Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ٢٥ - ٢٦ ٦١ سُوَرَّةُ الْمُؤْمِنُونَ وقيل: ((هذا)) إشارةٌ إلى نوح عليه السلام، على معنى: ما سمعنا بخبرٍ نبوَّته. وقيل: إلى اسمه، وهو لفظُ ((نوح))، والمعنى: لو كان نبيًّا لكان له ذكرٌ في آبائنا الأوَّلین. وعلى هذين القولين يكون قولُهم المذكورُ من متأخّري قومه المولودين بعد بعثته بمدةٍ طويلةٍ، فيكون المرادُ من آبائهم الأوّلين مَن مضى قبلهم في زمنه عليه الصلاة والسلام، وصدورُ ذلك عنهم في أواخر أمره عليه السلام. وقيل: بعد مضيٍّ آبائهم، ولا يلزم أن يكون في الأواخر. وعليهما أيضاً يكون قولُهم: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو ﴿إِلَّ رَجُلٌّ بِهِ حِنَّةٌ﴾ أي: جنونٌ، أو جنُّ يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول ﴿فَتَرَبِّصُواْ بٍ﴾ فاحتَمِلوه واصبروا عليه وانتظروا ﴿حَّ ◌ِينٍ ﴾﴾ لعله يفيقُ مما هو فيه = محمولاً على تَرَامي أحوالِهم في المكابرة والعناد، وإضرابهم عمَّا وَصَفُوه عليه السلام به من البشرية وإرادةِ التفضُّل إلى وَصْفِه بما ترى، وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح الناس عقلاً وأرزنُهم قولاً . وهو على ما تقدَّم محمولٌ على تناقُضٍ مقالاتهم الفاسدةِ، قاتلهم الله تعالى أنَّى يؤفكون. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام بعد ما سمع منهم هذه الأباطيل؟ فقيل: قال لما رآهم قد أصرُّوا على ما هم فيه، وتمادّوا على الضلال حتى يئس من إيمانهم بالكلِّية وقد أوحي إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]: ﴿رَبِّ أَنْصُرْنى﴾ بإهلاكهم بالمرَّة بناءً على أنه حكايةٌ إجماليةٌ لقوله عليه السلام: ﴿رَِّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكِفِرِنَ دَيَّارًا﴾، إلخ [نوح: ٢٦]. والباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا كَذَّبُونِ ﴾﴾ للسببية أو للبدل، و((ما)) مصدرية، أي: بسببٍ تكذيبهم إياي أو بَدَلَ تكذيبهم. وجوِّز أن تكون الباء آليةً و((ما)» موصولة، أي: انصرني بالذي كذبوني به، وهو العذابُ الذي وعدتُهم إياه ضِمْنَ قولي: ﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] وحاصله: انصرني بإنجاز ذلك، ولا يخفى ما في حَذْفِ مثلٍ هذا العائد من الكلام. سُوَّةُ المُؤْمنُونَ ٦٢ الآية : ٢٧ وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: ((ربُّ)) بضمِّ الباء (١)، ولا يخفى وجهه. ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ عقيبَ ذلك، وقيل: بسبب ذلك ﴿أَنْ أَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ﴾ ((أنْ)) مفسِّرةٌ لِمَا في الوحي من معنى القول. ﴿يَأَعْيُنِنَا﴾، مُلْتَبِساً بمزيدٍ حِفْظِنا ورعايتِنا لك من التعدِّي، أو من الزيغ في الصنع ﴿وَرَحْيِنَا﴾ وأمرِنا وتعليمنا لكيفية صُنْعِها. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْنَا﴾، لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع الفلك، والمرادُ بالأمر العذابُ كما في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] فهو واحدُ الأمور، لا الأمرُ بالركوب فهو واحدُ الأوامر كما قيل، والمرادُ بمجيئه كمالُ اقترابِهِ أو ابتداءُ ظهوره، أي: إذا جاء إثر تمام الفلك عذابُنا. وقوله سبحانه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ بيانٌ وتفسيرٌ لمجيء الأمر؛ روي أنه قيل له عليه السلام: إذا فار التنورُ اركبْ أنت ومَن معك. وكان تنورَ آدَمَ عليه السلام فصار إلى نوح عليه السلام، فلما نبع منه الماء أخبرته امرأتُه فركبوا . واختلفوا في مكانه؛ فقيل: كان في مسجد الكوفة، أي: في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة اليوم. وقيل: كان في عين وردة من الشام(٢). وقيل: بالجزيرة قريباً من الموصل. وقيل: التنورُ وجهُ الأرض. وقيل: ((فار التنور)) مَثَلٌ كـ : حَمِيَ الوطيس. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه فسَّر ((فار التنور)) بـ: طَلَع الفجر، فقيل: معناه: إنَّ فَوَرانَ التنورِ كان عند طلوع الفجر، وفيه بُعْدٌ. وتمامُ الكلام في ذلك قد تقدَّم لك(٣) . (١) البحر ٦/ ٤٠٢، والمشهور عن أبي جعفر كسر الباء. (٢) أخرج هذا القول ابن أبي حاتم ٢٠٢٩/٦ عن ابن عباس رؤيا. وعين وردة: هي رأس عين، المدينة المشهورة بالجزيرة، وبقربها يقع جبل طورزيتا عند قنطرة الخابور. ينظر معجم البلدان ٤/ ٤٧ و١٨٠. (٣) ١٢ / ٥٢. الآية : ٢٧ ٦٣ سُوَّةُ المُؤْمنُون ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي: أَدْخِلْ فيها، يقال: سَلَكَ فيه، أي: دَخَلَ فيه، وسَلَكَه فيه، أي: أَدْخَلَه فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكْكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]. ﴿مِن كُلِّ﴾ أي: من كلِّ أمة ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أي فردين مزدوجين، كما يُعْرِبُ عنه قولُه تعالى: ﴿أَثْنَيْنِ﴾ فإنه ظاهرٌ في الفردين دون الجمعین. وقرأ أكثر القرَّاء: ((من كلِّ زوجين)) بالإضافة(١) على أنَّ المفعول ((اثنين))، أي: اسلُكْ من كلِّ أُمَّتَي الذكر والأنثى(٢) واحدين مزدوجين، كجمل وناقة، وحصان ورَمَلَّةٍ. وروي أنه عليه السلام لم يحمل في الفلك من ذلك إلَّا ما يلد ويبيضُ، وأمَّا ما يتولَّد من العفونات كالبقٌّ والذباب والدود فلم يحمل شيئاً منه. ولعل نحوَ البغال ملحقةٌ في عدم الحمل بهذا الجنس؛ لأنه يحصل بالتوالُد من نوعين، فالحملُ منهما مُغْنٍ عن الحمل منه إذا كان الحملُ لئلا ينقطع النوع كما هو الظاهر فيحتاجَ إلى خَلْقٍ جديد كما خُلِقَ في ابتداء الأمر. والآيةُ صريحةٌ في أنَّ الأمر بالإدخال كان قبل صُنْعِه الفلك، وفي سورة هود: ﴿حَتَّقَ إِذَا جَآءَ أَقْرُنَا وَفَارَ النَّنُّوُ قُلْنَا أَخِلْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾ [الآية: ٤٠] فالوجهُ أن يُحْمَلَ على أنه حكايةٌ لأمرٍ آخَرَ تنجيزيٍّ وَرَدَ عند فوران التنور الذي نِيطَ به الأمرُ التعليقيُّ اعتناءً بشأن المأمور به، أو على أنَّ ذلك هو الأمرُ السابق بعينه، لكنْ لمَّا كان الأمرُ التعليقيُّ قبل تحقّق المعلَّق به في حقِّ إيجاب المأمور به بمنزلة العدم، جُعِلَ كأنه إنما حَدَثَ عند تحقَّقِه، فحُكيَ على صورة التنجيز. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ قيل: عطفٌ على ((اثنين)) على قراءة الإضافة، وعلى ((زوجين)) على قراءة التنوين، ولا يخفى اختلالُ المعنى عليه، فهو منصوبٌ بفعلٍ معطوفٍ على ((فاسلك)) أي: واسْلُكْ أهلَكَ. والمرادُ بهم أمَّةُ الإجابة الذين آمنوا به عليه الصلاة والسلام سواءٌ كانوا من ذوي قرابته أم لا، وجاء إطلاق الأهل على ذلك. وإنما حُمِلَ عليه هنا دون المعنى المشهور ليَشْملَ من آمَنَ ممن ليس ذا قرابة، فإنهم قد ذُكروا في سورة هود، والقرآنُ (١) لم يقرأ بالتنوين سوى حفص، والباقون بالإضافة. التيسير ص ١٢٤، والنشر ٢٨٨/٢. (٢) أي: طائفتيهما. حاشية الشهاب ٣٢٨/٦. سُوَةُ المُؤْمِنُونَ ٦٤ الآية : ٢٨ يفسِّر بعضُه بعضاً، وعلى هذا يكون قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمْ﴾ استثناءً منقطعاً . واختار بعضُهم حَمْلَ الأهل على المشهور، وإرادةَ امرأته وبنيه منه كما في سورة هود، وحينئذ يكون الاستثناءُ متصلاً كما كان هناك، وعدمُ ذكرٍ مَن آمَنَ للاكتفاء بالتصريح به ثمةَ، مع دلالة ما في الاستثناء وكذا ما بعده على أنه ينبغي إدخالهُ. وتأخيرُ الأمر بإدخال الأهل على التقديرين عمَّا ذُكر من إدخال الأزواج؛ لأنَّ إدخالَ الأزواج يحتاج إلى مُزاولةِ الأعمال منه عليه السلام، وإلى معاونة أهله إياه، وأمَّا هم فإنما يدخلون باختيارهم، ولأنَّ في المؤخَّر ضربُ تفصيلٍ بذكر الاستثناء وغيرِهِ، فتقديمهُ يُخِلُّ بتجاوُبِ النظم الكريم. والمرادُ بالقولِ: القولُ بالإهلاك، والمرادُ بسَبْقِ ذلك تحقُّقهُ في الأزل، أو كتابةُ ما يدلُّ عليه في اللوح المحفوظ قبل أنْ تُخلقَ الدنيا. وجيءَ بـ ((على)) لكون السابق ضارًّا، كما جيءَ باللام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا اُلْحُسْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] لكون السابق نافعاً. ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: لا تكلِّمني فيهم بشفاعةٍ وإنجاءٍ لهم من الغرق ونحوهٍ، وإذا كان المرادُ بهم مَن سَبَقَ عليه القولُ، فالإظهارُ في مقام الإضمار لا يَخْفَی وجهه. ﴿إِنَهُمْ تُغْرَقُونَ ﴾﴾ تعليلٌ للنهي، أو لِمَا يُنْبِىءُ عنه من عدم قبول الشفاعة لهم، أي: إنهم مَقْضيٍّ عليهم بالإغراق لا محالةَ؛ لظلمهم بالإشراك وسائرٍ المعاصي، ومَن هذا شأنهُ لا ينبغي أن يُشْفَعَ له أو يُشَفَّعَ(١) فيه، وكيف ينبغي ذلك وهلاكُه من النعم التي يؤمرُ بالحمد عليها، كما يُؤْذِنُ به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُسْتَبْتَ أَنْتَ وَمَنْ نَعَكَ﴾ من أهلك وأتباعك ﴿عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ نَا مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ ٢٨ فإنَّ الحمد على الإنجاء منهم متضمِّنٌ للحمد على إهلاكهم. وإنما قيل ما ذُكر ولم يُقَلْ: فقل الحمد لله الذي أهلك القوم الظالمين؛ لأنَّ نعمة الإنجاء أتمُّ. (١) بالتشديد، والتشفيع: قبول الشفاعة. حاشية الشهاب ٣٢٩/٦. الآية : ٢٩ ٦٥ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ وقال الخفاجيُّ: إن في ذلك إشارةً إلى أنه لا ينبغي المَسرَّةُ بمصيبةٍ أُحدٍ ولو عدوًّا من حيث كونُها مصيبةً له؛ بل لِمَا تضمَّنته من السلامة من ضَرَرِهِ، أو تطهيرِ الأرض من وسخِ شِرْكِه وإضلاله(١). وأنت تعلم أنَّ الحمد هنا رديفُ الشكر فإذا خُصَّ بالنعمة الواصلة إلى الشاكر لا يصحُّ أن يتعلَّق بالمصيبة من حيث إنها مصيبةٌ، وهو ظاهر. وفي أمرِه عليه السلام بالحمد على نجاة أتباعه إشارةٌ إلى أنه نعمةٌ عليه أيضاً. ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِ﴾ في الفلك ﴿مُثَلًا﴾ أي: إنزالاً، أو موضعَ إنزالٍ ﴿مُبَارَا﴾ أي: مَن يُطْلَقُ عليه ذلك. ٢٩ يتسبَّبُ لمزيدٍ الخير في الدارين ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( والدعاءُ بذلك إذا كان بعد الدخول فالمرادُ إدامةُ ذلك الإنزال، ولعل المقصود إدامةُ البركة، وجوِّز أن يكون دعاءً بالتوفيق للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعةٌ. وإن كان قبل الدخول فالأمرُ واضحٌ. وروى جماعةٌ عن مجاهد أنَّ هذا دعاءُ أُمِرَ نوحٌ عليه السلام أن يقوله عند النزول من السفينة، فالمعنى: ربِّ أنزلني منها في الأرض منزلاً .. إلخ، وأخذ منه قتادةُ نَذْبَ أن يقول راكبُ السفينة عند النزول منها: ((رب أنزلني)) إلخ. واستظهر بعضُهم الأولَ إذ العطفُ ظاهرٌ في أنَّ القولين وقتَ الاستواء. وأعاد ((قل)) لتعدُّد الدعاء، والأولُ متضمِّنٌّ دفعَ مضرَّةٍ ولذا قدِّم، وهذا لجَلْبٍ منفعة . وأَمَرِه عليه السلام أن يَشْفَعَ دعاءه ما يطابقه من ثنائه عز وجل توسُّلاً به إلى الإجابة، فإنَّ الثناء على المحسن يكون مستدعياً لإحسانه، وقد قالوا: الثناءُ على الکریم یغني عن سؤاله. وإفرادُه عليه السلام بالأمر مع شركة الكلِّ في الاستواء لإظهار فَضْلِه عليه السلام، وأنه لا يليقُ غيره منهم للقرب من الله تعالى والفوزِ بعزِّ الحضور في مقام الإحسان، مع الإيماء إلى كبريائه عز وجل، وأنه سبحانه لا يخاطبُ كلَّ أحدٍ من : (١) حاشية الشهاب ٣٢٩/٦. سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ ٦٦ الآية : ٣٠ - ٣٢ عباده، والإشعارِ بأنَّ في دعائه عليه السلام وثنائه مندوحةً عمَّا عداه. وقرأ أبو بكر والمفضَّل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبان: ((مَنْزلاً)) بفتح الميم وفتح الزاي(١)، أي: مكانَ نزولٍ. وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((مَنْزِلاً)) بفتح الميم وكسر الزاي(٢)؛ قال أبو عليّ(٣): يحتمل أن يكون المَنْزِل على هذه القراءة مصدراً، وأن يكون موضعَ نزول. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر مما فُعِلَ به عليه السلام وبقومه ﴿لَيَتٍ﴾ جليلة يَستدِلُّ بها أولو الأبصار، ويَعتَبِرُ ذوو الاعتبار. ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾﴾ ((إنْ)) مخفَّفةٌ من ((إنّ))، واللام فارقةٌ بينها وبين ((إن)) النافية، وليست ((إن)) نافيةً واللامُ بمعنى ((إلَّا)). والجملةُ حاليةٌ، أي: وإن الشأنَ كنّا مصيبين قومَ نوحِ ببلاءٍ عظيم وعقابٍ شديد، أو مختبرين بهذه الآيات عبادَنا لننظُرَ مَن يَعتبِرُ ويتذكَّرْ، والمرادُ: معاملين معاملةَ المختبر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَّكْتَهَآ ◌َايَةٌ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]. ﴿قُّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد إهلاكِ قوم نوحٍ عليه السلام ﴿قَرْنًا ءَاخَرِنَ هم عادٌ أو ثمود ﴿فَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ﴾ هو هودٌ أوَ صالحٌ عليهما السلام، والأولُ هو المأثورُ عن ابن عباس ﴿ًا، وإليه ذهب أكثر المفسرين، وأيِّد بقوله تعالى حكايةً عن هود: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وبمجيءٍ قصةٍ عادٍ بعد قصة قومٍ نوحٍ في سورة الأعراف وسورة هود وغيرهما . واختار أبو سليمان الدمشقيُّ والطبريُّ الثاني(٤)، واستدلًّا عليه بذكر الصيحة (١) كذا في الأصل و(م): وفتح الزاي، وهو خطأ، والصواب: وكسر الزاي، كما في البحر ٤٠٢/٦، والكلام منه، وقراءة أبي بكر في التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢، وسيذكرها المصنف لاحقاً على الصواب. (٢) وقرأ الباقون: (مُنْزَلاً)) بضم الميم وفتح الزاي. التيسير ص١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢. (٣) في الحجة ٢٩٤/٥. (٤) ينظر تفسير الطبري ١٧/ ٤٠ وما بعدها، وذكره عن أبي سليمان الدمشقي ابن الجوزي في زاد المسير ٤٧١/٥. وذكره عنه وعن الطبري أبو حيان في البحر ٤٠٣/٦. الآية : ٣٣ ٦٧ سُؤَدَّةُ المُؤْمنُن آخر القصة(١)، والمعروفُ أَن قوم صالح هم المهلكون بها دون قوم هود، وسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى. وجعل القرن ظرفاً للإرسال كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْتَكَ فِي أُمَِّ﴾ [الرعد: ٣٠] لا غايةً له كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] للإيذان من أول الأمر أنَّ مَن أرسل إليهم لم يأتهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ فيما بين أظُهُرِهم. و ((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ مفسِّرةٌ؛ لتضمُّن الإرسال معنى القول، أي: قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله، وجوِّز كونُها مصدريةً، ولا مانعَ من وَصْلِها بفعل الأمر وقبلها جارٌّ مقدَّر، أي: أرسلنا فيهم رسولاً بأن اعبدوا الله وحده. ﴿مَا لَكُ مِنْ إِلٍَ غَيْرُهُ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾﴾ الكلام فيه كالكلام في نظيره المارِّ في قصة نوح عليه السلام. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾ أي: الأشراف ﴿مِن قَوْمهِ﴾ بيانٌ لهم. وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: بلقاءِ ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، أو بالمعاد، أو بالحياة الثانية، صفةٌ للملأ جيءَ بها ذمَّا لهم، وتنبيهاً على غلوِّهم في الكفر، ويجوزُ أن تكون للتمييز إنْ كان في ذلك القرن مَن آمن من الأشراف. وتقديمُ ((من قومه)) هنا على الصفة مع تأخيره في القصة السابقة؛ لئلا يطولَ الفصلُ بين البيان والمبيَّن لو جيء به بعد الصفة وما في حيِّزها ممَّا تَعلَّقَ بالصلة، مع ما في ذلك من توهُّمِ تعلَّقه بالدنيا(٢)، أو يُفْصَلَ(٣) بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه لو جيء به بعد الوصف وقبل العطف، كذا قيل. (١) لم نقف على هذا الاستدلال عن الطبري أو عن أبي سليمان الدمشقي، وذكره أبو حيان في البحر ٤٠٣/٦، والشهاب في الحاشية ٣٢٩/٦ دون نسبة. (٢) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب ٦/ ٣٢٩: توقُّم تعلَّقه بالذين كفروا، وهو الأنسب بالسیاق. (٣) قوله: يفصلَ، معطوف على قوله: يطولَ. سُوَةُ المُؤْمِنُونَ ٦٨ الآية : ٣٣ وتعقّب بأنه لا حاجةً إلى ارتكاب جَعْلِ ((الذين)) صفةً للملأ وإبداءِ نكتةٍ للتقديم المذکور مع ظهورٍ جوازٍ جَعْلِه صفةً لـ ((قومه)). ورُدَّ بأنَّ الداعي لارتكابه عطفُ قوله تعالى: ﴿وَأَتَّفْتَهُمْ فِي الْخَيَوِ الذُّنْيَا﴾ - أي: نعَّمناهم ووسَّعنا عليهم فيها - على الصلة، فيكون صفة معنى للموصوف بالموصول، والمتعارَفُ إنما هو وصفُ الأشراف بالمترفين دون غيرهم، وكذا الحالُ إذا لم يعطف وجُعِلَ حالاً من ضمير ((كذَّبوا)). وأنت تعلم أنَّا لا نسلِّم أنَّ المتعارَفَ إنما هو وصفُ الأشراف بالمترفين، ولئن سلَّمنا فوصْفُهم بذلك قد يبقى مع جَعْلِ الموصول صفةً لقومه بأن يُجعل جملة (ترفناهم) حالاً من ((الملأ)) بدون تقديرٍ ((قد)) أو بتقديرها، أي: قال الملأ في حقِّ رسولنا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلخ في حال إحساننا عليهم. نَعَم، الظاهرُ لفظاً عطفُ جملةِ ((أترفناهم)) على جملةِ الصلة، والأبلغُ معنّی جَعْلُها حالاً من الضمير؛ لإفادته الإساءة إلى مَن أَحْسَنَ وهو أقوى في الذمّ. وجيءَ بالواو العاطفة في ((وقال الملأ)» هنا ولم يُجَأ بها بل جيء بالجملة مستأنفةً استئنافاً بيانيًّا في موضع آخر؛ لأنَّ ما نحن فيه حكايةٌ لتفاؤُتِ ما بين المقالتين، أعني: مقالةَ المرسَلِ وَمقالةَ المرسَلِ إليهم، لا حكايةُ المقاوَلةِ؛ لأنَّ المرسَلَ إليهم قالوا ما قالوا بعضهم لبعضٍ، وظاهرٌ إباءُ ذلك الاستئناف، وأما هنالك فيحقُّ الاستئنافُ؛ لأنه في حكاية المقاولةِ بين المرسَلِ والمرسَلِ إليهم، واستدعاءُ مقام المخاطبةِ ذلك بيِّنٌ. كذا في ((الكشف))، ولا يحسمُ مادةَ السؤال؛ إذ يقال معه: لم حُكي هنالك المقاولةُ وهنا التفاوتُ بين المقالتين، ولم يُعكس؟ ومثلُ هذا يَرِدُ على مَن علَّل الذكر هنا والتركَ هناك بالتفنُّن، بأن يقال: إنه لو عكس بأنْ تَرَكَ هنا وذَكَر هناك لحصل التفنُّن أيضاً. وأنا لم يظهر لي السرُّ في ذلك. وأما الإتيانُ بالواو هنا والفاء في ((فقال الملأ)) في قصة نوح عليه السلام، فقد قيل: لعله لأنَّ كلام الملأ هنا لم يتَّصل بكلام رسولهم، بخلافِ كلام قومٍ نوحٍ عليه السلام، والله تعالى أعلمُ بحقائق الأمور. الآية : ٣٤ ٦٩ سُوَّةُ المُؤْمنُونَ ولا يخفى ما في قولهم: ((ما هذا)) إلخ من المبالغة في توهين أمرِ الرسول عليه السلام وتهوينِه، قاتلهم الله ما أجهلهم! وقولهُ تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِنَّا تَشْرَبُونَ ﴾﴾ تقريرٌ للمماثلةِ، والظاهرُ أنَّ ((ما)) الثانية موصولةٌ، والعائدُ إليها ضميرٌ مجرورٌ حُذف مع الجارِّ لدلالة ما قبله عليه، والحذفُ هنا مثلُه في قولك: مررتُ بالذي مررتَ، في استيفاء الشرائط، وحسَّنه هنا كونُ ((تشربون)) فاصلةً. وفي ((التحرير)): زعم الفرَّاء(١) حذفَ العائد المجرور مع الجارِّ في هذه الآية، وهذا لا يجوزُ عند البصريين، والآيةُ إمَّا لا حَذْفَ فيها، أو فيها حذفُ المفعولِ فقط؛ لأنَّ ((ما)) إذا كانت مصدريةً لم تَحْتَجْ إلى عائد، وإن كانت موصولة فالعائدُ المحذوفُ ضميرٌ منصوبٌ على المفعولية مثَّصلٌ بالفعل، والتقدير: مما تشربونه. اهـ. وهذا تخريجٌ على قاعدة البصريين، ويفوتُ عليه فصاحةُ معادلة التركيب، على أنَّ الوجه الأول مُحوِجٌ إلى تأويل المصدر باسم المفعول، وبعد ذلك يحتاج إلى تكلُّفٍ لصحة المعنى، ويحتاج إلى ذلك التكلَّف على الوجه الثاني أيضاً؛ إذ لا يشربُ أحدٌ من مشروبهم، ولا من الذي يشربونه، وإنما يشرب من فردٍ آخَرَ من الجنس، فلا بد من إرادة الجنس على الوجهين. ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما ذكر من الأحوال والصفات، أي: إن امْتَثَلْتُم بأوامره ﴿إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾ عقولكم، ومغبونون في آرائكم، حيث أذللتُم أنفسكم. واللامُ موظّئةٌ للقسم، وجملةُ ((إنكم لخاسرون)) جوابُ القسم، و((إذا)) فيما أَميلُ إليه ظرفيةٌ متعلِّقةٌ بما تدلُّ عليه النسبة بين المبتدأ والخبر من الثبوت، أو بالخبر واللامُ لا تمنع عن العمل في مثل ذلك. وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه المذكور. قال أبو حيان: ولو كان هذا هو الجواب للَزِمَتِ الفاءُ فيه بأن يقال: فإنكم .. إلخ، بل لو كان بالفاء في تركيبٍ غيرِ القرآن الكريم لم يكن ذلك التركيبُ جائزاً إلَّا عند الفراء، والبَصْريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ(٢). اهـ. (١) معاني القرآن ٢٣٤/٢، وكلام صاحب التحرير ذكره أيضاً أبو حيان في البحر ٦/ ٤٠٤. (٢) البحر ٦/ ٤٠٤. سُؤَدَّةُ المُؤْمِنُونَ ٧٠ الآية : ٣٥ وذكر بعضُهم أنَّ ((إذاً) هنا للجزاء والجواب، وتَكلَّف لذلك، ولا يدعو إليه سوى ظنِّ وجوبٍ اتِّباع المشهور، وأنَّ الحقَّ في أمثال هذه المقامات منحصِرٌ فيما عليه الجمهور، وفي ((همع الهوامع)) وكذا في ((الإتقان)) للجلال السيوطيٍّ في هذا البحث ما ينفعُك مراجعتُه فراجِعْه(١). ﴿أَيَعِدُّكُمْ﴾ استئنافٌ مَسُوقٌ لتقريرِ ما قبلَه، مِن زَجْرِهم عن اتِّباعه عليه السلام بإنكار وقوعٍ ما يدعوهم للإيمان به واستبعادِه. وقولُه تعالى: ﴿أَنَّكُمْ﴾ على تقديرِ حرفِ الجرِّ، أي: بأنكم، ويجوزُ أن لا يقدَّر، نحو: وعدتُكَ الخير. ﴿إِذَا مِثُمْ﴾ بكسر الميم، من مات يَمات، وقرئ بضمِّها(٢) من مات يموت. ﴿وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا﴾ أي: وكان بعضُ أجزائكم من اللحم ونظائره تراباً، وبعضُها عظاماً نَخِرةً مجرَّدَةً عن اللحوم والأعصاب، وتقديمُ التراب لعراقته في الاستبعاد، وانقلابِه من الأجزاء البادية. أو: وكان متقدِّموكم تراباً صرفاً ومتأخِّروكم عظاماً. وقوله تعالى: ﴿أَنَّكُ﴾ تأكيد لـ ((أنكم)) الأولِ لطول الفَصْلِ بينه وبين خبره الذي هو قوله تعالى: ﴿مُخْرَجُونَ (٥)، و((إذا)) ظرفٌ متعلّقٌ به، أي: أيعدُكم أنكم مُخْرَجون من قبوركم أحياءً كما كنتُم أولاً إذا متُّم وكنتم تراباً. واختار هذا الإعرابَ الفرَّاءُ والجَرْميُّ والمبرِّدُ(٣). ولا يلزمُ من ذلك كونُ الإخراج وقتَ الموت كما لا يَخْفَى، خلافاً لِمَا توهَّمه أبو نزار الملقَّبُ بمَلِك النحاة(٤)، وردَّه السَّخَاويُّ (١) الإتقان ١ / ٤٧٥. (٢) قرأ بكسر الميم نافع وحفص وحمزة والكسائي وخلف، والباقون بضمها. التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٢/٢-٢٤٣. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٣٤/٢، والمقتضب ٣٥٦/٢، وذكره عنهم النحاس في معاني القرآن ٤/ ٤٥٥، وأبو حيان في البحر ٤٠٤/٦. والجرمي هو صالح بن إسحاق. (٤) هو الحسن بن صافي بن عبد الله البغدادي الفقيه الأصولي، المصنف في الأصلين والنحو وفنون الأدب، توفي سنة (٥٦٨هـ). شذرات الذهب ٣٧٦/٦. الآية : ٣٥ ٧١ سُؤَّةُ المُؤْمنُونَ ونَقَلَه عنه الجلال السيوطيُّ في ((الأشباه))(١). والمنقولُ عن سيبويه (٢): أنَّ(أنكم)) بدلٌ من ((أنكم)) الأولِ، وفيه معنى التأكيد، وخبر ((أنَّ) الأولى محذوفٌ لدلالة خبر الثانية عليه، أي: أيعدُكم أنكم تُبعثون إذا متم، وهذا الخبر المحذوفُ هو العامل في ((إذا)). ولا يجوز أن يكون هو الخبرُ لأنَّ ظرف الزمان لا يُخْبَر به عن الجثة، وإذا أوّل بحذف المضاف - أي: أنَّ إخراجَكم إذا مِتُّم - جاز، وكان المبرِّد يأبى البدل لكونه من غيرِ مستقلٌّ؛ إذ لم يذكر خبر ((أنّ) الأولى. وذهب الأخفش (٣) إلى أنَّ: ((أنكم مخرجون)) مقدَّرٌ بمصدرٍ مرفوعٍ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: يَحدثُ إخراجُكم، فعلى هذا التقدير يجوز أن تكون الجملة الشرطية خبرَ ((أنكم)) الأول، ويكونُ جواب ((إذا)) ذلك الفعلَ المحذوف، ويجوز أن يكون ذلك الفعلُ هو خبر ((أن)) ويكون عاملاً في ((إذا)). وبعضُهم(٤) يَحْكي عن الأخفش أنه يجعل ((أنكم مخرجون)) فاعلاً بـ ((إذا)) كما يُجعَلُ الخروجُ في قولك: يومَ الجمعة الخروجُ، فاعلاً بـ : يومَ، على معنى: يستقرُّ الخروجُ يومَ الجمعة. وجوَّز بعضهم أن يكون ((أنكم مخرجون)) مبتدأً، و((إذا متم)) خبراً، على معنى: إخراجُكم إذا متُّم، وتُجعل الجملة خبرَ ((أن)) الأولى، قال في ((البحر)): وهذا تخريجُ سهلٌ لا تكلُّفَ فيه(٥). ونَسَبه السخاويُّ في ((سفر السعادة)) إلى المبرِّد(٦). والذي يقتضيه جزالةُ النظم الكريم ما ذكرناه عن الفرَّاء ومَن معه. وفي قراءة عبد الله: ((أيعدُكم إذا متُّم)) بإسقاط ((أنكم)) الأولى(٧). (١) الأشباه والنظائر للسيوطي ٦٠/٦، وسفر السعادة لعلم الدين السخاوي ٧٧٩/٢. (٢) في الكتاب ١٣٢/٣-١٣٣. (٣) كما في معاني القرآن للنحاس ٤٥٦/٤، والبحر ٧٨١/٢. (٤) هو السخاوي في سفر السعادة وسفير الإفادة ٧٨٣/٢. (٥) البحر ٦/ ٤٠٤. (٦) سفر السعادة وسفير الإفادة لعلم الدين السخاوي ٢/ ٧٨١. (٧) الكشاف٣/ ٣٢، والبحر ٤٠٤/٦. سُوَّةُ المُؤْمنُونَ ٧٢ الآية : ٣٦ ﴿فَيْهَاتَ﴾ اسمٌ لِبَعُدَ، وهو في الأصل اسمُ صوتٍ، وفاعلُه مستترٌ فيه يرجع للتصديق، أو الصحة، أو الوقوع، أو نحوِ ذلك مما يُفْهِمُه السياق، فكأنه قيل: بَعُدَ التصديقُ أو الصحةُ أو الوقوعُ، وقولُه تعالى: ﴿فَيَِّاتَ﴾ تكريرٌ لتأكيد البعد، والغالبُ في هذه الكلمة مجيثُها مكرّرةً، وجاءت غيرَ مكرّرةٍ في قول جرير : . وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُهْ(١) وقوله سبحانه: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ ﴾﴾ بيانٌ لمرجع ذلك الضمير، فاللام متعلِّقةٌ بمقدَّرٍ كما في سقياً له، أي: التصديق أو الوقوع المتَّصِفُ بالبُعْدِ كائنٌ لما توعدون، ولا ينبغي أن يقال: إنه متعلّقُ بالضمير الراجع إلى المصدر كما في قوله: وما هو عنها بالحديث المرجَّم(٢) وما الحربُ إلَّا ما علمتُم وذُقْتمُ فإنَّ إعمال ضمير المصدر وإن ذهب إليه الكوفيون نادرٌ جدًّا لا ينبغي أن يُخرَّج عليه كلامُ الله تعالى، وقيل: لم يثبت والبيتُ قابلٌ للتأويل، وهذا كلُّه مع كون الضمير بارزاً، فما ظنُّك إذا كان مستتراً؟ والقولُ بأنَّ الفاعلِ محذوفٌ وليس بضميرٍ مستترٍ، وهو مصدرٌ كالوقوع والتصديق، والجارُّ متعلِّقٌ به، مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه أصلاً، لا سيما إذا كان ذلك المصدر المحذوفُ معرَّفاً كما لا يخفى. ويجوز أن يكون الفاعل ضميرَ الْبُعْدِ واللام للبيان، كأنه قيل: فُعِلَ البُعْدُ ووَقَعَ، ثم قيل: لماذا؟ فقيل: لما توعدون. وقيل: فاعلُ ((هيهات)): ((ما توعدون))، واللامُ سيفُ خطيب، وأيِّد بقراءة ابن أبي عبلة: ((هيهات هيهات ما توعدون)) بغير لام(٣). وردَّ بأنها لم تُعْهَدْ زيادتُها في الفاعل. (١) وصدره: فهيهات هيهات العقيق ومَن به، وهو في الديوان ٩٦٥/٢، والخصائص ٤٢/٣، وشرح المفصل ٣٥/٤، والدر المصون ٣٣٥/٨، وجاءت الرواية في الديوان بإبدال الهاء الأولى في هیهات همزة. (٢) البيت لزهير، وهو في ديوانه ص ١٨. وقال مَن استدل بالبيت: أي: وما الحديث عنها بالحديث المرجّم، قالوا: فعنها متعلق بالضمير. شرح قطر الندى ص ٤٣٥. (٣) المحرر الوجيز ١٤٣/٤، والبحر ٤٠٥/٦. الآية : ٣٦ ٧٣ سِورٍ الْمُؤْمنُون وقيل: هيهات بمعنى: البُعْدُ، وهو مبتدأ مبنيٌّ اعتباراً لأصله، خبرُه ((لما توعدون))، أي: البعدُ كائنٌ لما توعدون، ونُسب هذا التفسير للزجَّاج(١). وتعقَّبه في ((البحر)) بأنه ينبغي أن يكون تفسيرَ معنّى لا تفسيرَ إعرابٍ؛ لأنه لم تثبت مصدريةُ ((هيهات))(٢). وقرأ هارون عن أبي عمرو: ((هيهاتاً هيهاتاً) بفتحهما منوَّنتين للتنكير(٣)، كما في سائر أسماء الأفعال إذا نوِّنت، فهو اسمُ فعلٍ نكرة. وقيل: هو على هذه القراءة اسمٌ متمكِّنٌ منصوبٌ على المصدرية. وقرأ أبو حيوة والأحمر بالضم والتنوين (٤)، قال صاحب ((اللوامح))(٥): يحتمل على هذا أن تكون ((هيهات)) اسماً متمكِّناً مرتفعاً بالابتداء، و((لِما توعدون)» خبره، والتكرارُ للتأكيد، ويحتمل أن يكون اسماً للفعل والضمُّ للبناء، مثل: حَوْبُ، في زجر الإبل، لكنه نوِّن لكونه نكرةً. اهـ. وقيل: هو اسمٌ متمكِّنٌ مرفوعٌ على الفاعلية، أي: وقع بُعْدٌ. وعن سيبويه: أنها جمعٌ كبيضات(٦)، وأخذ بعضُهم منه تَسَاويَ مفرديهما في الزِّنة، فقال: مفردُها هَيْهَة كبيضة. وفي روايةٍ عن أبي حيوةً أنه ضمَّهما من غير تنوين(٧)، تشبيهاً لهما بـ : قَبْلُ وبَعْدُ في ذلك. (١) في معاني القرآن ١٣/٤. (٢) البحر ٦ /٤٠٥ . (٣) القراءات الشاذة ص ٩٧، والبحر ٤٠٤/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحتسب ٢/ ٩٠، والبحر ٤٠٤/٦. والأحمر هو عنبسة بن النضر أبو عبد الرحمن اليشكري، المقرئ النحوي، قرأ على أصحاب حمزة. طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٦٠٥. (٥) كما في البحر ٣٤١/٦. (٦) ينظر الكتاب ٢٦١/٣، والبحر ٤٠٥/٦. (٧) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحرر الوجيز ١٤٣/٤، والبحر ٤٠٤/٦. سُؤَةُ المؤمنُونَ ٧٤ الآية : ٣٧ وقرأ أبو جعفر وشيبةُ بالكسر فيهما من غير تنوين(١)، وروي هذا عن عيسى، وهو لغةٌ في تميم وأسد. وعنه أيضاً وعن خالد بن إلياس أنهما قرأا بكسرهما والتنوين(٢). وقرأ خارجة بن مصعب عن أبي عمرو والأعرج، وعيسى أيضاً، بالإسكان فيهما(٣)، فمنهم مَن يُبقي التاءَ ويقفُ عليها كما في مُسْلِمات، ومنهم مَن يُبَدِلُها هاءً تشبيهاً بتاء التأنيث ويقف على الهاء(٤). وقيل: الوقفُ على الهاء لاتِّباع الرسم(٥)، والذي يُفْهَمُ من ((مجمع البيان))(٦) أن ((هيهاتَ)) بالفتح تكتب بالهاء كأرطاة، وأصلُها هَيْهَيَة كَزَلْزَلَة، قُلبت الياء الثانية ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وكذا ((هيهاتٌ)) بالرفع والتنوين، وهي على هذا اسمٌ معربٌ مفرد، ومتى اعتبرت جمعاً كُتبت بالتاء وذلك إذا كانت مكسورة، منوَّنةً أو غيرَ منوَّنةٍ، ونَقَلَ ذلك عن ابن جنِّي(٧). وقرئ: ((أَيْها:)) بإبدال الهمزة من الهاء الأولى والوقفِ بالسكون على الهاء(٨). والذي أميلُ إليه أنَّ جميع هذه القراءات لغاتٌ والمعنى واحد. وفي هذه الكلمة ما يزيد عن أربعين لغةً، وقد ذُكر ذلك في ((التكميل لشرح التسهيل))(٩) وغيرِه. ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَاَ الدُّنْيَا﴾ أصلُه: إنِ الحياةُ إلَّ حياتُنا الدنيا، ثم وُضع الضميرُ موضعَ الحياة؛ لأن الخبر يدلُّ عليها ويبيِّنها، فالضميرُ عائدٌ على متأخِّرٍ، وعَوْدُه (١) النشر ٣٢٨/٢ عن أبي جعفر، وقرأ باقي العشرة بفتح التاء. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٧، والبحر ٤٠٤/٦-٤٠٥، والدر المصون ٣٣٨/٨. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٧، والمحتسب ٢/ ٩٠، والبحر ٤٠٥/٦. (٤) وقف البزي والكسائي بالهاء والباقون بالتاء. التيسير ص ٦٠، والنشر ١٣١/٢. (٥) الدر المصون ٨/ ٣٤٠، وذكر الداني في المقنع ص ٨١ أنهم رسموا ((هيهات هيهات)) بالتاء. وقال علم الدين السخاوي في كتاب الوسيلة إلى كشف العقيلة ص ٤٥٦: وهاؤه مشبَّهة بتاء التأنيث، ولذلك وقف عليها بالهاء مَن وقف، وهو في المصحف بالتاء. (٦) ١٤٩/١٨. (٧) ينظر المحتسب ٩١/٢-٩٢. (٨) الإملاء ٥٦/٤، والدر المصون ٣٣٨/٨. (٩) لأبي حيان، وقد أشار لذلك أبو حيان في البحر ٦/ ٤٠٥. الآية : ٣٧ ٧٥ سُؤَةُ الْمُؤْمِنُونَ كذلك جائزٌ في صُوَرٍ، منها إذا فسِّر بالخبر كما هنا، كذا قالوا. واعتُرض: بأنَّ الخبر موصوفٌ، فتلاحَظُ الصفة في ضميره كما هو المشهور في الضمير الراجع إلى موصوف، وحينئذٍ يصير التقدير: إنْ حياتُنا الدنيا إلا حياتُنا الدنيا . وأجيب: بأن الضمير قد يعود إلى الموصوف بدون صفته، وهذا في الآخرة يعود إلى القول بأنَّ الضمير عائدٌ على ما يُفْهَمُ من جنس الحياة؛ ليفيدَ الحملُ ما قصدوه من نفي البعث، فكأنهم قالوا: لا حياةً إلا حياتنا الدنيا، ومن ذلك يُعلم خطأُ مَن قال: إنه كشعري شعري(١)، ومن هذا القبيل - على رأي - قولُهم: هي العرب تقول ما شاءت، وقولُه: هي النفسُ ما حمَّلْتَها تَتحمَّلُ وللذَّهر أيامٌ تجورُ وتَعْدِلُ(٢) وفي ((الكشف)): ليس المعنى: النفسُ النفسُ؛ لأنه لا يَصْلُحُ الثاني حينئذٍ تفسيراً والجملةُ بعدها بياناً، بل الضمير راجعٌ إلى معهودٍ ذهنيٌّ أُشيرَ إليه ثم أُخبر بما بعده، كما في: هذا أخوك. انتهى، فتأمَّل ولا تغفل. وقوله تعالى: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ جملةٌ مفسِّرة لِمَا الدَّعَوْه من أنَّ الحياة هي الحياةُ الدنيا، وأرادوا بذلك: يموت بعضُنا ويُؤْلَدُ بعضٌ وهكذا، وليس المرادُ بالحياة حياةً أخرى بعد الموت؛ إذ لا تَصْلُحُ الجملة حينئذٍ للتفسير، ولا يذمُّ قائلها، وناقضَتْ قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وقيل: أرادوا بالموت العدمَ السابق على الوجود، أو أرادوا بالحياة بقاءً أولادهم؛ فإنَّ بقاء الأولاد في حكم حياة الآباء، ولا يخفى بعدُه. ومثلُه على ما قيل - وأنا لا أراه كذلك - أنَّ القوم كانوا قائلين بالتناسخ، فحياتُهم بتعلُّق النفس التي فارقت أبدانَهم بأبدانٍ أُخَرَ عنصريةٍ تنقَّلتْ في الأطوار حتى استعدَّتْ لِأنْ تتعلَّق بها تلك النفسُ المغارِقَةُ، فزيدٌ - مثلاً - إذا مات تتعلَّق (١) قطعة من رجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص ٩٩، وتمامه: أنا أبو النجم وشعري شعري، وسلف ٤١٧/٢ و٣١٠/٧. (٢) البيت لعلي بن الجهم، وهو في ديوانه ص ١٦٢ . سُؤَةُ المُؤْمنُونَ ٧٦ الآية : ٣٨ - ٤٠ نفسُه ببدنٍ آخَرَ قد استعدَّ في الرحم للتعلّق، ثم يولد، فإذا مات أيضاً تتعلَّقُ نفسُه ببدنٍ آخَرَ كذلك، وهكذا إلى ما لا يتناهى، وهذا مذهبٌ لبعض التناسخية، وهم مِلِّيون ونِحَلُّون. ويمكن أن يقال: إنَّ هذا على حدٍّ قوله تعالى لعيسى عليه السلام: ﴿إِنّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى﴾ [آل عمران: ٥٥] على قولٍ، فإنَّ العطف فيه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب، فيجوز أن تكون الحياة التي عَنَوْها الحياةَ التي قبل الموت، ويحتمل أنهم قالوا: نحيا ونموت، إلا أنه لمَّا حُكي عنهم قيل: ((نموت ونحيا)) ليكون أَوْفَقَ بقوله تعالى: (إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا)، ثم المراد بقولهم: (وما نحن)) إلخ استمرارُ النفي وتأكيده. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو ﴿إِلَّا رَجُلُّ اقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ فيما يدَّعيه من إرساله تعالى إياه، وفيما يَعِدُنا مِن أنَّ الله تعالى يبعثنا ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِينَ (٣٨) بمصدِّقين فيما يقوله، والمرادُ أيضاً استمرارُ النفي وتأكيدُه. ﴿قَالَ﴾ أي: رسولُهم عند يأسه من إيمانهم، بعد ما سلك في دعوتهم كلَّ مسلكِ متضرِّعاً إلى الله عز وجل: ﴿رَبِّ ◌ٌنصُرْنِ﴾ عليهم وانتقم لي منهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ ®﴾ أي: بسبب تكذيبهم إياي وإصرارِهم عليه، أو بَدَلَ تكذيبهم. ويجوز أن تكون الباء آليةً وما موصولةً كما مرَّ في قصة نوح عليه السلام. ﴿قَالَ﴾ تعالى إجابةً لدعائه، وعِدَةً بما طلب: ﴿عَمَّا قَلِلٍ﴾ أي: عن زمانٍ قليل، فـ ((ما)) صلةٌ بين الجارِّ والمجرور جيءَ بها لتأكيد معنى القلّة، و((قليلٍ)) صفةٌ لزمانٍ حُذِفَ واستغني به عنه، ومجيئه كذلك كثيرٌ. وجوِّز أن تكون ((ما)) نكرةً تامةً، و((قليل)) بدلاً منها، وأن تكون نكرةً موصوفةً بـ ((قليل)). و ((عن)) بمعنى بَعْدَ هنا، وهي متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿لَيْصِحُنَّ نَدِمِينَ ٤٠ وتعلُّقها بكلِّ من الفعل والوصف محتملٌ، وجاز ذلك مع توسُّط لامِ القسم؛ لأنَّ الجارَّ كالظّرْفِ يُتوسَّعُ فيه ما لا يتوسّع في غيره. وقال أبو حيان: جمهورُ أصحابنا على أنَّ لام القسم لا يتقدَّمها معمولُ ما بعدَها سواءٌ كان ظرفاً أم جارًّا ومجروراً أم غيرَهما، وعليه يكون ذلك متعلِّقاً بمحذوفٍ الآية : ٤١ ٧٧ سُؤَدَّةُ الْمُؤْمنُون يدلُّ عليه ما قبلَه، والتقدير: عمَّا قليل تُنْصَرُ، أو ما بعده، أي: يُصْبِحون عمَّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ .. إلخ، ومذهبُ الفرَّاء وأبي عبيدةً أنه يجوز تقديمُ معمولِ ما في حيِّز هذه اللام عليها مطلقاً(١). و(يصبح)) بمعنى يصير، أي: بالله تعالى ليَصيرُنَّ نادمين على ما فعلوا من التکذیب بعد زمانٍ قلیل، وذلك وقت نزول العذاب في الدنیا ومُعاینتهم له، وقيل: بعد الموت. وفي ((اللوامح)) (٢) عن بعضهم: ((لتُصْبِحُنَّ)) بتاءٍ على المخاطبة، فلو ذهب ذاهبٌ إلى أنَّ القول من الرسول إلى الكفار بعد ما أُجيب دعاؤه لكان جائزاً. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحةُ جبريل عليه السلام، صاح عليه السلام بهم فدمّرهم، وهذا على القول بأنَّ القرنَ قومُ صالح عليه السلام ظاهرٌ، ومَن قال: إنهم قومُ هودٍ عليه السلام، أَشْكَلَ ظاهرُ هذا عليه، بناءً على أن المصرَّح به في غير هذه السورة أنهم أُهلكوا بريح عاتيةٍ. وأجاب بأنَّ جبريل عليه السلام صاح بهم من الريح كما روي في بعض الأحاديث(٣)، وفي ذكر كلِّ على حِدَةٍ إشارةٌ إلى أنَّ كلَّا لو انفرد لتدميرهم لكفی. ويَجوزُ أن يُراد بالصيحة العقوبةُ الهائلةُ والعذابُ المُصْطَّلِمُ، كما في قوله: صاح الزمان بآل برمك صيحةً خرُّوا لشدَّتها على الأذقان(٤) ﴿بَلْحَقِ﴾ متعلِّقٌ بالأخذ، أي: بالأمر الثابت الذي لا مَدْفعَ له، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِاَلْقِّ﴾ [ق: ١٩]. أو بالعدل من الله عز وجل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحقِّ، إذا كان عادلاً في قضاياه. أو بالوعد الصِّدق الذي وُعِدَه الرسولُ في ضِمْنٍ قوله تعالى: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيْبِحُنَّ نَكِمِينَ). (١) البحر ٣٠٥/٦ دون قوله: أو ما بعده أي يصبحون عما قليل ليصبحن .. إلخ. (٢) كما في البحر ٣٠٥/٦. (٣) حاشية الشهاب ٣٣١/٦، وذكره القرطبي ٤٤/١٥ عن التفاسير. (٤) تفسير الرازي ٩٩/٢٣، والبحر ٤٠٦/٦، وتفسير أبي السعود ١٣٥/٦، وحاشية الشهاب ٣٣١/٦. وروى ابن عساكر في تاريخه ٣١/١٢ أن أبا تمام أنشده في أبيات يخاطب بها الأمير عبد الله بن طاهر برواية: صاح الزمان بآل قومك صيحة .... سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ ٧٨ الآية : ٤٢ - ٤٤ ﴿فَجَعَلْنَهُمْ غُتَهُ﴾ أي: كغثاء السيل، وهو ما يَحمِلُه من الورق والعيدان البالية، ويُجمع على أغثاء شذوذاً، وقد تُشدَّد ثاؤه كما في قول امرئ القيس: كأنَّ ذُرَى رأسِ المُجَيْمِرِ(١) غدوةً من السيل والغشَّاء فَلْكَةُ مِغْزَلٍ (٢) ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ يَحْتمِلُ الإخبارَ والدعاءَ، والبعدُ ضدُّ القُرْبِ، والهلاكُ، وفِعْلُهما ككَرُمَ وفَرِحَ، والمتعارَفُ الأولُ في الأول، والثاني في الثاني، وهو منصوبٌ بمقدَّرٍ، أي: بَعُدُوا بُعْداً من رحمة الله تعالى، أو من كلِّ خيرٍ، أو من النجاة، أو هلكوا هلاكاً. ويجب حذفُ ناصب هذا المصدر عند سيبويه فيما إذا كان دُعائيًّا، كما صرَّح به في ((الدرِّ المَصُون))(٣). واللامُ لبيانِ مَن دعي عليه، أو أُخْبِرَ بُيُعْدِهِ، فهي متعلِّقٌ بمحذوفٍ لا بـ ((بُعْداً)»، ووضع الظاهر موضعَ الضمير إيذاناً بأنَّ إبعادهم لظلمهم. ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: بعد هلاكهم ﴿قُرُوْنَا ءَاخَرِينَ ﴾﴾ هم عند أكثر المفسرين قومُ صالحٍ وقومُ لوطٍ وقومُ شعيبٍ وغیرُ ذلك. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ أي: ما تتقدَّم أمةٌ من الأمم المهلَكةِ الوقتَ الذي عيِّن الهلاكهم، فـ ((مِن)) سيفُ خطيبٍ جيءَ بها لتأكيد الاستغراق المستفادِ من النكرة الواقعة في سياق النفي، وحاصلُ المعنى: ما تهلك أمةٌ من الأمم قبل مجيءٍ أجلها ﴿وَمَا ذلك الأَجَلَ ساعةً. وضمير الجمع عائدٌ على ((أمة)) باعتبار المعنى. يَسْتَشْخِرُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ عطفٌ على ((أنشأنا))، لكنْ لا على معنَى أنَّ إرسالهم متراخٍ عن إنشاء القرون المذكورة جميعاً، بل على معنى أنَّ إرسالَ كلِّ رسولٍ متأخّرٌ عن إرسالٍ قرنٍ مخصوصٍ بذلك الرسول، كأنه قيل: ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين قد أرسلنا إلى كلِّ قرنٍ منهم رسولاً خاصًّا به. (١) جاء في هامش(م): من جبال بني أسد. اهـ منه. (٢) ديوان امرئ القيس ص٢٥، وشرح المعلقات للنحاس ٤٨/١، وللتبريزي ص ٧٠، ورواية الديوان: كأن طمية المجيمر غدوة ... ، وهي رواية الأصمعي كما ذكر ذلك التبريزي، والمجيمر: أرض لبني فزارة، وطمية: جبل في بلادهم، يقول: قد امتلأ المجيمر، فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل؛ لما جمع السيل حوله من الغثاء. (٣) ٣٤٤/٨، ونقله المصنف عنه وعن سيبويه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٢/٦. الآية : ٤٤ ٧٩ رَةَ المُؤْمنُون والفصلُ بين المعطوفَيْنِ بالجملة المعترضة للمسارعة إلى بيانِ هلاكٍ أولئك القرون على وجهٍ إجماليٍّ. وتعليقُ الإرسال بالرسل نظيرُ تعليقِ القتل بالقتيل في: مَن قتل قتيلاً، وللعلماء فيه توجيهاتٌ. ﴿َتَْأَ﴾ من المُواتَرةِ، وهو التَّتابُعُ مع فصلٍ ومهلةٍ على ما قاله الأصمعيّ، واختاره الحريريُّ في ((الدرة))(١). وفي ((الصحاح)): المُواتَرةُ: المتابعةُ، ولا تكون المواترةُ بين الأشياء إلَّا إذا وقعت بينها فترةٌ، وإلَّا فهي مُدَارَكة [ومواصلة](٢). ومثلُه في ((القاموس))(٣). وعن أبي عليٍّ أنه قال: المواترةُ أن يتبعَ الخبرُ الخبرَ والكتابُ الكتابَ، فلا يكون بينهما فصلٌ كثير (٤). ونَقَلَ في ((البحر) عن بعضٍ: أنَّ المواترةَ التتابعُ بغير مُهْلةٍ(٥). وقيل: هو التتابعُ مطلقاً . والتاء الأولى بدلٌ من الواو كما في تُرَاثٍ وتُجَاهٍ، ويدلُّ على ذلك الاشتقاق. وجمهورُ القرَّاء والعربِ على عدم تنوينه، فألِفُه للتأنيث كألفِ دَعْوَى وذِكْرَى. وهو مصدرٌ في موضع الحال، والظاهرُ أنه حالٌ من المفعول، والمراد كما قال أبو حيان والراغب وغيرُهما: ثم أرسلنا رسلنا متواترين(٦). وقيل: حالٌ من الفاعل، والمراد: أرسلنا متواترين(٧). وقيل هو صفةٌ لمصدرٍ مقدَّرٍ، أي: إرسالاً متواتراً. وقيل: مفعولٌ مطلقٌ لـ ((أرسلنا))؛ لأنه بمعنى واتَّرْنا. (١) درة الغوَّاص ص ٧-٨. (٢) الصحاح (وتر)، وما بين حاصرتين منه. (٣) مادة (وتر). (٤) الحجة ٢٩٥/٥. (٥) البحر ٣٩٣/٦. (٦) البحر ٦/ ٤٠٧، ومفردات الراغب (تترى). (٧) كذا في الأصل و(م)، والصواب: مواترين. ينظر إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٣، وحاشية الشهاب ٣٣٢/٦. سُوَّةُ المؤمنُون ٨٠ الآية : ٤٤ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادةُ وأبو جعفر وشعبةٌ (١) وابنُ محيصٍ والإمام الشافعيُّ عليه الرحمة: ((تترّى)): بالتنوين (٢)، وهو لغةُ كنانةَ، قال في ((البحر)): وينبغي عند مَن ينوِّنُ أن تكون الألفُ فيه للإلحاق، كما في أَرْطى وعَلْقى، لكنَّ ألفَ الإلحاق في المصادر نادرة(٣). وقيل: إنَّها لا توجَدُ فيها. وقال الفرَّاء: يقال: تَثْرٌ في الرفع، وتَثْرِ في الجرِّ، وتَتْراً في النصب، فهو مثلُ صَبْرٍ ونَصْرٍ، ووزنُه فَعْلٌ لا فَعْلَى، ومتى قيل: تَتْرى بالألف فألفُه بدلُ التنوين كما في: صَبَرْتُ صبراً، عند الوقف(٤). ورُدَّ بأنه لم يُسمع فيه إجراءُ الحركات الثلاث على الراء، وعلى مدَّعيه الإثبات، وأيضاً گتبُه بالياء یابی ذلك. وما ذكرنا من مصدريةِ ((تترى)) هو المشهور، وقيل: هو جمعٌ، وقيل: اسمُ جمع. وعلى القولين هو حالٌ أيضاً. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةُ رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لمجيءٍ كلِّ رسول لأمته، ولِمَا صَدَرَ عنهم عند تبليغِ الرسالة. والمرادُ بالمجيء: إما التبلیغُ، وإما حقيقةُ المجيء؛ للإيذان بأنهم كذّبوه في أول الملاقاة. وإضافة الرسول إلى الأمة مع إضافة كلِّهم فيما سبق إلى نون العظمة؛ لتحقيق أنَّ كلَّ رسولٍ جاء أمته الخاصةَ به، لا أنَّ كلَّهم جاؤوا كلَّ الأمم، وللإشعار بكمال شناعةِ المكذِّبينَ وضلالِهم، حيث كذَّبوا الرسول المعيّن لهم. وقيل: أضاف سبحانه الرسول مع الإرسال إليه عز وجل، ومع المجيءٍ إلى المرسَلِ إليهم، لأنَّ الإرسال الذي هو مبدأُ الأمر منه تعالى، والمجيءَ الذي هو منتهاهُ إليهم. (١) في البحر ٦/ ٤٠٧ (والكلام منه): وشيبة. (٢) التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. (٣) البحر ٣٩٤/٦، والدر المصون ٣٤٥/٨. والأرطى: شجر ثمره مرٍّ وعروقه حمر، الواحدة أرطاة. والعلقى: نبتٌ يكون واحداً وجمعاً، يتخذ منه المكانس، ويشرب طبيخه للاستسقاء. القاموس (أرط) و(علق). (٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٣٦/٢.