Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٨١ ١٦١ سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ ﴿وَلِسُلَيْمَنَ اَلرِّيَ﴾ أي: وسخّرنا له الريحَ، وجِيءَ باللام هنا دونَ الأوَّل؛ للدلالةِ على ما بين التسخيرَين مِن التفاوت، فإنَّ تسخيرَ ما سُخِّر له عليه السلام كان بطريق التبعيَّة والاقتداءِ به عليه السلام في عبادة الله عزَّ وجلَّ. ﴿عَاصِفَةً﴾، حال من ((الريح))، والعامل فيها الفعلُ المقدَّر، أي: وسخّرنا له الريحَ كونها شديدةً الهبوب، ولا ينافي وصفها بذلك هنا وصفها في موضع آخر بأنَّها رخاءٌ(١)، بمعنى طيِّبة ليِّنة، لأنَّ الرُّخَاءَ وصفٌ لها باعتبار نفسِها، والعَصْف وصفٌ لها باعتبار قَطْعها المسافة البعيدةَ في زمان يسيرٍ كالعاصفة في نفسِها فهي مع كونها ليِّنَةً، تَفعلُ فِعْلَ العاصفة. ويجوز أن يكون وصفها بكلٍّ مِن الوصفين بالنسبة إلى الوقتِ الذي يريده سليمانُ عليه السلام فيه، وقيل: وصفها بالرُّخاء في الذهاب، ووصفها بالعصفٍ بالإياب، على عادةِ البشر في الإسراع إلى الوطن، فهي عاصفةٌ في وقت، رخاءٌ في آخَر. وقرأ ابنُ هرمز، وأبو بكرٍ في رواية: ((الريحُ)) بالرفع مع الإفراد. وقرأ الحسنُ، وأبو رجاء: ((الرياحَ)) بالنصبِ والجمع، وأبو حيوة بالرفعِ والجمع(٢). ووجهُ النصب ظاهرٌ، وأمَّا الرفعُ فعلى أنَّ المرفوعَ مبتدأٌ، والخبر هو الظرفُ المقدَّمِ، و((عاصفة)) حالٌ مِن ضميرٍ المبتدأ في الخبر، والعامل ما فيه من معنى الاستقرار. ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ أي: بمشيئته وعلى وَفْقِ إرادتِه، وهو استعمالٌ شائع، ويجوز أن يأمرها حقيقةً ويَخلُق الله تعالى لها فَهْماً لأمرِه كما قيل في مجيءٍ الشجرِ للنبيِّ وَلـ حين دعاها(٣). (١) في قوله تعالى في سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُنَّةُ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [الآية: ٣٦]. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٢، والبحر المحيط ٣٣٢/٦. (٣) منها ما أخرجه مسلم (٣٠١٢) عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا ... وفيه: سرنا مع رسول الله وَلـ حتى نزلنا وادياً أَفْيَحَ، فذهب رسول الله رَّه يقضي حاجته، فاتبعته بإدواة من ماء، فنظر رسول الله وَّ فلم يَرّ شيئاً يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ◌َ﴾ إلى سُوَّةُ الأَنْبِيَاءِ ١٦٢ الآية : ٨١ والجملة إمَّا حالٌ ثانية، أو بدلٌ مِن الأُولى على ماقيل، وقد مرَّ لك - غيرَ بعيد - الكلامُ في إبدال الجملة من المفرَد فتذكَّر، أو حالٌ مِن ضمير الأولى. ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ وهي الشام كما أخرج ابنُ عساكر(١) عن السُّدِّيِّ، وكان عليه السلام مسكنه فيها، فالمراد أنَّها تجري بأمره إلى الشام رواحاً بعد ما سارت به منها بُكْرةً، ولشيوع كونه عليه السلام ساكناً في تلك الأرض، لم يذكر جريانها بأمرِه منها، واقتصر على ذِكْر جريانها إليها، وهو أظهر في الامتنان، وقيل: كان مسكنُه اصطخرَ، وكان عليه السلام يَركبُ الريحَ منها، فتجري بأمرِه إلى الشام. وقيل: يحتمل أن تكون الأرضُ أعمَّ من الشام، ووصفها بالبركةِ؛ لأنَّه عليه السلام إذا حلَّ أرضاً أَمَرَ بقتل كفَّارها وإثباتِ الإيمان فيها وبثِّ العدل، ولا بركةَ أعظمُ مِن ذلك، ويبعد أنَّ المتبادر كون تلك الأرضِ مباركاً فيها قبل الوصول إليها، وما ذكر يقتضي أنْ تكون مباركاً فيها مِن بَعْدُ. وأَبْعدَ جدًّا منذرُ بنُ سعيد بقوله: إنَّ الكلامَ قد تمَّ عند قوله تعالى: ((إلى الأرض))، و((التي باركنا فيها)) صفةٌ ((للريح))؛ وفي الآية تقديمٌ وتأخير، والأصل: ولسليمان الريحَ التي باركنا فيها عاصفةً تجري بأمره، بل لا يخفى أنَّه لا ينبغي أن يحمل كلامُ الله تعالى العزيز على مثل ذلك، وكلام أدنى البلغاء يُجَلُّ عنه، ثمَّ الظاهرُ أنَّ المرادَ بالريح هذا العنصرُ المعروفُ العامُّ لجميع أصنافِه المشهورة، وقيل: المراد بها الصَّبَا . وفي بعض الأخبار ما ظاهره ذلك، فعن مقاتل أنَّه قال: نَسجت لسليمانَ عليه السلام الشياطينُ بساطاً مِن ذهب وإبريسم، فرسخاً في فرسخ، ووضعت له منبراً مِن ذهبٍ يَقعُد عليه، وحوله كراسي مِن ذهب يَقعُد عليها الأنبياءُ عليهم السلام، إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علىَّ بإذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذن الله)) فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لَأَم بينهما (يعني جمعهما) فقال: ((التثما عليَّ بإذن الله)) فالتأمتا ... الخبر. ومعنى أنيح: أي: واسع. والأخبار في ذلك كثيرة، ينظر إمتاع الأسماع للمقريزي ٣٤/٥-٤٣. (١) في تاريخ مدينة دمشق ١٤٣/١ . الآية : ٨٢ ١٦٣ سُورَةُ الأَنْبِيَّنَاءِ وكراسيّ مِن فضَّة يقعد عليها العلماءُ، وحولَهم سائرُ الناس، وحول الناسِ الجنُّ والشياطينُ والطيرُ تظلُّه مِن الشمس، وتَرفعُ ريحُ الصَّبا البساطَ مسيرةً شهرٍ من الصباح إلى الرُّواح، ومِن الرواحِ إلى الصباح. وما ذكر من أنَّه يُحمَل على البساطِ هو المشهور، ولعلَّ ذلك في بعض الأوقات، وإلا فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن زيدٍ أنَّه قال: كان لسليمانَ عليه السلام مركبٌ مِن خشب، وكان فيه ألفُ ركن، في كلِّ ركنِ ألفُ بيتٍ، يَركبُ معه فيه الجنُّ والإنسُ، تحت كلِّ ركن ألفُ شيطان يرفعونَ ذلك المركبَ، فإذا ارتفع أَتَتِ الريحُ الرُّخاءُ فسارت به فساروا معه، فلا يدري القومُ إلا وقد أَظلَّهم منه الجيوش والجنود (١). وقيل في وجه الجَمْع: إنَّ البساط في المركب المذكور، وليس بذاك. وذُكرَ عن الحسن أنَّ إكرامَ الله تعالى لسليمان عليه السلام بتسخيرِ الريح لِمَا فَعَلَ بالخيل حين فاتَّتْه بسببها صلاةُ العصر، وذلك أنَّه تركها لهِ تعالى، فعوَّضه اللهُ سبحانه خيراً منها من حيث السرعةُ مع الراحة. ومِن العَجَبِ أنَّ أهلَ لندن قد أتعبوا أنفسَهم منذ زمانٍ بعمل سفينة تجري مرتفعةً في الهواء إلى حيث شاؤوا بواسطة أبخرة يحبسونها فيها؛ اغتراراً بما ظهر منذ سنوات مِن عملٍ سفينة تجري في الماء بواسطة آلاتٍ تحرِّكها أبخرةٌ فيها، فلم يتمَّ لهم ذلك، ولا أظنُّه يتمُّ حسب إرادتهم على الوجه الأكمل، وأخبرني بعضُ المطّلعين أنَّهم صنعوا سفينةً تجري في الهواء، لكن لا إلى حيث شاؤوا بل إلى حيث أَلقت رَحْلها . ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾﴾ فما أَعطيناه ما أعطيناه إلا لما نَعلمُه مِن الحكمة. ﴿وَمِنَ الشَّيَطِينِ﴾ أي: وسخَّرنا له مِن الشياطين ﴿مَنْ يَغُوُصُونَ لَهُ﴾ فـ ((من)) في موضع نَصْبٍ لـ ((سخّرنا))، وجوِّز أن تكون في موضع رفع على الابتداء، وخبرُه ما قبله، وهي على الوجهين على ما استظهره أبو حيَّان(٢) موصولةٌ، وعلى ما اختاره (١) الدر المنثور ٣٢٧/٤. (٢) البحر المحيط ٣٣٣/٦. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٦٤ الآية : ٨٢ جمعٌ نكرةٌ موصوفةٌ، ووجهُ اختيارٍ ذلك على الموصوليَّة أنَّه لا عهدَ هنا، وكون الموصولِ قد يكون للعهد الذهنيِّ خلاف الظاهر، وجِيءَ بضمير الجمع نظراً للمعنى، وحسّنه تقدُّم جمع قبله. والغوصُ: الدخولُ تحت الماء، وإخراجُ شيءٍ منه، ولما كان الغائصُ قد يغوص لنفسِه ولغيرِه قيل ((له))؛ للإيذان بأنَّ الغوصَ ليس لأنفسِهم، بل لأجله عليه السلام. وقد كان عليه السلام يأمرهم فيغوصونَ في البحار ويستخرجون له من نفائِسه . ﴿وَيَعْمَلُونَ﴾ له ﴿عَمَلًا﴾ كثيراً ﴿دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: غير ما ذُكر مِن بناء المدن والقُصور واختراع الصنائع الغريبة؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ الآية [١٣ من سورة سبأ]، قيل: إنَّ الحمّام والنُّورةَ(١) والطاحونَ والقواريرَ والصابونَ مِن أعمالهم، وذكر ذلك الإمام الرازيُّ في ((التفسير))(٢). لكنّ في كون الصابونِ من أعمالهم خلافاً، ففي ((التذكرة))(٣): الصابونُ من الصناعة القديمة، قيل: وجد في كتب هرمس وأندوخيا، وهو الأظهر. وقيل: من صناعة بقراط وجالينوس. انتهى. وقيل: هو من صناعة الفارابيِّ وأوَّل ما صنعه في دمشقَ الشام، ولا يصحُّ ذلك، وما اشتهر أنَّ أوَّل مَن صنعه البونيُّ، فمِن كذب العوامٌ وخرافاتهم. ثم هؤلاء إمَّا الفرقة الأولى أو غيرها؛ لعموم كلمة ((من)) كأنَّه قيل: ((ومن يعملون» . والشياطين: أجسامٌ لطيفة ناريّة عاقلةٌ، وحصولُ القدرة على الأعمال الشاقَّة في الجسم اللطيف غيرُ مستبعَدٍ، فإنَّ ذلك نظيرُ قَلْع الهواء الأجسامَ الثقيلة. (١) النُّورة: حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. المصباح (نور). (٢) ٢٠٢/٢٢. (٣) لعله: التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة (٦٧٢هـ). كشف الظنون ٣٩١/١. الآية : ٨٣ ١٦٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وقال الجبائيُّ: إنَّه سبحانه كثَّف أجسامَهم خاصَّة وقواهم، وزاد في عِظمهم؛ ليكون ذلك معجزةً لسليمان عليه السلام، فلما توفِّي ردَّهم إلى خِلْقتهم الأُولى؛ لئلا يفضي إبقاؤهم إلى تلبيس المتنبِّئ، وهو كلامٌ ساقط عن درجة القَبول كما لا يخفى. والظاهر أنَّ المسخَّرين كانوا كفاراً؛ لأنَّ لفظَ الشياطين أكثرُ إطلاقاً عليهم، وجاء التنصيصُ عليه في بعض الروايات، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَكُنَا لَهُمْ حَفِظِينَ ٨٢) أي: مِن أن يزيغوا عن أمرِه أو يفسدوا. وقال الزجَّاج(١): كان يحفظهم من أن يُفسِدوا ما عملوه بالنهار. وقيل: حافظينَ لهم من أن يهيِّجوا أحداً؛ والأنسب بالتذييلِ ما تقدَّم، وذكر في حفظهم أنَّه وَّل بهم جمعاً من الملائكة عليهم السلام وجمعاً مِن مؤمني الجنِّ، هذا، وفي قصتي داودَ وسليمانَ عليهما السلام ما يدلُّ على عِظَم قدرةٍ الله تعالى. قال الإمام (٢): وتسخيرُ أكثفِ الأجسام لداود عليه السلام وهو الحَجَر إذ أَنطقه الله تعالى بالتسبيح، والحديدُ إذ أَلانَهُ سبحانه له، وتسخير ألطفِ الأجسام لسليمانَ عليه السلام وهو الريحُ، والشياطينُ وهم مِن نارٍ، وكانوا يغوصون في الماء فلا يضرّهم، دليلٌ واضحٌ على باهرٍ قدرتِه سبحانه وإظهارِ الضدِّ من الضدِّ، وإمكان إحياءِ العظم الرميم، وجعلٍ التراب اليابس حيواناً، فإذا أَخبر الصادق بوقوعه، وجب قبوله واعتقادُه. ﴿وَيُوبَ﴾ الكلامُ فيه كما مرَّ في قوله تعالى: ((وداود وسليمان)). ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ﴾ أي: بأنِّ ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ وقرأ عيسى بنُ عمر - بكسر الهمزة(٣) - على إضمار القولِ عند البصريين، أي: قائلًا: إنِّي، ومذهب الكوفيين إجراء نادى مجرى: قال. والضَّرُّ بالفتح شائٌ في كلِّ ضررٍ، وبالضَّمِّ خاصٌّ بما في النفس مِن مرض وهُزال ونحوهما . (١) معاني القرآن وإعرابه ٤٠١/٣. (٢) تفسير الرازي ٢٠٣/٢٢. (٣) البحر المحيط ٣٣٤/٦. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٦٦ الآية : ٨٣ ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ ﴾﴾ أي: وأنت أعظمُ رحمةً مِن كلِّ من يتَّصف بالرحمة في الجملة، وإلا ، فلا راحمَ في الحقيقة سواه جلَّ شأنه وعلاه، ولا يَخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسَه بما يوجبها مكتفياً بذلك عن عَرْضِ الطلب من استمطارٍ سحائب الرحمةِ على أَلطف وجه. ويُحكى في التلظُّف في الطلب أنَّ امرأةً شكت إلى بعضٍ ولدِ سعدِ بنِ عبادة قلَّة الفَارِ في بيتها فقال: املؤوا بيتها خبزاً وسمنًا ولحماً. وهو عليه السلام على ما قال ابنُ جرير(١): ابن أموص بن رزاح بن عيص بنٍ إسحاق. وحكى ابنُ عساكر(٢) أنَّ أُمَّه بنتُ لوط عليه السلام، وأنَّ أباه ممَّن آمنَ بإبراهيم عليه السلام، فعلى هذا كان قَبل موسى عليه السلام. وقال ابنُ جريرٍ (٣): كان بعدَ شعيبٍ عليه السلام. وقال ابنُ أبي خيثمة: كان بعدَ سليمانَ عليه السلام. وأخرج ابنُ سعد عن الكلبيِّ قال: أوَّل نبيِّ بُعث: إدريسُ ثم نوحٌ ثم إبراهيمُ ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوبُ ثم يوسفُ ثم لوظٌ ثم هودٌ ثم صالحٌ ثم شعيبٌ ثم موسى وهارون، ثم إلياس ثم اليَسَع ثم يونس ثم أيوبُ عليهم السلام(٤). وقال ابنُ إسحاق: الصحيح أنَّه كان من بني اسرائيل، ولم يصحَّ في نسبه شيء إلا أنَّ اسم أبيه: أموص. وكان عليه السلام على ما أَخرج الحاكمُ(٥) من طريق سَمُرةً عن كعب: طويلًا، جَعْدَ الشعر، واسعَ العينين، حَسَنَ الخَلْقِ، قصيرَ العُنُق، عريضَ الصَّدْر، غليظَ الساقَين والساعدَين. وكان قد اصطفاه اللهُ تعالى وبسطَ عليه الدنيا وكثَّر أهله وماله، فكان له (١) في تاريخ الأمم والملوك ٣٢٢/١، وورد فيه: موص، بدل: أموص. (٢) في تاريخ مدينة دمشق ١٠/ ٥٨. (٣) في تاريخ الأمم والملوك ٣٢٥/١. (٤) طبقات ابن سعد ٥٤/١-٥٥ . (٥) في المستدرك ٢/ ٥٨٠-٥٨١. الآية : ٨٣ ١٦٧ سُورَةُ الأَثْنَاءِ سبعةُ بنينَ وسبعُ بناتٍ، وله أصنافُ البهائم، وخمس مئة فدَّان، يَتبعُها خمس مئةٍ عبدٍ، لكلِّ عبدٍ امرأةٌ وولدٌ، فابتلاه اللهُ تعالى بذهابٍ ولده بِهَدْم بيتٍ عليهم، وبذهاب أموالهٍ، وبالمرض في بدنِه ثماني عشرة سنةً، أو ثلاث عشرة سنةً، أو سبعاً وسبعةً أَشهر وسبعةً أيام وسبعَ ساعات، أو ثلاث سنين، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر، ومدَّة عمره على ما روى الطبراني(١) ثلاثٌ وتسعونَ سنةً. وقيل أكثر. رويَّ أنَّ امرأته - وكونها ماضر بنت ميشا بن يوسف عليه السلام، أو: رحمة بنت أفراثيم بنٍ يوسف، إنَّما يتسنَّى على بعض الروايات السابقة في زمانه عليه السلام - قالت له يوماً: لو دعوتَ اللهَ تعالى، فقال: كم كانت مدَّةُ الرخاءِ؟ فذكرت مدَّة كثيرةً، وفي بعض الروايات: ثمانينَ سنةً، فقال عليه السلام: أستحي مِن الله تعالى أن أدعوَه وما بلغت مدَّةٌ بلائي مدَّةَ رخائي. وروي أنَّ إبليسَ - عليه اللعنةُ - أتاها على هيئة عظيمةٍ، فقال لها: أنا إلهُ الأرضِ فعلتُ بزوجِك ما فعلتُ؛ لأنَّه تركني وعبدَ إلهَ السماء، فلو سجدَ لي سجدةً، رددتُ عليه وعليكِ جميع ما أخذتُ منكما - وفي رواية: لو سجدْتٍ لي سجدةً، لرددتُ المالَ والولدَ وعافيتُ زوجَكَ - فرجعت إلى أيوبَ عليه السلام وكان ملقّى في الكُناسة ببيتِ المقدس لا يَقرَبُ منه أحدٌ، فأخبرته بالقصَّة، فقال عليه السلام: لعلَّكِ افتُننتِ بقول اللعين، لئن عافاني اللهُ عزَّ وجلَّ لأضرِبنَّكِ مئةَ سوطِ، وحرامٌ عليَّ أن أذوقَ بعد هذا من طعامِك وشرابك شيئاً، فطردها، فبقيَ طريحاً في الكُناسة لا يَحوم حولَه أحدٌ من الناس، فعند ذلك خرَّ ساجداً فقال: ((ربِّ أنيٍّ مسَّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمين)). وأخرج ابنُ عساكر(٢) عن الحسن: أنَّه عليه السلام قال ذلك حين مرَّ به رجلان، فقال أحدُهما لصاحبه: لو كان للهِ تعالى في هذا حاجةٌ ما بَلَغَ به هذا كلّه، فسمع عليه السلام فشقَّ عليه، فقال ((ربِّ)) ... إلخ. (١) لم نقف عليه عند الطبراني في معاجمه الثلاثة، وأورده الطبري في تاريخ الأمم والملوك ٣٢٤/١، ولعله المراد. (٢) في تاريخ مدينة دمشق ٦٣/١٠. سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ١٦٨ الآية : ٨٣ وروى أنسٌ مرفوعاً: أنَّه عليه السلام نهض مرَّة ليصلِّي فلم يَقدِر على النهوض، فقال: ((ربِّ)) إلخ(١). وقيل غير ذلك، ولعلَّ هذا الأخيرَ أمثلُ الأقوال. وكان عليه السلام بلاؤه في بدنه في غاية الشدّة، فقد أخرج ابنُ جرير، عن وهبٍ بنِ منِّه قال: كان يَخرُج في بدنه مثلُ تَدْي النساءِ ثم يتفقًّا(٢). وأخرج أحمد في ((الزهد))(٣) عن الحسن أنَّه قال: ما كان بقي من أيوبَ عليه السلام إلا عيناه وقلبُه ولسانُه، فكانت الدوابُّ تختلف في جسده. وأخرج أبو نُعيم، وابنُ عساكر عنه أنَّ الدودةَ لتقعُ من جسدٍ أيوبَ عليه السلام فيعيدها إلى مكانها ويقول: كُلِي مِن رزقِ الله تعالى (٤). وما أصاب منه إبليسُ في مرضه كما أخرج البيهقيُّ في ((الشعب))(٥) إلا الأنين. وسببُ ابتلائه على ما أخرج ابنُ عساكر(٦) من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابنِ عباس أنَّه استعانَ به مسكينٌ على دَرْءِ ظلمٍ عنه، فلم يُعِنْهُ. وأخرج ابنُ عساكر(٧) عن أبي إدريسَ الخولانيّ في ذلك أنَّ الشامَ أجدبَ، فكتب فرعونُ إليه عليه السلام أنْ هلَّم إلينا، فإنَّ لك عندنا سعةً، فأقبلَ بما عنده فأقطعه أرضاً، فاتَّفق أن دخلَ شعيب على فرعونَ وأيوبُ عليه السلام عنده، فقال: أُمَا تخافُ أن يغضبَ اللهُ تعالى غضبةً فيغضبَ لغضبه أهلُ السماوات والأرض (١) لم نقف عليه مسنداً، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٦٢، والقرطبي في التفسير ٢٥٧/١٤. (٢) الدر المنثور ٤/ ٣٣٠ وعزاه لعبد الرزاق [في تفسيره ٢/ ١٦٧]، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر [في تاريخ مدينة دمشق ٦٥/١٠]. ولم نقف عليه عند ابن جرير. (٣) ص٥٤. (٤) الدر المنثور ٣٣٠/٤، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٦٤/١٠، وكلُّ هذه الأخبار من الإسرائيليات، ولا تليق بعصمة الأنبياء عليهم السلام. قال القاسمي في محاسن التأويل ٢٨٢/١١: روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفة بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثرِ وزنٌ، ولا تُعار من الثقة أدنى نظر. (٥) شعب الإيمان (١٠٠٧٧). (٦) في تاريخ مدينة دمشق ٦٠/١٠. (٧) في تاريخ مدينة دمشق ٦٠/١٠. الآية : ٨٤ ١٦٩ سُورَةُ الأَنْبَاءِ والجبال والبحار، فسكت أيوبُ، فلما خرجا مِن عنده أَوحى اللهُ تعالى إلى أيوبَ: أَوَسَكتَّ عن فرعونَ لذهابِك إلى أرضِه، استَعدَّ للبلاء، قال: فَدِيْني؟ قال سبحانه: أُسلِمه لك. قال: لا أبالي. والله تعالى أعلم بصحّة هذه الأخبار. ثم إنَّه عليه السلام لما سجدَ فقال ذلك، قيل له: ارفَع رأسَك فقد استُجيبَ لك، اركُض برِجْلك، فركضَ فنبعت مِن تحته عينُ ماءٍ، فاغتسل منها، فلم يَبْقَ في ظاهر بدنِهِ دابَّةٌ إلا سقطت، ولا جِراحة إلا بَرِئَتْ، ثم ركض مرَّة أخرى فنبعت عينٌ أخرى، فشرب منها، فلم يَبْقَ في جوفِه داءٌ إلَّا خرج، وعاد صحيحاً، ورجع إليه شبابُه وجمالُه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَتَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ ثم كُسيّ حلَّةً، وجلس على مكان مُشرِف، ولم تَعلم امرأتُه بذلك، فأَدركتها الرِّقَّةُ عليه فقالت في نفسها: هَبْ أنَّه طردني أَفأتركُه حتى يموتَ جوعاً وتأكلَه السباعُ، لأَرجعنَّ، فلما رَجعتْ ما رأت تلكَ الكناسةَ، ولا تلك الحالَ، فجعلت تطوفُ حيث الكناسة وتبكي، وهابَتْ صاحبَ الحُلَّة أن تأتيَه وتسأله، فدعاها أيوبُ عليه السلام، فقال: ما تريدينَ يا أمَةَ اللهِ؟ فبكت، وقالت: أُريد ذلك المُبتلَى الذي كان ملقى على الكناسة. قال لها: ما كانَ منك؟ فبكت، وقالت: بَعْلِي. قال: أَتعرفينَه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى عليَّ؟! فتبسَّم، فقال: أنا ذلك، فعرفته بضحكِه فاعتنقته. ﴿وَءَانَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ الظاهر أنَّه عطفٌ على ((كشفنا)) فيلزم أن يكون داخلًا معه في حيّز تفصيل استجابة الدعاء، وفيه خفاء؛ لعدم ظهور كون الإيتاء(١) المذكور مدعوَّا به، وإذا عطف على ((استجبنا)) لا يلزم ذلك. وقد سُئل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآيةِ، أخرج ابنُ مردويه، وابنُ عساكر من طريق جُويبر، عن الضخَّاك، عن ابنِ عباس ؤُهَا قال: سألتُ النبيَّ وَلِّ عن قوله تعالى: ((وآتيناه)) إلخ، قال: ((ردَّ اللهُ تعالى امرأته إليه، وزاد في شبابها حتى ولدت له ستّا وعشرينَ ذَكَراً»(٢). فالمعنى على هذا: آتيناه في الدنيا مثلَ أهلِه عدداً مع زيادة مِثْل آخَر. (١) في (م): الإتيان. (٢) الدر المنثور ٣٣٠/٤، ولم نقف عليه عند ابن عساكر، وأورده العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب ٢٣٣/٢ وعزاه لأبي بكر بن مردويه في تفسيره. سُورَةُ الأَنَبِيَاءِ ١٧٠ الآية : ٨٥ وقال ابن مسعود، والحسن، وقتادة في الآية: إنَّ اللهَ تعالى أحيى له أولادَه الذين هلكوا في بلائه، وأوتي مثلَهم في الدنيا. والظاهر أنَّ المِثْل مِن صُلْبه عليه السلام أيضاً، وقيل: كانوا نوافلَ. وجاء في خبر أنَّه عليه السلام كان له أَنْدَران (١)، أَنْدَر للقمح، وأَنْدَر للشعير، فبعث اللهُ تعالى سحابتَين، فأفرغت إحداهما في أَنْدر القمح الذهبَ حتى فاضَ، وأفرغت الأخرى في أَنْدر الشعير الوَرِقَ حتى فاضَ. وأخرج أحمد والبخاريُّ وغيرهما، عن أبي هريرة عن النبيِّ بَّ قال: ((بينما أيوبُ عليه السلام يغتسل عرياناً خرَّ عليه جرادٌ مِن ذهبٍ، فجعل أيوبُ عليه السلام يَحْثي في ثوبه، فناداه ربُّه سبحانه: يا أيوبُ أَلَم أَكُنْ أغنيتُكَ عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزَّتِك، لكن لا غِنَى بي عن بركتِك))(٢). وعاش عليه السلام بعد الخلاص من البلاء على ما روي عن ابن عباس . سبعينَ سنةً، ويظهر من هذا مع القول بأنَّ عمرَه حين أَصابه البلاءُ سبعونَ أنَّ مدَّةَ عمرِه فوق ثلاثٍ وتسعينَ بكثير، ولما مات عليه السلام أوصى إلى ابنِه حرمل، کما روي عن وهب. والآيةُ ظاهرة في أنَّ الأهلَ ليس المرأةَ ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ ١٤ أي: وآتيناه ما ذكرَ لرحمتنا أيوب عليه السلام، وتذكرةً لغيره من العابدينَ ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أُثيبَ، فـ ((رحمة)) نصب على أنَّه مفعول له، و((للعابدين)) متعلِّق بـ ((ذكرى))، وجوِّز أن يكون ((رحمة)) و((ذكرى)) تنازعا فيه، على معنى: وآتيناه العابِدينَ الذين مِن جُملتهم أيوبُ عليه السلام وذكرنا إيَّاهم بالإحسان وعدم نسيانِنا لهم. وجوَّز أبو البقاء(٣) نصبَ ((رحمة)) على المصدر، وهو كما ترى. ﴿وَإِسْمَئِيلَ وَإِذْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ﴾ أي: واذكُرهم. وظاهرُ نَظْمٍ ذي الكفل في سِلْك الأنبياء عليهم السلام أنَّه منهم، وهو الذي ذهب إليه الأكثرُ. (١) الأَنْدَر: البيدر، أو كُدْس القمح. القاموس (ندر). (٢) أحمد (٨١٥٩)، والبخاري (٢٧٩)، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٢٠٠/١-٢٠١. (٣) الإملاء ٤/ ١١. الآية : ٨٥ ١٧١ سُورَةُ الأَنْبَاءِ واختلف في اسمه، فقيل: بشر، وهو ابنُ أيوبَ عليه السلام بعثه اللهُ تعالى نبيًّا بعد أبيه، وسمَّاه: ذا الكفل، وأَمره سبحانه بالدعاء إلى توحيدِه، وكان مقيماً بالشام عمرَه، ومات وهو ابنُ خمسٍ وسبعينَ سنةً، وأوصى إلى ابنه عبدان(١)، وأخرج ذلك الحاكمُ عن وهب. وقيل: هو إلياس بنُ ياسين بنِ فنحاص بنِ العيزار بن هارون أخي موسى ابن عمران عليهم السلام، وصنيع بعضِهم يشعر باختياره. وقيل: يوشع بن نون، وقيل: اسمه: ذو الكفل، وقيل: هو زكريا، حكى كلَّ ذلك الكرمانيُّ في ((العجائب)). وقيل: هو اليسع بنُ أخطوب بنِ العجوز، وزعمت اليهود أنَّه حزقيال. وجاءته النبوّة وهو في وسط سبي بختنصّر على نهر خوبار(٢). وقال أبو موسى الأشعريُّ، ومجاهد: لم يكن نبيًّا وكان عبداً صالحاً استخلفه - على ما أخرج ابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم، عن مجاهدٍ - اليسع عليه السلام، بشرط أن يصوم النهارَ ويقومَ الليل ولا يغضبَ، ففعل(٣). ولم يَذكُر مجاهدٌ ما اسمُه. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابنِ عباس أنَّه قال: كان قاضٍ في بني إسرائيل فحضره الموتُ، فقال: مَن يقوم مقامي على أن لا يغضبَ؟ فقال رجل: أنا، يُسمَّى ذا الكفل ... الخبر(٤). وأخرج عن ابن حجيرة الأكبر: كان مَلِكٌ من ملوك بني إسرائيل، فحضرته الوفاةُ، فأتاه رؤوس بني إسرائيل، فقالوا: اسْتَخلِف علينا ملكاً نفزع إليه؟ فقال: من تكفَّل لي بثلاث فأولِّيه ملكي؟ فلم يتكلّم إلا فتى من القوم قال: أنا. فقال: اجلس، ثم قالها ثانية، فلم يتكلّم أحد إلا الفتى، فقال: تكفَّل لي بثلاث وأولِّيك ملكي: تقوم الليلَ فلا ترقد، وتصوم فلا تفطر، وتحكم فلا تغضب. قال: نعم. قال: قد ولّيتك ملكي .. الخبر(٥)، وفيه - وكذا في الخبر السابق - قصَّة (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: ثم بعث الله تعالى شعيباً. انتهى منه. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: هو: الخابور. انتهى. منه. (٣) تفسير الطبري ٣٦٩/١٦-٣٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦١/٨ (١٣٧٠٢). (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٢/٨ (١٣٧٠٣). (٥) الدر المنثور ٣٣٢/٤. سُورَةُ الإنْسَاءِ ١٧٢ الآية : ٨٦ ، ٨٧ إرادةِ إبليسَ - عليه اللعنةُ - إغضابَه وحِفْظ اللهِ تعالى إيَّاه منه. والكِفْلِ: الكَفالةُ والحظُ والضِّعْفُ، وإطلاق ذلك عليه إن لم يكن اسمَه؛ إمَّا لأنَّه تكفَّل بأمرٍ فوقَّى به، وإمَّا لأنَّه كان له ذا حظّ من الله تعالى، وقيل: لأنَّه كان له ضِعْف عملِ الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضِعْف ثوابِهِم. ومَن قال: إنَّه زكريا عليه السلام، قال: إنَّ إطلاقَ ذلك عليه لكفالتِهِ مريم، وهو داخلٌ في الوجه الأوَّل، وفي ((البحر)) (١): وقيل: في تسميته: ذا الكفل، أقوالٌ مُضْطربة لا تصحُّ، والله تعالى أعلم. ﴿كُلٌّ﴾ُ أي: كلُّ واحدٍ مِن هؤلاء ﴿مِّنَ الصَّبِينَ ﴾ أي: على مشاقٌ التكاليف وشدائدِ النوب، ويُعلم هذا مِن ذِكْر هؤلاء بَعْدَ أيوبَ عليهم السلام، والجملةُ استئناف وقعَ جواباً عن سؤال نَشَأَ مِن الأمر بذِكْرهم. ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِي رَحْمَتِنَاً﴾ الكلامُ فيه على طَرْزِ ما سبقَ مِن نظيره آنفاً. ﴿إِنَّهُم ◌ِنَ الصَلِمِينَ ﴾﴾ أي: الكاملين في الصلاح؛ لعصمتِّهم مِن الذنوب. والجملة في موضع التعليل، وليس فيه تعليلُ الشيءِ بنفسِه مِن غيرِ حاجة إلى جعل ((من)) ابتدائية، كما يظهر بأدنى نظر. ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكُر صاحبَ الحوتِ يونسَ - عليه السلام - بن متَّى، وهو اسمُ أبيه على ما في ((صحيح البخاري)) وغيره(٢)، وصحَّحه ابنُ حجر(٣)، ثم قال: ولم أقف في شيءٍ من الأخبار على اتّصال نسبه. وقد قيل: إنَّه كان في زمن ملوك الطوائفِ من الفرس. وقال ابنُ الأثير(٤) كغيره: إنَّه اسمُ أمِّه، ولم يُنسَب أحدٌ من الأنبياء إلى أمِّه غيرَه وغيرَ عيسى عليهما السلام. واليهود قالوا بما تقدَّم إلَّا أنَّهم سمَّوه: يونه بن أميتاي، وبعضهم يقول: (١) ٦/ ٣٣٤. (٢) أخرج البخاري (٣٣٩٥) عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر قال: ((لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى)) ونسبه إلى أبيه، وهو عند مسلم (٢٣٧٧). (٣) فتح الباري ٦/ ٤٥١-٤٥٢. (٤) في الكامل في التاريخ ٣٦٠/١. : الآية : ٨٧ ١٧٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ يونان بن أماثي، والنون: الحوت، كما أشرنا إليه، ويجمع على نينان، كما في ((البحر))(١)، و: أَنْوان أيضاً، كما في ((القاموس))(٢). ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾ أي: غضبانَ على قومِه؛ لشدَّة شكيمتِهم(٣) وتمادي إصرارِهم، مع طول دعوتِهِ إِيَّاهم، وكان ذهابُه هذا هجرةً عنهم، لكنَّه لم يُؤمَر به. وقيل: غضبانَ على المَلِكِ حزقيل، فقد روي عن ابنِ عباس أنَّه قال: كان يونسُ وقومُه يسكنون فلسطينَ، فغزاهم مَلِكٌ وسبى منهم تسعةً أسباطٍ ونصفاً، فأوحى اللهُ تعالى إلى شعياء النبيِّ أنِ اذهَبْ إلى حزقيل المَلِك، وقل له يوجِّه خمسةً من الأنبياء لقتالِ هذا الملك، فقال: أوجِّه يونسَ ابنَ متَى، فإنَّه قويٌّ أمينٌ، فدعاه الملكُ وأَمره أن يَخرُج، فقال يونس: هل أَمَرَك اللهُ تعالى بإخراجي؟ قال: لا . قال: هل سمَّاني لكَ. قال: لا. فقال يونس: فهاهنا أنبياءُ غيري. فألخُّوا عليه، فخرج مغاضباً، فأتى بحرَ الروم، فوجد قوماً هيَّؤْوا سفينةً، فركب معهم، فلما وصلوا اللُّجَّة تكفَّأَتْ بهم السَفينةُ، وأشرفت على الغَرَق، فقال الملاحون: معنا رجلٌ عاصٍ، أو عبدٌ آبقٌ، ومِن رَسْمنا إذا ابتُلينا بذلك أن نقترِعَ، فمَن وقعت عليه القرعةُ، ألقيناه في البحر، ولأَنْ يغرقَ أحدُنا خيرٌ من أن تغرقَ السفينةُ، فاقترعوا ثلاثَ مرَّات، فوقعت القرعةُ فيها كلِّها على يونسَ عليه السلام، فقال: أنا الرجلُ العاصي والعبدُ الآبقُ. فألقى نفسه في البحر، فجاءت حوثٌ فابتلعتُه، فأوحى اللهُ تعالى إليها أنْ لا تؤذيه بشعرةٍ، فإِنِّي جعلتُ بطنَك سجناً له ولم أجعله طعاماً، ثم نجَاه اللهُ تعالى مِن بطنها ونبذَه بالعراء، وقد رقَّ جلدُه فَأَنبتَ عليه شجرةً مِن يقطين يستظلُّ بها ويأكلُ مِن ثمرها حتى اشتدَّ، فلما يبست الشجرةُ، حَزِنَ عليها يونسُ عليه السلام، فقيل له: أتحزنُ على شجرةٍ ولم تَحزن على مئة ألفٍ أو يزيدونَ حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتَهم؟! فأوحى اللهُ تعالى إليه، وأَمَرَه أن يذهبَ إليهم، فتوجّه نحوَهم حتى دخل أرضَهم وهم منه غيرَ بعيد، فأتاهم وقال لملكِهم: إنَّ اللهَ تعالى أرسلني إليكَ، فأرسل معيَ بني إسرائيل. قالوا: ما نَعرفُ ما تقول، (١) البحر المحيط ٣٣٤/٦. (٢) مادة: (نون). (٣) الشَّكِيمة: الأَنَفة. القاموس (شكم). سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٧٤ الآية : ٨٧ ولو عَلِمْنا أنَّك صادقٌ لفَعَلْنا، وقد أتيناكم في دياركم وسَبَيْناكم، فلو كان الأمرُ كما تقول لمنَعَنا اللهُ تعالى عنكم، فطافَ فيهم ثلاثةَ أيام يَدعُوهم إلى ذلك، فَأَبَوا عليه، فأوحى اللهُ تعالى إليه، قل لهم: إن لم يؤمنوا جاءهم العذابُ. فأبلغهم، فَأَبَوا، فخرج مِن عندهم، فلمَّا فقدوه، ندموا على فِعْلهم، فانطلقوا يطلبونه فلم يَقدروا عليه، ثم ذكروا أمرَهم وأمرَ يونسَ عليه السلام للعلماءِ الذين عندهم فقالوا : انظروا واطلبُوه في المدينة، فإن كان فيها فليس كما ذَكَر مِن نزولِ العذاب، وإن كان قد خرج فهو كما قال، فطلبوه، فقيل لهم: إنَّه خرجَ العشيّة فلما أيسوا غلَّقوا بابَ مدينتهم، ولم يُدخِلَوا فيها دوابَّهم ولا غيرها، وعزلوا كلَّ واحدةٍ عن ولدها، وكذا الصبيان والأمَّهات، ثم قاموا ينتظرونَ الصبحَ، فلمَّا انشقَّ الصبحُ نزل العذابُ من السماء، فشقُّوا جيوبَهم، ووضعت الحواملُ ما في بطونِها، وصاحت الصبيانُ والدوابُ، فرفع اللهُ تعالى العذابَ عنهم، فبعثوا إلى يونسَ حتى لقوهُ فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل . وقيل: مغاضباً لربِّه عزَّ وجلَّ، وحكي في هذه المغاضبة كيفيَّات، وتَعقَّب ذلك في ((البحر))(١) بأنَّه يجب اطّراحُ هذا القولِ؛ إذ لا يناسبُ ذلك منصبَ النبوّة، وينبغي أن يُتَأوَّل لمن قال ذلك من العلماء، كالحسن، والشعبيِّ، وابنٍ جبير، وغيرهم مِن التابعين، وابن مسعود من الصحابة ﴿ه، بأن يكون معنى قولهم: لربِّه، لأجل ربِّه تعالى وحميَّةً لدينه، فاللام لامُ العلَّة لا اللامُ الموصلةُ للمفعول به. انتھی. وكون المراد مغاضباً لربِّه عزَّ وجلَّ مقتضى زَعْمِ اليهود، فإنَّهم زعموا أنَّ اللهَ أَمَرِه أن يذهب إلى نِيْنوى ويُنذِر أهلها، فهرب إلى ترسيس مِن ذلك وانحدرَ إلى يافا، ونزل في السفينة فعظمت الأمواجُ وأشرفت السفينةُ على الغَرَق، فاقترعَ أهلُها، فوقعت القرعةُ عليه، فرمى بنفسِه إلى البحر، فالتقمه الحوثُ، ثم ألقاه وذهب إلى نِيْنوى، فكان ما كان، ولا يَخفى أنَّ مثلَ هذا الهرب مما يُجَلُّ عنه الأنبياء عليه السلام، واليهودُ قومٌ بُهْتٌ. (١) ٦/ ٣٣٥. الآية : ٨٧ ١٧٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ونصب («مغاضباً)) على الحال، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً نحو: عاقبتُ اللصَّ وسافرتُ، وكأنَّه استعمل ذلك هنا؛ للمبالغةِ. وقيل: المفاعلة على ظاهرِها، فإنَّه عليه السلام غضب على قومِه لكُفرهم، وهم غضبوا عليه بالذهاب؛ لخوفهم لحوقَ العذاب. وقرأ أبو سرف: (مُغْضَباً))(١) اسم مفعول. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: إنَّه - أي: الشأن - لن نقدرَ ونقضيَ عليه بعقوبة ونحوها، أو: لن نضيِّقَ عليه في أمرِه بحبسٍ ونحوه. ويؤيِّد الأوَّلَ قراءةُ عمرَ بنِ عبد العزيز، والزهريِّ: ((نُقَدِّرَ)) بالنون مضمومةً وفتح القاف وكسر الدالِ مشدّدة، وقراءة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، واليمانيِّ: ((يُقَدَّر)) بضمِّ الياء وفتح القاف والدال مشدّدة (٢)، فإنَّ الفعلَ فيهما مِن التقدير بمعنى القضاء والحُكم، كما هو المشهور، ويجوز أن يكون بمعنى التضيُّق، فإنَّه ورد بهذا المعنى أيضاً كما ذكره الراغب(٣). وظنَّ معاويةُ هُ أنَّه مِن القُدرة، فاستشكل ذلك إذ لا يظنُّ أحدٌ - فَضْلًا عن النبيِّ عليه السلام - عَدَمَ قُدرةِ الله تعالى عليه، وفَزِعَ إلى ابنِ عباس رُّ، فأجابه بما ذكرناه أوَّلًا . وجوِّز أن يكون مِن القدرة وتكون مجازاً عن أعمالها، أي: فظنَّ أن لن نُعمِلَ قدرتَنا فيه، أو يكون الكلامُ مِن باب التمثيل، أي: فَعَلَ فِعْلَ مَن ظنَّ أن لن نقدرَ عليه في مُراغمته قومَه مِن غير انتظارٍ لأمرنا . وقيل: يجوز أن يسبقَ ذلك إلى وهمِه عليه السلام بوسوسة الشيطان، ثم يَردعَهُ، ويُردُّ بالبرهان كما يفعل المؤمنُ المحقَّق بنزغاتِ الشيطان وما يُوسوِس إليه (١) القراءات الشاذة ص٩٢، والكشاف ٢/ ٥٨١، وتفسير الرازي ٢١٤/٢٢، والبحر المحيط ٣٣٥/٦، والدر المصون ١٩٠/٨، إلا أنه ورد في المصادر كلها: أبو شرف، بدل: أبو سرف. وورد في الدر المصون: مغاضباً، بدل: مغضباً. ولم نقف على ترجمة القارئ، وذُكر في مواضع أخرى من المصادر المذكورة آنفاً: وأبو شرف مولى كندة. (٢) البحر المحيط ٣٣٥/٦، والكشاف ٥٨١/٢. (٣) مفرادات ألفاظ القرآن (قدر). سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ١٧٦ الآية : ٨٧ في كلِّ وقت، ومنه: ﴿وَتَظُنَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] والخطاب للمؤمنين. وتعقّبه صاحبُ ((الفرائد)) بأنَّ مثلَه عن المؤمن بعيدٌ، فضلًا عن النبيِّ المعصوم؛ لأنَّه كفرٌ، وقوله تعالى: ((تَظُنُونَ)) إلخ، ليس من هذا القبيل على أنَّه شامل للخُلَّص وغيرِهم، وبأنَّ ما هجَس ولم يستقرَّ لا يُسمَّى ظنًّا، وبأنَّ الخواطرَ لا عتبَ عليها، وبأنَّه لو كان حامله على الخروج لم يكن مِن قبيل الوسوسة. وأجيبَ بأنَّ الظنَّ بمعنى الهَجْس في الخاطر مِن غير ترجيحِ مجازٌ مستعملٌ، والعَتَب على ذهابِهِ مغاضباً، ولا وجهَ لجعله حاملًا على الخروج، ومع هذا هو وجهٌ لا وجاهةً له. وقرأ ابنُ أبي ليلى، وأبو سرف، والكلبيُّ، وحميد بنُ قيس، ويعقوب: (يُقدَر)) بضمِّ الياء وفتح الدالِ مخفَّفاً(١). وعيسى، والحسن بالياء مفتوحةً وكسرِ الدال(٢). ﴿فَنَادَى﴾ الفاء فصيحةٌ، أي: فكان ما كان من المساهمةِ والْتِقَامِ الحوتِ فنادى: ﴿فِ اٌلُلُمَتِ﴾ أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطنِ الحوت، جعلت الظلمة لشدَّتها كأنَّها ظلماتٌ، وأنشد السيرافيُّ : سواء صحيحاتُ العيونِ وعُوْرُها(٣) وليلٍ يقول الناسُ في ظُلُماتِه أو الجمع على ظاهرِه، والمراد ظلمةُ بطنِ الحوت، وظلمةُ البحر، وظلمةُ الليل. وقيل: ابتلع حوتَه حوثٌ أكبرُ منه، فحصل في ظلمتَي بطني الحوتَين وظلمتَي البحر والليل. ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ أي: بأنَّه لا إلهَ إلا أنتَ، على أنَّ ((أنْ)) مخفّفة مِن الثقيلة، والجارُّ مقدَّر، وضميرُ الشأن محذوفٌ، أو: أي: لا إلهَ إلا أنتَ، على أنَّها مفسِّرة. (١) النشر ٣٢٤/٢، والقراءات الشاذة ص ٩٢، والبحر المحيط ٣٣٥/٦. (٢) القراءات الشاذة ص٩٢، والبحر المحيط ٣٣٥/٦. (٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٤٢٣، وفيه: القوم، بدل: الناس، وبصيرات، بدل: صحيحات. وأورده ابن الشجري في الحماسة ٢/ ٧١٠، ٧٢٨، والبغدادي في خزانة الأدب ١٨/٥، ونسباه لمضرس بن رِبْعي. الآية : ٨٨ ١٧٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: أنزِّهكَ تنزيهاً لائقاً بكَ مِن أن يُعجِزك شيءٌ، أو: أن يكون ابتلائي بهذا من غيرِ سببٍ مِن جهتي ﴿إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ لأنفسِهم بتعريضهم للهَلَكة، حيث بادرت إلى المهاجرة مِن غير أمرٍ على خلاف معادِ الأنبياء عليهم السلام، وهذا اعترافٌ منه عليه السلام بذنبِهِ، وإظهارٌ لتوبته ليفرِّج عنه كربتهِ. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: دعاءَه الذي دعاه في ضمن الاعترافِ وإظهارٍ التوبة على ألطف وجهٍ وأحسنه . أخرج أحمد، والترمذيُّ، والنسائيُّ، والحكيم في ((نوادر الأصول))، والحاكم وصحَّحه، وابنُ جريرٍ، والبيهقيُّ في ((الشعب))، وجماعة، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبيِّ ◌َّ﴿ قال: ((دعوةُ ذي النون إذ هو في بطنِ الحوت: لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَك إنَّي كنتُ من الظالمين. لم يَدْعُ بها مسلمٌ ربَّه في شيءٍ قطّ إلا استجابَ له))(١). وأخرج ابنُ أبي حاتم (٢) عن الحسن أنَّ ذلك اسمُ اللهِ تعالى الأعظم. وأخرج ذلك الحاكم عن سعدٍ مرفوعاً (٣). وقد شاهدتُ أَثَرَ الدعاءِ به، ولله تعالى الحمدُ حين أمرني بذلك مَن أظنُّ ولايته مِن الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب، وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أَعلمُ به، وفي شَرْحه طُول، وأنتَ ملول. وجاء عن أنسٍ مرفوعاً أنَّه عليه السلام حين دعا بذلك أَقبلت دعوتُه تحفُّ بالعرشِ، فقالت الملائكةُ عليهم السلام: هذا صوتٌ ضعيفٍ معروف مِن بلاد غريبة، فقال اللهُ تعالى: أَمَا تعرفونَ ذلك؟ قالوا: يا ربّ ومَن هو؟ قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدكَ يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبَّل ودعوةٌ مجابة، يا ربِّ أَفَلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوثَ (١) أحمد (١٤٦٢)، والترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٥)، ونوادر الأصول ص١٣٤، ومستدرك الحاكم ٥٠٥/١، وشعب الإيمان (١٠٢٢٤)، ولم نقف عليه عند ابن جرير. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٥/٨ (١٣٧١٤). (٣) المستدرك ١ /٥٠٥ -٥٠٦. سُورَةُ الأَنْيَاءِ ١٧٨ الآية : ٨٨ فطرحه(١). وذلك قوله تعالى: ﴿وَخَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ﴾ أي: الذي ناله حين التقمه الحوثُ، بأن قَذفه إلى الساحل بعدَ ساعاتٍ. قال الشعبيُّ: التقمه ضحّى ولَفَظَه عشيّة. وعن قتادة: أنَّه بقي في بطنِه ثلاثةَ أيام، وهو الذي زعمته اليهود، وعن جعفر الصادقِ رَُّه أنَّه بقيَ سبعةَ أيام. وروى ابنُ أبي حاتم عن أبي مالك أنَّه بقي أربعينَ يوماً، وقيل: المراد بالغمِّ غمُّ الخطيئةِ. وما تقدَّم أَظهرُ، ولم يقل جلَّ شأنُه: فنجيناه، كما قال تعالى في قصَّة أيوبَ عليه السلام: فكشفنا، قال بعضُ الأجلَّة: لأنَّه دعا بالخلاص من الضُّرِّ، فالكشف المذكور يترتَّب على استجابتِهِ، ويونس عليه السلام لم يَدْعُ، فلم يوجد وجهُ الترتيب في استجابته. ورُدَّ بأنَّ الفاءَ في قصّة أيوبَ عليه السلام تفسيريَّة، والعطف هنا أيضاً تفسيريٌّ، والتفنُّن طريقةٌ مسلوكة في البلاغة، ثم لا نُسلِّم أنَّ يونسَ عليه السلام لم يَدْعُ ولو لم يكن منه دعاءً، لم تتحقَّق الاستجابة. اهـ. وتعقّبه الخفاجيُّ(٢) بأنَّه لا محصِّلَ لهُ، وكونه تفسيراً لا يَدفعُ السؤالَ؛ لأنَّ حاصله: لِمَ أُتَيَ بالفاء ثَمَّتَ، ولم يؤتَ بها هنا؟ فالظاهر أن يقال: إنَّ الأوَّل دعاءٌ بكشف الضُّرِّ على وجه التلطّف، فلما أجْملَ في الاستجابة، وكان السؤالُ بطريق الإيماءِ، ناسبَ أن يُؤتَى بالفاء التفصيليَّة، وأما هنا فلما هاجرَ عليه السلام مِن غير أمرٍ، كان ذلك ذنباً بالنسبة إليه عليه السلام، كما أشار إليه بقوله: «إنِّي كنتُ مِن الظالمينَ))، فما أومأ (٣) إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه، فالاستجابةُ عبارة عن قَبول توبته وعدم مؤاخذته، وليسَ ما بعده تفسيراً له، بل زيادةُ إحسانٍ على مطلوبه، ولذا عطف بالواو. اهـ. ولا يخفى أنَّ ما ذكره لا يتسنَّى في قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وقوله سبحانه: (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٣٢)، وابن أبي حاتم في التفسير ٢٤٦٤/٨ - ٢٤٦٥ (١٣٧١١)، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٣٤/٤. (٢) حاشية الشهاب ٢٦٩/٦-٢٧٠، وما قبله منه أيضاً. (٣) في (م): أوحى. الآية : ٨٨ ١٧٩ سُورَةُ الإنْسَاءِ فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ ٨٩ ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبٍّ لَا تَذَرْنِ فَْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى﴾ [الأنبياء: ٨٩-٩٠] إذ لم يكن سؤالُ نوح عليه السلام بطريق الإيماء مع أنَّه قال تعالى في قصَّته: ((فنجَّينا)) بالفاء، وزكرياً عليه السلام لم يَصدُر منه ما يُعَدُّ ذنباً بالنسبة إليه ليتلطّف في سؤال عدم المؤاخذة مع أنَّه قال سبحانه في قصَّته: ((ووهَبْنا)) بالواو، فلا بُدَّ حينئذٍ من بيانٍ نُكْتةٍ - غير ما ذُكر - للتعبير في كلِّ موضع مِن هذين الموضعين بما عبَّر، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره الشهابُ في الآية الأخيرة، وربَّما يقال: إنَّه جِيءَ بالفاء التفصيليَّة في قصَّتي نوحٍ وأيوبَ عليهما السلام، اعتناءً بشأن الاستجابة لمكان الإجمال والتفصيل، لعظم ما كانا فيه وتفاقُمِه جدًّا، ألا ترى كيف يضربُ المثل ببلاءٍ أيوبَ عليه السلام حيث كان في النفس والأهل والمال واستمرَّ إلى ما شاء اللهُ تعالى، وكيف وصفَ اللهُ تعالى ما نجَّى اللهُ سبحانه منه نوحاً عليه السلام، حيث قال عزَّ وجلَّ: ((فنجيناه وأهله من الكَرْبِ العظيم)) ولا كذلك ما كان فيه ذو النون وزكريا عليهما السلام بالنسبة إلى ذلك، فلذا جِيءَ في آيتيهما بالواو، وهي إن جاءت للتفسير، لكن مجيء الفاء لذلك أكثر، ولا يَبعُد عندي ما ذكره الخفاجيُّ (١) في هذه الآية مِن كون الاستجابة عبارة عن قَبول توبتِهِ عليه السلام، والتنجية زيادةٌ إحسانٍ على مطلوبه، ويقال فيما سيأتي ما ستسمعه إن شاء الله تعالى. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإنجاءِ الكاملِ ﴿نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ مِن غمومِ دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص، لا إنجاءً أدنى منه. وقرأ الجحدريُّ: ((نُنَجِّي)) مشدّداً(٢)، مضارع ((نجَّى))، وقرأ ابنُ عامر، وأبو بكر: ((نُجِّي)) بنونٍ واحدةٍ مضمومة، وتشديد الجيم، وإسكان الياء(٣)، واختار أبو عبيدةَ هذه القراءةَ على القراءة بنونين (٤)؛ لكونها أوفقَ بالرسم العثمانيِّ لما أنَّه بنونٍ واحدة، وقال أبو عليٍّ في ((الحجّة))(٥): روي عن أبي عمرو: ((نُجِّي)) (١) حاشية الشهاب ٦/ ٢٧٠ . (٢) القراءات الشاذة ص٩٢، والبحر المحيط ٣٣٥/٦. (٣) التيسير ص١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢. (٤) ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٣٣٥/٦. (٥) ٢٩٥/٥. سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ١٨٠ الآية : ٨٨ بالإدغام، والنونُ لا تدغم في الجيم، وإنَّما أُخفيت؛ لأنَّها ساكنةٌ تَخرُج مِن الخياشيم، فحذفت مِن الكتاب وهي في اللفظ، ومن قال: تُدغَم، فقد غلط؛ لأنَّ هذه النونَ تخفى مع حروف الفَم، وتُسمَّى الأحرفَ الشجريَّة، وهي الجيم، والشين، والضاد، وتَببينها لحنٌّ، فلما أُخفيَ ظنَّ السامع أنَّه مدغم. انتهى. وقال أبو الفتح ابنُ جنِّي: أصله: نُنَجِّي، كما في قراءة الجحدريِّ، فحذفت النونُ الثانية؛ لتوالي المِثْلين، والأخرى جيء بها لمعنّى، والثقل إنَّما حصل بالثانية، وذلك كما حُذفت التاءُ الثانية في ﴿تَظَهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولا يضرُّ كونها أصليّة، وكذا لا يضرُّ عدمُ اتِّحادٍ حركتها مع حركةِ النون الأولى، فإنَّ الداعيّ إلى الحذف اجتماعُ المثلين مع تعذّر الإدغام، فقول أبي البقاء (١): إنَّ هذا التوجيهَ ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أنَّ النونَ الثانية أصلٌ، وهي فاءُ الكلمة، فحذفها يَبعُد جدًّا. والثاني: أنَّ حركتَها غيرُ حركة النون الأولى، فلا يُستثقل الجمعُ بينهما، بخلاف: ﴿تَظَهَرُونَ﴾ = ليس في حيِّز القبول، وإنَّما امتنع الحذفُ في: ﴿نَتَجَانَى﴾ [السجدة: ١٦] لخوفِ اللبس بالماضي، بخلاف ما نحن فيه؛ لأنَّه لو كان ماضياً، لم يُسكّن آخرُه، وكونه سكِّن تخفيفاً خلاف الظاهر، وقيل: هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعلُه، وسكِّنت الياءُ للتخفيف، كما في قراءة مَن قرأ: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ (٢) الْرّبَوَا﴾ ماضِي العزيمةِ ما في حُكْمِه جَنَفُ(٣) هو الخليفةُ فارْضَوْا ما رَضِيْ لَکمُ [البقرة: ٢٧٨] وقوله : ونائبُ الفاعلِ ضميرُ المصدر، و((المؤمنين)) مفعولٌ به، وقد أجاز قيامَ المصدر مقامَ الفاعل مع وجود المفعول به الأخفشُ، والكوفُّون، وأبو عبيدٍ، وخرَّجوا على ذلك قراءةَ أبي جعفر: ﴿لِيَجْزِىَ قَوْمًا﴾ (٤) [الجاثية: ١٤] وقوله: (١) الإملاء ٤/ ١٢. (٢) القراءات الشاذة ص١٧ ونسبها إلى أُبَيِّ، والمحتسب ١٤١/١ ونسبها للحسن. (٣) القائل: جرير، والبيت باللفظ المذكور في المحتسب ١٤١/١، وورد في الديوان ١٧٥/١ بلفظ : هو الخليفة فارضوا ما قضى لكُمُ بالحقِّ يصدع ما في قوله جَنَفُ والجَنَف: الميل. (٤) النشر ٢/ ٣٧٢، ونسبها لعاصم أيضاً في رواية عنه.