Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ٢٨ ٣٠١ سُودَةُالنِّ فيدخل فربما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحاف. وخيريةُ المفضَّلِ عليه، قيل - على زَعْمِهم - لما في الانتظار من المذلَّةِ، ولعدِّهم(١) تحيةَ الجاهلية حسنةً كما هو عادةٌ الناس اليومَ في قولهم: صباح الخير ومساء الخير. ولعل الأَوْلَى أن يقال: إنَّ ذلك من قَبيلٍ: الخلُّ أحلى من العسل. وجوِّزَ أن يكون ((خير)» صفةً، فلا تقدیر. وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ ﴾﴾ تعليلٌ على ما اختاره جمعٌ لمحذوفٍ، أي: أُرْشِدْتُم إلى ذلك، أو قيل لكم هذا كي تتذكَّروا وتتَّعظوا وتعملوا بموجبه. ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ بأن كانت خاليةً من الأهل ﴿فَلَا نَدْخُلُوهَا﴾ واصبروا ﴿حَقَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ من جهة مَن يملك الإذنَ عند وجدانكم إياه. ووجهُ ذلك أنَّ الدخول في البيوت الخالية من غير إذنٍ سببٌ للقيل والقال، وفيه تصرُّفٌ بملك الغير بغير رضاه، وهو يشبهُ الغَصْبَ. وهذه الآيةُ لبيانٍ حكم البيوت الخالية عن أهلها، كما أنَّ الآية الأولى لبيان حكم البيوتِ التي فيها أهلُها . وجوِّزَ أن تكون هذه تأكيداً لأمر الاستئناس، وأنه لا بدَّ منه والأمرُ دائرٌ عليه، والمعنى: فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذِنينَ، أي: ممن يملكُ الإذنَ فلا تدخلوها .. إلخ، ويفيد هذا حرمةَ دخولٍ ما فيه مَن لا يملك الإذنَ كعبدٍ وصبيٍّ، من دون إذنِ مَن يملكُه. ومَن اختار الأول قال: إنَّ حرمة ما ذُكر ثابتةٌ بدلالة النصّ، فتأمل. وقال سبحانه: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا) إلى آخره، دون: فإن لم يكن فيها أحدٌ؛ لأنَّ المعتبر وجدانُها خاليةً من الأهل مطلقاً، أو ممن يملك الإذنَ، سواءٌ كان فيها أحدٌ في الواقع أم لم يكن، كذا قيل، وعليه فالمرادُ من قولهم في تفسير ذلك: بأن كانت خاليةً، كونُها خاليةً بحسب الاعتقاد، وكذا يقال في نظيره فلا تَغْفَلْ. ثم إنَّ ما أفادته الآيتان من الحُكْمِ قد خصَّصه الشرعُ، فجوَّزَ الدخولَ لإزالةِ (١) في (م): ولعدم، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٧١/٦، والكلام منه . الآية : ٢٩ ٣٠٢ سُورَةُ النّورِ منكرٍ توقَّفتْ على الدخول من غيرِ إذنِ أهل البيتِ، والدخولَ في البيت الخالي لإطفاءِ حريقٍ فيه، أو نحو ذلك. وقد ذكر الفقهاء الصورَ التي فيها الدخولُ من غير إذنٍ ممن يملك الإذنَ، فلتراجع . وقيل: المرادُ بالإذن في قوله سبحانه: (حَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) ما يعمُّ الإذنَ دلالةً وشرعاً، ولذا وقع بصيغة المجهول، وحينئذٍ لا حاجةً إلى القول بالتخصيص، وفيه خفاء. ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ﴾ أي: إن أُمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع - سواءٌ كان الآمر مَن يملك الإذنَ أم لا - فارجعوا ولا تُلِحُوا. ﴿هُوَ﴾ أي: الرجوعُ ﴿أَزْكَ لَكُمْ﴾ أي: أطهرُ مما لا يخلو عنه اللَّجُّ والعنادُ، والوقوفُ على الأبواب - بعد القول المذكور - من دنسِ الدناءة والرذالة. أو: أنفعُ لدينكم ودنياكم، على أنَّ ((أزكى)) من الزكاة بمعنى النمو. والظاهرُ أنَّ صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة. وقيَّدنا الوقوفَ على الأبواب بما سمعتَ؛ لأنه ليس فيه دناءةٌ مطلقاً، فقد روي عن ابن عباس ﴿ها أنه كان يأتي دورَ الأنصار لطلب الحديث، فيقعُدُ على الباب ولا يستأذِنُ حتى يخرج إليه الرجلُ، فإذا خرج ورآه قال: يا ابن عمِّ رسول الله، لو أخبرتني بمكانك. فيقول: هكذا أُمرنا أن نطلب العلم. وكأنه ◌َّهُ عَذَّ ذلك من التواضُع، وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم، وقد أعطاني الله عزَّ وجلَّ نصيباً وافياً منه، فكنتُ أكثر التلامذةِ تواضُعاً وخدمةً للمشايخ، والحمد لله تعالى على ذلك. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٨) فيعلم ما تأتون وما تَذَرون مما كلٌّفْتُموه، فیجازیکم عليه. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَّدْخُلُواْ﴾ أي: بغير استئذانٍ ﴿يُوتًا غَرَ مَسْكُوْنَةٍ﴾ أي: موضوعةٍ لسُكْنَى طائفةٍ مخصوصةٍ فقط، بل ليتمتَّع بها مَن يحتاجُ إليها كائناً مَن كان، من غيرٍ أن يتَّخذها سكناً، كالرُّبُط والخانات والحوانيت والحمامات الآية : ٢٩ ٣٠٣ سُورَةُ الَّنُوزِ وغيرها، فإنها مُعدَّةٌ لمصالح الناس كافةً كما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَحُ لَكُمَّ﴾ فإنه صفةٌ للبيوت، أو استئنافٌ جارٍ مجرى التعليلِ لنفي الجناح، أي: فيها حقُّ تمتُّعِ لكم، كالاستكنان من الحرِّ والبرد، وإيواءِ الأمتعة والرِّحال، والشراء والبيع والاغتسال، وغيرِها مما يليقُ بحال البيوت وداخليها، فلا بأس بدخولها من غيرٍ (١) استئذانٍ من داخِليها من قبلُ، ولا ممن يتولَّى أمرها ويقومُ بتدبيرها . وأخرج ابن أبي حاتم (٢) عن مقاتل، أنه لما نزل قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُواْ) إلخ قال أبو بكر رَله: يا رسول الله، فكيف بتجَّارٍ قريشٍ الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوتٌ معلومةٌ على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلِّمون وليس فيها سكان؟ فرخّص سبحانه في ذلك، فأنزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ) إلخ. وعَنَى الصدِّيقُ ظُه بالبيوت المعلومة: الخاناتِ التي في الطرق، وهي في الآية أعمُّ من ذلك، ولا عبرةَ بخصوص السبب، فما روي عن ابن جبير ومحمد بن الحنفية والضخّاك وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل. وكذا ما أخرجه جماعةٌ عن عطاء، وعبد بنُ حُميد [عن عكرمة] (٣) وإبراهيمَ النخعيِّ أنها البيوتُ الخربةُ التي تُدْخَلُ للتبرُّز. وأمَّا ما روي عن ابن الحنفية أيضاً من أنها دورُ مكةً، فهو من باب التمثيل أيضاً، لكنَّ صحةَ ذلك مبنيّةٌ على القول بأنَّ دُورَ مكةَ غيرُ مملوكةٍ، والناسُ فيها شركاء، وقد علمتَ ما في المسألة من الخلاف (٤). وأخرج أبو داود في ((الناسخ)) وابنُ جريرٍ عن ابن عباس، أنَّ قوله سبحانه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنًا عَبْرَ بُيُوتِكُمْ حَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَّ أَهْلِهَاً) قد نُسخ بقوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَيْكُرُ جُنَاحُ) إلخ، واستُثنيَ منه البيوتُ الغيرُ (١) في (م): بغير. (٢) في تفسيره ٨/ ٢٥٧٠. (٣) ما بين حاصرتين من الدر المنثور ٤٠/٥، وعنه نقل المصنف جميع ما ذكر من أخبار. (٤) ينظر ما سلف ٢٨٨/١٧، وما بعد. سورة النورِ ٣٠٤ الآية : ٣٠ المسكونةِ(١). ورُوي حديثُ الاستثناء عن عكرمة والحسن، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ خبرِ مقاتل، وإليه ذهب الزمخشريّ (٢). وتعقّبه أبو حيان(٣) بأنه لا يظهر ذلك؛ لأنَّ الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونةِ، وهذه الآيةُ في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحدٍ دون واحد. والذي يقتضيه النظرُ الجليل أنَّ البيوت فيما تقدَّم أعمُّ من هذه البيوت، فيكون ما ذكر تخصيصاً لذلك، وهو المعنيُّ بالاستثناء، فتدبَّر ولا تَغْفَلْ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٣)﴾ وعيدٌ لمن يدخل مدخلاً من هذه المداخل لفسادٍ أو اطّلاعٍ على عوراتٍ. ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ﴾ شروعٌ في بيان أحكام كلِّيةٍ شاملةٍ للمؤمنين كافَّةً يندرجُ فيها حكمُ المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجاً أولياً. وتلوينُ الخطاب وتوجيهُه إلى رسول الله وَّة، وتفويضُ ما في حيِّزه من الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة والسلام؛ قيل: لأنها تكاليفُ متعلِّقةٌ بأمورٍ جزئيةٍ كثيرةٍ الوقوع، حَرِيَّةٍ بأن يكون الآمرُ بها والمتصدِّي لتدبيرها حافظاً ومُهيمناً عليهم. وقيل: إنَّ ذلك لِمَا أنَّ بعض المؤمنين جاء إلى رسول الله وَّهِ كالمستدعي لأنْ يقول له ما في حيِّز القول. فقد أخرج ابن مردويه(٤) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: مرَّ رجلٌ على عهد رسول الله وَّهِ في طريقٍ من طرقاتِ المدينة، فنظر إلى امرأةٍ ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلَّا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائطٍ وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشقَّ أنفه، فقال: واللهِ لا أغسلُ الدَّمَ حتى آتيَ رسولَ اللهِ نَّهِ فَأَخْبِرَه أمري. فأتاه فقصَّ عليه قصته، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((هذا عقوبةُ ذنبك))، وأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ﴾ . (١) تفسير الطبري ٢٤٢/١٧ و٢٥٣، وعزاه لأبي داود السيوطي في الدر ٤٠/٥. (٢) في الكشاف ٦٠/٣. (٣) في البحر ٤٤٦/٦. (٤) كما في الدر المنثور ٤٠/٥ . الآية : ٣٠ ٣٠٥ سُورَةُ النودِ ومفعولُ القول مقدَّرٌ، و((يغضُّوا)) جوابٌ لـ ((قل))، لتضمُّنه معنى حرفِ الشرط، كأنه قيل: إن تَقُلْ لهم غُضُّوا يغضُّوا، وفيه إيذانٌ بأنهم لفَرْطِ مطاوعتهم لا ينفكُ فِعْلُهم عن أمره عليه الصلاة والسلام، وأنه كالسبب الموجب له، وهذا هو المشهور. وجوِّز أن يكون ((يغضُّوا)) جواباً للأمر المقدَّرِ المقولِ للقول. وتعقّب بأن الجواب لا بدَّ أن يخالف المجابَ؛ إما في الفعل والفاعل نحو: ائتني أُكْرِمْكَ، أو في الفعل نحو: أَسْلِمْ تَدْخُلِ الجنةَ، أو في الفاعل نحو: قم أَقُمْ. ولا يجوز أن يتوافقا فيه. وأيضاً الأمرُ للمواجهة، و((يغضُّوا)) غائبٌ، ومثلُه لا يجوز. وقيل عليه: إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل ((مَن كانت هجرتُه)) الحديثَ(١). ولا نسلِّم أنه لا يجاب الأمرُ بلفظ الغيبة إذا كان محكيّاً بالقول؛ لجواز التلوين حينئذٍ، وفيه بحثٌ. ومَن أَنْصَفَ لا يرى هذا الوجهَ وجيهاً، وهو على ما فيه خلافُ الظاهر جدًّا. وجوَّز الطبرسيُّ(٢) وغيرُه أن يكون (يغضُّوا)) مجزوماً بلام أمرٍ مقدَّرةٍ لدلالةِ ((قل))، أي: قل لهم ليغضوا، والجملةُ نصبٌ على المفعولية للقول. وغضُّ البصر: إطباقُ الجفن على الجفن. و((مِن)) قيل: صلة، وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام، والجوازُ مذهبُ الأخفش(٣). وقال ابن عطيةً: يصحُّ أن تكون ((من)) لبيان الجنس، ويصحُّ أن تكون لابتداءٍ الغاية(٤). وتعقّبه في ((البحر)) بأنه لم يتقدَّم مبهمٌ لتكون ((من)) لبيان الجنس، على أنَّ الصحيحَ أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيانِ الجنس(٥). انتهى. (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٠٠)، والبخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر به، وسلف ٤١٢/٢. والشاهد في هذا الحديث هو أن الشرط والجزاء قد اتَّحدا صورةً وتغايرا حقيقة . (٢) في مجمع البيان ٣٦/١٨. (٣) ينظر معاني القرآن له ١/ ٢٧٢. (٤) المحرر الوجيز ٤ / ١٧٧ . (٥) البحر ٦/ ٤٤٧. ٦ سُودَةُالنّورِ ٣٠٦ الآية : ٣٠ والجلُّ على أنها هنا تبعيضيةٌ، والمراد غضُّ البصر عمَّا يحرمُ، والاقتصارُ به على ما يحلُّ، وجُعل الغضُّ عن بعض المُبْصَرِ غضَّ بعضٍ البصر، وفيه كما في ((الکشف)» کنایٌ حسنة. ثم إنَّ غضَّ البصرِ عمَّا يَحْرُمُ النظرُ إليه واجبٌ، ونظرةُ الفجأة التي لا تعمُّدَ فيها معفوٌّ عنها، فقد أخرج أبو داود والترمذيُّ وغيرُهما عن بُريدةَ تَظ ◌ُبه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنَّ لك الأولى وليست لك الآخِرة))(١). وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غضِّ البصر لِمَا في ذلك من سدٍّ باب الشرِّ، فإنَّ النظر بابٌ إلى كثيرٍ من الشرور، وهو بريدُ الزنى ورائدُ الفجور، وقال بعضهم: ومعظمُ النارِ من مُسْتصْغَرِ الشَّرَرِ كلُّ الحوادثِ مَبْدَاها من النظر في أَعْيُنِ العِينِ موقوفٌ على الخَطَرِ والمرءُ ما دام ذا عينٍ يقلِّبها فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وَتَّرِ كم نظرةٍ فَعَلتْ في قلب فاعِلِها لا مرحباً بسرورٍ عاد بالضَّرَرِ يسرُّ ناظرَه ما ضرَّ خاطِرَه والظاهرُ أنَّ الإرشاد لكلِّ واحدٍ من المؤمنين، ولفظُ الجمع لا يأبى ذلك. والظاهرُ أيضاً أنَّ المؤمنين أعمُّ من العبَّادِ وغيرِهم، وزَعَم بعضُهم جوازَ أن يكون المرادُ بهم العبّادَ والمؤمنين المخلصين، على أن يكون المعنى: قل للمؤمنين الكاملين يغضُّوا من أبصارهم. ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ أي: عمَّا لا يحلُّ لهم من الزنى واللِّواطة، ولم يؤتَ هنا بـ ((من)) التبعيضيةِ كما أُتي بها فيما تقدَّم؛ لِمَا أنه ليس فيه حسنُ كنايةٍ كما في ذلك. وفي ((الكشاف)): دخلت ((من)) في غضِّ البصر دون حفظ الفرج دلالةً على أنَّ أمر النظر أوسعُ، ألا ترى أنَّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورِهِنَّ وصُدورِهنَّ ونَدْيِهِنَّ وأعضادِهنَّ وسُوقِهِنَّ وأقدامهنَّ، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفّيها وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمرُ الفَرْجِ فمضيَّقٌ، (١) سنن أبي داود (٢١٤٩)، وسنن الترمذي (٢٧٧٧)، وهو عند أحمد (٢٢٩٧٤). قال الترمذي: حديث حسن غريب. الآية : ٣٠ ٣٠٧ سُودَةُ الَّنُوزِ وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلَّا ما استُثْنِيَ منه، وحُظِرَ الجماعُ إلا ما استُنْنِيَ منه(١). انتھی . وقال صاحب ((الفرائد)): يمكن أن يقال: المراد غضُّ البصر عن الأجنبية، والأجنبيةُ يحلُّ النظر إلى بعضها، وأمَّا الفرجُ فلا طريقَ إلى الحِلِّ فيه أصلاً بالنسبة إلى الأجنبية، فلا وجهَ لدخول ((مِن)) فيه، وفيه تأمُّلٌ. وقيل: لم يؤتَ بـ ((من)) هنا لأنَّ المراد من حفظ الفروج سترُها؛ فقد أخرج ابن المنذر(٢) وجماعةٌ عن أبي العالية أنه قال: كلُّ آيَةٍ يُذْكَرُ فيها حفظُ الفرج فهو من الزنى، إلا هذه الآيةَ في ((النور)): (وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ) (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) فهو أن لا يراها أحد. وروي نحوُه عن ابن زيد(٣)، والسترُ مأمورٌ به مطلقاً. وتعقّب بأنه يجوز الكشفُ في مواضع، فلو جيء بـ ((من)) لكان فيه إشارةٌ إلى ذلك، وتفسيرُ حِفْظِ الفروج هنا خاصةً بسترها؛ قيل: لا يخلو عن بُعْدٍ؛ لمخالفته لِمَا وقع في القرآن الكريم كما اعترف به مَن فسَّره بما ذكر. واختار بعض المدققين أنَّ المراد من ذلك حفظُ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا يحلُّ، وحفظُها عن الإبداء؛ لأنَّ الحفظ لعدم ذكر صلته يتناولُ القسمين. وذُكر أنَّ الحفظ عن الإبداء يستلزمُ الآخَرَ من وجهين: عدمٍ خلوِّه عن الإبداء عادةً، وكونِ الحِفْظِ عن الإبداء - بل الأمر بالتستُّرِ مطلقاً - للحفظ عن الإفضاء، ومن هنا تعلم أنَّ مَن ضعَّف ما روي عن أبي العالية وابنِ زيد بعدم تعرُّضِ الآية عليه بحفظ الفرج عن الزنى لم يُصِبِ المَحَزّ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الغضِّ والحفظ ﴿أَكَ لَمْ﴾ أي: أطهرُ من دَنَسٍ الريبة، أو أنفعُ من حيث الدِّينُ والدنيا، فإنَّ النظر بريدُ الزنى، وفيه من المَضَارِّ الدينية والدنيوية(٤) ما لا يخفى. (١) الكشاف ٣/ ٦٠. (٢) كما في الدر المنثور ٥/ ٤٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٥٥/١٧. (٣) في الأصل و(م): أبي زيد، وهو تصحيف، والمثبت من البحر ٦/ ٤٤٧، وسيأتي قريباً على الصواب. (٤) في (م): الدينية أو الدنيوية. سُودَةُ الَّنُزِ ٣٠٨ الآية : ٣١ وأفعل للمبالغة دون التفضيل. وجوِّز أن يكون للتفضيل، على معنى: أزكى مِن كلِّ شيءٍ نافعٍ أو مبعد عن الريبة. وقيل: على معنى أنه أنفع من الزنى والنظرٍ الحرام، فإنهم يتوهّمون لذةَ ذلك نفعاً. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ مما يصدر عنهم من الأفاعيل، التي من جملتها إجالةُ النظر واستعمالُ سائرِ الحواسِّ، وتحريكُ الجوارح، وما يقصدون بذلك، فليكونوا على حذرٍ منه عزَّ وجلَّ في كلِّ ما يأتون وما يَذَرون. ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ﴾ فلا ينظرْنَ إلى ما لا يَحِلُّ لهنَّ النظرُ إليه، كالعورات من الرجال والنساء، وهي ما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وفي ((الزواجر)) لابن حجر المكِّيِّ: كما يحرُمُ نظرُ الرجل للمرأة يَحْرُمُ نظرُها إليه ولو بلا شهوةٍ ولا خوفٍ فتنة، نعم إن كان بينهما محرميَّةُ نسبٍ أو رضاع أو مصاهرةٍ نظر كلٌّ إلى ما عدا ما بين سُرَّةِ الآخَرِ وركبته (١). والمذكورُ في بعض كتب الأصحاب: إن كان نظرُها إلى ما عدا ما بين السُّرةِ والركبة بشهوةٍ حرمَ، وإن بدونها لا يحرم. نعم غضُّها بصرَها من الأجانب أصلاً أَوْلَى بها وأحسنُ، فقد أخرج أبو داود، والترمذيُّ وصحَّحه، والنسائيُّ، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن أمِّ سلمةً أنها كانت عند رسول الله ◌َ له وميمونةَ قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابنُ أمِّ مكتوم، فدخل عليه عليه الصلاة والسلام، فقال رسول الله وَله: ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله، هو أعمى لا يبصر. قال: ((أفعمياوان أنتما، ألستُما تبصرانه؟))(٢) واسْتَدَلَّ به مَن قال بحرمة نظر المرأة إلى شيءٍ من الرجل الأجنبيِّ مطلقاً . (١) الزواجر ٣/٢. (٢) سنن أبي داود (٤١١٢)، وسنن الترمذي (٢٧٧٨)، وسنن النسائي الكبرى (٩١٩٧)، وسنن البيهقي ٩١/٧-٩٢، وهو من طريق الزهري، عن نبهان مولى أمِّ سلمة، عن أم سلمة. قال النسائي: ما نعلم أحداً روى عن نبهان غير الزهري. اهـ. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم ٢٧١/٤: هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته فذلك تغليظ منه على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب. اهـ. وهو معارَضٌ بما أخرجه أحمد (٢٧٣٢٧)، ومسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس، أن النبي و ﴿ قال لها: ((اعتدِّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك)). وينظر التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٥٤. الآية : ٣١ ٣٠٩ ولا يَبْعدُ القولُ بِحُرمة نظرِ المرأةِ المرأةَ إلى ما عدا ما بين السرَّةِ والركبة إذا كان بشهوةٍ، ولا تَسْتَبْعِدْ وقوعَ هذا النظرِ؛ فإنه كثيرٌ ممَّن يستعملنَ السحاقَ من النساء، والعياذ بالله تعالى. ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أي: عمَّا لا يحلُّ لهنَّ من الزنى والسِّحاق، أو من الإبداء، أو مما يعمُّ ذلك والإبداء. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: ما يتزيَّنَّ به من الحليِّ ونحوه ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: إلَّا ما جَرتِ العادةُ والجِبِلَّةُ على ظهوره، والأصلُ فيه الظهورُ كالخاتم والفَتْخة(١) والكحل والخضاب فلا مؤاخذةَ في إبدائه للأجانب، وإنما المؤاخذةُ في إبداء ما خفي من الزينة كالسِّوارِ والخلخال والدُّمْلُج والقلادة والإكليل والوشاح والقُرْط . وذِكْرُ الزينة دون مواقعِها للمبالغة في الأمر بالتستُّر؛ لأن هذه الزِّيَنَ واقعةٌ على مواضعَ من الجسد لا يحلُّ النظر إليها إلا لمن استثني في الآية بعدُ، وهي الذراعُ والساقُ والعَضُدُ والعنقُ والرأسُ والصَّدرُ والأذنُ، فَنَهَى عن إبداءِ الزين نفسِها ليعلم أنَّ النظر إذا لم يحلَّ إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غيرَ مُلابِسٍ لها - كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق - لا مقال في حلِّه، كان النظرُ إلى المواقع أنفسِها متمكناً في الحظر، ثابتَ القدم في الحرمة شاهداً على أنَّ النساء حقّهنَّ أن يَحْتَظْنَ في سترها، ويثَّقينَ الله تعالى في الكشف عنها. كذا في ((الكشاف))(٢). وهو على ما قال الطيبيُّ مشعرٌ بأنَّ ما ذكر من باب الكناية، على نحو قولهم: فلانٌ طاهرُ الجيب طاهرُ الذیل. وقال صاحب ((الفرائد)): هو من باب إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ، فالمراد بالزينة مواقعُها، فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص لا (٣) بدلالته، وهي أقوى. وفيه بحثٌ. وقيل: الكلامُ على تقدير مضاف، أي: لا يبدينَ مواقعَ زينتهن. (١) بسكون التاء ويحرك: خاتم كبير يكون في اليد والرجل. القاموس (فتخ). (٢) ٣/ ٦١. (٣) قوله: لا، ساقط من (م). سُورَةُ اللَّنودِ ٣١٠ الآية : ٣١ وقال ابن المنير: الزينةُ على حقيقتها، وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله عز وجل: (وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) الآيةَ يحقِّق أن إبداء الزينة مقصودٌ بالنهي(١). وأيضاً لو كان المرادُ من الزينة موقعَها للَزِمَ أن يحلَّ للأجانب النظرُ إلى ما ظهر من مواقع الزِّيَن الظاهرة، وهذا باطل؛ لأنَّ كلَّ بدنِ الحرّة عورةٌ لا يحلُّ لغير الزوج والمَحْرَمِ النظر إلى شيءٍ منها إلا لضرورة، كالمعالجة وتحمُّل الشهادة. وأنت تعلم أنَّ ابن المنير مالكيٍّ، وما ذكره مبنيٌّ على مذهبه، وما ذكره الزمخشريُّ مبنيٌّ على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة، من أنَّ مواقع الزِّيَنِ الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورةٍ مطلقاً(٢)، فلا يحرمُ النظر إليها، وقد أخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقيُّ عن عائشة ◌َّا، أنَّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيِّ وَّهِ وعليها ثيابٌ رقاقٌ، فأعرض عنها وقال: ((يا أسماء، إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المَحِيضَ لَمْ يَضْلُحْ أنْ يُرَى منها إلَّا هذا)» وأشار إلى وجهه وكفِّه ◌ِ(٣). وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: رِقعةُ الوجهِ وباطنُ الكفّ. وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجهُ والكفَّانِ(٤). ولعل القدمين عندهما كالكفَّين، إلَّا أنهما لم يذكراهما اكتفاءً بالعلم بالمقايَسةِ، فإنَّ الحرج في سترهما أشدُّ من الحرجِ في ستر الكفَّين، لا سيما بالنسبة (١) كلام ابن المنير في الانتصاف ٦١/٣ إلى هذا الموضع، وما بعده ذكره عنه الشهاب في الحاشية ٦/ ٣٧٣. (٢) جاء في حاشية (م): وفي رواية أن الذراعين ليستا بعورة. اهـ منه. (٣) سنن أبي داود (٤١٠٤)، وسنن البيهقي ٢٢٦/٢ و٨٦/٧ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك عن عائشة ﴿يا. قال أبو داود: هذا مرسل؛ خالد بن دريك لم يدرك عائشة. اهـ. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٥٨/٦: في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري، وقد تكلم فيه غير واحد، وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث وقال: لا أعلم مَن رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه: عن خالد بن دريك عن أم سلمة، بدل: عائشة. (٤) الخبران في مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٣/٤ و٢٨٤. الآية : ٣١ ٣١١ سورةالنورِ إلى أكثر نساءِ العرب الفقيرات، اللاتي يمشينَ لقضاء مصالحهنَّ في الطرقات. ومذهبُ الشافعيِّ عليه الرحمة كما في ((الزواجر)) أنَّ الوجه والكفَّين ظَهْرَهما وبطْنَهما إلى الكوعين عورةٌ في النظر من المرأة ولو أمةً على الأصحِّ، وإن كانا ليسا عورةً من الحرَّة في الصلاةُ(١). وفي ((المنهاج)) وشَرْحِه لابن حجر في باب شروط الصلاة: عورةُ الأَمةِ ولو مبعضةً ومكاتَبةً وأمَّ ولدٍ كعورة الرجل ما بين السرَّةِ والركبة في الأصحِّ، وعورةٌ الحرَّةِ - ولو غيرَ مميِّزةٍ - والخنثى الحرِّ ما سوى الوجهِ والكفَّين، وإنما حرم نظرُهما كالزائد على عورةِ الأمة؛ لأن ذلك مظنةٌ للفتنة، ويجب في الخلوة سترُ سوأة الأَمةِ كالرجل، وما بين سرَّةٍ وركبةِ الحرَّةِ فقط، إلا لأدنى غرضٍ كتبريد وخشية غبارٍ علی ثوبٍ تجمُّل(٢). انتهى. وذكر في ((الزواجر)) حُرْمةَ نظرٍ سائرٍ ما انفصل من المرأة؛ لأنَّ رؤيةَ البعض ربَّما جرَّ إلى رؤية الكلِّ، فكان اللائقُ حرمةَ نَظَرِه أيضاً، بل قال: حرَّم أَئمتنا النظرَ القُلامةِ ظفرِ المرأة المنفصلةِ ولو من يدها(٣). وذهب بعضُ الشافعية إلى حِلِّ النظر إلى الوجه والكفِّ إنْ أُمنتِ الفتنةُ، وليس بمعوَّلٍ عليه عندهم. وفسَّر بعضُ أجِلَّتهم ((ما ظهر)) بالوجه والكفَّين بعد أن ساق الآية دليلاً على أنَّ عورة الحرَّة ما سواهما، وعلَّل حُرْمةَ نظرِهما بمَظِنَّةِ الفتنة، فدلَّ ذلك على أنه ليس كلُّ ما يحرُم نظرُه عورةً. وأنت تعلم أنَّ إباحة إبداءِ الوجه والكفَّين حَسْبَما تقتضيه الآيةُ عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقاً في غاية البُعد، فتأمَّل. واعلم أنه إذا كان المرادُ النهي عن إبداء مواقع الزينة، وقيل بعمومها الوجه والكفين، والتُزِمَ القولُ بكونهما عورةً، وحرمة إبدائهما لغير مَن استثني بعدُ، يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهاً) من الحُكْم الثابت بطريق (١) الزواجر ٣/٢. (٢) تحفة المحتاج ١١٠/٢-١١١. (٣) الزواجر ٣/٢، وفيه :.... ولو مع يدها. سُودَةُالنّدِ ٣١٢ الآية : ٣١ الإشارة، وهو المؤاخَذَةُ في دار الجزاء، ويكون المعنى: أن ما ظهر منها من غير إظهارٍ - كأنْ كَشْفَتْه الريحُ مثلاً - فهنَّ غيرُ مؤاخذاتٍ به في دار الجزاء، وفي حُكْم ذلك ما لزم إظهارُه لنحوِ تحمُّلِ شهادةٍ ومعالجةٍ طبيب. وروى الطبرانيُّ والحاكم وصحَّحه وابن المنذر وجمعٌ آخرون عن ابن مسعود: أنَّ ((ما ظهر)) الثيابُ والجلباب(١). وفي روايةِ الاقتصارُ على الثياب(٢)، وعليها اقتصر أيضاً الإمامُ أحمد، وقد جاء إطلاقُ الزينة عليها في قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] على ما في ((البحر))(٣). وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أنَّ ((ما ظهر)): الكحلُ والخاتم والقرط والقلادة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه الكفُّ وثغرةُ النَّحْرِ (٤). وعن الحسن: أنه الخاتمُ والسِّوَار. وروي غيرُ ذلك. ولا يخفى أنَّ بعض الأخبار ظاهرٌ في حمل الزينة على المعنى المتبادِرِ منها، وبعضُها ظاهرٌ في حَمْلِها على مواقعها، وقال ابن بحر: الزينةُ تقعُ على محاسنِ الخَلْقِ التي فعلها الله تعالى، وعلى ما يُتزيّن به من فضل لباس. والمراد في الآية النهيُ عن إبداء ذلك لمن ليس بمَحْرَم، واستثني ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف. وأنكر بعضهم إطلاقَ الزينة على الخِلْقَةِ، قال في (البحر))(٥): والأقربُ دخولُها في الزِّيَن، وأيُّ زينةٍ أحسنُ من الخِلْقةِ المعتدلة؟! ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَى جُوبِنَّ﴾ إرشادٌ إلى كيفية إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها، والخُمُرُ جمعُ خمار، ويُجمع في القلّة على أَخْمِرةٍ، وكِلَا (١) المعجم الكبير (٩١١٧)، وشرح معاني الآثار ٣٣٢/٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٤١/٥. وهو في المستدرك ٣٩٧/٢ دون قوله: والجلباب، وهي رواية ستأتي لاحقاً. (٢) أخرجها ابن أبي شيبة ٢٨٣/٤، والطبراني في الكبير (٩١١٥)، والحاكم ٣٩٧/٢. (٣) ٦/ ٤٤٧، وعنه نقل المصنف قول أحمد. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٥/٤. (٥) ٦ /٤٤٨، وعنه نقل المصنف قول ابن بحر. الآية : ٣١ ٣١٣ سُود ◌ُالنّورِ الجمعين مَقيسٌ، وهو المِقْنَعةُ(١) التي تُلقيها المرأةُ على رأسها، من الخَمْر وهو الستر. والجيوب جمعُ جيـٍ وهو فتحِّ في أعلى القميص يبدو منه بعضُ الجسد، وأصلُه ـ على ما قيل - من الجيب بمعنى القطع، وفي ((الصحاح)): تقول: جُبْتُ القميصَ أَجُوبُه وأَجِيبُه، إذا قوَّرْتَ جيبه، قال الراجز: جَيْبَ البِيَظْرِ مِذْرَعَ الهُمَامِ(٢) باتَتْ تَجِيْبُ أَدْعَجَ الظلامِ وإطلاقُه على ما ذُكِرَ هو المعروفُ لغةً، وأمَّا إطلاقُه على ما يكون في الجَنْبِ لوضع الدراهم ونحوِها - كما هو الشائعُ بيننا اليوم - فليس من كلام العرب كما ذكره ابن تيميةَ، لكنه ليس بخطأ بحَسَبِ المعنى. والمراد من الآية كما رَوَى ابنُ أبي حاتم(٣) عن ابن جبير: أَمْرُهنَّ بسترٍ نُحورِهنَّ وصدورِهنَّ بخُمُرِهنَّ لئلّا يُرى منها شيءٌ، وكان النساء يغطِينَ رؤوسهنَّ بالخُمرِ ويُسْدِلْنَها كعادةِ الجاهلية من وراء الظهر، فيبدو نحورُهنَّ وبعضُ صدورهنَّ. وصحَّ أنه لمَّا نزلت هذه الآيةُ سارَعَ نساءُ المهاجرين إلى امتثالِ ما فيها، فَشَقَقْنَ مُرُوطَهنَّ فاخْتَمرْنَ بها (٤)، تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله تعالى من كتابه. وعدِّي ((يضرب)) بـ ((على)) - على ما قال أبو حيَّان - لتضمينه معنى الوضعِ والإلقاء(٥). وقيل: معنى الشد. وظاهرُ كلام الراغب أنه يتعدّى بـ ((على)) بدون .(٦) تضمین(٦) . (١) المِقْنَعة والمِقْنَع: ما تقنِّح به المرأة رأسها. القاموس (قنع). (٢) الصحاح (جوب). وذكر البيت أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٢١٨/١١، وصاحب اللسان (جوب) و(بيطر)، وفيه: البِيَطر: الخياط. (٣) في تفسيره ٢٥٧٦/٨. (٤) صحيح البخاري (٤٧٥٨) من حديث عائشة ها. (٥) البحر ٤٤٨/٦. (٦) مفردات الراغب (ضرب). سُوَرَّةُ النّورِ ٣١٤ الآية : ٣١ وقرأ عيّاش عن أبي عمرو: ((ولِيَضْرِبْنَ)) بكسر اللام(١). وطلحة: ((بخُمْرِهنَّ)) بسکون الميم(٢). وقرأ غيرُ واحد من السبعة: ((جيوبهنَّ) بكسر الجيم(٣)، والضمُّ هو الأصل لأنَّ فَعْلاً يُجمَعُ على فُعول في الصحيح والمعتلِّ، كفُلوس وبيوت، والكسرُ لمناسبة الياء، وزعم الزجَّاج أنها لغةٌ رديئة(٤). ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرِّر النهيُ لاستثناءِ بعض موادِّ الرخصة عنه باعتبارٍ الناظر، بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضرورة باعتبار المنظور: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجِهنَّ، فإنهم المقصودون بالزينة، والمأموراتُ نساؤهم بها لهم، حتى إنَّ لهم ضَرْبَهنَّ على تَرْكها، ولهم النظرُ إلى جميع بدنهنَّ حتى المحلّ المعهود، كما في ((إرشاد العقل السليم))(٥) .. وكَرِهَ النظرَ إلى ذلك أكثرُ الشافعية، وحرَّمه بعضُهم. وقيل: إنه خلافُ الأَوْلَى، وهو - على ما قال الخفاجيُّ - مذهب الحنفية، وتفصيلُه في ((الهداية))(٦). وفيما ذكرنا إشارةٌ إلى وجه تقديم ((بعولتهنَّ). ﴿أَوْ ءَبَِّهِنَ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِنَ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَيِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ﴾ لكَثْرَةِ المخالطةِ الضروريةِ بينهم وبينهنَّ، وقلَّةِ توقَّعِ الفتنة مِن قِبَلهم، ولهم أن ينظروا منهنَّ ما يبدو عند المهنةِ والخدمة. وهذا الحكمُ ليس خاصَّاً بالآباء الأقربين، بل آباءُ الآباء وإن عَلَوْا كذلك، ومِثْلُهم آباءُ الأمَّهات، وكذا ليس خاصّاً بالأبناء والبنين الصُّلْبِينَ، بل يعمُّهم وأبناءَ الأبناءِ وبني البنينَ وإن سفلوا . (١) القراءات الشاذة ص ١٠١، والبحر ٤٤٨/٦. (٢) البحر ٤٤٨/٦ . (٣) هي قراءة ابن كثير وابن ذكوان وحمزة والكسائي. التيسير ص١٦١، والنشر ٢٢٦/٢. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٨/٤، وقوله فيه: وذلك عند البصريين رديٌ جدّاً؛ لأنه ليس في كلام العرب فِعول بكسر الفاء. (٥) ٦ /١٧٠. (٦) حاشية الشهاب ٦/ ٢٧٣، وفتح القدير ١٠٥/٨ . الآية : ٣١ ٣١٥ سورةالنورِ والمرادُ بالإخوان ما يشملُ الأعيانَ، وهم الإخوةُ لأبٍ واحدٍ وأمِّ واحدة، وبني العلَّاتِ وهم أولادُ الرجل من نسوةٍ شتَّى، والأخيافِ وهم أولادُ المرأة من آباءِ شتَّى، ونظيرُ ذلك يقال في الأخوات. واستُعْمِلَ ((بني)) معهم دون أبناء لأنه أوفقُ بالعموم، وأكثرُ استعمالاً في الجماعة ينتمون إلى شخصٍ مع عدم اتِّحاد صنفٍ قرابتهم فيما بينهم، ألا ترى أنك كثيراً ما تسمع: بني آدم وبني تميم، وقلَّما تسمع: أبناء آدم وأبناء تميم، وفيما نحن فيه قد يجتمع للمرأة ابنُ أخٍ شقيقٍ، وابنُ أخٍ لأبٍ، وابنُ أخٍ لأمّ، بل قد يجتمع لها أبناءُ أخٍ شقيقٍ أو إخوةٍ أَشقَّاء أعيان، وبنو علَّاتٍ وأبناء أَخ أو إخوة لأبٍ، وأبناء أخٍ أو إخْوة لأمِّ كذلك، ويتأَتَّى مثلُ ذلك في ابن الأخت، لكن لا يتصوَّرُ هنا بنو العلَّاتِ، كما لا يتصوَّر في أبناء الأخ الأخيافُ، والاجتماعُ في أبنائهنَّ وأبناءِ بعولتهنَّ وإن اتفق لكنه ليس بتلك المثابة. وقيل: اختير في الأخيرين (بني))؛ لأنه لو جيء بأبناء تلاقَتْ همزتان إحداهما همزةٌ أبناء والثانيةُ همزةُ إخوان أو أخوات. وهو على ما فيه لا يحسمُ مادةَ السؤال؛ إذ للسائل أن يقول بعدُ: لِمَ اختير في الأوَّلين ((أبناء)) دون ((بني))؟ ويحتاجُ إلى نحوِ أنْ يقال: اختير ذلك لأنه أوفقُ بآباء. وقيل: اختير ((أبناء)) في الأوَّلين لهذا، واختير ((بني)) في ((بني أخواتهن)) ليكون المضافُ والمضافُ إليه من نوعٍ واحد، وفي ((بني إخوانهن)) للمشاكلة. وفيه ما فيه. ولم يذكر سبحانه الأعمامَ والأخوالَ مع أنهم - كما قال الحسن وابن جبير - كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم؛ قيل: لأنهم في معنى الإخوان من حيث كونُ الجدِّ سواءٌ كان أبَ الأبِ أو أبَ الأمُّ في معنى الأب، فيكون ابنُه في معنى الأخ. وقيل: لم يذكرهم سبحانه لِمَا أنَّ الأحوط أن يستَتِرْنَ عنهم حذاراً(١) من أن يصفوهنّ لأبنائهم، فيؤدِّي ذلك إلى نظر الأبناء إليهنَّ. وأخرج ذلك ابنُ المنذر وابن أبي شيبةً عن الشعبيِّ(٢)، وفيه من الدلالة على وجوب التستُّر من الأجانب ما فيه. (١) في الأصل: حذراً. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٣٨/٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٤٢/٥. ٠ سورة النورِ ٣١٦ الآية : ٣١ وضعِّفَ بأنه يجري في آباء البعولة؛ إذ لو رأوا زينتهنَّ لربما وصفوهن لأبنائهم، وهم ليسوا مَحارِمَ، فيؤدِّي إلى نظرهم إليهنَّ لا سيما إذا كنَّ خليَّات. وقيل: لم يُذكروا اكتفاءً بذكر الآباء، فإنهم عند الناس بمنزلتهم، لا سيما الأعمام، وكثيراً ما يُظْلَقُ الأب على العمِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنَزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]. ثم إن المحرميَّة المبيحةَ للإبداء كما تكون من جهة النَّسَبِ تكون من جهة الرضاع، فيجوزُ أن يُبْدِينَ زينتهنَّ لآبائهنَّ وأبنائهنَّ مثلاً من الرضاع. ﴿أَوْ نِسَآءِهِنَّ﴾ المختصَّاتِ بهنَّ بالصُّحبة والخدمة من حرائر المؤمنات، فإنَّ الكَوَافِرَ لا يتحرَّجْنَ أن يَصِفْنَهنَّ للرجال، فهنَّ في إبداء الزينة لهنَّ كالرجال والأجانب، ولا فرقَ في ذلك بين الذِّميةِ وغيرِها، وإلى هذا ذهب أكثرُ السلف. وأخرج سعيد بن منصور وابنُ المنذر، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن عمر بن الخطاب ◌َُّبه، أنه كتب إلى أبي عبيدةَ رَبه: أمَّا بعدُ، فإنه بلغني أنَّ نساءً من نساء المسلمين يدخُلْنَ الحمامات مع نساءِ أهل الشرك، فانْهَ من قِبَلكَ عن ذلك، فإنه لا يحلُّ لا مرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخرِ أن تنظر إلى عورتها إلا مَن كانت من أهل ملَّتها (١). وفي ((روضة)) النووي: في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان أصحُّهما عند الغزاليِّ أنها كالمسلمة، وأصحُّهما عند البغويِّ المنعُ(٢). وفي ((المنهاج)) له: الأصحُّ تحريمُ نظرٍ ذميةٍ إلى مسلمة(٣). ومقتضاه أنها معها كالأجنبيِّ، واعتمده جمعٌ من الشافعية، وقال ابن حجر(٤): الأصحُّ تحريمُ نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمةٍ غيرِ سيدتها ومَحْرَمِها، ودخولُ الذِّميات على أمَّهاتِ المؤمنين الواردُ في الأحاديث الصحيحة دليلٌ لحِلِّ نظرها منها ما يبدو في المهنة . (١) سنن البيهقي ٧/ ٩٥، وعزاه لسعيد وابن المنذر السيوطي في الدر ٤٣/٥، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في المصنف (١١٣٤). (٢) روضة الطالبين ٧/ ٢٥. (٣) المنهاج مع تحفة المحتاج على هامش حاشية الشرواني ٧/ ٢٠٠. (٤) في تحفة المحتاج ٧/ ٢٠٠ . الآية : ٣١ ٣١٧ سُوَّةُ الَّنُوزِ وقال الإمام الرازيُّ: المذهبُ أنها كالمُسْلمة، والمرادُ بـ ((نسائهنَّ)» جميع النساء، وقولُ السلف محمولٌ على الاستحباب(١). وهذا القولُ أرفقُ بالناس اليومَ، فإنه لا يكاد يمكنُ احتجابُ المسلماتِ عن الذمِّيات. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ أي: من الإماء ولو كوافرَ، وأما العبيدُ فهم كالأجانب، وهذا مذهبُ أبي حنيفة ظُه، وأحدُ قولين في مذهب الشافعيِّ عليه الرحمةُ، وصحَّحه كثيرٌ من الشافعية. والقولُ الآخر أنهم كالمحارم وصحّح أيضاً، ففي ((المنهاج)) وشرحه لابن حجر: والأصحُّ أنَّ نظر العبد العَدْلِ - ولا يكفي العقَّةُ عن الزنى فقط - غيرِ المشترَكِ والمبغَّضٍ، وغيرِ المكاتب كما في ((الروضة)) عن القاضي وأقرَّه وإن أطالوا في ردِّه = إلى سيدته المتَّصفة بالعدالة كالنظر إلى مَحْرَم، فينظر منها ما عدا ما بين السرَّةِ والركبة، وتنظرُ منه ذلك، ويُلْحَقُ بالمَحْرَمِ أيضاً في الخلوة والسفر(٢). اهـ بتلخيصٍ. وإلى كون العبد كالأَمَةِ ذهب ابنُ المسيب، ثم رجع عنه وقال: لا يغرَّنكم آيةٌ ((النور))، فإنها في الإناث دون الذكور. وعلِّل بأنهم فحولٌ ليسوا أزواجاً ولا محارمَ، والشهوةُ متحقِّقةٌ فيهم لجواز النكاح في الجملة، كما في («الهداية»(٣). وروي عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين أنهم قالوا: لا ينظرُ العبدُ إلى شعرِ مولاته . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوسٍ [ومجاهد قالا: لا يَنْظُرُ المملوكُ لشعر سيدته، قالا: وفي بعض القراءة: ((أو ما مَلَكَتْ أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم)). وأخرج عبد الرزاق عن عطاء] أنه سُئل: هل يَرَى غلامُ المرأةِ رأسَها وقَدَمَها؟ قال: ما أُحِبُّ ذلك إلَّا أنْ يكون غلاماً يسيراً، فأمَّا رجلٌ ذو لحيةٍ فلا (٤). (١) تفسير الرازي ٢٠٧/٢٣. (٢) تحفة المحتاج ١٩٦/٧ . (٣) حاشية الشهاب ٦/ ٣٧٤، وفتح القدير ١٠٨/٨- ١٠٩. (٤) الدر المنثور ٤٣/٥، وما بين حاصرتين منه، والخبران في مصنف عبد الرزاق (١٢٨٢٥) و(١٢٨٢٧). سُورَةُ النّورِ ٣١٨ الآية : ٣١ أنه يجوزُ ومذهبُ عائشةَ وأمِّ سلمة ﴿ًّا، ورُويَ عن بعض أئمة أهل البيت للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظرُ أولئك المستَثْنَون. وروي عن عائشة أنها كانت تمتشطُ وعبدُها ينظر إليها. وأنها قالت لذكوان: إذا وضعتني في القبر وخرجتَ فأنْتَ حرٌّ(١). وعن مجاهد: كانت أمَّهاتُ المؤمنين لا يَحْتَجِبْنَ عن مُكاتَبِهِنَّ ما بقي درهمٌ. وأخرج أحمد في ((مسنده))(٢) وأبو داود وابن مردويه والبيهقيُّ عن أنس ◌َظُه، أنَّ النبيَّ وَ ◌ّهِ أتى فاطمة ◌َّا بعبدٍ قد وَهَبَه لها، وعلى فاطمةَ ﴿ّا ثوبٌ، إذا قَنَّعتْ به رأسَها لم يبلغ رجليها، وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبيُّ وَل ما تَلْقَى قال: ((إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامُك))(٣). والذي يقتضيه ظاهرُ الآية عدمُ الفرق بين الذكر والأنثى؛ لعموم ((ما))، ولأنه لو كان المراد الإناثَ خاصةً لقيل: أو إمائهنَّ، فإنه أَخْصَرُ ونصٌّ في المقصود، وإذا ضُمَّ الخبرُ المذكور إلى ذلك قَوِيَ القولُ بعدم الفَرْقِ، والتفصِّي عن ذلك صعبٌ. وأحسنُ ما قيل في الجواب عن الخبر: إنَّ الغلام فيه كان صبيّاً؛ إذ الغلامُ يختصُّ حقيقةً به، فتأمَّل. وخَرَج بإضافة الملكِ إليهنَّ عبدُ الزوج، فهو والأجنبيُّ سواءٌ، قيل: وجَعَلَه بعضُهم كالمَحْرَم لقراءة: ((أو ما ملكت أيمانكم))(٤). ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ آلْإِرْبَةِ مِنَ الْرِجَالِ﴾ أي: الذين يَتْبعون ليُصيبوا من فَضْلِ الطعام غيرِ أصحاب الحاجة إلى النساء، وهم الشيوخُ الطاعنون في السنِّ الذين فَنَتْ شهواتُهم، والممسوحون الذين قُطِعتْ ذكورهم وخصَاهم، وفي المجبوب وهو الذي قُطع ذكرهُ، والخصيِّ وهو مَن قُطِعَ خصاه، خلافٌ، واختير أنهما في (١) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٦١٣٦). (٢) كذا نقل المصنف عن حاشية الشهاب ٣٧٤/٦، ولم نقف عليه في المسند. (٣) سنن أبي داود (٤١٠٦)، وسنن البيهقي ٧/ ٩٥، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٤٣/٥. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٤٨/٣: فيه سالم أبو جميع مختلف فيه. (٤) المحرر الوجيز ١٧٩/٤ . الآية : ٣١ ٣١٩ سُورَةُ الْنُّرِ حرمة النظر كغيرهما من الأجانب، وكان معاويةُ يرى جوازَ نظر الخصيِّ، ولا يُعتدُّ برأيه، وهو - على ما قيل - أولُ مَن اتّخذ الخصيان. وعن ميسون الكلابيةَ أنَّ معاوية دخل عليها ومعه خصيٍّ، فتقنَّعتْ منه، فقال: هو خصيٍّ. فقالت: يا معاويةُ، أَتَرى أنَّ المُثْلَةَ به تحلِّلُ ما حرَّم الله تعالى(١). وليس له أن يستدلَّ بما رُوي: أنَّ المقوقس أَهْدَى للنبيّ: ﴿ خصيّاً، فقَبِله(٢)، إذ لا دلالةَ فيه على جواز إدخاله على النساء. وأخرج ابن جريرٍ وجماعةٌ عن مجاهدٍ أنَّ («غير أولي الإربة)): الأبلهُ الذي لا يَعْرِفُ أمرَ النساء(٣). وروي ذلك عن أبي عبد الله وعن ابن جُبير: أنه المعتوه، ومثلُه المجنون كما قال ابن عطية(٤). وأخرج ابن المنذر(٥) وغيره عن ابن عباس ظًّا: أنه المخنَّثُ الذي لا يقوم زبُّه. لكنْ أخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ وغيرُهم عن عائشةَ ◌ّا قالت: كان رجلٌ يدخلُ على أزواج النبيِّ نَّهِ مخنَّثٌ، فكانوا يَعُدُّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيُّ عليه الصلاة والسلام يوماً وهو عند بعض نسائه، وهو ينعتُ امرأةً قال: إذا أقبلتْ أقبلَتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمانٍ. فقال النبيُّ ◌َّى: ((ألا ترى هذا يعرفُ ما هاهنا، لا يدخلْ عليكن)) فحَجَبوه(٦). (١) الكشاف ٦٢/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١١٧: ذكره المسعودي في مروج الذهب بغير إسناد. وما وقع في الكشاف من قوله: الكلابية، خطأ، والصواب كما قال ابن حجر: الگلبية بسكون اللام. (٢) أخرجه الحاكم ٣٨/٤ مطولاً. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١١٨: وقع ذكر الخصيِّ هذا في عدة أحاديث. (٣) تفسير الطبري ٢٦٨/١٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٣١٨/٤. (٤) نقله المصنف بواسطة أبي حيان في البحر ٤٤٨/٦-٤٤٩، ووقع في مطبوع المحرر الوجيز ١٧٩/٤ بدلاً عنه: المجبوب. (٥) كما في الدر المنثور ٤٨/٥ . (٦) صحيح مسلم (٢١٨١)، وسنن أبي داود (٤١٠٧)، وسنن النسائي الكبرى (٩٢٠٣)، وجاء عندهم بدل ((ألا ترى)): ((ألا أرى)). وفي الباب عن أم سلمة عند البخاري (٤٣٢٤)، ومسلم (٢١٨٠). سورة النورِ ٣٢٠ الآية : ٣١ وجاء أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه، فكان بالبيداء يدخل كلَّ جمعةٍ يَسْتَطْعِمُ (١). ولعل الأَوْلَى حملُ غيرٍ أولي الإربة على الذين لا حاجةً لهم بالنساء، ولا يعرفون شيئاً من أمورهنَّ، بحيث لا تحدِّئهُم أنفسُهم بفاحشةٍ، ولا يَصِفونهنَّ للأجانب. ولا أرى الاكتفاءَ في غير أولي الإربة بعدم الحاجة إلى النساء؛ إذ لا تنتفي مفسدةُ الإبداء بالكلِّية كما لا يخفى. ولعل في الخبر نوُ إيماءٍ إلى هذا؛ وفي ((المنهاج)) وشرحه لابن حجر عليه الرحمة: والأصحُّ أنَّ نَظَرَ المَمْسوحِ ذَكَرُه كلّه وأُنثياه، بشرطِ أنْ لا يبقى فيه ميلٌ للنساء أصلاً، وإسلامِه(٢) في المسلمة، ولو أجنبيًّا لأجنبيةٍ منَّصفةٍ بالعدالة = كالنظر إلى مَحْرَم، فينظر منها ما عدا ما بين السرَّةِ والركبة، وتنظرُ منه ذلك، ويُلحق بالمَحْرَمِ أيضاً في الخلوة والسفر(٣). ويُعلم منه أنَّ التمثيل بالممسوح فيما سبق ليس على إطلاقه. وأما الشيخُ الهِمُّ (٤) والمخنَّثُ فهما عند الشافعية في النظر إلى الأجنبيات ليسا كالممسوح، وصحّحوا أيضاً أنَّ المجنون يجب الاحتجابُ منه فلا تغفل. وجرُّ ((غير))؛ قيل: على البدلية لا الوصفية؛ لاحتياجها إلى تكلُّفِ جَعْلٍ (التابعين)) لعَدَم تعيُّنهم كالنكرة، كما قاله الزجَّاج(٥)، أو جَعْلِ ((غير)) متعرِّفاً بالإضافة هنا مثلها في ((الفاتحة))، وفيه نظر. وقرأ ابن عامر وأبو بكر: ((غيرَ)) بالنصب على الحال أو الاستثناء(٦). (١) أخرجه بهذه الرواية أبو داود (٤١٠٩). (٢) قوله: وإسلامِهِ، بالجر عطفاً على ((أن لا يبقى)). (٣) تحفة المحتاج ١٩٦/٧. (٤) هو الهرم الفاني. حاشية الشهاب ٦/ ٣٧٤. (٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٥٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٧٤/٦. (٦) في الأصل و(م): والاستثناء، والمثبت من البحر ٤٤٩/٦، وهو الصواب. والقراءة عن ابن عامر وأبي بكر في التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣١/٢-٣٣٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.