ؛ لأنَّ الإتباع عقبَ الإخراج لا الإيراث؛ قال الواحديُّ: إنَّ الله تعالى ردًّ بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون وقومه، فأعطاهم جميعَ ما كان لقوم فرعون من الأموال والعقار والمساكن(٣). وعلى غير هذا الوجه يكون ((أورثنا)) عطفاً على ((أخرجنا))، ولا بدَّ من تقدير نحوٍ: فأردنا إخراجهم وإيراثَ بني إسرائيل ديارَهم، فخرجوا وأتبعوهم. انتهى. ويُفْهم من كلام بعضهم أنَّ جملة ((أورثناها)) إلخ معترضةٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه في جميع الأوجُهِ. وما ذُكر عن الواحديِّ من أنَّ الله تعالى ردًّ بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعونَ وقومه، ظاهرُه وقوعُ ذلك بعد الغرق من غير تطاوُلٍ مدَّة. وأظهرُ منه في هذا ما رُوي عن الحسن قال: كما عبروا البحر رجعوا (٤) وورثوا ديارهم وأموالهم. (١) البحر ١٩/٧. (٢) في البحر ١٩/٧ . (٣) الوسيط للواحدي ٣٥٤/٣. (٤) في (م): ورجعوا، والمثبت من الأصل والبحر ١٩/٧، وعنه نقل المصنف. الآية : ٦٠ ١٨٩ سُورَةُ الشعراء ورأيتُ في بعض الكتب أنهم رجعوا مع موسى عليه السلام، وبَقُوا معه في مصر عَشْرَ سنين. وقيل: إنه رجع بعضُهم بعد إغراق فرعونَ، وهم الذين أُورِئوا أموال القِبْطِ، وذهب الباقون مع موسى عليه السلام إلى أرض الشام. وقيل: إنَّهم بعد أن جاوزوا البحرَ ذهبوا إلى الشام، ولم يدخلوا مصرَ في حياة موسى عليه السلام، ومَلَكوها زمنَ سليمان عليه السلام. والمذكورُ في التوراة(١) التي بأيدي اليهود اليومَ صريحٌ في أنهم بعد أنْ جاوَزوا البحر توجّهوا إلى أرض الشام، وقد فصلت قصة ذهابهم إليها، وأكثرُ التواريخ على هذا. وظواهرُ كثيرٍ من الآيات تقتضي ما ذكره الواحديُّ، والله تعالى أعلم. ومعنى ((أتبعوهم)): لحقوهم؛ يقال: تَبِعْتُ القومَ فَأَتْبَعْتُهم(٢)، أي: تلوتُهم فلحقتُهم، كأن المعنى: فجعلتُهم تابعين لي بعدما كنتُ تابعاً لهم، مبالَغةً في اللحوق. وضميرُ الفاعل لقوم فرعون، والمفعولِ لبني إسرائيل. وقرأ الحسن: ((فاتَّبعوهم)) بوَصْلِ الهمزة وشدِّ التاء (٣) . ﴿تُشْرِفِينَ ﴾﴾ أي: داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعِها، من أَشْرقَ زِيدٌ: دَخَلَ في وقت الشروق، كأصبح: دَخَلَ في وقت الصباح، وأمسى: دَخَلَ في وقت المساء. وقال أبو عبيدةً(٤): هو من أَشْرقَ: توجَّه نحو الشرق، كأَنْجَدَ توجَّه نحو نجد، وأَعْرقَ توجَّه نحو العراق. أي: فأتبعوهم متوجِّهين نحو الشرق. والجمهورُ على الأول. وعن السديٌّ: أنَّ الله تعالى ألقى على القِبْطِ الموتَ ليلةً خرج موسى عليه السلام بقومه، فمات كلُّ بِكْر رجلٍ منهم، فشُغلوا عن طلبهم بدفنهم حتى طلعت (١) ينظر العهد القديم، سفر الخروج ص١٧٩ وما بعدها. (٢) في(م): فأتبعهم. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والبحر ١٩/٧. (٤) كما في البحر ١٩/٧ . سُورَةُ الشَّعَرَآء ١٩٠ الآية : ٦١ الشمس. ومثلُ ذلك في التوراة بزيادةِ موتٍ أبكار بهائمهم أيضاً(١). والوصفُ حالٌ من الفاعل. وقيل: هو حالٌ من المفعول؛ ومعنى ((مشرقين)): في ضياء، بناءً على ما روي أنَّ بني إسرائيل كانوا في ضياء، وكان فرعونُ وقومُه في ضبابٍ وظلمةٍ تحيَّروا فيها حتى جاوز بنو إسرائيل البحرَ، ولا يكاد يصحُّ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَرََّ الْجَمْعَانِ﴾ أي: تقارَبا بحيث رأى كلُّ واحدٍ منهما الآخر. نعم ذُكر في التوراة ما حاصلُه أنَّ بني إسرائيل لمَّا خرجوا كان أمامهم نهاراً عمودٌ من غمام، وليلاً عمودٌ من نارٍ؛ ليدلَّهم على الطريق، فلمَّا طلبهم فرعونُ ورأوا جنودَه خافوا جدًّا، ولاموا موسى عليه السلام في الخروج، وقالوا له: أَمِنْ عَدَمِ القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البرِّ؟ أمَا قلنا لك: دعنا نخدُم المصريين فهو خيرٌ من موتنا في البرِّ؟ فقال لهم موسى: لا تخافوا، وانظروا إغاثة الله تعالى لكم. ثم أَوْحَى الله تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر، فتحوَّل عمودُ الغمام إلى ورائهم، وصار بينهم وبين فرعون وجنوده، ودخل الليلُ ولم يتقدَّم أحدٌ من جنود فرعون طولَ الليل، وشقَّ البحر ثم دخل بنو إسرائيل(٢). وليس في هذا ما يصحِّح أمرَ الحالية المذكورة، فتأمَّل. وقرأ الأعمش وابنُ وثَّاب: ((ترا)) بغير همزٍ على مذهب التخفيف بين بين، ولا يصحُّ تحقيقُها بالقلب؛ للزومِ ثلاثِ أَلِفاتٍ متَّسقةٍ، وذلك مما لا يكون أبداً؛ قاله أبو الفضل الرازيُّ(٣). وقال ابن عطية: وقرأ حمزةُ: ((تريئى)) بكسر الراء وبمدٍّ ثم بهمزٍ، وروي مثلُه عن عاصم، وروي عنه أيضاً: ((تراءى)) بالفتح والمد(٤). وقال أبو جعفر أحمد بن عليٍّ الأنصاريُّ في كتابه ((الإقناع)): ((تراءى الجمعان)) في ((الشعراء)) إذا وقف عليها حمزةُ والكسائيُّ أمالا الألفَ المنقلبةَ عن لام الفعل، (١) العهد القديم، سفر الخروج ص١٧٢ . (٢) العهد القديم، سفر الخروج ص١٧٥ - ١٧٧ . (٣) البحر ١٩/٧، وذكر القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٧ دون نسبة. (٤) المحرر الوجيز ٢٣٣/٤. والمشهور عن عاصم تخليص فتحة الراء والهمزة، وينظر ما سيأتي. الآية : ٦٢ ١٩١ سُورَةُ الشعراء وحمزةٌ يُميلُ ألفَ تَفَاعَلَ وصلاً ووقفاً كإمالة الألف المنقلبة(١). وقرئ: ((فلما ترات الفئتان»(٢) . ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ ﴾﴾ أي: لملحَقون، جاؤوا بالجملة الاسمية مؤكّدةً بحرفي التأكيد للدلالة على تحقّق الإدراك واللحاقِ وتَنْجيزِهما، وأرادوا بذلك التحزُّنَ وإظهارَ الشكوى طلباً للتدبير. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير: (المُدَّرِكون)) بفَتْحِ الدَّالِ مشدّدة وكَسْرِ الراء (٣)، من الادِّراك بمعنى الفناء والاضمحلال، يقال: ادَّرَك الشيءُ: إذا فَنيَ تتابُعاً، وأصلُه التتابعُ وهو ذهابُ أحدٍ على إثرٍ آخَرَ، ثم صار في عُرْفِ اللغة بمعنى الهلاك، وأن يفنَى شيئاً فشيئاً حتى يذهبَ جميعُه، وقد جاء التتابُعُ بهذا المعنى في قول الحماسيِّ : أَبَعْدَ بني أمِّي الذين تتابعوا أُرَجِّي حياةً أم من الموتِ أَجْزَعُ(٤) والمعنى: إنَّا لهالِكونَ على أيديهم شيئاً فشيئاً. ﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام رَدْعاً لهم عن ذلك، وإرشاداً إلى أنَّ تدبير الله عزَّ وجلَّ يغني عن تدبيره: ﴿كَلََّ﴾ لن يُدْرِكوكم ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبِ﴾ بالحفظ والنصرة ﴿َسَهْدِينِ ﴾﴾ قريباً إلى ما فيه نجاتكم منهم ونصرُكم عليهم. (١) نقله المصنف عن الإقناع بواسطة أبي حيان في البحر ١٩/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٦٥-١٦٦، وذكر الداني أن حمزة إذا وقف أمال الهمزة مع جَعْلِها بين بين على أصله. (٢) الآية (٤٨) من سورة الأنفال، وهذه القراءة في القراءات الشاذة ص١٠٧ . (٣) القراءات الشاذة ص١٠٧، والمحتسب ١٢٩/٢، والكشاف ١١٥/٣، والبحر ٢٠/٧. وذكر أبو حيان أنها من ادَّرك اللازم؛ قال: ولذلك كسرت الراء، نصَّ على كسرها أبو الفضل الرازي في ((اللوامح))، والزمخشري في كشافه، وغيرهما، وقال أبو الفضل الرازي: وقد يكون ادَّرك على افتَعَلَ بمعنى أَفْعلَ متعدياً، فلو كانت القراءة من ذلك لوجب فتح الراء، ولم يبلغني ذلك عنهما. يعني عن الأعرج وعبيد بن عمير. اهـ. (٤) البيت للبراء بن رِبْعِيِّ الفَفْعَسيِّ كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٨٤٩/٢، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص١١٩، وهو دون نسبة في الكشاف ١١٥/٣، والبحر ٧/ ٢٠. سُورَةُ الشِّعراء ١٩٢ الآية : ٦٢ ولم يُشْرِكُهم عليه السلام في المعيَّةِ والهدايةِ إخراجاً للكلام على حَسَبٍ ما أشاروا إليه في قولهم: ((إنّا لمدركون)) من طلب التدبير منه عليه السلام. وقيل: لمَّا كان عليه السلامُ هو الأصلَ وغيرُه تبعٌ له محفوظون منصورون بواسطته وشرفه وكرامته، قال: ((معي)) دون: معنا، وكذا قال: ((سيهدين)) دون: سیھدینا . وقيل: قال ذلك جزاءً على غَفْلَتِهم عن قوله تعالى له عليه السلام: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] حتى خافوا فقالوا ما قالوا؛ فإنَّ الظاهر أنهم سمعوا ذلك من موسى عليه السلام في مدَّةِ بقائهم معه في مصر، أو غَفْلتِهم عن عناية الله تعالى بهم حين كانوا مع القِبْطِ في مصر، حيث لم يُصِبْهم ما أصابهم من الدم ونحوه من الآيات المقتضيةِ بواسطة حُسْنِ الظنِّ إنجاءَهم منهم حين أمروا بالخروج فلحقوهم، وكان تأديبه لهم على ذلك بمجرَّد عَدَم إشراكهم فيما ذكر، لا أنه نفاه عنهم كما يُتُوهَّم من تقديم الخبر، فإنَّ تقديمه لأجل الاهتمام بأمر المعية التي هي مدارُ النجاة المطلوبة. وقيل: للحصر، لكنْ بالنسبة إلى فرعونَ وجمعِه. وقيل على القول الثاني في توجيهِ عدم إشراكهم: إنه للحصر بالنسبة إليهم أيضاً، على معنى: إنَّ معي أوَّلاً وبالذات ربِّي لا معكم كذلك. وقيل: قدَّم المعية هنا وأخِرتْ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] لأنَّ المخاطب هنا بنو إسرائيلَ، وهم أغبياءُ يعرفون الله عزَّ وجلَّ بعد النظر والسماع من موسى عليه السلام، والمخاطَبُ هناك الصدِّيقُ رَظُبه، وهو ممن يرى الله تعالى قبل كلِّ شيءٍ، ولاختلاف المقام نَظَمَ نبيُّنَا بَّهِ صاحبه معه في المعية ولم يقدِّم له ردعاً وزجراً، وخاطبه على نحو مخاطبة الله تعالى له عليه الصلاة والسلام عند تسليته بما صورتُه النهيُ عن الحزن، وأتى بالاسم الجامع وهو لفظ: الله، دون اسم مشعِرٍ بصفةٍ واحدةٍ مثلاً، ولم يكن كلامُ موسى عليه السلام ومخاطبته لقومه على هذا الطرز، وسبحانَ مَن فضَّل بعضَ العالَمين على بَعْضٍ. وزعم بعضُهم أنَّ في الكلام حذفاً، والتقدير: إنَّ معي وَعْدَ ربِّي، ولذلك قال: «معي) دون: معنا، وفيه ما فيه. الآية : ٦٣ ١٩٣ سُورَةُ الشّعراء ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾ هو القُلْزُمُ (١) على الصحيح. وقيل: بحرٌ من وراء مصر يقال له: إساف. وقيل: النيل. والظاهرُ أنَّ هذا الإيحاءَ كان بعد القول المذكورِ، ولم يكن مأموراً بالضرب يومَ الأمر بالإسراء، فقد أخرج ابنُ عبد الحكم عن مجاهدٍ: أنه لما انتهى موسى عليه السلام وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمنُ آل فرعون: يا نبيَّ الله أين أُمِرْتَ، فإنَّ البحر أمامك وقد غَشِيَنا آل فرعون؟ فقال: أمرتُ بالبحر. فاقتحم مؤمنُ آلٍ فرعون فرسه فردَّه التَّارُ، فجعل موسى عليه السلام لا يدري کیف یصنع، وكان الله تعالى قد أَوْحَى إلى البحر: أنْ أطِعْ موسى، وآيةُ ذلك إذا ضربك بعصاه، فَأَوْحَى الله تعالى إلى موسى أنِ اضْرِبْ بعصاك البحر(٢). وأخرج أيضاً من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس بأنَّ موسى لمّا انتهى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء واقتحم غيرُه خيولَهم فَرَسَوْا في الماء، وقال أصحاب موسى: ((إنَّا لمدرَكون))، فدعا موسى ربَّه فغشيتْهم ضبابةٌ حالت بينهم وبينه، وقيل له: اضْرِبْ بعصاك البحر(٣). وأخرج ابنُ جَريرٍ وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس أنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى: أنِ اضْرِبْ بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر: أنِ اسْمَعْ لموسى وأَطِعْ إذا ضربك. فبات البحرُ له أفْكَل - أي: رعدٌ - لا يدري من أيِّ جوانبه يَضْرِبُه(٤) . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أنَّ موسى عليه السلام لمَّا انتهى إلى البحر قال: يا مَن كان قبل كلِّ شيءٍ، والمكوِّنُ لكلِّ شيء، والكائنُ بعد كلِّ شيء، اجْعَلْ لنا مخرجاً. فَأَوْحَى الله تعالى إليه: أن اضْرِبْ بعصاك البحر(٥). (١) يعني البحر الأحمر. (٢) فتوح مصر لابن عبد الحكم ص٨٥-٨٦. (٣) فتوح مصر ص٨٣، وفيه: فرسبوا، بدل: فرسوا. (٤) تفسير الطبري ٦٥٨/١-٦٥٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٧٧١/٨. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٧١/٨ . سُورَةُ السَّعراء ١٩٤ الآية : ٦٣ وروي أنه عليه السلام قال: اللهمَّ لك الحمدُ، وإليك المشتكَى، وإليك المستغاثُ، وأنت المستعانُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. وفي ((الدر المنثور)) من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً ما يدلُّ على أنه عليه السلام قال ذلك حين الانفلاق(١) . ﴿فَأْفَلَقَ﴾ أي: فَضَرَبِه فانفلق، فالفاءُ فصيحةٌ. وزعم ابن عصفور في مثل هذا التركيب أنَّ المحذوف هو (ضَرَبَ)) وفاءُ ((انفلق))، والفاءُ الموجودة هي فاءُ (ضرب))(٢)، وهذا أشبهُ شيءٍ بِلَغَا (٣) العصافير، وكأنه كان سكرانَ حين قاله. وفي هذا الحذف إشارةٌ إلى سرعة امتثاله عليه السلام، وإنما أُمر عليه السلام بالضَّرب فضرب وترتَّب الانفلاقُ عليه؛ إعظاماً لموسى عليه السلام بجَعْلِ هذه الآية العظيمةِ مترتِّبةً على فِعْلِهِ، ولو شاء عزَّ وجلَّ لفَلَقه بدون ضَرْبِهِ بالعصا. ويُروَى أنه لم ينفلق حتى كناه بأبي خالد، فقال: انْفَلِقِ أبا خالد. وكان بأمر الله تعالى إياه بذلك. وعن قيس بن عباد أنه عليه السلام حين جاءه قال له: انْفَلِقْ أبا خالد. فقال: لن أَنْفَلِقَ لك يا موسى، أنا أقدمُ منك وأشدُّ خَلْقاً. فنودي عند ذلك: اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق (٤). وفي روايةٍ عن ابن مسعود أنه عليه السلام حين انتهى إليه قال: انفَرِقْ. فقال له: لقد استكبرتَ يا موسى، وهل انفرقتُ لأحدٍ من ولد آدم؟ فأوحى الله تعالى إليه: أن اضْرِبْ بعصاك البحر. فضربه فانفلق(٥). (١) الدر المنثور ٨٦/٥، وفيه: وإليك المتكل، بدل: وإليك المشتكى، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٣٣٩٤) دون قوله: وإليك المستغاث، والصيداوي في معجم الشيوخ ص٣٣٨-٣٣٩، وفيه: وبك المستغاث، بدل: وإليك المستغاث. (٢) المقرب لابن عصفور ٢٣٦/١، والبحر ٢٠/٧. (٣) اللغا واللغو: السَّقط، وما لا يعتد به من كلام وغيره. القاموس (لغو). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢٧/١١، وابن أبي حاتم ٢٧٧٢/٨. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢٨/١١-٥٢٩، وابن أبي حاتم ٢٧٧٤/٨. وجاء عند ابن أبي شيبة: استکثرت، بدل: استكبرت. الآية : ٦٣ ١٩٥ سورة الشعراء وفي حديثٍ أخرجه الخطيبُ في ((المتفق والمفترق)) عن أبي الدرداء مرفوعاً: أنه عليه السلام ضربه فتأطّطَ كما يتأطّظُ العرشُ، ثم ضربه الثانيةَ فمثل ذلك، ثم ضربه الثالثة فانْصَدَعَ (١). وهذا صريحٌ في أن الضرب كان ثلاثاً. وقيل: ضربه مرةً واحدة فانفلق. وقيل: ضربه اثنتي عَشْرةَ مرةً فانفلق في كلِّ مرةٍ عن مسلكِ لسِبْط . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال: كان البحر ساكناً لا يتحرَّكُ، فلمَّا كان ليلةَ ضَرَبِه موسى بالعصا صار يمدُّ ويجزرُ(٢). ولا أظنُّ لهذا صحةً، والظاهرُ أنَّ المدَّ والجَزْرَ كانا قبل أن يخلق الله تعالى موسى عليه السلام، ولا ينبغي لعاقلٍ اعتقادُ غيره، ومثلُ هذا عندي كثيرٌ من الأخبار السابقة. والأسلمُ الاقتصارُ على ما قَصَّ الله تعالى من أنه أوحى سبحانه إلى موسى أنِ اضْرِبْ بعصاك البحر، فضربه، فانفلق. ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ اٌلْعَظِيمِ (٣)﴾ أي: كالجبل المُنيفِ الثابت في مقرِّه. وظاهرُ الآية أنَّ الطَّوْدَ مطلقُ الجبل، وقال في ((الصحاح)): الطودُ: الجبلُ العظيم (٣). والمراد بالفِرْقِ قطعةٌ من الماء ارتفعتْ فصار ما تحتها كالسرداب، على ما ذكره بعضُ الأجِلَّة، وحينئذٍ لا إشكال في قولِ مَن قال: إنَّ الفروق أثنا عَشّر (٤) والمسالكَ كذلك، بعِدَّةٍ أسباطِ بني إسرائيل، وقد سَلَكَ كلُّ سبطٍ منهم في مسلكٍ منها . والمشهورُ أنَّ الفِرْقَ قطعةٌ انفصلتْ من الماء عمَّا يقابلُها، وحينئذٍ لا يتأتَّى ذلك القولُ، بل لا بدَّ عليه - على ما قيل - من كون الفروق ثلاثةَ عَشَر حتى يحصل في خلالها اثنا عشر مسلكاً بعدد الأسباط. (١) المتفق والمفترق ١٢٦٤/٢-١٢٦٥، وذكره عنه السيوطي في الدر المنثور ٨٦/٥، وفيه: الفرش، بدل: العرش. وسيأتي الحديث بتمامه عند تفسير الآية (٦٧) من هذه السورة. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٧١/٨ . (٣) الصحاح (طود). (٤) في (م): عشرة. سُورَةُ الشّعراء ١٩٦ الآية : ٦٣ وقيل: إذا كانت الفروقُ اثني عشر فلا بدَّ أن تكون المسالكُ ثلاثة عَشَرَ؛ لأنَّ الفِرْقَ الأولَ والثاني عشر لا بدَّ أن يكونا منفصلين عما يحاذيهما من البحر، فيكون بين كلٌّ منهما وبين ما يحاذيه من البحر مسلكٌ وإن لم يكن كسائر المسالك بين فرقين، إذ لو اتَّصلا لم يميزا عنه ولم يتحقَّق حينئذٍ اثنا عشر فِرْقَاً، بل أقلّ. ولا بُعْدَ في أنْ يُختارَ كونُ الفروقِ اثني عشر والمسالكِ ثلاثةَ عَشَرَ بجعل الفِرْقِ الأول والثاني عشر منفصلين عما يحاذيهما من البحر بين كلٍّ منهما وبينه مسلك. ويقال: إنَّ كلَّ سِبْطِ من الأسباط الاثني عَشَرَ سَلَكَ في مَسْلكِ وسَلَكَ في الثالثِ عَشَرَ مَن آمنَ بموسى عليه السلام من القِبْطِ. انتهى. وأُورد عليه أنه لم يُذكر في الآثار أنَّ المسالك ثلاثةَ عَشَرَ، وإنَّما المذكورُ فيها أنَّها اثنا عشر، ومَن ادّعى ذلك فعلیه البيان. والأبعدُ عن القيل والقال ما تقدَّم عن بعض الأجلَّةِ، وأثرُ قدرة الله تعالى عليه أعظم، وخَلْقُ الداعيةِ إلى سلوك ذلك في قلوب الداخلين لاسيما قوم فرعونَ أغربُ، وكذا الاحتياجُ إلى الكُوَى أَظْهرُ. فقد روي أنَّ بني إسرائيل قالوا: نخاف أن يغرق بعضُنا ولا نشعر، فجعل الله تعالى بينهم كُوّى حتى يرى بعضُهم بعضاً. نعم قيل عليه: إنَّ في بعض الآثار ما يأباه، فقد أخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السَّراج في ((تاريخه)) وابنُ عبد البرِّ في ((التمهيد)) من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس ﴿ه: أنَّ صاحب الروم(١) كتب إلى معاوية يسأله عن أشياء، منها: مكانٌ طلعتْ فيه الشمس لم تَطْلُعْ قبلُ ولا بعدُ فيه، فلم يعلم معاويةُ جوابَ ذلك، فكتب يسأل ابنَ عباس، فأجاب عن كلِّ إلى أن قال: وأمَّا المكان الذي طلعت فيه الشمسُ لم تطلع قبلُ ولا بعدُ فيه فالمكانُ الذي انفلق من البحر لبني إسرائيل(٣). فإنَّ كونَ الفِرْقِ مقبَّباً كالسرداب مانعٌ من طلوع الشمس وشروقها على الأرض من غير واسطة كما هو الظاهر من السؤال. (١) في (م): الردم، وهو تصحيف. (٢) التمهيد ٤٩/٦، وعزاه للسراج السيوطي في الدر ٨٦/٥. وأخرج القصة أيضاً عبد الرزاق في المصنف (٩٠٨٠) عن مجاهد، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٠ عن سعيد بن جبير. الآية : ٦٣ ١٩٧ سُورَةُ الشّعراء وأجيب بأنه بعد تسليم صحة الخبر لا إباءَ لجواز شروق الشمس على أرض الفِرْقِ المقبَّب من غير واسطةٍ من جهة المدخل والمخرج، أو شروقها على أرض البحر قبل التقبيب. ولم يتعرَّض المفسِّرون هنا فيما وقفتُ عليه لكيفية الانفلاق(١)، وقد رأيتُ فيما ينسب إلى ((كليات)) أبي البقاء: أنه قد ورد أنَّ بني إسرائيل لمَّا دخلوا البحر خرجوا من الجانب الذي دخلوا منه، وحينئذٍ لا يتأتَّى ذلك على كون الانفلاق خطّياً، وإنما يتأتَّى على كونه قوسيّاً. ثم إنه ذُكر في عدَّةِ الفروق والمسالك كلاماً ظاهرُه الاختلالُ، وقد تصدَّى بعضُ الفضلاء لشرحه وتوجيهه بما لا يخلو عن تعسُّفٍ، وحاصلُ ما ذكره ذلك البعضُ مع زيادةٍ ما: أنه يحتمل إذا كان انفلاقُ البحر إلى اثني عَشَر فِرْقاً أن يكون الفِرْقُ الأولُ والثاني عشر متَّصلين بالبرِّ الشطيِّ بأن يكون الماء الواقعُ حذاءَ كلِّ منهما من جهة البرِّ مرتفعاً ومنضمًا إلى كلٍّ، ومعدود(٢) من أجزائه، بحيث يصير الماء المرتفع المنضمُّ والفِرْقُ الأصليُّ المنضمُّ إليه فِرْقاً واحداً متَّصلاً طرفُه بالبرِّ من غير فَضْلٍ بينه وبينه بشيءٍ. وأُورد عليه أنه يلزم عليه أن تكون المسالكُ أحد عشر، فيحتاجُ إلى سلوك سبطين معاً أو متعاقباً في مسلكٍ واحدٍ أوسعَ من سائر المسالك أو مساوٍ له، ولا خفاءَ في أنه خلافُ الظاهر والمأثور. وأيضاً يلزمُ أن يكون كلٌّ من الفِرْقينِ الأولِ والثاني عَشَرَ أعظمَ غلظاً من كلٍّ من البواقي؛ لِمَا سمعتَ من الانضمام، والظاهرُ تساويها فيه. وأيضاً يلزمُ خروجُ الماء الملاصق للبرِّ عمَّا الأصل فيه من غير داعٍ إليه . . ويحتمل أن يكون الماء الواقعُ حذاءَ كلٍّ من الأول والثاني عَشَرَ من جهة البرِّ مرتفعاً بمعنى ذاهباً، ويكون الفرقان المذكوران متَّصلينٍ بالبرِّ باعتبارِ أنهما متَّصلان بالمسلكين الظاهرين من تحت الماء الذاهب المتَّصلينِ بالبرّ. (١) في (م): الانطلاق، وهو تصحيف. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ومعدوداً. سُورَةُ السَّعراء ١٩٨ الآية : ٦٣ ويَرِدُ عليه بعضُ ما وَرَدَ على سابقه، وبقاءُ سبطٍ من بني إسرائيل أو سبطين بلا حاجبٍ لهم عن فرعون وجنوده من الماء. ويحتمل أن يكونا منفصلين عن البرِّ بأن يبقى الماء المتصلُ به على حاله بحراً من غير ارتفاع، وحينئذٍ يحتمل أن تكون المسالك ثلاثةَ عَشَرَ باعتبارِ انكشافٍ الأرض بين الفِرْقِ الأول والبحرِ الباقي على حاله المثَّصلِ بالبرِّ، فيكون هذا المسلكُ خارجَ الطود الأول، وانكشافِها بين الفرق الثاني عشر والبحرِ الباقي على حاله المتصل بالبرِّ من الجانب الآخر، فيكون هذا المسلكُ خارجَ الفِرْقِ الثاني عشر. وعلى هذا الاحتمال يلزمُ تعظُلُ أحد المسالك، أو التزامُ سلوكٍ مَن آمَنَ من القبط فقط فيه. ويحتمل أن تكون المسالكُ اثني عشر كالفروق، بأنْ يكون الانكشافُ بين الفِرْقِ الأولِ والبحرِ الباقي على حاله المتصلِ بالبرِّ من جهة فرعون وجنوده فقط، أو يكون الانكشافُ بين الفرق الثاني عشر والبحر الباقي على حاله من الجانب الآخر فقط . وهذا بعيدٌ؛ لعظم هذا القوس المنكشف جدّاً، وطولٍ زمان قَطْعِه. فالظاهرُ وقوعُ احتمالِ كون الانكشافِ بين الفِرْقِ الأوَّلِ والبحر الباقي على حاله من جهة فرعون. وبالجملة احتمالُ انفصالِ الفرقين الأول والأخير، وكون الانكشافِ بين الأولِ والبحرِ مما يلي فرعون دون الأخير والبحرِ مما يلي الجانب الآخر، واتحاد المسالك والفروق في كون كلِّ اثني عشر = هو الأقربُ للوقوع. اهـ. ولا يخفى أنه يلزم عليه أن لا يكون جميعُ المسالك في خلال الفروق، فإنْ لم يتعيَّن القولُ بكون جميعها فيه - إذ ليس في الآثار أكثرُ من كون المسالك اثني عشر مسلكاً - فلا بأس به، وإن استحسنتَ ما تقدَّم عن بعض الأجلَّة في المراد بالفِرْقِ فاعتَبِرْه على تقدير كون الانفلاق قوسيّاً أيضاً. ثم إنَّ ما ذُكر من كون الخروج من جهة الدخول، لم أره في غير ما يُنسَبُ إلى الآية : ٦٣ ١٩٩ سُورَةُ الشّعراء (كليات)) أبي البقاء، وهو أوفقُ بالقول برجوع موسى عليه السلام وقومِه إلى مصر بعد الخروج من البحر وإغراقٍ فرعونَ وجنودِه فيه، وتوقُّفٍ ذلك على كون الانفلاق قوسيّاً؛ لأنه لو كان خطَّاً يلزم أن يكون الرجوعُ في طريق الدخول، وهو ظاهرٌ البطلان؛ لأنَّ الأعداء في أثرهم. واحتمال أن تكون المسالكُ الخطيةُ ثلاثةَ عشر، وأنَّ بني إسرائيل سلكوا اثني عشر منها وأتبعهم فيها فرعونُ وجنودُه، وخرجوا قبل أن يصلوا إليهم، ودخلوا جميعاً في المسلك الثالثِ عَشَرَ من الجانب المخالف لجانب دخولهم متوجِّهين فيه إلى جانب دخولهم، فلم يخرجوا حتى صار جميع أعدائهم في تلك المسالك الاثني عشر التي أتبعوهم فيها، فخرجوا وغَشِيَ أعداءهم من اليمِّ ما غشيهم = لا يخفى ما فيه. والقولُ بالعود إلى مصرَ مع القول بأنَّ الانفلاق كان خطيّاً يتوقَّفُ على هذا، أو على الانفلاق مرةً أخرى، أو على العبور بالسفن، أو سلوكٍ طريقٍ إلى مصر غيرِ الطريق الذي سلكوه خارجينَ منها إلى البحر. والظاهرُ أنه لم يكن شيءٌ من ذلك. ولا بأس - على ما قيل - بالقول بكون الانفلاق قوسيّاً سواء قلنا بالرجوع إلى مصر أم لا . وما يقال عليه من أنه يلزمُ حينئذٍ أن تكون مداخلُ تلك المسالك ومخارجُها في جانب فرعون وجنوده، وذلك ممَّا يوجبُ خوفَ بني إسرائيل من الدخول؛ لاحتمالٍ أن يدخل عليهم أعداؤهم من الطرف الآخر الذي هو محلُّ الخروج، فيلاقوهم في الطريق = على طرف الثمام(١) كما لا يَخْفَى على ذوي الأفهام. وجوِّز على القول بأنَّ الانفلاق كان قوسيّاً أن يكون دخول موسى عليه السلامُ وقومِه من أحد طرفي القوس، ودخولُ فرعون وجنودِه من الطرف الآخر ليلاقوا موسى عليه السلام وقومه، حتى إذا كمل الجمعان دخولاً رجع موسى عليه السلام (١) الثمام: نبت، ويقال لما لا يعسُرُ تناوله: على طرف الثمام؛ لأن الثمام لا يطول فيشقَّ على المتناول. المستقصى ٣٨٧/٢، والقاموس (ثمم). سُورَةُ الشَّعراء ٢٠٠ الآية : ٦٤ وقومُه القهقرى، حتى إذا خرجوا جميعاً أغرق الله تعالى فرعون وجنوده، أو حتى إذا كمل جمعُ موسى عليه السلام دخولاً وبانَ لهم أولُ الداخلين لملاقاتهم رجعوا القهقرى، حتى إذا خرجوا جميعاً وقد كمل جمع فرعون دخولاً أهلك الله تعالى عدوًّهم، فغشِيَه من الیمِّ ما غشيه، وهو كما ترى. والذي ذهب إليه أهلُ الكتاب أنَّ الانفِلاقَ كان خطّاً وأن المسالك اثنا(١) عشر مسلكاً، لكلِّ سبطٍ مسلكٌ، ولا تقبيبَ هناك، وأنه قد فُتحت لهم كوّى ليرى القريبُ قريبه، ويرى الرجلُ من سبطٍ زوجتَه من سبطٍ آخَرَ، وأنهم خرجوا من الجهة المقابلة لجهة دخولهم وتوجّهوا إلى أرض الشام. وليس في كتابنا ما هو نصٌّ في تكذيبه، بل في الأخبار ما يشهدُ بصحة بعضه. واتحادُ الفروقِ والمسالك في العدد يحتاجُ إلى نقلٍ صحيح يثبته، والآيةُ هنا لا تدلُّ على أكثر من تعدُّدِ الفروق، والله تعالى أعلم. وحكى يعقوبُ عن بعض القرَّاء أنه قرأ: ((كلُّ فِلْقٍ)) باللام بدلَ الراء(٢)، قال الراغب: الفرْقُ يقارِبُ الفلْقَ، لكنَّ الفلْقَ يقال اعتباراً بالانشقاق، والفرْق يقال اعتباراً بالانفصال. ومنه الفِرقةُ للجماعة المنفردة من الناس(٣). ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ عطفٌ على ((أوحينا)). وقيل: على محذوفٍ يقتضيه السياقُ، والتقدير: فأدخلنا بني إسرائيل فيما انفلق من البحر وأزلفنا ﴿ثَمَّ﴾ أي: هنالك ﴿اَلْأَخَرِينَ ﴾﴾ أي: فرعون وجنوده، أي: قرَّبناهم من قوم موسى عليه السلام حتى دخلوا على إثرهم مَداخلَهم. وجوِّز أن يراد: قرَّبنا بعضَهم من بعضٍ وجمعناهم لئلا ينجوَ منهم أحد. أخرج ابن عبد الحكم عن مجاهد قال: كان جبريلُ عليه السلام بين الناس، بين بني إسرائيل وبين آلٍ فرعون، فجعل يقول لبني إسرائيل: ليلحَقْ آخرُكم بأوَّلكم. ويستقبلُ آلَ فرعون فيقول: رويدكم ليلحقَكم آخركم. فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا (١) في (م): اثني، وهو خطأ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٧، والبحر ٢٠/٧. (٣) مفردات الراغب (فرق).