Indexed OCR Text
Pages 341-360
الآية : ٣٣ ٣٤١ سُورَةُ الّنُودِّ وأخرج أبو داود في ((المراسيل))، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله وَ ل﴿ في قوله تعالى: (فَكَِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا): ((إنْ علمتُم فيهم حرفةً))(١). وظاهرُه الاكتفاءُ بالقدرة على الكَسْبِ وعدمُ اشتراط الأمانة، وهو قولٌ نقله ابن حجر(٢) عن بعضهم، وتعقَّبه بأنَّ المكاتَبَ إذا لم يكن أميناً، يضيِّعُ ما كَسَبه فلا يحصلُ المقصود. وأخرج عبد بن حميد عن عبيدة السلمانيِّ وقتادةً وإبراهيمَ وأبي صالح أنهم فسَّروا الخير بالأمانة(٣). وظاهرُ كلامهم الاكتفاءُ بها وعدمُ اشتراطِ القدرة على الكسب، ونقله أيضاً ابن حجر عن بعضهم، وتعقّبه بأنّ المكاتَبَ إذا لم يكن قادراً على الكَسْبِ، كان في مكاتبته ضررٌ على السيد، ولا وثوقَ بإعانته بنحو الصدقة والزكاة (٤). وأخرج ابن مردويه(٥) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه فسَّر الخيرَ بالمال. وأخرجه جماعة عن ابن عباس، وعن ابن جُريج، وروي عن مجاهدٍ وعطاءٍ والضحَّاك(٦). وتعقّب بأنَّ ذلك ضعيفٌ لفظاً ومعنّى؛ أما لفظاً: فلأنه لا يقال: فيه مال، بل: عنده - أَوْ: لَه - مال. وأما معنّى: فلأنَّ العبد لا مالَ له، ولأنَّ المتبادر من الخير غيرُه وإن أُطلق الخير على المال في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وأجيب بأنه يمكن أن يكون المراد بالخير عند هؤلاء الأجلَّةِ القدرةَ على كَسْبِ المال، إلا أنهم ذكروا ما هو المقصودُ الأصليُّ منه تساهلاً في العبارة، ومثلُه کثیر. (١) المراسيل (١٨٥)، وسنن البيهقي ٣١٧/١٠. (٢) في تحفة المحتاج ٣٩٠/١٠. (٣) الدر المنثور ٤٥/٥ . (٤) تحفة المحتاج ٣٩٠/١٠. (٥) كما في الدر المنثور ٤٦/٥ . (٦) أخرجه عنهم عدا الضحاك الطبري ١٧/ ٢٨٠- ٢٨٢. سورة النورِ ٣٤٢ الآية : ٣٣ وقال أبو حيان: الذي يظهر من الاستعمال أنه الدِّينُ؛ تقول: فلانٌ فيه خيرٌ، فلا يتبادر إلى الذهن إلَّ الصلاح(١). وتعقِّب بأنه لا يناسِبُ المقام، ويقتضي أن لا يكاتَبَ غيرُ المسلم. وفسَّره كثيرٌ من أصحابنا بأن لا يضروا المسلمين بعد العتق، وقالوا: إنْ غَلَبَ ظنّ الضرر بهم بعد العتق فالأفضلُ تَرْكُ مُكاتَبتهم، وظاهرُ التعليق بالشرط أنه إذا لم يعلموا فيهم خيراً لا يستحبُّ لهم مكاتبتُهم، أو لا تَجِبُ عليهم، وهذا للخلاف في أنَّ الأمر: هل هو للندب أو للوجوب؟ فلا تفيدُ الآيةُ عدمَ الجواز عند انتفاءِ الشرط، فإنَّ غايةَ ما يلزمُ انتفاؤه انتفاءُ المشروط، وليس هو فيها إلا الأمرُ الدالُّ على الوجوب أو الندب، ومَن قال: إنه للإباحة، التزم أنَّ الشرط هنا لا مفهومَ له؛ لَجَرْبِهِ على العادة في مكاتبةٍ مَن علم خيريته. كذا قيل، والذي أراه حرمةُ المكاتبةِ إذا عَلِمَ السيدُ أنَّ المكاتبَ لو عَتَقَ أضرّ المسلمین . ففي ((التحفة)) لابن حجر في باب الكتابة عند قول النوويٌّ: هي مستحبَّةٌ إن طَلَبها رقيقٌ أمينٌ قويٌّ على كَسْبٍ ولا تُكرَه بحالٍ، ما نصُّه: لكنْ بَحَثَ البلقينيُّ كراهتَها لفاسقٍ يضيّعُ كَسْبَه في الفِسْقِ، ولو استولى عليه السيد لامتنع من ذلك، وقال هو وغيره: بل [قد] ينتهي الحال للتحريم، أي: وهو قياسُ حرمةِ الصدقةِ والقَرْضِ إذا عَلِمَ أنَّ مَن أخذهما يَصْرِفُهما في محرَّم. ثم رأيتُ الأذرعيَّ بَحَثَه فيمَن عُلم أنه يَكْتسِبُ بطريق الفسق، وهو صريحٌ فيما ذَكَرْتُه؛ إذ المدارُ على تمكينه بسببها من المحرَّم(٢). اهـ، وما ذُكر من المدار موجودٌ فيما(٣) قلنا. ثم المراد من العلم الظُّ القويُّ، وهو مدارُ أكثر الأحكام الشرعية. ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ الظاهرُ أنه أمرٌ للموالي بإيتاء المكاتَبين شيئاً من أموالهم إعانةً لهم، وفي حُكْمِه حظُ شيءٍ من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقلُّ ما يتموَّلُ. (١) البحر ٦/ ٤٥٢. (٢) تحفة المحتاج ٣٩١/١٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في (م): فيها، وهو تصحيف. الآية : ٣٣ ٣٤٣ سورة النورِ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ وغيرُهم(١) من طريق عبد الله بن حبيب، عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((يُتركُ للمكاتب الربع))(٢). وجاء هذا أيضاً في بعض الروايات موقوفاً على عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٣)، وقال ابن حجر الهيتميُّ: هو الأصحُّ، ولعل ذلك اجتهادٌ منه ظُبه، وادِّعاءُ أنَّ هذا لا يقال من قِبَل الرأي، فهو في حكم المرفوع، ممنوعٌ(٤). ولهذا الخبر وقولِ ابن راهويه: أجمعَ أهل التأويل على أنَّ الربع هو المراد بالآية قالوا: إنَّ الأفضل إيتاءُ الربع. واستحْسنَ ابن مسعود والحسن إيتاءَ الثلث، وابنُ عمر ◌َُّهَا إيتاءَ السُّبع، وقتادةُ إيتاءَ العُشْرِ. والأمرُ بالإيتاء عندنا للنَّدب، وقال الشافعية: للوجوب؛ إذ لا صارِفَ عنه، وصرَّحوا بأنه يلزم السيدَ - أو وارثَه مقدِّماً له على مؤن التجهيز - إمَّا الحظُ عن المكاتَبِ كتابةً صحيحةً لجزءٍ من المال المكاتَبِ عليه، أو دفعُ جزءٍ من المعقودِ عليه بعد أَخْذِهِ أو مِن جِئْسِه إليه، وأنَّ الحظّ أولى من الدفع لأنه المأثورُ عن الصحابة، ولأن الإعانة فيه محقّقةٌ والمدفوعُ قد ينفقُه في جهةٍ أخرى، وهو في النجم الأخير أفضلُ، والأصحُ أنَّ وقت الوجوب قبل العتق، ويتضيَّق إذا بقي من النجم قَدْرُ ما يفي به من مال الكتابة. وشاع أنهم يقولون بوجوب الحطّ، ویردُّه (١) في الأصل و(م): وغيرهما. (٢) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٨٩)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٨٦/٨-٢٥٨٧، والمستدرك ٢/ ٣٩٧، وسنن البيهقي ٣٢٩/١٠، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٤٦/٥، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٥٠١٧). قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا حديث غريب ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي. وينظر التعليق الذي بعده. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥٩٠)، وفي التفسير ٥٨/٢، والنسائي في الكبرى (٥٠١٩)، والطبري ٢٨٣/١٧، وابن أبي حاتم ٢٥٨٧/٨، والبيهقي ٣٢٩/١٠ وقال: هذا هو الصحيح موقوف، وكذا قال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٥٦/٢٣ . (٤) تحفة المحتاج ١٠/ ٤٠٠. سُورَةُ الّنُوزِ ٣٤٤ الآية : ٣٣ قولُهُ وَّيهِ: (المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ))(١) إذ لو وَجَبَ الحظّ لسقط عنه الباقي حتماً. وأيضاً لو وجب الحظُّ لكان وجوبُه معلّقاً بالعقد، فيكون العقدُ موجباً ومسقطاً معاً. وأيضاً هو عقدُ معاوضةٍ، فلا يُجبِرُ على الحطيطة، كالبيع. وقيل: معنى ((آتوهم)): أَقْرِضوهم. وقيل: هو أمرٌ لهم بالإنفاقِ عليهم بعد أن يؤدُّوا ويعتقوا. وإضافةُ المال إليه تعالى، ووصفُه بإيتائه تعالى إياهم؛ للحثِّ على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به؛ فإنَّ ملاحظةَ وصولِ المال إليهم من جهته سبحانه، مع كونه عزَّ وجلَّ هو المالكُ الحقيقيُّ له، من أقوى الدواعي إلى صَرْفِه إلى الجهة المأمور بها . وقيل: هو أمرُ ندبٍ لعامَّةِ المسلمين بإعانة المكاتَبين بالتصدُّق عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أنه أمرٌ للولاة أن يعطوهم من الزكاة(٢). وهذا نحوُ ما ذُكر في ((الكشاف))(٣): من أنه أمرٌ للمسلمين على وجه الوجوب بإعانةِ المكاتبين، وإعطائهم سَهْمَهم الذي جَعَلَ اللهُ تعالى لهم في بيت المال، كقوله سبحانه: ﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] عند أبي حنيفة وأصحابه. ويَحِلُّ للمَوْلَى إذا كان غنّاً أن يأخذ ما تُصدِّق به على المكاتب لتبدُّل الملك، كما فيما إذا اشترى الصدقةَ من فقيرٍ أو وهبها الفقيرُ له، فإنَّ المكاتَبَ يتملَّكُه صدقةً والمولَى عوضاً عن العتق، وكذا الحكمُ لو عجز بعد أداء البعض عن الباقي فأُعيدَ إلى الرقِّ، أو أُعتِقَ من غير جهة الكتابة، والعلَّةُ تبدُّلُ الملك أيضاً عند محمد. وفيه خفاءٌ؛ لأنَّ ما أخذ لم يقع عوضاً عن العتق؛ أمَّا فيما إذا أعيد إلى الرقِّ فظاهرٌ، وأما فيما إذا أُعْتِقَ من غير جهة الكتابة فلأنَّ العتق لم يكن مشروطاً بأداء ذلك، فتدبر . وعلَّل أبو يوسف المسألةَ بأنه لا خبث في نفس الصدقة، وإنما الخبثُ في فِعْلٍ (١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦) من حديث عبد الله بن عمرو رؤيتها، وذكره البخاري معلّقاً - كما في فتح الباري ٥/ ١٩٤ - عن عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٨٦/٨. (٣) ٦٦/٣. الآية : ٣٣ ٣٤٥ سُورَةُ النّورِ الآخِذِ؛ لكونه إذلالاً بالآخذ، ولا يجوزُ ذلك له من غير حاجةٍ، والأخذُ لم يوجد من السید. وأُورِدَ عليه أنه ينافي جَعْلَهَا أوساخَ الناس في الحديث(١). ونقل عن الشافعيّ أنه إذا أُعيد المكاتَبُ إلى الرِّق أو أُعْتِقَ من غير جهة الكتابة يلزمُ السيدَّ ردُّ ما أَخَذَه إلا أنْ يتلفَ قبله؛ لأنَّ ما دفع للمكاتَبِ لم يقع موقعه، ولم يترتَّبْ عليه الغرَضُ المطلوب. قال الطيبيُّ: وبهذا يظهر أنَّ قياس ذلك على الصدقة التي اشتُريَتْ من الفقير غيرُ صحيح، والمدارُ عندي اختلافُ جهتي الملك، فمتى تحقَّق لم تَبْقَ شبهةٌ في الحِلِّ، وقد صحَّ أنَّ بريرة مولاةَ عائشةَ ﴿ُها جاءت بعد العتق بلحم بقر، فقالت عائشةُ للنبيِّ وَّر: هذا ما تُصدِّق به على بريرةَ. فقال عليه الصلاة والسلام: ((هو لها صدقةٌ ولنا هديةٌ))(٢)، فأشار عليه الصلاة والسلام إلى حِلُّه لآل البيت الذين لا تحلُّ لهم الصدقة، باختلافٍ جهتي الملك فتأمل. وللمكاتَبةِ أحكام كثيرة تُطْلَبُ من كتب الفقه. ﴿وَلَا تُكْرِفُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، أخرج مسلم وأبو داود عن جابر ظُبه: أنَّ جاريةً لعبد الله بن أبيِّ ابن سلول يقال لها: مُسَيْكة، وأخرى يقال لها: أُمَيْمة، كان يُكْرِهُهما على الزنى، فشَكَتَا ذلك إلى رسول الله وَّه فنزلت(٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن السدِّي قال: كان لعبد الله بن أبيٍّ جاريةٌ تُدْعَى معاذة، فكان إذا نزل ضيفٌ أرسلها له ليُواقِعَها إرادةَ الثواب منه والكرامةِ له، فأقبلت الجاريةُ إلى أبي بكر رَظُه فشَكَتْ ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبيِّ وَّهِ، فأمره بقَبْضِها، فصاح عبد الله بن أبيٍّ: مَن يعذرُنا من محمدٍ يغلبنا على مماليكنا؟! فنزلت (٤). (١) أخرجه أحمد (١٧٥١٩)، ومسلم (١٠٧٢) من حديث عباد بن شرحبيل پُه (٢) أخرجه أحمد (١٢١٥٩)، والبخاري (٢٥٧٧)، ومسلم (١٠٧٤) من حديث أنس ـ وأخرجه أحمد (٢٤١٨٧)، والبخاري (٢٥٧٨)، ومسلم (١٠٥٧) من حديث عائشة رة (٣) صحيح مسلم (٣٠٢٩): (٢٧)، وهو في سنن أبي داود (٢٣١١) بنحوه. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩٠/٨. حـمـ سُورَةُ الَّنُوزِّ ٣٤٦ الآية : ٣٣ وقيل: كانت لهذا اللَّعين ستُّ جوارٍ: معاذةُ، ومُسَيْكَةُ، وأُمَيمةُ، وعَمْرَةُ، وأَرْوَى، وقتيلةُ، يكرهُهنَّ على البغاء، وضَرَبَ عليهنَّ ضرائبَ، فشَكَتْ ثنتان منهنَّ إلى رسول الله وَلچر، فنزلت. وقيل: نزلت في رجلين كانا يُكرِهان أَمَتين لهما على الزنى، أحدهما ابنُ أبيٍّ. وأخرج ابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنهم كانوا في الجاهلية يُكرِهون إماءَهم على الزنى، يأخذون أجورهنَّ، فتُهوا عن ذلك في الإسلام، ونزلت (١) الآية. وروى نحوه عن ابن عباس وعلى جميع الروايات لا اختصاصَ للخطاب بمن نزلت فيه الآيةُ، بل هي عامةٌ في سائر المكلَّفين. والفتياتُ جمع: فتاةٍ، وكلٌّ من الفتى والفتاة كنايةٌ مشهورةٌ عن العبد والأمة مطلقاً، وقد أمر الشارعُ بَّله بالتعبير بهما مضافين إلى ياء المتكلِّم، دون العبد والأَمةِ مضافين إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يقولنَّ أحدُكم: عبدي وأمتي، ولكن: فَتَاي وفتاتي))(٢) وكأنَّه ◌َ لَّ كَرِهَ العبوديةَ لغيره عزَّ وجلَّ، ولا حَجْرَ عليه سبحانه في إضافة الأخيرين إلى غيره تعالى شأنُه. وللعبارة المذكورة في هذا المقام باعتبار مفهومها الأصليِّ حُسْنُ موقع، ومزيدُ مناسبةٍ لقوله سبحانه: (عَلَى الْبِغَاءِ) - وهو زنى النساء كما في ((البحر))(٣) - من حيث صدورُه عن شوابِهنَّ؛ لأنَّهنَّ اللاتي يُتوقَّعُ منهنَّ ذلك غالباً، دون مَن عَدَاهنَّ من العجائز والصغائر. وقوله عز وجل: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَمَسُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي بصورةٍ إرادتِهِنَّ التعقُّفَ عن الزنى وإخراج ما عَدَاها عن حُكْمِه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنَّ الزنى الخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان، أو لغير ذلك من الأمور المصحّحة للإكراه في الجملة، بل هو للمحافظة على عادةٍ مَن نزلت فيهم الآيةُ، حيث كانوا يُكرِهونَهنَّ على البغاء وهنَّ يُرِدْنَ التعفُّفَ عنه مع وفورٍ شهوتهنَّ (١) الدر المنثور ٤٦/٥ . (٢) أخرجه أحمد (١٠٣٦٨)، والبخاري (٢٥٥٢) من حديث أبي هريرة ◌ً لأجله. (٣) ٤٤٣/٦. الآية : ٣٣ ٣٤٧ سُورَةُ النّورِ الآمرةِ بالفجور، وقصورِهنَّ في معرفة الأمورِ الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح وفيه من الزيادة لتقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى، فإنَّ مَن له أدنى مروءةٍ لا يكاد يرضَى بفجورٍ مَن يحويه بيتُه من إمائه، فضلاً عن أَمْرِهنَّ به، أو إكراههنَّ عليه، لاسيما عند إرادةِ التعفُّفِ وتوقُّرِ الرغبة فيها كما يُشْعِرُ به التعبير بـ ((أردن)) بلفظ الماضي. وإيثارُ كلمة ((إنْ)) على ((إذا)) لأنَّ إرادةَ التحصُّنِ من الإماء كالشاذِّ النادرِ، أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادةِ التحصُّنِ في حيِّز التردُّدِ والشكِّ، فكيف إذا كانت محقَّقةَ الوقوع كما هو الواقع. ويُعلم من توجيه هذا الشرط، مع ما أشرنا إليه من بيان حُسْنٍ موقع الفتيات هنا باعتبار مفهومها الأصليِّ، أنه لا مفهومَ لها ولو فرضت صفةً؛ لأنَّ شرطَ اعتبارِ المفهوم عند القائلين به أن لا يكون المذكورُ خرج مخرجَ الغالب. وقد تمسَّك جمعٌ بالآية لإبطال القول بالمفهوم، فقالوا: إنه لو اعتُبر، يلزمُ جوازُ الإكراه عند عدم إرادة التحصُّن، والإكراهُ على الزنى غيرُ جائزٍ بحالٍ من الأحوال إجماعاً، ومما ذكرنا يعلم الجواب عنه. وفي ((شرح المختصر الحاجبي)) للعلَّامة العَضُدِ الجوابُ عن ذلك: أولاً: أنه ممَّا خرج مخرجَ الأغلب؛ إذ الغالب(١) أنَّ الإكراه عند إرادة التحصُّن، ولا مفهوم في مثله. وثانياً: أنَّ المفهوم اقتضى ذلك، وقد انْتَفَى لمعارضٍ أقوى منه وهو الإجماع. وقد يجابُ عنه بأنه يدلُّ على عدم الحرمة (٢) عند عدم الإرادة، وأنه ثابتٌ إذ لا يمكن الإكراه حينئذٍ؛ لأنهنَّ إذ لم يُردنَ التحصُّنَ لم يَكْرَهْنَ البغاءَ، والإكراهُ إنما هو إلزامُ فِعْلٍ مكروهٍ، وإذا لم يمكن لم يتعلَّق به التحريم؛ لأنَّ شرط التكليف الإمكانُ، ولا يلزمُ من عدم التحريم الإباحةُ. انتهى، ولعل ما ذكرناه أوَّلاً هو الأَوْلی. (١) في هامش الأصل و(م): الظاهر أنه أراد بالغالب الراجح. ميرزاجان. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): أو عدم طلب الكف عن الإكراه، فتأمل. اهـ منه. سُورَةُ النّبِ ٣٤٨ الآية : ٣٣ وجَعَل غيرُ واحدٍ زيادةَ التقبيح والتشنيع جواباً مستقلًّا بتغييرٍ يسيرٍ، ولا بأسَ به. وزعم بعضهم أنَّ ((إنْ أَرَدْنَ)) راجعٌ إلى قوله تعالى: (وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُرْ)، وهو مما يَقْضِي منه العَجَبَ. وبالجملة لا حجَّةَ في ذلك لمبطلي القولِ بالمفهوم، وكذا لا حجةً لهم في قوله تعالى: ﴿إِنَغُواْ عَرَضَ الْخَيََّةِ الدُّنْيَا﴾ فإنه كما في ((إرشاد العقل السليم)) قيدٌ للإكراه، لا باعتبارِ أنه مدارٌ للنهي عنه، بل باعتبارِ أنه المعتادُ فيما بينهم أيضاً، جيء به تشنيعاً لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير لأَجْل النَّزْرِ الحقير، أي: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههنَّ على البغاء لطلب المتاع السريع الزوالِ، الوشيكِ الاضمحلال، فالمرادُ بالابتغاء: الطلبُ المقارِنُ لنيل المطلوب واستيفائه بالفعل؛ إذ هو الصالحُ لكونه غايةً للإكراه مترتِّباً عليه، لا المطلقُ المتناوِلُ للطلبِ السابق الباعث عليه(١). ولا اختصاصَ لعَرَضِ الحياة الدنيا بكَسْبِهِنَّ - أعني أجورَهنَّ التي يأخُذْنَها على الزنى بهنَّ - وإن كان ظاهرُ كثير من الأخبار يقتضي ذلك، بل ما يعمُّه وأولادَهنَّ من الزنى، وبذلك فسَّره سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم (٢). وفي بعض الأخبار ما يُشْعِرُ بأنهم كانوا يكرهونهنَّ على ذلك للأولاد. أخرج الطبرانيُّ والبزَّارُ وابنُ مردويه بسندٍ صحيح عن ابن عباس: أنَّ جاريةً لعبد الله بن أبيٍّ كانت تَزْني في الجاهلية، فولَدَتْ له أولاداً من الزنى، فلمَّا حرَّم الله تعالى الزِّنى قال لها: ما لَكِ لا تزنين؟ قالت: واللهِ لا أزني أبداً. فضربها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾ الآية(٣). ولا يقتضي هذا وأمثالُه تخصيصَ العَرَضِ بالأولاد كما لا يخفى. وسمعتُ أنَّ بعضَ قبائلِ أعرابِ العراق كآلِ عزَّةَ يأمرون جواريَهم بالزِّنى للأولاد كفعل الجاهلية، ولا يُستَغْرَبُ ذلك من الأعراب، لاسيما في مثل هذه (١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٧٣ - ١٧٤ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩٠/٨-٢٥٩١. (٣) المعجم الكبير (١١٧٤٧)، ومسند البزار (٢٢٣٩ - كشف)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٤٦/٥. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٨٣: رجال الطبراني رجال الصحيح. الآية : ٣٣ ٣٤٩ سُورَةُ الَّنُوزِ الأعصار، التي عَرَا فيها كثيراً من رياض الأحكام الشرعية في كثيرٍ من المواضع إعصارٌ، فإنهم أَجْدَرُ أنْ لا يعلموا حُدودَ ما أنزل الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ﴾ إلى آخره جملةٌ مستأنفةٌ سيقتْ لتقريرِ النهي، وتأكيدِ وجوبِ العملِ [به](١)، ببيانِ خلاصِ المُكْرَهات من عقوبة المُكْرَه عليه عبارةً، ورجوعِ غائلةِ الإكراه إلى المُكْرِهين إشارةً، أي: ومَن يُكْرِهْهنَّ على ما ذُكر من البغاء ﴿فَإِنَّ الَهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ لهنَّ، كما في قراءة ابن مسعود، وقد أخرجها عبد بن حميد وابنُ أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه، لكنْ بتقديم ((لهنَّ)) على ((غفور رحيم))(٢). ورُوِيَتْ كذلك أيضاً عن ابن عباس رضي﴾(٣)، ويُنْبئُ عنه - على ما قيل - قولُه تعالى: (مِنْ بَعْدِ إِكْرَدِهِنَّ) أي: كونِهِنَّ مُكْرَهاتٍ، على أنَّ الإكراه مصدرُ المبنيِّ للمفعول، فإنَّ توسيطه بين اسم ((إنَّ) وخبرِها للإيذان بأنَّ ذلك هو السببُ للمغفرة والرحمة. وأخرج ابن أبي شيبةً وابنُ جريرٍ وغيرُهما عن مجاهدٍ أنه قال: ((غفورٌ رحيم)) لهنَّ، وليست لهم(٤)، وكان الحسن إذا قرأ الآية يقول: لهنَّ واللهِ لهنَّ. وفي تخصيصٍ ذلك بهنَّ، وتعيين مَدَارِه على ما سمعتَ، مع سَبْقِ ذِكْرِ المكرِهين أيضاً في الشرطية، دلالةٌ على كونهم محرومين من المغفرة والرحمة بالكلِّية، كأنه قيل: لا لهم، أو: لا له، ولظهورِ هذا التقدير اكْتَفَى به عن العائد إلى اسم الشرط، اللازمٍ في الجملة الشرطية على الأصحِّ كما في ((المغني))(٥). وقيل: في توجيه أمر العائد: إنَّ ((إكراههنَّ)) مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعلُ المصدرِ ضميرٌ محذوفٌ عائدٌ على اسم الشرط، والمحذوفُ كالملفوظِ، والتقدير: مِن بَعْدِ إكراههم إياهنَّ. (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٦/ ١٧٤، والكلام منه. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩١/٨، وعزاها لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٤٧/٥ . (٣) المحتسب ١٠٨/٢ . (٤) تفسير الطبري ٢٩٣/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩١/٨، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر المنثور ٤٧/٥، ولفظه عندهم: غفور رحيم للمكرهات على الزنى. ولفظ المصنف ذكره السيوطي في الدر ٥/ ٤٧ عن قتادة إثر خبر مجاهد، وعزاه لعبد بن حميد. (٥) مغني اللبيب ص ٦٠٨ . سورة النورِ ٣٥٠ الآية : ٣٣ وردّه أبو حيان(١) بأنهم لم يَعدُّوا في الروابط الفاعلَ المحذوفَ للمصدر في نحو: هندٌ عجبتُ مِن ضَرْبٍ زيدٍ، وإن كان المعنى: من ضربها زيداً، فلم يجوِّزوا هذا الترکیبَ، ولا فَرْقَ بینه وبین ما نحن فيه. وقيل: جوابُ الشرط محذوفٌ، والمذكورُ تعليلٌ لِمَا يُفْهَمُ من ذلك المحذوفِ، والتقديرُ: ومَن يُكرِهْهُنَّ فعليه وبالُ إكراهِهِنَّ لا يتعدَّى إليهن فإنَّ الله من بعدٍ إكراههنَّ غفورٌ رحيم لهنَّ، وفيه عدولٌ عن الظاهر، وارتكابُ مزیدِ إضمارٍ بلا ضرورةٍ، وكونُ ذلك لتسبُّبِ الجزاء على الشرط ليس بشيء. وقال في ((البحر)): الصحيحُ أنَّ التقدير: ((غفورٌ رحيمٌ)) لهم؛ ليكون في جواب الشرط ضميرٌ يعود على اسم الشرط المخبَرِ عنه بجملةِ الجواب، ويكون ذلك مشروطاً بالتوبة (٢). وفيه إخلالٌ بجزالةِ النظم الجليلٍ، وتهوينٌ لأمرِ النهي في مقام التهويل، وأمرٌ الربط لا يتوقَّف على ذلك، ومثلُه ما قيل: إنَّ التقدير: لهما، فالوجهُ ما تقدَّم. والجارُّ والمجرورُ في قراءةٍ مَن سمعتَ، قال ابن جِنِّي: متعلِّقٌ بـ (غفور))؛ لأنه أدنى إليه، ولأنَّ فعولاً أَقْعدُ في التعدِّي من فعيل. ويجوزُ أن يتعلق بـ ((رحيم)) لأَجْلِ حَرفِ الجرِّ، إذا قدِّر خبراً بعد خبرٍ ولم يقدَّر صفةً لـ ((غفور))؛ لامتناع تقدُّم الصفة على موصوفها، والمعمولُ إنما يصحُّ وقوعُه حيث يقع عاملُه وليس الَخبرُ كَذلك، وأيضاً يَحسُنُ في الخبر لأنَّ رتبة الرحمة أعلى من رتبة المغفرة؛ لأنَّ(٣) المغفرة مسبَّبَةٌ عنها، فكأنها متقدِّمةٌ معنًى وإن تأخّرت لفظاً (٤)، والمعنى على تعلُّقه بهما كما لا يخفى. وتعليقُ المغفرة لهنَّ مع كونهنَّ مكرهاتٍ لا إثمَ لهنَّ، بناءً على أنَّ المكره غيرُ مكلّفٍ، ولا إثم بدون تكليفٍ، وتفصيلُ المسألة في الأصول، قيل: لشدَّةِ المعاقبةِ على المكرِهِ؛ لأنَّ المُكْرَهةَ مع قيام العذر إذا كانت بصددِ المعاقبة حتى احتاجت (١) في البحر ٤٥٣/٦ . (٢) المصدر السابق. (٣) في الأصل: ولأن. (٤) بنحوه في المحتسب ١٠٨/٢-١٠٩. الآية : ٣٤ ٣٥١ سُودَةُالنّورِ إلى المغفرة، فما حالُ المكرِهِ؟ وللدلالةِ على أنَّ حدَّ الإكراهِ الشرعيِّ والمصابرة إلى أن يُنْتَهَى إليه فيرتكب ضيِّقٌ، والهُ تعالى يغفرُ ذلك بلطفه. وقيل: لغاية تهويل أمرٍ الزنى، وحثِّ المكرّهاتِ على التشبّثِ في التجافي عنه، أو لاعتبار أنهنَّ وإن كنَّ مكرهاتٍ، لا يَخْلُوْنَ في تضاعيف الزنى عن شائبةٍ مُطاوَعةٍ بحكم الجِلَّة البشرية. ﴿وَلَقَدْ أَنْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَاتٍ مُّبِيِّنَاتٍ﴾ كلامٌ مستأنفٌ جيءَ به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة لبيانِ جلالةٍ شؤونها المستوجبةِ للإقبال الكلِّيِّ على .. العمل بمضمونها، وصدِّر بالقَسَم المُعْرِبةِ عنه اللامُ لإبراز كمالِ العناية بشأنه، أي: وباللهِ لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة الكريمة آياتٍ مبيِّناتٍ لكلِّ ما لكم حاجةٌ إلى بيانه، من الحدودِ وسائرِ الأحكام والآداب، وغير ذلك مما هو من مبادي بيانها، على أنَّ (مبيِّنات)) من بَيَّن المتعدِّي، والمفعولُ محذوفٌ، وإسنادُ التبيين إلى الآيات مجازيٌّ. أو: آيات واضحات صدَّقتها الكتبُ القديمةُ والعقولُ السليمةُ، على أنها من بَيَّن بمعنى تَبَيَّنَ اللازم، أي: آيات تبيَّن كونُها آياتٍ من الله تعالى، ومنه المثلُ: قد بيَّن الصبح لذي عينين. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو وأبو بكر: ((مبيَّناتٍ)) على صيغة المفعول(١)، أي: آياتٍ بَيَّنها الله تعالى، وجَعَلَها واضحةَ الدلالةِ على الأحكام والحدودِ وغيرِها، وجوِّز أن يكون الأصلُ: مبيّناً فيها الأحكامُ، فاتُّسِعَ في الظرف بإجرائه مجرى المفعول. ﴿وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عطفٌ على ((آيات))، أي: وأنزلنا مَثَلاً كائناً من قَبيلِ أمثالِ الذين مَضَوْا من قبلكم، من القصص العجيبة والأمثالِ المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنةِ الأنبياء عليهم السلام، فَيَنْتِظِمُ قصةً عائشةَ ﴿ّا المحاكيةَ لقصة يوسف عليه السلام، وقصةٍ مريم ﴿ّا - حيث أُسند إليهما مثلُ ما أُسْنِدَ إلى عائشةَ من الإفك، فبرَّأهما الله تعالى منه - وسائرَ الأمثالِ (١) التيسير ص ١٦٢، والنشر ٢٤٨/٢، وهي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. سُورَةُ الَّنُوزِ ٣٥٢ الآية : ٣٥ الواردة في هذه السورة الكريمة انتظاماً أوَّلياً، وهذا أوفقُ بتعقيب الكلام بما سيأتي إن شاء الله تعالى من التمثيلات من تخصيص الآيات بالسوابق، وحَمْلِ المَثَلِ على القصة العجيبة فقط. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ تَتَّعظون بها، وتَنْزَجِرون عمَّا لا ينبغي من المحرَّمات والمكروهات وسائرِ ما يُخلُّ بمحاسن الآداب، فهي عبارةٌ عمَّا سبق من الآيات والمَثَلِ؛ لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور، ويكفي في العطف التغايرُ العنوانيُّ المنزَّلُ منزلة التغايُرِ الذاتيٌّ، وقد خُصَّتِ الآياتُ بما يبيِّنُ الحدودَ والأحكامَ، والموعظةُ بما يُتَّعَظُ به كقوله تعالى: (وَلَا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اَللَّهِ) وقوله سبحانه: (لَوْلاً إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) إلخ، وغير ذلك من الآيات الواردة في شأن الآداب. وقيِّدتِ الموعظةُ بقوله سبحانه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ ﴾ مع شمولها للكلِّ حَسبَ شمولٍ الإنزال، حثّاً للمخاطبين على الاغتنام بالانتظام في سلك المتَّقين، ببيانٍ أنهم المغتنمون لآثارِها المقتبسون من أنوارها فحسب. وقيل: المرادُ بالآياتِ المُبيّناتِ والمَثَلِ والموعظةِ جميعُ ما في القرآن المجيد من الآيات والأمثال والمواعظ. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ النورُ في اللغة - على ما قال ابنُ السكِّيت - الضياء(١)، وهذا ظاهرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ بين النور والضياء، وفرَّق بينهما جمعٌ وإن كان إطلاقُ أحدهما على الآخر شائعاً، فقال الإمام السُّهَيْلِيُّ في ((الروض)) في قول ورقة: ويظهرُ في البلاد ضياءُ نورٍ يُقِيمُ به البريةَ أنْ تموجا إنه يوضِّحُ معنى النورِ والضياءِ، وأنَّ الضياء هو المنتشرُ عن النور، والنورُ هو الأصل، وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ, ذَهَبَ اَللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] و﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] لأن نور القمر لا ينتشر عنه ما ينتشرُ عن الشمس، لاسيما في طرفي الشهر (٢). (١) إصلاح المنطق ص ١٤٢ . (٢) الروض الأنف ٢١٩/١. الآية : ٣٥ ٣٥٣ سُوَّةُ النّورِ وقال الفلاسفةُ: الضياءُ ما يكون للشيء من ذاته، والنورُ ما يَفيض عليه من مقابلة المضيء، وعلى هذا جاء فيما زَعَم إسلاميُّوهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ فإنَّ اختلاف تشكُّلاتِ القمر بالقُرْبِ والبُعْدِ من الشمس، مع خُسوفِه وقتَ حيلولةِ الأرض بينه وبينها، دليلٌ على أنَّ نوره فائضٌ عليه من مقابلتها. وأنتَ تَعْلمُ أنَّ في هذا مقالاً لعلماءِ الإسلام، وقد قدَّمنا ما فيه في غير هذا المقام، ولعل الأَوْلى في وجه الفرق ما تقدَّم آنفاً في كلام السُّهَيْلِيّ. وذكر بعضُ المحقّقين أنه يُعْلَم من كلامهم أنَّ لكلٍّ من النور والضياء جهةَ أَبْلَغيةٍ، فجهةُ أبلغيةِ النور كونُه أصلاً ومبدأً للضياء، وجهةُ أبلغيةِ الضياء أنَّ الإبصار بالفعل بمَدْخَلِيَّتِهِ . وادَّعى بعضُهم أنَّ النور على الإطلاق أبلغُ من الضياء؛ للآية التي نحن فيها، وفيه بحثٌ يُعْلَم إن شاء الله تعالى أثناء تفسيرها . واعلم أنَّ الفلاسفة اختلفوا في حقيقة النور، فمنهم مَن زَعَم أنه أجسامٌ صغارٌ تنفصِلُ عن المضيءِ وتَتَّصل بالمستضيء. وأُبطِلَ بعدَّةٍ أوجُهٍ : الأول: أنه لو كان جُسَيْماً (١) متحرِّكاً لكانت حركتُه طبيعيةً، والحركةُ الطبيعية إلى جهةٍ واحدةٍ دون سائر الجهات، لكنَّ النور يقع على الجسم في كلِّ جهةٍ کانت له. والثاني: أنه إذا دخل من كوَّةٍ، ثم سَدَدْناها دفعةً، فتلك الأجزاءُ النورانيةُ إما أن تكون باقيةً في البيت، فيلزمُ أن يكون البيت مستنيراً كما كان قبل السدِّ، وليس كذلك، وإما أن تكون خارجةً من الكوَّة قبل انسدادها وهو محالٌ، لأنَّ السدَّ كان سببَ انقطاعها، فلابد أن يكون سابقاً عليه بالذات أو بالزمان، وإما أن تكون غير باقيةٍ أصلاً فيلزم أن يكون تخلُّلُ جسم بين جسمين موجباً انعدامَ أحدهما، وهو معلومُ الفساد. والثالث: أنَّ كونَ تلك الأجسام الصغارِ أنواراً إما أن يكون هو عينُ كونِها أجساماً، وهو باطلٌ لأنَّ المفهوم من النُّوْرِيَّةِ مغايرٌ للمفهوم من الجِسْمِيَّة، وإما أن (١) في (م): جسماً. سُودَةُ النّورِ ٣٥٤ الآية : ٣٥ يكون مغايراً لها، بأن تكون تلك الأجسام حاملةً لتلك الكيفية، منفصلةً من المضيء متَّصلةً بالمستضيء، فإن لم تكن تلك الأجسامُ محسوسةً فهو ظاهر البطلان؛ لأنها حينئذ كيف تكونُ واسطةً لإحساسِ غيرها، وإن كانت محسوسةً كانت ساترةً لِمَا وراءها، ويجب أنها كلَّما ازدادت اجتماعاً ازدادت ستراً، لكنَّ الأمر بالعكس، فإنَّ النور كلَّما ازداد قوةً ازداد إظهاراً. والرابع: أن الشمس إذا طلعتْ من الأفق يستنير وجهُ الأرض كلُّه دفعةً، ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة، ولا يَخْفَى حالُه على القول باستحالة الخرق على الأفلاك. والخامس: أنَّ انفصال الأجزاء من الأجرام الكوكبية يستلزمُ الذَّبولَ والانتقاصَ وخلوَّ مواضعها عن تمام مقدارِها أو مقدارٍ أجزائها، أو كونَها دائمةَ التحليل مع إيراد البدل عمَّا يتحلَّلُ عن جُرْمِها، فتكونُ أجسامُها أجساماً مستحيلةً غذائيةً كائنةً فاسدةً، وذلك محالٌ في الفلکیات. وتعقّبها بعضُ متأخِّريهم بأنها في غاية الضعف: أما الأول: فلأنَّ كونَ النور جُسَيْماً (١) لا يستلزمُ كونَه متحرِّكاً، ولا كونَ حدوثه بالحرکة، بل هو مما يوجد دفعةً بلا حركة. وأما الثاني: فلقائل أن يقول: إنَّ قيام المجعول بلا مادةٍ إنما يكون بالفاعل الجاعل إياه مع اشتراط عدم الحجاب المانع عن الإفاضة، فإذا طرأ المانع لم تقع الإفاضة، فينعدمُ المفاضُ بلا مادةٍ باقية عنه؛ لأن وجوده لم يكن بشركة المادة فكذا عدمُه، فعند انسداد الباب المانع عن الإفاضة ينعدمُ الشعاعُ عن البيت دفعةً، ولا فرق في ذلك بين كونه عَرَضاً أو جوهراً، والسرُّ فيهما جميعاً أن النور مطلقاً ليس حصوله من جهة انفعال المادة وشركة الهيولى كسائر الجواهر والأعراض الانفعاليات، ولذلك لا ينعدم شيءٌ منها دفعةً لو فُرض حجابٌ بينها وبين المبدأ الفاعليِّ إلا بعد زمانٍ واستحالة. (١) في (م): جسماً. الآية : ٣٥ ٣٥٥ سُوَّةُ النُّورِ وأما الذي ذكر ثالثاً: فجوابه أن المغايرة في المفهوم لا تنافي الاتِّحاد والعينية في الوجود، فما ذُكر مغالطةٌ من باب الاشتباه بين مفهوم الشيء وحقيقته. وأما المذكورُ رابعاً وخامساً: فلأنَّ مبناه على الانفصال والقَطْعِ للمسافة، لا على مجرَّد الجوهرية والجِسْمِيَّة. هذا وذهب بعضُهم إلى أنه عَرَضٌ من الكيفيات المحسوسة، وقالوا: هو غنيٍّ عن التعريف كسائر المحسوسات. وتعريفُه بأنه كمالٌ أول للشفاف من حيث إنه شفافٌ، أو بأنه كيفيةٌ لا يتوقَّفُ الإبصار بها على الإبصار بشيءٍ آخَرَ، تعريفٌ بما هو أخفى، وكأنَّ المراد به التنبيهُ على بعض خواصِّه. ومن هؤلاء مَن قال: إنه نفسُ ظهور اللون. ومنهم مَن قال بمغايرتهما، واستدلُّوا بأوجُهٍ : الأول: أنَّ ظهور اللون إشارةٌ إلى تجدُّد أمرٍ، فهو إما اللونُ أو صفةٌ نسبيةٌ أو غيرُ نسبية، والأول باطل لأنَّ النور إمّا أن يُجعَلَ عبارةً عن تَجدُّد اللون أو اللون المتجدِّد، والأول يقتضي أن لا يكون مستنيراً إلا في آن تجدُّده، والثاني يوجب كونَ الضوء نفسَ اللون، فلا يبقى لقولهم: الضوءُ هو ظهورُ اللون، معنًى، وإن جعلوا الضوء كيفيةً ثبوتيةً زائدةً على ذات اللون وسمَّوه بالظهور فذلك نزاعٌ لفظيٍّ، وإن زعموا أنَّ ذلك الظهور تجدُّدُ حالةٍ نسبيةٍ فهو باطلٌ؛ لأن الضوء أمرٌ غيرُ نسبيٍّ وإلّا لكان أمراً عقليّاً واقعاً تحت مقولةِ المضاف، فلم يكن محسوساً أصلاً، لكن الحسَّ البصريَّ مما ينفعل عنه ويتضرَّرُ بالشديد منه حتى يبطل، والأمورُ الذهنية لا تؤثِّر مثلَ هذا التأثير، فإذا لم يكن أمراً نسبياً لم يمكن تفسيرُه بالحالة النسبية. والثاني: أن البياض قد يكون مضيئاً مشرقاً، وكذا السواد، فلو كان ضوءُ كلِّ منهما عينَ ذاته، لزم أن يكون بعضُ الضوء ضدَّ بعضه، وهو محالٌ لأنَّ ضدَّ الضوء الظلمةُ . والثالث: أنَّ اللون يوجد بدون الضوء كما في الجسم الملوَّن في الظلمة، وكذا الضوءُ يوجد بدون اللون كما في البلّور إذا وقع عليه الضوءُ، فهما متغايران لوجودٍ كلٍّ منهما بدون الآخر. سودةالنۇرِ ٣٥٦ الآية : ٣٥ والرابع: أنَّ الجسم الأحمر - مثلاً - المضيء إذا انعكس عنه إلى مقابله، فتارةً ينعكسُ الضوءُ عنه إلى جسم آخَرَ، وتارةً ينعكس منه اللونُ والضوءُ معاً إذا قَوِيًا حتى يحمرَّ المنعكسُ إليه، فلو كان مجرَّدَ ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره لمعاناً ساذجاً. وليس لقائل أن يقول: هذا البريقُ عبارةٌ عن إظهار اللون في ذلك القابل. لأنه يقال: فلماذا إذا اشتدَّ لونُ الجسم المنعكسِ منه ضوءُه أخْفَى ضوءَ المنعكس إليه، وأبطله وأعطاه لونَ نفسه. وقال بعض المتأخِّرين: استقرَّ الرأيُ على أنَّ النور المحسوسَ بما هو محسوسٌ عبارةٌ عن نحوٍ وجودِ الجوهر المُبْصَرِ الحاضر عند النفس في غير هذا العالم، وأمَّا الذي في الخارج بإزائه فلا يزيدُ وجودُه على وجود اللون، والأوجُهُ التي ذُكِرتْ لمغايرتهما مقدوحةٌ: أمَّا الوجهُ الأول: فهو مقدوحٌ بأنَّ ظهور اللون عبارةٌ عن وجوده، وهو صفةٌ حقيقيةٌ من شأنها أن يُنْسبَ ويُضافَ إلى القوة المدركة، وبهذا الاعتبارِ يقع له التجدُّدُ. قولُهم: يوجبُ أن يكون الضوءُ نفسَ اللون. قلنا: نعم، ولكنَّهما متغايران بالاعتبار، كما أنَّ الماهية والوجودَ في كلِّ شيءٍ منَّحدان بالذات متغايران بالاعتبار، فإنَّ النورَ والضوءَ يرجع معناه إلى وجودٍ خاصٍّ عارِضٍ لبعض الأجسام، والظلمةُ عبارةٌ عن عدم ذلك الوجود الخاصِّ بالكلية، والظلُّ عبارةٌ عن عدمه في الجملة، واللونُ عبارةٌ عن امتزاج يقع بين حاملِ هذا الوجود النوريِّ وحاملٍ عَدَمِه على أنحاءٍ مختلفةٍ، فليست الألوان إلا مراتبَ تراكيبِ الأنوار، والأدَّلةُ المُؤْرَدةُ على إبطال ذلك ضعيفةٌ، فعلى هذا صحَّ قولهم: النورُ هو ظهورُ اللون، وصحَّ أيضاً قولُ من يقول: إنه غيرُ اللون؛ لأنَّ النور بما هو نورٌ لا يختلف؛ إذ لا يُعتبر فيه امتزاجٌ ولا شَوْبٌ مع عدمٍ أو ظُلْمةٍ، والألوانُ مختلفة. وأما الوجهُ الثاني: فهو أيضاً مندفعٌ بما مُهّد، وبأنَّ اللون وإن لم يكن غيرَ النورٍ إلَّا أن مراتب الأنوار مختلفةٌ شدةً وضعفاً، ومع هذا الاختلافِ قد تختلفُ بوجوهٍ أُخَرَ بحسبٍ تركيباتٍ وامتزاجاتٍ كثيرةٍ تقعُ بين أعدادٍ من النور وإمكانِها وفِعْليَّتِها وأصلِها وفَرْعِها، وأعدادٍ من الظّلمة - أعني عَدَمَ ذلك النور - وإمكانِها الآية : ٣٥ ٣٥٧ سُوَرَّة الّنُوزِ وفِعْلِيَّتها وأصلِها وفَرْعِها، فإنَّ هذه الألوانَ أمورٌ ماديةٌ في الأكثر، أو متعلِّقةٌ بها، والمادةُ منبعُ الانقسام والتركيب بين الوجودات والأعْدام والإمكانات، فليس بعَجَبٍ أن يَحْصُلَ من ضروبٍ تركيباتِ النورِ بالظُلمةِ هذه الألوانُ التي تراها (١)، فتقع تلك الأقسام في محالِّها على الوجه المذكور، ثم يقعُ عليها نورٌ آخَرُ بمقابلة المنير. ومَن قال بأنَّ النور عينُ اللون لم يقل بأنَّ كلَّ نورٍ عينُ كلِّ لونٍ، كما أنَّ مَن قال بأنَّ الوجود عينُ الماهيةِ لم يقل بأنَّ كلَّ وجودٍ عينُ كلِّ ماهيةٍ، ليَلْزمَه أنْ لا يظَّردَ (٢) وجودٌ على وجودٍ، ولا يضادَّ وجودٌ لوجودٍ، فالألوانُ متخالفةُ الأحكام، وبعضُها أمورٌ متضادّةٌ، لكن بما هي ألوانٌ لا بما هي أنوارٌ، كما أنَّ الموجوداتِ متخالفةُ الأحكام وبعضُها أشياءُ متضادّةٌ، لكنْ بما هي ماهياتٌ لا بما هي موجوداتٌ، مع أنَّ الوجود والماهية واحد. وأما الوجهُ الثالث فسبيلُ دَفْعِه سهلٌ بما بيِّنَ، وكذا الوجهُ الرابعُ بأدنى إعمالِ رويَّةٍ، فإنَّ عدم ظهورِ اللون قد يكون لضَعْفِ اللَّمَعان الواقع على شيءٍ، وقد يكون لشدة اللَّمَعان، فالواقع على المقابل من عَكْسِ المضيءِ الملوّن قد يكونُ ضوءُه فقط، وذلك عند قصورِ الضوء واللون، أو قصورِ استعداد القابل المقابل، وقد يكون كلاهما لقوَّتهما وقوةِ استعداد المنعكس إليه، على أنَّ الكلام في مباحث العكوس طويلٌ. وكونُ المنعكس من الجسم المضيء إلى جسم آخَرَ ضوءُه دون لونه، ربّما كان لأَجْلِ صَقَالته؛ فإنَّ الصَّقيل قد يكون ذا لونٍ وضوءٍ لكنَّ المنعكِسَ منه إلى مُقابله ليس إلا ما حصل من نيِّرٍ آخَرَ بتوسُّطه على نسبةٍ وضعيةٍ مخصوصةٍ بينهما له إليهما لا اللونُ والضوء اللذان يستقرَّان فيه، فالمنعكسُ في ذلك المقابل ليس إلَّا الضوءَ فقط من ذلك النيِّر لا من المنعكس منه، إلّا أنْ يكون المنعكس إليه أيضاً جسماً صقيلاً فيقع فيه حكاية منهما، أي: الضوءِ واللونٍ، أو من أحدهما أيضاً. هذا غايةُ ما قالوه في النور المحسوس الذي يظهر به الأجسام على الأبصار. ولهم في النور إطلاقٌ آخَرُ، وهو: الظاهرُ بذاته والمظهِرُ لغيره، وقالوا: هو بهذا (١) في (م): نراها. (٢) في الأصل: يطرأ. سُورَةُ الَّنُزِ ٣٥٨ الآية : ٣٥ المعنى مساوٍ (١) للوجود بل نفسُه، فيكون حقيقةً بسيطةً كالوجود منقسماً كانقسامه، فمنه نورٌ واجبٌ لذاته قاهرٌ على ما سواه، ومنه أنوارٌ عقليةٌ ونفسيةٌ وجسميةٌ، والواجب تعالى نورُ الأنوارِ غيرُ متناهي الشدةِ، وما سواه سبحانه أنوارٌ متناهيةٌ الشدة، بمعنى أن فوقها ما هو أشدُّ منها، وإن كان بعضُها - كالأنوار العقلية - لا تقف آثارُها عند حدٍّ. والكلُّ من لمعاتٍ نورِه عزَّ وجل، حتى الأجسامُ الكثيفةُ فإنها أيضاً من حيث الوجودُ لا تخلو عن نورٍ، لكنه مشوبٌ بظلماتِ الأعدام والإمكانات. إذا علمتَ هذا فاعْلَمْ أنَّ إطلاق النور على الله سبحانه وتعالى بالمعنى اللغويِّ والحُكْميِّ السابقِ غيرُ صحيحٍ، لكمالِ تنزُّههِ جلَّ وعلا عن الجسمية والكيفية ولوازٍمِهما . وإطلاقُه عليه سبحانه بالمعنى المذكورِ - وهو: الظاهرُ بذاته والمظهِرُ لغيره - قد جوَّزه جماعة منهم حجةُ الإسلام الغزاليُّ، فإنه قدِّسَ سرُّه بعد أن ذكر في رسالته (مشكاة الأنوار)) معنى النور ومراتبه قال: إذا عرفتَ أنَّ النور يرجع إلى الظهور والإظهار، فاعلم أنْ لا ظلمةَ أشدُّ من كَثْمِ العَدَم؛ لأنَّ المظلم سمِّي مُظْلِماً لأنه ليس بظاهرٍ للأبصار مع أنه موجودٌ في نفسه، فما ليس موجوداً أصلاً كيف لا يَستحقُّ أن يكون هو الغايةَ في الظُّلمة؟ وفي مقابلته الوجودُ، وهو النورُ، فإنَّ الشيءَ ما لم يظهر في ذاته لا يظهرُ لغيره، والوجودُ ينقسم إلى ما للشيء من ذاته، وإلى ما لَه من غيره، فما له الوجودُ من غيره، فوجودُه مستعارٌ لا قوامَ له بنفسه، بل إذا اعتُبِر ذاتُه من حيث ذاتُه فهو عدمٌ مَحْضٍّ، وإنما هو وجودٌ من حيث نسبتُه إلى غيره، وذلك ليس بوجودٍ حقيقيٍّ، فالوجودُ الحقُّ هو الله تعالى كما أنَّ النور الحقَّ هو الله عز وجل (٢). وقد قال قبل هذا: أقول ولا أبالي: إنَّ إطلاق اسم النور على غير النور الأول مجازٌ محضّ؛ إذ كلُّ ما سواه سبحانه إذا اعتبر (٣) ذاته فهو في ذاته من حيث ذاتُه (١) في الأصل: مساوق. (٢) مشكاة الأنوار ص ١١. (٣) في مشكاة الأنوار ص ١١: اعتبرت. الآية : ٣٥ ٣٥٩ سُورَةُ الَّنُوزِ لا نور له، بل نورانيتُه مستعارةٌ من غيره، ولا قوامَ لنورانيته المستعارةِ بنفسها بل بغيرها، ونسبةُ المستعارِ إلى المستعير مجازٌ مَحْضٍّ. وفسَّر النورَ في هذه الآية - أعني قوله تعالى: (اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ) - بذلك، ثم أشار إلى وجه الإضافة إلى ((السماوات والأرض)) بقوله(١): لا ينبغي أن يَخْفَى عليك ذلك بعد أن عرفتَ أنه تعالى هو النورُ ولا نورَ سواه، وأنه كلُّ الأنوار والنورُ الكلِّيُّ؛ لأن النور عبارةٌ عما تنكشفُ به الأشياء [وأعلى منه ما تنكشف به وله] وأعلی منه ما تنکشف به وله ومنه، ولیس فوقه نورٌ منه اقتباسُه واستمدادُه، بل ذلك له في ذاته لذاته(٢) لا من غيره، ثم عرفتَ أنَّ هذا لا يتَّصفُ به إلا النورُ الأول، ثم عرفتَ أن السماوات والأرضَ مشحونةٌ نوراً من طبقتي النور، أعني المنسوبَ إلى البصرِ والمنسوبَ إلى البصيرة - أي: إلى الحسِّ(٣) والعقل - كنور الكواكب، وجواهر الملائكة، وكالأنوار المشاهَدةِ المنبسطةِ على كلِّ ما على الأرض، وكأنوار النبوّة والقرآن، إلى غير ذلك. وهذا منزٌ صوفيٍّ، والصوفيةُ لا يتحاشَوْنَ من القول بأنه - سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً - هو الكلُّ، بل هو هو لا هوية لغيره إلَّا بالمجاز، ويقولون: لا إله إلا الله توحيدُ العوامِّ، ولا إله إلا هو توحيدُ الخواصِّ، لأنه أتمُّ وأخصُّ وأشملُ وأحقُّ وأدقُّ وأَدْخَلُ لصاحبه في الفردانية المحضةِ والوحدانية الصرفةٍ، وقد قال بذلك الغزاليُّ في رسالته المذكورةِ أيضاً(٤)، وأنت تعلم أنه ممَّا لا يُهتَدَى إليه بنورِ الاستدلال، بل هو طورٌ وراء طورِ العقل، لا يُهتدَی إلیه إلا بنورِ الله عزَّ وجلَّ. وجوَّز بعضُ المحقّقين كونَ المرادِ من النور في الآية: الموجِدَ، كأنه قيل: الله مُؤْجِدُ السماوات والأرض، ووجّه ذلك بأنه مجازٌ مرسَلٌ باعتبارٍ لازمٍ معنى النورِ، وهو الظهورُ في نفسه وإظهارُه لغيره. وقيل: هو استعارةٌ، والمستَعارُ منه النورُ (١) في مشكاة الأنوار ص ١٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) في مشكاة الأنوار: من ذاته، بدل: لذاته. (٣) في (م): الحسن. (٤) مشكاة الأنوار ص ١٤، وفيه: لا هو إلا هو، بدل: لا إله إلا هو. سُوْدَةُ النّورِ ٣٦٠ الآية : ٣٥ بمعنى الظاهر بنفسه المُظْهِر لما سواه، والمستعارُ له الواجبُ الوجودِ الموجِدُ لِمَا عَدَاه. وكونَ(١) المراد به مفيضَ الإدراك ومعطيَه مجازاً مرسلاً أو استعارةً، والكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي: نورُ أهلِ السماوات(٢) والأرض، وهذا قريبٌ مما أخرجه ابنُ جَریرٍ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)» عن ابن عباس ﴿ّ أنه قال: ((اللهُ نورُ السماوات والأرض)): هادي أهلِ السماوات والأرض(٣). وهو وجهٌ حسن. وجاء في روايةٍ أخرى أخرجها ابن جريرٍ عنه ظُه، أنه فسَّر النور بالمدبِّر فقال: ((الله نورُ السماوات والأرض)): يدبِّر الأمرَ فيهما. ورَوَى ذلك عن مجاهد أيضاً (٤). وجَعَل ذلك بعضُهم من التشبيه البليغ، ووجهُ الشَّبهِ كونُ كلٍّ من التدبير والنورِ سببَ الاهتداء إلى المصالح. وجوِّز أن يكون هناك استعارةٌ تصريحية. وتعقّب بأنَّ ذكر طرفي التشبيه وهو الله تعالى والنورُ ينافي ذلك. وأجيب بأنَّ ذكرهما إنما ينافيه إذا كان على وجهٍ ينبئُّ عن التشبيه، وكان كلٌّ من المشبّه والمشبّه به مذكوراً بعينه، وهنا لم يشبَّه الله سبحانه بالنور بل شبِّه المدبِّرُ به، وذكرُ جزئيٍّ يَصْدُقُ عليه المشبَّه أو كلِّيٍّ يشملُه لا ينافي ذلك كما أشار إليه صاحبُ ((الكشاف)) في مواضع منه، وصرَّح به أهلُ المعاني. وقيل: المراد به: المنزَّه من كلِّ عيبٍ، ومن ذلك قولُهم: امرأةٌ نَوَار، أي: بريئةٌ من الريبة بالفحشاء، وهو من باب المجاز أيضاً . وقيل: الكلامُ على حذفٍ مضافٍ، كما في: زيدٌ كَرٌَ، أي: ذو نورٍ، ويؤيِّده - كما قيل - قولُه تعالى بعدُ: (مَثَلُ نُورِء) و(يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ»). (١) عطف على كون الأولى في قوله: وجوَّز بعض المحققين كونَ ... (٢) في (م): والسماوات. (٣) تفسير الطبري ٢٩٥/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٩٣/٨، والأسماء والصفات (١٣٦)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٤٨/٥ . (٤) تفسير الطبري ٢٩٦/١٧ عن ابن عباس ومجاهد.