Indexed OCR Text

Pages 121-140

الآية : ٧٥
١٢١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وتعقِّب بأنَّ فيه تكلُّفاً وتعسُّفاً مع مخالفته للعربية، وأنه ليس مدارُه على ذلك،
بل أنهم شُرِّكوا في الحكاية في لفظٍ واحدٍ لاتِّحادٍ ما صَدَرَ عنهم مع أنه يجوز اختيارُ
الثاني لأنَّ التشريك في الدعاء أَدْعَى للإجابة، فاعْرِفْ ولا تَغْفَلْ.
ورُوي عن مجاهدٍ أنَّ («إماماً)) جمعُ آمٌّ بمعنی قاصِدٍ، کصیامٍ جمع صائم،
والمعنى: اجعلنا قاصدين للمتقين مقتدين بهم. وما ذُكر أوَّلاً أقربُ كما لا يخفى.
وليس في ذلك - كما قال النخعيُّ - طلبٌ للرِّياسة، بل مجرَّد كونهم قدوةً في
الدِّين وعلماءَ عاملين. وقيل: في الآية ما يدلُّ على أنَّ الرِّياسة في الدِّين مما ينبغي
أن يُطْلبَ.
وإعادةُ الموصولِ في المواقع السبعة مع كفايةِ ذِكْرِ الصِّلاتِ بطريقِ العطف على
صلة الموصول الأول؛ للإيذان بأنَّ كلَّ واحدٍ مما ذُكر في حيِّز صلة الموصولات
المذكورةِ وَصْفٌ جليلٌ على حياله له شأنٌ خطيرٌ حقيقٌ بأنْ يُفْرَدَ له موصوفٌ مستقلٌّ،
ولا يُجْعَلَ شيءٌ من ذلك تتمةً لغيره. وتوسيطُ العاطف بين الموصولات لتنزيل
الاختلافِ العنوانيِّ منزلةَ الاختلافِ الذاتيّ كما عرفْتَه فيما سبق غيرَ مرَّةٍ.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى المثَّصفينَ بما فصِّل في حيِّز الصِّلاتِ من حيث اتِّصافُهم
به، وفيه دلالةٌ على أنهم متميِّزُون منتظِمون بسببه في سِلْكِ الأمور المشاهَدةِ، وما فيه
من معنى البعد للإيذان ببُعْدِ منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأُ خبرُه جملةُ قولِه تعالى:
﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
والجملةُ على الأقرب استئنافٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبيِّنّةٌ لِمَا لهم في
الآخرة من السعادة الأبدية، إِثْرَ بيانٍ ما لهم في الدنيا من الأعمال السنيّة .
و ((الغرفة)): الدرجة العالية من المنازل، وكلُّ بناءٍ مرتفع عالٍ. وقد فسِّرت
هنا - على ما روي عن ابن عباس - ببيوتٍ من زبرجدٍ ودِّ ویاقوت.
وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) عن سهل بن سعدٍ عن النبيِّ وَّلـ
أنه قال: «فيها بيوتٌ من ياقوتةٍ حمراءَ أو زبرجدةٍ خضراءَ أو دَرَّةٍ بيضاءَ، ليس فيها
فَصْمٌ ولا وَصْمٌ)) (١).
(١) الدر المنثور ٨١/٥، وهو في نوادر الأصول ص٢٧٣ دون إسناد ودون ذكر الراوي. وورد

سُورَةُ القُرْقَانِ
١٢٢
الآية : ٧٥
وقيل: أعلى منازلِ الجنة، ولا يأباه الخبرُ؛ لجوازٍ أن تكون الغرفُ الموصوفةُ
فيه هناك.
ورويَ عن الضَّحَّاك أنها الجنة. وقيل: السماءُ السابعة. وعلى تفسيرها
بجمعِ - ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيِ اٌلْغُرُفَتِ ءَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقرئ فيه: ((في
الغرفة))(١) - يكون المراد بها الجنسَ، وهو يطلقُ على الجمع كما سمعتَ آنفاً.
وإيثارُ الجمع هنالك - على ما قال الطيبيُّ - لأنها رتِّبتْ على الإيمان والعمل
الصالح، ولا خفاءَ في تفاؤُتِ الناس فيهما، وعلى ذلك تتفاوتُ الأجزية، وها هنا
رتّب على مجموع الأوصاف الكاملة، فلذا جيء بالواحد دلالةً على أنَّ الغرف
لا تتفاوَتُ.
﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بسبب صَبْرِهم، على أنَّ الباء للسببية، و((ما)) مصدريةٌ.
وقيل: هي للبدل كما في قوله :
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
شَتُّوا الإغارة فرساناً ورُكْباناً(٢)
أي: بَدَلَ صبرٍهم.
ولم يذكر متعلَّق الصبر ليعمَّ ما سلف من عبادتهم فِعْلاً وتَرْكاً وغيره من أنواع
العبادة، والكلُّ مُدْمَجٌ فيه؛ فإنه إمَّا عن المعاصي، وإمَّا على الطاعات، وإمَّا على الله
تبارك وتعالى وهو أعلى منهما، ويُعلَم من ذلك وجهُ إيثارٍ ((صبروا)) على فعلوا.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَخِيَّةُ وَسَلَمًا ®﴾ أي: تُحيِّيهم الملائكةُ عليهم السلام،
ويدعون لهم بطول الحياة، والسلامةِ عن الآفات. أو: يُحِّي بعضُهم بعضاً ويدعو له
بذلك. والمرادُ من الدعاء به التكريمُ وإلقاءُ السرورِ والمؤانَسة، وإلا فهو متحقِّقٌ لهم.
= نحوه ضمن حديث أنس ظه في مسند الحارث (١٩٦- زوائد)، ومسند البزار (٣٥١٩)،
ومسند أبي يعلى (٤٢٢٨)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٥٩). والفصم: كسر الشيء
من غير أن تفصله. والوصم: الصدع والعيب. الترغيب والترهيب ٤ / ٤٦٦ .
(١) هي قراءة حمزة، كما في التيسير ص٢٨١، والنشر ٣٥١/٢.
(٢) البيت لقريط بن أنيف رجل من بَلْعَنْبر، كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١٠/١،
والتذكرة السعدية ص٣٨، والخزانة ٦/ ٢٥٣.

الآية : ٧٦ - ٧٧
١٢٣
سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
أو يُعَطَوْنَ(١) التبقيةَ والتخليدَ مع السَّلامة من كلِّ آفةٍ، فليس هناك دعاءٌ أصلاً.
وقرأ طلحةُ ومحمدٌ اليمانيُّ وأهلُ الكوفة غيرَ حفصٍ: ((يَلْقَوْنَ)) بفتح الياء
وسكون اللام وتخفيف القاف(٢).
﴿خَكَلِينَ فِيهَا﴾ لا يموتون ولا يُخرجون، وهو حالٌ من ضمير ((يُجزون))، أو
من ضمير ((يلقون)).
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦َ﴾
مقابِلُ: ((ساءتْ مستقرًّا)) معنَى، ومِثْلُه إعراباً،
فتذگّرْ ولا تغفل.
﴿قُلْ﴾ أمرٌ لرسول الله وَّهِ بأنْ يبيِّن للناس أنَّ الفائزين بتلك النَّعماءِ الجليلةِ التي
يتنافس فيها المتنافسون إنَّما نالوها بما عدِّد من محاسنهم، ولولاها لم يُعتَّد بهم
أصلاً، أي: قل للناس مُشافِهاً لهم بما صدر عن جنسهم من خيرٍ وشر ﴿مَا يَعْبَؤُأ
بِكُتْ رَبِ﴾ أي: أيَّ عبءٍ يعبأُ بكم وأيَّ اعتدادٍ يعتدُّ بكم ﴿لَوْلاَ دُعَاذُكُمْ﴾ أي:
عبادتُكم له عزَّ وجلَّ حَسْبَما مرَّ تفصيلُه، فإنَّ ما خُلِقَ له الإنسانُ معرفةُ الله تعالى
وطاعتُه جلَّ وعلا، وإلا فهو والبهائمُ سواءٌ، فـ ((ما)) متضمِّنٌ لمعنَى الاستفهامِ، وهي
في محلِّ النصب، وهي عبارةٌ عن المصدر.
وأصلُ العبءِ: الثِّقْلُ، وحقيقةُ قولِهم: ما عبأتُ به: ما اعْتَدَدْتُ له من فوادح
همِّي وممَّا يكون عبأً عليَّ، كما تقول: ما اكترثْتُ له، أي: ما أَعْدَدْتُ له من
کوارثي ومما یھمُّني.
وقال الزجَّاج: معناه: أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده تعالى لولا عبادتكم(٣).
ويجوز أن تكون ((ما)) نافيةً، أي: ليس يعبأ.
وأيًّا ما كان فجوابُ (لولا)) محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه، أي: لولا دعاؤكم لمَا
اعتدَّ بكم.
(١) في (م): ويعطون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٢/٦، والكلام منه.
(٢) التيسير ص ١٦٥، والنشر ٣٣٥/٢ عن حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف، وذكرها عن طلحة
واليماني أبو حيان في البحر ٦/ ٥١٧ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٧٨/٤، وفيه: توحيدكم، بدل: عبادتكم.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٢٤
الآية : ٧٧
وهذا بيانٌ لحالِ المؤمنين من المخاطَبين، وقولُه سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بيانٌ
الحالِ الكفرة منهم، والمعنى: إذا أعلمتُكم أنَّ حُكْمي أنِّ لا أعتدُّ بعبادي إلَّا
لعبادتهم، فقد خالفتُم حكمي ولم تعملوا عَمَلَ أولئك المذكورين، فالفاءُ مثلُها في
قوله :
فقد جئنا خراسانا (١)
والتكذيبُ مستعارٌ للمخالفة.
وقيل: المرادُ: فقد قصَّرْتُم في العبادة، على أنه من قولهم: كذب القتالَ، إذا
لم يبالغ فيه، والأوَّلُ أَوْلَى وإن قيل: إنَّ المراد من التقصير في العبادة تَرْكُها.
وقرأ عبد الله وابن عباس وابن الزبير: ((فقد كذَّبَ الكافرون))(٢) وهو على
معنى: كذَّب الكافرون منكم؛ لعموم الخطاب للفريقين على ما أشرنا إليه، وهو
الذي اختاره الزمخشريُ(٣)، واستحسنه صاحبُ ((الكشف)).
واختار غيرُ واحد أنه خطاب لكفرة قريش، والمعنى عليه عند بعضٍ: ما يعبأ
بكم لولا عبادتُكم له سبحانه، أي: لولا إرادتُه تعالى التشريعيةُ لعبادتكم له تعالی
لَمَا عَبَّأَ بكم ولا خَلَقكم، وفيه معنّى من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقيل: المعنى: ما يعبأ بكم لولا دعاؤه سبحانه إيَّاكم إلى التوحيدِ على لسان
رسوله وَّهِ، أي: لولا إرادةُ ذلك.
وقيل: المعنى: ما يبالي سبحانه بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهةً. أو: ما يفعل
بعذابكِم لولا شِرْكُكم، كما قال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ
ج
وَءَامَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
(١) سلف عند تفسير الآية (٨٠) من سورة البقرة، وتمامه:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والمحتسب ١٢٦/٢، والبحر ٥١٨/٦، وهي في الكشاف ١٠٣/٣
دون نسبة .
(٣) في الكشاف ٣/ ١٠٣.

الآية : ٧٧
١٢٥
سُورَةُ الفُرْقَان
وقيل: المعنى: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى، وتضرُّعُكم إليه في
الشدائد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقال
سبحانه: ﴿إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].
وقيل: المعنى: ما خَلَقكم سبحانه وله إليكم حاجةٌ إلَّا أن تسألوه فيعطيكم
وتستغفروه فيغفر لكم، ورُوي هذا عن الوليد بن [أبي] الوليد ◌َه(١).
وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشريُّ لا ينافي كونَ الخطابِ لقريشٍ من حيث
المعنى، فقد خصِّصَ بهم في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾﴾ أي: جزاء التكذيب أو أثره لازماً يحيقُ بكم
حتى يَكُبَّكم في النار، كما يُعْرِبُ عنه الفاءُ الدالَّةُ على لزوم ما بعدها لِمَا قبلها،
فضميرُ ((يكون)) لمصدرِ الفعل المتقدِّم بتقديرِ مضافٍ أو على التجوُّز، وإنما لم
يصرِّح بذلك للإيذان بغاية ظهورِه وتهويل أمره، وللتنبيه على أنه مما لا يَكْتَنِهُه
البيان.
وقيل: الضمير للعذاب، وقد صرَّح به مَن قرأ: ((يكونُ العذابُ لزاماً))(٢)،
وصحَّ عن ابن مسعود أنَّ اللِّزامَ قَتْلُ يوم بدر، ورُوي عن أبيٍّ ومجاهدٍ وقتادةً
وأبي مالك. ولعل إطلاقَه على ذلك لأنه لوزِمَ فيه بين القتلى لزاماً.
وقرأ ابن جُرَيْجٍ: ((تكون)) بتاء التأنيث، على معنى: تكون العاقبةُ (٣).
وقرأ المنهال وأبان بن تغلب وأبو السمَّال: ((لَزاماً)) بفتح اللام مصدر لزم(٤)،
يقال: لَزِمَ لُزوماً ولَزَاماً، كثَبَتَ ثُبُوتاً وثَبَاتاً.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٤٥/٨، وأبو الشيخ في العظمة (١٨٥)، وذكره عنهما السيوطي في
الدر ٥/ ٨٢، وذكره أيضاً القرطبي في تفسيره ٤٩٤/١٥، وما بين حاصرتين من هذه
المصادر. والوليد بن أبي الوليد هو أبو عثمان المدني مولى ابن عمر، وقيل: مولى عثمان،
ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف على قلة روايته. تهذيب التهذيب ٤/ ٣٢٧.
(٢) البحر ٥١٨/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والبحر ٥١٨/٦، وعنه نقل المصنف.
(٤) البحر ٥١٨/٦، والدر المصون ٥٠٧/٨ ووقع في الأصل و(م) ومطبوع البحر: أبان بن
ثعلب، وهو خطأ .

سُوَّةُ الفُرْقَانِ
١٢٦
التفسير الإشاري (٧-٧٧)
ونَقَلَ ابنُ خالويه(١) عن أبي السمَّال أنه قرأ: ((لَزَامٍ)) على وزن حَذَامِ، جَعَله
مصدراً معدولاً عن اللَّزْمةِ، كفَجَارِ المعدولِ عن الفَجْرةِ، والله تعالى أعلم.
هذا ومن باب الإشارة: قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ
الطّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقٌ﴾ إشارةٌ قصورِ حالِ المنكرين على أولياء الله تعالى،
حيث شارَكوهم في لوازم البشرية من الأكل والشرب ونحوهما .
وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً﴾ إنَّ وجه فتنته النظرُ إليه
نفسه، والغفلةُ فيه عن ربِّه سبحانه، ويُشْعِرُ هذا بأنَّ كلَّ ما سوى اللهِ تعالى فتنةٌ من
هذه الحيثية.
وقال ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنتُورًا﴾ أظْلَعْناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا، فسقطوا من أعيننا بذلك،
وجَعَلْنا أعمالهم هباءً منثوراً.
وهذه الآيةُ وإن كانت في وصف الكفار لكنْ في الحديث أنَّ في المؤمنين مَن
يُجعل عملُه هباءً كما تَضمَّنَتْه، فقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) والخطيب في
((المتَّفق والمفترق)) عن سالم مولى أبي حذيفةَ قال: قال رسول الله وَله: «ليُجَاءَنَّ
يومَ القيامةِ بقومٍ معهم حسناتٌ مثل جبال تهامةً، حتى إذا جيءَ بهم جَعَلَ الله تعالى
أعمالَهم هباءً، ثم قَذَفَهم في النار)) قال سالم: بأبي وأمي يا رسول الله، حَلِّ لنا
هؤلاء القوم. قال: ((كانوا يصومون ويصلُّون ويأخذون هَنَّةً من الليل، ولكن كانوا
إذا عُرِضَ عليهم شيءٌ من الحرام وثبوا عليه، فأدْحَضَ الله تعالى أعمالهم))(٢).
وذُكر في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ الآيَةَ أنَّ حُكْمَه عامٌّ في كلِّ متحابَّيْنٍ
(١) في القراءات الشاذة ص ١٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٥١٨/٦.
(٢) الحلية ١٧٨/١، والمتفق والمفترق ٥٢٧/١، وهو من طريق شيخ من الأنصار عن سالم
به. وسالم رَُّه قال ابن أبي حاتم: لا أعلم روي عنه شيءٌ. وذكر له ابن حجر في
الإصابة ١٠٤/٤ حديثين هذا أحدهما، ثم قال: وفي السندين جميعاً ضعفٌ وانقطاع،
فيحمل كلام ابن أبي حاتم على أنه لم يصح عنه شيء.

التفسير الإشاري (٧ -٧٧)
١٢٧
سُورَةُ الفُرْقَان
على معصية الله تعالى. وعن مالك بن دينار: نَقْلُ الأحجار مع الأبرار خيرٌ من أكل
الخَبِيصِ (١) مع الفُجَّار.
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ﴾ أنه يلزمُ من هذا مع
قولهم: كلُّ وليٍّ على قدمِ نبيٍّ، أن يكون لكلِّ وليٍّ عدوٌّ يتظاهر بعداوته. وفيه إشارة
إلى سوء حال مَن يفعل ذلك مع أولياء الله تعالى، ولذا قيل: إنَّ عداوتهم علامةُ
سوءِ الخاتمة، والعياذُ بالله تعالى.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ إشارةٌ إلى أنهم كانوا
متوجِّهين إلى جهة الطبيعة، ولذا حُشروا منكوسين.
وفي قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَلَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إنه
عامٌّ في كلِّ مَن مال إلى هَوَى نفسِه، واتَّبعه فيما توجّه إليه، ومن هنا دقَّق العارفون
النظر في مقاصد أنفسهم، حتى إنهم إذا أَمرَتْهم بمعروفٍ لم يُسارِعوا إليه، وتأمَّلوا
ماذا أرادتْ بذلك؟.
فقد حُكي عن بعضهِم أنَّ نفسه لم تَزَلْ تحثُّه(٢) على الجهاد في سبيل الله
تعالى، فاستَغْربَ ذلك منها لعِلْمِه أنَّ النفس أمَّارةٌ بالسوء، فَأَمْعنَ النظر فإذا هي قد
ضَجِرَتْ من العبادة، فأرادَتِ الجهاد رجاءَ أن تُقْتَلَ فتستريحَ مما هي فيه من
النَّصَبِ، ولم تَقْصِدْ بذلك الطاعةَ، بل قَصَدَتِ الفرارَ منها .
وقيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآيةَ، أي: ألم تَرَ
كيف مَدَّ ظلَّ عالَم الأجسام ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ، سَاكِنًا﴾ في كتم العَدَمِ ((ثم جعلنا))
شمسَ عالَم الأرواح على وجودِ ذلك الظلِّ ((دليلاً)) بأنْ كانت محَرِّكةً لها إلى
غايتها المخلوقةِ هي لأَجْلِها، فعُرِفَ من ذلك أنه لولا الأرواحُ لم تُخْلَقِ
الأجساد.
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ مركّبٍ فإنه
سينحلُّ إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير. وبوجهٍ آخَرَ : الظلُّ ما سوى نورِ
(١) الخبيص: هو المعمول من التمر والسمن. القاموس (خبص).
(٢) في (م): تحسه.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٢٨
التفسير الإشاري (٧-٧٧)
الأنوار يُستدلُّ به على صانعه الذي هو شمسُ عالَم الوجود، وهذا شأنُ الذاهبينَ من
غیره سبحانه إلیه عزَّ وجلَّ.
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾ إشارةٌ إلى مرتبةٍ أعلى من ذلك، وهي الاستدلالُ
به تعالى على غيره سبحانه، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وهذه مرتبةُ الصِّدِّيقين.
وقوله سبحانه: ﴿ثُرَّ قَبَضْنَهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨] و﴿أَلَّ إِلَى اَللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣].
وبوجهٍ آخَر : الظلُّ حجابُ الذهول والغفلةِ، والشمسُ شمسُ تجلِّ المعرفة من
أُفق العناية عند صباح الهداية، ولو شاء سبحانه لجعله دائماً لا يزول، وإنما يستدل
على الذهول بالعرفان.
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ الكشف التامَّ يحصل بالتدريج
عند انقضاء مدة التكليف.
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَِّلَ لِبَاسًا﴾ تستترون به عن رؤيةِ الأجانب لكم
واطلاعهم على حالكم من التواجُدِ وسَكْبِ العبرات. ﴿وَالنَّْمَ سُبَاتًا﴾ راحةً لأبدانكم
من نَصَبِ المجاهدات ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ تنتشرون فيه لطلب ضروریاتكم.
﴿وَهُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ﴾ أي: رياحَ الاشتياق على قلوب الأحباب ﴿بُشْرَا بَيْ
يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ من التجلِّيات والكشوف ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ من سماء الكَرَم ماءَ حياةِ العرفان
﴿لِّنُحْتِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾ أي: قلوباً ميتةً ﴿وَنُفِيَهُ، مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمًا﴾َ وهم الذين غَلَبتْ
عليهم الصفاتُ الحيوانيةُ، يسقيهم سبحانه ليردّهم إلى القيام بالعبادات ﴿وَأَنَاسِىَ
كَثِيرًا﴾ وهم الذين سَكَنوا إلى رياض الأنس، يسقيهم سبحانه من ذلك ليَفْطمهم
عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ﴾ أي: القرآنَ الذي هو ماءُ حياةِ القلوب ﴿يَنْهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ به
موطنهم الأصليَّ ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ بنعمة القرآن وما عَرَفوا قَدْرَها.
﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ﴾ بحرَ الروح وبحرَ النفس ﴿هَذَا﴾ وهو بحر الروح
﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ من الصفات الحميدة الربانية، ﴿وَهَذَا﴾، وهو بحرُ النفس ﴿مِلْعُ أُجَاجٌ﴾

التفسير الإشاري (٧-٧٧)
١٢٩
سُورَةُ الفُرْقَان
من الصفات الذميمة الحيوانية ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفًا وَحِجْرًا فَحْجُورًا﴾، فحرامٌ على الروح
أن يكون منشأً الصفات الذميمة، وعلى النفس أن تكونَ معدنَ الصفاتِ الحميدة.
وذكر أنَّ البرزخ هو القلبُ. وقال(١) ابن عطاء: تلاطَمتْ صفتان فتلاقيتا في
قلوب الخَلْقِ، فقلوبُ أهل المعرفة منوَّرةٌ بأنوار الهداية مضيئةٌ بضياء الإقبال،
وقلوبُ أهل النكرة مظلمةٌ بظلمات المخالفةِ مُعْرِضةٌ عن سَنَنِ التوفيق، وبينهما قلوبُ
العامَّة ليس لها علمٌ بما يَرِدُ عليها وما يَصْدُر منها، ليس معها خطابٌ ولا لها
جواب.
وقيل: البحرُ العَذْبُ إشارةٌ إلى بحر الشريعة، وعذوبتُه لِمَا أنَّ الشريعة سهلةٌ
لا حَرَجَ فيها، ولا دقَّةَ في معانيها، ولذلك صارت موردَ الخواصِّ والعَوامِّ، والبحرُ
المِلْحُ إشارةٌ إلى بحر الحقيقة، وملوحتُه لِمَا أنَّ الحقيقة صعبةُ المسالك لا يكاد
يدرِكُ ما فيها عقلُ السالك، والبرزخُ إشارةٌ إلى الطريقة فإنها ليست بسهلةٍ كالشريعة
ولا صعبة کالحقيقة، بل بیْنَ بین.
﴿َبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا﴾ قيل: هو إشارةٌ إلى أنه سبحانه جَعَل في سماء
القلوب بروجَ المنازل والمقامات، وهي اثنا عشر: التوبةُ، والزهدُ، والخوفُ،
والرجاءُ، والتوُّلُ، والصبرُ، والشكرُ، واليقينُ، والإخلاصُ، والتسليمُ، والتفويضُ،
والرضا. وهي منازلُ الأحوال السَّيَّارة: شمس التجلِّي، وقمر المشاهَدةِ، وزهرة
الشوق، ومشتري المحبة، وعطارد الكشوف، ومرِّيخ الفناء، وزُحَل البقاء.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ بغير فخرٍ ولا خُيَلاءَ؛ لِمَا شاهدوا
من كبرياء الله تعالى وجلاله جلَّ شأنُه.
وذكر بعضهم أنَّ هؤلاء العباد يعامِلون الأرض معاملةَ الحيوان لا الجماد، ولذا
يمشون عليها هوناً .
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ﴾ وهم أبناءُ الدنيا ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: سلامةً من الله
تعالی من شرِّکم.
(١) في الأصل: قال.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٣٠
التفسير الإشاري (٧-٧٧)
أو: إذا خاطبهم كلُّ ما سوى الله تعالى من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة
والنعيم، وتعرَّضَ لهم ليشغلهم عمَّا هم فيه ((قالوا سلاماً)) سلامَ متاركةٍ وتوديع.
﴿وَلَّذِينَ يَبِئُونَ لِرَيْهِمْ سُخَدًا وَفِيَمًا﴾ لِمَا علموا أنَّ الصلاة معراجُ المؤمن،
والليل وقتُ اجتماعِ المحبِّ بالحبيب:
لي الليل هزَّتْني إليكِ المضاجعُ
نهاري نهارُ الناس حتى إذا بدا
ويجمعني والهمَّ بالليل جامعٌ(١)
أُقضِّي نهاري بالحديث وبالمنى
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتُّمٌ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ إشارةٌ إلى
مزيدٍ خوفهم من القطيعة والبُعْدِ عن محبوبهم، وذلك ما عَنَوْه بعذاب جهنم
لا العذابُ المعروف، فإنَّ المحبَّ الصادقَ يستَعْذِبُه مع الوصال، ألا تسمعُ ما قيل :
في جنة الفردوس أو في جهنّمِ(٢)
فليت سُلَيْمَى في المنام ضجيعتي
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ فيوضاتهم حَسبَ قابلية
المُفاضِ عليه، لا يُسرفون فيها بأنْ يُفيضوا فوق الحاجة، ولا يَقْتُرون بأنْ يُفيضوا
دون الحاجة. أو إلى أنهم إذا أنفقوا وجودَهم في ذات الله تعالى وصفاته جلَّ
شأنُه، لم يبالغوا في الرياضة إلى حدِّ تَلَفِ البدن، ولم يَقْتُروا في بَذْلِ الوجود
بالرُّكون إلى الشهوات.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ برَفْعِ حوائجهم إلى الأغيار ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ قَتْلَها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي:َ إلا بسَطْوةٍ تجلِّياته تعالى ﴿وَلَا
يَزْنُونَ﴾ بالتصرُّف في عجوز الدنيا، ولا ينالون منها شيئاً إلا بإذنه تعالى.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يحضرون مجالسَ الباطل من الأقوال والأفعال
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ﴾، وهو ما لا يقرِّبهم إلى محبوبهم ﴿مَنُوا كِرَامًا﴾، مُعْرِضين عنه.
﴿وَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمَّ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ بل أقبلوا عليها
بالسمع والطاعة، مشاهِدينَ بعيون قلوبهم أنوارَ ما ذكِّروا به من كلام ربِّهم.
(١) البيتان لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص ١٨٥ .
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٢٠٣، وعجزه برواية:
لدى الجنة الخضراء أو في جهنم

التفسير الإشاري (٧ -٧٧)
١٣١
سُورَةُ القُرْقَانِ
﴿وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا﴾ مَن ازْدَوَجَ معنا وصَحِبَنا ﴿وَذُرِّيَِّنَا﴾
الذين أخذوا عنَّا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بأن يوفَّقوا للعمل الصالح ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ
إِمَامًا﴾ وهم الفائزون بالفناء والبقاء الأتمَّيْنِ.
﴿أُوْلَكِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ وهو مقامُ العِنْدية ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ في البداية على
تكاليف الشريعة، وفي الوسط على التأذُّب بآداب الطريقة، وفي النهاية على
ما تقتضيه الحقيقة ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَجِيَّةٌ﴾ هي أُنسُ الأسرار بالحيِّ القيوم
﴿وَسَلَمًا﴾ وهو سلامةُ القلوب من خطور (١) القطيعة ﴿خَلِينَ فِيهَاْ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا
وَمُقَامًا﴾ لأنها مشهدُ الحقِّ ومحلُّ رضا المحبوب المطلق.
نسألُ الله تعالى أن يمنَّ علينا برضائه ويمنحَنا بسوابغ نعمائه وآلائه بحرمةِ سیدِ
أنبيائه وأحبِّ أحِبَّائه صلى الله تعالى عليه وسلم وشرَّف قَدْرَه وعّم.
(١) في الأصل: حظور، وهو تحريف.

سُؤْدَةُ الشّعراء
وفي تفسير الإمام مالكٍ تسميتُها بسورة الجامعة(١). وقد جاء في رواية ابن
إطلاقُ القول بمِّيتها(٢). وأخرج
مردويه عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير
النحاس عن ابن عباس ﴿: أنها نزلت بمكةَ سوى خمس آياتٍ من آخرها نزلت
بالمدينة: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرها [الآية: ٢٢٤](٣). وروي ذلك عن
عطاءٍ وقتادةَ. وقال مقاتل: ﴿أَوْلَمْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةٌ﴾ الآية [١٩٧] مدنيةٌ أيضاً.
قال الطبرسيُّ: وعِدَّةُ آياتها مئتان وسبعٌ وعشرون آيةً في الكوفيِّ والشاميِّ
والمدنيِّ الأوَّلِ، ومئتان وستٌّ وعشرون في الباقي(٤).
ووجهُ اتِّصالها بما قبلَها اشتمالُها على بَسْطٍ وتفصيلٍ لبعض ما ذُكر فيما قبلُ،
وفيها أيضاً من تسليته وَّةٍ ما فيها، وقد افتُتِحَتْ كلتا السورتين بما يفيد مدحَ القرآن
الكريم وخُتِمتَا بإيعاد المكذِّبين به كما لا يخفى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴾ تقدَّم الكلام في أمثاله إعراباً وغيرَه، والكلامُ هنا كالكلام هناك،
وطسم
بَيْدَ أنه أخرج ابنُ أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في هذا: الطاءُ من ذي
الطَّوْل، والسينُ من القدُّوس، والميمُ من الرحمن(٥).
(١) الإتقان ١/ ١٧٣، وذكر ذلك أيضاً ابن كثير في أول هذه السورة.
(٢) الدر المنثور ٨٢/٥، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً ابن الضريس في فضائل القرآن ص٢٣-٢٤.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٧١/٢.
(٤) مجمع البيان ١٣٤/١٩.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧ .

الآية : ٢
١٣٣
سُورَةُ الشّعراء
وأمال فتحةَ الطاء حمزةٌ والكسائيُّ وأبو بكر (١). وقرأ نافع كما رَوَى عنه
أبو عليٍّ الفارسيُّ في ((الحجة)) بينَ بين ولم يُمِلْ صِرْفاً (٢)، لأنَّ الألف منقلبةٌ عن
ياءٍ، فلو أمِيلت إليها انتقضَ غرضُ القَلْبِ، وهو التخفيف.
ورَوَى بعضٌ عنه أنه قرأ كباقي السبعة من غير إمالة أصلاً(٣)، نظراً إلى أنَّ
الطاء حرفُ استعلاءٍ يمنع من الإمالة.
وقرأ حمزةُ بإظهار نونِ ((سين)) (٤) لأنه في الأصل لكونه أحدَ أسماء الحروف
المقطّعةِ منفصلٌ عمَّا بعده، وأدغمها الباقون لمَّا رأوها متصلةً في حُكْم كلمةٍ
واحدةٍ، خصوصاً على القول بالعَلَمية.
وقرأ عيسى بكَسْرِ الميم من ((طسم)) هنا وفي ((القصص))، وجاء كذلك عن نافع(٥).
وفي مصحف عبد الله: ((ط س م)) من غير اتِّصالٍ، وهي قراءةُ أبي جعفر(٦).
﴿يَلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُِّينِ ﴾﴾ إشارةٌ إلى السورة، وما في ذلك من معنى البُعْد
للتنبيه على بُعْد منزلةِ المشار إليه في الفخامة. والمرادُ بالكتاب: القرآنُ، وبالمبين:
الظاهرُ إعجازُه على أنه من أَبانَ بمعنى بان، والكلامُ على تقدير مضافٍ أو على أنَّ
الإسناد فيه مجازيٌّ. وجوِّز أن يكون ((المبين)) من أبان المتعدِّي ومفعولُه محذوفٌ،
أي: الأحكامَ الشرعية، أو الحقَّ. والأولُ أنسبُ بالمقام.
والمعنى: هذه آياتٌ مخصوصةٌ من القرآن، مترجَمةٌ باسم مستقلٌّ. والمرادُ ببيان
كونها بعضاً منه وَصْفُها بما اشتهر به الكلُّ من النعوت الجليلةٌ.
(١) التيسير ص ١٦٥، والنشر ٢/ ٧٠، وأمالها أيضاً خلف من العشرة.
(٢) الحجة ٥/ ٣٥٥، وقال صاحب النشر ٢/ ٧٠: انفرد أبو القاسم الهذلي عن نافع ببين اللفظين،
ووافقه في ذلك صاحب العنوان، إلا أنه عن قالون ليس من طريقنا. اهـ. وينظر العنوان في
القراءات السبع لأبي طاهر إسماعيل بن خلف المقرئ الأندلسي الأنصاري ص ١٤٢ .
(٣) التيسير ص ١٦٥، والنشر ٢/ ٧٠ .
(٤) التيسير ص ١٦٥، والنشر ١٩/٢.
(٥) البحر ٥/٧.
(٦) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٧/ ٥. ومذهب أبي جعفر هو السكت على كل حرف من
حروف الفواتح. النشر ٢٤١/١ و١٩/٢.
٦

سُؤَةُ الشّعراء
١٣٤
الآية : ٣
وقيل: الإشارةُ إلى القرآن، والتأنيثُ لرعاية الخبر، والمرادُ بالكتاب السورةُ،
والمعنى: آيات هذا القرآن المؤلّف من الحروف المبسوطة كآيات هذه السورة
المتحدَّى بها، فأنتم عجزتُم عن الإتيان بمثل هذه السورة، فحُكْمُ تلك الآيات
كذلك. وهو كما ترى.
ومن الناس مَن فسَّر ((الكتاب المبين)) باللوح المحفوظ، ووَصْفُه بالمبين
لإظهاره أحوالَ الأشياء للملائكة عليهم السلام. والأَوْلَى ما سمعتَه أوَّلاً .
﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾ أي: قاتلٌ إياها من شدّةِ الوَجْدِ كما قال الليث، وأنشد قولَ
الفرزدق(١):
أَلَا أيُّهذا الباخعُ الوَجْدُ نفسَه لشيءٍ نَحَتْه عن يديه المَقَادِرُ(٢)
وقال الأخفش والفرَّاء(٣): يقال: بَخَع يَبْخَعُ بَخْعاً وبُخوعاً، أي: أهلكَ من
شدَّة الوَجْدِ، وأصلُه الجهد. ومنه قول عائشةً في عمر بط ◌ّ: بَخَعَ الأرضَ(٤). أي:
جَهَدَها حتى أَخَذَ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائيُّ: بَخَع الأرضَ بالزراعة: جَعَلَها ضعيفةً بسببٍ متابعة الحراثة.
وقال الزمخشريُّ وتبعه المطرّزيُّ: أصل البَخْعِ أن تَبْلُغَ بالذبح البِخَاعِ بكَسْرِ الباء،
وهو عِرْقٌ مستبطنُ الفَقَارِ، وذلك أقصى حدِّ الذبح(٥). ولم يطَّلِعْ على ذلك ابنُ
الأثير مع مزيد بَحْثِهِ (٦)، ولا ضَيْرَ في ذلك.
(١) كذا ذكر، والصواب أنه لذي الرمة على ما يأتي.
(٢) ديوان ذي الرمة ٢/ ١٠٣٧، والعين ١٢٣/١ و٣٠٣/٣، وسلف عند تفسير الآية (٦) من سورة
الكهف. قال شارح الديوان: نَحَتْه المقادر، أي: حَرَفتْه المقادر، فاصبر أن لا تكون نِلْتُه.
(٣) كما في البحر ٩٢/٦، وعنه نقل المصنف. وينظر معاني القرآن للفراء ١٣٤/٢ و٢٧٥.
(٤) الخبر في تهذيب اللغة ١٦٨/١، والنهاية (بخع)، وغريب الحديث لابن الجوزي ٥٨/١،
والكلام من البحر ٦ / ٩٢.
(٥) الكشاف ١٠٤/٣، والمُغرِب في ترتيب المُعْرِب لأبي الفتح ناصر الدين الخوارزمي الحنفي
المشهور بالمطرزي ص ٢٩٣. وسلف كلام الزمخشري عند تفسير الآية (٦) من سورة الكهف.
(٦) النهاية (بخع)، وفيه بعد نَقْلِ كلام الزمخشري في الفائق والتفسير: ولم أجده لغيره - يعني
الزمخشري - وطالما بحثت عنه في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد
البخاع - بالباء - مذكوراً في شيء منها. اهـ. وينظر تاج العروس (بخع).

الآية : ٣
١٣٥
سُورَةُ السَّعَر
وقرأ زيد بن عليٍّ وقتادةُ رحمهم الله تعالى: ((باخعُ نَفْسِكَ))(١) بالإضافة على
خلافِ الأصل؛ فإنَّ الأصل في اسم الفاعل إذا استوفى شروط العمل أن يعمل،
على ما أشار إليه سيبويه في ((الكتاب))(٢). وقال الكسائيُّ: العملُ والإضافةُ سواءٌ.
وذهب أبو حيان إلى أنَّ الإضافة أحسنُ من العمل(٣).
و(لعل)) في مثل هذا الموضع الإشفاق المتكلِّم، ولمَّا استحال في حقِّه سبحانه
جعلوه متوجِّهاً إلى المخاطب، ولمَّا كان غير واقع منه أيضاً قالوا: المراد الأمرُ به
لدلالة الإنكار المستفاد من سوق الكلام عليه، فكأنه قيل: أَشْفِقْ على نفسك أن
تقتُلُها وَجْداً وحَسْرةً على ما فاتك من إسلام قومك.
وقال العسكريُّ: هي في مثل هذا الموضع موضوعةٌ موضعَ النهي، والمعنى:
لا تَبْخَعْ نفسَك(٤).
وقيل: وُضِعَتْ موضعَ الاستفهام، والتقدير: هل أنت باخعٌ. وحُكي مثلُه عن
ابن عطية، إلا أنه قال: المراد الإنكارُ، أي: لا تكن باخعاً نفسَك(٥).
﴿أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِينَ ﴾﴾ تعليلٌ للبَخْع، ولمَّا لم يَصِحَّ كونُ عَدَم كونهم في المستقبل
مؤمنين - كما يفيدُه ظاهرُ الكلام - علَّةً لذلك لعدم المقارَنة، والَعلَّةُ ينبغي أن تُقارِنَ
المعلولَ، قدَّروا: خِيفة، فقالوا: أي (٦): خيفةَ أنْ لا يؤمنوا بذلك الكتاب المبين.
ومن الأجلَّة مَن لم يقدِّر ذلك بناءً على أنَّ المراد: لاستمرارهم على عدم قبول
الإيمان بذلك الكتاب؛ لأنَّ كلمة ((كان)) للاستمرار، وصيغةُ الاستقبال لتأكيده،
وأُرِيدَ استمرارُ النفي.
وجوِّز أن يكون الكونُ بمعنى الصحة، والمعنى: لامتناع إيمانهم. والقولُ بأنَّ
فِعْلَ الكون أُتي به لأَجْلِ الفاصلة، ليس بشيءٍ .
(١) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٥/٧.
(٢) سلف قوله عند تفسير الآية (٦) من سورة الكهف.
(٣) البحر ٩٨/٦، وسلف عند تفسير الآية (٦) من سورة الكهف.
(٤) البحر ٦/ ٩٨، وسلف عند تفسير الآية (٦) من سورة الكهف.
(٥) المحرر الوجيز ٤٩٦/٣، وسلف عند تفسير الآية (٦) من سورة الكهف.
(٦) قوله: أي، ليس في (م).

سُورَةُ الشعراء
١٣٦
الآية : ٤
وقوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ﴾ إلخ استئنافٌ لتعليل الأمر بإشفاقه على نفسه وَّل، أو
النهي عن البَجْعِ، ومفعول المشيئة محذوف، وهو على المشهور ما دلَّ عليه
مضمونُ الجزاء، وجوِّز أن يكون مدلولاً عليه بما قَبلُ، أي: إن نشأ إيمانَهم ﴿نُنَزِّلْ
عَلَيْهِم مِّنَ اٌلَِّ مَةٌ﴾ مُلْجئةً لهم إلى الإيمان قاسِرةً عليه، كما نتق الجبل فوق بني
إسرائيل. وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريح لِمَا مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّم
والتشويقِ إلى المؤشّر.
وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه: ((إنْ يَشأُ يُنزِّلْ)) على الغيبة، والضمير له
تعالى(١). وفي بعض المصاحف: (لو شئنا لأنزلنا))(٢).
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ ﴾﴾ أي: منقادين، وهو خبرٌ عن الأعناق، وقد
اكْتَسبتِ التذكيرَ وصِفَةَ العقلاء من المضاف إليه، فأخبر عنها لذلك بجَمْعِ مَن يَعْقِلُ
كما نقله أبو حيان عن بعض أجلَّة علماء العربية(٣).
واختصاصُ جوازِ مِثْلِ ذلك في(٤) الشعر كما حكاه السيرافيُّ عن النحويين
مما لم يَرْتَضِه المحقِّقون، ومنهم أبو العباس، وهو ممن خرَّج الآية على ذلك.
وجوِّز أن يكون ذلك لِمَا أنَّها وُصِفَتْ بفِعْلٍ لا يكونُ مقصوداً إلا للعاقل وهو
الخضوعُ، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وأن يكون الكلامُ على حذفِ مضافٍ وقد رُوعيَّ بعد حَذْفِهِ، أي: أصحابُ
أعناقِهِم، ولا يخفى أنَّ هذا التقدير ركيكٌ مع الإضافة إلى ضميرهم.
وقال الزمخشريُّ: أصلُ الكلام: فظلُّوا لها خاضعين، فأُقْحِمَتِ الأعناقُ لبيانٍ
موضعٍ الخضوع؛ لأنه يتراءى قبل التأمُّل لظهور الخضوع في العنق بنحوِ الانحناء
أنه هو الخاضعُ دون صاحبه، وتُرِكَ الجمعُ بعد الإقحام على ما كان عليه قبلُ(٥).
(١) البحر ٥/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٧ / ٥.
(٣) البحر ٦/٧.
(٤) قوله: في، ليس في (م).
(٥) بنحوه في الكشاف ١٠٤/٣.

الآية : ٤
١٣٧
سُورَةُ الشعراء
وقال الكسائي: إنَّ ((خاضعين)) حالٌ للضمير المجرور لا للأعناق.
وتعقّبه أبو البقاء فقال: هو بعيدٌ في التحقيق لأنَّ ((خاضعين)) يكون جارياً على
غير فاعل ((ظلَّت))، فيفتقرُ إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين
هم(١)، فافهم.
وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد والأخفش(٢): الأعناق: الجماعات؛ يقال:
جاءني عنٌ من الناس، أي: جماعةٌ، والمعنى: ظلَّت جماعاتُهم، أي: جملتُهم.
وقيل: المراد بها الرؤساءُ والمقدّمون مجازاً، کما یقال لهم: رؤوس وصدور،
فيثبت الحكم لغيرهم بالطريق الأولى. وظاهرُ كلامهم أنَّ إطلاق العنق على
الجماعة مطلقاً رؤساء أم لا حقيقةٌ، وذكر الطيبي عن ((الأساس)) أنَّ من المجاز:
أتاني عنقٌ من الناس، للجماعة المتقدِّمة. وجاؤوا رَسَلاَ رَسَلاً وعُنقاً عُنقاً، والكلامُ
يأخذ بعضُه بأعناقٍ بعضٍ(٣). ثم قال: يُفْهَم من تَقابُلِ رَسَلاَ رَسَلاً لقوله: عنقاً عنقاً
أنَّ في إطلاق الأعناق على الجماعات اعتبارَ الهيئة المجتمعة، فيكون المعنى:
فظلُّوا خاضعين مجتمعين على الخضوع، متّفقين عليه لا يخرجُ أحدٌ منهم عنه (٤).
وقرأ عيسى وابنُ أبي عبلة: ((خاضعةً))(٥) وهي ظاهرةٌ على جميع الأقوال في
الأعناق، بيدَ أنه إذا أُريدَ بها ما هو جمعُ العنق بمعنى الجارحةِ، كان الإسناد إليها
مجازيًّا .
و ((لها)) في القراءتين صلةُ ((ظلت))، أو الوصفِ، والتقديمُ للفاصلة أو نحوِ ذلك
لا للحصر.
(١) الإملاء ١٠٨/٤- ١٠٩، وتعقبه السمين في الدر ٥١٢/٨ بأن ((خاضعين)) لم يجر في اللفظ
والمعنى إلا على من هو له، وهو الضمير في ((أعناقهم))، والمسألة التي قالها هي أن يجري
الوصف على غير مَن هو له في اللفظ دون المعنى. على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله؛
لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبس.
(٢) في معاني القرآن له ٦٤٣/٢ -٦٤٤.
(٣) أساس البلاغة (عنق).
(٤) في الأصل: عنهم.
(٥) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٦/٧.

سُؤَةُ الشعراء
١٣٨
الآية : ٥
و((ظلَّت)) عطفٌ على ((ننزّل))، ولا بدَّ من تأويل أحد الفعلين بما هو من نوع
الآخر؛ لأنه وإن صحَّ عطفُ الماضي على المضارع إلا أنه هنا غيرُ مناسبٍ؛ فإنه
لا يترتَّبُ الماضي على المستقبل بالفاء التعقيبية أو السببية، ولا يُعْقَلُّ ذلك،
والمعقولُ عكسُه، وبتأويلِ أحد الفعلين يُدْفَعُ ذلك، لكن اختار بعضُهم تأويلَ ((ظلَّت))
بـ : تَظَلُّ، وكأنَّ العدول عنه إليه ليؤذِنَ الماضي بسرعة الانفعال، وأنَّ نزول الآية - لقوة
سلطانه وسرعةٍ ترتّب ما ذُكر عليه - كأنه كان واقعاً قبله. وبعضُهم تأويلَ ((ننزِّل))
بـ: أنزلنا، ولعل وَضْعَه مَوْضِعَه لاستحضارِ صورةٍ إنزالِ تلك الآيةِ العظيمةِ المُلجِئةِ
إلى الإيمان، وحصولِ خضوعٍ رقابِهِم عند ذلك في ذهن السامع ليَتَعَجَّبَ منه، فتأمَّل.
وقرأ طلحة: ((فتَظْلَلْ)) بفكِّ الإدغام والجزمِ(١)، وضعَّف الحريريُّ في ((درَّة
الغوَّاص)» الفكَّ في مثل ذلك(٢). ورجّح صاحبَ ((الكشف)) القراءةَ بأنها أبلغُ؛
لإفادة الماضي ما سمعْتَه آنفاً .
هذا، والظاهرُ أنه لم يتحقَّق إنزالُ هذه الآيةِ لأنَّ سنَّة الله تعالى تكليفُ الناس
بالإيمان من دون إلجاءٍ، نعم إذا قيل: المرادُ: آيَةً مذلَّةً لهم - كما روي عن
قتادة - جاز أن يقال بتحقُّق ذلك. ولعل ما رُوي عن ابن عباس كما في ((البحر))
و((الكشاف)) من قوله: نزلتْ هذه الآيةُ فينا وفي بني أمية، ستكونُ لنا عليهم الدولةُ،
فَتَذِلُّ أعناقُهم بعد صعوبةٍ ويلحقُهم هوانٌ بعد عزَّةٍ(٣)، ناظرٌ إلى هذا.
وعن أبي حمزة الثماليّ: أنَّ الآيةَ صوتٌ يُسْمَعُ مِن السماء في نصفٍ شهرٍ
رمضان، وتخرجُ له العواتقُ من البيوت. وهذا قولٌ بتحقُّق الإنزال بعدُ، وكأنَّ ذلك
زمانَ المهديِّ قُئه.
ومن صحة ما ذُكر من الأخبار في القلب شيءٌ، والله تعالى أعلم.
بيانٌ
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّنِ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ
لشدَّة شكيمتهم وعَدَم ارْعِوائهم عمَّا كانوا عليه من الكفر والتكذيب بغير ما ذُكر من
الآية الملجئة، تأكيداً لصَرْفِ رسولِ الله وَله عن الحرص على إسلامهم.
(١) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ٧/ ٥.
(٢) درة الغواص ص ١١٣ - ١١٦.
(٣) البحر ٦/٧، والكشاف ١٠٥/٣، وعزاه القرطبي ١٠/١٦ للثعلبي والغزنوي.

الآية : ٦
١٣٩
سُؤَةُ الشّعراء
و ((مِن)) الأولى مزيدةٌ لتأكيد العموم. وجوِّز أن تكون تبعيضيةً، والجارّ
والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لمقدَّرٍ، كما نشير إليه إن شاء الله تعالى.
والثانيةُ لابتداءِ الغاية مجازاً متعلِّقةٌ بـ ((يأتيهم)) أو بمحذوفٍ هو صفةٌ لـ ((ذِكْرٍ))، وأيًّا
ما كان ففيه دلالةٌ على فَضْلِهِ وشَرَفِه وشناعةِ ما فعلوا به.
والتعرُّضُ لعنوان الرحمة؛ لتغليظِ شناعتهم وتهويلِ جنايتهم؛ فإنَّ الإعراضَ
عمَّا يأتيهم من جنابه جلَّ وعلا على الإطلاق شنيعٌ قبيحٌ، وعمَّا يأتيهم بموجب
رحمته تعالى لِمَحْضِ منفعتهم أشنعُ وأقبحُ، أي: ما يأتيهم تذكيرٌ وموعظةٌ، أو
طائفةٌ من القرآن، من قِبَلِه عزَّ وجلَّ بمقتضى رحمته الواسعة، مجدّدٌ (١) تنزيلُه
حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ، إلا جدَّدوا إعراضاً عنه، واستمرُّوا على
ما كانوا عليه.
والاستثناءُ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، محلُّه النصبُ على الحالية من مفعول
(يأتيهم)) بإضمارِ ((قد)) أو بدونه على الخلاف المشهور، أي: ما يأتيهم من ذِكْرٍ في
حالٍ من الأحوال إلا حال کونھم مُعْرِضین عنه.
﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ﴾ أي: بالذِّكر الذي يأتيهم، تكذيباً صريحاً مقارِناً للاستهزاء به،
ولم يكتفوا بالإعراض عنه، حيث جعلوه تارةً سحراً، وتارة أساطيرَ الأوَّلين،
وأخرى شِعْراً.
وقال بعض الفُضَلاء: أي: فقد تمُّوا على التكذيب وکان تكذيبُهم مع ورود
ما يوجبُ الإقلاعَ من تكرير إتيان الذِّكر كتكذيبهم أوَّلَ مرَّةٍ، وللتنبيه على ذلك عبّر
عنه بما يعبّر عن الحادث.
ويُشعر باعتبارٍ مقارنةِ الاستهزاء حَسْبَما أشير إليه قولُه تعالى: ﴿فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَّوْاْ مَا
كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ لاقتضائه تقدُّمَ الاستهزاء. وقيل: إنَّ ذاك لدلالة الإعراض
والتكذيب على الاستهزاء.
والمرادُ بأنباءِ ذلك: ما سيحيقُ بهم من العقوباتِ العاجِلَةِ والآجلةِ، وكلُّ آت
قريب. وقيل: مِن عذابٍ يومٍ بدرٍ، أو يومِ القيامة.
(١) في (م): يجدد، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٤/٦.

سُورَةُ الشَّجَرّاء
١٤٠
الآية : ٧
والأوَّلُ أَوْلَى، وعبَّر عن ذلك بالأنباء لكونه مما أنبأ به القرآنُ العظيم، أو
لأنهم بمشاهدته يقفون على حقيقة حالِ القرآن، كما يقفون على الأحوال الخافية
عنهم باستماع الأنباء. وفيه تهويلٌ له؛ لأن النبأ يطلقُ على الخبر الخطير الذي له
وقعٌ عظيمٌ، أي: فسيأتيهم لا محالةَ مِصْداقُ ما كانوا يستهزؤون به قبلُ من غير أن
يتدبَّروا في أحواله ويقفوا عليها .
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بيانٌ لإعراضهم عن الآيات التكوينية بعد
بيانِ إعراضهم عن الآياتِ التنزيلية، والهمزةُ للإنكار التوبيخيّ، والواوُ للعطف على
مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ، أي: أأصرُّوا على ما هم عليه من الكفر بالله تعالى وتكذيب
ما يَدْعوهم إلى الإيمان به عزَّ وجلَّ ولم ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرةِ لهم
عن ذلك، والداعية إلى الإيمان به تعالى.
وقال أبو السعود بعد جَعْلِ الهمزة للإنكار، والعَظْفِ على مقدَّرٍ يقتضيه المقام:
أي: أَفَعَلوا ما فَعَلوا من الإعراض عن الآيات والتكذيبِ والاستهزاءِ بها ولم ينظروا
إلى عجائب الأرض الزاجرةِ عمَّا فعلوا، والداعيةِ إلى الإقبال على ما أَعْرَضوا
عنه(١). انتھی.
وهو ظاهرٌ في أنَّ الآية مرتبطةٌ بما قبلها من قوله تعالى: (وَمَا يَأْنِهِم) إلخ، وهو
قريبٌ بحسب اللَّفظ، إلّا أنَّ فيه أنَّ النظر إلى عجائب الأرض لا يَظْهرُ كونُه زاجراً
عن التكذيب بكونِ القرآن منزلاً من الله عزَّ وجلَّ، وداعياً إلى الإقبال إليه.
وقال ابن كمال: التقديرُ: ألم يتأمّلوا في عجائب قدرته تعالى ولم ينظروا.
انتهى. والظاهر أن الآية عليه ابتداءُ كلامٍ، فافهم.
وقيل: هو بيانٌ لتكذيبهم بالمعاد إثرَ بيانِ تكذيبهم بالمبدأ وكُفْرِهم به عزَّ وجلّ،
والعطفُ على مقدَّرٍ أيضاً، والتقديرُ: أكذَّبوا بالبعث ولم ينظروا إلى عجائب الأرض
الزاجرة عن التكذيب بذلك. والأوَّلُ أَوْلَى وأظهرُ.
وأيًّا ما كان فالكلامُ على حَذْفِ مضافٍ كما أُشيرَ إليه، وجوِّز أن يراد من
الأرض عجائبُها مجازاً.
(١) تفسير أبي السعود ٢٣٥/٦.