Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ٨٩
١٨١
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
ولو وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جِرْوَ كلبٍ لَسُبَّ بذلك الكلبِ الكِلابا (١)
والمشهور عن البصريين أنَّه متى وُجد المفعولُ به، لم يقم غيرُه مقامَ الفاعل.
وقيل: إنَّ ((المؤمنين)) منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: وكذلك نُجِّيَ هو، أي:
الإنجاء، نُنْجي المؤمنين. وقيل: هو منصوبٌ بضمير المصدر، والكلُّ كما ترى.
﴿وَزَكَرِيَّ﴾ أي: واذكُر خبرَه عليه السلام ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِى
فَرْدًا﴾ أي: وحيداً بلا ولدٍ يرثني، كما يُشعِر به التذييلُ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ ﴾﴾ ولو كان المرادُ بلا ولدٍ يصاحبني ويعاونني، لقيل: وأنت خير
المُعينين، والمراد بقوله: ((وأنتَ خيرُ الوارثين)) وأنت خيرُ حيٍّ يبقى بعد ميتٍ، وفيه
مدٌ له تعالى بالبقاء، وإشارةٌ إلى فَنَاء مَن سواه مِن الأحياء، وفي ذلك استمطارٌ
لسحائبٍ لطفِهِ عزَّ وجلَّ.
وقيل: أراد بذلك ردَّ الأمرِ إليه سبحانه، كأنَّه قال: إن لم تَرزقني ولداً يرثني،
فأنتَ خيرُ وارثٍ، فحسبي أنتَ.
واعتُرض بأنَّه لا يناسبُ مقامَ الدعاء، إذ مِن آداب الدَّاعي أن يدعوَ بجِدٍّ واجتهادٍ
وتصميم منه، ففي الصحيحين عن رسولِ الله وَلاّر: ((إذا دَعَا أحدُكم، فلا يَقُل: اللَّهمَّ
اغفر لي إن شئتَ، ارحمني إن شئتَ، ارزقني إن شئتَ، لِيَعزِم مسألته، فإنَّ اللهَ تعالى
يفعلُ ما يشاء لا مُكرِه له))(٢)، وفي رواية في ((صحيح مسلم))(٣): ((ولكن ليَعزِم
المسألةَ، وليَعزِم الرغبةَ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه)).
(١) البيت لجرير يهجو الفرزدق كما في خزانة الأدب ٣٣٧/١، ولم نقف عليه في ديوانه
ولا في النقائض، والبيت مذكور من غير نسبة في تأويل مشكل القرآن ص٣٩-٤٠،
وإعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٤، والخصائص ٣٩٧/١، وشرح المفصل ٧/ ٧٥، وأمالي
ابن الشجري ٥١٨/٢. وورد في المصادر كلها: الجرو، بدل: الكلب. قال ابن جنِّي في
الخصائص: قيل: هذا من أقبح الضرورة، ومثله لا يعتدُّ أصلاً، بل لا يثبت إلا مختصراً
شاذاً. اهـ. وقال البغداديُّ: قُفَيْرة: اسمُ أمِّ الفرزدق، والمعنى: أنها إن ولدت جرواً
لسُبَّت جميعُ الكلاب بسبب ذلك الجرو.
(٢) البخاري (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩) (٩) بنحوه عن أبي هريرة
.
(٣) برقم (٢٦٧٩) (٨)، وفيه: وليعظم، بدل: وليعزم.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٨٢
الآية : ٩٠
ويمكن أن يقال: ليس هذا مِن قبيل: ارزقني إن شئتَ، إذ ليس المقصودُ منه
إلا إظهارَ الرضا والاعتمادَ على اللهِ عزَّ وجلَّ لو لم يجب دعاءَه، وليس المقصود
مِن: ارزقني إن شئتَ، ذلك، فتأمَّل.
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَهَ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى﴾ وقد مرَّ بيان كيفيَّة ذلك
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهٍُ﴾ أي: أصلحناها للمعاشرة بتحسينِ خُلُقها، وكانت سيِّئةً
الخُلُق طويلَة اللسان، كما روي عن ابنِ عباس، وعطاءِ بنِ أبي رباح، ومحمد بنِ
كعب القرظيِّ، وعونِ بنِ عبد الله، أو: أصلحناها له عليه السلام بردِّ شبابها إليها
وجَعْلِها وَلوداً، وكانت لا تَلِد، كما روي عن ابنِ جبير، وقتادة، وعلى الأوَّل تكون
هذه الجملةُ عطفاً على جملة: ((استجبنا)) لأنَّه عليه السلام لم يَدْعُ بتحسينِ خُلُق
زوجه.
قال الخفاجيُّ(١): ويجوز عطفها على ((وهبنا))، وحينئذٍ يظهر عطفُه بالواو؛ لأنَّه
لما فيه من الزيادة على المطلوبٍ لا يعطف بالفاء التفصيليّة، وعلى الثاني العطف
على ((وهبنا))، وقدَّم هبةَ يحيى مع توقُّفها على إصلاح الزوج للولادة؛ لأنَّها
المطلوبُ الأعظمُ، والواو لا تقتضي ترتيباً، فلا حاجةً لما قيل: المرادُ بالهبة
إرادتُها، قال الخفاجيُّ: ولم يقل سبحانه: فوهبنا؛ لأنَّ المرادَ الامتنانُ لا التفسيرُ،
لعدم الاحتياجِ إليه، مع أنَّه لا يلزم التفسير بالفاء، بل قد يكون العطفُ التفسيريُّ
بالواو. انتھی. ولا يخفی ما فيه، فتدبّر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ تعليلٌ لما فصِّل من فنونِ
إحسانه المتعلّقة بالأنبياء المذكورين سابقاً عليهم السلام، فضمائر الجمع للأنبياء
المتقدِّمین.
وقيل: لزكريا، وزوجِه، ويحيى، والجملة تعليلٌ لما يُفهَم من الكلامِ من
حصول القُربى والزُّلفى والمراتب العالية لهم، أو استئناف وقعَ جواباً عن سؤال
تقديره: ما حالهم؟ والمعوَّل عليه ما تقدَّم، والمعنى: إنَّهم كانوا يجدُّون ويرغبونَ
في أنواع الأعمال الحسنةِ، وكثيراً ما يتعدَّى أسرع بـ ((في)) لما فيه مِن معنى الجِدِّ
(١) حاشية الشهاب ٦/ ٢٧١.

الآية : ٩٠
١٨٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
والرغبة، فليست ((في)) بمعنى ((إلى))، أو للتعليل، ولا الكلام مِن قبيل:
... يجرح في عراقيبها نَصْلِي(١)
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا﴾ أي: راغبين في نعمنا وراهبين مِن نقمنا، أو راغبينَ
في قَبول أعمالهم وراهبينَ من ردِّها، فـ ((رغباً)) و((رهباً)) مصدران في موضعِ الحالِ
بتأويلهما باسم الفاعل، ويجوز أن يكونَ ذلك بتقديرِ مضافٍ، أي: ذوي رغب،
ويجوز إبقاؤهما على الظاهر مبالغةً، وجوِّز أن يكونا جمعَين، كخَدَم جمع خادم،
لكن قالوا: إنَّ هذا الجمعَ مسموٌ في ألفاظ نادرة، وجوِّز أن يكونا نصباً على
التعليل، أي: لأجل الرغبة والرهبة، وجوَّز أبو البقاءِ (٢) نصبَهما على المصدر،
نحو: قعدتُ جلوساً، وهو كما ترى.
وحكى في ((مجمع البيان))(٣) أنَّ الدعاءَ رغبةً ببطونِ الأكفِّ، ورهبةً بظهورها.
وقد قال به بعضُ علمائنا: والظاهر أنَّ الجملةَ معطوفةٌ على جملة: ((يسارعون))
فهي داخلةٌ معها في حيِّز ((كانوا))، وفي عدم إعادتها رمزٌ إلى أنَّ الدعاءَ المذكورَ مِن
توابعٍ تلك المسارعة.
وقرأت فرقةٌ: (يَدْعُونَا)) بحذف نونِ الرفع(٤). وقرأ طلحةُ: ((يَدْعُونَّا)) بنون
مشدّدة، أدغم نون الرفع في نون ضميرِ النصب(٥). وقرئ: ((رَغْباً ورَهْباً)) بفتحِ الراء
وإسكان ما بعدها (٦)، و((رُغْباً ورُهْباً) بالضمِّ والإسكان(٧).
(١) البيت لذي الرُّمَّة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وتمامه:
وإن تعتذر بالمَحْل من ذي ضروعها على الضيف يجرح في عراقيبها نَصْلي
وسلف ١٦١/١٠.
(٢) الإملاء ٤/ ١٣.
(٣) ١٧ / ٥٥.
(٤) زاد المسير ٣٨٥/٥ ونسبها إلى ابن مسعود وابن محيصن، وتفسير القرطبي ١٤/ ٢٨١ ونسبها
لطلحة بن مصرِّف، والبحر المحيط ٣٣٦/٦ دون نسبة.
(٥) البحر المحيط ٣٣٦/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص٩٢ عن الأعمش، ورواية عن أبي عمرو.
(٧) تفسير القرطبي ٢٨١/١٤ ونسبها للأعمش، والبحر المحيط ٣٣٦/٦.

سُورَةُ الإنْسَاءِ
١٨٤
الآية : ٩١
﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ﴾﴾ أي: مخبتينَ متضرِّعين، أو دائمي الوَجَل، وحاصلُ
التعليل أنَّهم نالوا مِن الله تعالى ما نالوا بسببِ اتِّصافهم بهذِه الخصالِ الحميدة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَّتِّ أَحْصَنَتْ فَجَهَا﴾ نُصب نصبَ نظائرِه السابقة، وقيل: رفعٌ
على الابتداء، والخبر محذوف، أي: ممَّا يُتلَى عليكم، أو: هو قوله تعالى:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا﴾ والفاء زائدةٌ عند مَن يجيزه، والمرادُ بالموصول مريمُ
عليها السلام، والإحصانُ بمعناه اللغويِّ، وهو المنعُ مطلقاً، والفَرْج في الأصل:
الشَّقُّ بين الشيئين، كالفُرجة وما بين الرجلين، ويُكنَى به عن السَّؤْأَة، وكثر حتى
صارَ كالصريح في ذلك، وهو المرادُ به هنا عند جماعةٍ، أي: منعَت فَرْجهَا مِن
النكاح بقسمَيْه، كما قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] وكان
التبُّلُ إذ ذاكَ مشروعاً للنساء والرجال، وقيل: الفَرْجُ هنا جَيْبُ قميصِها مَنَعَته مِن
جبريل عليه السلام لما قربَ منها لينفخَ؛ حيث لم تعرفه.
وعبَّر عنها بما ذُكرَ؛ لتفخيمِ شأنها وتنزيهِها عمَّا زعموه في حقِّها، والمراد مِن
الروح معناه المعروف، والإضافة إلى ضميرِه تعالى للتشريف، ونفخ الروح عبارةٌ
عن الإحياء، وليس هناك نفخٌ حقيقةً، ثم هذا الإحياء لعيسى عليه السلام، وهو
لكونه في بطنها صحَّ أن يقال: نفخنا فيها، فإنَّ ما يكون فيما في الشيءٍ يكون فيه،
فلا يلزمُ أن يكون المعنى: أحييناها، وليس بمراد، وهذا كما يقول الزمَّار: نفختُ
في بيتٍ فلان، وهو قد نفخَ في المزمار في بيته، وقال أبو حيَّان(١): الكلامُ على
تقدير مضافٍ، أي: فنفخنا في ابنِها .
ويجوز أن يكونَ المرادُ من الروح جبريل عليه السلام، كما قيل في قوله
تعالى: ﴿فَرَسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] و ((مِن)) ابتدائيَّة، وهناك نفخٌ حقيقةً،
وإسنادُه إليه تعالى مجازٌ، أي: فنفخنا فيها مِن جهةِ روحنا، وكان جبريلُ عليه
السلام قد نفخَ مِن جَيْبٍ دِرْعها، فوصل النفخُ إلى جوفِها، فصحَّ أنَّ النفخَ فيها مِن
غير غبارٍ يَحتاج إلى النفخ، ثم النفخُ لازمٌ، وقد يتعدَّى فيقال: نفخنا الروحَ، وقد
جاء ذلك في بعضٍ الشوادِّ، ونصَّ عليه بعضُ الأجلَّة، فإنكارُه مِن عدم الاطلاع.
(١) البحر المحيط ٣٣٦/٦.

الآية : ٩٢
١٨٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وَوَجَعَلْتَهَا وَأَبْنَهَا﴾ أي: جعلنا قصَّتهما أو حالَهما ﴿ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ فإنَّ
مَن تأمَّل حالتهما، تحقَّق كمالَ قدرتِه عزَّ وجلّ، فالمراد بالآية ما حصل بهما مِن
الآية التامَّة مع تكاثرِ آياتِ كلِّ واحد منهما، وقيل: أُريد بالآية الجنسُ الشاملُ
ما لكلِّ واحدٍ منهما مِن الآيات المستقلَّة.
وقيل: المعنى: وجعلناها آيةً وابنَها آيةً، فحذفت الأُولى؛ لدلالة الثانية عليها،
واستدلَّ بذِكْر مريمَ عليها السلام مع الأنبياء في هذه السورة على أنَّها كانت نبيَّةً إذ
قُرنت معهم في الذُّئر.
وفيه أنَّه لا يَلزم مِن ذِكْرها معهم كونها منهم، ولعلَّها إنَّما ذُكرت؛ لأجل عيسى
عليه السلام، وناسبَ ذكرهما هنا قصَّة زكريا وزوجِه وابنِهما يحيى؛ للقَرابة التي
بينهم عليهم السلام.
﴿إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ﴾ خطابٌ للناس قاطبةً، والإشارة إلى ملَّة التوحيد
والإسلام، وذلك من باب: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَيَّنْكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وهذا أخوك،
تصوّر المشار إليه في الذهنِ وأُشير إليه، وفيه أنَّه متميِّز أكملَ التمييز، ولهذا لم يبيّن
بالوصف.
والأُمَّةُ على ما قاله صاحب ((المطلع)): أصلها القوم يجتمعون على دينٍ واحد،
ثم اتُّسعَ فيها حتى أطلقت على نفسِ الدين، والأَشهر أنَّها الناسُ المجتمعون على
أمرٍ، أو في زمان، وإطلاقها على نفسٍ الدين مجازٌ، وظاهرُ كلام الراغب(١) أنَّه
حقيقةٌ أيضاً، وهو المرادُ هنا، وأُريد بالجملة الخبرية الأمرُ بالمحافظة على تلك
الملَّة ومراعاة حقوقها، والمعنى: أنَّ ملَّة الإسلام ملَّتكم التي يجب أن تُحافظوا
على حدودِها وتُراعوا حقوقَها، فافعلوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ نصب على الحال مِن ((أمَّة))، والعامل فيها اسمُ
الإشارة، ويجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في صاحبها، وإن كان
الأكثر الاتحادَ، كما في ((شرح التسهيل)) لأبي حيَّان، وقيل: بدل مِن ((هذه)،
ومعنى وحدتها: اتفاقُ الأنبياء عليهم السلام عليها، أي: إنَّ هذه أمَّتكم أمَّة غير
(١) مفردات ألفاظ القرآن (أمّ).

سُورَةُ الإنْسَاءِ
١٨٦
الآية : ٩٢
مختلفةٍ فيما بين الأنبياء عليهم السلام، بل أَجمعوا كلُّهم عليها، فلم تتبدّل في عصر
من الأعصار، كما تبدَّلت الفروع، وقيل: معنى وحدتِها عدمُ مشاركة غيرِها - وهو
الشِّرْك - لها في القَبول وصحَّة الاتِّباع.
وجوِّز أن تكون الإشارةُ إلى طريقة الأنبياء المذكورين عليهم السلام، والمراد
بها التوحيدُ أيضاً، وقيل: هي إشارةٌ إلى طريقةٍ إبراهيم عليه السلام، والكلام متَّصل
بقصَّته، وهو بعيدٌ جدًّا، وأَبعدُ منه بمراحلَ ما قيل: إنَّها إشارةٌ إلى ملَّة عيسى عليه
السلام، والكلام متَّصل بما عنده، كأنَّه قيل: وجعلناها وابنَها آيةً العالمين، قائلين
لهم: إنَّ هذه، أي: الملَّة التي بُعث بها عيسى أمَّتكم ... إلخ، بل لا ينبغي أن
يُلتفت إليه أصلًا.
وقيل: إنَّ ((هذه)) إشارةٌ إلى جماعة الأنبياء المذكورين عليهم السلام، والأمَّة
بمعنى الجماعة، أي: إنَّ هؤلاء جماعتكم التي يلزمكُم الاقتداءُ بهم مجتمعينَ على
الحقِّ غيرَ مختلفين، وفيه جهةُ حُسْن كما لا يَخفى، والأوَّل أَحسن وعليه جمهورُ
المفسِّرين، وهو المرويُّ عن ابنِ عباس، ومجاهد، وقتادة.
وجوَّز بعضُهم كونَ الخطاب للمؤمنين كافَّة، وجعله الطيبيُّ للمعاندين خاصَّة
حيث قال في وجه ترتيبٍ النظم الكريم: إنَّ هذه السورةَ نازلةٌ في بيان النبوّة
وما يتعلَّق بها، والمخاطبون المعاندون مِن أمَّة محمَّد ◌َِّ، فلما فرغ مِن بيان النبوّة
وتكريرِه تقريراً، ومِن ذكر الأنبياء عليهم السلام مسلِّياً، عاد إلى خطابٍهم بقوله
تعالى شأنه: ((إنَّ هذه أمتكم)) إلخ، أي: هذه الملَّة التي كرَّرتها عليكم ملَّةٌ واحدة،
أختارُها لكم لتتمسّكوا بها، وبعبادةِ اللهِ تعالى والقولِ بالتوحيد، وهي التي أَدعوكم
إليها لتعضُّوا عليها بالنواجذِ؛ لأنَّ سائرَ الكتب نازلةٌ في شأنها، والأنبياء كلُّهم
مبعوثون للدعوة إليها، ومتَّفقون عليها، ثم لمَّا عَلِمَ إصرارَهم قيل: ((وتقطّعوا))
[الآية: ٩٣] إلخ، وحاصل المعنى: الملَّة واحدة، والربُّ واحدٌ، والأنبياء عليهم
السلام متَّفقون عليها، وهؤلاء البُعداء جعلوا أَمْرَ الدين الواحدِ فيما بينهم قطعاً،
كما يتوزَّع الجماعةُ الشيءَ الواحدَ. انتهى. والأظهر العموم، وأَمْرُ النظم عليه يؤخذ
مِن كلام الطيبيِّ بأدنى التفات.
وقرأ الحسنُ: ((أمَّتَكُم)) بالنصبِ على أنَّه بدلٌ مِن ((هذه))، أو عطفُ بيانٍ علیه،

الآية : ٩٣
١٨٧
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
و((أمَّةٌ واحدةٌ)) بالرفع على أنَّه خبر ((إنَّ)(١). وقرأ هو أيضاً وابنُ إسحاق، والأشهبُّ
العقيليُّ، وأبو حيوةً، وابنُ أبي عبلةَ، والجعفيُّ، وهارون عن أبي عمرو،
والزعفرانيُّ برفعهما على أنَّهما خبرا ((إنَّ)(٢)، وقيل: الأوَّل خبر، والثاني بدلٌ منه
بدل نكرةٍ مِن معرفةٍ، أو هو خبرُ مبتدأٍ محذوف، أي: هي أمَّة واحدةٌ.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ أي: أنا إلهكم إلهٌ واحد ﴿فَأُعْبُدُونِ ﴾﴾ خاصَّة، وتفسيرُ
الربِّ بالإله؛ لأنَّه رتَّب عليه الأمر بالعبادة، والدلالة على الوحدة مِن حدةِ الملَّة،
وفي لفظ الرَّبِّ إشعارٌ بذلك مِن حيث إنَّ الرَّبَّ وإن توهِّم جواز تعدُّده في نفسه،
لا يمكن أن يكون لكلِّ مربوب إلا ربُّ واحدٌ؛ لأنَّه مفيضُ الوجودِ وكمالاتِه معاً،
وفي العدول إلى لفظ الربِّ ترجيحُ جانبٍ الرحمة، وأنَّه تعالى يدعوهم إلى عبادتِه
بلسانِ الترغيب والبسط، قاله في ((الكشف)).
وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: جعلوا أَمْرَ دينهم فيما بينهم قِطَعاً، على أنَّ
(تقطّع)) مضمَّن معنى الجعل، فلذا تعدّى إلى ((أمرهم)) بنفسه، وقال أبو البقاء(٣):
تقطّعوا أمرهم، أي: في أمرهم، أي: تفرَّقوا. وقيل: عُدِّيَ بنفسه؛ لأنَّه بمعنى
قطَّعوا، أي: فرَّقوا. وقيل: ((أمرهم)) تمييزٌ محوَّل عن الفاعل، أي: تقطّع أمرُهم.
انتھی .
وما ذكر أوَّلًا أظهرُ، وأمرُ التمييزِ لا يَخفى على ذي تمييز، ثم أصلُ الكلام:
وتقطّعتم أمرَكم بينهم على الخطاب، فالتفتَ إلى الغَيبة؛ لينعي عليهم ما فَعلُوا من
التفرُّق في الدين، وجَعْله قِطَعاً موزَّعة، وينهي ذلك إلى الآخرين، كأنَّه قيل: أَلَا
ترونَ إلى عظم ما ارتكبَ هؤلاء في دين الله تعالى الذي أَجمعت عليه كافَّة الأنبياء
عليهم السلام، وفي ذلك ذمٌّ للاختلاف في الأصول.
﴿كُلُّ﴾ أي: كلُّ واحدة مِن الفِرَق المتقطّعة، أو: كلُّ واحدٍ مِن آحاد كلِّ
واحدةٍ من تلك الفرق.
(١) القراءات الشاذة ص٩٣، والبحر المحيط ٣٣٧/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٥/٢، والبحر المحيط ٣٣٧/٦.
(٣) الإملاء ١٤/٤-١٥.

سُورَةُ الأَنْبِيَّاءِ
١٨٨
الآية : ٩٤ ، ٩٥
(٣)﴾ بالبعث لا إلى غيرِنا، فنجازيهم حينئذٍ بحسَب أعمالهم،
لَيْنَا رَجِعُونَ
ولا يخفى ما في الجملة مِن الدلالة على الثبوتِ والتحقُّق.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ﴾ تفصيلٌ للجزاءِ، أي: فمن يَعمل
بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بما يجبُ الإيمانُ به ﴿فَلَا
كُفْرَانَ لِسَعْبِهٍ،﴾ أي: لا حرمانَ لثواب عملِه ذلك، عبّر عنه بالكفران - الذي هو
سَتْرُ النعمة وجحودها - لبيانِ كمال نزاهتِه تعالى عنه، بتصويره بصورةٍ ما يستحيلُ
صدورُه عنه سبحانه من القبائح، وإبرازُ الإثابة في معرضٍ الأمور الواجبة عليه
تعالى، ونفي نفي الجنسِ المفيد للعموم؛ للمبالغة في التنزيه، والظاهر أنَّ التركيب
على ظَرْزِ: ((لا مانع لما أعطيت))(١)، والكلام فيه مشهورٌ بين علماء العربية، وعبَّر
عن العمل بالسعي؛ لإظهار الاعتدادِ به، وفي حرف عبد الله: ((فلا كُفْرَ))(٢)،
والمعنى واحد.
﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ أي: لسعيه، وقيل: الضمير لـ ((من))، وليس بشيء، ﴿كَثِبُونَ
(٩٤)
أي: مثبتونَ في صحيفة عملِه، لا يضيعُ بوجهٍ ما، واستدلَّ بالآية على أنَّ قبولَ
العمل الصالح مطلقاً مشروطٌ بالإيمان، وهو قولٌ لبعضهم، وقال آخرونَ: الإيمانُ
شرط لقبول ما يحتاج إلى النية مِن الأعمال، وتحقيقه في موضعه.
﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي: على أهلٍ قرية، فالكلامُ على تقدير مضافٍ، أو:
القرية مجازٌ عن أهلها .
والحرام مستعارٌ للممتنع وجودهُ بجامع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ مرجوٌ
الحصول، وقال الراغب(٣): الحرامُ: الممنوعُ منه إمَّا بتسخيرٍ إلهيٍّ، وإمَّا بمنعِ
قهريٍّ، وإمَّا بمنع مِن جهة العقل، أو مِن جهة الشرع، أو مِن جهة مَن يرتسمُ أمره،
وذكر أنَّه قد حمّل في هذه الآية على التحريم بالتسخير، كما في قوله تعالى:
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢].
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣)، وأحمد (١٨١٣٩) عن المغيرة بن
عنه .
شعبة
(٢) البحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٣) مفرادات ألفاظ القرآن (حرم).

الآية : ٩٥
١٨٩
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وقرأ أبو حنيفة، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وطلحةُ، والأعمشُ،
وأبو عمرٍو في رواية: ((وحِرٌْ) بكسر الحاء وسكون الراء(١).
وقرأ (٢) قتادةُ، ومطر الورَّاقُ، ومحبوبٌ عن أبي عمرو: بفتح الحاءِ وسكون
الراءِ (٣).
وقرأ عكرمةُ: ((وحَرٌِ)) [بفتح] الحاء وكسرِ الراء والتنوين(٤).
وقرأ ابنُ عباس، وعكرمة أيضاً، وابنُ المسيب، وقتادة أيضاً بكسر الراء وفتح
الحاء والميم على المضيّ(٥).
وقرأ ابنُ عباس، وعكرمةُ بخلاف عنهما، وأبو العالية، وزيد بنُ عليٍّ بضمٌ
الراء وفتح الحاء والميم على المضيِّ أيضاً (٦)، وفي رواية أخرى عن ابنِ عباس أنَّه
قرأ بفتحِ الحاء والراء والميم على المضيّ أيضاً(٧)،
وقرأ اليماني: ((وحُرِّمَ)) بضمِّ الحاءِ وكسر الراء مشدّدة وفتح الميم(٨)، على أنَّه
فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه.
﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ أي: قدَّرنا هلاكَها، أو حكمنا به في الأزلِ؛ لغاية طغيانهم
وعتوِّهم فيما لا يزال.
وقرأ السلميُّ، وقتادة: ((أَهْلَكتُها)) بتاءِ المتكلِّم (٩).
(١) التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٢) من هنا سقط من الأصل، إلى قوله الآتي: عن ابن عباس ◌ًّا أنه قال في الآية. عند تفسير
قوله تعالى: ﴿لَا يَشْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الآية: ١٠٢].
(٣) البحر المحيط ٣٣٨/٦، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة إلى عكرمة، وابن جنِّي في
المحتسب ٦٥/٢ إلى ابن عباس.
(٤) المحتسب ٦٥/٢، وما بين حاصرتين لم يرد في (م)، واستدركت منه، مع العلم بأن هذا
الموضع ساقط من الأصل، كما أشرنا إليه قريباً.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٥/٢، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٥/٢، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٧) المحتسب ٦٥/٢، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٨) القراءات الشاذة ص٩٣، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٩) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٨٥، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٩٠
الآية : ٩٥
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ في تأويلِ اسم مرفوع على الابتداء،
خبره: ((حرام))، قال ابنُ الحاجب في ((أماليه)): ويجب حينئذٍ تقديمه؛ لما تقرَّر في
النحو من أنَّ الخبرَ عن ((أنَّ)) يجبُ تقديمهُ، وجوِّز أن يكون ((حرام)) مبتدأ، و((أنَّهم))
فاعلٌ له سدَّ مسدّ خبرِهِ، وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام، بناءً على مذهب
الأخفش، فإنَّه لا يشترط في ذلك الاعتماد، خلافاً للجمهور كما هو المشهور.
وذهب ابنُ مالك(١) أنَّ رَفْعَ الوصفِ الواقع مبتدأً لمكتفّى به عن الخبر مِن غير
اعتمادٍ، جائزٌ بلا خلاف، وإنَّما الخلافُ في الاستحسان وعدمِه، فسيبويه يقول:
هو ليس بحَسَن(٢). والأخفش يقول: هو حَسَن، وكذا الكوفيُّون كما في ((شرح
التسهيل)). والجملة لتقريرِ ما قبلها مِن قوله تعالى: ﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ [الآية:
٩٣] وما في ((أنَّ) من معنى التحقيقِ معتبر في النفي المستفاد في ((حرام)) لا في
المنفيِّ، أي: ممتنع ألبتة عدمُ رجوعهم إلينا للجزاء، لا أنَّ عدمَ رجوعهم المحقَّق
ممتنعٌ، وتخصيصُ امتناعِ عدم رجوعهم بالذكر مع شمولِ الامتناع لعدم رجوعِ الكلِّ
حسبما نطق به قوله تعالَى: ((كلٌّ إلينا راجعونَ) لأنَّهم المنكِرون للبعث والرجوعِ
دون غيرِهم، وهذا المعنى محكيٍّ عن أبي مسلم ابنٍ بحر، ونقله أبو حيَّان(٣) عنه،
لكنَّه قال: إنَّ الغرضَ من الجملة على ذلك إبطالُ قولٍ منَ يُنكِر البعثَ، وتحقيق
ما تقدَّم مِن أنَّه لا كفرانَ لسعي أحدٍ، وأنَّه يُجزى على ذلك يوم القيامة، ولا يخفى
ما فيه.
وقال أبو عتبة: المعنى: وممتنعٌ على قريةٍ قدَّرنا هلاكَها، أو حَكَمْنا به،
رجوعُهم إلينا، أي: توبتهم، على أن ((لا)) سيفُ خطيب، مثلها في قوله تعالى: ﴿مَا
مَنَعَّكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] في قولٍ، وقيل: ((حرام)) بمعنى واجب، كما في قول
الخنساء :
وإنَّ حراماً لا أَرى الدهرَ باكياً على شَجْوهِ إلا بكيتُ على صَخْرِ (٤)
(١) ينظر التسهيل ص٤٧ .
(٢) الكتاب ٢٧٨/١.
(٣) البحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٤) تفسير القرطبي ٢٨٦/١٤، والبحر المحيط ٣٣٩/٦، ولم نقف عليه في ديوان الخنساء.
=

الآية : ٩٦
١٩١
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾
[الأنعام: ١٥١] إلخ فإنَّ تَرْكَ الشركِ واجبٌ، وعلى هذا قال مجاهد، والحسن:
((لا يرجعون)): لا يتوبون عن الشرك.
وقال قتادة، ومقاتل: لا يرجعونَ إلى الدنيا. والظاهر على هذا أنَّ المرادَ
بـ ((أهلكناها)): أوجدنا إهلاكها بالفعل، والمرادُ بالهلاك الهلاكُ الحسيُّ، ويجوز
على القول بأنَّ المرادَ بعدم الرجوع عدمُ التوبة أَنْ يُراد به الهلاكُ المعنويُّ بالكفر
والمعاصي.
وقرئ: ((إنَّهم)) بكسرِ الهمزة(١)، على أنَّ الجملةَ استئنافٌ تعليليٍّ لما قبلها،
فـ ((حرام)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: حرام عليها ذلك، وهو ما ذكر في الآية السابقة
مِن العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور، ثم علِّل بقوله تعالى: ((إنَّهم
لا يرجعون)) عمَّا هم عليه من الكُفر، فكيف لا يمتنع ذلك؟ !.
ويجوز حملُ الكلام على قراءة الجمهور بالفتح على هذا المعنى بحذف حرفٍ
التعليل، أي: لأنَّهم لا يرجعون. والزجَّاجُ قدَّر المبتدأَ في ذلك أن يُتقبَّل عملُهم،
فقال: المعنى: وحرامٌ على قريةٍ حَكَمْنا بهلاكِها أن يُتقبَّل عملُهم؛ لأنَّهم
لا يتوبونَ (٢). ودلَّ على ذلك قوله تعالى قبل: ((فلا كفرانَ لسَعْيه)) حيث إنَّ المرادَ
منه يُقبَّل عملُه.
و((حتى)) في قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ابتدائيّة، والكلامُ
بعدَها غايةٌ لما يدلُّ عليه ما قبلها، كأنَّه قيل: يستمرُّونَ على ما هم عليه مِن الهلاك
حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون إلينا، ويقولون: يا ويلنا ... إلخ، أو غايةٌ للحرمة،
أي: يستمرُّ امتناعُ رجوعهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون عنه، وهو
وأورده ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص٢٨٨، وفي المعاني الكبير ٨٣٨/٢، والقرطبي
=
في تفسيره ١٧٦/٨، ولم ينسباه، ونسبه ابن منظور في اللسان (رحم) لعبد الرحمن بن جمانة
المحاربي، إلا أنه ورد عن ابن قتيبة وابن منظور: على عمرو، بدل: على صخر. في حين
ورد عند القرطبي: على عُمر.
(١) الكشاف ٥٨٣/٢، والبحر المحيط ٣٣٨/٦.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٤٠٥/٣.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٩٢
الآية : ٩٦
حين لا ينفعهم الرجوعُ، أو غايةٌ لعدم الرجوع عن الكفر، أي: لا يرجعونَ عنه
حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون عنه، وهو حين لا ينفعُهم ذلك، وهذا بحسَب تعدُّد
الأقوال في معنى الآية المتقدِّمة، والتوزيع غيرُ خفيٍّ، وقال ابنُ عطيّة(١): ((حتى))
متعلِّقة بقوله تعالى: ((تقطّعوا)) إلخ. قال أبو حيَّان (٢): وفيه بُعْدٌ؛ مِن كثرة الفَصْل،
لكنَّه من جهة المعنى جيِّد، وحاصله أنَّهم لا يزالونَ مختلفِين غيرَ مجتمعينَ علی دینِ
الحقِّ إلى قُرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعةُ انقطعَ ذلك الاختلافُ، وعَلم
الجميعُ أنَّ مولاهم الحقُّ، وأنَّ الدينَ المنجي كان دينَ التوحيد.
ونسبةُ الفتحِ إلى يأجوج ومأجوج مجازٌ، وهي حقيقةٌ إلى السَّدِّ، أو الكلام على
حذفِ المضافَ وهو السَّدُّ وإقامةِ المضاف إليه مقامَه.
وقرأت فرقةٌ: ((فُتِّحَتْ)) بالتشديد(٣)، وتقدَّم الكلام في يأجوج ومأجوج.
﴿وَهُم﴾ أي: يأجوجُ ومأجوجُ، وقيل: الناس، وروي عن مجاهد ﴿مِّن كُلِّ
حَدَبٍ﴾ أي: مرتفع من الأرض كجبل وأَكَمة.
وقرأ ابنُ عباس: ((جَدَث)) بالجيم والثاء المثلَّثة(٤)، وهو القبرُ، وهذه القراءة
تؤيِّد رجوعَ الضمير إلى الناس، وقرئ: بالجيم والفاء(٥)، وهي بدلُ الثاءِ عند
تميم، ولا يختصُّ إبدالُها عندهم في آخِر الكلمة، فإنَّهم يقولون: مغثور، مكان:
مغفور.
﴿يَنْسِلُونَ ﴾﴾ أي: يُسرعون، وأصل النَّسَلان بفتحتين: مقارَبة الخَطْوِ مع
الإسراع، قيل: يختصُّ وضعاً بالذئب، وعليه يكون مجازاً هنا.
وقرأ ابنُ إسحاق، وأبو السَّمَّال بضمِّ السين(٦).
(١) المحرر الوجيز ٤ / ٩٩.
(٢) البحر المحيط ٣٣٩/٦.
(٣) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ٩٣، ونسبه في المحتسب ٦٦/٢ لابن مسعود.
(٥) البحر المحيط ٣٣٩/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص٩٣، والبحر ٣٣٩/٦.

الآية : ٩٧
١٩٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
﴿وَقْتَرَبَ﴾ أي: قَرُبَ، وقيل: هو أبلغ في القُرب مِن قَرُبَ ﴿ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾
وهو ما بعدَ النفخةِ الثانية مِن البعث والحساب والجزاء لا النفخة الأولى، والجملة
عطفٌ علی ((فتحت يأجوج)).
ثم إنَّ هذا الفتحَ في زمنٍ نزول عيسى عليه السلام مِن السماء، وبعد قَتْلِهِ
الدجالَ عند باب لُدِّ(١) الشرقيِّ، فقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيُّ،
والنسائيُّ، وابنُ ماجه مِن حديث طويل: ((إن اللهَ تعالى يُوحي إلى عيسى عليه
السلام بعد أن يَقُلَ الدجالَ: إنِّي قد أخرجتُ عباداً مِن عبادي لا يَدَانِ لكَ بقتالِھم،
فحَرِّزْ عبادي إلى الطُور، فيبعث الله تعالى يأجوج ومأجوجَ، وهم كما قال الله
تعالى: ((مِن كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون)) فيَرغبُ عيسى عليه السلام وأصحابُه إلى الله عزَّ
وجلَّ، فيُرسِلُ عليهم نغفاً في رقابهم، فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط
عيسى عليه السلام وأصحابه، فيرسل عليهم طيراً كأعناق البُخْتِ، فَتَحمِلهم
فتطرَحُهم حيث شاء اللهُ تعالى، ويرسل اللهُ عزَّ وجلَّ مطراً لا يَكُنُّ منه بَيْتُ(٢) مَدَرٍ
ولا وَبَرِ أربعينَ يوماً، فيغسلُ الأرضَ حتى يتركَها زَلَفَةً، ويقال للأرض: أَنبتي
ثمرتَكِ، فيومئذٍ يَأكلُ النفرُ مِن الرُّمَّانة ويستظلُّون بقِحْفها، ويُبارَك في الرِّسْل، حتى
إِنَّ اللِّفْحَةَ مِن الإبل لتكفي الفِئام مِن الناس، واللِّقْحةَ مِن البقر تكفي الفَخِذَ، والشاةَ
من الغنمِ تكفي البيتَ، فبينما هم على ذلك، إذ بعثَ اللهُ تعالى ريحاً طيِّبة تحت
آباِهم، فتقبضُ روحَ كلِّ مسلم، ويبقى شرارُ الناس، يتهارجون تهارجَ الحُمُرِ،
وعليهم تقومُ الساعة»(٣).
وجاء مِن حديثٍ رواه أحمد، وجماعة: ((إنَّ الساعةَ بعد أن يهلك يأجوج
(١) قرية قرب بيت المقدس. معجم البلدان (اللُّد).
(٢) في (م): نبت. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) مسلم (٢٩٣٧)، وأبو داود (٤٣٢١)، والترمذي (٢٢٤٠)، والنسائي في الكبرى (٧٩٧٠)
و(١٠٧١٧)، وابن ماجه (٤٠٧٥)، وهو عند أحمد (١٧٦٢٩) من حديث النواس بن
سمعان هب .
وقوله: فحرِّز. قال السندي في حاشيته على مسند أحمد: أي: ضمهم واجعله لهم حرزاً.
والنَّغَف: دودٌ في أنوف الإبل والغنم. والبُخْت: واحدة: بختيَّة وبُخْتي، وهما الأنثى والذكر
من الجِمال البُخت. والقِخْف: القِشْر. والرِّسْل: الرخاء والخِصْب. النهاية (نغف) و(بخت)
و(قحف) و(رسل). والحديث سلف عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الكهف.

سُورَةُ الإنْسَاءِ
١٩٤
الآية : ٩٧
ومأجوج كالحامل المتمِّ لا يدري أهلُها حتى تفجأَهم بولادِها ليلًا أو نهاراً))(١).
وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج قال: ذكر لنا أنَّ النبي ◌َّه قال: ((لو نُتَجِتْ
فرسٌ عند خروجِهم، ما رُكب فلوُّها حتى تقومَ الساعةُ﴾(٢) وهذا مبالغةٌ في القُرب،
کالخبر الذي قَبلَه.
﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب الشرط، و((إذا)) للمفاجأة،
وهي تسدُّ مسدّ الفاء الجزائيَّة في الربط، وليس عوضاً عنها، فمتى كانت الجملةُ
الاسميَّة الواقعةُ جزاءً مقترنةً بها لم تحتج إلى الفاءِ، نحو: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:
٣٦] وإذا جيءَ بهما معاً كما هنا يتقوَّى الربط، والضمير للقصَّة والشأن، وهو
مبتدأ، و((شاخصةٌ)) خبر مقدَّم، و((أبصار)) متبدأٌ مؤخّر، والجملة خبرُ الضمير،
ولا يجوز أن يكون ((شاخصةٌ)) الخبرَ، و((أبصارٌ)) مرفوعاً به؛ لأنَّ خبرَ ضميرِ الشأن
لا يكون إلا جملةً مصرَّحاً بجُزْأيها، وأجاز بعضُ الكوفيِّين كونه مفرداً، فيجوز
ما ذكر عنده.
وعن الفرَّاء(٣) أنَّ ((هي)) ضميرُ الأبصار، فهو ضمير مُبهَم يفسِّره ما في حيِّز
خبرِه، وعودُ الضميرِ على متأخِّر لفظاً ورتبةً في مثل ذلك جائزٌ عند ابنٍ مالك
وغيره، کما في ضمير الشأن، ومِن ذلك قوله:
هو الجَدُّ حتى تَفْضُلَ العينُ أختَها (٤)
بل نقلَ عن الفرَّاء(٥) أنَّه متى دلَّ الكلامُ على المرجع وذُكر بعدَه ما يفسِّره وإن
لم يكن في حيِّز خبرِه لا يضرُّ تقدُّمه، وأنشد قوله:
(١) أحمد (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٤٠٨١) عن ابن مسعود ربه، وقال البوصيري في الزوائد:
هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٢) الدر المنثور ٣٣٧/٤.
(٣) معاني القرآن ٢/ ٢١٢.
(٤) صدر بيت للمتنبي، وعجزه:
وحتى يصير اليومُ لليوم سيِّدا
وسلف عند تفسير الآية (٢٨) من سورة الأنعام.
(٥) معاني القرآن ٢١٢/٢.

الآية : ٩٧
١٩٥
سُورَةُ الأَنْبِيَّاءِ
أَلَا فَرَّ عنِّي مالكُ بنُ أبي كعبٍ(١)
فَلَا وأبيها لا تقولُ خليلتي
ونقل عنه أيضاً أنَّ ((هي)) ضميرُ فَصْلٍ وعمادٍ، يَصلحُ موضعه ((هو))، وأنشد
قوله :
بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهمٍ فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا راسُ(٢)
وهذا لا يتمشَى إلا على أحد قولي الكسائيِّ مِن إجازته تقديمَ الفَصْل مع الخبر
على المبتدأ، وقول من أجاز كونه قبل خبرِهِ نكرةً، وذكر الثعلبيُّ أنَّ الكلامَ قد تمَّ
عند قوله تعالى: ((فإذا هي)) أي: فإذا هي، أي: الساعةُ حاصلةٌ، أو بارزةٌ، أو
واقعةٌ، ثم ابتدئ فقيل: ((شاخصةٌ أبصارُ الذين كَفَروا)» وهو وجه متكلَّف متنافر
التركيب(٣)، وقيل: جوابُ الشرط: ((اقترب)) والواو سيفُ خطيب. ونقل ذلك في
((مجمع البيان))(٤) عن الفرَّاء.
ونقل عن الزجَّاج أنَّ البصريينَ لا يجوِّزون زيادةَ الواو، وأنَّ الجوابَ عندهم
قوله تعالى: ﴿يَوَيْلَنَا﴾ أي: القول المقدَّر قبله، فإنَّه بتقدير: قالوا: يا ويلنا. ومَن
جعل الجوابَ ما تقدَّم، قدَّر القولَ هاهنا أيضاً، وجعله حالًا مِن الموصول، يقولون
أو قائلين: ((يا ويلنا))، وجوّز كون جملة: يقولون: يا ويلنا، استئنافاً.
(١) القائل مالك بن أبي كعب الخزرجي، والبيت في معاني القرآن للفراء ٢١٢/٢، ونقد الشعر
لقدامة بن جعفر ص٢٢١، ومعجم الشعراء للمرزباني ص٢٥٦، وسر الفصاحة للخفاجي
ص١١٤، وتفسير القرطبي ٢٨٩/١٤، والأغاني ٢٣٨/١٦. وورد في المصادر: لعمر
أبيها، بدل: فلا وأبيها. وورد في بعضها: حليلتي، وفي بعضها الآخر: ظعينتي، بدل:
خلیلتي.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢١٢/٢، وتفسير الطبري ٢١٥/٢، والبحر المحيط ٣٤٠/٦. ولم
ينسبوه، وجاء قبله عند الفراء والطبري:
على العِيس في آباطها عَرَقٌ يَبْسُ
فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيتَه
أميرَ الحمى قد باع حقِّي بني عَبْسٍ
بأنَّ السُّلاميَّ الذي بضريَّةٍ
وضَرِيَّة: أرض بنجدٍ، ويُنسب إليها حمى ضريَّة، ينزلها حاجُ البصرة. معجم البلدان
٤٥٧/٣.
(٣) البحر المحيط ٣٤٠/٦.
(٤) ١٧ / ٦١ .

سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
١٩٦
الآية : ٩٨
وشُخوصُ الأبصارِ: رَفْعُ أجفانِها إلى فوق مِن دون أن تَطُرُف، وذلك للكفرةِ
يوم القيامة مِن شدَّة الهول، وأرادوا مِن نداء الويلِ التحسُّرَ، وكأنَّهم قالوا: يا ويلنا
تعالَ، فهذا أوانُ حضورك.
﴿َقَدّ كُنَّ﴾ في الدنيا ﴿فِ غَفْلَةٍ﴾ تامَّة ﴿مِّنْ هَذَا﴾ الذي دَهَمنا مِن البعث
والرجوع إليه عزَّ وجلَّ للجزاء، وقيل: مِن هذا اليوم، ولم نعلم أنَّه حقٌّ ﴿بَلْ كُنَّا
ظَلِمِينَ ﴾﴾ إضرابٌ عن وَصْفِ أنفسِهم بالغفلة، أي: لم نكن في غفلة منه
حيث نُبِّهنا عليه بالآيات والنُّذُر، بل كنّا ظالمينَ بتركِ الآيات والنُّذُر، مكذِّبين بها،
أو ظالمينَ لأنفسنا بتعريضِها للعذاب الخالد بالتكذيب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خطابٌ
لكفَّار مَّة، وتصريحٌ بمآلٍ أَمرِهم، مع كونِه معلوماً مما سَبق على وجه الإجمال،
مبالغة في الإنذار وإزاحة الأعذار، فـ ((ما)) عبارةٌ عن أصنامهم، والتعبير عنها بـ ((ما))
على بابه، لأنَّها على المشهور لما لا يَعقلُ، فلا يرد أنَّ عيسى وعُزَيراً والملائكةَ
عليهم الصلاة والسلام عُبدوا مِن دونَ الله تعالى مع أنَّ الحُكم لا يشملُهم.
وشاع أنَّ عبد الله بنَ الزَّبَعْرى(١) القرشيَّ اعترضَ بذلك قبل إسلامه على
رسول الله وَّه، فقال له عليه الصلاة والسلام: (يا غلامُ ما أَجهلكَ بلغةٍ قومِك، لأنِّي
قلت: ((وما تعبدون))، و((ما)) لِمَا لَم يَعقِل، ولم أقل: ((ومَن تعبدون)). وتعقّبه ابنُ
حجر في ((تخريج أحاديث الكشافِ))(٢) بأنَّه اشتهر على ألسنةٍ كثيرٍ من علماء العجم،
وفي كتبهم(٣)، وهو لا أصلَ له، ولم يوجد في شيءٍ مِن كتب الحديث مسنداً ولا غيرَ
مسندٍ، والوضع عليه ظاهر، والعجَب ممَّن نقله من المحدِّثين. انتهى.
ويشكل على ما قلنا ما أخرجه أبو داود في («ناسخه))، وابنُ المنذر، وابنُ
مردويه، والطبرانيُّ عن ابنِ عباس، قال: لما نزل: ((إنَّكم وما تعبدونَ)) إلخ، شَقَّ
(١) جاء فوقها في الأصل: أي: سيِّئ الخلق. اهـ. منه. وخبره في تفسير أبي السعود ٨٦/٦.
(٢) الكافي الشاف ص١١١-١١٢، وعزا الخبرَ لابن مردويه، والواحدي [في أسباب النزول
ص٣١٥] عن ابن عباس ﴿ثًا ضمن خبر طويل.
(٣) جاء فوقها في الأصل: كشرح المواقف [للشريف الجرجاني ٢٦٧/١ -٢٦٨] وغيره
مما لا یحصی. انتهى. منه.

الآية : ٩٨
١٩٧
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
ذلك على أهل مكّة، وقالوا: أَتشتُم آلهتنا؟ فقال ابنُ الزِّبَعرى: أنا أخصمُ لكم
محمداً، ادْعُوهُ لي، فَدُعيَ عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمَّد هذا شيءٌ لآلهتِنا
خاصَّةً، أم لكلِّ مَن عُبِدَ مِن دون الله تعالى؟ قال: ((بل لكلِّ مَن عُبِدَ مِن دون الله
تعالى))، فقال ابنُ الزِّبَعرى: خُصِمْتَ وربِّ هذه البنيةِ - يعني الكعبةَ - ألستَ تزعمُ
يا محمَّد أنَّ عيسى عبدٌ صالح، وأنَّ عُزَيراً عبدٌ صالح، وأنَّ الملائكةَ صالحون؟
قال: ((بلى)) قال: فهذه النصارى تعبدُ عيسى، وهذه اليهودُ تعبدُ عُزَيراً، وهذه بنو
مُلَيْح (١) تعبدُ الملائكةَ! فضجَّ أهلُ مَّة وفرحوا، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
مِنَا اُلْحُسْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] إلخ، ﴿وَلَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَعَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ
يَصِدُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] إلخ(٢). وجاء في رواياتٍ أُخَر ما يَعضُده(٣)، فإنَّ ظاهرَ
ذلك أنَّ (ما)» هنا شاملٌ للعقلاء وغيرِهم؟.
وأُجيبَ بأنَّ الشمولَ للعقلاء الذي ادَّعاه رسولُ الله وَلا و كان بطريق دلالة
النَّصِّ؛ بجامع الشركة في المعبوديّة مِن دون الله تعالى، فلما أشار وَّ إلى عموم
الآية بطريقِ الدلالة، اعتَرض ابنُ الزِّبَعرى بما اعترضٍ، وتوهَّم أنَّه قد بَلَغَ الغرضَ،
فتولَّى اللهُ تعالى الجوابَ بنفسِه بقوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ)
الآية.
(١) جاء فوقها في الأصل: بالتصغير، بطن من خزاعة. انتهى. منه.
(٢) الدر المنثور ٣٣٨/٤-٣٣٩، والطبراني في الكبير (١٢٧٣٩)، وأخرجه أيضاً الواحدي في
أسباب النزول ص٣١٥-٣١٦. وهو عند أحمد (٢٩١٨٩)، والطبري في التفسير ٤١٨/١٦
بنحوه.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٦٨-٦٩: رواه الطبراني، وفيه: عاصم بن بهدلة، وقد
وثق، وضعَّفه جماعة.
(٣) منها ما أخرجه البزار - كما في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩- عن ابن عباس ﴿يا قال: نزلت هذه
الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾﴾ ثم
نسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنَّهَا مُبْعَدُونَ ﴾﴾ يعني: عيسى ومن
كان معه .
ومنها ما أخرجه الطبري في التفسير ٤١٨/١٦ عن الضحاك قال: يقول ناسٌ من الناس:
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا أَلْحُسْفَ أُوْلَِّكَ عَنْهَا مُّبْعَدُونَ (٣)﴾: يعني مِن الناسِ أجمعين:
فليس كذلك، إنما يعني مَن يُعبَد من الآلهة وهو لله مطيعٌ، مثلَ عيسى وأمِّه، وعُزَير،
والملائكةِ، واستثنى الله هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي ومَن يعبدها في النار.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
١٩٨
الآية : ٩٨
وحاصله تخصيصُ العموم المفهوم مِن دلالةِ النَّصِّ بما سوى الصلحاءِ الذين
سبقت لهم الحسنى، فيبقى الشياطينُ الذين عُبِدوا مِن دون الله سبحانه داخلينَ في
الحكم؛ بحكم دلالة النَّصِّ، فيفيد النَّصُّ بعدَ هذا التخصيصِ عبارةً ودلالةً حُكْمَ
الأصنامِ والشياطين، ويندفعُ الاعتراضُ.
وقال بعضهم: إنَّ ((ما)) تعمُّ العقلاءَ وغيرَهم، وهو مذهبُ جمهورٍ أئمّة اللغةِ،
كما قال العلّامة الثاني في ((التلويح))، ودليلُ ذلك النصُّ والإطلاقُ. والمعنى: أمَّا
النصُّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ﴾ [الليل: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا
بَهَا﴾ [الشمس: ٥] وقوله سبحانه: ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣].
وأمَّا الإطلاق فمِن وجهين: الأوَّل: أنَّ ((ما)) قد تُطلقَ بمعنى ((الذي)) باتِّفاق
أهلِ اللغة، والذي يصحُّ إطلاقُه على مَن يعقل، بدليل قولهم: الذي جاز زيد،
فـ ((ما)) كذلك.
الثاني: أنَّه يصحُّ أن يُقال: ما في داري مِن العبيد أحرارٌ.
وأمَّا المعنى فمِن وجهين أيضاً: الأوَّل: أنَّ مشركي قريش كما جاء مِن عدَّة
طرقٍ عن ابنِ عباس لما سمعوا هذه الآيةَ اعترضوا بعيسى، وعُزَير، والملائكةِ
عليهم السلام، وهم مِن نُصحاء العربِ، فلو لم يفهموا العمومَ، لما اعترضوا.
الثاني: أنَّ (ما)) لو كانت مختصَّةً بغيرِ العالِم، لما احتيجَ إلى قوله تعالى: ((من
دونِ الله))، وحيث كانت بعمومِها متناولةً له عزَّ وجلَّ، احتيج إلى التقييدِ بقوله
سبحانه: ((مِن دونِ الله))، وحينئذٍ تكون الآيةُ شاملةً عبادةً لأولئكَ الكرام عليهم
الصلاة والسلام، ويكون الجوابُ الذي تولَّاه الله تعالى بنفسِه جواباً بالتخصيص،
وفي ذلك حجَّةٌ للشافعيِّ في قوله بجوازٍ تخصيصٍ العامِّ بكلامٍ مستقلِّ متراخٍ، خلافاً
للحنفيّة .
وأُجيب بأنَّ ما ذُكر مِن النصوص والإطلاقات، فغايته جوازُ إطلاق ((ما)) على
مَن يعلم، ولا يلزم مِن ذلك أن تكون ظاهرةً فيه، أو فيما يعمُّه، بل هي ظاهرةٌ في
غيرِ العالم، لا سيَّما هنا؛ لأنَّ الخطابَ مع عبدةِ الأصنام، وإذا كانت ظاهرةً
فيما لا يَعْقِلُ، وجب تنزيلُها عليه.

الآية : ٩٨
١٩٩
سُورَةُ الأَثْبِيَاءِ
وما ذُكرَ مِن الوجه الأوَّل في المعنى فليس بنصٍّ في أنَّ المعترضِين إنَّما اعترضوا
لفهمِهم العمومَ من ((ما)» وَضْعاً، لجواز أن يكون ذلك لفهمِهم إِيَّاه مِن دلالة النصِّ
كما مرَّ.
وما ذُكرَ مِن الوجه الثاني مِن عدم الاحتياج إلى قوله تعالى: ((مِن دونِ الله))
فإِنَّما يصحُّ أنْ لو لم تكن فيه فائدةٌ، وفائدته مع التأكيد تقبيحُ ما كانوا عليه، وإن
سلّمنا أنَّ ((ما)) حقيقةٌ فيمَن يعقل، فلا نُسلِّم أنَّ بيانَ التخصيص لم يكن مقارناً
للآية، فإنَّ دليلَ العقل صالحٌ للتخصيص، خلافاً لطائفة شاذَّة مِن المتكلِّمين،
والعقل قد دلَّ على امتناع تعذيبٍ أحدٍ بجِرْمٍ صادر مِن غيرِهِ، اللَّهمَّ إلا أن يكون
راضياً بِجِرْمٍ ذلك الغير، وأحدٌ من العقلاء لم يخطر بباله رضا المسيح،
وعُزَيرٍ، والملائكةِ عليهم السلام بعبادة مَن عبدهم، وما مثل هذا الدليلُ العقليُّ،
فلا نسلِّم عدمَ مقارنته للآية.
وأمَّا قوله تعالى: ((إنَّ الذينَ سَبَقَتْ لهم منَّا الحُسنى)) الآية، فإنَّما وردَ تأكيداً
بضمِّ الدليل الشرعيِّ إلى الدليل العقليِّ مع الاستغناء عن أصلِه، أمَّا أن يكون هو
المستقلَّ بالبيان، فلا، وعدم تعرُّضه ◌َ ير الدليل العقليِّ لم يكن لأنَّه لم يكن، بل
لأَنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا رآهم لم يلتفتُوا إليه، وأَعرضوا عنه، فاعترضوا
بما اعترضوا مع ظهورِهِ، انتظر ما يقوِّيه مِن الدليل السمعيِّ، أو لأنَّ الوحيَ سَبَقه
عليه الصلاة والسلام فنزلت الآيةُ قبل أن ينبِّههم على ذلك.
وقيل: إنَّهم تعبَّتوا بنوعٍ من المجاز، فنزل ما يدفعه. وقيل: إنَّ هذا خبرٌ
لا تكليفَ فيه، والاختلاف في جواز تأخيرِ البيان مخصوصٌ بما فيه تكليف، وفيه
نظر.
وقال العلّامة ابنُ الكمالِ: لا خلافَ بيننا وبين الشافعيِّ في قَصْرِ العامِّ على
بعضٍ ما يتناوله بكلامٍ مستقلٌّ متراخٍ، إنَّما الخلافُ في أنَّه تخصيصٌ حتى يصير
العامُّ به ظنيًّا في الباقيّ، أو نسخٌ حتى يبقى على ما كان، فلا وجهَ للاحتجاج بقوله
تعالى: ((وما تعبدونَ مِن دونِ الله)) لأنَّ الثابتَ به على تقدير التمامِ قَصْرُ العامِّ
بالمتراخي، والخلاف فيما وراءَه، والدليل قاصرٌ عن بيانِه، ولا لَلجواب بأنَّ
ما تعبدونَ لا يتناولُ عيسى، وعُزَيراً، والملائكةَ عليهم السلام، لأنَّ ((ما)) لغير

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٢٠٠
الآية : ٩٨
العقلاء، لما أنَّه على خلافٍ ما عليه الجمهور، بل لأنَّهم ماعُبِدوا حقيقةً على
ما أفَصحَ عنهِّ حين قال ابنُ الزِّبَعرى: أليسَ اليهودُ عبدوا عُزَيراً، والنصارى
عبدوا المسيحَ، وبنو مُلَيْحٍ عبدوا الملائكةَ، بقوله وَله: ((بل هم عَبدوا الشياطين
التي أمرتهم بذلك))، فقوله تعالى ((إن الذين)) الآية، لدفع ذهابٍ الوهم إلى التناول
لهم، نظراً إلى الظاهر.
وجوابه بَّهُ بذلك مما رواه ابنُ مردويه، والواحديُّ عن ابنِ عباس ﴿ًّا، وفيه:
فأنزلَ اللهُ تعالى: ((إنَّ الذين سبقت)) الآية، وعلى وَفق هذا وردَ جوابُ الملائكةِ
عليهم السلام في قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١]
والجمع بين هذه الروايةِ والروايةِ السابقة أنَّهِ وََّ بعد أن ذَكَر لابنِ الزِّبَعرى أنَّ الآيةَ
عامَّةٌ لكلِّ مَن عُبِدَ مِن دونِ الله تعالى بطريق دلالةِ النصِّ. وقال ابنُ الزِّبَعرى: أليسَ
اليهود .. إلخ، ذَكَر عدمَ تناولها المذكورين عليهم السلام مِن حيث إنَّهم لم يشاركوا
الأصنامَ في المعبوديّة مِن دون الله تعالى؛ لعدم أمرِهم ولا رضاهم بما كان الكفرةُ
يَفعلونَ، ولعلَّ فيه رمزاً خفيًّا إلى الدليل العقليِّ على عدم مؤاخذتهم، ثم نزلت الآيةُ
تأكيداً لعدم التناولِ، لكن لا يَخفى أنَّ هذه الروايةَ - إن صَحَّت - تقتضي أن لا تكونَ
الأصنامُ معبودةً أيضاً؛ لأنَّها لم تأمُرهم بالعبادة، فلا تكون ((ما)) مطلقة عليها، بل
على الشياطين؛ بناء على أنَّها هي الآمرةُ الراضيةُ بذلك فهي معبوداتهم، ولذا قال
إبراهيمُ عليه السلام ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ﴾ [مريم: ٤٤] مع أنَّه كان يعبدُ الأصنامَ
ظاهراً.
ووجهُ إطلاقِها عليها بناء على أنَّها ليست لذوي العقول، أنَّها أُجريت مجرى
الجمادات لكُفرها، وفي قوله وَله: ((التي أمرتهم))، دون: الذين أَمروهم، إشارةٌ
إلى ذلك، ثم في عدم تناولِ الآيةِ الأصنامَ هنا مِن البُعد ما فيه، فلعلَّ هذه الروايةَ
لم تَثبت، ولمولانا أبي السعود(١) كلامٌ مبناهُ خبر أنَّه ◌َهِ رَدَّ على ابنِ الزّبعرى
بقوله: ((ما أجهلكَ بلغةٍ قومك)) إلخ، وقد علمتَ ما قاله الحافظ ابنُ حجر(٢) فيه،
(١) تفسير أبي السعود ٨٦/٦.
(٢) في الكافي الشاف ص١١١ - ١١٢.