Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٣١
٣٢١
سُورَةُ النّورِ
﴿أَوِ اَلْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ أي: الأطفالِ الذين لم يعرفوا
ما العورةُ، ولم يميِّزوا بينها وبين غيرها، على أنَّ ((لم يَظْهَروا)) إلخ من قولهم: ظَهَرَ
على الشيء، إذا اطّلع عليه، فجُعل كنايةً عن ذلك.
أو: الذين لم يبلغوا حدَّ الشهوة والقدرة على الجماع، على أنه مِن ظَهَرَ على
فلان: إذا قَوِيَ عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَضَعُواْ ظَاهِينَ﴾ [الصف: ١٤] ويشمل الطفلُ
الموصوفُ بالصفة المذكورة بهذا المعنى المراهقَ الذي لم يظهر منه تشوُّقٌ للنساء،
وقد ذكر بعضُ أئمة الشافعية أنه كالبالغ فيلزمُ الاحتجابُ منه على الأصحِّ،
كالمراهق الذي ظهر منه ذلك، ويشمل أيضاً مَن دونَ المراهق، لكنَّه بحيث يَحْكي
ما يراه على وجهه. وذكروا في غير المراهق أنه إن كان بهذه الحيثية فكالمَحْرَمِ،
وإلّا فكالعَدَمِ، فيباحُ بحضوره ما يباحُ في الخلوة، فلا تغفل.
والظاهرُ أنَّ ((الطفل)) عطفٌ على قوله تعالى: (لِبُعُولَتِهِنَّ) أو على ما بعده من
نظائره، لا على ((الرجال))، وكلامُ أبي حيَّان ظاهرٌ في أنه عطفٌ عليه(١)، وليس
بشيء.
ثم هو مفردٌ محلَّى بـ ((أل)) الجنسيةِ فيعمُّ، ولهذا - كما قال في ((البحر)) - وُصِفَ
بالجمع. فكأنه قيل: أو الأطفال، كما هو المرويُّ عن مصحفِ حفصةً، ومثلُ ذلك
قولُهم: أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفرُ والدرهمُ البِيض(٢).
وقيل: هو مفردٌ وُضع موضعَ الجمع، ونحوُه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾
[غافر: ٦٧].
وتعقّب بأنَّ وضع المفرد موضعَ الجمع لا ينقاسُ عند سيبويه(٣)، وما هنا عنده
من باب المفرد المعرَّف بلام الجنس، وهو يعمُّ بدليل صحةِ الاستثناء منه.
والآيةُ المذكورةُ يحتمل أن تكون عنده على معنى: ثم يخرجُ كلَّ واحدٍ منكم
طفلاً، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَغْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَمًا﴾ [يوسف: ٣١] أنه على معنى:
(١) البحر ٤٤٩/٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) كما في البحر ٤٤٩/٦، والكلام منه.

سُوَّةُ الَّنُوزِ
٣٢٢
الآية : ٣١
وأَعْتدَتْ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ متكأ، فلا يتعيَّنُ كونُ ((طفلاً)) فيها مما لا ينقاسُ عنده.
وقال الراغب: إنَّ((طفلاً) يقعُ على الجمع كما يقع على المفرد (١). ونصّ على
ذلك الجوهريُّ(٢)، وكذا قال بعضُ النحاة: إنه في الأصل مصدرٌ، فيقع على القليل
والكثير، والأمرُ على هذا ظاهرٌ جدًّا.
والعَوْرات: جمعُ عورةٍ، وهي في الأصل ما يُخْتَرَزُ من الاطلاع عليه، وغَلَبتْ
في سوأة الرجل والمرأة، ولغةُ أكثرِ العرب تسكينُ الواو في الجمع، وهي قراءةٌ
الجمهور.
وروي عن ابن عامر أنه قرأ: ((عَوَرَات)) بفتح الواو (٣)، والمشهور أنَّ تحريك
الواوٍ وكذا الياءُ في مثل هذا الجمع لغةُ هذيل بن مدركة. ونقل ابن خالويه في
كتاب ((شواذِ القراءات)) أنَّ ابن أبي إسحاق والأعمش قرأا: ((عَوَرَات)) بالفتح، ثم
قال: وسمعنا ابنَ مجاهدٍ يقول: هو لحنٌّ، وإنَّما جَعَله لحناً وخطأ من قِبَلِ الرواية،
وإلَّا فله مذهبٌ في العربية، فإنَّ بني تميم يقولون: رَوَضَات وجَوَزَات وعَوَرَات
بالفتح فيها، وسائرُ العرب بالإسكان(٤).
وقال الفرَّاء(٥): العربُ على تخفيف ذلك إلَّا هذيلاً، فتثقِّل ما كان من هذا
النوع من ذوات الياء والواو؛ وأنشدني بعضُهم:
أبو بَيَضاتٍ رائحٌ مُتَأوِّبٌ(٦) رفيقٌ بمسح المنكبين سَبُوحُ(٧)
(١) مفردات الراغب (طفل).
(٢) في الصحاح (طفل).
(٣) ذكرها عنه الداني في جامع البيان ٣٠٨/٢ من رواية يحيى عنه، وهي ليست في التيسير
ولا في النشر.
(٤) القراءات الشاذة ص١٠٣، عند ذكر شواذٌّ الآية (٥٨) من هذه السورة. ونقله المصنف
بواسطة أبي حيان في البحر ٤٤٩/٦ .
(٥) كما في البحر ٦/ ٤٤٩ .
(٦) في الأصل و(م): متأدب، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٧) الخصائص ١٨٤/٣، واللسان (بيض)، وأسرار العربية ص٣٠٨، وشرح المفصل ٣٠/٥،
والخزانة ١٠٢/٨. وفيه: والبيت على كثرة وجوده في كتب النحو لم أطّلع على قائله
ولا على تتمته. والرائح: الذي يسير ليلاً، والمتأوِّب: الذي يسير نهاراً، يقول: ناقتي في

الآية : ٣١
٣٢٣
سُورَةُ الَّنُّدِ
﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ﴾ أي: ما يَسْتُرْنَه عن الرؤية ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
أي: لا يَضْرِبْنَ بأَرْجُلِهِنَّ الأرضَ ليتقَعْقَعَ خَلَاخِلُهنَّ فِيُعْلَمَ أنَّهنَّ ذَوَاتُ خَلَاخِلَ، فإنَّ
ذلك مما يُؤْرِثُ الرجالَ ميلاً إليهنَّ، ويُؤْهِمُ أنَّ لهنَّ ميلاً إليهم.
أخرج ابنُ جرير عن حضرميٍّ: أنَّ امرأةً انَّخذَتْ خلخالاً من فضَّةٍ، واتّخذتْ
جَزْعاً، فمرَّتْ على قوم فضربت برجلها، فوقع الخلخالُ على الجَزْعِ فصوَّتَ،
فأنزل الله تعالى: (وَلَا يَضَّرِنَ) إلخ (١).
والنساءُ اليومَ على جَعْلِ الخرز ونحوِها في جوف الخلخال، فإذا مَشَيْنَ به ولو
هوناً صَوَّتَ، ولهنَّ من أنواع الحليِّ غير الخلخال ما يصوّتُ عند المشي أيضاً،
لا سيما إذا كان مع ضَرْبِ الرِّجْلِ وشدَّةِ الوطء، ومِن الناس مَن يحرِّكُ شهوتَه
وسوسةُ الحليّ أكثر من رؤيته.
وفي النهي عن إبداء صوت الحليِّ - بعد النهي عن إبداء عينه - من النهي عن
إبداء مواضعه ما لا يخفى. وربما يستدلُّ بهذا النهي على النهي عن استماع
صوتهنّ.
والمذكورُ في معتبرات كتب الشافعية - وإليه أميلُ - أنَّ صوتهنَّ ليس بعورةٍ،
فلا يَحْرِمُ سماعُه إلا إن خُشي منه فتنةٌ، وكذا إن التذَّ به، كما بَحَثَه الزركشيُّ.
وأمَّا عند الحنفية فقال الإمام ابنُ الهمام(٢): صرَّح في ((النوازل)) أنَّ نغمة المرأة
عورةٌ، ولذا قال النبيُّ ◌َّ: ((التكبير للرجال والتصفيقُ للنساء))(٣) فلا يَحْسنُ أن
يسمعها الرجل. اهـ
ثم اعْلَمْ أنَّ عندي مما يلحقُ بالزينة المنهيِّ عن إبدائها ما يلبسُه أكثر مُتْرَفاتٍ
النساء في زماننا فوق ثيابهنَّ ويتستَّرْنَ به إذا خَرَجْنَ من بيوتهنَّ، وهو غطاءٌ منسوجٌ
= سرعة سيرها كظليم (وهو ذكر النعام) له بيضاتٌ، يسير ليلاً ونهاراً ليصل إلى بيضاته. رفيق
بمسح المنكبين: عالمٌ بتحريكهما في السير. سَبُوحٍ: حَسَنُ الجَرْي. وقيل في شرحه غير
ذلك. ينظر الخزانة ٨ / ١٠٥.
(١) تفسير الطبري ٢٧٢/١٧. والجَزَّع: الخرز اليماني. القاموس (جزع).
(٢) في فتح القدير ١٨١/١.
(٣) أخرجه أحمد (٧٢٨٥)، والبخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢) من حديث أبي هريرة

سُودَةُالنّدِ
٣٢٤
الآية : ٣١
من حريرٍ ذي عدَّةِ ألوانٍ، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهرُ العيونَ، وأرى
أنَّ تمكين أزواجهنَّ ونحوِهم لهنَّ من الخروج بذلك، ومَشْيِهِنَّ به بين الأجانب، من
قَلَّةِ الغيرة، وقد عمَّت البَلْوَى بذلك.
ومثلُه ما عمَّتْ به البلوى أيضاً من عدم احتجاب أكثرٍ النساء من إخوان
بعولتهنَّ، وعدم مبالاة بعولتهنَّ بذلك، وكثيراً ما يأمرونهنَّ به. وقد تحتجبُ المرأة
منهم بعد الدخول أياماً إلى أن يعطوها شيئاً من الحليِّ ونحوه، فتبدو لهم
ولا تحتجبُ منهم بعدُ.
وكلُّ ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسولُهُ وَِّ، وأمثالُ ذلك كثيرٌ، ولا حولَ
ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم.
﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ تلوينٌ للخطاب، وصرفٌ له عن رسول الله بَّه إلى
الكلِّ بطريق التغليب؛ لإبراز كمال العناية بما في حيِّزه من أمر التوبة، وأنها من
معظَّماتِ المُهِمَّات الحقيقةِ(١) بأن يكون سبحانه وتعالى الآمرَ بها؛ لِمَا أنه لا يكاد
يخلو أحدٌ من المكلَّفين عن نوعِ تفريط في إقامةِ مَواجِبٍ التكاليف كما ينبغي،
لا سيما في الكفّ عن الشهوات.
وقد أخرج أحمد والبخاريُّ في «الأدب المفرد)» ومسلمٌ وابن مردويه والبيهقيُّ
في ((شعب الإيمان)) عن الأغرِّ ◌َظُه قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّهُ يقول: ((يا أيها
الناسُ، توبوا إلى الله فإنِّي أتوبُ إليه كلَّ يوم مئةَ مرَّةٍ)(٢). والمراد بالتوبة على هذا
التوبة عمَّا في الحال، وعن ابن عباس ﴿هَا أَن المراد التوبةُ عما كانوا يفعلونه قبلُ
من إرسال النظر وغيرِ ذلك، وهو وإن جُبَّ بالإسلام لكنه يلزم الندَمُ عليه، والعزمُ
على الكفِّ عنه كلما يتذكّر، وقد قالوا: إن هذا يلزم كلَّ تائبٍ عن خطيئة إذا
تذكّرها. ومنه يُعلم أنَّ ما يفعلُه كثيرٌ ممن يزعمون التوبةَ، من نَّقْلِ ما فعلوه من
الذنوب على وجه التبجُّح والاستلذاذ، دليلٌ على(٣) عدم صدق توبتهم.
(١) في الأصل من (م): الحقيقية، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧١/٦، والكلام منه.
(٢) مسند أحمد (١٧٨٤٧)، والأدب المفرد (٦٢١)، وصحيح مسلم (٢٧٠٢)، وشعب الإيمان
(٧٠٢٢).
(٣) في (م): عن.

الآية : ٣٢
٣٢٥
سُودَةُ الهنودِ
وفي تكرير الخطاب بقوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تأكيدٌ للإيجاب، وإيذانٌ بأنَّ
وصف الإيمان موجبٌ للامتثال حتماً، وفي هذا دليلٌ على أنَّ المعاصي لا تُخرِجُ
عن الإيمان.
وقرأ ابن عامر: ((أيُّهُ المؤمنون)) بضم الهاء(١)، ووجهُه أنها كانت مفتوحةً
لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألفُ لالتقاء الساكنين أُتْبعَتْ حركتُها حركةً
ما قبلها، وضمُّ ((ها)) التي للتنبيه بعد ((أي)) لغةٌ لبني مالك رَهْطِ شقيق بن
سلمة(٢).
ووقف بعضُهم بسكون الهاء لأنها كُتبت في المصحف بلا ألفٍ بعدها، ووقف
أبو عمرو والكسائيُّ ويعقوب - كما في ((النشر)) - بالألف على خلاف الرسم (٣).
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾ أي: لكي تفوزوا بذلك بسعادةِ الدارين، أو مَرْجوّاً
فَلَاحُکم.
﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيْمَى مِنْكُمْ﴾ بعدما زَجَرَ سبحانه عن السِّفاح ومباديه القريبةِ والبعيدة
أَمَر بالنكاح، فإنه مع كونه مقصوداً بالذات من حيث كونُه مَناطاً لبقاء النوع على
وجهٍ سالمٍ من اختلاط الأنساب [خيرٌ] مزجرةٍ عن (٤) ذلك.
و((الأيامى)) - كما نقل في ((التحرير)) عن أبي عمرو، وإليه ذهب
الزمخشريُّ(٥) - مقلوبُ أيايم جمع أيِّم؛ لأن فَيْعَل لا يجمعُ على فَعَالَى، أي: أن
أصله ذلك فقدِّمت الميم وفُتحت للتخفيف، فقُلبت الياءُ ألفاً لتحرُّكها وانفتاح
ما قبلها، وذهب ابن مالك ومَن تبعه إلى أنه جمعٌ شاذٌّ لا قَلْبَ فيه، ووزنُه فَعَالَى،
وهو ظاهرُ كلام سيبويه (٦).
(١) التيسير ص١٦١، والنشر ١٤٢/٢.
(٢) في الأصل و(م): مسلمة. وهو تصحيف، والمثبت من البحر ٦/ ٤٥٠، والكلام منه.
(٣) النشر ١٤١/٢-١٤٢، وهي عن أبي عمرو والكسائي في التيسير ص١٦٢ .
(٤) في الأصل و(م): من، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧١/٦، والكلام وما بين حاصرتين
منه .
(٥) في الكشاف ٦٣/٣ .
(٦) ينظر الكتاب ٣/ ٦٥٠، والبحر ٤٥١/٦.

سُودَةُالَّنودِ
٣٢٦
الآية : ٣٢
والأيِّمُ قال النضر بن شميل: كلُّ ذكرٍ لا أنثى معه، وكلُّ أنثى لا ذَكَر معها،
بكراً أو ئيّاً، ويقال: آمَ وآمَتْ: إذا لم يتزوَّجا، بكرين كانا أو ثيِّيْنِ، قال:
وإنْ كنتُ أَفْتَى منكمُ أتأيَّمٍ (١)
فإنْ تَنْكِحي أَنْكِحْ وإنْ تتأيَّمي
وقال التبريزيُّ في (شرح ديوان أبي تمام)»: قد كثر استعمالُ هذه الكلمة في
الرجل إذا ماتت امرأتُه، وفي المرأة إذا مات زوجُها، وفي الشعر القديم ما يدلُّ
على أنَّ ذلك بالموت، وبتَرْكِ الزوج من غير موتٍ، قال الشمَّاخ:
يُقِرُّ لعيني أن أحدَّث أنها وإنْ لمْ أنَلْها أيمٌ لم تزوَّجِ(٢)
انتھی.
وفي ((شرح كتاب سيبويه)) لأبي بكر الخفاف(٣): الأيِّم التي لا زوجَ لها،
وأصلُه هي التي كانت متزوجةً ففقدت زوجها برزءٍ طرأ عليها، ثم قيل في البكر
مجازاً لأنها لا زوجَ لها .
وعن محمد أنها الثيِّبُ، واستدلَّ له بما روي أنه نَّ قال: ((الأيّمُ أحقُّ بنفسها
من وليِّها، والبِكْرُ تستأذَنُ في نفسها، وإذْنُها صُماتُها))(٤) حيث قابلها بالبكر.
وفيه أنه يجوز أن تكون مشتركةً لكنْ أريدَ منها ذلك لقرينةِ المقابلة.
والأكثرون على ما قاله النضر، أي: زوِّجوا مَن لا زوجَ له من الأحرار
والحرائر ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَِّكُمْ﴾ على أنَّ الخطاب للأولياء والسادات،
والمراد بالصَّلاح معناه الشرعيُّ، واعتبارُه في الأرِقَّاء لأنَّ مَن لا صلاحَ له منهم
بمعزلٍ من أن يكون خليقاً بأنْ يعتنيَ مولاه بشأنه، ويُشْفِقَ عليه، ويتكلَّفَ في نَظْم
مصالحه بما لا بدَّ منه شرعاً وعادةً من بَذْلِ المال والمنافع، بل ربما يَحْصُلُ لهَ
(١) مجاز القرآن ٦٥/٢، وتفسير الطبري ٢٧٤/١٧، وتفسير القرطبي ٢٣٠/١٥.
(٢) ديوان الشماخ ص٧٦. وفيه: يقر بعيني ...
(٣) أبو بكر بن يحيى بن عبد الله الجذامي المالقي النحوي، قرأ النحو على الشلوبين، وكان
رجلاً صالحاً، له: شرح سيبويه، وشرح إيضاح الفارسي، وشرح لمع ابن جني، توفي سنة
(٦٥٧هـ). بغية الوعاة ٤٧٣/١ .
(٤) أخرجه أحمد (١٨٨٨)، ومسلم (١٤٢١) من حديث ابن عباس بيض

الآية : ٣٢
٣٢٧
سُوَّةُ اللَّنُودِ
ضررٌ منه بتزويجه، فحقُّه أن يستبقيَه عنده. ولمَّا لم يكن مَن لا صلاحَ له من
الأحرار والحرائر بهذه المثابة لم يُعتبر صلاحُهم.
وقيل: المرادُ بالصلاح معناه اللغويُّ، أي: الصالحين للنكاح والقيامِ بحقوقه.
والأمرُ هنا قيل: للوجوب، وإليه ذهب أهلُ الظاهر، وقيل: للندب، وإليه
ذهب الجمهور.
ونقل الإمام عن أبي بكر الرازيِّ: أنَّ الآية وإنِ اقتضتِ الإيجابَ إلَّا أنه أجمع
السلفُ على أنه لم يُردِ الإيجاب، ويدلُّ عليه أمورٌ:
أحدها: أنَّ الإنكاح لو كان واجباً لكان النقلُ بفِعْلِه من النبيِّ وَّ ومن السلف
مستفيضاً شائعاً؛ لعموم الحاجة، فلمَّا وجدنا عَصْرَه عليه الصلاة والسلام وسائرَ
الأعصار بعده قد كانت فيه أيامى من الرجال والنساء ولم يُنْكَر ذلك، ثبت أنه لم
يُرد بالأمر الإيجاب.
وثانيها: أنَّا أجمعنا على أنَّ الأيم الثّيِّب لو أبت التزويج لم يكن للوليِّ إجبارُها.
وثالثها: اتِّفاقُ الكلِّ على أنه لا يجبُ على السيد تزويجُ أَمتِهِ وعبدِه، فيقتضي
للعطف عدمَ الوجوب في الجميع.
ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظمُ الرجالَ والنساء، فلمَّا لزم في الرجال تزويجُهم
بإذنهم لزم ذلك في النساء(١). انتهى.
وقال الإمامُ نفسُه: ظاهرُ الأمرِ للوجوب، فيدلُّ على أنَّ الوليَّ يجب عليه
تزويجُ موليته، وإذا ثبت هذا وجب أنْ لا يجوز النكاحُ إلا بوليٍّ، وإلا لفوَّتت
المولية على الوليِّ المكنةَ من أداء هذا الواجب، وإنه غير جائز.
والجوابُ عمَّا نُقِلَ عن أبي بكر: أنَّ جميع ما ذكره تخصيصاتٌ تطرَّقتْ إلى
الآية، والعامُّ بعد التخصيص يبقى حجةً، فوجب إذا التمستِ المرأة الأيِّمُ من الوليِّ
التزویجَ وجب(٢). انتھی.
(١) تفسير الرازي ٢١١/٢٣، وكلام أبي بكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن له ٣١٩/٣-٣٢٠.
(٢) تفسير الرازي ٢١١/٢٣.

سورة النورِ
٣٢٨
الآية : ٣٢
وفي ((الإكليل)): استَدلَّ بعموم الآية مَن أباح نكاحَ الإماء بلا شرطٍ، ونكاحَ
العبدِ الحَرَّةَ(١).
وأنت تعلم أنها لم تَبْقَ على العموم. والذي أميل إليه أنَّ الأمر لمُطْلَقِ الطلب،
وأنَّ المراد من الإنكاح المعاونةُ والتوسُّطُ في النكاح، أو التمكينُ منه، وتوقُّفُ
صحته في بعض الصور على الوليِّ يُعْلَمُ من دليلٍ آخر. والاستدلالُ بهذه الآية على
اشتراط الوليٌّ، وعلى أنَّ له الجبرُ في بعض الصور، لا يخلو عن بحثٍ، ودون
تمامه خَرْطُ القتاد، فتدبر.
وقرأ الحسن ومجاهد: ((من عبيدكم)) بالياء مكانَ الألف وفتح العين(٢)، وهو
كالعباد جمعُ عبد، إلَّا أنَّ استعماله في المماليك أكثرُ من استعمال العباد فيهم.
﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الظاهر أنه وَعْدٌ من الله عزَّ وجلَّ بالإغناء،
وأخرج ذلك ابنُ جريرٍ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ◌َ﴾(٣). ولا يَبْعدُ
أن يكون في ذلك سدٌّ لباب التعلُّل بالفقر، وعدِّه مانعاً من المناكحة.
وفي الآية شرطٌ مُضْمَرٌ وهو المشيئةُ، فلا يَرِدُ أنَّ كثيراً من الفقراء تزوَّجَ ولم
يحصل له الغِنَى، ودليلُ الإضمار قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ إِن شَآءً) - وكونُه وارداً في منع الكفار عن الحَرَم لا يأبى الدلالةَ
كما توهِّم - أو قولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ وَسِعُ﴾ أي: غنيٌّ ذو سعةٍ لا يَرْزَؤه إغناءُ
الخلائق؛ إذ لا نفادَ لنعمته، ولا غايةَ لقدرته ﴿عَلِيمٌ ﴾ يبسط الرزقَ لمن يشاء
ويَقْدِرُ حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ، فإنَّ مآل هذا إلى المشيئة، وهو السرُّ في
اختيار ((عليم)) دون كريم، مع أنه أوفقُ بـ ((واسع)) نظراً إلى الظاهر.
وفي ((الانتصاف)): فإن قيل: العَزَبُ كذلك فإنَّ غِنَاه معلَّقٌ بالمشيئة أيضاً،
فلا وَجه للتخصيص.
(١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ١٩٣ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والبحر ٦/ ٤٥١ .
(٣) تفسير الطبري ٢٧٤/١٧-٢٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٨٢/٨، وعزاه لابن المنذر
السيوطي في الدر ٥/ ٤٤-٤٥ .

الآية : ٣٢
٣٢٩
سُورَةُ الّنُوزِ
فالجواب أنه قد تقرَّر في الطباع الساكنة إلى الأسباب أنَّ العيال سببٌ للفقر،
وعَدَمُهم سببُ توقُّر المال، فَأُريدَ قَطْعُ هذا التوهُّم المتمكِّن بأنَّ الله تعالى قد ينمي
المال مع كثرة العيال التي هي في الوهم سبب لقلة المال، وقد يحصلُ الإقلالُ مع
العزوبة، والواقع يشهدُ، فدلَّ على أن ذلك الارتباطَ الوهميَّ باطلٌ، وأنَّ الغِنَى
والفقرَ بفعل الله تعالى مسبِّبِ الأسباب، ولا توقُّفَ لهما إلا على المشيئة، فإذا علم
الناكح أنَّ النكاح لا يؤثِّر في الإقتار لم يمنعه في الشروع فيه، ومعنى الآية حينئذ أن
النكاح لا يمنعهم الغنَى من فضل الله تعالى، فعبّر عن نفي كونه مانعاً عن الغنى
بوجوده معه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُواْ فِىِ اَلْأَرْضِ﴾
[الجمعة: ١٠] فإنَّ ظاهره الأمرُ بالانتشار عند انقضاءِ الصلاة، والمرادُ تحقيق زوال
المانع، وأنَّ الصلاة إذا قُضيتْ فلا مانعَ من الانتشار، فعبّر عن نفي مانع الانتشار
بما يقتضي تَقَاضي الانتشار مبالغةً (١). انتهى.
وقال بعضهم في الفَرْقِ بين المتزوِّج والعَزَبِ: إنَّ الغِنَى للمتزوِّج أقربُ، وتعلُّق
المشيئة به أَرْجَى؛ للنصِّ على وعده دون العزب، وكذلك يوجَدُ الحال إذا استُقْرِئ.
وتعقِّب بأنَّ فيه غفلةً عن قوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّنِ سَعَتِهِ﴾
[النساء: ١٣٠] وكذا عن قوله سبحانه: ﴿وَلَسْتَعْفِفِ﴾ إلخ.
وأشار صاحب ((الكشف)» إلى أنَّ في هذه الآية والتي بعدها وعداً للمتزوِّج
والعَزَبِ معاً بالغنى، فلا ورود للسؤال، قال: إنه تعالى أمر الأولياء أن لا يبالوا
بفَقْرِ الخاطب بعد وجود الصلاح، ثقةً بلُظْفِ الله تعالى في الإغناء، ثم أمر الفقراء
بالاستعفاف إلى وجدان الغنى تأميلاً لهم، وأَدْمجَ سبحانه أنَّ مدار الأمر على العقَّة
والصلاح على التقديرين، وهو الجوابُ عن سؤال المعترض. انتهى.
ولا يخفى عليك أنَّ الأخبار الدالَّةَ على وَعْدِ الناكح بالغنى كثيرةٌ، ولم نجد في
وَعْدِ العزب الذي ليس بصَدَدِ النكاح من حيث هو كذلك خبراً.
فقد أخرج عبد الرزاق، وأحمدُ، والترمذيُّ وصحَّحه(٢)، والنسائيُّ، وابنُ
(١) الانتصاف ٣/ ٦٤ - ٦٥ بنحوه.
(٢) كذا نقل المصنف عن الدر المنثور ٤٥/٥، والذي في سنن الترمذي (١٦٥٥)، وتحفة
الأشراف ٩/ ٤٩٣، وتحفة الأحوذي ٢٩٦/٥: حديث حسن.

سودةُالنودِ
٣٣٠
الآية : ٣٢
ماجه، وابن حبان، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((سننه))، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَله: ((ثلاثةٌ حقّ على الله تعالى عونُهم: الناكحُ يريد العفافَ،
والمكاتبُ يريد الأداء، والغازي في سبيل الله تعالى))(١) .
وأخرج الخطيب في ((تاريخه)) عن جابر قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّي ◌َّر يشكو إليه
الفاقةَ، فأمره أن يتزوَّج(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصدِّيق ◌َظُبه قال: أطيعوا الله تعالى
فيما أَمَرَكم (٣) به من النكاح، يُنْجِزْ لكم ما وعدكم من الغِنَى؛ قال تعالى: (إِن يَكُونُواْ
فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلٍِ)(٤).
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في ((المصنف))، عن عمر بن الخطاب عظ اته
قال: ابتغوا الغنى في الباءة - وفي لفظ: ابتغوا الغنى في النكاح - يقول الله تعالى:
(إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)(٥) .
وأخرج الثعلبيُّ والديلميُّ عن ابن عباس ◌َهَا، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((التمسوا
الرزقَ بالنكاح)»(٦). إلى غير ذلك من الأخبار.
ولغِنَى الفقيرِ إذا تزوَّج سببٌ عاديٌّ، وهو مزيدُ اهتمامه في الكسب، والجدُّ
التامُّ في السعي، حيث ابتُليَ بمن تلزمُه نفقتُها شرعاً وعُرفاً، وينضمُّ إلى ذلك
(١) مصنف عبد الرزاق (٩٥٤٢)، ومسند أحمد (٧٤١٦)، وسنن الترمذي (١٦٥٥)، وسنن
النسائي (المجتبى) ١٥/٦، وسنن ابن ماجه (٢٥١٨)، وصحيح ابن حبان (٤٠٣٠)،
والمستدرك ٢/ ١٦٠ و٢١٧، وسنن البيهقي ٧٨/٧. ونقله المصنف عن الدر المنثور ٤٥/٥.
(٢) تاريخ بغداد ١/ ٣٦٥ من طريق سعيد بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
وسعيد بن محمد قال عنه أبو حاتم: ليس بشيء، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به.
الميزان ١٥٦/٢.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): يعني ضمناً فلا تغفل.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٢.
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٠٣٨٥) و(١٠٣٩٣)، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر المنثور
٤٥/٥.
(٦) الفردوس للديلمي (٢٨٢)، وعزاه للثعلبي في تفسيره العجلوني في كشف الخفا ٢٠٢/١
وأشار إلى ضعفه، وتنظر أحاديث الباب ثمة.

الآية : ٣٣
٣٣١
سُورَةُ النّنودِ
مساعدةُ المرأة له، وإعانتُها إياه على أمر دنياه، وهذا كثيرٌ في العرب وأهلِ القرى،
فقد وجدنا فيهم مَن تكفيه امرأتُه أمرَ معاشه ومعاشِها بشغلها، وقد ينضمُّ إلى ذلك
حصولُ أولادٍ له، فَيَقْوَى أمرُ التَّسَاعُدِ والتعاضُد، وربما يكون للمرأة أقاربُ يَحْصُلُ
له منهم الإعانةُ بحَسَبٍ مُصاهَرتِه إياهم، ولا يوجد ذلك في العَزَب، ويشارك هذا
الفقيرَ المتزوِّجَ الفقيرُ الذي هو بصَدَدِ التزوُّج بمزيدِ الاهتمام في الكسب، لكنَّ هذا
الاهتمامَ لتحصيل ما يتزوَّجُ به، وربما يكون لذلك ولتحصيل ما يحسِّنُ به حالَه بعد
التزوُّج، ولا يخفى أنَّ حال الامرأة (١) المتزوِّجة وحالَ الامرأة (١) التي بصَدَدِ التزوُّج
على نحو حال الرجل، والفرقُ يسير.
هذا، والظاهرُ من كلام بعضهم أنَّ ما ذكر في ((الأيامى)) و((الصالحين)) مطلقاً،
وأمرُ تذكيرِ الضمير ظاهر.
وقيل: هو في الأحرار والحرائر خاصَّةً، وبذلك صرح الطبرسيُّ(٢)؛ لأنَّ
الأرِقَّاءَ لا يملكون وإن ملكوا، ولذا لا يرثون ولا يُؤْرَثون، والمتبادِرُ من الإغناء
بالفضل أن يملكوا ما به يحصلُ الغِنَى وتُدفعُ الحاجةُ، وهو لا يتحقَّق مع بقاء
الرقِّ، نعم إذا أُريدَ بالإغناء التَّوْسِعةُ ودفعُ الحاجة سواءٌ كان ذلك بما يملك أم لا ،
فلا بأسَ بالعموم. فتدبر.
وجوِّز أن تكون الآيةُ في الأحرار خاصةً، بأن يكون المرادُ منها نهيَ الأولياء
عن التعلُّل بفَقْرِهم إذا استنكحوهم، وأن تكون في المستَنْكِحينَ من الرجال مطلقاً،
والمرادُ نهيُّ الأولياء عن ذلك أيضاً، فتدبَّرْ جميعَ ذلك.
واحتجَّ بعضهم - كما قال ابن الفرس - بالآية على أنَّ النكاح لا يُفْسَخُ بالعَجْزِ
عن النفقة؛ لأنه سبحانه وَعَدَ فيها بالغنى، وفيه مناقشةٌ لا تخفى.
﴿وَلَسْتَغْفِفِ﴾ إرشادٌ للتائقين العاجزين عن مَبادي النكاحِ وأسبابِهِ، إلى ما هو
أَوْلَى لهم وأَخْرَى بهم، أي: ولْيَجْتَهِدْ في العفّة وصَوْنِ اَلَنفس ﴿ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
فِكَّحًا﴾ أي: أسبابَ نكاح، أو لا يتمكّنون مما ينكح به من المال، على أنَّ فِعالاً
اسمُ آلَةٍ، کرِكَاب لِمَا يُرْگبُ به.
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الأصوب: المرأة. كما أشرنا إليه ص ١٧٢ .
(٢) في مجمع البيان ٤٠/١٨ .

سُؤَةُ الَّنُوزِ
٣٣٢
الآية : ٣٣
﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ عِدَةٌ كريمةٌ بالتفضُّل عليهم بالغنى، ولُظْفٌ بهم في
استعفافهم، ورَبْطٌ على قلوبهم، وإيذانٌ بأنَّ فَضْلَه تعالى أَوْلَى بالأعِقَّاء، وأدنى من
المُلحاء.
واستدلَّ بالآية بعضُ الشافعية على نَذْبٍ تَرْكِ النكاح لمن لا يملك أهبتَه مع
التَّوَقان، وكثيرٌ من الناس ذهب إلى استحبابه له لآيةٍ: (إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ) وحَمَلُوا الأمرَ بالاستعفاف في هذه الآية على مَن لم يجد زوجةً، بجَعْلٍ
(فِعَال)) صفةً بمعنى مفعول، ككتاب بمعنى مكتوب، ولا يخفى أنَّ الغايةَ المذكورةَ
تُبْعِدُه، ولا يلزمُ من الفقر وجدانُ الأُهْبةِ المفسَّرةِ عندهم بالمهر وكسوة فصل
التمكين ونفقة يومه.
والمذكورُ في مُعْتَبَراتِ كتبنا أنَّ النكاح يكونُ واجباً عند التَّوقان، أي: شدة
الاشتياق، بحيث يخاف الوقوعَ في الزنى لو لم يتزوَّج، وكذا فيما يظهر لو كان
لا يمكنه مَنْعُ نفسه عن النظر المحرَّم، أو عن الاستمناء بالكفِّ. ويكونُ فرضاً بأن
كان لا يمكنه الاحترازُ عن الزنى إلَّا به، بأنْ لم يَقْدِرْ على التسرِّي، أو الصومِ
الكاسِرِ للشهوة، كما يدلُّ عليه حديثُ: ((ومَن لم يَسْتَطِعْ فعليه بالصوم فإنَّه له
وِجَاء)) (١) فلو قدر على شيءٍ من ذلك لم يَبْقَ النكاحُ فرضاً أو واجباً عيناً، بل هو أو
غيرُه مما يمنعه من الوقوع في المحرَّم.
وكلا القسمين مشروطٌ بملكِ المهر والنفقة، وزاد في ((البحر))(٢) شرطاً آخر
فيهما، وهو عدمُ خوفِ الجور، ثم قال: فإن تَعَارضَ خوفُ الوقوع في الزنى لو لم
يتزوَّج وخوفُ الجورٍ لو تزوَّج قدّم الثاني، ويكرَه التزوُّج حينئذ كما أفاده الكمال في
(الفتح))، ولعله لأنَّ الجور معصيةٌ متعلِّقةٌ بالعباد، دون المنع من الزنى، وحقُّ
العبد مقدَّمٌ عند التعارُضِ؛ لاحتياجه وغِنَى المولى عزَّ وجلَّ. انتهى.
ومقتضاه الكراهةُ أيضاً عند عدم ملك المهر والنفقة؛ لأنهما حقُّ عبدٍ أيضاً وإن
(١) أخرجه أحمد (٤٠٢٣)، والبخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠) من حديث ابن مسعود ◌ُه.
الوجاء: رضُّ الخصيتين، والمراد أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني كما يفعله
الوجاء. شرح صحيح مسلم للنووي ٩/ ١٧٣ .
(٢) البحر الرائق ٨٤/٣.

الآية : ٣٣
٣٣٣
سُورَةُ الْنُزِ
خاف الزنى، لكنْ ذَكَروا أنه يُنْدَبُ استدانةُ المهر، ومقتضاه أنه يجب إذا خاف
الزنى وإن لم يملك المهرَ إذا قدر على استدانته، وهذا منافٍ للاشتراط السابق،
إلا أن يقال: الشرطُ ملكُ النفقةِ والمهْرِ، ولو بالاستدانة، أو يقال: هذا في العاجز
عن الكَسْبِ، ومَن ليس له جهةُ وفاءٍ.
وذكر بعضُ الأجلَّة أنه ينبغي حَمْلُ ما ذكروا من نَذْبِ الاستدانة على نَدْبِها إذا
ظنَّ القدرةَ على الوفاء، وحينئذٍ فإذا كانت مندوبةً مع هذا الظنِّ عند أمْنِهِ من الوقوع
في الزنى، ينبغي وجوبُها عند تيقُّن الزنى، بل ينبغي وجوبُها حينئذٍ وإن لم يَغْلِبْ
على ظنِّه قدرةُ الوفاء، وهو معذورٌ - فيما أرى - عند الله عز وجل إذا فعل ومات
ولم يترك وفاء، فتأمّل.
ويكون مكروهاً عند خوف الجور كما سمعتَ، وحراماً عند تيقُّنه؛ لأنَّ النكاح
إنما شُرعَ لمصلحةٍ تحصينِ النفس، وتحصيل الثواب، وبالجور یأثَمُ ويرتكبُ
المحرَّمات، فتنعدمُ المصالح لرجحان هذه المفاسد.
ويكون سنَّةً مؤكّدة في الأصحِّ حالةَ القدرةِ على الوطء والمهر والنفقة، مع عَدَمِ
الخوف من الزنى والجورِ وتركِ الفرائض والسُّنن، فلو لم يقدر على واحد من
الثلاثة الأُوَل، أو خاف واحداً من الثلاثة الأخيرة فلا يكون النكاح سنَّةً في حقِّه
كما أفاده في ((البدائع))(١) .
ويفهم من «أشباه)) ابن نُجَيم توقُّفُ كونه سنَّةً على النية(٢)، وذكر في ((الفتح)) أنه
إذا لم يقترن بها كان مباحاً؛ لأنَّ المقصود منه حينئذٍ مجرَّدُ قضاء الشهوة، ومَبْنَى
العبادة على خلافه(٣)، فلا يثاب. والنيةُ التي يثاب بها أن ينويَ مَنْعَ نفسه وزوجته
عن الحرام، وكذا نيةُ تحصيل ولدٍ تكثُر به المسلمون، وكذا نيةُ الاتِّباع وامتثالِ
(١) كما في حاشية ابن عابدين ٧/٣.
(٢) الأشباه والنظائر لزين الدين ابن نجيم ص ١٨، وفيه: النكاح سنة مؤكدة فيحتاج إلى النية،
قال ابن عابدين في الحاشية ٨/٣: أشار بالفاء إلى توقف كونه سنة على النية.
(٣) فتح القدير ٣٤٣/٢. وقال ابن الهمام بعد أن ذكر هذا الكلام: وأقول: بل فيه فضل من
جهة أنه كان متمكناً من قضائها بغير الطريق المشروع، فالعدول إليه مع ما يعلمه من أنه قد
يستلزم أثقالاً فيه قَصْدُ تَرْكِ المعصية، وعليه يثاب.

سُورَةُ النّورِ
٣٣٤
الآية : ٣٣
الأمر، وهو عندنا أفضلُ من الاشتغال بتعلُّم وتعليم كما في ((درر البحار))(١)،
وأفضل من التخلِّي للنوافل كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ .
وفي بعض معتبراتِ كتبِ الشافعية(٢): أنَّ النكاح مستحبُّ لمحتاج إليه يجدُ
أهبته من مهرٍ وكسوةٍ فصل التمكين ونفقةِ يومه. ولا يستحبُّ لمن في دار الحرب
النكاحُ مطلقاً، خوفاً على ولده التديُّنَ بدينهم والاسترقاقَ، ويتعيَّنُ حملُه على مَن
يَغْلِبْ على ظنِّه الزنى لو لم يتزوج؛ إذ المصلحةُ المحقَّقةُ الناجِزةُ مقدَّمةٌ على
المصلحة المستقبلةِ المتوهَّمة.
وأنه إنْ فَقَدَ الأهبةَ استُحبَّ تركُه؛ لقوله تعالى: (وَلَسْتَعْفِفِ) الآيةَ، ويكسرُ
شهوتَه بالصوم للحديث، وكونُه يثيرُ الحرارةَ والشهوةَ إنما هو بابتدائه، فإن لم
تنكسر به تزوَّج، ولا يكسرُها بنحوِ كافورٍ، فيُكره بل يَحْرُمُ على الرجل والمرأةِ إن
أدَّى إلى اليأس من النسل، وقولُ جمع: إنَّ الحديث يدلُّ على حِلِّ قَطْع العاجز
الباءةَ بالأدوية، مردودٌ، على أنَّ الأدوية خطيرةٌ، وقد استَعْملَ قومٌ الكافورَ فَأَوْرَثَهم
عللاً مزمنةً، ثم أرادوا الاحتيالَ لعَوْدِ الباءةِ بالأدوية الثمينة فلم تنفعهم.
فإنْ لم يَحْتَجْ للنكاح، كُره له إن فَقَدَ الأهبةَ، وإلَّا يَفْقِدْها مع عدم حاجته له
فلا يُكْرَه له؛ لقدرته عليه، ومقاصدُه لا تنحصرُ في الوطء، والتخلِّي للعبادة أفضلُ
منه، فإنْ لم يتعبَّدْ فالنكاحُ أفضلُ في الأصحِّ كما قال النوويُّ(٣)؛ لأنَّ البطالة تُفْضي
إلى الفواحش.
فإن وجد الأهبةَ وبه علَّةٌ، كهرمٍ أو مرضٍ دائم أو تعنُّنِ كذلك، كُرِه له؛ لعدم
حاجته، مع عدم تحصين المرأة المؤدِّي غالباً إلى فسادها، وبه يندفع قولُ
((الإحياء))(٤): يسنُّ لنحوِ الممسوح تشبُّهاً بالصالحين كما يسنُّ إمرارُ الموسَى على
رأس الأصلع. وقولُ الفزاريِّ: أيُّ نهيٍ وَرَدَ في نحوِ المجبوب؟ والحاجةُ لا تنحصرُ
في الجماع.
(١) درر البحار في الفروع للشيخ شمس الدين أبي عبد الله، محمد بن يوسف القونوي الدمشقي
الحنفي، المتوفى سنة (٧٨٨هـ). كشف الظنون ٧٤٦/١. والكلام من حاشية ابن عابدين ٧/٣.
(٢) هو المنهاج وشرحه لابن حجر الهيتمي ١٨٣/٧ - ١٨٧ .
(٣) في المنهاج مع تحفة المحتاج ٧/ ١٨٧ .
(٤) إحياء علوم الدين ٣١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في تحفة المحتاج ٧/ ١٨٧ .

الآية : ٣٣
٣٣٥
سُوَّةُ الَّنُورِ
ولو طرأتْ هذه الأحوالُ بعد العقد، فهل يلْحَقُ بالابتداء أوْ لا لقوة الدوام،
تردّد فيه الزركشيُّ، والثاني هو الوجهُ كما هو ظاهر. انتهى، وفيه ما لم يُتَعَرَّضْ له
في كتب أصحابنا فيما علمتُ، لكن لا تأباه قواعدُنا.
ثم إنَّ الظاهرَ أنَّ الآيةَ خاصةٌ بالرجال، فهم المأمورون بالاستعفاف عند العَجْزِ
عن مَبَادي النكاحِ وأسبابهِ، نعم يمكنُ القولُ بعمومها واعتبارُ التغليب إذا أُرِيدٌ
بالنكاح ما يُنْكَحَ، لكن قد علمتَ ما فيه، ولا تتوقّمَنَّ من هذا أنه لا يُنْدَبُ
الاستعفافُ للنساء أصلاً؛ لظهور أنه قد يُندب في بعض الصور، بل مَن تأمَّل أدنى
تأمُّلٍ يرى جريان الأحكام في نكاحهنَّ، لكنْ لم أرَ مَن صرَّح به من أصحابنا، نعم
نقل بعضُ الشافعية عن ((الأم)) نَذْبَ النكاح للتائقة(١)، وأُلْحِقَ بها محتاجةٌ للنفقة،
وخائفةٌ من اقتحامٍ فَجْرةٍ.
وفي ((التنبيه)): مَن جاز لها النكاحُ إن احتاجته، نُدِب لها(٢)، ونقله الأذرعيُّ عن
أصحاب الشافعي، ثم بحث وجوبَه عليها إذا لم تندفع عنها الفَجْرةُ إلا به، ولا دَخْلَ
للصوم فيها. وبما ذُكر عُلِمَ ضَعْفُ قولِ الزنجانيّ: يُسنُّ لها مطلقاً؛ إذ لا شيءَ
عليها، مع ما فيه من القيام بأمرها وسترها. وقولٍ غيره: لا يُسَنُّ لها مطلقاً؛ لأنَّ
عليها حقوقاً للزَّوج خطيرةً لا يتيسَّر لها القيامُ بها، بل لو علمتْ من نفسها عدمَ
القيام بها ولم تَحْتَجْ له حَرُمَ عليها. اهـ. ولا يَخْفَى أن ما ذَكَره بَعْدَ ((بل)) متَّجهٌ.
واستدلَّ بعضُهم بالآية على بطلان نكاح المتعة؛ لأنه لو صحَّ لم يتعيّن
الاستعفافُ على فاقد المهر، وظاهرُ الآية تعيُّنُه، ولا يلزم من ذلك تحريمُ ملك
اليمين؛ لأنَّ مَن لا يقدر على النكاح لعدم المهر لا يقدر على شراء الجارية غالباً،
ذكره إلْكيًا(٣)، وهو كما ترى.
(١) الأم ١٢٨/٥، ونقله المصنف بواسطة ابن حجر في التحفة ١٨٧/٧، وما سيأتي منه.
(٢) التنبيه للشيرازي ص ١٥٧، ونقله المصنف بواسطة ابن حجر في التحفة ٧/ ١٨٧، وما سيأتي
منه .
(٣) في أحكام القرآن له ٣١٤/٣، وإلْكِيًا هو علي بن محمد بن علي الطبري الهَرَّاسي،
أبو الحسن شيخ الشافعية، ومدرسُ النِّظامية، وله تصانيف حسنة، توفي سنة (٥٠٤هـ).
السير ٣٥٠/١٩.

سُورَةُالَّنُرِ
٣٣٦
الآية : ٣٣
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ﴾ بعد ما أمَرَ سبحانه بإنكاح صالحي المماليكِ الأحقَّاءِ
بالإنكاح، أمرَ جلَّ وعلا بكتابة مَن يستحقُّها منهم؛ ليصير حرّاً فيتصرَّفَ في نفسه،
وأخرج ابنُ السكن في ((معرفة الصحابة))(١) عن عبد الله بن صبيح قال: كنتُ مملوكاً
لحويطب بن عبد العزَّى، فسألته الكتابةَ فأبى، فنزلت: (وَالَّذِينَ يَبْنَغُونَ) إلخ. ويلوحُ
من هذا أنَّ عبد الله المذكورَ أولُ من كوتب، وربما يُتخيَّلُ منه أنَّ الكتابة كانت
معلومةً من قبلُ، لكن نقل الخفاجيُّ عن الدميريِّ أنه قال: الكتابة لفظةٌ إسلاميةٌ،
وأولُ مَن كاتبه المسلمون عبدٌ لعمر ◌َّهِ يسمَّى: أبا أمية (٢).
وصرَّح ابنُ حجرٍ أيضاً بأنها لفظةٌ إسلاميةٌ لا تَعْرِفُها الجاهلية (٣). والله تعالى أعلم.
والكتابُ مصدرُ كاتَبَ كالمكاتبة، ونظيرُه العتابُ والمعاتبة، أي: والذين
يطلبون منكم المكاتبةَ ﴿مَِّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ ذكوراً كانوا أو إناثاً.
وهو عندنا شرعاً: إعتاقُ المملوك يداً حالاً، ورقبةً مالاً، وركنُه: الإيجابُ
بلفظ الكتابة أو ما يؤدِّي معناه، والقبولُ، نحوُ أن يقول المولَى: كاتبتُك على كذا
درهماً تؤدِّيه إليَّ وتعتقُ، ويقول المملوك: قبلتُه، وبذلك يخرج من يد المولى دون
مِلْكِه، فإذا أدَّى كلَّ البدل عتق وخرج من ملكه.
ومعناه: كتب الحروف، أي: جمعها، وإطلاقُه على ما ذكر لأنَّ فيه ضمَّ حرية
اليد إلى حرية الرقبة، أو لأنَّ البدل يكون في الأغلب منجَّماً بنجوم يُضمُّ بعضُها إلى
بعضٍ، أو لأنه يَكتُّبُ المملوكُ على نفسه لمولاه ثَمَنَه، ويكتبّ المولى له عليه
العتق، وهذا أوفق بصيغة المفاعلة، أعني المكاتبةً.
وفي ((إرشاد العقل السليم)) قالوا: معناه: كتبتُ لك على نفسي أن تعتق منِّي إذا
وفيتَ بالمال، وكتبتَ لي على نفسك أن تفيَ بذلك، أو: كتبتُ عليكَ الوفاء
بالمال، وكتبتَ عليَّ العتقَ عنده.
ثم قال: والتحقيقُ أنَّ المكاتبةَ اسمٌ للعقد الحاصل من مجموع كلامي المالك
(١) كما في الدر المنثور ٤٥/٥ .
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ٣٧٧.
(٣) تحفة المحتاج ٣٩٠/١٠.

الآية : ٣٣
٣٣٧
سورة النورِ
والمملوك، كسائرِ العقودِ الشرعية المنعقدة بالإيجاب والقبول، ولا ريب في أنَّ
ذلك لا يصدرُ حقيقةً إلا من المتعاقدَيْنِ، وليس وظيفةُ كلٌّ منهما في الحقيقة إلَّا
الإتيانَ بأحدٍ شطريه مُعْرِباً عمَّا يتمُّ من قِبَله ويَصْدُرُ عنه من الفعل الخاصِّ به، من
غيرِ تعرُّضٍ لِمَا يتمُّ من قِبَلِ صاحبه ويَصْدُرُ عنه من فعله الخاصِّ به، إلَّ أنَّ كلَّا من
ذينك الفعلين لمَّا كان بحيث لا يمكن تحقُّقه في نفسه إلَّا مَنُوطاً بتحقُّقِ الآخَرِ،
ضرورة أنَّ التزامَ العتق بمقابلة البدل من جهة المولى لا يُتصوَّرُ تحقُّقه وتحصُّلُه
إلا بالتزام البَدَلِ من طرف العبد، كما أنَّ عقد البيع الذي هو تمليكُ المبيع بالثمن
من جهة البائع لا يمكنُ تحقُّقه إلَّا بتملُّكه به من جانب المشتري، لم يكن بدٌّ من
تضمين أحدهما الآخَرَ وقتَ الإنشاء، فكما أنَّ قولَ البائع: بعتُ، إنشاءٌ لعقدٍ
البيع، على معنى أنه إيقاعٌ لِمَا يتمُّ من قبله أصالةً، ولِمَا يتم من قِبلِ المشتري
ضمناً، إيقاعاً متوقِّفاً على رأيه توقُّفاً شبيهاً بتوقُّفِ عَقْدِ الفضولي، كذلك قولُ
المولَى: كاتبتُك على كذا، إنشاءٌ لعقد الكتابة، أي: إيقاعٌ لِمَا يتم من قِبَله من
التزام العتق بمقابلة البدل أصالةً، ولِمَا يتمُّ من قِبَلِ العبد من التزام البدل ضمناً،
إيقاعاً متوقفاً على قبوله، فإذا قَبِل تمَّ العقدُ(١). اهـ.
وبه ينحلُّ إشكالٌ صعب واردٌ على إسناد أفعال العقود، وهو أنه إذا كان ركنُ
كلٍّ منها الإيجابُ والقبولُ، يلزمُ أن لا يصحَّ نحوُ: بعتُ كذا بكذا مثلاً؛ لأن
المتكلِّم به لم يُؤْقِع إلا ما يتمُّ مِن قِبَله، وليس ذلك بيعاً شرعيًّا؛ إذ لابد في البيع
الشرعيِّ من فعلٍ آخَرَ، أعني قبولَ المشتري، وهو مما لم يُؤْقِعْه المتكلِّمُ المذكور.
والحاصلُ أنَّ إسنادَ باعَ إلى ضمير المتكلّم يقتضي أنه أوقع البيع، مع أنه لم يُؤْفِعْ
إِلَّا أحدَ ركنيه، فكيف يصحُّ الإسناد؟
ووجهُ انحلالِ هذا بما ذكر ظاهرٌ، إلا أنه أُورِدَ عليه أنَّ فيه دعوى یکذِّبها
وجدانُ كلِّ عاقدٍ عاقلٍ، ألا ترى أنك إذا قلتَ: بعتُ، مثلاً، لا يخطر ببالك إيقاعٌ
ضمنيٍّ منك لشراء غيرك إيقاعاً متوقِّفاً على رأيه أصلاً، بل قُصارى ما يخطر بالبال
إيقاعُه الشراءَ دون إيقاعك لشرائه على نحوٍ فِعْلِ الفضوليِّ، ومَن ادَّعى ذلك فقد
کابر وجدانه.
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٧٢ .

سورةالنورِ
٣٣٨
الآية : ٣٣
وأجيب بأنَّ الأمور الضمنية قد تُعتبر شرعاً وإن لم تُقْصَدْ، كما يرشد إلى ذلك
أنهم اعتبروا في قول القائل لآخر: أعتق عبدك عنِّي بكذا، فأعتقه، البيعَ الضمنيَّ
بُرُكْنيه وإن لم يكن القائل خاطراً بباله ذلك وقاصداً له.
وبُحث فيه بأنهم إنما اعتبروا أولاً العتقَ الذي هو مدلولُ اللفظ والمقصودُ منه
ترجيحاً لجانب الحرية، ثم لمَّا رأوا أنَّ ذلك موقوفٌ على الملكِ الموقوفِ على
البيع حَسبَ العادة الغالبةِ، اعتبروا البيعَ ليتمَّ لهم الاعتبارُ الأولُ، ولم يعتبروه
مدلولاً لِلَفْظِ العتق أصلاً ليشترط القصد وإن أوهمه تسميتُهم إياه بيعاً ضمنيّاً،
بخلاف ما نحن فيه على ما سمعتَ، فإنَّ إيقاع القبول قد توقَّف عليه ماهيةُ البيع
الشرعيّ، واعتُبر مدلولاً ضمنياً له، بحيث صار عندهم - كما يقتضيه ظاهرُ كلام
((الإرشاد)) - نحوُ: بعتُ، بمعنى: أوقعتُ إيجاباً منِّي أصالةً، وقبولاً منك نيابةً،
وظاهرٌ في مثل ذلك تحقُّقُ القَصْدِ، وحيث نُفي بالوجدان قَصْدُ إيقاع القبول نيابةً
عُلِمَ أنه ليس مدلولاً ضمنيًّا .
ومن الناس مَن تَفَصَّى عن الإشكال بالتزام أنَّ البيعَ هو الإيجابُ، والقبول
شَرْطُ صحته، فقولُ القائل: بعتُ، إنشاءٌ لبيع يحتملُ الصحةَ وعدمَها، ومتى قال
الآخرُ: اشتريتُ، تعيَّنتِ الصحةُ، وأنَّ قولهم: ركنُ البيع الإيجابُ والقبولُ من
المسامحات الشائعة.
أو بالتزام أنَّ للبيع ونحوِه إطلاقين، أحدُهما العقدُ الحاصلُ من مجموع
الإيجاب والقبول، كما في نحو قولك: وقع البيع بين زيدٍ وعمرو،
وثانيهما الإيجابُ فقط، كما في نحو قولك: بعتُه كذا فلم يشتر، والبيعُ الدالُّ عليه
(بعثُ)) الإنشائيُّ من هذا القبيل، فلا إشكال في إسناده إلى المتكلِّم، فتأمَّل وتدبَّر.
وفي هذا المقام أبحاثٌ تركناها خوفاً من مزيدِ البُعْدِ عمَّا نحن بصَدَدِهِ، واللهُ
تعالى الموفِّق.
و((الذين)) يحتمل أن يكون في محلِ رفعٍ على الابتداء، والخبرُ قوله تعالى:
﴿فَكَاِبُهُمْ﴾، وهو بتقدير القول، بناءً على المشهور من أنَّ الجملة الإنشائية لا تقعُ
خبراً عن المبتدأ إلَّا كذلك. وقال بعض المحقّقين: لا حاجةَ في مثل هذا إلى
التأويل؛ لأنه في معنى الشرط والجزاءِ، ولذا جيءَ في الخبر بالفاء.

الآية : ٣٣
٣٣٩
سُورَةُ النُّورِ
ويحتمل أن يكون في محلِّ نصبٍ على أنه مفعولٌ لمحذوفٍ يفسِّره المذكور،
والفاءُ فيه لتضمُّن الشرط أيضاً. وفي ((البحر)): يجوز أن تقول: زيداً فاضْرِبْ،
وزيداً اضْرِبْ، فإذا دخلت الفاء كان التقدير: تنبَّه فاضْرِبْ، فالفاء في جواب أمرٍ
محذوفٍ(١). اهـ. وأنت تعلم أنه لا يُحتاج إلى هذا في الآية.
وذكر بعض الأفاضل أنَّ الفاء فيها على الاحتمال الثاني؛ لأنَّ حقَّ المفسِّر أن
يُعْقِبَ المفسّر، والمراد: كتابة بعد كتابة، فإنَّ في الموالي كثرةً، وكذا في
المكاتبين، فليس الأمرُ به للمولى بالنسبة إلى مكاتبٍ واحد. اهـ. وهو يُشْبِهُ الرطانة
بالأعجمية .
والأمرُ للندب على الصحيح. وقيل: هو للوجوب، وهو مذهبُ عطاء
وعمرو بن دينار والضحاك وابن سيرين وداود. وما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن
حميد وابن جريرٍ عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة، فأبيتُ عليه، فأتى
عمر بن الخطاب رَُّه فأقبل عليَّ بالدُّرةِ، وتلا قوله تعالى: (فَكَاِبُهُمْ) إلخ، وفي
رواية: كاتِيْه أو لأَضْرِبِنَّكَ بالدُّرَّةِ(٢) = ظاهرٌ في القول بالوجوب.
وجمهورُ الأئمة كمالكِ والشافعيِّ وغيرِهما على أنَّ المكاتبة بعد الطلب وتحقُّق
الشرط الآتي إن شاء الله تعالى مندوبةٌ، بيدَ أنَّ مَن قال منهم بأنَّ ظاهر الأمر
للوجوب كالشافعيّ لم يقل بظاهره هنا؛ لأنه(٣) بعد الحظر - وهو بيعُ ماله
بماله - للإباحة، وادَّعى أنَّ نَذْبَها من دليلٍ آخر.
وظاهرُ الآيةِ جوازُ الكتابةِ سواءٌ كان البدل حالًا أو مؤجَّلاً، أو منجَّماً أو غيرَ
منجَّم؛ لمكان الإطلاق، وإلى ذلك ذهب الحنفية.
وذهب جمهورُ الشافعية إلى أنه يُشْتَرطُ أن يكون منجَّماً بنجمين فأكثر،
فلا تجوزُ بدون أَجَلٍ وتنجيم مطلقاً. وقيل: إنْ مَلَكَ السيدُ بعضَ العبد وباقيه حرٌّ لم
يُشْتَرِطْ أَجَلٌ وتنجيم. وردَّهَ محقِّقوهم، وأجابوا عن دعوى إطلاقِ الآية بأنَّ الكتابة
(١) البحر ٦/ ٤٥١ .
(٢) بنحوه في مصنف عبد الرزاق (١٥٥٧٨)، وتفسير الطبري ٢٧٦/١٧، وعزاه لعبد بن حميد
السيوطي في الدر ٤٥/٥ وأورده البخاري معلقاً قبل الحديث (٢٥٦٠) بنحوه أيضاً.
(٣) أي: الأمْرَ.

سُودَةُ الَّنُوزِ
٣٤٠
الآية : ٣٣
تُشْعِرُ بالتنجيم فتُغني عن التقييد؛ لأنه (١) يكتب أنه يعتقُ إذا أدَّى ما عليه، ومثلُه
لا يكون في الحال.
واعترضوا أيضاً على القول بصحَّةِ الكتابة الحالَّةِ، بأنَّ الكتابة لو عُقِدَتْ حالَّةً
توجَّهتِ المطالبةُ عليه في الحال، وليس له مالٌ يؤدِّيه فيه، فيعجزُ عن الأداء فيُرَدُّ
إلى الرقُّ، فلا يحصل مقصودُ العقد، وهذا كما لو أسلم فيما لا يوجدُ عند حلولٍ
الأجل فإنه لا يجوز.
وأنت تعلمُ ما في دَعْوَى إشعارِ الكتابة بالتنجيم، وأنها تَضُرُّ الشافعية؛ لأنَّ
التنجيم الذي تُشْعِرُ به الكتابة على زَعْمِهم يتحقَّقُ بنجمٍ واحدٍ، فيقتضي أن تجوزَ به
كما ذهب إليه أكثر العلماء، وهم لا يجوِّزون ذلك، ويشترطون نجمين فأكثر.
وما ذكروه في الاعتراض ليس بشيءٍ؛ فإنه لا عَجْزَ مع أمر المسلمين بإعانته
بالصدقة والهبةِ والقَرْضِ، والقياسُ على السَّلَمِ لا يصحُّ لظهور الفارق، ولعل ما ذكر
کالبیع لمن لا يملك الثمن، ولا شك في صحته، کذا قيل وفيه بحث.
وقال ابن خويز منداد(٢): إذا كانت الكتابةُ على مالٍ معجَّلٍ كانت عتقاً على
مالٍ، ولم تكن كتابةً. والفرقُ بين العتق على مالٍ والكتابةِ مذكورٌ في موضعه.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ أي: أمانةً وقُدْرةً على الكَسْبِ، وبهما(٣) فسَّرَه الشافعيُّ.
وذكر البيضاويُّ أنه روي هذا التفسيرُ مرفوعاً(٤)، وجاء نحوُ ذلك في بعض
الروايات عن ابن عباس.
وفسِّرت الأمانة بعدم تضييع المال، قيل: ويحتمل أن يكون المرادُ بها العدالةَ،
لكنْ يُشتَرَطُ على هذا الاستحباب(٥) المكاتبة أن لا يكون العبد معروفاً بإنفاقٍ ما بيده
بالطاعة؛ لأنَّ مثل هذا لا يُرجى له عتقٌ بالكتابة.
(١) جاء في حاشية (م): أي الشأن.
(٢) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، له كتاب في أحكام القرآن، وآخر في أصول الفقه، وله
أيضاً كتاب كبير في الخلافيات، توفي نحو (٣٩٠هـ). الوافي بالوفيات ٥٢/٢، والديباج
المذهب ٢٢٩/٢، وكلامه في تفسير القرطبي ٢٤١/١٥.
(٣) بعدها في (م): الخير.
(٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٦/ ٣٧٧.
(٥) في (م): الاستحباب، وهو تصحيف، والكلام من تحفة المحتاج ٣٩٠/١٠.