Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ١٢
٢٦١
سُورَةُ الَّنُودِ
﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوُ﴾ التفاتٌ إلى خطاب الخائضينَ ما عدا مَن تولَّى كِبْرَه منهم،
واستظهر أبو حيان كونَ الخطاب للمؤمنين دونه(١).
واختير الخطابُ لتشديد ما في ((لولا)) التحضيضية من التوبيخ، ولتأكيد التوبيخ
عَدَلَ إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لكن لا بطريق
الإعراض عن المخاطَبينَ وحكايةِ جناياتهم لغيرهم، بل بالتوسُّلِ بذلك إلى وَصْفِهم
بما يوجبُ الإتيانَ بالمحضَّض عليه ويقتضيه اقتضاءً تامًّاً، ويَزْجُرُهم عن ضدِّه زجراً
بليغاً، وهو الإيمان.
وكونُه مما يحملُهم على إحسان الظنِّ، ويكفُّهم عن إساءته بأنفسهم، أي:
بأبناء جنسهم وأهلِ ملَّتهم النازلين منزلةً أنفسِهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾
[الحجرات: ١١] وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]
ولا حاجةً إلى تقدير مضافٍ - أي: ظنَّ بعضُ المؤمنين والمؤمناتِ بأنفسِ بعضِهم
الآخَرِ - وإن قيل بجوازه(٢) = مما لا ريبَ فيه (٣)، فإخلالُهم بموجب ذلك الوصف
أقبحُ وأشنعُ، والتوبيخُ عليه أَدْخَلُ، مع ما فيه من التوسُّل به إلى توبيخ الخائضات،
والمشهورُ منهنَّ حمنُ.
ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمانَ الحقيقيَّ، فإيجابُهُ لِمَا ذُكر واضحٌ، والتوبيخُ
خاصٌّ بالمتَّصفين به، وإن كان مطلقَ الإيمان الشاملِ لما يُظْهِرُه المنافقون أيضاً،
فإيجابُه له من حيث إنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدَّعاهم، فالتوبيخُ
حينئذٍ متوجّه إلى الكلِّ.
والنكتةُ في توسيط معمولِ الفعل المحضَّض عليه بينه وبين أداة التحضيض، وإن
جاز ذلك مطلقاً، أي: سواءٌ كان المعمولُ الموسَّطُ ظرفاً أو غيره = تخصيصُ
التحضيض بأول وقت السماع، وقَصْرُ التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضَّض
عليه عن ذلك الآن، والتردُّدِ فيه، ليفيد أنَّ عدم الإتيان به رأساً في غاية ما يكون من
(١) البحر ٦/ ٤٣٧.
(٢) أي: بجواز تقدير المضاف.
(٣) قوله: مما لا ريب فيه، هو خبر قوله: وكونه مما يحملهم ..

سُورَةُ الَّنّزِ
٢٦٢
الآية : ١٣
القباحة والشناعة، أي: كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنُّوا أولَ
ما سمعوا ذلك الإفكَ ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثُم وتردُّدٍ بأهل
ملَّتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيراً .
﴿وَقَالُواْ﴾ في ذلك الآن: ﴿هَذَآ إِنْكُ تُّبِينٌ ﴾ أي: ظاهرٌ مكشوفٌ كونُه
إفكاً، فكيف بأمِّ المؤمنين حليلةِ رسول الله وَّفي، بنتِ المهاجرَیْن
؟
ويجوز أن يكون المعنى: هلَّا ظنَّ المؤمنون(١) والمؤمناتُ أولَ ما سمعوا ذلك
خيراً بأهل ملَّتهم عائشةَ وصفوانَ وقالوا .. إلخ.
﴿لَوْلَا جَآءُو عَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءُ﴾ إما من تمام القول المحضَّضِ عليه، مسوقٌ
لتوبيخ السامعين على ترك إلزام الخائضين، أي: هلَّا جاء الخائضون بأربعة شهداءً
يشهدون على ثبوتٍ ما قالوا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ﴾ الأربعة، وكان الظاهرُ: فإذ لم
يأتوا بهم، إلَّا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير.
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الخائضين، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعدٍ منزلتهم
في الفساد، أي: فأولئك المفسدون ﴿عِندَ اللّهِ﴾ أي: في حُكْمِه وشريعته ﴿هُمُ
اَلْكَذِبُونَ ﴾ أي: المحكومُ عليهم بالكذب شرعاً، أي: بأنَّ خبرهم لم يطابق في
الشرع الواقعَ.
وقيل: المعنى: فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون الذين لم يطابقْ خبرُهم
الواقعَ في نفس الأمر؛ لأن الآية في خصوص عائشةً ﴿ُّ، وخبرُ أهل الإفك فيها
غيرُ مطابقٍ للواقع في نفس الأمر في علمه عزَّ وجل.
وتعقّب بأنَّ خصوصَ السبب لا ينافي عمومَ الحكم، مع أنَّ ظاهر التقييد
بالظرف يأبى ذلك، وجَعْلُه من قبيل قوله تعالى: ﴿اَلْثَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] خلافُ الظاهر. وأيّاً ما كان فالحصرُ للمبالغة.
وإمَّا كلامٌ(٢) مبتدأٌ مسوقٌ من جهته سبحانه وتعالى تقريراً لكون ذلك إفكاً.
(١) في (م): المؤمنين، وهو خطأ .
(٢) قوله: وإما كلام، معطوف على القول المحضض ..

الآية : ١٤ - ١٥
٢٦٣
سُورَةُ الْنُوزِ
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ أي: تفضُّلُه سبحانه ﴿عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ﴾ إياكم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بفنون
النعم التي من جملتها الإمهالُ للتوبة ﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بضروبِ الآلاء التي من
جملتها العفوُ والمغفرةُ بعد التوبة. وفي الكلام نشرٌ على ترتيب اللَّفِّ.
وجوّز أن يتعلق ((في الدنيا والآخرة)» بكلِّ من فضل الله تعالى ورحمته،
والمعنى: لولا الفضلُ العامُّ والرحمة العامَّة في كلا الدارين ﴿لَسَتَكُرْ﴾ عاجلاً ﴿في
مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أي: بسبب ما خضتُم فيه من حديث الإفك.
والإبهامُ لتهویل أمره واستهجانِ ذِكْرِه، يقال: فاض في الحدیث وخاض
وهَضَبَ واندفع بمعنّى. والإفاضةُ في ذلك مستعارةٌ من إفاضة الماء في الإناء.
و((لولا)) امتناعيةٌ، وجوابُها «لمسَّكم)، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يُستحقَرُ دونه التوبيخُ والجَلْدُ.
والخطابُ لغير ابن أبيٍّ من الخائضين.
وجوِّز أن يكون لهم جميعاً. وتعقّب بأنَّ ابن أُبيِّ رأسَ المنافقين لاحظ له من
رحمة الله تعالى في الآخرة؛ لأنه مخلَّدٌ في الذَّرْكِ الأسفل من النار.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ بحذفٍ إحدى التاءين، و ((إذا ظرفٌ للمسِّ، وجوِّز أن
يكون ظرفاً لـ ((أفضتُم))، وليس بذاك، والضميرُ المنصوبُ لـ ((ما))، أي: لمسَّكم ذلك
العذابُ العظيم وقتَ تلقِّيكم ما أفضتُم فيه من الإفك وأَخْذِ بعضِكم إياه من بعضٍ
بالسؤال عنه.
والتلقِّي والتلقُّفُ والتلقُّنُ متقاربةُ المعاني، إلا أنَّ في التلفِّي معنى الاستقبال،
وفي التلفُّفِ معنى الخَطْفِ والأَخْذِ بسرعة، وفي التلقُّن معنى الحَذْقِ والمهارة.
وقرأ أبيٍّ ◌َُّه: ((تتلقَّونه)) على الأصل(١).
وشدَّ التاءَ البزِّيُّ (٢)، وأدغم الذال في التاء النحويان وحمزة(٣).
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٠.
(٢) أي: في حال الوصل. التيسير ص٨٣، والنشر ٢٢٢/٢.
(٣) وكذلك قرأ ابن عامر في رواية هشام، وخلف. التيسير ص٤٢، والنشر ٢/٢-٣.

سورةالنورِ
٢٦٤
الآية : ١٥
وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: (تُلْقُونه)) بضمِّ التاء والقاف وسكون اللام (١)، مضارع ألْقَى.
وعنه: ((تَلْقَوْنه)) بفتح التاء والقاف وسكونِ اللام(٢)، مضارع لَقِيَ.
وقرأت عائشةُ وابنُ عباس رقًِّا وعيسى وابنُ يعمر وزيد بنُ عليٍّ بفتح التاء
وكَشْرِ اللام وضمِّ القاف(٣)، من وَلَقَ الكلامَ: كَذَبه؛ حكاه السرقسطي(٤)، وفيه رقّ
على مَن زعم أنَّ وَلَقَ إذا كان بمعنى كَذَبَ لا يكون متعدِّياً، وهو ظاهرُ كلامٍ ابن
سيده، وارتضاه أبو حيان(٥)، ولذا جَعَلَ ذلك من باب الحذف والإيصال،
والأصل: تَلِقون فیه.
وروي عن عائشَةَ رُِّها أنها كانت تقرأ ذلك وتقول: الوَلْقُ: الكذب، وقال ابن
أبي مليكة: وكانت أعْلَمَ بذلك من غيرها؛ لأنه نزل فيها (٦).
وقال ابن الأنباريٌّ(٧): من وَلَقَ الحديثَ: أنْشأه واخترعه. وقيل: من وَلَقَ
الكلام: دبّره.
وحكى الطبريُّ وغيرُه أن هذه اللفظة مأخوذةٌ من الوَلْقِ الذي هو الإسراعُ
بالشيء بعد الشيء، كعددٍ في إثْرِ عددٍ، وكلامٍ في إثرِ كلام(٨). ويقال: ناقةٌ وَلْقَى:
سريعة، ومنه: الأَوْلَقُ، للمجنون؛ لأن العقل بابٌ من السكون والتماسُكِ،
والجنونُ بابٌ من السرعة والتهافُت.
(١) المحتسب ١٠٤/٢، والبحر ٤٣٨/٦، والكلام منه، وهي في القراءات الشاذة ص ١٠٠ دون
نسبة .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٣٨/٦، وعنه نقل المصنف.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ١٠٤/٢، والبحر ٤٣٨.
(٤) في كتاب الأفعال ٢٥٨/٤، والسرقسطي هو أبو عثمان سعيد بن محمد المعافري.
(٥) ذكر أبو حيان قول ابن سيده في البحر ٤٣٨/٦، ولم يذكر فيه شيئاً، وكلام ابن سيده في
المحكم كما في المحرر الوجيز ٤ / ١٧١ .
(٦) أخرجه البخاري (٤١٤٤).
(٧) كما في حاشية الشهاب ٦/ ٣٦٤.
(٨) ينظر تفسير الطبري ٢١٦/١٧، والعين ٢١٤/٥، والصحاح (ولق)، والكلام من البحر
٤٣٨/٦.

الآية : ١٥
٢٦٥
سُوَّةُ الَّنودِ
وعن ابن جنِّ أنه إذا فسِّر ما في الآية بما ذُكر يكون ذلك من باب الحذف
والإيصال، والأصل: تُسْرعون فيه أو إليه(١).
وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر: (تَأُلِقونه)) بفتح التاء وهمزةٍ ساكنةٍ بعدها لامٌ
مكسورةٌ(٢)، من الألْقِ وهو الكذب.
وقرأ يعقوب في رواية المازنيّ: ((تِيْلَقونه)) بتاء فوقانيةٍ مكسورةٍ بعدها ياءٌ ولامٌ
مفتوحة(٣)، كأنه مضارعُ وَلِقَ بكسر اللام، كما قالوا: تِيجَلُ، مضارع وَجِلَ.
وعن سفيان بن عيينة: سمعتُ أمي تقرأ: ((إذ تثقفونه)) من ثَقِفْتُ الشيءَ: إذا
طلبته فأدركته، جاء مثقَّلاً ومخفَّفاً (٤)، أي: تتصيّدون الكلام في الإفك من هاهنا
ومن هاهنا .
وقرئ: ((تَقْفُوْنه)) من قَفَاه إذا تبعه، أي: تتبعونه(٥).
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ﴾ أي: تقولون قولاً مختصًا بالأفواه من
غير أن يكون له مصداقٌ ومنشأٌ في القلوب؛ لأنه ليس تعبيراً عن عِلْمٍ به في
قلوبكم، فهذا كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يَأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِىِ قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وقال ابن المنير: يجوز أن يكون قولُه سبحانه: ((تقولون بأفواهكم)) توبيخاً،
كقولك: أتقول ذلك بملءٍ فيك، فإنَّ القائل ربما رمَّز وعرَّض، وربما تشدَّق جازماً
كالعالم، وقد قيل هذا في قوله سبحانه: ﴿بَدَتِ اٌلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾(٦)
[آل عمران: ١١٨].
وقال صاحب ((الفرائد)): يمكن أن يقال: فائدةُ ذكر ((بأفواهكم)) أنْ لا يظنّ
(١) المحتسب ١٠٤/٢ -١٠٥.
(٢) في الأصل و(م): ساكنة، وهو خطأ، والمثبت من البحر ٤٣٨/٦، والكلام منه، ومثله في
الدر المصون ٣٩١/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٣٨/٦، والكلام منه.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ١٠٤/٢، وحاشية الشهاب ٦/ ٣٦٤، والكلام منه.
(٥) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٦٤/٦، وذكر العكبري في الإملاء أنه قرئ:
(تَقَفَّونه)). وفي المحتسب ١٠٤/٢ عن أم ابن عيينة أنها قرأت: (تقفَّونه).
(٦) بنحوه في الانتصاف ٥٤/٣، وينظر حاشية الشهاب ٦/ ٣٦٤.

سُورَةُ الَّنوزِ
٢٦٦
الآية : ١٦
أنهم قالوا ذلك بالقلب؛ لأن القول يطلق على غير الصادر من الأفواه، كما في
قوله تعالى: ﴿قَالَآَ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقول الشاعر:
مهلاً رويداً قد مَلَأتَ بطني(١)
امتلأ الحوضُ وقال قَطْني
فهو تأكيدٌ لدفع المجاز.
وأنت تعلم أن السياق يقتضي الأول، وإليه ذهب الزمخشريُّ(٢). وكان
الظاهر: وتقولونه بأفواهكم، إلا أنه عَدَلَ عنه إلى ما في النظم الجليل لما لا يخفى.
﴿ وَحْسَبُونَهُ هَيْنَا﴾ سهلاً لا تَبِعةَ له ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾﴾ أي: والحالُ أنه
عند الله عز وجل أمرٌ عظيمٌ لا يقادرُ قَدْرُه في الوِزْرِ واستجرارِ العذاب.
والجملتان الفعليتان معطوفتان على جملة ((تلقَّونه))، داخلتان معها في حيِّز
(إذ)، فيكون قد عُلِّق مسُّ العذاب العظيم بتلقِّي الإفك بألسنتهم، والتحدُّثِ به من
غير رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، وحسبانِهِم ذلك مما لا يُعبأ به وهو عند الله عزَّ وجلَّ عظيم.
﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ممن اخترعه، أو المتابع له ﴿قُلْتُر﴾ تكذيباً له، وتھویلاً
لِمَا ارتكبه: ﴿مَّا يَكُونُ لَنَّا أَن تَتَكَلَّمَ﴾ أي: ما يمكنُناَ وما يَصْدُر عنا بوجهٍ من الوجوه
التكلُّمُ ﴿بِهَذَا﴾ إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه.
وجوِّز أن يكون إشارةً إلى نوعه، فإنَّ قَذْفَ آحادِ الناسِ المتَّصفين بالإحصان
محرَّمٌ شرعاً، وجاء عن حذيفةَ مرفوعاً: أنه يهدمُ عملَ مئةٍ سنةٍ (٣)، فضلاً عن
تعرُّض الصدِّيقة حُرْمةٍ رسول الله وَّهِ. والكلامُ في توسيط الظرف على نحو
ما مرَّدَ).
(١) سلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام، وص١٠٩ من هذا الجزء.
(٢) في الكشاف ٥٤/٣.
(٣) أخرجه البزار (١٠٥) من طريق ليث عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة به. قال البزار:
لا نعلم أسنده إلا ليث، ولا عنه إلا موسى بن أيمن، وقد رواه جماعة عن أبي إسحاق
موقوفاً على حذيفة. اهـ. وليث هو ابن أبي سليم، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق
اختلط جدّاً ولم يتميز حديثه فتُرك.
(٤) يعني: توسيط الظرف بين ((لولا)) و((قلتم)) على نحو ما مرَّ ص٢٦١ من هذا الجزء، من
تخصيص التحضيض بأول وقت السماع ... إلخ.

الآية : ١٦
٢٦٧
سُورَةُ الَّنُوزِ
﴿سُبْحَنَكَ﴾ تعجّبٌ ممن تَفَوَّه به، وأصلُه أن يُذكر عند معاينة العجيب(١) من
صنائعه تعالى شأنه تنزيهاً له سبحانه من أن يَضْعُبَ عليه أمثالُه، ثم كَثُر حتى استُعمل
في كلِّ متعجّبٍ منه.
واستعمالُه فيما ذُكر مجازٌ متفرِّعٌ على الكناية، ومثلُه في استعماله للتعجّب:
لا إله إلا الله. والعوامُّ يستعملون الصلاةَ على النبيِّ وَّهِ في ذلك المقام أيضاً، ولم
يُسمع في لسان الشرع، بل قد صرَّح بعضُ الفقهاء بالمنع منه.
وجوِّز أن يكون ((سبحانك)) هنا مستعملاً في حقيقته، والمرادُ تنزيهُ الله تعالى
شأنُه من أن يَصِمَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام ويَشِينَه، فإنَّ فجورَ الزوجة وَصْمةٌ في
الزوج تنفِّرُ عنه القلوبَ، وتمنعُ عن اتِّباعِه النفوسَ، ولذا صان الله تعالى أزواج
الأنبياء عليهم السلام عن ذلك، وهذا بخلاف الكفر، فإنَّ كفر الزوجة ليس وصمةً
في الزوج، وقد ثبت كفرُ زوجتي نوحٍ ولوطِ عليهما السلام، كذا قيل، وسيأتي إن
شاء الله تعالى قريباً ما يتعلَّق به.
وعلى هذا يكون ((سبحانك)» تقريراً لِمَا قبله، وتمهيداً لقوله سبحانه: ﴿هَذَا بُهْتَنُ﴾
أي: كذبٌ يَبْهتُ ويحيِّر سامعه لفظاعته ﴿عَظِيمٌ ﴾﴾ لا يقادَرُ(٢) قَدْرُه لعظمةٍ
المبهوت عليه، فإنَّ حقارة الذنوب وعظمها كثيراً ما يكونان باعتبار متعلّقاتها .
والظاهرُ أنَّ التوبيخ للسامعین الخائضين لا للسامعین مطلقاً، فقد روي عن
سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لمَّا سمع ما قيل في أمر عائشة ﴿يا قال: سبحانك
هذا بهتان عظيم.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: كان رجلان من أصحاب النبيِّ ◌َّ إذا سمعا
شيئاً من ذلك قالا ما ذُكر، أسامةُ بن زيد بن حارثة، وأبو أيوبَ
وأخرج ابن مردويه(٣) عن عائشة ﴿ّ أنها قالت: إنَّ امرأة أبي أيوبَ الأنصارِيِّ
قالت له: يا أبا أيوبَ، ألا تسمعُ ما يتحدَّثُ به الناس؟ فقال: ما يكونُ لنا أن نتكلّم
بهذا، سبحانَكَ هذا بهتانٌ عظيم.
(١) في الأصل: العجب، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٦٣/٦، والكلام منه.
(٢) في (م): يقدر.
(٣) كما في الدر المنثور ٣٥/٥، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ٢٣/ (١٤٠).

سُوَرَةُ الَّنُوزِ
٢٦٨
الآية : ١٦
ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازيُّ: العلمُ بأنَّ زوجةَ الرسول عليه
الصلاة والسلام لا يجوزُ أن تكون فاجرةً(١).
وعلِّل بأنَّ ذلك ينفِّرُ عن الاتِّباع فيخلُّ بحكمة البعثة، كدناءة الآباء وُهْرٍ
الأمهات. وقد نصَّ العلّامة الثاني على أنَّ من شروط النبوّة السلامةُ عن ذلك، بل
عن كلِّ ما ينفِّر عن الاتِّبَاعِ.
واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطاً، فكيف عَلِمَه مَن سمعتَ حتى قالوا
ما قالوا، وخَفي الأمرُ على رسول الله وَ﴿ حتى قال كما في صحيح البخاري
وغيره: ((يا عائشةُ إنَّه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّتُك الله تعالى،
وإن كنتِ ألممتٍ بذنبٍ فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه))(٢)؟
وجاء في بعض الروايات: ((يا عائشة، إنْ كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى
أستغفر الله تعالى لك))(٣).
وكذا خفي على صاحبه أبي بكر الصديق رظُه، فقد أخرج البزار بسندٍ صحيح
عن عائشةً ◌ّا، أنه لما نزل عُذْرُها قبَّل أبو بكر ◌َه رأسها، فقالت: ألَّا عَذَرْتَني؟
فقال: أيُّ سماء تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إن قلتُ ما لا أعلم (٤)؟.
وأجيب بأنَّ ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوَّة كالأمانة والصدق، بل هو من
الشروط الشرعية والعادية، كما قال اللقاني(٥)، فيجوزُ أن يقال: إنه لم يكن معلوماً
قبلُ، وإنما عُلِمَ بعد نزول آيات براءةٍ عائشة ﴿ّا، وعدمُ العلم بمثل ذلك لا يقدحُ
في منصب النبوّة، وأما دعوى عِلْمٍ مَن ذُكر به فلا دليلَ عليها، وقولُهم ذلك يجوز
(١) تفسير الرازي ١٨٠/٢٣.
(٢) سلف في حديث الإفك ص٢٥١ من هذا الجزء.
(٣) أخرجه الطبراني ١٦٤/٢٣ من حديث ابن عمر
(٤) مسند البزار (٢٦٦٥ - كشف)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٢/٥، وهو من طريق
أبي حصين عن مجاهد عن عائشة. وأخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٣٣٦/١-٣٣٧ من
طريق أبي حصين عن مجاهد. قال الدارقطني في العلل ١/ ٢٢٧: والصحيح قول من قال:
عن أبي حصين عن مجاهد مرسلاً.
(٥) في شرح جوهرة التوحيد ص١٨١ .

الآية : ١٦
٢٦٩
سُوَّةُ الَّنُوزِ
أن يكون ناشئاً عن حُسْنِ الظنِّ، لا عن عِلْمٍ بكون السلامة من المنفِّر عن الاتِّباع
من شروط النبوَّة.
ويشهدُ لهذا نظراً إلى بعض القائلين والظاهرُ تَسَاوِيهم ما أخرجه ابن إسحاق
وابن جريرٍ وابنُ المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابنُ عساكر عن بعض الأنصار
أنَّ امرأةً أبي أيوبَ قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: أَلَا تسمعُ ما يقولُ
الناسُ في عائشةَ ﴿ّا؟ قال: بلى، وذلك الكذبُ، أكنتِ أنت فاعلةً يا أمَّ أيوب؟
قالت: لا والله. فقال: فعائشةُ هَؤُّنا والله خيرٌ منك وأطيبُ، إنما هذا كذبٌ وإفكٌ
باطل(١) .
ورَوَى قريباً منه الحاكم وابن عساكر أيضاً عن أفلح مولى أبي أيوب(٢)، ولعله
المعنيُّ ببعض الأنصار في الخبر السابق.
ولم يقل وَّهُ نحوَ ذلك لحسن الظنِّ لشدَّةٍ غيرته عليه الصلاة والسلام، والغَيُورُ
لا يكاد يعوِّل في مثل ذلك على حُسْنِ الظنِّ. ويمكن أن يكون قولُهم ذلك ناشئاً عن
العلم بكون السلامة من المنفِّر عن الاتِّباع من شروط النبوَّة بأن يكونوا قد تفطّنوا
لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامةَ، وقد يتفطّنُ العالِمُ لِمَا لا يتفطَّنُ له مَن هو
أعلمُ منه.
وجوِّز أن يُدَّعَى أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان عالماً بعدم جواز فُجورِ نساء الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام؛ لما فيه من النفرة المخلَّةِ بحكمة البعثة، لكن أراد عليه الصلاة
والسلام أن يَظْهَرَ أمرُ براءة الصدِّيقة ◌َّا ظهورَ الشمس في رابعة النهار، بحيث
لا يبقى فيه خفاءٌ عند أحدٍ من الصحابة الكرام ﴿ه، وما عراه من الهمِّ إنما هو أمرٌ
طبيعيٌّ حصل بسبب خوض المنافقين ومَن تَّبِعَهم، وشيوعٍ ما لا أصل له من الباطل
بين الناس.
ويحتمل أنه وسيٍّ كان عالماً بأنَّ السلامة من المنفِّر من شروط النبوّة، لكن خشي
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢، وتفسير الطبري ٢١٢/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٥٤٦/٨،
وتاريخ ابن عساكر ٤٨/١٦-٤٩، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ٣٣/٥،
وعنه نقل المصنف.
(٢) الدر المنثور ٣٣/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ٤٩/٦، ولم نقف عليه عند الحاكم.

سُوَّةُ الَّنُوزِ
٢٧٠
الآية : ١٦
من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيءٌ أنْ لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعُهم
فيه من المنفِّر، بأن لا يرتِّبَ سبحانه خَلْقَ النفرةِ في القلوب عليه ليمنع من الاتِّباع
فتختلّ حكمة البعثة، فداخَلَه عليه الصلاةُ والسلام من الهمِّ ما داخَلَه، وجعل يتَبَّع
الأمرَ على أتمٍّ وجهٍ، وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم. ونظيرُه من وجهٍ
خوفُه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيعُ أن
ينام ما دام الأمرُ كذلك حتى تُمطِرَ السماء(١).
وقيل(٢): يجوز أنْ لا يُعدَّ فجورُ الزوجة منقِّراً إلا إذا أُمسكت بعد العلم به،
فلمَ لا يجوزُ أن يقع فيجب طلاقُها، وإذا طلِّقت لا يتحقَّق المنفِّرِ المخِلُّ بالحكمة.
هذا، ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث، بل بعضُها في
غاية البُعْدِ عن ساحة القبول. ولعل الحقَّ أنه عليه الصلاة والسلام قد أُخْفي عليه
أمرُ الشرطية إلى أن اتَّضحَ أمرُ البراءة ونزلت الآيات فيها، لحكمةِ الابتلاءِ وغيرِه
مما الله تعالى أعلمُ به. وأنَّ قول أولئك الأصحاب ﴿ه: سبحانك هذا بهتانٌ
عظيم، لم يكن ناشئاً إلَّا عن حُسْنِ الظن، ولم يتمسَّك به وَلاّ لأنه لا يحسم القالَ
والقيلَ، ولا يُردُّ به شيءٌ من الأباطيل، ولا ينبغي لمن يؤمنُ بالله تعالى ورسوله وَّل
أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شكٍّ في طهارة نساءِ الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهنَّ وبعد وفاتهم عنهنَّ.
ونُسِبَ للشيعة قذْفُ عائشةَ بِّها بما برَّأها الله تعالى منه، وهم ينكرون ذلك أشدَّ
الإنكار، وليس في كتبهم المعوَّلِ(٣) عليها عندهم عينٌ منه ولا أثرٌ أصلاً.
وكذلك ينكرون ما نُسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته وَلآ، وليس
له أيضاً في كتبهم عينٌ ولا أثر. والظاهرُ أنه ليس في الفرق الإسلامية مَن يختلجُ في
قلبه ذلك، فضلاً عن الإفك الذي برأها الله عز وجل منه.
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج البخاري (١٠٣٤) من حديث أنس به قال: كانت الريح
الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي ◌َ هـ
(٢) في الأصل: هذا وقيل.
(٣) في الأصل: المعمول.

الآية : ١٧ - ١٩
٢٧١
سُوُدَّةُ الّنُوزِ
﴿يَعِظُّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: ينصحُكم ﴿أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِيِ أَبَدًا﴾ أي: كراهةً أن تعودوا،
أو: لئلا تعودوا، أو: يعظكم في العود، أي: في شأنه وما فيه من الإثم والمضارِّ،
كما يقال: وعظتُه في الخمر وما فيها من المعارِّ، أو: يزجركم عن العود، على
تضمين الوعظ معنى الزَّجر، ويقال: عاده، وعاد إليه، وعاد له، وعاد فيه، بمعنى.
والمراد بـ ((أبداً)) مدَّةُ الحياة.
﴿إِن كُمْ مُؤْمِنَ ®﴾ من باب: إنْ كنتُ أباً لك فلمَ لا تحسنُ إليَّ، يتضمَّن
تذكيرَهم بالإيمان الذي هو العلّةُ في الترك والتهييج لإبرازه في معرض الشكِّ، وفيه
طرفٌ من التوبيخ.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: ينزلُها مبيّنةً ظاهرةَ الدلالة على معانيها، والمراد
بها الآياتُ الدالّة على الشرائع ومحاسنٍ آدابٍ معاملةِ المسلمين، وإظهارُ الاسم
الجليل في موضع الإضمارِ لتفخيم شأن البيان.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال جميع مخلوقاته جلِّها ودقُّها ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ في جميع
أفعاله، فأَنَّى يمكنُ صِدْقُ ما قيل في حقِّ حَرَمِ مَن اصطفاه لرسالته، وبعثه إلى كافَّةٍ
الخَلْقِ ليرشدهم إلى الحقِّ، ويزكِّيهم ويطهِّرَهمَ تطهيراً. وإظهارُ الاسم الجليل هاهنا
لتأكيد استقلال الاعتراض التذييليٌّ، والإشعارِ بعلِّيةِ الألوهية للعلم والحكمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُونَ﴾ أي: يريدون ويقصدون ﴿أَن تَشِيعَ﴾ أن تنتشر ﴿اُلْفَحِشَةُ﴾
أي: الخَصْلةُ المُفْرِطةُ في القبح، وهي الفِرْيةُ والرميُّ بالزنى، أو نفسُ الزنى
كما روي عن قتادة، والمراد بشُيوعها: شيوعُ خبرها ﴿فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ متعلقٌ
بـ ((تشيع))، أي: تشيع فيما بين الناس، وذَكرَ المؤمنين لأنهم العمدةُ فيهم. أو
بمضمَرٍ هو حالٌ من الفاحشة، أي: كائنةً في حقِّ المؤمنين وفي شأنهم. والمرادُ بهم
المحصّنون والمحصناتُ کما روي عن ابن عباس.
ـكُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا﴾ مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى
﴿وَ﴾ في ﴿اُلْآَخِرَةِ﴾ من عذاب النار ونحوِهِ، وترتّبُ ذلك على المحبة ظاهرٌ على
ما نقل عن الكرمانيّ، من أنَّ أعمال القلب السيئةَ كالحقد والحسد ومحبةٍ شيوع
الفاحشة يؤاخذُ العبدُ إذا وطّن نفسه عليها .

سُورَةُ الْنُوزِ
٢٧٢
الآية : ١٩
ويُعلم من الآية على أتمٍّ وجهٍ سوءُ حالٍ مَن نزلت الآيةُ فيهم، كابن أبيٍّ ومَن
وافَقَه قلباً وقالباً، وأنَّ لهم الحظّ الأوفر من العذابين، حيث أحبُّوا الشيوعَ
وأشاعوا .
وقال بعضهم: المرادُ من محبة الشيوع الإشاعةُ، بقرينةِ ترتُّبِ العذابِ عليها؛
فإنه لا يترتَّب إلَّا على الإشاعةِ دون المحبةِ التي لا اختيارَ فيها. وإنْ سلِّم أنَّ المراد
بها محبةٌ تدخلُ تحت الاختيار، وهي مما يترتَّبُ عليها العذابُ، قلنا: إنَّ ذلك هو
العذابُ الأخرويُّ، دون العذاب الدنيويِّ مثل الحدِّ، وقد فسَّر ابنُ عباس وابنُ جبيرٍ
العذابَ الأليم في الدنيا هنا بالحدِّ، وهو لا يترتَّبُ على المحبة مطلقاً بالاتّفاق،
ومن هنا قيل أيضاً: إنَّ ذِكْرَ المحبة من قبيل الاكتفاءِ عن ذكر الشيء - وهو
الإشاعةُ - بذكر مقتضيه، تنبيهاً على قوة المقتضي.
وقيل: إنَّ الكلام على التضمين، أي: يُشيعون الفاحشةَ محبِّين شيوعَها؛ لأنَّ
كِلَا مَعْنَبِي المحبةِ والإشاعةِ مقصودان.
واستشكل تفسيرُ العذاب الأليم في الدنيا بالحدِّ، بأنه لا يُضمُّ إليه العذابُ
الأليم في الآخرة؛ لأنَّ الحدود مكفِّرة.
وأجيب بأنَّ حُكْمَ الآية مخصوصٌ بمَن أشاع ذلك في حقِّ أمِّ المؤمنين. وقيل:
الحدُّ لمن نقل الإفك من المسلمين، والعذابُ الأخرويُّ لأَبي عذرتِهِ (١) ابنِ أبيٍّ،
والموصولُ عامٌّ لهما .
على أنَّ في كون الحدود مطلقاً مكفِّرةً خلافاً، فبعضُهم قال به فيما عدا الردةَ،
وبعضُهم أنكره، وبعضُهم توقَّفَ فيه لحديث أبي هريرةَ أنه عليه الصلاة والسلام
قال: ((لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا))(٢).
(١) أي: أول مَن تكلم به. ينظر أساس البلاغة (عذر).
(٢) أخرجه الحاكم ٣٦/١، والبيهقي ٣٢٩/٨ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن
أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر، وصححه الحاكم، وقال
البيهقي: ورواه هشام الصنعاني، عن معمر عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن النبي ◌َّ
مرسلاً، قال البخاري: وهو أصح، ولا يثبت هذا عن النبي وَّر؛ لأن النبي ◌َّ قال:
((الحدود كفارة)). اهـ.
=

الآية : ٢٠
٢٧٣
سُورَةُالنّدِ
ولعل الأنسبَ بمساقٍ النظم الكريم من تقبيح الخائضين في الإفك المُشيعينَ له
هو ما ذكرناه أولاً، والمراد بالموصول إمَّا هم، على أن يكون للعهد الخارجيٍّ
كما روي عن مجاهد وابن زيد (١)، والتعبيرُ بالمضارع في الصلة للإشارة إلى زيادة
تقبيحهم بأنه قد صارت محبتُهم لشيوع الفاحشة عادةً مستمرة. وإما ما يعمُّهم
وغيرهم من كلِّ مَن يتَّصفُ بمضمونِ الصلة، على إرادة الجنس، ويدخل أولئك
المُشِيعون دخولاً أوَّليّاً كما قيل.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جميعَ الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة
المذكورة، وكذا وجه الحكمة في تغليظ الوعيد ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ ما يعلمه
سبحانه وتعالى. والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ جيء به تقريراً لثبوت العذاب لهم
وتعلیلاً له.
وقيل: المعنى: والله يعلمُ ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة، وأنتم
لا تعلمون ذلك، بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقِیوا عليه في الدنيا.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الخطابُ - على ما أخرج الطبرانيُّ عن ابن
عباس - لمسطح وحسان وحمنةً(٢)، أو لمن عدا ابن أبيٍّ وأضرابه من المنافقين
الخائضين، وهذا تكريرٌ للمنَّة بتَرْكِ المُعاجلةِ بالعقاب؛ للتنبيه على كمال عظم
الجريرة .
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُونٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ عطفٌ على ((فضل الله))،
وإظهارُ الاسم الجليل لتربية المهابة، والإشعارِ باستتباع صفةِ الألوهية للرأفة
قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ٥٥٠ في شرحه لحديث عبادة بن الصامت
( ... ومَن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارةٌ له ... ): أكثر العلماء ذهبوا إلى
أن الحدود كفارة أخذاً بهذا الحديث، ومنهم مَن وقفه لحديث أبي هريرة، لكن حديث عبادة
أصح إسناداً، ولا تعارُضَ بين الحديثين، فيحتمل أن حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة،
إذ لم يعلم أولاً حتى أعلمه الله أخيراً. اهـ. وحديث عبادة أخرجه البخاري (١٨)، ومسلم
(١٧٠٩).
(١) ذكره عنهما أبو حيان في البحر ٤٣٩/٣، أنهما قالا: الإشارة فيه إلى عبد الله بن أُبَيّ ومَن
أشبهه. وأخرجه عنهما الطبري ١٧/ ٢٢٠.
(٢) المعجم الكبير ٢٣/ (١٦٨).

سُودَةُ النودِ
٢٧٤
الآية : ٢١
والرحمة. وتغييرُ سَبْكِه وتصديرُه بحرف التحقيق لِمَا أنَّ المراد بيانُ اتِّصافه تعالى في
ذاته بهاتين الصفتين الجليلتين على الدوام والاستمرار، لا بيانُ حدوثٍ تعلُّقِهما بهم،
كما أنه المراد بالمعطوف عليه. وجواب ((لولا)) محذوفٌ كما مرَّ.
وهذه نظيرُ الآية المارَّة في آخر حديث اللِّعان، إلا أنَّ في التعقيبِ بالرؤوف
الرحيم بدلَ التوَّابِ الحكيم هنالك ما يُؤذِنُ بأنَّ الذنب في هذا أعظمُ، وكأنه
لا يرتفع إلا بَمَخْضٍ رأفته تعالى، وهو أعظمُ من أن يرتفع بالتوبة، كما روي عن
ابن عباس: مَن خاض في حديث الإفك وتاب لم تقبل توبته. والغرضُ التغليظُ
فلا تغفل(١).
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾ أي: لا تسلكوا مَسَالِكَه في كلّ
ما تأتون وما تَذَرون، والكلامُ كنايةٌ عن اتِّباع الشيطان وامتثالٍ وَسَاوِسه، فكأنه
قيل: لا تتَّبعوا الشيطانَ في شيءٍ من الأفاعيل التي من جملتها إشاعةُ الفاحشة
وحبُّها .
وقرأ نافع، والبَزِّيُّ في روايةٍ ابن ربيعةً عنه، وأبو عمرو وأبو بكر وحمزةُ:
(خُظْوات)) بسكون الطاء(٢)، وقرئ بفتحها(٣). وهو في جميع ذلك جمعُ خُطْوةٍ
بضم الخاء وسكون الطاء، اسمٌ لِمَا بين القدمين، وأما الخَطْوةُ بفتح الخاء فهو
مصدر خَطًا، والأصل في الاسم إذا جُمع أن تحرَّك عينُه فَرْقاً بينه وبين الصفة،
فيضمُّ إتباعاً للفاء، أو يُفْتَحُ تخفيفاً، وقد يسگّن.
﴿وَمَنْ يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ﴾ وُضع الظاهران موضعَ ضميري الخطوات والشيطان
- حيث لم يقل: ومَن يتَّبعها، أو: ومن يتّبع خطواته - لزيادة التقرير والمبالغة.
﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ هو ما أفرط قبحُه كالفاحشة ﴿وَالْمُنكَرِّ﴾ هو ما يُنْكِرُهُ
الشرع، وضميرُ ((إنه)) للشيطان، وقيل للشأن.
وجوابُ الشرط مقدَّرٌ سدَّ ما بعد الفاء مسدَّه، وهو في الأصل تعليلٌ للجملة
الشرطية وبيانٌ لعلَّة النهي، كأنه قيل: مَن يتّبع الشيطانَ ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه
(١) ينظر ما سيرد ص ٢٨٠ من هذا الجزء.
(٢) التيسير ص٧٨، والنشر ٢١٦/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٦٦/٦، وينظر البحر ٤٧٩/١، و٤٣٩/٦.

الآية : ٢١
٢٧٥
سُورَّ النودِ
لا يأمر إلَّا بهما، ومَن كان كذلك لا يجوزُ اتِّباعُه وطاعته. وقد قرَّر ذلك
النسفيُّ(١)، وابن هشام في الباب الخامس من ((المغني))(٢).
وتعقِّب بأنه يأباه ما نصَّ عليه النحاة، من أنَّ الجواب لا يُحذف إلا إذا كان
الشرط ماضياً، حتى عدُّوا من الضرورة قولَه:
لئن تَكُ قد ضاقتْ عليَّ بيوتُكم لَيَعْلَمُ ربِّي أنَّ بيتيَ أوسعُ(٣)
وأجيب بأنَّ الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت، فإنه ممَّا حُذف فيه
الجواب رأساً، وهذا ممَّا أُقيم مقامه ما يصحُّ جَعْلُه جواباً بحسب الظاهر.
وقال أبو حيَّان: الضمير عائدٌ على ((مَن)) الشرطيةِ، ولم يعتبر في الكلام حذفاً
أصلاً، والمعنى على ذلك: مَن يتَّبع الشيطانَ فإنه يصير رأساً في الضلال بحيث
يكونُ آمراً بالفحشاء والمنكر (٤)، وهو مبنيٌّ على اشتراط ضميرٍ في جواب الشرط
الاسميِّ يعودُ إليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بما من جملته إنزالُ هاتيك الآياتِ البيناتِ،
والتوفيقُ للتوبة الممخِّصة من الذنوب، وكذا شَرْعُ الحدود المكفِّرةِ لِمَا عدا الرِّدة
منها، على ما ذهب إليه جمعٌ وأجابوا عن حديث أبي هريرة السابق آنفاً بأنه كان
قبل أن يوحَى إليه وَل* بذلك.
﴿مَا زَّكَ﴾ أي: ما طَهُرَ من دَنَسِ الذنوب. وقرأ روحٌ والأعمشُ: ((ما زَّى))
بالتشديد والإمالة(٥). وكُتب ((زكى)) المخفَّفُ بالياء مع أنه من ذوات الواو، وحقُّها
أن تكتب بالألف؛ قال أبو حيان: لأنه قد يمال، أو حملاً على المشدَّد(٦).
(١) لم نقف عليه في تفسيره، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣٦٦/٦.
(٢) ص٨٥١، والكلام من حاشية الشهاب ٣٦٦/٦.
(٣) حاشية الشهاب ٣٦٦/٦.
(٤) البحر ٤٣٩/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص١٠١ عن الحسن، والبحر ٤٣٩/٦ عن الأعمش، وذكر أبو حيان عن
روح التشديد ولم یذکر عنه الإمالة. وروي عن روح أيضاً: ((زُگِي)) بضم الزاي وكسر الكاف
مشدّدة. ينظر النشر ٣٣١/٢ .
(٦) البحر ٤٣٩/٦.

سورة النورِ
٢٧٦
الآية : ٢٢
و (من)) في قوله تعالى: ﴿مِنْكُ﴾ بيانيةٌ، وفي قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ سيفُ
خطيب، و((أحد)» في حيِّز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى، وفي محل
النصب على المفعولية على القراءة الثانية، والفاعلُ عليها ضميرُه تعالى، أي:
ما زَّى اللهُ تعالى منكم أحداً ﴿أَبْدًا﴾ .
لا إلى غاية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِ﴾ يطهِّر ﴿مَنْ يَآءُ﴾ من عباده بإفاضةِ آثارٍ فضله
ورحمته عليه، وحَمْلِه على التوبة، وقبولِها منه، كما فعل سبحانه بمن سَلِمَ عن داء
النفاق ممن وقع في شرك الإفك منكم.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مبالغٌ في سَمْعِه الأقوالَ التي من جملتها ما أظهروه من التوبة
﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ بجميع المعلومات التي من جملتها نيَّاتُهم، وفيه حتٌّ لهم على
الإخلاص في التوبة. وإظهارُ الاسم الجليل للإيذان باستدعاء الألوهية للسمع
والعلم، مع ما فيه من تأكيد الاستقلال التذييليّ.
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يَحْلِفْ، افتعال من الأَليَّةُ(١).
وقال أبو عبيدة واختاره أبو مسلم (٢): أي: لا يقصِّر، من الأَلْوِ بوزن الدَّلْوِ،
والأُلُوِّ بوزن العُتُوِّ .
قيل: والأولُ أَوْفَقُ بسبب النزول، وذلك أنه صحَّ عن عائشةَ وغيرِها أنَّ
أبا بكر رَّه حلف لمَّا رأى براءةَ ابنته أنْ لا ينفقَ على مسطح شيئاً أبداً، وكان من
فقراء المهاجرين الأوَّلين الذين شهدوا بدراً - وكان ابنَ خالته، وقيل: ابنَ
أخته رظُبه - فنزلت: ((ولا يأتل)) إلخ (٣)، وهذا هو المشهور.
وعن محمد بن سيرين: أنَّ أبا بكرٍ حَلَفَ لا ينفق على رجلين كانا يتيمين في
حِجْرِه حيث خاضا في أمر عائشة، أحدُهما مسطح، فنزلت (٤).
وعن ابن عباس والضحاك أنه قطع جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر نظراته
(١) الأليَّة: اليمين. القاموس (ألو).
(٢) كما في البحر ٦/ ٤٤٠، وينظر مجاز القرآن ٦٥/٢.
(٣) قطعة من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك، وقد سلف تخريجه ص٢٤٨ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه عبد بن حميد وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٥/٥.

الآية : ٢٢
٢٧٧
سورة النورِ
منافعَهم عمَّن قال في الإفك، وقالوا: والله لا نَصِلُ مَن تكلَّم فيه، فنزلت (١).
وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة (٢) وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم:
(يتألَ)(٣) مضارعُ تألَّى بمعنى حَلَفَ، قال الشاعر:
تألَّى ابنُ أوسٍ حَلفةً لَيَرُدُّني إلى نسوةٍ كأنهنَّ مفائِهُ(٤)
وهذه القراءة تؤيّدُ المعنى الأول لـ ((يأتل)).
﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: الزيادةِ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: في المال ﴿أَنْ
يُؤْثّا﴾ أي: على أن لا يؤتوا، أو كراهةً أن يؤتوا، أو: لا يقصِّروا في أن يؤتوا.
وقرأ أبو حيوة وابن قطيب وأبو البرهسم: ((تؤتوا)) بتاء الخطاب(٥) على الالتفات.
﴿أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ بناءً على
ما علمتَ من أنَّ الآية نزلت على الصحيح بسبب حلفِ أبي بكر أنْ لا ينفقَ على
مسطح، وهو منَّصفٌ كما سمعتَ بها، فالعطفُ لتنزيل تغايُر الصفات منزلةً تغايُر
الموصوفات، والجمعُ - وإن كان السببُ خاصّاً - لقَصْدِ العموم.
وعدمُ الاكتفاء بصفةٍ للمبالغة في إثبات استحقاقٍ مسطح ونحوِهِ الإيتاءَ، فإنَّ مَن
اتَّصفَ بواحدةٍ من هذه الصفات إذا استحقَّه فَمَن جَمَعها بالطريق الأَوْلَى. وقيل:
هي لموصوفاتٍ أُقيمتْ هي مقامها .
(١) أخرج قولهما الطبري ١٧/ ٢٢٥ .
(٢) في الأصل و(م): عبد الله بن عباس بن ربيعة، والصواب ما أثبتناه، وهو عبد الله بن
عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة القرشي المخزومي، كان أبوه قديم الإسلام، فهاجر إلى
الحبشة، فكان عبد الله فيمن ولد بأرض الحبشة، وتوفي سنة (٦٤هـ). الإصابة ١٨٨/٦،
وينظر سير أعلام النبلاء ٢٨٧/٥ .
(٣) النشر ٣٣١/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٤٤٠/٦.
(٤) البيت لزيد الفوارس بن حصين الضبي، وهو في الضرائر ص٦٥٧، وشرح ديوان الحماسة
٥٥٧/٢، والخزانة ٦٥/١٠. ووقع في الأصل و(م): إلى نسوة لي، والمثبت من المصادر.
قال البغدادي: وروي أيضاً بكسر اللام وفتح الدال. والمفائد جمع المِفْأد، وهي المسعر،
ومعنى البيت: حلف هذا الرجل حلفة ليأسرتَّني، ثم يمتنَّ عليَّ فيردَّني على نسوة كأنهن
مساعير لاحتراقهن وجداً بي وغمّاً عليَّ.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٠١، والبحر ٦/ ٤٤٠، والكلام منه.

سورة النورِ
٢٧٨
الآية : ٢٢
وحُذف المفعولُ الثاني لغايةِ ظهوره، أي: أن يؤتوهم شيئاً.
﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ ما فرط منهم ﴿وَلَيَصْفَحُواْ﴾ بالإغضاء عنه، وقرأ عبد الله والحسن
وسفيان بن الحسين وأسماء بنت يزيد: ((ولتعفوا ولتصفحوا)) بتاء الخطاب(١) على
وَفْقِ قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: بمقابلةِ عَفْوِكم وصَفْحِكم
وإحسانِكم إلى مَن أساء إليكم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ مُبالغٌ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته سبحانه على
المؤاخذةِ، وكثرةٍ ذنوب العباد الداعية إليها، وفيه ترغيبٌ عظيم في العفو، ووعد
كريم بمقابلته، كأنه قيل: ألا تحبُّون أن يغفر الله لكم، فهذا من مُؤْجِباته.
وصحَّ أن أبا بكر لمَّا سمع الآيةَ قال: بلى واللهِ يا ربَّنا إنَّا لَنُحِبُّ أن تَغْفِرَ لنا،
وأعاد له نفقته(٢). وفي روايةٍ: أنه صار يعطيه ضِعْفَيْ ما كان يُعطيه أوَّلاً(٣).
ونزلت هذه الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم (٤) عن مقاتل بعد أن أقبل مسطحٌ
إلى أبي بكر معتذراً فقال: جعلني الله تعالى فداك، واللهِ الذي أنزل على محمد رَله
ما قذفتُها وما تكلَّمتُ بشيءٍ مما قيل لها أيْ خال. فقال أبو بكر: ولكن قد
ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها. فقال مسطح: لعله يكون قد كان بعضُ ذلك.
وفي الآية من الحثّ على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدلَّ بها على فضل
الصديق ﴿ه؛ لأنه داخلٌ في أولي الفضل قَطْعاً؛ لأنه وحده أو مع جماعةٍ سببُ
النزول، ولا يضرُّ في ذلك عمومُ الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر. ولا حاجةً
إلى دعوى أنها فيه خاصةً والجمعُ للتعظيم، وكونُه(٥) مخصوصاً بضمير المتكلّم
مردودٌ، على أنَّ فيها من ارتكاب خلافِ الظاهر ما فيها .
وأجاب الرافضةُ بأنَّ المراد بالفضل الزيادةُ في المال. ويَرِدُ عليه أنه حينئذٍ
يتكرَّر مع قوله سبحانه: ((والسَّعَةِ)).
(١) القراءات الشاذة ص١٠١، والمحتسب ١٠٦/٢، والبحر ٦/ ٤٤٠ وعنه نقل المصنف.
(٢) قطعة من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك، وقد سلف تخريجه ص١١١ من هذا الجزء.
(٣) أخرج هذه الرواية ابن المنذر عن الحسن كما في الدر المنثور ٣٤/٥.
(٤) في تفسيره ٢٥٥٤/٨.
(٥) أي: الجمع.

الآية : ٢٢
٢٧٩
سُورَةُ الَّنُوزِ
واذَّعى الإمام(١) أنها تدلُّ على أنَّ الصدِّيق ◌َُّله أفضلُ جميع الصحابة
وبيَّن ذلك بما هو بعيدٌ عن فَضْلِه. وذَكر أيضاً دلالتها على وجوهٍ من مَدْحِه
وأكثرُها للبحث فيها مجال.
واستدلَّ بها على أنَّ ما لا يكون ردَّةً من المعاصي لا يُخْبِطُ العمل، وإلَّا لَمَا
سمَّى الله تعالى مسطحاً مهاجراً مع أنه صَدَرَ منه ما صدر.
وعلى أنَّ الحلف على ترك الطاعة غيرُ جائزٍ؛ لأنه تعالى نهى عنه بقوله
سبحانه: (وَلَا يَأْتَلِ)، ومعناه على ما يقتضيه سببُ النزول: لا يَحْلِفْ. وظاهرُ هذا
حَمْلُ النهي على التحريم، وقيل: هو للكراهة، وقيل: الحقُّ أن الحلف على ترك
الطاعة قد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، فالنهيُ هنا لطلب الترك مطلقاً، وفيه
بحث.
وذكر جمهور الفقهاء: أنه إذا حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ
الذي هو خيرٌ وليكفِّر عن يمينه، كما جاء في الحديث(٢).
وقال بعضهم: إذا حلف فليأتِ الذي هو خيرٌ وذلك كفارتُه، كما جاء في
حدیث آخر(٣).
وتعقّب بأنَّ المراد من الكفارة في ذلك الحديث تكفيرُ الذنب لا الكفارةُ
الشرعيةُ التي هي بإحدى الخصال.
(١) في تفسيره ١٨٦/٢٣.
(٢) أخرجه أحمد (٨٧٣٤)، ومسلم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة ﴿ه. وأخرجه أحمد
(٢٠٦١٦)، والبخاري (٦٧٢٢)، ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة
وأخرجه أحمد (١٩٥٥٨)، والبخاري (٦٧١٨)، ومسلم (١٦٤٩) من حديث
أبي موسى .
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٣٦)، وأبو داود (٣٢٧٤)، وابن ماجه (٢١١١)، والبيهقي ٣٣/١٠ من
حديث عبد الله بن عمرو ه. وأخرجه البيهقي ٣٤/١٠ من حديث أبي هريرة خلاله. قال
أبو داود: الأحاديث كلها عن النبي ◌َ﴿: ((وليكفر عن يمينه)) إلا فيما لا يعبأ به. وقال
الخطابي في معالم السنن ٤٩/٤: قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله وسلو بأن الكفارة
لازمة لمن حنث في يمينه، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة وحديث أبي موسى الأشعري
وحديث أبي هريرة. وينظر الفتح ١١/ ٦١٧ .

سُورَةُ الَّنُوزِ
٢٨٠
الآية : ٢٣
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ قد تقدَّم تفسيرُها ﴿الْغَفِلَتِ﴾ عما يُرْمَيْنَ به، بمعنى
أنه لم يخطر لهنَّ بيالٍ أصلاً؛ لكونهنَّ مطبوعاتٍ على الخير، مخلوقاتٍ من عنصر
الطهارة، ففي هذا الوصفِ من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس في المحصنات.
﴿الْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: المتَّصفاتِ بالإيمان بكلِّ ما يجب أن يؤمَنَ به من الواجبات
والمحظورات وغيرها إيماناً حقيقياً تفصيلياً، كما ينبئُ عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا
قبلها، مع أصالةِ وَصْفِ الإيمان؛ فإنه للإيذان بأنَّ المراد بها المعنى الوصفيُّ
المعرِبُ عمَّا ذُكر، لا المعنى الاسميُّ المصحِّحُ لإطلاق الاسم في الجملة، كما هو
المتبادر على تقدير التقديم، كذا في ((إرشاد العقل السليم))(١).
وفرَّعَ عليه كونَ المراد بذلك عائشةَ الصدِّيقة ◌ُِّهَا، ورُوي ما ظاهرُه ذلك عن
ابن عباس وابن جبير. والجمعُ على هذا باعتبارِ أنَّ رميها رميٌّ لسائر أمهاتِ
المؤمنين؛ لاشتراك الكلِّ في النزاهة والانتسابِ إلى رسول اللهِ وَّه، ونظيرُ ذلك
جمعُ ((المرسلين)) في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥].
وقيل: المراد أمهاتُ المؤمنين، فيدخل فيهنَّ الصدِّيقةُ دخولاً أوَّليّاً. ورُوي
ما يؤيِّده عن أبي الجوزاء والضحاك.
وجاء أيضاً عن ابن عباس ما يقتضيه؛ فقد أخرج عنه سعيد بن منصور وابن
جَرِيرٍ والطَّبَرانيُّ وابن مردويه أنه نظُبه قرأ سورة (النور)) ففسَّرها، فلمَّا أتى على
هذه الآية ((إن الذين)) إلخ، قال: هذه في عائشةَ وأزواج النبيِّ وَّهِ، ولم يَجْعَلْ
لمن فَعَلَ ذلك توبةً، وجَعَل لمن رَمَى امرأةً من المؤمنات من غير أزواج النبيِّ وَلَّه
التوبةَ، ثم قرأ: (وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَزَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٌةَ) إلى قوله تعالى: (إِلَّا
الَّيْنَ تَابُأ) الخبرَ(٢). وظاهرُه أنه لا تُقْبَلُ توبةُ مَن قَذَفَ إحدى الأزواجِ الطاهراتِ
رضي الله عنهن.
وقد جاء عنه في بعض الروايات التصريحُ بعدم قبول توبةِ مَن خاض في أمر
عائشة ﴿ّا، ولعل ذلك منه خارجٌ مخرجَ المبالغة في تعظيم أمر الإفك كما ذكرنا
(١) هو تفسير أبي السعود، والكلام فيه ٦/ ١٦٥.
(٢) تفسير الطبري ٢٢٨/١٧، والمعجم الكبير ٢٣٤/٢٣، والكلام من الدر المنثور ٣٥/٥.