Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ١٠٧
٢٢١
سُؤَدَةُ الإنْسِيََّاءِ
صالحٌ، ولا صلاحٌ في معيشة، ولا قوامٌ لمملكة، ولكان الناسُ بمنزلةِ البهائم
والسباع العادِيَة والكلاب الضارية التي يَعْدُو بعضُها على بعض، وكلُّ خيرٍ في
العالم فمِن آثارِ النبوّة، وكلُّ شرِّ وقع في العالمَ أو سيقع، فبسبب خفاءِ آثارِ النبوّة
ودُرُوسِها، فالعالمَ جسدٌ روحُه النبؤَّة، ولا قيامَ للجسد بدون روحِه، ولهذا إذا
انكسفت شمسُ النبوّة مِن العالم ولم يَبْقَ في الأرض شيء مِن آثارها ألبتة، انشقَّت
سماؤه، وانتشرت كواكبُه، وكوِّرت شمسُه، وخُسفَ قمرُه، ونُسفت جبالهُ، وزُلزلت
أرضُه، وأُهلك مَن عليها، فلا قيامَ للعالَم إلا بآثار النبوّة. اهـ. وإذا سُلِّمَ هذا، عُلمَ
منه بواسطة كونه ◌َ ﴿ أكملَ النبيين وما جاء به أجلُّ ممَّا جاؤوا به عليهم السلام وإن
لم يكن في الأصول اختلافُ وجهِ كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمةً للعالمين
أيضاً، لكن لا يخلو ذلك عن بحث.
وزعم بعضُهم أنَّ العالمينَ هنا خاصٌّ بالمؤمنين، وليس بشيءٍ، ولواحدٍ من
الفضلاء كلامٌ طويل في هذه الآية الكريمة، نقضَ فيه وأبرمَ، ومنعَ وسلَّم، ولا أرى
له منشأً سوى قلَّةِ الاطّلاع على الحقِّ الحقيق بالاتِّباع، وأنت متى أخذت العنايةُ
بيدِك بعد الاطلاع عليه، سَهُلَ عليك ردُّه ولم يهولكَ هزلُه وجِدُّه، والذي أختاره
أَنَّهِ وَهِ إِنَّمَا بُعِثَ رحمةً لكلِّ فردٍ فردٍ مِن العالمين ملائكتِهم وإنسِهم وجنِّهم،
ولا فرقَ بين المؤمن والكافر مِن الإنس والجنِّ في ذلك، والرحمة متفاوتةٌ، ولبعض
مِن العالمين المعلَّى والرقيب(١) منها، وما يُرى أنَّه ليس مِن الرحمة؛ فهو إمَّا منها
في النظر الدقيق، أو ليس مقصوداً بالقصد الأولى كسائر الشرورِ الواقعة في
العالَم بناءً على ما حقِّق في محلِّه أنَّ الشَّرَّ ليس داخلًا في قضاء الله تعالى بالذات،
وممَّا هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قيلَ
يا رسولَ الله: ادْعُ على المشركين: قال: ((إنّي لم أُبعَث لعَّاناً، وإنَّما بُعِثْتُ
رحمةً))(٢)، ولعلَّه يؤيِّد نصبَ ((رحمة)) في الآية على الحالِ، كقوله ◌َّل الذي أخرجه
البيهقيُّ في ((الدلائل)) عن أبي هريرة: ((إنَّما أنا رحمةٌ مهداةٌ»(٣)، ولا يشينُ احتمال
(١) سلف معناهما ٣٨٢/٣.
(٢) سلف ٤/ ٢٠٠.
(٣) سلف ٤ / ٦٣ .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٢٢٢
الآية : ١٠٨
التعليلِ ما ذهب إليه الأشاعرةُ مِن عدم تعليلِ أفعاله عزَّ وجلَّ، فإنَّ الماتريديَّةَ وكذا
الحنابلة ذهبوا إلى خلافِهِ، وردُّوه بما لا مزيدَ عليه، على أنَّه لا مانعَ مِن أن يقال
فيه كما قيل في سائرِ ما ظاهرُه التعليل، ووجودُ المانع هنا توقُّم محضٍّ، فتدبّر، ثم
لا يخفى أنَّ تعلق (للعالمين)) بـ ((رحمة)) هو الظاهر.
وقال ابنُ عطيّة (١): يحتمل أن يتعلَّق بـ ((أرسلناك)). وفي ((البحر)) (٢): لا يجوز
على المشهور أنْ يتعلَّق الجارُّ بعد ((إلَّا)) بالفعل قبلها، إلا إن كان العاملُ مفرغاً له،
نحو: ما مررتُ إلَّا بزيد.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوَ إِلَىَ أَنَمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ ذهب جماعةٌ إلى أنَّ في الآية
حصرين بناءً على أنَّ ((أنَّما)) المفتوحة تفيد ذلك كالمكسورة، والأوَّل لقَصْرِ الصفة
على الموصوف، والثاني لقَصْر الموصوف على الصفة، فالثاني قصرَ فيه الله تعالى
على الوحدانيَّة، والأول قصرَ فيه الوحي على الوحدانيَّة، والمعنى: ما يُوحَى إليَّ
إلَّا اختصاصُ اللهِ تعالى بالوحدانيَّة.
واعتُرضَ بأنَّه كيف يُقْصَر الوحي على الوحدانيَّة، وقد أُوحي إليه ◌َِّ أمورٌ كثيرة
غيرُ ذلك كالتكاليف والقصص؟.
وأُجيب بوجهين: الأوَّل: أنَّ معنى قَصْره عليه أنَّه الأصلُ الأصيل، وما عداه
راجعٌ إليه أو غيرُ منظور إليه في جنبه، فهو قَصْر ادعائيٌّ.
والثاني: أنَّه قَصْرُ قَلْب بالنسبة إلى الشِّرْكِ الصادر من الكفَّار، وكذا الكلام في
القَصْر الثاني .
وأنكر أبو حيَّان(٣) إفادةَ ((أَنَّما)) المفتوحةَ الحصرَ؛ لأنَّها مؤوَّلة بمصدر واسم
مفردٍ، وليست كالمكسورة المؤَّلة بـ ((ما)) و((إلا))، وقال: لا نَعلمُ خلافاً في عدم
إفادتِها ذلك، والخلاف إنَّما هو في إفادة ((إنَّما)) المكسورة إيَّاه.
(١) المحرر الوجيز ١٠٣/٤.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٤٤.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٣٤٤.

الآية : ١٠٨
٢٢٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وأنتَ تَعلم أنَّ الزمخشريَّ(١) وأكثرَ المفسرين ذهبوا إلى إفادتها ذلك، والحقُّ
مع الجماعة، ويؤيِّده هنا أنَّها بمعنى المكسورة؛ لوقوعها بعد الوحي الذي هو في
معنى القول، ولأنَّها مقولةُ ((قل)) في الحقيقة، ولا شكَّ في إفادتها التأكيد، فإذا
اقتضى المقامُ القَصْرَ كما فيما نحن فيه، انضمَّ إلى التأكيد، لكنَّه ليس بالوضع
كما في المكسورة، فقد جاء ما لا يَحتمله كقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ﴾
[ص: ٢٤] ولذا فسَّره الزمخشريُّ(٢) بقوله: ابتليناه لا محالة، مع تصريحه بالخَصْر
هنا، نعم في توجيه القَصْر هنا بما سمعتَ مِن كونه قَصْر اللهِ تعالى على الوحدانيَّة
ما سمعته في آخر سورة الكهف، فتذكَّر.
وجوِّز في ((ما)) في ((إنَّما يوحى)) أن تكون موصولةً، وهو خلافُ الظاهر.
وتجويزه فيما بَعْدُ بعيدٌ جدًّا موجبٌ لتكلُّفٍ لا يخفى.
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ أي: منقادونَ لما يُوحَى إليَّ من التوحيد، وهو
استفهام يتضمَّن الأَمْرَ بالانقياد، وبعضُهم فسَّر الإسلامَ بلازمه، وهو إخلاصُ
العبادة له تعالى، وما أشرنا إليه أَولى.
والفاء للدلالة على أنَّ ما قبلها موجبٌ لما بعدها، قالوا: فيه دلالةٌ على أنَّ
صفةَ الوحدانيَّة يصحُّ أن يكون طريقها السمع؛ بخلاف إثباتِ الواجب، فإنَّ طريقَه
العقلُ؛ لئلا يلزم الدورُ.
قال في ((شرح المقاصد)(٣): إنَّ بعثةَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصِدْقَهم
لا يتوقَّف على الوحدانيَّة، فيجوز التمسُّك بالأدلَّة السمعيَّة، كإجماع الأنبياء عليهم
السلام على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك، وكالنصوص القطعيَّة مِن كتاب الله
تعالى على ذلك، وما قيل: إنَّ التعدُّدَ يستلزم الإمكانَ لما عرفت مِن أدلة التوحيد،
وما لم تعرف أنَّ اللهَ تعالى واجبُ الوجود خارجٌ عن جميع الممكنات لم يتأثَ
إثباتُ البعثة والرسالة = ليس بشيء؛ لأنَّ غايةَ استلزامِ الوجوب الوحدةُ لا استلزامُ
(١) الكشاف ٥٨٦/٢ .
(٢) الكشاف ٣٧١/٣.
(٣) للتفتازاني ٣٨/٤.

سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
٢٢٤
الآية : ١٠٩
معرفتِهِ معرفتها، فضلًا عن التوقُّف، وسبب الغَلَط عدمُ التفرقة بين ثبوت الشيء
والعلم بثبوته. انتهى.
وتفريعُ الاستفهامِ هنا صريحٌ في ثبوت الوحدانيَّة بما ذكر، وقول صاحب
((الكشف)): إنَّ الآيةَ لاَ تَصلُح دليلًا لذلك؛ لأنَّه إنَّما يُوحَى إليه وَِّ ذلك مبرهناً
لا على قانونِ الخطابة، فلعلَّ نزولُها كان مصحوباً بالبرهان العقليِّ ليس بشيءٍ؛
لظهور أنَّ التفريعَ على نفس هذا الموحى، وكون نزوله مصحوباً بالبرهان العقليّ،
والتفريع باعتباره غيرُ ظاهر.
﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ﴾ عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه ﴿فَقُلْ﴾ لهم:
﴿وَذَنُكُمْ﴾ أي: أَعلمتُكم ما أُمرتُ به، أو: حربي لكم.
والإيذان: إفعالٌ مِن الإذن، وأصله العِلْم بالإجازة في شيء وترخيصه، ثم
تجوِّز به عن مُطلَق العِلْم، وصيغ منه الإفعال، وكثيراً ما يتضمَّن معنى التحذير
والإنذار، وهو يتعدَّى لمفعولين الثاني منهما مقدَّر كما أشير إليه.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ في موضع الحال مِن المفعول الأوَّل، أي: كائنين
على سواء في الإعلام بذلك، لم أخصَّ أحداً منكم دون أحدٍ. وجوِّز أن يكون في
موضع الحال مِن الفاعل والمفعول معاً، أي: مستوياً أنا وأنتم في المعاداة، أو في
العِلْم بما أَعلمتكم به مِن وحدانيّة الله تعالى؛ لقيام الأدلّة عليها.
وقيل: ما أعلمهم وَّ ر به يجوز أن يكون ذلك، وأن يكون وقوعُ الحرب في
البينِ واستوائِهم في العِلْم بذلك جاء مِن إعلامِهم به، وهم يعلمون أنَّه عليه الصلاة
والسلام الصادقُ الأمينُ، وإن كانوا يجحدونَ بعضَ ما يُخبِر به؛ عناداً، فتدبَّر.
وجوِّز أن يكون الجارُّ والمجرورُ في موضع الصفة لمصدر مقدَّر، أي: إيذاناً
على سواء. وأن يكون في موضع الخبر؛ لأنَّ مقدَّره، أي: أعلمتكم أنِّي على
سواء، أي: عدلٍ واستقامةِ رأي بالبرهان النيِّر، وهذا خلافُ المتبادر جدًّا.
وفي ((الكشاف))(١) إنَّ قوله تعالى: ((آذنتكم)) إلخ، استعارةٌ تمثيليّة، شُبِّهَ بمَن بينه
(١) للزمخشري ٥٨٦/٢.

الآية : ١١٠، ١١١
٢٢٥
سُورَةُ الإنْسَاءِ
وبين أعدائه هُدْنةٌ، فأحسَّ بغَدْرِهم فنبذَ إليهم العهدَ وشَهَرَ النَّبْذَ وأَشاعه وآذنَهُم
جميعاً بذلك، وهو مِن الحُسْنِ بمكان.
﴿وَإِنْ أَدْرِى﴾ أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبُّ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (3﴾ من غَلَبة
المسلمينَ عليكم وظهور الدين، أو الحشرِ مع كونه آتياً لا محالةَ، والجملة في موضع
نصبٍ بـ ((أدري)). ولم يَجيء التركيبُ: أقريب ما توعدون أم بعيدٌ؛ لرعايةَ الفواصل.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: ما تجهرونَ به مِن الَّعْنِ في الإسلام
وتكذيبِ الآيات التي مِن جملتها ما نطق بمَجيْءِ الموعود ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
من الإِحَن والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيراً وقِظْميراً.
﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ أي: ما أَدري لعلَّ تأخيرَ جزائِكم(١) استدراجٌ
لكم وزيادةٌ في افتتانِكم، أو امتحانٌ لكم لينظرَ كيف تعلمون، وجملة ((لعلَّه)) إلخ في
موضع المفعول على قياس ما تقدَّم.
والكوفيُّون يُجرونَ ((لعلَّ) مُجرى ((هل)) في كونها معلَّقة. قال أبو حيَّان(٢):
ولا أَعلمُ أحداً ذهب إلى أنَّ ((لعلَّ) مِن أدواتِ التعليق، وإن كان ذلك ظاهراً
فيها .
وعن ابنِ عامر (٣) في روايةٍ أنَّه قرأ: ((أدريَ)) بفتح الياء في الموضعين؛ تشبيهاً
لها بياء الإضافة لفظاً، وإن كانت لامَ الفعل ولا تُفْتَح إلا بعامل، وأَنكر ابنُ مجاهدٍ
فتح هذه الياء.
﴿وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ ﴾﴾ أي: وتمتيعٌ لكم وتأخيرٌ إلى أجلٍ مقدَّر تقتضيه مشيئتُه
المبنيَّة على الحِكم البالغة، ليكون ذلك حجَّة عليكم. وقيل: المرادُ بالحينِ يوم
بدرٍ. وقيل: يوم القيامة.
(١) جاء فوقها في الأصل: فالضمير لما علم من الكلام. انتهى. منه.
(٢) البحر المحيط ٣٤٥/٦.
(٣) في الأصل و(م): ابن عباس، والمثبت من البحر المحيط ٣٤٥/٦، والكلام وما بعده منه
أيضاً، والقراءة عن ابن عامرٍ - في رواية - عند ابن جني في المحتسب ٦٨/٢، وذكرها أيضاً
العكبري في الإملاء ٢١/٤ دون نسبة. ولم نقف على قراءةٍ بذلك لابن عباس.

سُورَةُ الأَنْبََّاءِ
٢٢٦
الآية : ١١٢
﴿قَالَ رَبِّ امْكُ بِلْحَقِّ﴾ حكايةٌ لدعائِهِ وَّهِ. وقرأ الأكثر: ((قُلْ)) على صيغة الأمر(١).
والحُكْمِ: القضاءُ. والحقُّ: العدلُ، أي: ربِّ اقْضٍ بيننا وبين أهلِ مَّة بالعدل
المقتضي لتعجيل العذاب والتشديد عليهم، فهو دعاءٌ بالتعجيل والتشديد، وإلا فكلُّ
قضائه تعالى عَدْلٌ وحقٌّ، وقد استُجيب ذلك حيث عُذِّبوا ببدرٍ أيَّ تعذيبٍ.
وقرأ أبو جعفرٍ: ((ربُّ)) بالضمِّ(٢) على أنَّه منادى مفرد، كما قال صاحب
((اللوامح))، وتعقّبه بأنَّ حذفَ حرفِ النداء مِن اسم الجنس شاذٍّ بابُه الشِّعْرُ. وقال
أبو حيَّان(٣): إنَّه ليس بمنادى مُفرَد، بل هو منادى مضافٌ إلى الياء، حُذف
المضافُ إليه وبُنيَ على الضمِّ، ((كقَبْلُ)) و(بَعْدُ»، وذلك لغةٌ حكاها سيبويه (٤) في
المضاف إلى ياء المتكلِّم حالَ ندائه، ولا شذوذَ فیه.
وقرأ ابن عباس، وعكرمةُ، والجحدريُّ، وابنُ محيصن: ((ربِّيْ)) بياء ساكنة،
((أَحْكَم)) على صيغة التفضيل(٥)، أي: أَنْفَذُ، أو: أعدل حكماً، أو: أَعظمُ حكمة.
فـ (ربِّي أَحْكَمُ)): مبتدأ وخبرٌ.
وقرأت فرقةٌ: ((أَحْكَمَ)) فعلًا ماضياً(٦) ﴿وَرَبْنَا الَّهْمَنُ﴾ مبتدأ وخبرٌ، أي: كثيرُ
الرحمة على عبادِهِ. وقوله سبحانه: ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ أي: المطلوب منه العونُ، خبرٌ
آخَرُ للمبتدأ. وجوِّز كونه صفة لـ ((الرحمن))، بناءً على إجرائه مُجرى العلم. وإضافة
الرَّبِّ فيما سَبَقَ إلى ضميرِهِ وَّهِ خاصَّة لما أنَّ الاستعانةَ مِن الوظائف الخاصَّة به
عليه الصلاة والسلام كما أنَّ إضافته هاهنا إلى ضميرِ الجمع المنتظم للمؤمنينَ أيضاً
لما أنَّ الاستعانةَ مِن الوظائف العامَّة لهم.
(١) قرأ حفص: ((قال))، وقرأ الباقون: ((قُلْ)). التيسير ص١٥٦، والنشر ٣٢٥/٢.
(٢) النشر ٣٢٥/٢، والقراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٩/٢، وزاد ابن خالويه نسبتها
لابن كثير في رواية، ووجه القراءة في النشر على أنها لغة معروفة جائزة، وليس على أنها
منادى مفرد كما نُقل عن أبي الفضل الرازي في كتابه اللوامح، وسيذكره عنه المصنّفُ قريباً .
نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٣٤٥/٦، وهو الآتي قريباً .
(٣) البحر المحيط ٣٤٥/٦، وما قبله منه أيضاً.
(٤) الكتاب ١٩٩/٢.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٣، والبحر المحيط ٣٤٥/٦.
(٦) البحر المحيط ٣٤٥/٦، والكشاف ٥٨٧/٢.

التفسير الإشاري (٥١-١٠٧)
٢٢٧
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ مِن الحال، فإنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الشركةَ تكون
لهم، وإنَّ رايةَ الإسلام تخفقُ ثم تَسكُن، وإنَّ المتوقَد به لو كان حقًّا لنزل
بهم، إلى غيرِ ذلك مما لا خيرَ فيه، فاستجابَ اللهُ عزَّ وجلَّ دعوةَ رسولِه ◌ِچ،
فخيَّب آمالَهم، وغيَّر أحوالَهم، ونَصَرَ أولیاءَه عليهم، فأصابهم يومَ بدٍ
ما أَصابهم. والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّر لمضمونِ ما قبله. ورويَ أنَّ النبيَّ
عليه الصلاة والسلام قرأ على أَبَيِّ رَُّله: (يَصِفون)) بياء الغيبة، ورويت عن ابنِ
عامر، وعاصم(١).
هذا وفي جَعْلِ خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يتعلَّق به خاتمةً لسورة
الأنبياءِ طِيْبٌ، كما قال الطيبيُّ يتضوَّع منه مِسْكُ الختام.
ومِن بابِ الإشارة في الآيات: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ قيل: ذلك
الرشدُ إيثارُ الحقِّ جلَّ شأنه على ما سِواه سبحانه، وسُئلَ الجنيدُ متى آتاه ذلك؟
فقال: حين لا متى.
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ
طَلَبَ المحتاج من المحتاج سَفَةٌ في رَأْيه وضلَّة في عَمْله.
وقال حمدون القصَّار: استعانةُ الخَلْقِ بالخَلْقِ، كاستعانة المسجون بالمسجون.
﴿قُلْنَا يَثْنَارُ كُنِ بََّا وَسَلَمًا عَلَى إِنَهِيمَ﴾ قال ابنُ عطاء: كان ذلك لسلامةِ قَلْبٍ
إبراهيمَ عليه السلام، وخلوِّه مِن الالتفاتِ إلى الأسباب، وصحَّة توكُّله على اللهِ
تعالى، ولذا قال عليه السلام حينَ قال له جبريلُ عليه السلام: أَلَكَ حاجةٌ؟ أمَّا
إليك فلا .
﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ الفَضْلَ بيدِ الله تعالى يؤتيه من يشاءُ،
ولا تعلُّق له بالصِّغَر والكِبَر، فكم مِن صغيرٍ هو أفضل مِن كبيرٍ بكثير.
(١) البحر المحيط ٣٤٥/٦، وقراءة ابن عامر رواها عنه ابن ذكوان كما في السبعة ص٤٣٢،
والنشر ٣٢٥/٢، ورواية عاصم رواها عنه المفضل كما في النشر ٣٢٥/٢.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٢٢٨
التفسير الإشاري (٥١-١٠٧)
﴿ وَكُلَّ ◌َنَيْنَا حُكْمًا﴾ قيل: معرفةً بأحكام الربوبيَّة، ((وعلماً)): معرفةً بأحكام
العبوديّة .
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قيل: كان عليه السلام يخلو في الكهوفِ
لِذِكْرِه تعالى وتسبيحِه فيشاركه في ذلك الجبالُ ويُسبِّحنَ معه، وذكر بعضُهم أنَّ
الجبالَ لكونها خاليةً عن صُنْعِ الخَلق حالية بأنوارٍ قُدرةِ الحقِّ يحبُّ العاشقون
الخلوةَ فيه، ولذا تحنَّث ◌ََّ في غارِ حِراء، واختارَ كثيرٌ مِن الصالحين الانقطاعَ
للعبادة فيها .
﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِ مَسَّنِىَ الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ ذُكرَ أنَّه عليه السلام
قال ذلك حين قصدت دودةٌ قلبَه ودودةٌ لسانَه، فخاف أن يُشغَلَ موضعُ فِكْره وموضعُ
ذِكْره. وقال جعفرٌ: كان ذلك منه عليه السلام استدعاءً للجواب من الحقِّ سبحانه
ليسكنَ إليه ولم يكن شكوى، وكيف يشكو المحبُّ حبيبَه، وكلُّ ما فَعَلَ المحبوبُ
محبوبٌ، وقد حفظ عليه السلام آدابَ الخطاب.
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قيل: إنَّ ذلك رشحةٌ مِن دَنٌ
خمرِ الدَّلالِ، وذكروا أنَّ مقام الدَّلِّ دون مقام العبودية المحضة؛ لعدم فناء الإرادة
فيه، ولذا نادى عليه السلام: ﴿لَّ إِلَهَ إِلََّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
أي: حيث اختلجَ في سرِّي أن أُرِيدَ غيرَه ما أردتُ.
﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ قيل: إنَّه عليه
السلام أراد ولداً يصلح لأَنْ يكون محلًّا لإفشاء الأسرار الإلهيّة إليه، فإنَّ العارفَ
متى كان فرداً غيرَ واجدٍ مَن يُفْشِي إليه السِّرَّ، ضاق ذَرْعُه.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّأْ﴾ قيل: أي رغبةً فينا ورهبةً عمَّا سوانا، أو رغبةً في
لقائنا ورهبةً من الاحتجاب عنَّا.
﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ قال أبو يزيد: الخشوعُ: خمودُ القَلْبِ عن الدعاوى،
وقيل: الفناءُ تحتَ أذيالِ العظمة ورداء الکبریاءِ.
﴿وَمَآ أَزْسَلْنَئِكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ أكثرُ الصوفيَّة قدسِّت أسرارُهم على أنَّ
المرادَ مِن العالمين جميعُ الخَلْقِ وهو نَّهِ رحمةٌ لكلِّ منهم إلا أنَّ الحظوظَ متفاوتةٌ،

التفسير الإشاري (٥١-١٠٧)
٢٢٩
سُورَةُ الأَتْبِيَاءِ
ويشترك الجميعُ في أنَّه عليه الصلاة والسلام سببٌ لوجودهم، بل قالوا: إنَّ العالَم
كلَّه مخلوقٌ مِن نورِهِ وََّ، وقد صرَّح بذلك الشيخ عبدُ الغنيِّ النابلسيُّ قدِّس سرُّه في
قوله، وقد تقدَّم غيرَ مرَّة :
طَه النبيُّ تكوَّنت مِن نورِهِ كلُّ الخليقةِ ثم لو تُركَ الغَطا(١)
وأشار بقوله: لو ترك الغطا(٢)، إلى وجهِ الانقسام إلى المؤمن والكافر بعد
تكوُّن الجميع مِن نوره عليه الصلاة والسلام، فتأمَّل.
هذا ونسأل الله تعالى أنَ يجعلَ حَّنا مِن رحمته الحظّ الوافرَ، وأن يُيَسِّر لنا
أمور الدنيا والآخِرة بلطفه المتواتر.
(١) في الأصل و(م): القطا. والمثبت من ديوان الشيخ عبد الغني النابلسي ٢٤٦/٢، وسلف
١١٣/٢.
(٢) في الأصل و(م): القطا. والمثبت من الديوان كما سلف آنفاً.

سُورَةُ الحِى
أخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس، وابن الزبير ﴿ه أنَّها نزلت بالمدينة(١)، وهو
قولُ الضَّخَّاك، وقيل: كلُّها مكِّية، وأخرج أبو جعفرِ النَّاسُ(٢) عن مجاهدٍ عن ابنِ
عباس أنَّها مكِّيَّة سوى ثلاثِ آياتِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانٍ﴾ [الآية: ١٩] إلى تمام الآياتِ
الثلاث، فإنَّها نزلت بالمدينة، وفي روايةٍ عن ابنِ عباس: إلا أربعَ آيات: ﴿هَذَانِ
خَصْمَانِ﴾ [الآية: ١٩] إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الآية: ٢٢].
وأخرج ابنُ المنذرِ عن قتادةَ أنَّها مدنيَّة غيرَ أربع آيات: ((﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ﴾ [الآية: ٥٢] إلى: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الآية: ٥٥] فإنَّها مكّيَّات(٣)، والأصحُ
القولُ بأنَّها مختلطةٌ، فيها مدنيٌّ ومكِّيٌّ، وإن اختلف في التعيين، وهو قولُ الجمهور.
وعدَّةُ آيَاتِها ثَمانٌ وتسعونَ في الكوفيِّ، وسبعٌ وتسعونَ في المكِّيِّ، وخمسٌ
وتسعونَ في البَصْريِّ، وأربعٌ وتسعونَ في الشامِيِّ.
ووجهُ مناسبتها للسورة التي قبلها ظاهر.
وجاء في فَضْلها ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ، وابنُ مردويه،
والبيهقيُّ في (سننه)) عن عقبةَ بنِ عامر ◌َظُه قال: قلتُ: يا رسولَ الله أَفُضِّلَتْ سورةٌ
الحجِّ على سائرِ القرآن بسجدتَيْن؟ قال: ((نعم، فمَن لم يَسجُدهما فلا يَقْرَأهما))(٤).
(١) الدر المنثور ٣٤٢/٤.
(٢) في الناسخ والمنسوخ ٥٠٩/٢ .
(٣) الدر المنثور ٣٤٢/٤.
(٤) الدر المنثور ٣٤٢/٤، وأحمد (١٧٣٦٤)، وأبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨)، والبيهقي
٣١٧/٢. وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٧٨) عن خالد بن معدان أن رسول الله وليه
قال: ((فُضِّلت سورة الحج على القرآن بسجدتين)). وقال: وقد أُسنِدَ هذا، ولا يصح.

الآية : ١
٢٣١
سُورَةُ الحُهُ
والروايات في أنَّ فيها سجدتين متعدِّدةٌ مذكورةٌ في (الدُّرِّ المنثور))(١)، نعم أخرج
ابنُ أبي شيبة مِن طريق [أبي] العريان المجاشعيِّ عن ابنِ عباس قال: في الحجّ
سجدةٌ واحدةٌ(٢). وهي الأُولى، كما جاء في رواية(٣)، وسيأتي إن شاء الله تعالى
تمام الكلام في ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ خطابٌ يعمُّ حُكمه المكلَّفينَ عند النزولِ ومَن
سينتظم في سِلْكهم بَعْدُ مِن الموجودين القاصرينَ عن رتبةِ التكليف والحادِثِينَ بعد
ذلك إلى يوم القيامة، لكن لا بطريق الحقيقة عندنا، بل بطريقِ التغليب أو تعميمٍ
الحُكم بدليلَ خارجيٍّ، فإنَّ خطابَ المشافهةِ لا يتناول من لم يُكلَّف بَعْدُ، وهوَ
خاصٌّ بالمكلَّفَين الموجودين عند النزول، خلافاً للحنابلة وطائفةٍ مِن السَّلَفيين
والفقهاء حيث ذهبوا إلى تناوله الجميعَ حقيقةً، ولا خلافَ في دخول الإناث
كما قال الآمديُّ في نحو ((الناس))، مما يدلُّ على الجَمعِ ولم يظهر فيه علامةُ تذكيرِ
ولا تأنيثٍ، وإنَّما الخلافُ في دخولهنَّ في نحو ضمير: ((اتقوا)) و((المسلمين))،
فذهبت الشافعيَّة، والأشاعرةُ، والجمعُ الكثير من الحنفيَّة، والمعتزلة، إلى نَفْيهِ،
وذهبت الحنابلةُ، وابنُ داودَ، وشذوذٌ مِن الناس إلى إثباته(٤). والدخول هنا عندنا
بطريقِ التغليب.
وزعم بعضُهم أنَّ الخطابَ خاصٌّ بأهل مَّة، وليس بذاك، والمأمور به مُطلَق
التقوى الذي هو التجنُّب عن كلِّ ما يُؤثِم من فِعْلٍ وتَرْكٍ، ويندرج فيه الإیمانُ بالله
تعالى واليوم الآخر حسبما وردَ به الشرعُ اندراجاً أَوَّلِيًّا، لكن على وجه يعمُّ الإيجادَ
والدوامَ، والمناسب لتخصيصِ الخطاب بأهلٍ مَّة أن يُرادَ بالتقوى المرتبةُ الأولى
(١) ٤ / ٣٤٢.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/٢، وما بين حاصرتين استدرك منه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٢ عن سعيد بن المسيب والحسن، وعن إبراهيم.
(٤) إحكام الأحكام ٣٢٥/٢.

سُورَةُ الحَّهُ
٢٣٢
الآية : ١
منها، وهي التوقّي عن الشِّرْك، والتعرُّض لعنوان الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضمير
المخاطبين؛ لتأييد الأَمْرِ وتأكيد إيجابِ الامتثال به؛ ترهيباً وترغيباً، أي: احذروا
عقوبةَ مالِكِ أَمْرِكم ومربِّيكم .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ تعليلٌ لموجب الأمر بذِكْر
أَمْرٍ هائلٍ، فإنَّ ملاحظةَ عِظَم ذلك وهولِه وفظاعة ما هو من مباديه ومقدِّماته مِن
الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرُّع بلباسِ التقوى، ممَّا يُوجِبُ مزيدَ
الاعتناء بملابستِهِ وملازمته لا محالة.
والزلزلة: التحريكُ الشديدُ والإزعاجُ العنيفُ بطريقِ التكرير، بحيث يزيلُ
الأشياءَ مِن مقارِّها ويُخرِجها عن مراكزها، وإضافتُها إلى ((الساعة)) إمَّا مِن إضافةٍ
المصدر إلى فاعِله لكن على سبيل المجاز في النسبة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿بَلّ
مَكْرُ الَّلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] لأنَّ المحرِّك حقيقةً هو اللهُ تعالى، والمفعول الأرضُ
أو الناسُ، أو مِن إضافته إلى المفعول، لكن على إجرائه مَجرى المفعول به
اتِّساعاً، كما في قوله:
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارُ(١)
وجوِّز أن تكون الإضافةُ على معنى ((في))، وقد أثبتها بعضُهم وقال بها في الآية
السابقة(٢).
وهي عند بعضٍ المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَمَا﴾ [الزلزلة: ١]
وتكون على ما قيل: عند النفخةِ الثانية وقيام الساعة، بل روي عن ابنِ عباس أنَّ
زلزلةَ الساعةِ قيامُها .
وأخرج أحمد، وسعيدُ بنُ منصور، وعبدُ بنُ حميد، والنسائيُّ، والترمذيُّ،
والحاكمُ وصحّحاه، عن عمرانَ بنِ حُصَين قال: لما نزلت: ((يا أيَّها الناسُ)) إلى:
(١) من شواهد سيبيويه في الكتاب ١٧٥/١، وسلف ٦/ ١٧ .
(٢) أي: في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وسيأتي عند تفسير الآية أن قتادة
ويحيى بن يعمر قرأا بالتنوين ونصب الظرفين، أي: بل صدنا مكركم أو مكر عظيم في الليل
والنهار.

الآية : ١
٢٣٣
سُورَّةُ الحَّةُ
((ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ)) كانِنَّ فِي سَفر(١)، فقال: ((أتدرونَ أيُّ يوم ذلك))؟
قالوا: الله تعالى ورسولُه أعلم. قال: ((ذلك يوم يقولُ اللهُ تعالى لآدمَ عليه السلام:
ابْعَثْ بَعْثَ النارِ، قال: يا ربِّ وما بعثُ النار؟ قال: مِن كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةٌ
وتسعينَ إلى النار وواحداً إلى الجنَّة)) فأنشأَ المسلمونَ يَبْكُون، فقال رسولُ اللهِوَليل:
((قَاربوا وسدِّدوا وأَبشروا، فإنَّها لم تكن نبؤَّة قظُ إلا كان بين يديها جاهليّةٌ فتُؤْخَذ
العِدَةُ مِن الجاهلية، فإن تمَّت، وإلا كَمَلَتْ مِن المنافقين، وما مَثَلُكم في الأُمم
إلا كَمَثَلَ الرَّقْمَة في ذِراع الدائَّةِ أو كالشامة في جَنْب البعير»، ثم قال: «إنِّي لأَرجو
أن تكونوا رُبْعَ (٢) أهل الجنَّة)) فكَبَّروا، ثم قال: ((إِنِّي لأَرجو أن تكونوا ثلثَ أهلِ
الجنَّة)) فكبّروا، ثم قال: ((إنِّي لأَرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنَّة)) فكبّروا، قال:
ولا أدري قال: الثلثين، أم لا(٣). وحديث البعثِ مذكورٌ في الصحيحين
وغيرِهما(٤) لكن بلفظٍ آخَر، وفيه كالمذكور ما يؤيِّد كونَ هذه الزلزلة في يوم
القيامة، وهو المرويُّ عن الحسن.
وأخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن علقمةَ، والشعبيِّ، وعبيدٍ بن عمير، أنَّها تكون
قبلَ طلوعِ الشمس مِن مغربها، وإضافتُها إلى الساعة على هذا؛ لكونها مِن
أَماراتها، وقد وردت آثارٌ كثيرةٌ في حدوثٍ زلزلةٍ عظيمة قبل قيام الساعة هي مِن
أَشراطها إلا أنَّ في كون تلك الزلزلة هي المراد هنا نظراً، إذ لا يناسبُ ذلك كون
الجملة تعليلًا لموجب أمر جميع الناس بالتقوى، ثمَّ إنَّها على هذا القول على
معناها الحقيقيّ وهو حركةُ الأرض العنيفةُ، وتَحدثُ هذه الحركةُ بتحريك
مَلَك؛ بناءً على ما رُويَ أنَّ في الأرض عروقاً تنتهي إلى جبلٍ قاف، وهي بيد
(١) جاء في هامش الأصل: وذلك في غزوة بني المصطلق كما صرَّح به في بعض الروايات.
انتھی. منه.
(٢) في الأصل و(م): نصف. وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) الدر المنثور ٣٤٣/٤، وأحمد (١٩٨٨٤) و(١٩٩٠١)، والنسائي في الكبرى (٣١٦٨)،
والترمذي (٤٠٨٤)، والحاكم ٢٣٣/٢-٢٣٤ و٣٨٥ والرقمة: الهنة الناتئة في ذراع الدابة من
داخل، وهما رقمتان في ذراعيها. النهاية (رقم).
(٤) البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢)، وأحمد (١١٢٨٤) عن أبي سعيد الخدري ـ
.

سُورَةُ الحِهُ
٢٣٤
الآية : ٢
مَلَكِ هناك، فإذا أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ أمراً أَمَرهُ أن يحرِّك عرقاً، فإذا حرَّكه زُلزلت
الأرضُ.
وعند الفلاسفة أنَّ البخارَ إذا احتُبسَ في الأرض وغَلُطَ بحيث لا ينفذُ في
مجاريها؛ لشدَّة استحصافها وتكاثفها، اجتمع طالباً للخروج ولم يمكنه، فزلزلت
الأرضُ، وربَّما اشتدت الزلزلةُ فخسفت الأرض فيخرج نارٌ لشدَّة الحركة
الموجبة لاشتعالِ البخار والدخان، لا سيمًا إذا امتزجا امتزاجاً مقرِّباً إلى
الدهنية، وربَّما قويت المادةُ على شقِّ الأرض فتحدث أصواتٌ هائلة،
وربَّما حدثت الزلزلةُ مِن تساقط عوالي وهداتٍ في باطنِ الأرض فيتموَّج بها
الهواءُ المحتقن فتتزلزل به الأرضُ، وقليلاً ما تتزلزل بسقوطِ قُلَلِ الجبالِ عليها
لبعض الأسباب.
وممَّا يستأنس به للقول بأنَّ سببها احتياسُ البخارِ الغليظ وطلبُه للخروج وعدمُ
تيسُّره له، كثرةُ الزلازل في الأرض الصلبة وشدَّتها بالنسبة إلى الأرض الرِّخْوة،
ولا يخفى أنَّه إذا صحَّ حديث في بيان سبب الزلزلة لا ينبغي العدول عنه،
وإلا فلا بأسَ بالقول برأي الفلاسفة في ذلك، وهو لا ينافي القولَ بالفاعل المختار
كما ظنَّ بعضُهم.
وهي على القول بأنَّها يوم القيامة، قال بعضُهم: على حقيقتها أيضاً، وقال
آخرون: هي مجازٌ عن الأهوال والشدائد التي تكون في ذلك اليوم، وفي التعبير
عنها بالشيء إيذانٌ بأنَّ العقولَ قاصرةٌ عن إدراك كُنْهها، والعبارة ضيِّقة لا تحيط بها
إلا على وجه الإبهام. وفي ((البحر))(١): إنَّ إطلاقَ الشيء عليها مع أنَّه لم توجد بَعْدُ
يدلُّ على أنَّه يُطلق على المعدوم، ومَن منع ذلك قال: إنَّ إطلاقَه عليها؛ لتيقُّن
وقوعها وصيرورتها إلى الوجودِ لا محالةً.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الظاهر أنَّ الضميرَ المنصوبَ
في ((ترونها)) للزلزلة؛ لأنَّها المحدَّث عنها، وقيل: هو للساعة، وهو كما ترى.
(١) ٣٤٩/٦.

الآية : ٢
٢٣٥
سُورَةُ الحَّةُ
و(يوم)) منتصبٌ بـ (تَذْهَلُ)) قدِّم عليه؛ للاهتمام، وقيل: بـ ((عظيم))، وقيل:
بإضمار: اذْكُر، وقيل: هو بدل مِن ((الساعة)) وفُتِحَ لبنائِه، كما قيل في قوله تعالى:
﴿هَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] على قراءةِ ((يوم)) بالفتح (١)، وقيل: بدل مِن ((زلزلة))،
أو منصوب به إن اغتُفرَ الفصلُ بين المصدر ومعموله الظرفيِّ بالخبر، وجملةُ
(تَذْهَلُ)) على هذه الأوجه في موضع الحال مِن ضمير المفعول، والعائد محذوفٌ،
أي: تذهل فيها .
والذهول: شُغْلٌ يُورِث حزْناً ونسياناً.
والمرضعة: هي التي في حالِ الإرضاع ملقمةً ثديها، وهي بخلافِ المرضع
بلاهاء، فإنَّها التي مِن شأنها أن ترضعَ وإن لم تباشِر الإرضاعَ في حالِ وصفِها به،
وخصَّ بعضُ نحاةِ الكوفة أمَّ الصبيِّ بمرضعة بالهاء، والمستأجَرة بمرضع، ويردُّه
قول الشاعر:
كمرضعةٍ أولادَ أُخرى وضيَّعتْ بَني بطنِها هذا الضلالُ عن القَصْدِ(٢)
والتعبير به هنا؛ ليدلَّ على شدَّة الأمرِ وتفاقم الهول، والظاهر أنَّ ((ما))
موصولة، والعائد محذوف، أي: عن الذي أرضعته، والتعبير بـ ((ما)) لتأكيد
الذهول، وكونِ الطفل الرضيع بحيث لا يَخطُر ببالها أنَّه ماذا؛ لأنَّها تَعرف شيئيته
لكن لا تدري مَن هو بخصوصه، وقيل: مصدريَّة، أي: تذهلُ عن إرضاعها،
والأوَّل دلَّ على شدَّة الهول وكمالِ الانزعاج، والكلام على طريق التمثيل، وأنَّه لو
كان هناك مرضعةٌ ورضيعٌ، لذهلت المرضعةُ عن رضيعها في حال إرضاعها إيّاه؛
لشدَّة الهولِ، وكذا ما بَعْدُ، وهذا ظاهر إذا كانت الزلزلةُ عند النفخةِ الثانية أو في
يوم القيامة حين أَمْر آدَمَ عليه السلام ببعثِ بعثِ النار وبَعْث الجنَّة، إن لم نقل بأنَّ
كلَّ أحدٍ يُحشَر على حاله التي فارق فيها الدنيا، فتحشر المرضعةُ مرضعةً، والحاملُ
حاملةً، كما ورد في بعض الآثار، وأمَّا إذا قلنا بذلك أو بكون الزلزلة في الدنيا،
فيجوز أن يكونَ الكلامُ على حقيقته، ولا يضرُّ في كونه تمثيلاً أنَّ الأمرَ إذ ذاك أشدُّ
(١) وهي قراءة نافع، وسلفت ٧/ ٥٠٨.
(٢) البيت نُسبَ في شرح الحماسة للمرزوقي ٧٣٦/٢، وللتبريزي ١٢٩/٢، للعُديل بن الفرخ
العجلي، ونُسبَ في منتهى الطلب ٨/ ١٨٠ لأبي الأخيل العجلي.

الآية : ٢
٢٣٦
سُورَةُ الحِہ
وأعظمُ وأهولُ ممَّا وصف وأطمُّ؛ لشيوع ما ذكر في التهويل، كما لا يخفى على
المنصِفِ النبيل.
وقرئ: ((تُذْهَلُ)) من الإذهال مبنياً للمفعول (١)، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَ واليمانيُّ:
(تُذْهِلُ)) منه مبنيًّا للفاعل، و(كلَّ)) بالنصب(٢)، أي: يومَ تُذْهِلُ الزلزلةُ - وقيل:
الساعةُ - كلَّ مرضعةٍ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا﴾ أي: تُلقي ذاتُ جنينٍ جنينَها
لغير تمام، وإنَّما لم يقل: وتضعُ كلُّ حاملةٍ ما حَمَلتْ، على وزان ما تقدَّم، لما أنَّ
ذلك ليس نصًّا في المراد وهو وضعُ الجنين، بخلافِ ما في النظم الجليل، فإنَّه نصِّ
فيه؛ لأنَّ الحَمْلَ - بالفتح - ما يُحمَل في البطن مِن الولد، وإطلاقه على نحوِ الثمرة
في الشجرة، للتشبيه بحَملِ المرأة، وللتنصيصٍ على ذلك مِن أوَّل الأمرِ لم يقل:
وتضعُ كلُّ حاملةٍ حَمْلَها، كذا قيل. وتُعقِّب بأنَّ في دعوى تخصيصِ الحَمْل بما يُحمَل
في البطن مِن الولد وأَنَّ إطلاقَه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه = بحثاً، ففي
((البحر))(٣): الحَمْلُ، بالفتح: ما كان في بطنٍ أو على رأس شجرة.
وفي ((القاموس)): الحَمْلُ: ما يُحمَل في البطن مِن الولد، جمعه: حِمَالٌ
وأَحْمالٌ، وحَمَلتِ المرأةُ تَحْمِلُ، عَلِقَتْ، ولا يقال: حَمَلَتْ به، أو قليلٌ، وهي
حاملٌ وحامِلةٌ، والحَمْلُ: ثَمرُ الشجرِ، ويُكسَر، أو الفتحُ لما بَطَنَ مِن ثمرِهِ،
والكسرُ لِمَا ظَهر، أو الفتحُ لمَا كان في بطنٍ أو على رأسِ شجرة، والكسرُ لمَا على
ظهرٍ أو رأسٍ، أو ثمرُ الشجر بالكسر ما لم يَكْبُر، فإذا كَبُرَ فبالفتح، جمعه: أَحْمال
وحُمول وحِمالِ. اهـ.
وقيل: المتبادر وَضْعُ الجنينِ بأيِّ عبارةٍ كان التعبيرُ، إلا أنَّ ذاتَ حمل أبلغُ في
التهويل مِن حامل أو حاملة؛ لإشعاره بالصحبة المشعرةِ بالملازمة فيشعر الكلامُ بأنَّ
الحاملَ تَضَعُ إذ ذاكَ الجنينَ المستقرَّ في بطنها المتمكِّن فيه، هذا مع ما في الجمع
بينَ ما يُشعِر بالمصاحبة وما يُشعِر بالمفارقة وهو الوضْع، مِن اللطف، فتأمَّل
فلمسلكِ الذهن اتِّساعٌ.
(١) الكشاف ٣/ ٤.
(٢) البحر المحيط ٣٥٠/٦، والكشاف ٤/٣.
(٣) ٣٥٠/٦.

الآية : ٢
٢٣٧
سُورَةُ الحى
﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ بفتح التاء والراء، على خطاب كلِّ واحد مِن المخاطبين برؤية
الزلزلة، والاختلاف بالجمعيَّة والإفراد، لما أنَّ المرئيَّ في الأوَّل هي الزلزلة التي
يُشاهدها الجميعُ، وفي الثاني حالَ مَن عدا المخاطَب منهم، فلا بدَّ من إفراد
المخاطَب على وجه يعمُّ كلَّ واحدٍ منهم، لكن مِن غير اعتبارِ اتِّصافه بتلك الحالة،
فإنَّ المرادَ بيانُ تأثير الزلزلة في المرئيِّ لا في الرائي باختلاف مشاعرِه، لأنَّ مدارَه
حيثيَّةُ رؤيتِه للزلزلة لا لغيرِها، كأنَّه قيل: وتصير الناسُ سَكارى ... إلخ، وإنَّما أُوثر
عليه ما في التنزيل؛ للإيذان بكمالِ ظهور تلك الحال فيهم وبلوغها مِن الجلاء إلى
حدِّ لا يكاد يَخفى على أحدٍ، قاله غيرُ واحد. وجوَّز بعضُهم كونَ الخطاب
للنبيِّ ◌ََّ، والأوَّل أبلغُ في التهويل، والرؤية بصريَّة و((الناس)) مفعولها.
وقوله تعالى: ﴿سُگرى﴾ حالٌ منه، أي: يراهم كلُّ واحد مشابهينَ للسُّگارى،
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ أي: حقيقةُ حالٍ أيضًا لكنَّها مؤكّدة، والحال
المؤكِّدة تقترن بالواو لا سيمًا إذا كانت جملةً اسميَّةً، فلا يقال: إنَّه إذا كان معنى
قوله تعالى: ((ترى الناسَ سُكارى)) على التشبيه، يكون ((وما هم بسكارى)) بالمعنى
المذکور مستغنّی عنه، ولا وجه لجعله حالًا مؤكّدة؛ لمكان الواو.
وجوِّز أن يكون ((ترى)) بمعنى تظنّ، فـ((سكارى)) مفعولٌ ثانٍ، وحينئذٍ يجوز أن
يكون الكلامُ على التشبيه والجملة الاسميَّة في موضع الحالِ المؤكِّدة؛ ويجوز أن
يكون على الحقيقة فلا تأكيدَ هنا، وأَمْرُ إفرادِ الخطاب وما فيه مِن المبالغة بحالِهِ،
وأيًّا ما كان فالمراد في قوله تعالى: ((ومَا هُم بسُكارى)) استمرارُ النفي، وأُكِّد بزيادة
الباء؛ للتنبيه على أنَّ ما هم فيه ليس مِن المعهود في شيءٍ، وإنَّما هو أَمْرٌ لم يَعهدوا
قَبْلَه مِثْلَه، وأشير إلى سببه بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾ أي: إنَّ
شدَّةَ عذابِه تعالى تَجعلهم كما ترى، وهو استدراكٌ على ما في ((الانتصاف))(١) راجع
إلى قوله تعالى: ((وما همُ بسُكارى))، وزعم أبو حيَّان (٢) أنَّه استدراكٌ عن مقدّر،
كأنَّه قيل: هذه، أي: الذهول والوَضْعُ ورؤيةُ الناس سكارى أحوالُ هيّنَة، ولكنَّ
عذابَ الله شديدٌ وليس بهيِّن، وهو خلاف الظاهر جدًّا.
(١) ٣ / ٤.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٥٠-٣٥٢.

سُورَةُ الحِهُ
٢٣٨
الآية : ٢
وقرأ زيد بنُ عليٍّ رِّ: ((تُرِي)) بضمِّ التاء وكسر الراءِ (١)، أي: تُري الزلزلةُ
الخَلْقَ جمیعَ الناسِ سكارى.
وقرأ الزعفرانيُّ: ((تُرَى)) بضمِّ التاء وفتحِ الراء، ((الناسُ)) بالرفع(٢) على إسناد
الفعلِ المجهولِ إليه، والتأنيث على تأويل الجماعة.
وقرأ أبو هريرةَ، وأبو زرعة، وابنُ جرير، وأبو نهيك كذلك، إلَّا أنَّهم نصبوا
((الناسَ))(٣)، و(«ترى)) على هذا متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل كما في ((البحر)) (٤)؛ الأوَّل:
الضميرُ المستتر وهو نائبُ الفاعل، والثاني: ((الناسَ))، والثالث: ((سكاری)).
وقرأ أبو هريرةَ، وابنُ نهيك: ((سَكارى)) بفتح السين في الموضعين(٥)، وهو
جمعُ تكسير، واحدُه: سكرانُ، وقال أبو حاتم: هي لغةُ تميم.
وأخرج الطبرانيُّ وغيرُه عن عمرانَ بنِ حصينٍ: أنَّ رسول الله وَاليه قرأ:
(سَكْرِى)) كعَظْشى في الموضعين(٦)، وكذلك روى أبو سعيد الخدريُّ(٧)، وهي
قراءةُ عبدِ الله وأصحابِهِ، وحذيفةً، وبها قرأ الأخوانِ، وابنُ سعدانَ، ومسعودُ بنُ
صالح (٨)، وتُجمَع الصفةُ على فَعْلَى إذا كانت من الآفاتِ والأمراض، كقَتْلى ومَوْتى
وحَمْقى، ولكون السُّكْرِ جارِياً مَجرى ذلك؛ لما فيه مِن تعطيل القِوى والمشاعر،
جُمعَ هذا الجمع، فهو جَمْعُ سكران. وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ(٩): يصحُّ أن يكون
جَمْعُ سَكِر كَزَمْنى وزَمِن، وقد حكى سيبويه(١٠): رَجُلُ سَكِرٌ، بمعنی سكران.
(١) البحر المحيط ٣٥٠/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٣٥٠/٦، والكشاف ٤/٣.
(٣) البحر المحيط ٣٥٠/٦.
(٤) ٦ / ٣٥٠.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٣، والبحر المحيط ٣٥٠/٦.
(٦) الطبراني في الكبير ١٤٤/١٨-١٤٥ (٣٠٦) و(٣٠٧) و(٣٠٨)، وجزء قراءات النبي
لأبي حفص الدوري (٨٣)، وسلف الحديث مطوّلًا ص٢٣٢ من هذا الجزء.
(٧) هو في الصحيحين، وسلف ص٢٣٢ من هذا الجزء، وأخرجه أيضاً الدوري في جزء قراءات
النبي ◌َالر (٨٤).
(٨) البحر المحيط ٣٥٠/٦.
(٩) الحجة ٢٦٦/٥.
(١٠) الكتاب ٦٤٦/٣.

الآية : ٣
٢٣٩
سورة الحَهُ
وقرأ الحسنُ والأعرجُ، وأبو زرعة، وابنُ جبيرٍ والأعمشُ: ((سُكْری)) بضمٌ
السين فيهما(١)، قال الزمخشريُّ(٢): وهو غريبٌ. وقال أبو الفتح(٣): هو اسمٌ مُفرَد
كالبُشرى، وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عنه. انتهى.
وإلى كونه اسماً مفرَداً ذهب أبو الفضل الرازيُّ فقال: فُعلى بضمِّ الفاء مِن صفة
الواحدة مِن الإناث، لكنَّها لمَّا جعلت مِن صفات الناس - وهم جماعةٌ - أُجريت
الجماعةُ بمنزلة المؤنَّث الموحَّد.
وعن أبي زرعة: ((سَكْرى)) بفتح السين، ((بسُكْرى)) بضمِّها، وعن ابنِ جبير:
(سكرى)) بفتح السين مِن غير ألف ((بسُكَارى)) بالضمِّ والألف(٤) كما في قراءة
الجمهور، والخلاف في فعالی، أهو جمعٌ، أو اسمُ جمعٍ مشهور.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اٌلَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت كما أخرج ابنُ أبي حاتم عن
أبي مالكِ رُهُ في النَّضْرِ بنِ الحارث(٥)، وكان جَدِلًا يقول: الملائكةُ عليهم
السلام بناتُ اللّهِ سبحانه، والقرآنُ أساطيرُ الأوَّلين، ولا يَقْدِرُ اللهُ - تعالى شأنه - على
إحياءِ مَن بَلَيَ وصار تراباً. وقيل: في أبي جهل، وقيل: في أُبَيِّ بنِ خَلَف.
وهي عامَّة في كلِّ مَن تعاطى الجدلَ فيما يجوز ومالا يجوز على اللهِ سبحانه مِن
الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى عِلْمٍ ولا برهانٍ ولا نصفةٍ، وخصوصُ السبب
لا يُخرِجها عن العموم، وكأنَّ ذكرها إثرَّ بيان عِظَمِ شأنِ الساعة المنبئة عن البعث؛
لبيانٍ حالٍ بعض المنکرین لها .
ومحلُّ الجارِّ الرفعُ على الابتداء، إمَّا بحملِه على المعنى، أو بتقدير ما يتعلَّق
به، و((بغير علم)) في موضع الحالِ مِن ضمير ((يجادل)» لإيضاح ما تُشعِر به المجادلة
مِن الجهل، أي: وبعضُ الناس، أو: بعضٌ كائنٌ مِن الناس مَن ينازع في شأنِ الله
عزَّ وجلَّ ويقول مالا خيرَ فيه مِن الأباطيل ملابساً الجهلَ.
(١) القراءات الشاذة ص٩٤، والمحتسب ٢/ ٧٢، والبحر المحيط ٣٥٠/٦.
(٢) الكشاف ٣/ ٤.
(٣) المحتسب ٧٣/٢ -٧٤.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٣٥٠.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٧٤ (١٣٧٧٦).

الآية : ٤
٢٤٠
سُورَةُ الحِه
﴿َنَّبِعُ﴾ فيما يتعاطاه مِن المجادلة، أو في كلِّ ما يأتي وما يَذَرُ مِن الأمورِ
الباطلة التي مِن جملتها ذلك.
◌ِكُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾﴾ متجرِّد للفساد، معرّى مِن الخير، مِن قولهم:
شجرةٌ مَرْداء: لا ورقَ لها، ومنه قيل: رَمْلَة مَرْداء، إذا لم تنبت شيئاً، ومنه:
الأَمْرَدُ؛ لتجرُّده عن الشعر. وقال الزجَّاج: أصلُ المريدِ والماردِ: المرتفعُ الأملس،
وفيه معنى التجُرد والتعرِّي، والمراد به إمَّا إبليسُ وجنودُه، وإمَّا رؤساءُ الكفرةِ الذين
يَدْعُون مَن دونهم إلى الكفر.
وقرأ زيدُ بنُ عليٍّ ◌ِّ: ((ويَتْبَعُ)) خفيفاً(١).
ضمير ((عليه))
٤
﴿َكُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ، مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ, يُضِلُّهُ، وَهِدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
للشيطان، وكذا الضميرُ المنصوب في ((تولَّاه)) والضمير في ((فأنَّه))، والضميران
المستتران في ((يُضلُّ وبَهْدِيه)) وضمير ((أنَّه)) للشأنِ، وباقي الضمائر لـ ((من)).
واختلف في إعرابِ الآية فقيل إنَّ: ((أنَّه مَن تولَّا)) إلخ نائبُ فاعل: ((كُتبَ))،
والجملة في موضع الصفة الثانية لشيطان، و((من)) جزائيَّة وجزاؤها محذوف، ((فأنَّه
يُضلُّه)) إلخ عطف على ((أنَّه)) مع ما في حيِّزها وما يتَّصل بها، أي: كُتبَ على
الشيطان أنَّ الشأنَ مَن تولَّاه أي: اتّخذه وليًّا وتبعه يهلكه، ((فأنَّه يُضلُّه)) عن طريق
الجنَّة وثوابِها، ((ويهديه)) إلى طريقِ السعير وعذابها، والفاء لتفصيلِ الإهلاك كما في
قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَّكُمْ فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وعلى ذلك حمل الطيبيُّ
كلامَ ((الكشّاف))(٢)، وهو وجهٌ حسن إلّا أنَّ في كونه مراد الزمخشري خفاء، وقيل :
(مَن)) موصولة مبتدأ، وجملة ((تولَّاه)) صلته، والضمير المستتر عائده، و((أنَّه يُضلُّه))
في تأويل مصدر خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف،
والجملة خبرُ الموصول، ودخول الفاء في خبرِه على التشبيه بالشرط، أي: كُتبَ
عليه أنَّ الشأنَ من تولَّاه فشأنه أو فحقُّ أنَّه يضلُّه ... إلخ. ويجوز أن تكون (مَن))
شرطيَّة، والفاء جوابيَّة، وما بعدها مع المقدَّر جواب الشرط، وقيل: ضمير ((أنَّه))
(١) البحر المحيط ٣٥١/٦.
(٢) ٣/ ٥.