Indexed OCR Text
Pages 121-140
الآية : ٥٠ ، ٥١ ١٢١ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ما اتّصفَ به المستعجلون، وإيثارُ الجملةِ الاسميَّة؛ للدلالة على أنَّ حالتهم فيما يتعلَّق بالآخرة الإشفاقُ الدائمُ. ﴿وَهَذَا﴾ أي القرآن الكريم، أُشير إليه بـ ((هذا))؛ للإيذان بسهولةٍ تناوله ووضوحٍ أمره. وقيل: لقُرب زمانه. يتذكَّر به مَن تذكَّر، وصف بالوصف الأخيرِ للتوراة؛ لمناسبة المقام، وموافقتِهِ لما مرَّ في صَدْرِ السورة الكريمة، مع انطواءِ جميع ما تقدَّم في وصفه بقوله سبحانه: ﴿قُبَارَكٌ﴾ أي: كثيرُ الخيرِ، غزيرُ النفع، ولقد عاد علينا - ولله تعالى الحمدُ ۔ من بر کتِه ما عاد. وقوله تعالى: ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ إمّا صفةٌ ثانية لـ ((ذِكْر))، أو خبرٌ آخَرُ لـ ((هذا))، وفيه على التقديرين مِن تعظيمٍ أَمْر القرآن الكريم ما فيه. ﴿أَفَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ ﴾﴾: إنكارٌ لإنكارِهم بعد ظهورٍ كونه كالتوراة، كأنَّه قيل: أَبَعْدَ أَنْ علمتِم أنَّ شأنَه كشأنِ التوراة، أنتم منكرونَ لكونِه منزلاً مِن عندنا، فإنَّ ذلك بعد ملاحظة حالِ التوراة ممَّا لا مساغَ له أصلاً. وتقديمُ الجارِّ والمجرور؛ لرعاية الفواصل، أو للحصر، لأنَّهم معترفونَ بغيرِهِ مما في أيدي أهل الكتاب. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِنََّهِيَمَ رُشْدَهُ﴾ أي: الرشدَ اللائقَ به وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الرشدُ الكامل، أعني: الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، والإرشاد بالنواميس الإلهيّة. وقيل: الصحف. وقيل: الحكمة. وقيل: التوفيق للخير صغيراً، واختار بعضُهم التعميمَ. وقرأ عيسى الثقفيُّ: ((رَشَدَهُ)) بفتح الراء والشين(١)، وهما لغةٌ، كالحُزْن والحَزَن. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: مِن قَبل موسى وهارونَ، وقيل: مِن قَبل البلوغ حينَ خرج من السِّرْبِ. وقيل: مِن قَبل أن يولدَ حين كان في صُلْب آدَمَ عليه السلام. وقيل: مِن (١) القراءات الشاذة ص٩٢. سُورَةُ الأَنْيَاءِ ١٢٢ الآية : ٥٢ قَبل محمَّد نَّهِ. والأوَّل مرويٌّ عن ابنِ عباس وابنٍ عمر ظَه. قال في ((الكشف)): وهو الوجه الأوفق لفظاً ومعنَى، أمَّا الأوَّل؛ فللقُرب، وأمَّا الثاني؛ فلأنَّ ذِكْرَ الأنبياء عليهم السلام للتأسِّي، وكان القياسُ أن يُذكّر نوحٌ، ثم إبراهيمُ، ثم موسى عليهم السلام، لكن رُوعيَ في ذلك ترشيحُ التسلِّي والتأسيِّ، فقد ذكرَ موسى عليه السلام؛ لأنَّ حالَهُ وما قاساه من قومِه وكثرةَ آياته وتكاثف أمَّته، أشبه بحال نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، ثم ثنّى بذِكْر إبراهيم عليه السلام، وقيل: ((من قبل)) لهذا، أَلَا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] أي: من قَبل هؤلاء المذكورين. وقيل: من قبل إبراهيم ولوط. اهـ. ﴿وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴾﴾ أي: بأحواله وما فيه من الكمالاتِ، وهذا كقولك في خيرٍ من الناس: أنا عالمٌ بفلانٍ، فإنَّه من الاحتواء على محاسنِ الأوصاف بمنزل. وجوِّز أن يكون هذا كنايةً عن حفظه تعالى إِيَّاه وعدم إضاعته، وقد قال عليه السلام يومَ إلقائه في النار، وقول جبريل عليه السلام له: سَلْ ربَّكَ: عِلْمِه بحالي يغني عن سؤالي. وهو خلافُ الظاهر. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ﴾ ظرف لـ ((آتينا)) على أنَّه وقت متَّسع وقعَ فيه الإيتاءُ وما يترتَّب عليه من أقواله وأفعاله، وجوِّز أن يكون ظرفاً ((للرشد)) أو لـ ((عالمين))، وأن يكون بدلًا مِن موضع ((من قبل))، وأن ينتصبَ بإضمار: أعني، أو: اذكُر، وبدأ بذِكْر الأبِ؛ لأنَّه كان الأهمَّ عنده عليه السلام في النصيحة والإنقاذ من الضلال. والظاهر أنَّه عليه السلام قال له ولقومِه مجتمعينَ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ اَلَّيِّ أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ أراد عليه السلام ما هذه الأصنام، إلّا أنَّه عبَّر عنها بالتماثيل؛ تحقيراً انة لشأنها، فإنَّ التمثالَ الصورةُ المصنوعة مشبَّهة بمخلوقٍ من مخلوقاتِ الله تعالى، من مثَّلتُ الشيءَ بالشيءٍ إذا شبّهتَه به. وكانت - على ما قيل - صورَ الرجالِ يعتقدون فيهم، وقد انقرضوا. وقيل: كانت صوراً لكواكب(١) صنعوها حسبما تخيَّلوا، وفي الإشارة إليها بما يُشار به للقريب؛ إشارةٌ إلى التحقير أيضاً، والسؤال عنها بما التي يُطلَب بها بيانُ الحقيقة، (١) في (م): صور الكواكب. الآية : ٥٢ ١٢٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ أو شرحُ الاسم من باب تجاهلِ العارف، كأنَّه لا يَعرِفُ أنَّها ماذا، وإلا، فهو عليه السلام محيطٌ بَأنَّ حقيقتها حَجَرٌ أو نحوه. والعُكوف: الإقبال على الشيء وملازمتُه على سبيل التعظيم له. وقيل: اللزوم والاستمرار على الشيءٍ لغَرَض من الأغراض، وهو على التفسيرين دون العبادة، ففي اختياره عليها إيماءٌ إلى تفظيع شأنِ العبادة غايةَ التفظيع. واللام في (لها)) للبيان، فهي متعلِّقة بمحذوف كما في قوله تعالى: ﴿لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، أو للتعليل، فهي متعلّقة بـ ((عاكفون))، وليست للتعدية؛ لأنَّ عَكَفَ إنَّما يتعدَّى بـ ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقد نزِّل الوصفُ منزلةَ اللازم، أي: التي أنتم لها فاعلون العكوفَ. واستظهر أبو حيَّان(١) كونَها للتعليل، وصلة ((عاكفون)) محذوفة، أي: عاكفونَ على عبادتها، ويجوز أن تكون اللامُ بمعنى ((على))، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَأَ﴾ [الإسراء: ٧] وتتعلَّق حينئذٍ بـ ((عاكفون)) على أنَّها للتعدية. وجوِّز أن يؤوَّل العكوفُ بالعبادة، فاللام حينئذٍ كما قيل: دعامةٌ لا معدِّيةٌ، لتعدِّيه بنفسه، ورجِّح هذا الوجهُ بما بعد. وقيل: لا يبعد أن تكون اللامُ للاختصاص، والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوف وقع خبراً، و((عاكفون)) خبرٌ بعد خبرٍ، وأنت تعلَم أنَّ نفيَ بعده مكابرةٌ. ومن الناس من لم يَرتضِ تأويلَ العكوف بالعبادة؛ لما أخرج ابنُ أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابنُ أبي الدنيا في ((ذِّ الملاهي))، وابنُ المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجَهه، أنَّه مرَّ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؛ لأَنْ يمسَّ أحدكم جمراً حتى يَظْفَأَ خيرٌ له من أن يمسّها(٢). وفيه نظرٌ لا يخفى، نَعَمْ (١) البحر المحيط ٣٢٠/٦. (٢) الدر المنثور ٣٢١/٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٧٣٨/٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٥٥/٨ (١٣٦٧٠)، وشعب الإيمان (٦٥١٨). سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٢٤ الآية : ٥٣ ، ٥٤، ٥٥ لا يبعدُ أن يكون الأَولى إبقاءُ العكوف على ظاهره، ومع ذلك المقصودُ بالذات الاستفسارُ عن سبب العبادة والتوبيخ عليها بألطفِ أسلوب، ولمَّا لم يجدوا ما يعوَّل عليه في أمرها، التجؤوا إلى التشبُّث بحشيشِ التقليد المحضٍ، حيث وأَبطل عليه السلام ذلكَ على طريقة التوكيدِ ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَبَاْءَنَا لَهَا عَيِدِينَ القَسَميِّ، حيث ﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ﴾ الذين وجدتموهم كذلك ﴿فی ضَلَالٍ﴾ عجيبٍ لا يقادرُ قدرُه ﴿مُبِينٍ ﴾﴾ ظاهرٌ بَيِّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه ضلالًا؛ لاستنادِكم وإيَّاهم إلى غيرِ دليل، بل إلى هوّى متَبع وشيطانِ مطاعٍ. و((أنتم)) تأكيدٌ للضمير المتَّصل في ((كنتم))، ولا بدَّ منه عند البصريينَ؛ لجواز العطفِ على مثلِ هذا الضمير، ومعنى كنتم في ضلالٍ، مطلَقُ استقرارِهم وتمُّنهم فيه لا استقرارُهم الماضي الحاصل قَبل زمَان الخطاب المتناول لهم ولآبائِهم، وفي اختيار (في ضلال)) على ((ضالِّين)) ما لا يَخفى من المبالغة في ضلالهم. وفي الآية دليلٌ على أنَّ الباطل لا يصير حقًّا بكثرةِ المتمسِّكين به. ﴿قَالُواْ﴾ لمَّا سمعوا مقالته عليه السلام استبعاداً لكونِ ما هم عليه ضلالًا وتعجّباً من تضليلهِ عليه السلام إيَّاهم على أتمٍّ وجه: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِ﴾ أي: بالجِدِّ ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ ﴾﴾ أي: الهازلين، فالاستفهامُ ليس على ظاهرِهِ، بل هو استفهامٌ مستَبْعد متعجَّب، وقولهم: ((أم أنت)) إلخ، عديله كلامُ منصفٍ مومئ فيه بألطفٍ وجهٍ أنَّ الثابت هو القسمُ الثاني، لما فيه من أنواع المبالغة، وأشار في ((الكشاف))(١) كما في (الكشف)) إلى أنَّ الأصلَ: هذا الذي جئتنا به أهو جِدٌّ وحقٌّ، أم لَعِبٌّ وهزلٌ، إلا أنَّه عَدَلَ عنه إلى ما عليه النظمُ الكريم؛ لما أشير إليه. وقال صاحب ((المفتاح))(٢): أي: أجدَّدتَ وأحدثتَ عندنا تعاطي الحقِّ، أم أحوالُ الصِّبَا بَعْدُ على الاستمرار، وهو أقربُ إلى الظاهر، وفيه الإشارةُ إلى فائدة العدول عن المعادل ظاهراً، وبيان المراد بالمجيء. (١) ٥٧٥/٢-٥٧٦ . (٢) مفتاح العلوم للسكاكي ص٢٧٢ . الآية : ٥٦ ١٢٥ سُورَةُ الأَنْنَاءِ وظاهرُ كلام الشيخين(١) أنَّ ((أم)) متّصلة، واختار العلّامة الطيبيُّ أنَّها منقطعة فقال: إنَّهم لمَّا سمعوا منه عليه السلام ما يدلُّ على تحقير آلهتهم وتضليلهم وآبائهم على أبلغ وجهٍ وشاهدوا منه الغلظةَ والجِدَّ، طلبوا منه عليه السلام البرهانَ، فكأنَّهم قالوا: هَّبْ أنَّا قد قلَّدنا آباءَنا فيما نحن فيه، فهل معك دليلٌ على ما اذَّعيتَ، أَجئتَنا بالحقِّ؟! ثم أَضربوا عن ذلك، وجاؤوا بـ ((أم)) المتضمِّنة لمعنى ((بل)) الإضرابيَّة، والهمزة التقريريَّة(٢)، فأضربوا بـ ((بل)) عمَّا أثبتوا له، وقرَّروا بالهمزة خلافَه، على سبيل التوكيد والبتِّ، وذلك أنَّهم قطعوا أنَّه لاعبٌّ وليس بمُحِقِّ ألبتة؛ لأنَّ إدخالَهم إِيَّاه في زمرة اللاعبين، أي: أنت غريقٌ في اللعب، داخلٌ في زمرة الذين قصارى أَمرهم في إثبات الدعاوى اللعبُ واللهوُ على سبيل الكنايةِ الإيمائيَّة، دلَّ على إثبات ذلك بالدليل والبرهان، وهذه الكنايةُ تُوقِفك على أنَّ ((أم)) لا يجوز أن تكون متَّصلةً قطعاً، وكذا ((بل)) فيما بَعْدُ. انتهى. والحقُّ أنَّ جوازَ الانقطاع مما لاريبَ فيه، وأما وجوبُه، ففيه ما فيه. ﴿قَالَ بَلِ رَبِّكُمْ رَبُّ الْتَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُربَ﴾ أي: أَنشأهنَّ بما فيهنَّ من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه من غيرٍ مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه، وهذا انتقالٌ عن تضليلهم في عبادة الأصنام ونفي عدم استحقاقها لذلك إلى بيانِ الحقِّ وتعيينِ المستحقِّ للعبادة. وضمير ((فطرهنَّ)) إمَّا السماوات والأرض، واستظهره أبو حيَّان(٣)، ووصفُه تعالى بإيجادهنَّ إثْرَ وصفِه سبحانه بربوبيَّته لهنَّ؛ تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على أن ما لا يكون كذلك بمعزل عن الربوبَّية التي هي منشأ استحقاقِ العبادة. وإمَّا للتماثيل، ورجّح بأنَّه أدخلُ في تحقيق الحقِّ وإرشاد المخاطَبين إليه، وليس هذا الضميرُ من الضمائر التي تَخْصُّ من يعقلُ من المؤنَّئات، كما ظنَّه ابنُ عطيّة(٤)، فتكلَّف لتوجيه عودِه لما لا يَعقلُ. (١) أي: السعد التفتازاني والشريف الجرجاني، كما صرّح بهما ١٢٤/١. (٢) في (م): التقديرية. (٣) البحر المحيط ٣٢١/٦. (٤) المحرر الوجيز ٤ /٨٦. سُوَّةُ الأَنَبِيَاءِ ١٢٦ الآية : ٥٦ تذييلٌ متضمِّن لردِّ نسبتهم إيّاه ٥٦ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِّنَ الشَّهِدِينَ عليه السلام إلى اللعبِ والهزلِ، والإشارة إلى المذكور، والجارُّ الأوَّل متعلِّق بمحذوف، أي: وأنا شاهدٌ على ذلكم من الشاهدين، أو على جهة البيان، أي: أعني على ذلكم، أو متعلِّق بالوصف بَعدَه، وإن كان في صلة ((أل)) لاتِّساعهم في المظروف أقوالٌ مشهورة، والمعنى: وأنا على ذلكم الذي ذكرتُه من العالِمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، ولستُ من اللاعبين، فإنَّ الشاهدَ على الشيء من تحقَّقه وحقَّقه، وشهادتُه على ذلك إدلاؤه بالحجَّة عليها وإثباته بها . وقال شيخُ الاسلام(١): إنَّ قوله: ((بل ربكم)) إلخ، إضرابٌ عمَّا بَنَوا عليه مقالَهم من اعتقادٍ كونِ تلك التماثيل أرباباً لهم، كأنَّه قيل: ليس الأمرُ كذلك، بل ربُگم، إلخ. وقال القاضي: هو إضرابٌ عن كونِه عليه السلام لاعباً بإقامة البرهانِ على ما ادَّعاه(١). وجعله الطيبيُّ إضراباً عن ذلك أيضاً، قال: وهذا الجوابُ واردٌ على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يُجيبهم عليه السلام بقولِه: بل أنا من المحقِّين ولستُ من اللاعبين. فجاء بقوله: ((بل ربكم)) الآية، لينبِّه به على أنَّ إيطالي لما أنتم عاكفونَ عليه وتضليلي إيّاكم مما لا حاجةَ فيه - لوضوحِه ـ إلى الدليل، ولكنِ انظروا إلى هذه العظيمة، وهي أنَّكم تتركونَ عبادة خالقِكم ومالِكِ أمرِكم ورازقِكم ومالِكِ العالَمين، والذي فطر ما أَنتم لها عاكفونَ وتشتغلونَ بعبادتها دونَه، فأيُّ باطلٍ أظهرُ من ذلك، وأيُّ ضلالٍ أَبينُ منه. وقوله: ((وأنا على ذلكم من الشاهدين)) تذييلٌ للجواب بما هو مقابل لقولهم: ((أم أنت من اللاعبين)) مِن حيث الأسلوبُ وهو الكنايةُ، ومن حيث التركيبُ وهو بناءُ الخبر على الضمير، كأنَّه قال: لستُ من اللاعبين في الدعاوى، بل من العالمِين فيها بالبراهينِ القاطعة والحججِ الساطعة، كالشاهد الذي نقطع به الدعاوى. اهـ. ولا يخفى أنَّه يمكن إجراءُ هذا على احتمال كونِ ((أم)) متَّصلة، فافهم وتأمَّل؛ ليظهر لكَ أيُّ التوجيهات لهذا الإضرابِ أَولى. (١) تفسير أبي السعود ٦/ ٧٣. الآية : ٥٧ ١٢٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ﴿وَثَّهِ لَأَحِيدَنَّ أَصْتَكُ﴾ أي: لأجتهدنَّ في كسرها، وأصلُ الكيدِ: الاحتيالُ في إيجاد ما يضرُّ مع إظهار خلافِه، وهو يستلزم الاجتهادَ، فتجوِّز به عنه، وفيه إيذانٌ بصعوبة الانتهاز وتوقّفه على استعمال الحِيَلِ ليحتاطوا في الحفظ، فيكون الَّفَرُ بالمطلوب أتمَّ في التبكيتِ، وكان هذا منه عليه السلام عزماً على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر، ولا يأباه ما روي عن قتادة أنَّه قال: نَرى أنَّه عليه السلام قال ذلك من حيث لا يسمعونَ. وقيل: سمعه رجلٌ واحد منهم. وقيل: قوم من ضَعَفتهم ممَّن كان يسيرُ في آخرِ الناس يومَ خرجوا إلى العيد، وكانت الأصنامُ سبعین. وقيل: اثنتين وسبعين. وقرأ معاذ بن جبل، وأحمد بن حنبل: ((بالله)) بالباء(١) ثانيةِ الحروف، وهي أصلُ حروفِ القَسَم، إذ تدخلُ على الظاهر والمضمَر، ويُصرَّح بفعل القَسَم معها ويُحذف، والتاء بدلٌ من الواوِ، كما في: تجاه، والواو قائمةٌ مقامَ الباء؛ للمناسبة بينهما من حيث كونُهما شفويَّتين، ومن حيث إنَّ الواوَ تفيد معنّی قریباً من معنی الإلصاق، على ما ذكره كثيرٌ من النحاة. وتعقّبه في ((البحر))(٢) بأنَّه لا يقومُ على ذلك دليلٌ، وقد ردَّه السهيليُّ، والذي يقتضيه النظرُ أنه ليس شيء من هذه الأحرف أصلًا لآخَر، وفرَّق بعضُهم بين الباء والتاء، بأنَّ في التاء المثناة زيادة معنَى، وهو التعجّب، وكأنَّ التعجُّب هنا من إقدامِه عليه السلام على أَمْرٍ فيه مخاطرةٌ. ونصوص النُّحاة أنَّ التاءَ يجوز أن يكون معها تعجُّب، ويجوز أن لا يكون، واللام هي التي يلزمها التعجُّب في القَسَم، وفرَّق آخرون بينهما استعمالًا، بأنَّ التاءَ لا تستعمل إلا مع اسم الله الجليل، أو مع (ربِّ)) مضافاً إلى الكعبة(٣)، على قلَّة. ﴿َبَعْدَ أَنْ تُوَلُّأْ مُدِِّينَ ﴾﴾ من عبادتها إلى عيدِكم. وقرأ عيسى بنُ عمر: ((تَوَلَّوْ))(٤) من التولِّي، بحذف إحدى التاءين وهي الثانية، (١) البحر المحيط ٣٢١/٦، والكشاف ٥٧٦/٢. (٢) ٦/ ٣٢٢. (٣) أي: رُبَّما قالوا: تربِّي، وتَرَبِّ الكعبة، وتالرَّحمن. مغني اللبيب ص١٥٧ . (٤) القراءات الشاذة ص٩٢. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٢٨ الآية : ٥٨ عند البصريين، والأولى عند هشام، ويعضد هذه القراءة قوله تعالى: ﴿فَنَوَلَّوْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ فصيحةٌ، أي: فَوَلَّوا، فأتى إبراهيمُ عليه السلام الأصنامَ فجعلهم ﴿جُذَدًا﴾ أي: قِطَعاً، فُعال بمعنى مفعول، من الجَذِّ الذي هو القَطْع، قال الشاعر: بنو المهلَّب جَذَّ اللهُ دابرَهم أَمْسَوا رماداً فلا أصلٌ ولا طَرَفُ(١) فهو كالحطام من الحَظْم الذي هو الكسر. وقرأ الكسائيُّ، وابنُ محيصن، وابنُ مقسم، وأبو حَيْوة، وحُميد، والأعمشُ في رواية: ((جِذَاذاً)) بكسر الجيم(٢). وابنُ عباس، وابن نهيك، وأبو السَّمَّال: ((جَذاذاً)) بالفتح (٣) . والضَّمُّ قراءةُ الجمهور، وهي كما روى ابنُ جَنِّي (٤) عن أبي حاتم لغاتٌ، أجودُها الضَّمُّ؛ ونصَّ قطرب أنَّه في لغاته الثلاث مصدرٌ لا يثَّى ولا يُجمَع. وقال اليزيديُّ: ◌ُذاذاً، بالضم، جمع جذاذة، كزُجاج وزُجاجة، وقيل: بالكسر، جمعُ جَذِيْذ، ككريم وكِرام، وقيل: هو بالفتح، مصدر، كالحصاد بمعنى المحصود(٥). وقرأ يحيى بن وثَّاب ((جُذُذَا)) بضمَّتين جمع جَذِيْذ، کسرير وسُرُر. وقرئ ((جُذَذَاً) بضمٌّ ففتحٍ، جمع ◌ُذَّة كقُبَّة وقُبَب، أو مخفّف فُعُل بضمَّتين. روي أنَّ آزرَ خرج به في عيدٍ لهم فبدؤوا ببيتِ الأصنام فدخلوه فسجدوا لها، ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم، وقالوا: إلى أن نرجعَ برَّكت الآلهةُ على طعامنا. فذهبوا، فلما كان إبراهيمُ عليه السلام في الطريق ثنَّى عَزْمه عن المسيرِ معهم فقَعد، وقال: إنِّي سقيمٌ، فدخل على الأصنام وهي مصطفَّة وثَمَّ صنمٌ عظيم مستقبِل الباب، وكان من ذَهَبٍ، وفي عينَيْه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسَر الكلَّ (١) القائل جرير، والبيت في ديوانه ١٧٦/١، وورد فيه: آل، بدل: بنو. (٢) البحر المحيط ٣٢٢/٦. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٢، والبحر المحيط ٦/ ٣٢٢. (٤) في المحتسب ٦٤/٢ . (٥) البحر المحيط ٣٢٢/٦. الآية : ٥٨ ١٢٩ سُورَّةُ الأَنْبِيَاءِ بفأسٍ كان في يده، ولم يُبْقِ إلا الكبيرَ، وعلَّق الفأسَ في عنقه، وقيل: في يده، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّ كَبِيرًا لَّمْ﴾ أي: الأصنام، كما هو الظاهر ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى. وضمير العقلاء هنا وفيما مرَّ على زعم الكفرة، والكِبَر إمَّا في المنزلة على زعمهم أيضاً أو في الجُثَّة. وقال أبو حيَّان (١): يحتمل أن يكون الضميرُ للعَبَدة، قيل: ويؤيِّده أنَّه لو كان للأصنام لقيل: إلا كبيرَهم. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَزِعُونَ ﴾﴾ استئنافٌ لبيان وَجْهِ الكسر واستبقاءِ الكبير، ٥٨ وضمير ((إليه)) عند الجمهور عائدٌ على إبراهيم عليه السلام، أي: لعلَّهم يرجعونَ إلى إبراهيمَ عليه السلام لا إلى غيرِهِ، فيحاجّهم ويَيْكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى. وقيل: الضمير لله تعالى، أي: لعلَّهم يرجعونَ إلى اللهِ تعالى وتوحيدِه حين يسألونه عليه السلام، فيجيبهم ويُظهرَ عَجْزَ آلهتهم، ويُعلَم من هذا أنَّ قوله سبحانه: (إلَّا كبيراً لهم)) ليس أجنبيًّا في البين على هذا القول كما توهّم، نعم لا يخفى بعدُه. وعن الكلبيِّ أنَّ الضميرَ للكبير، أي: لعلَّهم يرجعونَ إلى الكبير، كما يُرجَع إلى العالِم في حلِّ المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، ومالَكَ صحيحاً، والفأسُ في عنقك أو في يدك؟ وحينئذٍ يتبيّن لهم أنَّه عاجزٌ لا يَنفع ولا يضرُّ، ويظهر أنَّهم في عبادته على جهلٍ عظيم، وكأنَّ هذا بناءً على ظنِّه عليه السلام بهم لما جرَّب وذاقَ من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها . ويحتمل أنَّه عليه السلام يعلم أنَّهم لا يرجعون إليه، لكن ذلك من باب الاستهزاءِ والاستجهال واعتبار حالِ الكبير عندهم، فإنَّ قياسَ حالٍ مَن يُسجَد له ويُؤهَّل للعبادة أن يُرجَع إليه في حلِّ المُشكل. وعلى الاحتمالين لا إشكالَ في دخول ((لعلَّ» في الكلام، ولعلَّ هذا الوجهَ أسرعُ الأوجه تبادراً، لكن جمهور المفسِّرين على الأوَّل، والجارُّ والمجرور متعلّق بـ(يرجعون))، والتقديم للحَصْر على الأَوجه الثلاثة على ما قيل، وقيل: هو متعيَّن (١) البحر المحيط ٣٢٢/٦. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٣٠ الآية : ٥٩ ، ٦٠ لذلك في الوجه الأوَّل، وغيرُ متعيَّن له في الأخيرين، بل يجوز أن يكونَ لأداءِ حقِّ الفاصلة، فتأمَّل. وقد يُستأنَس بفعل إبراهيم عليه السلام من كَسْر الأصنام لمن قال من أصحابنا: إنَّه لاضمانَ على مَن كسَر ما يُعمَل من الفخَّار مثلًا من الصور ليلعبَ به الصبيانُ ونحوهم، وهو القول المشهور عند الجمهور. ﴿قَالُواْ﴾ أي: حين رجعوا من عيدِهم، ورَأَوا ما رَأَوا ﴿مَن فَعَلَ هَذَا﴾ الأمرَ العظيم ﴿بِثَالِهَتِنَا﴾ قالوه على طريقةِ الإنكار والتوبيخ والتشنيع، والتعبيرُ عنها بالآلهة دون الأصنام، أو: هؤلاء؛ للمبالغة في التشنيع، وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ استئنافٌ مقرِّر لما قبله، وجوَّز أبو البقاء(١) أن تكون ((مَن)) موصولة متبدأ، وهذه الجملة في محلِّ الرفع، خبره أي: الذي فَعَلَ هذا الكسرَ والحطم بآلهتنا إنَّه معدودٌ من جملة الظَّلَمة، إمَّا لجرأتِه على إهانتها، وهي الحفيَّة بالإعظام، أو لتعريض نفسِه للهَلَكة، أو لإفراطه في الكَسْر والحطم، والظلم على الأوجهِ الثلاثة بمعنى وَضْعِ الشيء في غيرِ موضعه. ﴿قَالُواْ﴾ أي: بعضٌ منهم، وهم الذين سمعوا قولَه عليه السلام: ((وتاللهِ لأكيدنَّ أصنامَكُم)) عند بعضٍ: ﴿سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ﴾ يَعيبُهم، فلعلَّه الذي فَعَلَ ذلك بهم، وسَمِعَ كما قال بعضُ الأجلَّة: حقُّه أن يتعدّى إلى واحدٍ، كسائر أفعالِ الحواسِ، كما قرَّره السهيليُّ، ويتعدَّى إليه بنفسه كثيراً، وقد يتعدَّى إليه بـ ((إلى)) أو اللام أو الباء، وتعدِّيه إلى مفعولَين مما اختلف فيه، فذهب الأخفشُ، والفارسيُّ في ((الإيضاح))، وابنُ مالك، وغيرهم إلى أنَّه إن وَلِيَهُ ما يُسمَع، تعدَّى إلى واحدٍ كـ: سمعتُ الحديثَ، وهذا مثَّفق عليه، وإن وَلِيَهُ ما لا يُسمَع، تعدَّى إلى اثنين، ثانيهما ممَّا يدل على صوتٍ(٢). واشترط بعضُهم كونَه جملةً، كـ : سمعتُ زيداً يقول كذا. دون: قائلًا كذا؛ لأنَّه داٌّ على ذاتٍ لا تُسمَع، وأمَّا قوله تعالى: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) فعلى (١) الإملاء ٦/٤. (٢) حاشية الشهاب ٦/ ٢٦٠، وما بعده منه أيضاً، وقول ابن مالك في كتابه: التسهيل ص٧١. الآية : ٦٠ ١٣١ سُورَةُ الأَبِيَاءِ تقديرٍ مضافٍ، أي: هل يَسمعُون دعاءَكم، وقيل: ما أُضيف إليه الظرفُ مغنٍ عنه، وفيه نظرٌ. وقال بعضُهم: إنَّه ناصبٌ لواحد بتقدير مضافٍ مسموع قبل اسم الذاتِ، والجملةُ - إن كانت - حالٌ بعد المعرفةِ، صفةٌ بعد النكرة، ولا تكون مفعولًا ثانياً؛ لأنَّها لا تكون كذلك إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، وليس هذا منها . وتُعقِّب بأنَّه من الملحقات بـ ((رأى)) العِلْميَّة؛ لأنَّ السمعَ طريقُ العِلْمِ كما في ((التسهيل))(١) وشروحه، فجوّز هنا كون ((فتى)) مفعولًا أوَّلًا، وجملة: ((يذكرهم)) مفعولًا ثانياً، وكونه مفعولًا والجملة صفة له؛ لأنَّه نكرةٌ، وقيل: إنَّها بدلٌ منه، ورجَّحه بعضُهم باستغنائِه عن التجوُّز والإضمار، إذ هي مسموعة، والبدلُ هو المقصودُ بالنسبة، وإبدال الجملة من المفرد جائزٌ. وفي ((الهمع)) أنَّ بدلَ الجملة من المفرد بدلُ اشتمالٍ. وفي ((التصريح)): تُبدل الجملةُ من المفرَد بدلَ كلٍّ مِن كلِّ، فلا تغفل. وقال بعضُهم: إنَّ كونَ الجملة صفةً أبلغُ في نسبة الذِّكْر إليه عليه السلام؛ لما في ذلك من إيقاع الفعلِ على المسموع منه، وجَعْلُه بمنزلةِ المسموع مبالغةٌ في عدم الواسطة، فيفيد أنَّهم سمعوه بدونٍ واسطة. ووجَّه بعضُهم الأَبلغيَّة بغير ما ذكر ممَّا بُحثَ فيه، ولعلَّ الوجهَ المذكورَ مما يتأتَّى على احتمال البدليَّة، فلا تفوتُ المبالغةُ عليه. وقد يقال: إنَّ هذا التركيبَ كيفما أُعربَ أَبلغُ من قولك: سمعنا ذِكْرَ فَتَّى، ونحوه، مما لا يحتاج فيه إلى مفعولين اتفاقاً؛ لما أنَّ ((سمعنا)) لمَّا تعلَّق بـ ((فتى)) أفادَ إجمالًا أنَّ المسموعَ نحو ذكره، إذ لا معنى لأَنْ يكون نفسُ الذات مسموعاً، ثم إذا ذكر ((يذكرهم)) علمَ ذلك مرَّة أخرى، ولما فيه من تقوِّي الحكم بتكرُّر الإسناد على ما بيِّن في علم المعاني، ولهذا رجّح أسلوب الآية على غيرِه، فتدبّر. وقوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ ﴾﴾ صفة لـ ((فتى))، وجوِّز أن يكون استئنافاً بيانيًّا، والأوَّل أظهر، ورفع ((إبراهيم)) على أنَّه نائبُ الفاعل لـ ((يقال)) على اختيار (١) ينظر التعليق السابق. سُورَةُ الأَثْبِيَاءِ ١٣٢ الآية : ٦٠ الزمخشريٌّ(١)، وابنٍ عطية(٢)، والمراد لفظُه، أي: يطلق عليه هذا اللفظُ. وقد اختُلف في جواز كون مفعولِ القول مفرداً لا يؤدي معناه جملة، كـ : قلتُ قصيدةً وخطبةً، ولا هو مصدراً لقولٍ أو صفته، كـ : قلت قولًا أو حقًّا، فذَهبَ الزجَّاجي(٣)، والزمخشريُّ، وابنُ خروف، وابنُ مالك إلى الجواز إذا أُريد بالمفرد لفظُه، بل ذكر الدنوشريُّ أنَّه إذا كان المرادُ بالمفرد الواقع بعد القولِ نفسَ لفظِهِ، تجب حكايتُه ورعايةُ إعرابه، وآخرون إلى المنع، قال أبو حيَّان(٤): وهو الصحيح إذ لا يُحفَظ من لسانهم: قال فلانٌ زيداً، ولا: قال ضربَ، وإنَّما وقعَ القولُ في كلامهم لحكاية الجمل وما في معناها . وجعل المانعون ((إبراهيم)) مرفوعاً على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو أو هذا إبراهيم، والجملة محكيَّة بالقول، كما في قوله: إذا ذُقْتُ فاها قُلتُ طعمُ مُدامةٍ(٥) وجوِّز أن يكون مبتدأً، خبره محذوفٌ، أي: ((إبراهيم)) فاعلُه، وأن يكون منادی حُذف منه حرفُ النداء، أي: يقال له حين يُدعى: يا إبراهيم. وعندي أنَّ الآيةَ ظاهرةٌ فيما اختاره الزمخشريُّ(٦)، وابنُ عطيّة(٧)، ويكفي الظهور مرجِّحاً في أمثال هذه المطالب. وذهب الأَعْلَمُ الى أنَّ ((إبراهيم)) ارتفع بالإهمال؛ لأنَّه لم يتقدَّمْه عاملٌ يؤثِّر في (١) الكشاف ٦٢/٢ - ٦٣. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٨٧. (٣) في الأصل و(م): الزجَّاج. والمثبت من البحر المحيط ٣٢٤/٦، والدر المصون ١٧٥/٨ - ١٧٦، ولعلَّه - والله تعالى أعلم - الصواب. (٤) البحر المحيط ٣٢٤/٦. (٥) القائل: امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ١١٠، وتمامه: معثَّقةٍ ممَّا يَجيءُ بها التُّجُرْ والمدامة: الخمر القديمة، والمعتَّقة كذلك. والتُّجر: التجار بالخمر المعتَّقة. (٦) الكشاف ٢/ ٥٧٦ -٥٧٧ . (٧) المحرر الوجيز ٤ /٨٧. الآية : ٦١، ٦٢، ٦٣ ١٣٣ سُؤَدَّةُ الأَنْبِسَاءِ لفظه، إذ القولُ لا يؤثِّر إلا في المفرَد المتضمِّن لمعنى الجملة، فبقي مهملًا، والمهمل إذا ضُمَّ إلى غيرِه ارتفع، نحو قولهم: واحد واثنان، إذا عدُّوا، ولم يُدخلوا عاملًا لا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعضَ أسماء العدد على بعض (١). ولا يخفى أنَّ كلامَ هذا الأَعلم لا يقوله إلا الأجهل، وَلأَن يكون الرجلُ أفلحَ أعلمَ خيرٌ له مِن أنْ ينَطِقَ بمثلِهِ ويتكلّم. ﴿قَالُواْ﴾ أولئك القائلونَ (مَن فعل)) إلخ: إذا كان الأَمْرُ كذا ﴿فَأَتُواْ بِ﴾ أي: أَحضروه ﴿عَلَىَّ أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ مشاهداً معايناً لهم على أتمٍّ وجه، كما تفيده ((على)) المستعارة لتمكُّن الرؤية ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾﴾ أي: يحضرون عقوبتنا له، وقيل: يَشهدون بفعله، أو بقوله ذلك، فالضمير حينئذٍ ليس للناس، بل لبعضٍ منهم مبهم أو معهودٍ، والأوَّل مرويٌّ عن ابنِ عباس والضخَّاك، والثاني عن الحسن وقتادة، والترجِّي أوفق به. ﴿قَالُواْ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال نَشَأَ من حكايةِ قولهم، كأنَّه قيل: فماذا فعلوا به بعد ذلك، هل أَتَوا به أو لا؟ فقيل: قالوا: ﴿وَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا فَإِبْزَهِيمُ اقتصاراً على حكاية مخاطبتهم إيَّاه عليه السلام؛ للتنبيه على أنَّ إتيانَهم به ومسارعتَهم إلى ذلك أمرٌ محقَّق غنيٌّ عن البيان. والهمزة كما قال العلّامة التفتازاني للتقرير بالفاعل، إذ ليس مرادُ الكفرة حُمْلَه عليه السلام على الإقرار بأنَّ كسرَ الأصنام قد كان(٢)، بل على الإقرار بأنَّه منه، كيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: ((أأنت فعلت هذا)) وأيضاً ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ. كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ ولو كان التقريرُ بالفعل، لكان الجواب: فعلتُ، أو: لم أَفعل. واعترض ذلك الخطيبُ بأنَّه يجوز أن يكون الاستفهامُ على أصله، إذ ليس في السياق ما يدلُّ على أنَّهم كانوا عالِمين بأنَّه عليه السلام هو الذي كسر الأصنامَ حتى يمتنعَ حملُه على حقيقة الاستفهام. (١) البحر المحيط ٣٢٤/٦. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: أي: منه، يدل عليه لفظ الإقرار، فاندفع ما توهمه بعضهم في هذا المقام. انتهى. منه. سُوَّةُ الأَنْبِيَاءِ ١٣٤ الآية : ٦٣ وأجيب عليه بأنَّه يدلُّ عليه ما قَبل الآيةِ، وهو أنَّه عليه السلام قد حلَف بقوله: (ثَالله لَأكيدنَّ أَصنامَكُم)) إلخ، ثم لمَّا رَأَوا كسرَ الأصنام قالوا: ((من فعل هذا)) إلخ، فالظاهر أنَّهم قد عَلموا ذلك من حَلِفِهِ وذمِّه الأصنامَ. ولقائل أن يقول: إنَّ الحَلِفَ - كما قاله كثيرٌ - كان سرًّا، أو سمعه رجلٌ واحد، وقوله سبحانه: ((قالوا سمعنا)) إلخ، مع قوله تعالى: ((قالوا مَن فَعَلَ هذا» إلخ، يدلُّ على أنَّ منهم من لا يَعلم كونه عليه السلام هو الذي كسَر الأصنامَ، فلا يبعد أن يكون: ((أأنت فعلت)» كلامُ ذلك البعض؟. وقد يقال: إنَّهم بعد المفاوضة في أمرِ الأصنام وإخبار البعضِ البعضَ بما يقنعه بأنَّه عليه السلام هو الذي كسرها، تيقّنوا كلَّهم أنَّه الكاسرُ فـ ((أأنتَ فعلتَ)) ممَّن صدرَ للتقرير بالفاعل. وقد سلَك عليه السلام في الجواب مسلكاً تعريضيًّا يؤدي به إلى مقصدِه - الذي هو إلزامهم الحجّة - على ألطفِ وجهٍ وأحسنِهِ يَحملهم على التأمُّل في شأن آلهتهم مع ما فيه من التوقِّي من الكذب، فقد أبرزَ الكبيرَ قولًا في معرض المباشِر للفعل بإسناده إليه، كما أَبرزه في ذلك المعرِض فعلًا بجعل الفأس في عنقه أو في يده، وقد قصد إسنادَه اليه بطريق التسبُّب، حيث رأى تعظيمَهم إِيَّاه أشدّ من تعظيمِهم لسائر ما معه مِن الأصنام المصطفَّة المرتَّبة للعبادةِ من دون الله تعالى، فغضبَ لذلك زيادة الغضب، فأسند الفعلَ إليه إسناداً مجازيًّا عقليًّا باعتبار أنَّه الحاملُ عليه، والأصل: فعلتُه لزيادةِ غضبي من زيادةٍ تعظيمٍ هذا، وإنَّما لم يكسره - وإن كان مقتضى غضبِهِ ذلك - لتظهرَ الحجّة. وتسميةُ ذلك كذباً، كما ورد في الحديث الصحيح(١)، من بابِ المجاز لما أنَّ المعاريضَ تُشبِهِ صورتُها صورتَه، فبطل الاحتجاجُ بما ذُكر على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام. (١) أخرج البخاري (٣٣٥٧)، ومسلم (٢٣٧١)، وأحمد (٩٢٤١) عن أبي هريرة ﴿ه أن رسول الله وَيقر قال: ((لم يكذب إبراهيمُ النبيُّ عليه السلام قطّ إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله: قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَّ فَعَلَهُ كَبِيُهُمْ هَذَا﴾، وواحدةً في شأن سارة .... )) الحديث. الآية : ٦٣ ١٣٥ سُوَةُ الأَنْبِيَاءِ وقيل في توجيه ذلك أيضاً: إنَّه حكايةٌ لما يلزم من مذهبهم جوازه، يعني: أنَّهم لمَّا ذهبوا إلى أنَّه أعظمُ الآلهة، فعِظَمُ ألوهيتِه يقتضي أنْ لا يُعيدَ غيرُه معه، ويقتضي إفناءَ مَن شاركه في ذلك، فكأنَّه قيل: فَعَلَه هذا الكبيرُ، على مقتضى مذهبكم، والقضيّة ممكنة. ويُحكى أنَّه عليه السلام قال: فَعَلَه كبيرُهم هذا. غَضِبَ أن يُعبَدَ معه هذه وهو أكبرُ منها. قيل: فيكون حينئذٍ تمثيلاً أراد به عليه السلام تنبيهَهم على غضبِ الله تعالى عليهم؛ لإشراكهم بعبادته الأصنام. وقيل: إنَّه عليه السلام لم يَقصِد بذلك إلا إثباتَ الفعل لنفسِه على الوجه الأبلغ مضمِّناً فيه الاستهزاءَ والتضليل، كما إذا قال لكَ أُمِّيٌّ فيما كتبته بخطّ رشيقٍ، وأنت شهيرٌ بحُسن الخطّ: أأنتَ كتبتَ هذا؟ فقلت له: بل كتبتَه أنتَ. فإنَّك لم تقصد نفيه عن نفسِك وإثباتَه للأُمِّيِّ، وإنَّما قصدتَ إثباتَه وتقريرَه لنفسِك مع الاستهزاءِ بمخاطبك. وتعقّبه صاحبُ ((الفرائد)) بأنَّه إنَّما يصحُّ إذا كان الفعل دائراً بينه عليه السلام وبين كبيرهم، ولا يحتمل ثالثاً. ورُدَّ بأنَّه ليس بشيء؛ لأنَّ السؤالَ في ((أأنت فعلتَ)) تقريرٌ لا استفهامٌ، كما سمعتَ عن العلّامة، وصرَّح به الشيخُ عبد القاهر(١)، والإمام السَّاكيُّ(٢)، فاحتمال الثالث مندفعٌ، ولو سُلِّم أنَّ الاستفهامَ على ظاهره، فقرينةُ الإسناد في الجواب إلى ما لا يَصلح له بكلمة الإضراب كافيةٌ؛ لأنَّ معناه أنَّ السؤال لا وجهَ له، وأنَّه لا يَصلحُ لهذا الفعل غيري، نعم يَرِدُ أنَّ توجيهَهم بذلك نحو التأمُّل في حال آلهتهم، وإلزامهم الحجّة كما يُنبئُ عنه قوله تعالى: ﴿فَتَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ (٣)﴾ أي: إن كانوا ممَّن يمكن أن ينطقوا، غيرُ ظاهرٍ على هذا. وقيل: إنَّ (فَعَلَهُ كبيرُهم)) جوابُ قولِه: ((إن كانوا ينطقون)) معنًى، وقولُه: ((فاسألوا)) جملةٌ معترضة مقترنةٌ بالفاء، كما في قوله: (١) في كتابه دلائل الإعجاز ص١١٣ . (٢) في مفتاح العلوم ص ٣١٥ . سُورَةُ الإنْسَاءِ ١٣٦ الآية : ٦٣ فأعلَم فعِلْمُ المرءِ يَنفعُه(١) فيكون كون الكبير فاعلًا، مشروطاً بكونِهم ناطقينَ ومعلَّقاً به، وهو محالٌ، فالمعلَّق به كذلك، وإلى نحو ذلك أشار ابنُ قتيبة (٢)، وهو خلافُ الظاهر، وقيل: إنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: ((فعله)) والضمير المستترفيه يعود على ((فتى)) أو إلى ((إبراهيمَ)) ولا يخفى أنَّ كلَّا من ((فتى)) و((إبراهيم)) مذكورٌ في كلام لم يَصدُر بمحضرٍ من إبراهيم عليه السلام حتى يعودَ عليه الضميرُ، وأنَّ الإضرابَ ليس في محلِّه حينئذٍ، والمناسب في الجواب: نعم، ولا مقتضى للعدولِ عن الظاهر هنا، كما قيل، وعُزيَ إلى الكسائيِّ أنَّه جعل الوقفَ على ((فَعَله)) أيضاً، إلَّا أنَّه قال: الفاعلُ محذوف، أي: فَعَله مَن فَعَله. وتعقَّبه أبو البقاء (٣) بأنَّه بعيد؛ لأنَّ حذفَ الفاعل لا يسوغُ، أي: عند الجمهور، وإلّا فالكسائيُّ یقول بجوازٍ حذفه. وقيل: يجوز أن يقال: إنَّه أراد بالحذف الإضمارَ، وأكثر القرَّاء اليومَ على الوقفِ على ذلك، وليس بشيء، وقيل: الوقف على ((كبيرهم)) وأراد به عليه السلام نفسَه؛ لأنَّ الإنسانَ أكبرُ من كلِّ صنم، وهذا التوجيه عندي ضَرْبٌ من الهذيان، ومثله أن يُراد به اللهُ عزَّ وجلَّ، فإنَّه سبحانه كبيرُ الآلهةِ ولا يُلاحظ ما أرادوه بها، ويُعزى للفرَّاءِ(٤) أنَّ الفاءَ في ((فَعَلَه)) عاطفةٌ، وعلَّه بمعنى: لعلَّه، فخفّف، واستدلَّ عليه بقراءةِ ابنِ السَّمَيْفع: (فَعَلَّهُ)) مشدَّد اللام(٥)، ولا يَخفى أنْ يُجلَّ كلامُ الله تعالى العزيزُ عن مثلِ هذا التخريج، والآيةُ عليه في غاية الغموضِ، وما ذُكرَ في معناها بعيدٌ بمراحلَ عن لفظها . وزعم بعضُهم أنَّ الآيةَ على ظاهرها، وادَّعى أنَّ صدورَ الكذب من الأنبياء (١) وتمامه: أنْ سوف يأتي كلُّ ما قُدِرا وسلف ٤٢٨/١ . (٢) في كتابه تأويل مشكل القرآن ص٢٠٨. (٣) الإملاء ٨/٤. (٤) معاني القرآن ٢٠٦/٢-٢٠٧. (٥) القراءات الشاذة ص٩٢. الآية : ٦٤، ٦٥ ١٣٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءُ عليهم السلام لمصلحةٍ جائزٌ، وفيه أنَّ ذلك يُوجِب رفعَ الوثوقِ بالشرائع؛ لاحتمالٍ الكذب فيها لمصلحةٍ، فالحقُّ أنْ لا كذبَ أصلًا، وأنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب، وإنَّما قال عليه السلام: ((إن كانوا ينطقون)) دون: إن كانوا يسمعون، أو: يعقلون، مع أنَّ السؤالَ موقوفٌ على السمع والعقل أيضاً، لما أنَّ نتيجةَ السؤال هو الجوابُ، وأنَّ عدمَ نطقِهم أظهرُ، وتبكيتهم بذلك أدخلُ، وقد حصل ذلك حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فتفكّروا وتدبّروا وتذكَّروا أنَّ ما لا يقدرُ على دفع المضرَّة عن نفسِه، ولا على الإضرار بمن كسَره بوجهٍ من الوجوه يستحيلُ أن يقدرَ على دفعِ مضرَّة عن غيرِهِ، أو جَلْبٍ منفعة له، فكيف يستحقُّ أن يكون معبوداً؟! ﴿فَقَالُواْ﴾ أي: قال بعضُهم لبعضٍ فيما بينهم: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّلِمُونَ ٦٤ أي: بعبادةِ ما لا ينطقُ، قاله ابنُ عباس، أو بسؤالِكم إبراهيمَ عليه السلام وعُدُولكم عن سؤالها، وهي آلهتكم، ذكره ابنُ جرير(١)، أو بنفس سؤالِكم إبراهيمَ عليه السلام، حيث كان متضمِّناً التوبيخَ المستتبع للمؤاخذة، كما قيل، أو بغفلتكم عن آلهتكم وعدمٍ حفظكم إيّاها، أو بعبادةِ الأصاغرِ مع هذا الكبير، قالهما وهبٌّ، أو بأنِ اتَّهمتم إبراهيمَ عليه السلام والفأسُ في عنقِ الكبير، قاله مقاتل، وابن إسحاق. والحَصْرُ إضافيٌّ بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام. ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أصل النَّكْس: قلبُ الشيء بحيث يصيرُ أعلاه أسفلَه، ولا يلغو ذِكْرُ الرأس، بل يكون من التأكيد، أو يعتبر التجريدُ، وقد يستعمل النَّكْس لغةً في مطلَق قلب الشيءِ من حالٍ إلى حالٍ أُخرى، ويُذكَر الرأسُ للتصوير والتقبيح. وذكر الزمخشريُ (٢) على ما في ((الكشف)) في المراد به هنا ثلاثةَ أوجهٍ : الأوَّل: أنَّه الرجوعُ عن الفكرة المستقيمة الصالحة في تظليم أنفسهم إلى الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها مع الاعترافِ بتقاصرِ حالها عن الحيوان، فضلًا أن تكون في معرض الإلهيّة، فمعنى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنْطِقُونَ ﴾﴾ لا يَخفى علينا (١) تفسير الطبري ٣٠١/١٦. (٢) الكشاف ٢/ ٥٧٧ . سُورَةُ الأَبِسَاءِ ١٣٨ الآية : ٦٥ وعليكَ أيُّها المبكّتُ بأنَّها لا تنطقُ أنَّها كذلك، وإنَّا إنَّما انَّخذناها آلهةً مع العلِمْ بالوصف، والدليل عليه جوابُ إبراهيمَ عليه السلام الآتي. والثاني: أنَّه الرجوعُ عن الجدال معه عليه السلام بالباطلِ في قولهم: ((مَن فَعَلَ هذا بآلهتِنا))، وقولِهم: ((أَأَنْتَ فَعلتَ)) إلى الجدال عنه بالحقِّ في قولهم: ((لقدْ عَلِمْتَ)) لأنَّه نفيٌّ للقدرة عنها واعترافٌ بعجزِها، وأنَّها لا تَصلحُ للإلهيَّة، وسُمِّيَ نكساً وإن كان حقًّا؛ لأنَّه ما أَفادهم عقداً، فهو نكسٌ بالنسبة إلى ما كانوا عليه من الباطل حيث اعترفوا بعجزِها وأَصرُّوا. وفي ((لباب التفسير))(١) ما يقربُ منه مأخذاً، لكنَّه قدَّر الرجوعَ عن الجدال عنه في قَولهم: ((إنَّكم أنتمُ الظالمونَ)) إلى الجدالِ معه عليه السلام بالباطل في قولهم: ((لقد عَلِمْتَ)). والثالث أنَّ النكسَ مبالغةٌ في إطراقهم رؤوسَهم خَجَلًا، وقولهم: ((لقدْ عَلِمْتَ)) إلخ، رميٌّ عن حَيْرة، ولهذا أَتَوا بما هو حجَّة عليهم، وجاز أن يُجعل كنايةً عن مبالغةِ الحَيْرة وانخذالِ الحجّة، فإنَّها لا تنافي الحقيقةَ، قال في ((الكشف)): وهذا وجهٌ حسن، وكذلك الأوَّل. وكون المرادِ النكسَ في الرأي، رواه ابنُ أبي حاتم(٢) عن ابنِ زيد، وهو للوجهين الأوَّلين. وقال مجاهد: معنى: ((نكسوا على رؤوسهم)) ردّت السفلةُ على الرؤوساء، فالمراد بالرؤوس الرؤساء. والأظهر عندي الوجهُ الثالث، وأيًّا ما كان فالجارُّ متعلِّق بـ ((نكسوا))، وجوِّز أن يتعلَّق بمحذوف وقع حالًا، والجملة القسميَّة مقولةٌ لقولٍ مقدَّر، أي: قائلين: (لقد)) إلخ، والخطاب في ((علمتَ)) لإبراهيمَ عليه السلام لا لكلِّ من يَصلحُ للخطاب، والجملة المنفيَّة في موضع مفعولي ((علم)) إن تعدَّت إلى اثنين، أو في موضع مفعولٍ واحد إن تعدَّت لواحد، والمراد استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار، كما يوهمه صيغة المضارع. (١) وهو المسمَّى: لباب التفسير وعجائب التأويل لمحمود بن حمزة بن نصر المقرئ الكرماني، المعروف بتاج القرَّاء. كشف الظنون ٢/ ١٥٤١ . (٢) في الأصل و(م): أبو حاتم. ولعلَّ المثبت هو الصواب، وكلام ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٤٥٦/٨ (١٣٦٧٦). الآية : ٦٦، ٦٧، ٦٨ ١٣٩ سُورَةُ الإنْسَاءِ وقرأ أبو حيوة، وابنُ أبي عبلة، وابنُ مقسم، وابنُ الجارود والبكراويُّ كلاهما عن هشام بتشديد كافِ (نُكِسُوا)). وقرأ رضوانُ بنُ عبد المعبود: ((نَكَسوا)) بتخفيف الكافِ مبنياً للفاعل(١)، أي: نَكَسوا أنفسَهم، وقيل: رجعوا على رؤسائهم؛ بناء على ما يقتضيه تفسيرُ مجاهد. ﴿قَالَ﴾ عليه السلام مبكِّتاً لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ﴾ أي: أتعلمونَ ذلك فتعبدونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مجاوزين عبادتَه تعالى ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ من النفع، فإنَّ العِلْم بحاله المنافية للألوهيَّة مما يوجب وقيل: بشيء ﴿وَلَا يَضُُّكُمْ الاجتنابَ عن عبادته قطعاً ﴿أُنّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تضجُّر منه عليه السلام من إصرارِهم على الباطل بعد انقطاعِ العُذْر ووضوح الحقِّ. وأصل أفّ: صوتُ المتضجِّر من استقذارِ شيءٍ على ما قال الراغبُ(٢)، ثم صار اسمَ فعلٍ بمعنى: أَتضجّر، وفيه لغاتٌ كثيرة، واللام لبيان المتأفِّف له، وإظهار الاسمِ الجليل في موضع الإضمار؛ لمزيد استقباحٍ ما فَعلوا. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أَلَا تتفكّرون فلا تعقلونَ قُبْحَ صنيعكم؟! ﴿قَالُواْ﴾ أي: قال بعضُهم لبعضٍ لمَّا عجزوا عن المحاجَّة، وضاقت بهمُ الحيلُ، وهذا ديدنُ المُبطِل المحجوج إذا بُهتَ بالحجَّة وكانت له قدرةٌ، يفزع إلى المناصَبة: ﴿حَرِّفُوهُ﴾ فإنَّ النارَ أشدُّ العقوبات، ولذا جاء: ((لا يُعذِّب بالنار إلا خالقُها))(٣). ﴿وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام لها ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ﴾﴾ أي: إن كنتم ناصرينَ آلهتكم نصراً مؤزَّراً، فاختاروا له ذلك، وإلا فرَّطتم في نصرتها، وكأنَّكم لم تفعلوا شيئاً ما فيها، ويُشعر بذلك العدولُ عن: إن تنصروا آلهتكم فحرِّقوه، إلى ما في النظم الكريم، وأشار بذلك على المشهور، ورضي به الجميع نمروذُ بنُ (١) البحر المحيط ٣٢٥/٦-٣٢٦، والكشاف ٥٧٧/٢ . (٢) المفردات (أفف). (٣) أخرجه البخاري (٢٩٥٤)، وأحمد (٨٠٦٨) من حديث أبي هريرة له، بلفظ: (( ... وإنَّ النار لا يُعذّب بها إلا الله عزَّ وجلَّ)) الحديث، وفيه قصة. سُورَةُ الأَبِيَاءِ ١٤٠ الآية : ٦٨ كنعان بنِ سنحاريب بنِ نمروذ بنِ كوس بن حام بنِ نوح عليه السلام (١). وأخرج ابنُ جرير(٢) عن مجاهد قال: تلوثُ هذه الآيةَ على عبدِ الله بنِ عمر فقال: أَتدري يا مجاهدُ مَن الذي أَشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار؟ قلتُ: لا . قال: رجل من أعرابٍ فارس. يعني الأكراد، ونصَّ على أنَّه من الأكراد ابنُ عطيّةً (٣). وذَكَر أنَّ اللهَ تعالى خَسَفَ به الأرضَ، فهو يَتَجلجلُ فيها إلى يومِ القيامة. واسمُه على ما أخرجَ ابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم عن شعيبٍ الجباري: هیون(٤)، وقيل: هدير(٥) . وفي ((البحر)) أنَّهم ذكروا له اسماً مختلفاً فيه لا يُوقَف منه على حقيقة(٦). وروي أنَّهم حين همُّوا بإحراقه حبسوه ثم بَنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى - قريةٍ من قرى الأنباط في حدود بابل من العراق - وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَبُوْ لَهُ، بُنْيَّنًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] فجمعوا له صِلابَ الحطب من أصنافِ الخشب مدَّةً أربعينَ يوماً، فأوقَدوا ناراً عظيمةً لا يكاد يمرُّ عليها طائرٌ في أقصى الجوِّ؛ لشدَّة وَهجها، فلم يَعلموا كيف يُلقونه عليه السلام فيها، فأتى إبليسُ وعلَّمهم عملَ المنحنيقِ فعَملوه، وقيل: صنعه الكرديُّ الذي أشار بالتحريق، ثم خُسفَ به، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه في المنجنيق مقيَّداً مغلولاً، فصاحت (١) تفسير أبي السعود ٧٦/٦، وورد فيه: السنجاريب، بدل: سنحاريب. وورد في الإعلام بأصول الأعلام للدكتور عبد الرحيم ص١٧٩ : نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام. وينظر تتمة الكلام عليه ثمَّة. (٢) في تفسيره ١٦/ ٣٠٥. (٣) في المحرر الوجيز ٨٨/٤. (٤) تفسير الطبري ٣٠٥/١٦، وفيه: هيزن، بدل: هيون. كما جاءت أيضاً في تفسير أبي السعود ٧٦/٦، وتفسير البيضاوي ٤٣/٤، وورد في تفسير البغوي ٣/ ٢٥٠: هيزر، وفي تفسير الرازي ١٨٧/٢٢: هبرين. وينظر ما قاله صاحب البحر المحيط الآتي قريباً. (٥) تفسير أبي السعود ٧٦/٦. (٦) البحر المحيط ٣٢٨/٦، وتمام كلامه: لكونه ليس مضبوطاً بالشكل والنقط، وهكذا تقع أسماء كثيرة أعجمية في التفاسير لا يمكن الوقوف منها على حقيقة لفظ؛ لعدم الشكل والنقط، فينبغي اطّراح نقلها .