Indexed OCR Text

Pages 41-60

الآية : ٣٥ - ٣٦
٤١
سُورَةُ القُرْقَانِ
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَ الْكِتَبَ﴾ إلخ جملةٌ مستأنفةٌ سيقَتْ لتأكيد ما مرَّ
من التسلية والوَعْدِ بالهدايةِ والنصر في قوله تعالى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) - على
ما قدَّمناه - بحكايةِ ما جرى بين مَن ذُكِرَ من الأنبياء عليهم السلام وبين قومهم
حكايةً إجماليةً كافيةً فيما هو المقصود.
واللامُ واقعةٌ في جواب القسم، أي: وباللهِ تعالى لقد آتينا موسى التوراة، أي:
أنزلناها عليه بالآخرة. وقيل: المراد بالكتاب الحُكْمُ والنبوَّةُ. ولا يَخْفَى بُعْدُه.
﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ الظرفُ متعلِّقٌ بـ ((جعلنا))، وقولُه تعالى: ﴿أَنَاءُ﴾ مفعولٌ أول
له، وقولُه سبحانه ﴿هَرُونَ﴾ بدلٌ من «أخاه)) أو عطفُ بيانٍ له، وقولُه عزَّ وجلَّ
﴿وَزِيرًا ﴾﴾ مفعولٌ ثانٍ له، وتقدَّم معنى الوزير(١)، ولا ينافي هذا قولُه تعالى:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، مِنْ رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] لأنه وإن كان نبيًّا فالشريعةُ لموسى
عليه السلام، وهو تابعٌ له فيها كما أنَّ الوزير متَّبِعٌ لسلطانه.
﴿ فَقُلْنَا أَذْهَبَا إِلَى الْقَوْرِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَئِنَ﴾ هم فرعونُ وقومُه، والظاهرُ تعلُّقُ
(بآياتنا)) بـ ((كذَّبوا))، والمرادُ بها دلائلُ التوحيد المودَعةُ في الأنفُسِ والآفاق، أو
الآياتُ التي جاءت بها الرسلُ الماضيةُ عليهم السلام، أو التسعُ المعلومةُ. والتعبيرُ
عن التكذيب بصيغة الماضي على الاحتمالين الأوَّلين ظاهرٌ، وعلى الأخير قيل:
لتنزيل المستقبل - لتحقُّقه - منزلةَ الماضي. وتعقِّب بأنه لا يناسِبُ المقامَ.
وقال العلّامةُ أبو السعود: لم يُوصَفِ القومُ لهما عند إرسالهما إليهم بهذا
الوصفِ ضرورةً تأخّرٍ تكذيب الآيات التسع عن إظهارها، المتأخِّرِ عن ذهابهما،
المتأخِّرِ عن الأمر به، بل إنما وُصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله وَّهِ بياناً لعلَّةٍ
استحقاقهم لِمَا يُحكَى بعده من التدمير(٢). وبحث فيه بما فيه تأمُّلٌ.
وجوِّز أن يكون الظرفُ متعلِّقاً بـ ((اذهبا)) فمعنى ((كذَّبوا)»: فعلوا التكذيب.
﴿فَدَفَّرْنَهُمْ تَدْمِيْرًا ﴾﴾ عجيباً هائلاً لا يقادرُ قَدْرُه ولا يُدْرَكُ كنهُه، والمرادُ به
أشدُّ الهلاك، وأصلُه: كَسْرُ الشيء على وجهٍ لا يمكن إصلاحُه. والفاءُ فصيحةٌ،
(١) ٢٨٨/١٦-٢٨٩.
(٢) تفسير أبي السعود ٢١٧/٦.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٤٢
الآية : ٣٦
والأصل: فقلنا اذهبا إلى القوم فذهبا إليهم ودَعَواهم إلى الإيمان
فكذَّبوهما واستمرُّوا على ذلك فدمَّرناهم، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاءً
بما هو المقصودُ.
وقيل: معنى ((فدمرناهم)): فحَكَمْنا بتدميرهم، فالتعقيبُ باعتبارِ الحكمِ، وليس
في الإخبار بذلك کثیرُ فائدة.
وقيل: الفاءُ لمجرَّد الترتيب، وهو كما ترى.
وعطف ((قُلْنا)) على ((جَعَلْنا)) المعطوفِ على ((آتينا)) بالواو التي لا تقتضي ترتيباً
على الصحيح، فيجوزُ تقدُّمه مع ما يَعقبُه على إيتاء الكتاب، فلا يَرِدُ أنَّ إيتاء
الكتاب وهو التوراةُ بعد هلاك فرعونَ وقومِه فلا يصحُّ الترتيبُ. والتعرُّضُ لذلك في
مطلع القصة مع أنه لا مدخلَ له في إهلاك القوم لِمَا أنه بعده(١)؛ للإيذان من أول
الأمر ببلوغه عليه السلام غايةَ الكمال التي هي إنجاءُ بني إسرائيلَ من ملكة فرعون،
وإرشادُهم إلى طريق الحقِّ بما في التوراة من الأحكام، إذ به يحصلُ تأكيدُ الوعد
بالهداية على الوجه الذي ذكر سابقاً .
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والحسنُ ومسلمةُ بن محارب: ((فدَمِّراهم)) على
الأمر لموسى وهارون عليهما السلام(٢). وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أيضاً
كذلك، إلا أنه مؤكّدٌ بالنون الشديدة(٣) .
وعنه كرم الله تعالى وجهه: ((فدمِّرا)) أمراً لهما ((بهم)) بياء الجرِّ(٤)، وكأنَّ ذلك
من قبيل :
تجرح في عراقيبها نَصْلي(٥)
(١) في (م): بعد.
(٢) الكشاف ٩٢/٣، والبحر ٤٩٨/٦، والكلام منه.
(٣) أي: ((فدمِّرانُّهم)»، وهي في القراءات الشاذة ص١٠٥، والمحتسب ١٢٢/٢، والكشاف
٩٢/٣، والبحر ٤٩٨/٦ .
(٤) المحتسب ١٢٢/٢، والبحر ٤٩٨/٦.
(٥) قطعة من بيت لذي الرمَّة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وسلف ١٦/١٠ وغيرها، وتمامه:
فإن تَعْتذر بالمحل من ذي ضروعها على الضيف يَجْرحْ في عراقيبها نَصْلي

الآية : ٣٧
٤٣
سُورَةُ القُرْقَانِ
١
وحَكَى في ((الكشاف)) عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه: ((فدمَّرْتُهم)) بتاء
الضمير (١).
﴿وَقَوْمَ نُوٍ﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ يدلُّ عليه قوله تعالى: (فَدَقَرْنَهُمْ)، أي: ودمَّرنا
قومَ نوح. وجوَّز الحوفيُّ وأبو حيان كونَه معطوفاً على مفعولِ ((فدمَّرناهم))(٢).
ورُدَّ بأنَّ تدمير قوم نوح ليس مترتِّباً على تكذيب فرعون وقومِه، فلا يصحُّ عَطْفُه
عليه .
وأجيب بأنه ليس من ضرورةٍ ترتّبٍ تدميرهم على ما قبله ترتُّبُ تدميرٍ هؤلاء
عليه، لا سيما وقد بيَّن سببه بقوله تعالى: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ أي: نوحاً ومَن
قبله من الرسل عليهم السلام، أو نوحاً وحده فإنَّ تكذيبه عليه السلام تكذيبٌ للكلِّ
لاتُّفاقهم على التوحيد، أو أنكروا جوازَ بعثةِ الرسل مطلقاً. وتعريفُ الرسل على
الأول عهديٌّ، ویحتملُ أن یکون للاستغراق؛ إذ لم يوجد وقتَ تکذیبھم غیرُهم،
وعلى الثاني استغراقيٌّ لكن على طريق المشابهةِ والادّعاء، وعلى الثالث للجنس أو
للاستغراق الحقيقيِّ، وكأنَّ المجيب أراد أنَّ اعتبار العطف قبل الترتيب، فيكونُ
المرتَبُ مجموعَ المتعاطفين، ويكفي فيه تَرتُّبُ البعض.
وقيل: المقصود من العطف التسويةُ والتنظير، كأنه قيل: دمَّرناهم کقوم نوحٍ،
فتكونُ الضمائر لهم، والرسل نوحٌ وموسى وهارون عليهم السلام. ولا يخفى
ما فيه.
واختار جمعٌ كونَه منصوباً بـ ((اذْكُرْ)) محذوفاً.
وقيل: هو منصوبٌ بمضمَرٍ يفسِّره قوله تعالى: ﴿أَغْرَقْتَهُمْ﴾، ويرجِّحُه على
الرفع تقدُّمُ الجمل الفعلية. ولا يَخْفَى أنه إنَّما يتسنَّى ذلك على مذهب الفارسيِّ(٣)،
من كون ((لمَّا)) ظرفَ زمانٍ، وأمَّا إذا كانت حرفَ وجودٍ لوجود فلا؛ لأنَّ
(أغرقناهم)) حينئذٍ يكون جواباً لها، فلا يفسِّر ناصباً.
(١) الكشاف ٣/ ٩٢.
(٢) البحر ٤٩٨/٦، والنهر على هامش البحر ٦/ ٤٩٧.
(٣) كما في البحر ٤٩٨/٦.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٤٤
الآية : ٣٨
ولعل أَوْلَى الأوجُهِ الأولُ. و((أغرقناهم)) استئنافٌ مبيِّن لكيفية تدميرهم، كأنه
قيل: كيف كان تدميرُهم؟ فقيل: أغرقناهم بالطوفان ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ﴾ أي: جَعَلْنا
إغراقَهم، أو قصَّتهم ﴿لِلنَّاسِ ◌َايَةٌ﴾ أي: آيةً عظيمةً يعتبر بها مَن شاهدها أو
سمعها، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعلنا))، و((للناس)) متعلِّق به، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع
حالاً من «آيةً))؛ إذ لو تأخّر عنها لكان صفة لها .
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلِّمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ أي: جعلناه مُعدًّا لهم في الآخرة، أو في
البرزخ، أو فيهما. والمرادُ بـ ((الظالمين)) القومُ المذكورون، والإظهارُ في موقع
الإضمار للإيذان بتجاوزِهم الحدَّ في الكفر والتكذيب، أو جميعُ الظالمين الذين لم
يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب، فيدخلُ في زُمْرَتِهم قريشٌ دخولاً أوَّليًّا .
ويَحْتَمِلُ ((العذاب)) الدنيويّ وغيرَه.
﴿وَغَادًا﴾ عطفٌ على ((قوم نوح))، أي: ودمَّرنا عاداً، أو: واذكر عاداً، على
ما قيل. ولا يصحُّ أن يكون عطفاً إذا نُصِبَ على الاشتغال؛ لأنهم لم يُغْرَقوا.
وقال أبو إسحاق(١): هو معطوفٌ على ((هم)) من ((جعلناهم للناس آيةً))، ويجوزُ
أن يكون معطوفاً على محلِّ ((الظالمين)» فإنَّ الكلام بتأويل: وَعَدْنا الظالمين. اهـ
ولا يَخْفَی بُعْدُ الوجهین.
﴿وَتَعُودَا﴾ الكلامُ فيه وفيما بَعْدَه كما فيما قبله.
وقرأ عبد الله وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى: ((وثمودَ)) غيرَ مصروفٍ(٢) على
تأويلِ القبيلة، ورُوي ذلك عن حمزةَ وعاصم(٣) والجمهورُ بالصَّرْفِ - ورواه عبد بن
حميد عن عاصم(٤). على اعتبارِ الحيِّ، أو أنهم سُمُّوا بالأب الأكبر.
﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ عن ابن عباس: هم قومُ ثمود. ويُبْعِدُه العطفُ لأنه يقتضي
التغايُرَ.
(١) هو الزجاج، والكلام في معاني القرآن له ٦٨/٤.
(٢) البحر ٤٩٨/٦، وهي في المتواتر على ما يأتي.
(٣) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢ عن حفص وحمزة، وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٤) الدر المنثور ٧٠/٥.

الآية : ٣٨
٤٥
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقال قتادةُ: هم أهلُ قريةٍ من اليمامة يقال لها: الرسُّ والفَلج، قيل: قتلوا
نبيّهم فهلكوا، وهم بقيةُ ثمود وقوم صالح.
وقال كعبٌ ومقاتلٌ والسدِّيُّ: أهلُ بئرٍ يقال له: الرسُّ بأنطاكية الشام، قَتَلوا
فيها صاحبَ ((يس)) وهو حبيبٌ النجَّار.
وقيل: هم قومٌ قتلوا نبيَّهم ورسُّوه في بئرٍ (١)، أي: دسُّوه فيه.
وقال وهبٌّ والكلبيُّ: أصحابُ الرسِّ وأصحابُ الأيكة قومان أُرْسِلَ
إليهما شعيبٌ، وكان أصحابُ الرسِّ قوماً من عَبَدةِ الأصنام وأصحابَ آبَارٍ ومَواشٍ،
فدعاهم إلى الإسلام فتمادَوْا في طغيانهم وفي إيذائه عليه السلام، فبينما هم حول
الرسِّ - وهي البئر غيرُ المَظْويَّةِ كما روي عن أبي عبيدة(٢) - انهارت بهم وبدارهم.
وقال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه فيما نقله الثعلبيُّ: هم قومٌ(٣) عبدوا شجرةٌ يقال
لها: شاه درخت، رسُّوا نبيَّهم في بئرٍ حفروه له، في حديث طويل.
وقيل: هم أصحابُ النبيِّ حنظلةَ بنِ صفوان كانوا مبتلَيْنَ بالعنقاء، وهي أعظمُ
ما يكون من الطير، وكان فيها من كلِّ لونٍ، وسمِّيتْ عنقاء لطول عنقها، وكانت
تسكنُ جبلَهم الذي يقال له: فتح(٤)، وتنقضُّ على صبيانهم فتَخْطِفُهم إن أعوزها
الصيد - ولإتيانها بهذا الأمر الغريب سمِّيت مُغْرِباً، وقيل: لأنها اختطفت عروساً.
وقيل: لغروبها، أي: غَيبتها. وقيل: لأنَّ وكرها كان عند مغرب الشمس، ويقال
فيها: عنقاءُ مغرب بالتوصيف والإضافة مع ضمِّ الميم وفتحها - فدعا عليها حنظلةُ
فأصابتها الصاعقةُ فهلكت، ثم إنهم قتلوا حنظلةَ فأُهْلكوا.
وقيل: هم قوم أرسل إليهم نبيٌّ فأكلوه.
(١) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٥٢ عن عكرمة.
(٢) مجاز القرآن ٢٢٣/٢، والبحر ٤٩٩/٦، وعنه نقل المصنف جميع ما سلف وما سيأتي من
أقوال.
(٣) في (م): قول، وهو تحريف.
(٤) في البحر: فج، وفي تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٢٥/٦: فتح أو دمخ؛ قال
الشهاب: فتح بالفاء والتاء المثناة من فوق والحاء المهملة؛ وقيل: إنها معجمة. وقيل: إنه
بمثناة تحتانية وجيم. ودمخ بدال مهملة وميم ساكنة وخاء معجمة.

سُورَّةُ الفُرْقَانِ
٤٦
الآية : ٣٨
وقيل: قومٌ نساؤهم سَوَاحِقُ.
وقيل: قومُ بُعث إليهم أنبياء فقتلوهم ورسُّوا عظامهم في بثر.
وقيل: هم أصحابُ الأخدود، والرسُّ هو الأخدود.
وفي روايةٍ عن ابن عباس: أنه بئرُ أذربيجان.
وقيل: الرسُّ ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت.
وقيل: هو ماءٌ ونخلٌ لبني أسد.
وقيل: نهرٌ من بلاد المشرق بعث الله تعالى إلى أصحابه نبيّاً من أولاد يهوذا بن
يعقوب فكذَّبوه، فلبث فيهم زماناً، فشكا إلى الله تعالى منهم، فحفروا له بئراً
وأرسلوه فيه، وقالوا: نرجو أن تَرْضَى عنَّا آلهتنا، فكانوا عليه(١) يومَهم يسمعون
أنينَ نبيِّهم، فدعا بتعجيل قبْضٍ روحِه فمات، وأظلتهم سحابةٌ سوداءُ أذابتهم
کما یذوب الرصاص.
ورَوَى عكرمةُ ومحمد بنُ كعب القرظيُّ عن النبيِّ وَِّ: ((أنَّ أصحاب الرسِّ
أخذوا نبيَّهم فرسُوه في بئر وأَظْبَقوا عليه صخرةً، فكان عبدٌ أسودُ قد آمَنَ به
يَجيءُ بطعامٍ إلى البئر، فَيُعِينُه الله تعالى على تلك الصخرة فيرفعها، فيعطيه
ما يغذِّيه بهَ ثم يردُّ الصخرة على فم البئر، إلى أنْ ضرب الله تعالى على أذن
ذلك الأسود فنام أربعَ عَشْرةَ سنةً، وأخرج أهل القرية نبيَّهم فآمنوا به)). في
حديث طويل ذُكر فيه أنَّ ذلك الأسودَ أولُ مَن يدخل الجنة (٢). وهذا إذا صحَّ
كان القولَ الذي لا يمكنُ خلافُه، لكنْ يُشْكِلُ عليه إيرادُهم هنا، وأجاب عنه
الطبريُّ(٣) بأنه يمكن أنهم كفروا بعد ذلك فأُهْلِكوا، فذكرهم الله تعالى مع مَن
ذُكر من المُهْلَكين، وملخّصُ الأقوال أنهم قومٌ أهلكهم الله تعالى بتكذيبٍ مَن
أرسل إليهم.
(١) في البحر: عامة.
(٢) أخرجه مطوَّلاً عن محمد بن كعب عن النبيِّ ◌َّ الطبري ٤٥٤/١٧-٤٥٥، وقال ابن كثير
عند تفسير هذه الآية: فيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجاً .
(٣) في التفسير ١٧/ ٤٥٥، ونقله المصنف بواسطة أبي حيان في البحر ٤٩٨/٦.

الآية : ٣٩
٤٧
سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
﴿وَقُرُونًا﴾ أي: أهلَ قرونٍ، وتقدَّم الكلامُ في القرن (١) ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي:
المذكورِ من الأمم، وللتعدُّدِ حَسُنَ ((بين)) من غيرِ عَظْفٍ ﴿كَثِيرًا ﴾﴾ يطولُ
الكلام جدًّا بذكرها، ولا يَبْعدُ أن يكون قد عَلِمَ رسولُ اللهِوَّهِ مقدارَها، وقولُه
تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ليس نصًّا في نفي العلم
بالمقدار كما لا يخفى.
وفي «إرشاد العقل السليم))(٢): لعلَّ الاكتفاء في شؤون تلك القرونِ بهذا البيانِ
الإجماليِّ لِمَا أنَّ كلَّ قرنٍ منها لم يكن في الشهرة وغرابةِ القصة بمثابةِ الأمم
المذكورة.
﴿وَكُلًّ﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ يدلُّ عليه ما بعده؛ فإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ في معنى
التذكيرِ والتحذير. والمحذوفُ الذي عوِّض عنه التنوينُ عبارةٌ إمَّا عن الأمم التي لم
تُذْكَر أسبابُ إهلاكهم، وإمَّا عن الكلِّ فإنَّ ما حُكي عن فرعون وقومه وعن قوم نوحٍ
عليه السلام تكذيبُهم للآيات والرسل، لا عَدَمُ التأثَّرِ من الأمثال المضروبة، أي:
ذكّرنا وأنذرنا كلَّ واحدٍ من المذكورين.
﴿ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ﴾ أي: بَيَّنَّا لكلِّ القصصَ العجيبةَ الزاجرةَ عمَّا هم عليه من
الكفر والمعاصي بواسطة الرسل عليهم السلام.
وقيل: ضميرُ ((له)) للرسول عليه الصلاة والسلام، والمعنى: وكلَّ الأمثالِ
ضربناه للرسول، فيكون ((كلَّا)) منصوباً بـ ((ضربنا))، و((الأمثال)) بدلاً منه على ما في
((البحر))، وفيه: أنه أَبْعدَ مَن ذهب إلى ذلك(٣). وعندي أنه مما لا ينبغي أن يفسّر به
كلامُ الله تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿وَكُلًا﴾ مفعولٌ مقدَّمٌ لقوله سبحانه: ﴿تَبَّرْنَا تَخْبِيرًا
١٣٩
وتقديمُه للفاصلة. وقيل: لإفادة القَصْرِ على أنَّ المعنى: كلًّا لا بعضاً. وتعقّب بأنَّ
لفظ ((كل)» يفيدُ ذلك. ويمكنُ توجیهُ ذلك بالعنایة.
(١) ١١ / ٥٥ .
(٢) ٦/ ٢١٩.
(٣) البحر ٦ / ٤٩٩.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٤٨
الآية : ٤٠
وأصل التتبير: التفتيت؛ قال الزجَّاج(١): كلُّ شيءٍ كَسَّرْتَهُ وفتَتَّه فقد تَبَّرْتَهُ،
ومنه: الثِّبرُ، لفُتاتِ الذهب والفضة. والمراد به: التمزيقُ والإهلاك، أي: أهلكنا
كلَّ واحدٍ منهم إهلاكاً عجيباً هائلاً؛ لِمَا أنهم لم يتأثَّروا بذلك، ولم يرفعوا له
رأساً، وتمادَوا على ما هم عليه من الكفر والعدوان.
﴿وَلَقَدْ أَنَواْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان مشاهدةِ كفَّارٍ قريشٍ لآثارِ هلاكٍ بعض
الأمم المتّبَّرةِ وعدم انِّعاظهم بها. وتصديرُها بالقسم لتقرير مضمونها اعتناءً به.
و ((أتى)) مضمَّنٌ معنىَ مرَّ لتعدِّيه بـ ((على)).
والمعنى: بالله لقد مرَّ قريشٌ في متاجرهم إلى الشام ﴿عَلَى اٌلْقَرْيَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ
مَطَرَ السَّوْءٍ﴾، وهي سذوم، وهي أعظمُ قرى قومٍ لوطِ، سُمِّيتْ باسم قاضيها سذوم
بالذال المُعْجَمة على ما صحَّحه الأزهريُّ(٢)، واعتمده في ((الكشف)) وفي المثل:
أَجْوَرُ من سذوم، أَهْلَكها الله تعالى بالحجارة، وهو المرادُ بـ ((مطر السوء))، وكذا
أَهْلِكَ سائرَ قُراهم - وكانت خمساً - إلا قريةً واحدةً وهي زغر لم يُهلكها لأنَّ أهلها
لم يعملوا العملَ الخبيث، كما روي عن ابن عباس ◌ًِّا، وإفرادُ ((القرية)) بالذكر لِمَا
أشرنا إليه.
وانْتَصَبَ ((مطر)) على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ (أُمْطِرَتْ))، على معنى أُعْطِيَتْ،
أو: أُوْلِيَتْ، أو على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ بحذفِ الزوائد، أي: إمطارَ السوء كما قيل
في: ﴿أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧]. وجوَّز أبو البقاء أن يكون صفةً لمحذوفٍ،
أي: إمطاراً مثلَ مطرِ السوء(٣)، وليس بشيءٍ.
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((مُطِرَتْ)) ثلاثيًّا مبنيًّا للمفعول، و((مَطَر)) مما يتعدَّى بنفسه.
وقرأ أبو السمال: ((مَطَر السُّوء)) بضم السين(٤).
﴿أَفَلَمْ يَكُنُواْ يَرَوْنَهَا﴾ توبيخٌ على تَرْكِهم التذكُّرَ عند مشاهدةِ ما يوجبُه،
(١) في معاني القرآن ٦٨/٤-٦٩.
(٢) في تهذيب اللغة ٣٧٤/١٢، وذكره عن الأزهري الشهاب في الحاشية ٤٢٥/٦ وقال: وفي
الصحاح أنه بمهملة. وينظر الصحاح (سدم).
(٣) الإملاء ٤/ ١٠٠.
(٤) القراءتان في البحر ٥٠٠/٦، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٤٠
٤٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
والهمزةُ لإنكار نفي استمرارٍ رؤيتهم لها، وتقريرِ استمرارِها حَسبَ استمرارٍ
ما يوجبُها من إتيانهم عليها، لا لإنكار استمرار نفي رؤيتهم وتقريرِ رؤيتهم لها .
والفاء لعَظْفِ مدخولها على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ، أي: ألم يكونوا ينظرون إليها
فلم يكونوا يرونها، أو: أكانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مِرَارٍ مُرورِهم
ليتَّعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب.
والمنكَر في الأول النظرُ وعدمُ الرؤية معاً، وفي الثاني عدمُ الرؤيةِ مع تحقّقِ
النظر الموجب لها عادةً، كذا (١) في ((إرشاد العقل السليم))(٢).
ولم يقل: أفلم يَرَوْنها(٣). مع أنه أَخْصَرُ وأَظْهرُ - قَصْداً لإفادةِ التكرارِ مع
الاستمرارِ، ولم يصرِّح في أوَّل الآية بنحو ذلك بأنْ يقال: ولقد كانوا يأتون، بَدَلَ:
ولقد أَتَوا؛ للإشارة إلى أنَّ المرور ولو مرةً كافٍ في العبرة. فتأمل.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾﴾ إمَّا إضرابٌ عمَّا قبلَه من
عَدَمِ رؤيتهم لآثارِ ما جرى على أهل القرى من العقوبة، وبيانٌ لكونِ عَدَمِ
انِّعاَظِهِم بسبب إنكارهم لكونِ ذلك عقوبةً لمعاصيهم لا لعَدَمِ رؤيتهم لآثارها،
خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك بذِكْرٍ ما يستلزمُه من إنكار الجزاء
الأخرويِّ، وقد كُنَى عن ذلك بعَدَمِ رجاء النشور، والمرادُ بالرجاء: التوقُّعُ مجازاً،
كأنه قيل: بل كانوا لا يتوقَّعون النشورَ المستَتْبِعَ للجزاء الأخرويِّ، وينكرونه
ولا يَرَوْن لنفسٍ من النفوس نشوراً أصلاً مع تحقُّقِه حتماً وشمولِه للناس عموماً
واطّرادِه وقوعاً، فكيف يعترفون بالجزاء الدنيويِّ في حقِّ طائفةٍ خاصةٍ مع عَدَمِ
الاطِّراد والمُلازَمةِ بينه وبين المعاصي حتى يتذكّروا ويتَّعظوا بما شاهَدوه من آثار
الهلاك، وإنما يَحْمِلونه على الاتِّفاق.
وإمَّا انتقالٌ من التوبيخ بما ذُكر من تَرْكِ التذكُّر إلى التوبيخ بما هو أعظمُ منه من
عدم رجاء النشور. وحَمْلُ الرجاءِ على التوقُّع وعموم النشور أوفقُ بالمقام.
(١) في الأصل: كما.
(٢) ٢١٩/٦.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أفلا يرونها، كما في حاشية الشهاب ٤٢٥/٦.

سُوَّةُ القُرْقَانِ
٥٠
الآية : ٤١
وقيل: هو على حقيقته، أعني انتظارَ الخير، والمرادُ بالنشورِ: نشورٌ فيه
خيرٌ، كنشورِ المسلمين.
وجوِّز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف على لغة تهامةً، والمرادُ بالنشور:
نشورُهم. والكلُّ كما ترى.
﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ أي: ما يَتَّخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًّ﴾ على معنى: ما يفعلون
بك(١) إلا اتخاذَك هُزُواً، أي: موضعَ هزوٍ، أو: مَهْزوءاً به. فـ ((هُزُواً)) إما مصدرٌ
بمعنى المفعول مبالغةً، أو هو بتقديرِ مضافٍ. وجملةُ ((إن يتخذونك)) جوابُ ((إذا))،
وهي كما قال أبو حيان وغيرُه تنفرد بوقوع جوابها المنفيّ بـ ((إن)) و((لا)) و((ما)) بدون
فاءٍ، بخلاف غيرِها من أدوات الشرط(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَبَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾﴾ مقولُ قولٍ مضمَرٍ، أي:
يقول أهذا .. إلخ. والجملةُ في موضع الحال من فاعل ((يتخذونك))، أو مستأنفةٌ في
جواب: ماذا يقولون؟
وجوِّز أن تكون الجوابَ، وجملةُ ((إن يتَّخذونك)) معترضةٌ (٣).
وقائلُ ذلك أبو جهل ومَن معه، وروي أنَّ الآية نزلت فيه. والإشارةُ للاستحقار
كما في: يا عجباً لابن عمرو هذا، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ، أي: بعثه،
و ((رسولاً)) حالٌ منه، وهو بمعنی مُرسَل.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون مصدراً حُذِفَ منه المضافُ، أي: ذا رسولٍ، أي:
رسالة (٤)، وهو تكلُّفٌ مُسْتَغَنّى عنه.
وإخراجُ بَعْثِ الله تعالى إياه ◌ِّهِ رسولاً بجَعْلِهِ صلةً وهم على غايةِ الإنكار تهكُمٌ
واستهزاءٌ، وإلا لقالوا: أَبَعَثَ الله هذا رسولاً. وقيل: إنَّ ذلك بتقديرٍ: أهذا الذي
(١) في الأصل و(م): به، والصواب ما أثبتناه، ينظر ما سلف ١٧/ ٩٨، وتفسير أبي السعود
٢٢٠/٦.
(٢) البحر ٦/ ٥٠٠ .
(٣) والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي ... ، واعترض بجملة النفي. الدر المصون ٤٨٥/٨.
(٤) الإملاء ٤/ ١٠٠.

الآية : ٤٢
٥١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
بَعَثَ اللهُ رسولاً في زَعْمِه. وما تقدَّم أوفقُ بحالِ أولئك الكفرة مع سلامته من التقدير.
﴿إِن كَادَ﴾ ((إن)) مخَفَّفةٌ من ((إنَّ)، واسمُها عند بعضٍ ضميرُ الشأن محذوفٌ،
أي: إنه كاد ﴿لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا﴾ أي: لِيَصْرِفُنا عن عبادتها صَرْفاً كلِّيًّا بحيث يُبْعِدُنا
عنها لا عن عبادتها فقط. والعدولُ إلى الإضلال لغايةٍ ضلالهم بادِّعاء أنَّ عبادتها
طريقٌ سويٌّ.
﴿لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ ثَبْنا عليها واستَمْسَكْنا (١) بعبادتها، و(لولا)) في أمثال
هذا الكلام يجري مجرى التقييد للحكم المطلَقِ من حيث المعنى دون اللفظ، وهذا
اعترافٌ منهم بأنه يَّر قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد، وإظهارٍ
المعجزات، وإقامةِ الحجج والبيِّناتِ، ما شارَفوا به أن يتركوا دينَهم لولا فرط
لجَاجِهم وغايةٌ عنادهم. ولا ينافي هذا استحقارَهم واستهزاءهم السابقَ؛ لأنَّ هذا
من وجهٍ وذاك من وجهٍ آخَرَ زعموه سبباً لذلك، قاتَلَهم الله تعالى.
وقيل: إنَّ كلامهم قد تَنَاقَضَ لاضطرابهم وتحيُّرِهم، فإنَّ الاستفهامَ السابقَ دالٌّ
على الاستحقارِ، وهذا دالٌّ على قوةٍ حجَّتِه وكمالٍ عقله بَّرَ، ففيما حكاه سبحانه
عنهم تحميقٌ لهم، وتجهيلٌ لاستهزائهم بما استَعْظَموه.
وقيل عليه: إنه ليس بصريحٍ في اعترافهم بما ذكر، بل الظاهرُ أنه أُخرج في
مَعْرِضِ التسليم تهكُّماً، كما في قولهم: ((بعث الله رسولاً))، وفيه منعٌ ظاهر
والتناقضُ مندفعٌ كما لا يخفى(٢).
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ الذي يستوجبُهُ كُفْرُهم وعنادُهم ﴿مَنْ أَضَلُّ
سَبِيلًا ﴾﴾ أي: يعلمون جوابَ هذا، على أنَّ (مَن)) استفهاميةٌ مبتدأ، و((أضلُ))
خبرُها، والجملةُ في موضع مفعولي ((يعلمون)) إن كانت تعدّتْ إلى مفعولين، أو في
موضعٍ مفعولٍ واحد إن كانت متعدِّیةً إلى واحدٍ.
أو: يعلمون الذي هو أضلَّ، على أنَّ ((مَن)) موصولةٌ مفعولُ ((يعلمون))،
(١) في (م): استمكنا، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٢، والكلام منه.
(٢) لأن ((كاد))، ونسبةُ الإضلال إليه وتسليمُ إلهيّة ما عبدوه، يدفع التناقض ويأبى الاستهزاء،
والمصنف بهذا يرجح ما ذكره أوَّلاً. ينظر حاشية الشهاب ٤٢٦/٦.

سُؤَدَةُ القُرْقَانِ
٥٢
الآية : ٤٣
و((أضلُّ)) خبر مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلةُ الموصول، وحُذِفَ صَدْرُ الصِّلةِ - وهو
العائد - لطولها بالتمييز.
وكأنَّ أولئك الكفرةَ لمَّا جعلوا دعوتَه وَّ إلى التوحيد إضلالاً - حيث قالوا:
(إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا) إلخ، والمُضِلُّ لغيره لا بدَّ أن يكون ضالّا في
نفسه - جيءَ بهذه الجملة ردًّا عليهم، ببيانٍ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ هادٍ لا مُضِلٌّ
على أبلغ وجهٍ، فإنها تدلُّ على نفي الضلال عنه وَّةِ؛ لأنَّ المراد أنهم يعلمون أنهم
في غاية الضلال لا هو، ونفيُ اللازم يقتضي نَفْيَ مَلْزومِه، فَلْزمُه أن يكون عليه
الصلاة والسلام هادياً لا مضلًا.
وفي تقييد العلم بوقتٍ رؤيةِ العذاب وعيدٌ لهم، وتنبيهٌ على أنه تعالى لا يُهْمِلُهم
وإن أَمْهلَهم.
﴿أَرَيْتَ مَّنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ، هَوَئُهُ﴾ تعجيبٌ لرسول الله ◌ََّ من شناعةِ حالِهم بعد
حكايةِ قبائحهم من الأقوال والأفعال، والتنبيهِ على ما لَهم من المصير والمآل،
وتنبيهٌ على أنَّ ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يُرى ويُتَعَجَّبَ منه. والظاهرُ أنَّ
(رأى)) بصريةٌ، و((مَن)) مفعولُها وهي اسمٌ موصولٌ، والجملةُ بعدها صلةٌ.
و (نَّخذ)) متعدِّيةٌ لمفعولين: أَوَّلهما «هواه)»، وثانيهما ((إلهه))، وقُدِّم على الأول
للاعتناء به من حيث إنه الذي يدورُ عليه أمرُ التعجيبِ، لا من حيث إنَّ الإله يستحقُّ
التعظيمَ والتقديمَ كما قيل، أي: أرأيتَ الذي جَعَلَ هواه إلهاً لنفسه بأنْ أطاعه وبَنَى
عليه أمرَ دينه مُعْرِضاً عن استماع الحُجَّةِ الباهرةِ وملاحظةِ البرهان النيِّر بالكلِّيةِ،
على معنی: انظر إليه وتعجّبْ منه.
وقال ابن المنير: في تقديم المفعول الثاني هنا نكتةٌ حسنةٌ، وهي إفادةُ الحصر،
فإنَّ الكلام قبل الدخول ((أرأيت)) و((اتَّخذ)) الأصلُ فيه: هَوَاهُ إلهُهُ، على أنَّ («هواه))
مبتدأُ خبرُه ((إلهه))، فإذا قيل: إلهُهُ هواه، كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد
الحَصْرَ، فيكون معنى الآية حينئذ: أرأيتَ مَن لم يتَّخِذ معبودَه إلَّا هواه، وذلك أبلغُ
في ذمِّه وتوبيخهِ(١).
(١) الانتصاف ٣/ ٩٤.

الآية : ٤٣
٥٣
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقال صاحب ((الفرائد)): تقديمُ المفعول الثاني يمكنُ حيث يمكنُ تقديمُ الخبرِ
على المبتدأ، والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأً وخبراً فالمقدَّمُ هو المبتدأ، فَمَن جَعَل
ما هنا نظيرَ قولك: علمتُ مُنْطلقاً زيداً، فقد غفل عن هذا، ويمكن أن يقال:
المتقدِّم هاهنا يُشْعِرُ بالثبات بخلافِ المتأخِّرِ، فتقدُّم ((إلهه)) يُشْعِرُ بأنه لا بدَّ من إلهٍ،
فهو كقولك: انَّخذ ابنَه غلامَه، فإنه يُشعر بأنَّ له ابناً ولا يُشْعِرُ بأنَّ له غلاماً، فهذا
فائدةٌ تقدیم «إلهه)) على ((هواه).
وتعقّب ذلك الطيبيُّ فقال: لا يُشَكُّ في أنَّ مرتبةَ المبتدأ التقديمُ، وأنَّ المعرفتين
أيهما قدِّم كان المبتدأَ، لكنَّ صاحب المعاني لا يَقْطَعُ نظره عن أصل المعنى، فإذا
قيل: زيدٌ الأسدُ، فالأسدُ هو المشبّهُ به أصالةً، ومرتبتُه التأخيرُ عن المشبَّهِ بلا نزاعٍ،
فإذا جَعَلْتَه مبتدأً في قولك: الأسدُ زيدٌ، فقد أَزَلْتَهُ عن مقرِّه الأصليّ للمبالغة،
وما نعني بالمقدَّم إلَّا المزالَ عن مكانه لا القارَّ فيه، فالمشبّه به هاهنا الإله،
والمشبَّهُ الهوى؛ لأنهم نزَّلوا أهواءهم في المتابعة منزلةَ الإله، فقدِّم المشبّهُ به
الأصليُّ وأُوِقَع مشبّهاً ليؤذنَ بأنَّ الهوى في باب استحقاقِ العبادة عندهم أقوى من
الإله الحقِّ(١) عزَّ وجلَّ، كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
ولمَّح صاحب ((المفتاح)) إلى هذا المعنى في كتابه(٢). وأمَّا المثالُ الذي أورده
صاحب ((الفرائد)) فمعنَى قولِه: اتَّخذ ابنَه غلامَه: جَعَلَ ابنَه كالغلام يخدمُه في مهنة
أهله، وقولِه: اتَّخذ غلامَه ابنَه: جَعَلَ غلامَه كابنه مكرماً مدلَّلاً. اهَ.
وأنت تعلمُ ما في قوله: إنَّ المعرفتين أيهما قدِّم كان المبتدأ. فإنَّ الحقَّ أنَّ
الأمر دائرٌ مع القرينة، والقرينةُ هنا قائمة على أنَّ ((إلهه)) الخبر، وهي عقليةٌ لأنَّ
المعنى على ذلك، فلا حاجة إلى جَعْلٍ ذلك من التقديم المعنوي.
وقال شيخ الإسلام: مَن توهّم أنهما على الترتيب بناءً على تَسَاويهما في
التعريف فقد زلَّ عنه أنَّ المفعول الثاني في هذا الباب هو الملتبس بالحالة
الحادثة(٣).
(١) قوله: الحق، ليس في (م).
(٢) مفتاح العلوم للسكاكي ص ٣٤٤.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٢١/٦، وفيه: المتلبس، بدل: الملتبس.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٥٤
الآية : ٤٣
وفي ذلك ردٌّ على أبي حيان حيث أَوْجَبَ كونَهما على الترتيب. ونَقَلَ عن
بعض المدنيين أنه قرأ: ((آلهةً)) منوَّنةً على الجمع، وجَعَلَ ذلك على التقديم
والتأخير، والمعنى: جَعَل كلَّ جنسٍ من هواه إلهاً.
وذَكَر أيضاً أنَّ ابن هرمز قرأ: ((إلاهةً)) على وزن فِعَالة، وهو أيضاً من التقديم
والتأخير، أي: جَعَلَ هواه إلاهةً بمعنى مألوهة، أي: معبودة، والهاءُ للمبالغة
فلذلك صُرِفَتْ. وقيل: بل الإلاهةُ الشمسُ، ويقال: أُلاهة بضمِّ الهمزة، وهي غير
مصروفةٍ للعَلَمية والتأنيث، لكنَّها لمَّا كانت ممَّا يدخلها لامُ التعريف في بعض
اللغات صارت بمنزلةٍ ما كان فيه اللامُ ثم نُزِعَتْ، فلذلك صُرٍفَتْ وصارت کالمنگّر
بعد التعريف؛ قاله صاحب ((اللوامح))(١). وهو كما ترى.
والآيةُ نزلت - على ما قيل - في الحارث بن قيس السهميٌّ، كان كلَّما هَوَى
حجراً عَبَدَه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابنُ مردويه عن ابن عباس أنه قال: كان الرجل
يعبدُ الحَجَرَ الأبيضَ زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وَجَدَ أَحْسَنَ منه رَمَى به
وعَبَدَ الآخَر، فأنزل الله تعالى: (أَرَدَيْتَ) إلخ(٢). وزَعَم بعضُهم لهذا ونحوه أنَّ هواه
بمعنی مَهْویَّه، وليس بلازم کما لا يخفى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس(٣) ﴾ أنه قال في الآية:
كلما هَوَى شيئاً رَكِبَه، وكلَّما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزُه عن ذلك وَرَعٌ ولا تقوى.
فالآيةُ شاملةٌ لمن عَبَدَ غيرَ الله تعالى حَسبَ هواه، ولمن أطاع الهوى في سائر
المعاصي، وهو الذي يقتضيه كلامُ الحسن، فقد أخرج عنه عبد بن حميد(٤) أنه قيل
(١) البحر ٥٠١/٦. وقراءة ابن هرمز ذكرها أيضاً ابن جني في المحتسب ١٢٣/٢.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٩٩/٨، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٧٢/٥، وأخرجه
أيضاً النسائي في الكبرى (١١٤٢١).
(٣) كذا ذكر المصنف، وهو وهم منه رحمه الله، والصواب: عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن
قتادة، والذي أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس خبر آخر، ينظر الدر المنثور
٧٢/٥. والخبر عن قتادة في تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٠٠/٨.
(٤) كما في الدر المنثور ٧٢/٥.

الآية : ٤٤
٥٥
سُوَّةُ الفُرْقَانِ
له: أفي أهل القِبلة شِرٌْ؟ فقال: نعم، المنافقُ مشركٌ، إنَّ المشركَ يسجد للشمس
والقمر من دون الله تعالى، وإنَّ المنافق عَبْدُ هواه، ثم تلا هذه الآيةَ. والمنافقُ عند
الحسن مرتكبُ المعاصي كما ذكره غيرُ واحدٍ من الأَجِلَّة.
وقد أخرج الطبرانيُّ وأبو نعيم في ((الحلية)) عن أبي أمامةَ ظُه قال: قال
رسول الله وَله: ((ما تحت ظلِّ السماء من إلهٍ يُعْبَدُ من دون الله تعالى أعظم عند الله
عزَّ وجلَّ من هوّى يُتَّعُ))(١) .
ولا يكادُ يَسْلَمُ على هذا من عموم الآية إلَّا مَن اتَّبع ما اختاره الله تعالى لعباده
وشَرَعَه سبحانه لهم في كلِّ ما يأتي ويَذَرُ، وعليه يدخل الكافر فيما ذُكر دخولاً
أوَّلياً .
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (﴿٤﴾ استئنافٌ مسوقٌ لاستبعادٍ كونِهِ نَِّ حفيظاً على
هذا المتَّخِذِ يَزْجُره عمَّا هو عليه من الضلال، ويرشده إلى الحقِّ طوعاً أو كرهاً،
وإنكار له(٢)، والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له، كأنه قيل:
أَبَعْدَ ما شاهَدْتَ غُلوَّه في طاعة الهوى تقسره (٣) على الانقياد إلى الهدى شاء أو أبى.
وجوِّز أن تكون ((رأى)) عِلْميةً وهذه الجملةُ في موضع المفعول الثاني، وليس
بذاك.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ
عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه وَّه إياهم ممن يسمَعُ أو يعقِلُ، حَسْبَما يُنْبِئُ
عنه جِدُّه عليه الصلاة والسلام في الدعوة، واهتمامُه بالإرشاد والتذكير، على معنى
أنه لا ينبغي أن يقع، أي: بل أَتَحْسَبُ أنَّ أكثرهم يسمعون حقَّ السماع ما تتلو
عليهم من الآيات القرآنية، أو يعقلون ما أُظهر لهم من الآيات الآفَاقية والأَنْفُسِية،
فتعتنيَ في شأنهم وتطمعَ في إيمانهم. ولمَّا كان الدليلُ السَّمْعيُّ أهمَّ - نظراً
للمقام - من الدليل العقليِّ قيل: ((يسمعون أو يعقلون)).
(١) المعجم الكبير (٧٥٠٢)، والحلية ١١٨/٦.
(٢) قوله: وإنكار له، عطفٌ في المعنى على قوله: لاستبعاد كونه ... إلخ، قال أبو السعود في
تفسير الآية: ((أفأنت تكون عليه وكيلاً)) إنكارٌ واستبعادٌ لكونه ◌َّر حفيظاً عليه ... إلخ.
(٣) في الأصل و(م): تعسره، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٢١/٦، والكلام منه.

سُوَّةُ الفُرْقَانِ
٥٦
الآية : ٤٤
وقيل: المعنى: بل أتحسبُ أنَّ أكثرهم يسمعون حقَّ السماع ما تتلو عليهم من
الآيات، أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح، الداعية إلى
المحاسن، فتجتهدَ في دعوتهم وتهتمَّ بإرشادهم وتذكيرهم. ولعل ما قلناه أولى فتدبّر.
وأيًّا ما كان فضميرُ ((أكثرهم)) لـ ((مَن)) باعتبارِ معناه، وضميرُ ((عليه)) له أيضاً
باعتبارٍ لَفْظِهِ، واختير الجمعُ هنا لمناسَبةِ إضافة الأكثر لهم، وأُفرد فيما قبله لجَعْلِهِم
في اتّفاقهم على الهوی کشيءٍ واحد.
وقيل: ضميرُ ((أكثرهم)) للكفار لا لـ ((مَن))؛ لأنَّ قوله تعالى: ((علیه)) یأباه، ولیس
بشيءٍ.
وضميرا الفعلين للأكثر لا لِمَا أضيفَ إليه، وتخصيصُ الأكثر لأن منهم مَن
سبقتْ له العنايةُ الأزلية بالإيمان بعد الاتِّخاذ المذكور، ومنهم مَن سمع أو عقل
لكنه كابَرَ استكباراً وخوفاً على الرياسة.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنْعَمْ﴾ إلخ جملةٌ مستأنفةٌ لتكرير النَّكيرِ وتأكيدِه،
وحَسْمٍ مادَّةِ الحسبان بالمرَّة، والضميرُ للأكثر أو لـ ((مَن))، واكتفى عن ذكر الأكثر
بما قبله، أي: ما هم في عَدَمِ الانتفاعِ بما يَقْرَعُ آذانَهم من قوارع الآيات، وانتفاءِ
التدبُّرِ بما يشاهدونه من الدلائل البَيِّئاتِ، إلا كالبهائم التي هي مَثَلٌ في الغَفْلةِ وعَلَمُ
في الضَّلالة.
﴿َّ هُمْ أَضَلُّ﴾ منها ﴿سَبِيلًا ﴾﴾ لِمَا أنها تنقادُ لصاحبها الذي يتعهَّدُها،
وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إليها ومن يُسيءُ إليها، وتطلبُ ما ينفعُها، وتَجتَنِبُ ما يضرُّها،
وتهتدي لمراعيها ومَشَارِبها، وتأوي إلى معاطنِها ومَرابِضِها، وهؤلاء لا ينقادون
لربِّهم سبحانه وخالِقِهِم ورازِقِهم، ولا يعرفون إحسانَه تعالى إليهم من إساءةٍ
الشيطان المزيِّنِ لهم اتِّباعَ الشهواتِ، الذي هو عدوٌّ مُبِينٌ، ولا يطلبون الثَّوابَ الذي
هو أعظمُ المنافع، ولا يتَّقون العقابَ الذي هو أشدُّ المضارِّ والمهالكِ، ولا يهتدون
للحقِّ الذي هو المَشْرَعُ (١) الهنيُّ، والمَوْرِدُ العَذْبُ الرَّوِيُّ.
(١) المَشْرَعُ كمقعد: المَشْرعة، وهي مورد الشاربة، التي يَشْرَعُها الناس فيشربون منها ويستقون.
التاج (شرع).

الآية : ٤٥
٥٧
سُورَةُ الفُرْقَان
ولأنَّها إن لم تَعتقد حقًّا مُسْتَتْبِعاً لاكتساب الخير لم تعتقد باطلاً مستوجِباً
لاقتراف الشرِّ، بخلافِ هؤلاء حيث مَهَّدوا قواعِدَ الباطل، وفرَّعوا عليها أحكامَ
الشرور.
ولأنَّ أحكام جهالتها وضلالتها مقصورةٌ على أنفسها لا تتعدَّى إلى أحدٍ،
وجهالةُ هؤلاء مؤدِّيةٌ إلى ثَوَرانِ الفتنة والفساد، وصدِّ الناس عن سَنَنِ السَّدَادِ،
وهَيجَان الهَرْجِ والمَرْجِ فيما بين العباد.
ولأنها غيرُ معطّلةٍ لقوَّةٍ من القوى المودَعةِ فيها، بل صارفة لها إلى ما خُلِقَتْ له
فلا تقصيرَ من قبلها في طلب الكمال، وأمَّا هؤلاء فهم معطّلون لقواهم العقليةِ،
مضيِّعون للفطرة الأصلية التي فُطِرَ الناسُ عليها .
واستُدلَّ بالآية على أنَّ البهائم لا تعلم ربَّها عزَّ وجلَّ، ومَن ذهب إلى أنها
تعلمُه سبحانه وتسبِّحه كما هو مذهبُ الصوفيةِ وجماعةٍ من الناس قال: إنَّ هذا
خارجٌ مخرجَ الظاهر.
وقيل: المراد: إنْ هم إلَّا كالأنعام في عدم الانتفاع بالآيات القرآنية والدلائل
الأَنْفُسِيَّةِ والآفاقية، فإنَّ الأنعام كذلك، والعلمُ بالله تعالى الحاصلُ لها ليس
استدلاليًّا بل هو فطريٌّ، وكونُهم أضلَّ سبيلاً من الأنعام من حيث إنها رُزِقَتْ عِلْماً
بربِّها تعالى فهي تسبِّحُه عزَّ وجلَّ به، وهؤلاء لم يُرْزَقوا ذلك فهم في غاية الضلال.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَيِّكَ كَفَ مَذَّ الظِّلَ﴾ إلخ بيانٌ لبعض دلائل التوحيد
إِثْرَ بيانِ جهالةِ المُعْرِضِينَ عنها وضلالهم، والخطابُ لرسول الله وَّةِ، والهمزةُ
للتقرير، والرؤيةُ بَصَرِيةٌ لأنها التي تتعدّى بـ ((إلى))، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ حُذِفَ
وأُقيم المضافُ إليه مقامَه، أي: أَلَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعَ ربِّكَ، لأنَّه ليس المقصودُ رؤيةَ
ذاتِ الله عزَّ وجلَّ. وكون ((إلى)) اسماً واحدَ الآلاء - وهي النِّعَم - بعيدٌ جدًّا.
وجوِّز أن تكون عِلْميَّةً وليس هناك مضافٌ مقدَّر، وتعديتُها بـ ((إلى)) لتضمين
معنى الانتهاء، أي: أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى أنَّ ربَّك كيف مدَّ الظلَّ. والأولُ أَوْلَى.
وذكر بعضُ الأجلَّةِ أنه يحتمل أن يكون حقُّ التعبير: أَلَمْ تَرَ إلى الظلِّ كيف مدَّه
ربُّك، فعُدِلَ عنه إلى ما في النَّظْمِ الجليل إشعاراً بأنَّ المعقول المفهومَ مِن هذا

سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
٥٨
الآية : ٤٥
الكلام لوضوح برهانِه - وهو دلالةُ حدوثِهِ وتصرُّفِه على الوجه النافع بأسبابٍ ممكنةٍ
علی أنَّ ذلك فعلُ الصانع الحکیم - کالمشاهَدِ المرئيِّ، فکیف بالمحسوس منه.
وقال الفاضل الطيبيُّ: لو قيل: ألم تَرَ إلى الظلِّ كيف مدَّه ربُّك كان الانتقالُ
من الأثر إلى المؤثِّر، والذي عليه التلاوةُ كان عكسَه والمقامُ يقتضيه لأنَّ الكلام في
تقريع القوم وتجهيلهم في اتّخاذهم الهوى إلهاً مع وضوح هذه الدلائل، ولذلك
جَعَلَ ما يدلُّ على ذاته تعالى مقدَّماً على أفعاله في سائر آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اَلَيْلَ﴾ [الفرقان: ٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ﴾ [الفرقان: ٤٨] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا﴾
[الفرقان: ٥١].
ورَوَى السُّلميُّ في ((الحقائق)) عن بعضهم: مخاطبةُ العامِّ ﴿أَفَلاَ يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ
كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ومخاطبةُ الخاصِّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) (١). انتهى.
وفي ((الإرشاد)): لعل توجيهَ الرؤية إليه سبحانه مع أنَّ المراد تقريرُ رؤيته عليه
الصلاة والسلام لكيفية مدِّ الظلِّ؛ للتنبيه على أنَّ نظره عليه الصلاة والسلام غيرُ
مقصورٍ على ما يطالعه من الآثار والصنائع، بل مَطْمَحُ أنظارِهِ وَّرَ معرفةُ شؤون
الصانع المجيدِ لَّ ا(٢). ولعل هذا هو سرُّ ما رُوي عن السُّلميِّ.
وقيل: إنَّ التعبير المذكورَ للإشعار بأنَّ المقصود العلمُ بالربِّ علماً يُشْبِهُ الرؤيةَ.
ونقل الطبرسيُّ عن الزجَّاج أنه فسَّر الرؤية بالعلم، وذَكَر أنَّ الكلام من باب
القَلْبِ، والتقدير: ألمْ تَرَ إلى الظلِّ كيف مدَّه ربُّك(٣). ولا حاجةً إلى ذلك.
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام
لتشريفه وَّهِ، وللإيذان بأنَّ ما يعقبُهُ من آثارِ ربوبيته تعالى ورحمته جلَّ وعلا .
و ((كيف)) منصوبٌ بـ ((مدَّ) على الحالية، وهي معلِّقة لـ (تَرَ)) إن لم تكن الجملةُ
(١) حقائق التأويل ٢/ ٦١- ٦٢، وفيه عن الواسطي: أثبت للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق،
وأثبت للخاصة الخالق فأثبتوا به المخلوق، ومخاطبة العوام: ﴿أَلَرَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِ سَابً﴾
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ ومخاطبة الخاصة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الِظِلَّ﴾.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٢٢/٦.
(٣) مجمع البيان ١١١/١٩، ومعاني القرآن للزجاج ٤/ ٧٠.

الآية : ٤٥
٥٩
سُورَةُ الفُرْقَانِ
مستأنفةً. وفي ((البحر)): أنَّ الجملةَ الاستفهاميةَ التي يتعلَّق عنها فعلُ القلب ليست(١)
باقيةً على حقيقة الاستفهام(٢). وفيه بحثٌ.
وذكر بعضُ الأفاضل: أنَّ ((كيف)) للاستفهام، وقد تُجَرَّدُ عن الاستفهام وتكون
بمعنى الحال، نحو: انظر إلى كيف تَصْنَع، وقد جوَّزه الدمامينيُّ(٣) في هذه الآية
على أنه بدلُ اشتمالٍ من المجرور، وهو بعيد. انتهى، ولا يخفى أنه يُسْتَغْنَى على
ذلك عن اعتبار المضافِ، لكنه لا يعادِلُ الْبُعْدَ.
والمراد بالظلِّ على ما رواه جماعةٌ عن ابن عباس ومجاهدٍ وقتادةً والحسنِ
وأيوبَ بنِ موسى وإبراهيمَ التيميِّ والضحاكِ وأبي مالكِ الغفاريِّ وأبي العالية
وسعيد بنِ جُبيرٍ: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وذلك أطيبُ الأوقات، فإنَّ
الظُلمة الخالصةَ تَنْفِرُ عنها الطباعُ وتسدّ النظر، وشعاعُ الشمس يسخِّنُ الجوَّ ويبهرُ
البَصَرَ، ومن هنا كان ظلُّ الجنة ممدوداً كما قال سبحانه: ﴿وَظِلّ ◌َمَّدُورٍ﴾
[الواقعة: ٣٠].
وقيل: المراد به ما يكون من مقابلةٍ كثيفٍ كجبلٍ أو بناءٍ أو شجرٍ للشمس عند
ابتداء طلوعها، ((ومدَّ الظلّ)) من بابٍ: ضيَّقَ فَمَ القِرْبةِ، فالمعنى: ألَمْ تنظر إلى صُنْع
ربِّك كيف أنشأ ظلَّ أيِّ مُظلِّ (٤) كان عند ابتداء طلوع الشمس ممتدًا إلى ما شاء الله
عزَّ وجلَّ، واختاره شيخ الإسلام.
وتعقّب ما تقدَّم(٥) بقوله: غيرُ سديدٍ، إذ لا ريبَ في أنَّ المراد تنبيهُ الناس على
عظيم قدرةِ الله عزَّ وجلَّ وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه، فلا بُدّ أنَّ يراد بالظلِّ
ما يتعارفونه من حالةٍ مخصوصةٍ يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسمٌ
مخالفة لِمَا في جوانبه من مواقع ضِحِّ الشمس، وما ذُكِرَ وإنْ كان في الحقيقة ظلًّا
(١) في (م): ليس.
(٢) البحر ٦/ ٥٠٣.
(٣) كما في حاشية الشهاب ٤٢٧/٦، والكلام منه.
(٤) في الأصل: ظل أي مظلا، وفي (م): ظلا أي مظلا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٢٢/٦،
والكلام منه .
(٥) يعني قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.

سُورَةُ الفُقَاتِ
٦٠
الآية : ٤٥
الأفق الشرقي لكنهم لا يَعدُّونه ظلًّا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة(١). اهـ.
وفيه منٌ ظاهرٌ، وهو أظهرُ على ما ذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من
أنه لا يسمَّى ظلًّا(٢)، فقد قال الرَّاغب وكفى به حجةً في اللغة: الظلُّ ضدُّ الضُّحِّ
وهو أعُّ من الفيء؛ فإنه يقال: ظلُّ الليل، وظلُّ الجنة، ويقال لكلِّ موضعٍ لم تَصل
إليه الشمس: ظلٌّ، ولا يقال: الفيء إلَّا لِمَا زال عنه الشمس(٣). انتهى.
وظاهرُ قوله تعالى: (وَظِلّ ◌َمَدُورٍ) فِي وَصْفِ الجنة يقتضي أنهم يَعدُّون مثلَ ما ذُكر
ظلًا.
وقيل: هو ماكان من غروب الشمس إلى طلوعها، وحُكي ذلك عن الجبائيِّ
والبلخيّ.
وقيل: هو ماكان يومَ خَلَقَ الله تعالى السماءَ وجَعَلَها كالقبة، ودَحًا الأرضَ من
تحتها فألْقَتْ ظِلَّها عليها، وليس بشيءٍ وإن فسِّر ((ألم تر)) بـ: ألم تعلم؛ لِمَا في
تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه من التكلّف وارتكابٍ خلافِ الظاهر، وربما يَقُوتُ
عليه المقصودُ الذي سيق له النَّظْمُ الكريم.
وربما يختلجُ في بعض الأذهان جوازُ أن يُرادَ به ما يشملُ جميعَ ما يَصْدُقُ عليه
أنه ظلٌّ، فيشملُ ظلَّ الليل، وما بين الفجر وطلوع الشمس، وظلَّ الأشياء الكثيفة
المقابِلَةِ للشمس كالجبال وغيرِها؛ فإذا شَرَعَ في تطبيق الآية على ذلك عَدَلَ عنه
كما لا يخفى.
وللصوفية في ذلك كلامٌ طويلٌ سنذكر إن شاء الله تعالى شيئاً منه، وجمهورُ
المفسِّرين على الأول، والقولُ الثاني أسلمُ من القال والقيل.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ جملةُ اعتراضيةٌ بين المتعاطفَيْنِ للتنبيه
من أول الأمر على أنه لا مدخلَ للأسباب العادية، مِن قُرْبِ الشمس إلى الأفق
الشرقيٍّ على الأول، أو قيامِ الشاخِصِ الكثيف على الثاني، وإنما المؤثِّرُ فيه
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ٢٢٢.
(٢) البحر ٦/ ٥٠٣ .
(٣) مفردات الرَّاغب (ظلل).