Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٢٣
٦١
سُؤَدَّةُ الأَنْبِيَاءُ
وضمير (هم) للعباد، أي: والعباد يُسألون عمَّا يفعلون نقيراً وقِظْميراً (١)؛ لأنَّهم
مملوكون له تعالى مستعبدون، وفي هذا وعيدٌ للكفرة.
والظاهر أنَّ المرادَ عمومُ النفي جميعَ الأزمان، أي: لا يُسْأَل سبحانه في وقتٍ
من الأوقات عمَّا يَفعل، وخَصَّ ذلك الزجَّاجُ(٢) بيوم القيامة، والأوَّل أَولى، وإن
كان أَمرُ الوعيد على هذا أظهرَ.
واستدلَّ بالآية على أنَّ أفعالَه - تعالى - لا تعلَّل بالأغراض والغايات، فلا يقال:
فَعَلَ كذا لكذا، إذ لو كانت معلَّلة، لكان للعبد أن يَسأَلَ فيقولَ: لِمَ فَعَل؟ وإلى ذلك
ذهب الأشاعرةُ، ولهم عليه أدلَّة عقلَّية أيضاً، وأوَّلوا ما ظاهرُه التعليلُ بالحملِ على
المجاز، أَو جَعْلِ الأداة فيه للعاقبة. ومذهب الماتريديَّة كما في ((شرح المقاصد))(٣)
والمعتزلة أنَّها تعلَّل بذلك، وإليه ذهب الحنابلة، كما قال الطوفيُّ(٤) وغيرُه.
وقال العلّامة أبو عبد الله محمدُ بنُ أبي بكرِ الدمشقيُّ الحنبليُّ المعروف بابنِ
القيِّم في كتاب ((شفاء العليل)): إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى حكيمٌ لا يَفعلُ شيئاً عبثاً،
ولا لغير معنّى ومصلحة وحكمة هي الغايةُ المقصودة بالفعل، بل أفعالُه سبحانه
صادرةٌ عن حكمةٍ بالغة لأَجلها فَعَل، وقد دلَّ كلامُه تعالى وكلامُ رسوله وٍَّ على
هذا في مواضع لا تكاد تُحصَى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادِها، فنذكر بعضَ
أنواعها(٥) .
وساق اثنينٍ وعشرينَ نوعاً في بضعةَ عشرةَ ورقة، ثم قال: لو ذهبنا نذكر
ما يطّلع عليه أمثالُنا من حكمة الله تعالى في خَلْقه وأمره، لزاد ذلك على عشرة
آلافٍ موضع.
ثم قال: وهل إبطالُ الحكم والمناسبات والأوصاف التي شُرعت الأحكام
(١) النقير: النكتة في ظهر النواة. والقِطْمير: شقُّ النواة، أو القشرةُ التي فيها، أو القشرة الرقيقة
بين النواة والتمرة، أو النكتة البيضاء في ظهرها. القاموس (نقر) و(قطمر).
(٢) في معاني القرآن وإعرابه له ٣٨٨/٣.
(٣) ٢٩٦/٤.
(٤) في شرح مختصر الروضة له ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
(٥) شفاء العليل ص٣١٩.

سُورَةُ الأَتْبِيَاءِ
٦٢
الآية : ٢٣
لأجلها إلا إبطال الشرع جملة، وهل يمكن فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلّم في
الفقه مع اعتقادِه بطلانَ الحكمة والمناسبة والتعليل، وقصد الشارع بالأحكام
مصالح العباد.
ثم قال: والحقُّ الذي لا يجوز غيرُه هو أنَّه سبحانه يَفعلُ بمشيئتِه وقدرتِه وإرادته
ويَفعلُ ما يفعل بأسبابٍ وحكم وغايات محمودة، وقد أودع العالَم من القوى
والغرائز ما به قام الخَلْقَ والأَمْرُ، وهذا قولُ جمهورٍ أهل الاسلام، وأكثر طوائف
النُّظَّار، وهو قولُ الفقهاء قاطبةً(١). اهـ.
والظاهر أنَّ ابنَ القيِّم وأضرابَه من أهلِ السنة القائلين بتعليلِ أفعاله تعالى
لا يجعلون كالأشاعرة المخصِّص لأَحَد الضدين بالوقوع محضَ تعلُّق الإرادة
بالمعنى المشهور، ومحقِّقو المعتزلة كأبي الحسن، والنظّام، والجاحظ، والعلَّاف،
وأبي القاسم البلخي، وغيرهم يقولون: إنَّ العِلْم بترتّب النفع على إيجاد النافع هو
المخصِّصُ للنافع بالوقوع، ويسمُّون ذلك العِلْمَ بالداعي، وهو الإرادة عندهم.
وأُوردَ عليهم أنَّ الواجبَ - تعالى - موجبٌ في تعلَّق علمه سبحانه بجميع
المعلوماتِ، فلو كان المخصِّص الموجبُ للوقوع هو العلمَ بالنفع، كان ذلك
المخصِّص لازماً لذاته تعالى، فيكون فعلُه سبحانه واجباً لأمرٍ خارج ضروريٍّ
للفاعل، وهو ينافي الاختيارَ بالمعنى الأخصِّ قطعاً، فلا يكون الواجبُ مختاراً بهذا
المعنى، بل يؤول إلى ما ذهب إليه الفلاسفةُ من الاختيار المجامع للإيجاب،
ولا يَردُ ذلك على القائلين بأنَّ المخصِّص هو تعلُّقُ الإرادة الأزليَّة؛ لأنَّ ذلك التعلُّق
غيرُ لازم لذاتِ الواجب تعالى، وإن كان أزليًّا دائماً؛ لإمكان تعلُّقها بالضدِّ الآخر
بدل الضدِّ الواقع، نعم يَرِدُ عليهم ما يصعب التفصِّي عنه ممَّا هو مذكور في الكتب
الكلاميَّة.
وأُورد نظيرُ ماذكر على الحنفيَّة، فإِنَّهم ذهبوا إلى التعليل، وجعلوا العِلْم بترتُّب
المصالح علَّةً لتعلُّق العِلْم بالوقوع، فلا يتسنَّى لهم القول بكون الواجب تعالى
مختاراً بالمعنى الأخصِّ؛ لأنَّ الذاتَ يوجب العِلْمَ، والعِلْمَ يوجب تعلُّقَ الإرادة،
(١) شفاء العليل ص٣٤٥ - ٣٤٦ وما بعده منه أيضاً.

الآية : ٢٣
٦٣
سُورَةُ الأَنْنَاءِ
وتعلُّق الإرادةِ يوجب الفعلَ، ولا مَخْلَصَ إلا بأن يقال: إنَّ إيجابَ العِلْم بالنفع
والمصلحةِ لتعلَّق الإرادة ممنوعٌ عندهم، بل هو مرجّح ترجيحاً غيرَ بالغ إلى حدٍّ
الوجوب، وما قيل: إذا لم يبلغ الترجيحُ إلى حدِّ الوجوب، جاز وقوع الراجح في
وقت، وعدمُ وقوعِه في وقت ءاخر مع ذلك المرجّح، فإن كان اختصاصُ أحدٍ
الوقتين بالوقوع بانضمام شيءٍ آخَر إلى ذلك المرجِّح، لم يكن المرجّح مرجِّحاً،
وإلا يلزم الترجيح من غير مرجِّح، بل يلزم ترجيحُ المرجوح عدمه في الوقت
الآخَر؛ لأنَّ الوقوع كان راجحاً بذلك المرجّح، فمدفوع بوجهين إلا أنَّه إنَّما يجري
في العلَّة التامَّة بالنسبة إلى معلولها، لا في الفاعل المختار بالنسبة إلى فِعْله، فإنَّه إن
أُريد لزومُ الرجحان من غير مرجِّح كما هو اللازم في العلّة التامّة، فعدمُ اللزوم
ظاهرٌ، وإن أُريد الترجيحُ من غير مرجِّح، فبطلان اللازم في الفاعل المختار
ممنوعٌ، وإلا فما الفرقُ بين الفاعل الموجب والمختار؟ الثاني: إنَّ المرجّح بالنسبة
إلى وقت ربَّما لا يكون مرجّحاً بالنسبة إلى وقت آخرَ، بل منافياً للمصلحة، فلا يلزم
ترجيحُ أحدِ المتساويين أو المرجوح في وقت آخر، بل يلزم ترجيحُ الراجحِ في كلِّ
وقت، وهو تعالى عالمٌ بجميع المصالح اللائقة بالأوقات، فتتعلَّق إرادتُه سبحانه
بوقوع كلِّ ممكن في وقتٍ لترتُّب المصالح اللائقة بذلك الوقتِ على عدمه،
فلا إشكالَ، وهذا هو المعوَّل عليه، إذ لقائل أن يقول على الأوَّل: إنَّ ترجيحَ
المرجوح مستحيلٌ في حقِّ الواجب الحكيم، وإن جاز في حقِّ غيره من أفراد
الفاعل بالاختيار.
هذا ووقع في كلام الفلاسفة أنَّ أفعالَ اللهِ تعالى غيرُ معلَّلة بالأَغراض
والغايات، ومرادهم على ما قاله بعضُهم نفي التعليل عن فِعْله سبحانه بما هو غير
ذاته؛ لأنَّه جلَّ شأنه تامُّ الفاعليَّة لا يتوقّف فيها على غيرِهِ، ولا يلزم من ذلك نفي
الغاية والغرض عن فِعْله تعالى مطلقاً، ولذا صحَّ أن يقولوا: عِلْمه تعالى بنظام
الخير الذي هو عين ذاته تعالى علَّة غائيَّة وغرض في الإيجاد.
ومرادهم بالاقتضاء في قولهم في تعريف العلَّة الغائيَّة: ما يقتضي فاعليَّةً
الفاعل، مطلَق عدم الانفكاك، لكنَّهم تسامحوا في ذلك اعتماداً على فَهْمِ المتدرِّب
في العلوم، وصرَّحَوا بأنَّه تعالى ليس له غرض في الممكنات وقَصْد إلى منافعها؛

سُورَّةُ الأَنْبِيَاءِ
٦٤
الآية : ٢٤
لأنَّ كلَّ فاعلٍ يفعل لغرض غيرِ ذاته فهو فقيرٌ إلى ذلك الغرض، مستكمل به،
والمكمِّل يجب أن يكون أشرفَ، فغرضُ الفاعل يجب أن يكون ما هو فوقَه، وإن
كان بحسَب الظن، وليس له غرض فيما دونه، وحصول وجودِ الممكنات منه تعالى
على غاية من الإتقان ونهايةٍ من الإحكام ليس إلا لأنَّ ذاته تعالى ذاتٌ لا تحصل منه
الأشياءُ إلا على أتمِّ ما ينبغي، وأبلغ ما يمكن من المصالح، فالواجب سبحانه
عندهم يلزم من تعقُّله لذاته - الذي هو مبدأ كلِّ خير - وكمالٍ حصول الممكنات على
الوجه الأتمِّ والنظام الأقوم واللوازم غاياتٌ عرضيَّة إن أُريد بالغاية ما يقتضي فاعليَّة
الفاعل، وذاتيَّةٌ إن أُريد بها ما يترتَّب على الفعل ترثُّباً ذاتيًّا لا عرضيًّا، كوجود
مبادئِ الشَّرِّ وغيرها في الطبائع الهيولانيَّة، ثم كما أنَّه تعالى غاية بالمعنى الذي
أشير إليه، فهو غاية بمعنى أنَّ جميعَ الأشياء طالبةٌ له متشوِّقة إليه طبعاً وإرادةً؛ لأنَّه
الخير المحضُ والمعشوق الحقيقيُّ، جلَّ جلاله وعمَّ نواله.
والحكماء المتألِّهون قد حكموا بسريان نُور العشق في جميع الموجوداتِ على
تفاوت طبقاتِها، ولولا ذلك ما دار الفَلَكُ ولا استنارَ الحَلَك، فسبحانه من إلهٍ
قاهرٍ، وهو الأوَّل والآخِر، وتمام الكلام في هذا المقام على مشرب المتكلِّمين
والفلاسفة يطلب من محلِّه.
وقرأ الحسن: ((لا يُسَل))، و((يُسَلُون)) بنقل فتحةِ الهمزة إلى السين وحذفها(١).
وقوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ: مَاِمَةٌ﴾ إضرابٌ وانتقال من إظهار بطلانِ
كون ما اتّخذوه آلهةً حقيقةً، بإظهار خلوِّها عن خصائص الإلهيّة التي من جملتها
الإنشارُ وإقامة البرهان القطعيِّ على استحالة تعدُّد الإله مطلقاً، وتفرُّده سبحانه
بالألوهيَّة، إلى بطلان اتِّخاذهم تلك الآلهةَ مع عَرَائها عن تلك الخصائص بالمرَّة
شركاءَ لله تعالى شأنه، وتبكيتهم بإلجائهم إقامةَ البرهان على دعواهم الباطلة،
وتحقيق أنَّ جميعَ الكتب السماوية ناطقةٌ بحقِّية التوحيد، وبطلانِ الإشراك.
وجوِّز أن يكون هذا انتقالًا؛ لإظهار بطلان الآلهة مطلقاً، بعد إظهار بطلان
الآلهة الأرضيَّة، والهمزة لإنكار الاتِّخاذ المذكور واستقباحِه واستعظامه، و((من))
(١) البحر المحيط ٣٠٦/٦.

الآية : ٢٤
٦٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
متعلُّقة بـ ((اتخذوا))، والمعنى: بل اتَّخذوا متجاوزينَ إِيَّه تعالى مع ظهور شؤونه
الجليلة الموجبة لتفرُّده بالألوهيَّة آلهةً، مع ظهور أنَّها عارية عن خواصِّ الألوهيَّة
بالكليّة.
﴿قُلْ﴾ لهم بطريق التبكيتِ وإلقام الحَجَر: ﴿هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ على ما تدَّعونه من
جهة العقل الصريح أو النقل الصحيحَ، فإنَّه لا يصحُّ القولُ بمثل ذلك من غيرِ دليلٍ
عليه، وما في إضافةِ البرهان إلى ضميرِهم من الإشعار بأنَّ لهم برهاناً، ضَرْبٌ من
التھگم بهم.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ شَعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِ﴾ إنارةٌ لبرهانِهِ وإشارةٌ إلى أنَّه ممَّا
نطقت به الكتبُ الإلهيّة قاطبةً، وزيادةُ تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالٍ
عجزهم، أي: هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمِّن للبرهان القاطع، ذكر
أمَّتي وعظتهم وذكر الأمم السالفة قد أقمته، فأقيموا أنتم أيضاً برهانكم.
وأُعيد لفظ ((ذكر)) ولم يكتفِ بعطف الموصول على الموصول المستدعي
للانسحاب؛ لأنَّ كون المشخّص ذكر مَن معه ظاهر، وكونه ذكر مَن قبله باعتبار
اتّحاده بالحقيقة مع الوحي المتضمِّن ذلك.
وقيل: المراد بالذكر: الكتاب، أي: هذا كتابٌ أُنزِل على أمَّتي، وهذا كتاب
أُنزلَ على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب الثلاثة والصُّحُف، فراجعوها
وانظروا هل في واحدٍ منها غير الأَمْرِ بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيتٌ
لهم متضمِّن لنقيضٍ مدَّعاهم.
وقرئ بتنوين ((ذِكْر)) الأوَّل والثاني، وجَعْل ما بعده منصوبَ المحلِّ على
المفعوليَّة(١) له؛ لأنَّه مصدر وإعماله هو الأصل، نحو: ﴿أَوْ إِْعَهٌ فِ يَوٍْ ذِى مَسْغَبَهٍُ
يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥].
١٤
وقرأ يحيى بن يعمر، وطلحة، بالتنوين وكسر ميم ((من))(٢) فهي على هذا حرفُ
جرِّ، و((مع)) مجرورة بها، وهي اسم يدلُّ على الصحبة والاجتماع جُعلت هنا ظ فاً
(١) القراءات الشاذة ص٩١.

سُورَةُ الأَثْبِيَاءِ
٦٦
الآية : ٢٤
كقَبل وبَعْد، فجاز إدخالُ ((مِن)) عليها، كما جاز إدخالُها عليهما، لكن دخولها عليها
نادرٌ، ونصَّ أبو حيان(١) أنَّها حينئذٍ بمعنى ((عند)).
وقيل: ((من)) داخلة على موصوفها، أي: عظّةٌ مِن كتاب معي، وعظةٌ مِن كتابٍ
مِن قَبلي، وأبو حاتم ضعَّف هذه القراءةَ؛ لما فيها من دخول ((من)) على ((مع)) ولم
يَرَ له وجهاً (٢). وعن طلحة أنَّه قرأ: ((هذا ذِكْرٌ معي وذِكْرٌ قَبلي))(٣) بتنوين (ذكر))
وإسقاط ((من)). وقرأت فرقة: ((هذا ذِكْرُ مَن)) بالإضافة، و((ذِكْرٌ مِن قَبلي)) بالتنوين
(٤)
وكسر الميم (٤).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ﴾ إضراب من جهته تعالى غير داخل
في الكلام الملقَّن، وانتقالٌ من الأمر بتبكيتِهم بمطالعة البرهان إلى بيانِ أنَّ
الاحتجاجَ عليهم لا ينفع؛ لفقدِهم التمييز بين الحقِّ والباطل ﴿فَهُم﴾ لأجل ذلك
﴿مُعْرِضُونَ ﴾﴾ مستمرُّون على الإعراض عن التوحيد واتِّباع الرسول لا يَرْعَوون
عمَّا هم عليه من الغَيِّ والضلال، وإن كرّرت عليهم البينات والحُجَجُ، أو: فهم
معرضون عمَّا ألقى عليهم من البراهين العقليّة والنقليَّة.
وقرأ الحسن، وحميد، وابنُ محيصن: (الحقُّ) بالرفع(٥) على أنَّه خبر مبتدأ
محذوف، أي: هو الحقُّ، والجملة معترضة بين السبب والمسبَّب تأكيداً للربط
بينهما .
وجوَّز الزمخشريُّ (٦) أن يكون المنصوبُ أيضاً على معنى التأكيد، كما تقول:
هذا عبدُ اللهِ الحقَّ لا الباطل.
والظاهر أنَّه منصوب على أنَّه مفعول به لـ ((يعلمون)) والعِلْم بمعنى المعرفة.
(١) البحر المحيط ٣٠٦/٦.
(٢) البحر المحيط ٣٠٦/٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩١، والبحر المحيط ٣٠٦/٦.
(٤) البحر المحيط ٣٠٦/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص٩١، والمحتسب ٢/ ٦١.
(٦) الكشاف ٢ / ٥٦٩.

الآية : ٢٥، ٢٦
٦٧
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ
استئنافٌ مقرِّر لما سبق من آي التوحيد، وقد يقال: إنَّ فيه تعميماً
٢٥
فَاعْبُدُونِ
بعد تخصيصٍ إذا أُريد مِن ((ذكر من قبلي)) الكتبُ الثلاثة، ولما كان ((من رسول))
عامًّا معنّى، فكان هناك لفظ ومعنّى أفرِدَ على اللفظ في ((نوحي إليه)»، ثم جُمع على
المعنى في ((فاعبدون))، ولم يأتِ التركيب: فاعبدني، وهذا بناءً على أنَّ ((فاعبدون))
داخل في المُوحى. وجوِّز عدم الدخول على الأَمْر له بَّهِ ولأمّته.
وقرأ أكثرُ السبعة: ((يُوحَى)) على صيغة الغائب مبنياً للمفعول(١). وأيًّا ما كان
فصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضية، استحضاراً لصورة الوحي.
﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: حكاية لجنايةِ فريقٍ من المشركين لإظهار بطلانها
وبيانِ تنزُّهه سبحانه عن ذلك، إثر بيان تنزُّهه جلَّ وعلا عن الشركاء على الإطلاق،
وهم حيٌّ من خُزَاعة، قالوا: الملائكَةُ بناتُ الله سبحانه. ونقل الواحديُّ أنَّ قريشاً
وبعضَ العرب جهينة وبني سلامة، وخزاعة وبني مليح، قالوا ذلك.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: قالت اليهود: إنَّ اللهَ عزَّ
وجلَّ صاهَرَ الجنَّ، فكانت بينهم الملائكة، فنزلت(٢). والمشهور الأوَّل.
والآية مشنِّعة على كلِّ من نسبَ إليه سبحانه ذلك، كالنصارى القائلين عيسى
ابنُ الله، واليهود القائلينَ عزيرٌ ابنُ الله، تعالى اللهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيراً،
والتعرُّض لعنوان الرحمانيَّة المنبئة عن جميع ما سواه تعالى مربوباً له تعالى؛ لإبراز
كمال شناعة مقالتهم الباطلة.
﴿سُبْحَتَهُ﴾ أي: تنزّهه بالذات تنزُّهه اللائق به، على أنَّ السبحان مصدر سبَّح،
أي: بعد أن أسبِّحه تسبيحه، على أنَّه عَلَم للتسبيح، وهو مقولٌ على ألسنة العباد،
أو: سبِّحوه تسبيحه.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ إضراب وإبطال لما قالوا، كأنَّه قيل: ليست
(١) قرأ حفص والكسائي في الثاني: بالنون وكسر الحاء، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الحاء.
التيسير ص١٥٤، والنشر ٣٢٣/٢.
(٢) الدر المنثور ٣١٧/٤.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٦٨
الآية : ٢٧، ٢٨
الملائكةُ كما قالوا، بل هم عبادٌ من حيث إنّهم مخلوقون له تعالى، فهم مِلْكُه
سبحانه، والولد لا يصحُّ تملَّكه، وفي قوله تعالى: ﴿مُكْرَمُونَ ﴾﴾ أي: مقرَّبون
عنده تعالى، تنبيه على منشأ غَلَطهم.
وقرأ عكرمة: ((مكرَّمون)) بالتشديد(١).
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: لا يقولون شيئاً حتى يقولَه تعالى، أو يأمرهم به،
كما هو دَيْدَنُ العبيد المؤدّبين، ففيه تنبيهٌ على كمالِ طاعتهم وانقيادِهم لأمره عزَّ
وجلَّ وتأُبهم معه تعالى.
والأصل: لا يسبق قولُهم قولَه تعالى، فأسند السَّبقَ إليهم منسوباً إليه تعالى،
تنزيلًا لسَبْق قولِهِم قولَه سبحانه، منزلةَ سبقِهم إِيَّاه عزَّ وجلَّ؛ لمزيد تنزِيههم عن
ذلك، وللتنبيه على غايةِ استهجان السَّبْق المعرَّض به للذين يقولون مالم يَقُلْه تعالى،
وجُعل القولُ محلَّ السبق وآلته التي يسبق بها، وأُنيبت اللامُ عن الإضافة إلى
الضمير على ما ذهب إليه الكوفيُّون؛ للاختصاص والتجافي عن التكرار.
وقرئ: ((لا يسبُقُونَه)) بضمِّ الباء الموحدة (٢) على أنَّه من باب المغالبة، يقال:
سابَقَني فسبَقْتُهُ وأَسبُقُه، ويلزم فيه ضمُّ عينِ المضارع ما لم تكن عينُه أو لامُه ياءً،
وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق، وإشعارٌ بأنَّ مَن سبقَ قولُه قولَه تعالى، فقد تصدَّى
لمغالبتِه تعالى في السبق، وزيادةُ تنزيهِ عمَّا نفي عنهم ببيانِ أنَّ ذلك عندهم بمنزلة
الغَلَبة بعد المغالبة، فأَنَّى يتوهّم صدورُه عنهم.
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ﴾: بيانٌ لتبعيَّتهم له تعالى في الأعمال، إثْرَ بيان
تبعيَّتهم له سبحانه في الأقوال، كأنَّه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير
أمرِه تعالى أصلًا، بأن يعملوا من تلقاءِ أنفسهم، فالحصر المستفادُ من تقديم الجارِ
بالنسبة إلى غير أمره تعالى، لا إلى أمرٍ غيره سبحانه.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: استئناف وقع تعليلًا لما قَبله وتمهيداً
لما بعده، كأنَّه قيل: إنَّما لَم يُقْدِموا على قول أو عمل بغيرِ أمره تعالى؛ لأنَّه سبحانه
(١) القراءات الشاذة ص ٩١.
(٢) القراءات الشاذة ص٩١.

الآية : ٢٨
٦٩
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
لا يخفى عليه خافيةٌ مما قدَّموا أو أخّروا، فلا يزالون يراقبونَ أحوالَهم حيث إنَّهم
يعلمون ذلك.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ اللهُ تعالى أنْ يشفعَ له.
وهو كما أخرج ابنُ جرير، وابنُ المنذر، والبيهقي في ((البعث))، وابن
أبي حاتم، عن ابن عباس: من قال: لا إلهَ إلا اللهُ(١). وشفاعتهم الاستغفار، وهي
كما في الصحيح تكون في الدنيا والآخرة (٢).
ولا متمسَّك للمعتزلة في الآية على أنَّ الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر،
فإنَّها لا تدلُّ على أكثر من أَنْ لا يشفعوا لمن لا تُرتضى الشفاعةُ له، مع أنَّ عدمَ
شفاعة الملائكة لا تدلُّ على عدم شفاعةِ غيرِهم.
﴾ مع ذلك ﴿مِّنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: بسبب خوفِ عذابِه عزَّ وجلَّ ﴿مُشْفِقُونَ
متوقٌّعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذرٍ ورِقْبَة، لا يأمنونَ مَكْرَ الله تعالى،
فـ ((من)) تعليليَّة، والكلام على حذفِ مضاف، وقد يُراد من خشيته تعالى ذلك،
فلا حاجةً إليه.
وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: إنَّهم يخشون الله تعالى، ومع ذلك يحذرون
من وقوعٍ تقصير في خشيتهم، وعلى هذا تكون ((من)) صلةً لـ ((مشفقون)).
وفرِّق بين الخشية والإشفاق؛ بأنَّ الأوَّل خوفٌ مشوب بتعظيم ومهابة، ولذلك
خصَّ به العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]،
والثاني خوفٌ مع اعتناء، ويُعدَّى بـ ((من)) كما يعدَّى الخوف، وقد يُعدَّى بـ ((على))
بملاحظة الحنوِّ والعطف.
وزعم بعضهم أنَّ الخشيةَ هاهنا مجازٌ عن سببها، وأنَّ المرادَ من الإشفاق شدَّةُ
الخوف، أي: وهم من مهابته تعالى شديدو الخوفِ، والحقُّ أنَّه لا ضرورةَ
لارتكاب المجاز.
(١) الدر المنثور ٣١٧/٤، وتفسير الطبري ٢٥٢/١٦، والبعث للبيهقي (٢)، وتفسير ابن
أبي حاتم ٢٤٤٩/٨ (١٣٦٣٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٣)، وأحمد (١١٨٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري مطوّلًا .

سُورَةُ الأَتْبِيَاءِ
٧٠
الآية : ٢٩
وجوّز أن يكون المعنى: وهم خائفون من خوفٍ عذابِه تعالى، على أنَّ ((من))
صلة لما بعدها، وإضافةُ خشية إلى المضاف والمحذوف، مِن إضافة الصفة إلى
الموصوف، أي: خائفونَ من العذاب المخُوف، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف
المستغنى عنه، ثم إنَّ هذا الإشفاقَ صفةٌ لهم دنيا وأُخرى، كما يُشعِر به الجملة
الاسميّة.
وقد كثرت الأخبارُ الدالّة على شدّة خوفِهم، ومن ذلك ما أخرج ابنُ أبي حاتم
عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ وٍَّ: «ليلةَ أُسريَ بي مررتُ بجبريلَ عليه السلام وهو
بالملأِ الأَعلى ملقًّى كالحِلْس البالي من خشية الله تعالى))(١).
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الملائكة عليهم السلام، وقيل: من الخلائق،
والأوَّل هو الذي يقتضيه السياق، إذ الكلام في الملائكة عليهم السلام، وفي كونهم
بمعزل عمَّا قالوه في حقِّهم، والمراد: ومَن يَقُل منهم على سبيل الفرض: ﴿إِنّت
إِلَهٌ مِّن دُونِهِ﴾ أي: متجاوزاً إيَّاه تعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ أي: الذي فُرض قولُه ما ذكر
فرضٌ محالٌ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّهُ﴾ كسائرِ المجرمين، ولا يغني عنه ما سبق من الصفات
السَّنِيَّة والأفعال المرضيّة.
وعن الضحاك، وقتادة عدمُ اعتبارِ الفرض، وقالا: إنَّ الآيةَ خاصَّة بإبليسَ - عليه
اللعنة - فإنَّه دعا إلى عبادة نفسه وشَرَعَ الكفر.
والمعوَّل عليه ما ذكرنا، وفيه من الدلالة على قوَّة ملكوته تعالى، وعزَّة
جبروته، واستحالة كونِ الملائكة بحيث يتوهّم في حقِّهم ما يتوهّم أولئك الكفرةُ،
ما لا يَخفى.
(١) الدر المنثور ٣١٧/٤، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في السنة (٦٢١)، والطبراني في
الأوسط (٤٦٧٩). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٨/١، وقال: رواه الطبراني في
الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أيضاً ابن خزيمة كما في الكافي الشاف ص١١٠ عن ابن مسعود بنحوه، وقوَّى
إسناده ابن حجر، وغِلَّط ابنَ الجوزي [في العلل المتناهية ١٨٣/٢] في تضعيفه لمحمد بن
ميمون شيخ ابن خزيمة .
والحِلْس: كساء يكون تحت برذعة البعير. غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ٢٩٢.

الآية : ٣٠
٧١
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وقرأ أبو عبد الرحمن المقرئ: ((نُجْزيه)) بضمِّ النون (١)، أراد: نُجزئه، بالهمزة،
مِن أَجزأني كذا: كفاني، ثم خفّف الهمزة، فانقلبت ياءً.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ ﴾﴾ مصدر تشبيهيٍّ مؤكِّد لمضمون ما قَبله، أي:
مثل ذلك الجزاءِ الفظيع نَجزي الذين يضعون الأشياءَ في غير مواضِعها، ويتعدَّون
أطوارَهم، والقَصْر المستفاد من التقديم يعتبر بالنسبة إلى النُّقصان دون الزيادة،
أي: لاجزاءً أنقصُ منه.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ تجهيلٌ لهم بتقصيرِهم عن التدبُّر في الآيات التكوينيَّة
الدالّة على عظيم قدرتِهِ وتصرُّفه، وكونٍ جميع ما سواه مقهوراً تحت مَلَكوته على
وجه ينتفعون به، ويعلمون أنَّ مَن كان كذلك لا ينبغي أن يعدلَ عن عبادته إلى عبادةٍ
حَجَر أو نحوِهِ مما لا يضرُّ ولا ينفع، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدَّر.
وقرأ ابنُ كثير، وحميد، وابنُ محيصن بغير واو (٢).
والرؤية قلبيَّة، أي: أَلَم يتفكّروا ولم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا﴾
الضمير السماوات والأرض، والمراد من السماوات طائفتُها، ولذا ثَّى الضميرَ ولم
يجمع، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]
وكذا قول الأسود بن يعفر:
إنَّ المنيةَ والحُتُوفَ كلاهما
دون المحارِمِ يَرقُبان سوادي(٣)
وأفردَ الخبر، أعني قولَه تعالى ﴿رَتْقًا﴾ ولم يُثَنَّ؛ لأنَّه مصدر، والحمل إمَّا
بتأويله بمشتقٌّ، أو لقصد المبالغة، أو بتقدير مضاف، أي: ذاتَي رَتَقٍ.
وهو في الأصل: الضَُّّ والالتحامُ خِلْقةً كان أم صنعةً، ومنه: الرتقاءُ:
الملتحمة محلَّ الجماع.
(١) المحتسب ٢/ ٦١ بضمّ الهاء والنون.
(٢) البحر المحيط ٣٠٨/٦، وقراءة ابن كثير في التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٣/٢.
(٣) المفضليات ص٢١٦، ومنتهى الطلب ١/ ٤١٥، وجاء عجزه عندهما هكذا:
يوفي المخارمَ يرقبان سوادي
والحتوف: جمع حتف، وهو الموت. ويوفي: يعلو. والمخارم: جمع مخرم، وهو منقطع
أنف الجبل. وسوادي: شخصي.

سُورَةُ الإِنَّبِسَاءِ
٧٢
الآية : ٣٠
وقرأ الحسن، وزيد بنُ علي، وأبو حَيوة، وعيسى: رَتَقاً بفتح التاء(١)، وهو
اسم المرتوق، كالنَّقْض والنَّقَض، فكان قياسه أن يثَّى هنا؛ ليطابقَ الاسمَ، فقال
الزمخشريُّ(٢): هو على تقدير موصوفٍ، أي: كانتا شيئاً رتقاً، وشيء اسمُ جنس
شاملٌ القليل والكثير، فيصُّ الإخبار به عن المثنى كالجمع، ويحسنه أنَّه في حالة
الرتقَّة لا تعدُّدَ فیه.
وقال أبو الفضل الرازيُّ: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرِّك منه اسماً
بمعنى المفعول، والساكن مصدراً، وقد يكونان مصدرين، والأَولى هنا
كونُهما كذلك، وحينئذٍ لا حاجةً إلى ما قاله الزمخشريُّ في توجيه الإخبار.
وقد أُريد بالرتق على ما نُقْلَ عن أبي مسلم الأصفهانيِّ(٣) حالة العَدَم، إذ ليس
فيه ذوات متميِّزة، فكأنَّ السماواتِ والأرضَ أمرٌ واحد متَّصل متشابه .
وأُريد بالفَتق - وأصلُه الفصلُ - في قوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَهُمَّا﴾ الإيجادُ لحصولٍ
التمييز وانفصالِ بعضٍ الحقائق عن البعض به، فيكون كقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] بناءً على أنَّ الفَظْرِ الشَّقُّ، وظاهره نفي تمايزِ المعدومات،
والذي حقَّقه مولانا الكورانيُّ في ((جلاء الفهوم)) وذبَّ عنه حسَب جهده أنَّ المعدومَ
الممكن متميِّز في نفسٍ الأمر؛ لأنَّه متصوَّر، ولا يمكن تصوُّر الشيء إلا بتميُّزه عن
غيره، وإلا لم يكن بكونه متصوَّراً أَولى من غيرِهِ، ولأنَّ بعضَ المعدومات قد يكون
مراداً دونَ بعض، ولولا التميُّز بينها لما عقل ذلك، إذ القصدُ إلى إيجاد غيرِ المتعيَّن
ممتنعٌ؛ لأنَّ ما ليس بمتعيّن في نفسه، لم يتميّز القصد إليه عن القصد إلى غيره،
وقد يقال على هذا: يكفي في تلك الإرادة عدمُ تمايز السماوات والأرض في حالة
العدم، نظراً إلى الخارج المشاهد.
وأيًّا ما كان، فمعنى الآية: ألم يعلموا أنَّ السماوات والأرضَ كانتا معدومتيْن،
فأوجدناهما، ومعنى علمهم بذلك: تمكّنهم من العِلْم به بأدنى نظرٍ؛ لأنَّهما ممكنان،
(١) القراءات الشاذة ص ٩١، والمحتسب ٢/ ٦١.
(٢) الكشاف ٢/ ٥٧٠.
(٣) ونقله عنه الرازي في تفسيره ٢٢/ ١٦٣.

الآية : ٣٠
٧٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
والمُمكن باعتبار ذاتِه وحدها يكون معدوماً، واتِّصافه بالوجود لا يكون إلا من
واجبٍ الوجود.
قال ابن سينا في المقالة الثامنة من إلهيات(١) ((الشفاء)): سائرُ الأشياء غير
واجب الوجود لا تستحقُّ الوجودَ، بل هي في أنفسها، ومع قطع إضافتها الى
الواجب تستحقُّ العدم، ولا يعقل أن يكون وجودُ السماوات والأرض مع
إمكانهما الضروريِّ عن غيرِ علَّة.
وأما ما ذهب اليه ذيمقراطيس من أنَّ وجودَ العالم إنَّما كان بالاتفاق، وذلك
لأنَّ مباديه أجرامٌ صغار لا تتجزَّأْ لصلابتها، وهي مبثوثة في خلاءٍ غيرِ متناهٍ، وهي
متشاكلةُ الطبائع، مختلفة الأشكال، دائمةُ الحركة، فاتفق أَنْ تضامَّت جملةٌ منها
واجتمعت على هيئةٍ مخصوصة، فتكوَّن منها هذا العالَم = فضَرْبٌ من الهَذَیان.
ووافقه عليه - على ما قيل - أبناذقلس، لكنَّ الأوَّل زعم أن تكوُّن الحيوانِ
والنبات ليس بالاتفاق، وهذا زعمَ أن تكوُّن الأجرام الأسطقسية بالاتفاق أيضاً،
إلا أنَّ ما اتفقَ إن كان ذا هيئةٍ اجتماعيَّة على وجه يصلحُ للبقاء والنسل، بقي،
وما اتفق إن لم یکن کذلك، لم يَبْق.
وهذا الهذيان بعيدٌ من هذا الرجل، فإنَّهم ذكروا أنَّه من رؤوساء يونان، كان في
زمن داود عليه السلام، وتلقَّى العِلْم منه، واختلف إلى لقمانَ الحكيم واقتبسَ منه
الحكمةَ، ثم إنَّ وجودَهما عن العلَّة حادثٌ، بل العالم المحسوسُ منه، وغيرُه
حادثٌ حدوثاً زمانيًّا بإجماع المسلمين وما يتوهّم من بعضٍ عبارات بعض الصوفيّة
من أنَّه حادث بالذات قديمٌ بالزمان، مصروفٌ عن ظاهرِهِ، إذ هم أجلُّ من أن
يقولوا به، لما أنَّه كفر.
والفلاسفة في هذه المسألة على ثلاثةٍ آراء:
فجماعة من الأوائل الذين هم أساطين من الملطية وساميا صاروا إلى القول
بحدوثٍ موجودات العالم مباديها وبسائطها ومرگَّباتها .
(١) في (م): الهيئات.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٧٤
الآية : ٣٠
وطائفة من الأثينينية وأصحابِ الرواق صاروا إلى قِدَم مباديها من العقل والنفس
والمفارقات والبسائط، دون المتوسِّطات والمركبات، فإنَّ المبادي عندهم فوق
الدهر والزمان، فلا يتحقَّق فيها حدوث زماني، بخلاف المركّبات التي هي تحت
الدهر والزمان، ومنعوا كونَ الحركات سرمديَّة.
ومذهب أرسطو ومَن تابعه مِن تلامذته أنَّ العالَمَ قديمٌ، وأنَّ الحركات الدوريَّة
سرمديَّةٌ، وهذا بناء على المشهور عنه، وإلا فقد ذكر في ((الأسفار))(١) أنَّ أساطينَ
الحكمة المعتبرين عند الطائفة ثمانيةٌ، ثلاثة من الملطيين: ثالس، وانكسيمانس،
وأغاثاذيموس، وخمسة من اليونانيين: أَنْباذُقْليس، وفيثاغورس، وسقراط،
وأفلاطون، وأرسطو، وكلُّهم قائلون بما قال به الأنبياءُ عليهم السلام وأتباعهم مِن
حدوثِ العالَم بجميع جواهره وأعراضه، وأَفلاکه وأملاكه، وبسائطه ومرگَّباته،
ونقل عن كلِّ كلمات تؤيِّد ذلك، وكذا نقل عن غيرِ أولئك من الفلاسفة، وأطال
الكلام في هذا المقام، ولولا مخافةُ السآمة، لنقلتُ ذلك، ولعلِّي أنقل شيئاً منه في
محلِّه الأليق به، إن شاء الله تعالى.
وجاء عن ابنِ عباس في رواية عكرمة، والحسن، وقتادة، وابن جبير، أنَّ
السماواتِ والأرضَ كانتا شيئاً واحداً ملتزقَتَيْن، ففصَل اللهُ تعالى بينهما، ورفَع
السماء إلى حيث هي، وأَقرَّ الأرضَ.
وقال كعب: خلق اللهُ تعالى السماوات والأرضَ ملتصقتَيْن(٢)، ثم خَلَق ريحاً
فتوسطهما ففتقهما .
وعن الحسن: خلق اللهُ تعالى الأرضَ في موضع بيت المقدس كهيئة الفِهْر(٣)،
عليها دخان ملتصِق بها، ثم أصعدَ الدخانَ وخلَق منهَ السماوات، وأَمسكَ الفهر في
موضعها، وبسط منها الأرض، وذلك قوله تعالى: ((كانتا رَتْقاً فقتقناهما)» فجعل
سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتَّقة طبقةً واحدة، ففتقها، فجعلها سبعَ
أرضين، والمراد من العِلْم على هذه الأقوال التمكّن منه أيضاً إلا أنَّ ذلك ليس
(١) وهو لصدر الدين الشيرازي كما سيذكر ذلك المؤلّف ص ٨٢.
(٢) فى الأصل: ملتزقتين.
(٣) الفِهْر: الحَجَر قَدْرَ ما يُدقُّ به الجوز، أو ما يملأ الكفَّ. القاموس (فهر).

الآية : ٣٠
٧٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
بطريق النظر، بل بالاستفسار من علماء أهل الكتاب الذين كانوا يُخالطونهم ويَقبَلُون
أقوالَهم، وقيل بذلك أو بمطالعة الكتبِ السماوية، ويَدخُل فيها القرآنُ وإن لم
يَقبلُوه؛ لكونه معجزةً في نفسه، وفي ذلك دغدغةٌ لا تَخْفى.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في ((الحلية)) مِن طريق عبد الله بنٍ
دينار، عن ابنِ عمر: أنَّ رجلًا أتاه فسأله عن الآية، فقال: اذهب إلى ذلك الشيخ
فاسْأَلْه، ثم تعالَ فأخبرِني. وكان ابنَ عباس، فذهب إليه فسأَلَهُ فقال: نَعَم كانتَ
السماوات رتقاً لا تُمِطِر، وكانت الأرضُ رتقاً لا تُنبِت، فلما خلَق الله تعالى
للأرض أهلًا فتقَ هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجلُ إلى ابنِ عمر
فَأَخَبره، فقال ابنُ عمر: الآنَ علمتُ أنَّ ابنَ عباس قد أُوتِيَ في القرآن علمًا، صدق
ابنُ عباس هكذا كانت(١). وروى عنه ما هو بمعنى ذلك جماعةٌ منهم الحاكم
وصحَّحه(٢)، وإليه ذهب أكثر المفسِّرين.
وقال ابن عطيَّة(٣): هو قولٌ حسنٌ، يَجمع العبرةَ والحجَّة وتعديدَ النعمة،
ويناسب ما يُذكَر بعد. والرَّتْق والفَتْق مجازيان عليه، كما هما كذلك على الوجه
الأوَّل.
والمراد بالسماوات جهةُ العلوِّ أو سماء الدنيا، والجمع باعتبار الآفاق، أو من
باب: ثوبٌ أخلاقٌ(٤)، وقيل: هو على ظاهره، ولكلٍّ من السماوات مدخل في
المطر.
والمراد بالرؤية العِلْم أيضاً، وعِلْم الكفرة بذلك ظاهر. وجوّز أن تكون الرؤيةُ
بصريّةٌ، وجَعلها علميّة أَولى.
(١) الدر المنثور ٣١٧/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٥٠ (١٣٦٣٩)، وحلية الأولياء ٣٢٠/١.
(٢) مستدرك الحاكم ٣٨٢/٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي
في التلخيص: طلحة بن عمرو واهٍ. اهـ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣١٧/٤ إلى
الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الأسماء والصفات، والحاكم.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ٨٠.
(٤) قال ابن قتيبة في أدب الكاتب ص٦٢١: قال الكسائي: وإنما قالوا: ثوبٌ أخلاقٌ، أرادوا
أن نواحيه أخلاق فلذلك جُمع. اهـ. والثوب الخَلَق: البالي. القاموس (خلق).

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٧٦
الآية : ٣٠
ومن البعيد ما نقل عن بعض علماء الإسلام أنَّ الرَّتْقَ: انطباقُ منطقتي الحركتين
الأُولى والثانية، الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة. والفَتْق:
افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة، وتميُّز الفصول. بل لا يكاد يصحُّ على الأصول
الإسلاميَّة التي أصَّلَها السلف الصالح كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيِّ﴾ عطف على ((أن السموات)) إلخ،
ولا حاجةً إلى تكلُّف عطفِه على فتقنا، والجعل بمعنى الخَلْقِ المتعدِّي لمفعول
واحد، و((من)) ابتدائية.
والماء: هو المعروف، أي: خلقنا من الماء كلَّ حيوان، أي: متَّصف بالحياة
الحقيقيّة. ونقل ذلك عن الكلبيّ(١) وجماعة، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ
مِّنِ مَّأْ﴾ [النور: ٤٥]، ووجه كونِ الماء مبدأ ومادةً للحيوان وتخصيصه بذلك، أنَّه
أعظمُ مواده، وفَرْطُ احتياجِه إليه وانتفاعه به بعينه، ولا بُدَّ من تخصيص العامِّ؛ لأنَّ
الملائكةَ عليهم السلام - وكذا الجنُّ - أحياءٌ، وليسوا مخلوقينَ من الماء،
ولا محتاجينَ إليه، على الصحيح.
وقال قتادة: المعنى: خلقنا كلَّ نام من الماء، فيدخل النباتُ، ويراد بالحياة
النموُّ أو نحوه، ولعلَّ من زعم أنَّ في النبات حسًّا وشعوراً، أَبقى الحياةَ على
ظاهرها .
وقال قطرب وجماعة: المراد بالماء النطفةُ، ولا بُدَّ من التخصيص بما سوى
الملائكةِ عليهم السلام والجنِّ أيضاً، بل بما سوى ذلك والحيواناتِ المخلوقة من
غيرِ نطفة كأكثر الحشرات الأرضيّة.
ويجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير المتعدِّي لمفعولين، وهما هنا: ((كل))
و((من الماء)»، وتقديم المفعول الثاني؛ للاهتمام به، و((من)) اتصاليّة كما قيل في
قوله وَله: (ما أنا مِن دَدٍ، ولا الدَّدُ مِنِّي))(٢). والمعنى: صيَّرنا كلَّ شيء حيٍّ متصلاً
(١) في كتابه التسهيل لعلوم التنزيل ٢٥/٣.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٥)، والبزار (٢٤٠٢ كشف الأستار)، والطبراني في
الكبير ١٩/ (٧٩٤)، وفي الأوسط (٤١٣) بلفظ: ((لستُ من دَدٍ، ولا دَدٌ مِنِّي)). يعني: لست
من باطل، ولا باطلٌ منِّي .
=

الآية : ٣٠
٧٧
سُوَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ
بالماء، أي: مخالطاً له غيرَ منفكِّ عنه، والمراد أنَّه لا يَحيا دونه، وجوَّز
أبو البقاء(١) على الوجه الأوَّل أن يكون الجارُّ والمجرور في موضع الحال من
((كل)) وجعل الطيبيُّ ((من) على هذا بيانيّة تجريديَّة، فيكون قد جرّد من الماء الحيِّ،
مبالغة كأنَّه هو.
وقرأ حميد: ((حيًّا)) بالنصب(٢)، على أنَّه صفة ((كل)) أو مفعول ثانٍ لجعل،
والظرف متعلِّق بما عنده لا بحيًّ، والشيء مخصوصٌ بالحيوان؛ لأنَّه الموصوفُ
بالحياة، وجوّز تعميمه للنبات.
وأنت تَعلَم أنَّ مِن الناس من يقول: إنَّ كلَّ شيءٍ من العلويَّات والسفليَّات حيٌّ
حياةً لائقة به، وهم الذين ذهبوا إلى أنَّ تسبيحَ الأشياء المفادَ بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن
شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قاليٌّ لا حاليٌّ، وإذا قيل بذلك، فلا بُدَّ من
تخصيص الشيء أيضاً، إذا لم يجعل من الماء كلَّ شيءٍ حيًّا، ولم أقف على مخالِفٍ
في ذلك منَّا، نعم نقل عن ثالس المَلَظي - وهو أوَّل من تفلسفَ بمَلَظية - أنَّ أصلَ
الموجودات الماءُ حيث قال: الماءُ قابلُ كلِّ صورةٍ، ومنه أُبدِعت الجواهرُ كلُّها من
السماء والأرض(٣). انتهى.
ويمكن تخريجه على مشرب صوفيٍّ بأن يقال: إنَّه أراد بالماء الوجودَ
الانبساطيَّ المعبّر عنه في اصطلاح الصوفيّة بالنفس الرحماني، وحينئذٍ لو جُعلت
الإشارةُ في الآية إلى ذلك عندهم، لم يَبَعُد.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٤/٨: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه: يحيى بن
محمد بن قيس، وقد وثق، ولكن ذكروا هذا الحديث من منكرات حديثه، والله أعلم. وقال
الذهبي : قد تابعه عليه غيره.
وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص ١١٠: وقال ابن أبي حاتم: رواه الدراوردي عن
عمرو، عن المطلب، عن معاوية نحوه مرفوعاً. ونقل عن أبيه وأبي زرعة أن رواية
الدراوردي أشبه بالصواب.
(١) الإملاء ٣/ ٦١٥.
(٢) البحر المحيط ٣٠٩/٦.
(٣) الملل والنحل الشهر ستانى ٦٢/٢-٦٣، ومَلَطية: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم
الشام. معجم البلدان ٥/ ١٩٢ -١٩٣.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٧٨
الآية : ٣١
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إنكارٌ لعدم إيمانِهم بالله تعالى وحدَه مع ظهورٍ ما يوجبه
حتماً من الآيات، والفاء للعطف على مقدَّر يستدعيه الإنكار، أي: أَيعلمون ذلك
فلا يؤمنون؟!
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ أي: جبالًا ثوابتَ، جمع راسِيَة، من رَسَا الشيءُ:
إذا ثبت ورَسَخ، ووَصْفُ جمعِ المذكَّر بجمع المؤنَّث في غيرِ العقلاء ممَّا لا ريبَ
في صحّته.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: كراهَة أن تتحرَّك وتَضْطَرب بهم، أو لئلا تميدَ بهم،
فحذف اللام و((لا))؛ لعدم الإلباس، وهذا مذهب الكوفيين، والأوَّل أَولى.
وفي ((الانتصاف))(١) أَولى من هذين الوجهين، أن يكون مثل قولك: أعددتُ
هذه الخشبةَ أن يميلَ الحائطُ، على ما قال سيبويه، من أنَّ معناه: أعدَدْتها أن أدعمَ
الحائطَ بها إذا مَالَ، وقدَّم ذِكْر المَيْل(٢)؛ عنايةً بأمرِهِ، ولأنَّه السبب في الإدعام،
والإدعام سببُ إعدادِ الخشبة، فعومل سببُ السببِ معاملةَ السبب، فكذا فيما نحن
فيه، يكون الأصل: وجعلنا في الأرض رواسيَ أَنْ نثبتها إذا مادتْ بهم، فجعل
المَيْدَ هو السببَ، كما جعل الميلَ في المثال سبباً، وصار الكلام: وجعلنا في
الأرض رواسيَ أن تميدَ بهم، فنثبتها، ثم حذف: فنثبتها؛ لأَمْنِ الإلباس إيجازاً،
وهذا أقربُ إلى الواقع مما ذكر أوَّلًا، فإنَّ مقتضاه أنْ لا تميدَ الأرض بأهلها؛
لأنَّ اللهَ تعالى كَرِهَ ذلك، ومحالٌ أن يقعَ ما يَكرهه سبحانه، والمشاهدة بخلافِه،
فكم من زلزلةٍ أَمادت الأرضَ حتى كادت تنقلب، وعلى ما ذكرنا يكون المراد:
إنَّ الله تعالى يُئِبِّت الأرضَ بالجبال إذا مادت، وهذا لا يأبى وقوعَ الميد، لكنَّه ميدٌ
يستعقبه التثبيتُ، وكذلك الواقع من الزلزال إنَّما هو كاللَّمحة، ثم يثبتها الله تعالى.
انتھی .
وفي ((الكشف)): إنَّ قولهم: كراهةَ أن تميدَ، بيانٌ للمعنى، لا أنَّ هناك إضمار
ألبتة، ولهذا كان مذهبُ الكوفيين خليقاً بالرَّدِّ، وما في ((الانتصاف)) من أنَّ الأَولى
(١) ٢ / ٥٧٠ .
(٢) في (م): الميد.

الآية : ٣١
٧٩
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
أن يكون من باب: أعددتُ الخشبة أن يميلَ الحائطُ، على ما قرَّر، راجعٌ إلى
ما ذكرناه، ولا مخالفَ له، أمَّا ما ذكره من الرَّدِّ بمخالفة الواقع المشاهد، فليس
بالوجه؛ لأنَّ ميدودةَ الأَرض غيرُ كائنة ألبتة، وليست هذه الزلازلُ منها في شيءٍ.
انتھی .
وهو كلام رصين كما لا يخفى، وقد طعن بعضُ الكفرةِ المعاصرين فيما دلَّت
عليه الآيةُ الكريمة بأنَّ الأرضَ لطلبها المركزَ طبعاً ساكنةٌ لا يتصوَّر فيها الميدُ، ولو
لم يكن فيها الجبال؟.
وأُجيب أوَّلًا بعد الإغماض عمَّا في دعوى طلبها المركزَ طبعاً وسكونِها عنده
من القيل والقال، يجوز أن يكون اللهُ تعالى قد خلَق الأرضَ يوم خَلَقها عريَّةً عن
الجبال مختلفةَ الأجزاء ثِقَلًا وخفَّة، اختلافاً تامًّا، أو عرضَ لها الاختلاف
المذكور، ومع هذا لم يجعل سبحانه لمجموعِها من الثِّقَل ما لا يظهر بالنسبة إليه
ثِقَل ما عَلِم جلَّ وعلا أنَّه يتحرَّك عليها من الأجسام الثقيلة، فيكون لها مركزان
متغايران، مركزُ حجمٍ، ومركزُ ثِقَلٍ، وهي إنَّما تطلب بطبعِها عندهم أن ينطبقَ
مركزُ ثِقَلها على مركز العالم، وذلك وإن اقتضى سكونها إلا أنَّه يلزم أن تتحرَّك
بتحرُّك هاتيك الأجسام، فخلَق جلَّ جلاله الجبالَ فيها ليحصلَ لها من الثِّقَل
مالا يظهر معه ثقلُ المتحرِّك، فلا تتحرَّك بتحركه أصلًا، وكون نسبة ارتفاعٍ أعظم
الجبال إلى قُطْرها كنسبة سبعٍ عَرْضٍ شعيرةٍ إلى ذراعِ، إنَّما ينفع في أمرَ الكريَّة
الحسيَّة، وأمَّا أنَّه يلزم منه أن لا يكونَ لمجموعِ الجبّالِ ثِقَلٌ معتدٍّ به بالنسبة إلى
ثقل الأرض، فلا .
ثم ليس خَلق الجبال لهذه الحكمةِ فقط، بل لحِكَم لا تُحصى ومنافعَ
لا تستقصى، فلا يقال: إنَّه يغني عن الجبال خلقها بحيث لا يظهر للأجسام الثقيلة
المتحرِّكة عليها أثرٌ بالنسبة إلى ثِقَلها .
وثانياً: أنَّها بحسَب طبعِها تقتضي أنْ تكون مغمورةً بالماء، بحيث تكون
الخطوط الخارجة من مركزها المنطبق على مركزِ العالم إلى محدَّب الماء متساويةً
من جميع الجوانب، فبروز هذا المقدارِ المعمورِ منها قسريٌّ، ويجوز أن يكون
للجبال مدخلٌ في القَسْر باحتباس الأبخرة فيها، وصيرورةِ الأرض بسبب ذلك،

سُؤَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ
٨٠
الآية : ٣١
كزِقٌ(١) في الماء نفخ نفخاً ظهر به شيءٌ منه على وجه الماء، ولولا ذلك لم يكن
القَسْر قويًّا بحيث لا يعارضه ما يكون فوق الأرض من الحيوانات وغيرِها، وذلك
يوجب المَيْدَ الذي قد يفضي بها إلى الانغمارِ، فتأمَّل، وقد مرَّ لك ما يتعلَّق بهذا
المطلب، فتذكَّر.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، وتكرير الفعلِ لاختلاف المجعولين، مع ما فيه
من الإشارة إلى كمال الامتنانِ، أو في الرواسي على ما أخرجه ابنُ جرير، وابنُ
المنذر، عن ابنِ عباس(٢)، ويؤيِّده أنَّها المحتاجة لأَنْ يجعل سبحانَه فيها ﴿فِجَاجًا﴾
جمع فجِّ، قال الراغب (٣): هو شُقّة يكتنفها جبلان. وقال الزجَّاج(٤): كلُّ مخترق
بین جبلَیْن، فهو نٌّ.
وقال بعضهم: هو مطلَق الواسع، سواء كان طريقاً بين جبلَيْن أم لا، ولذا
يقال: جرح نٌّ.
والظاهر أنَّ ((فجاجاً)) نصب على المفعوليّة لـ ((جعل)).
وقوله سبحانه: ﴿سُبُلًا﴾ بدلٌ منه، فيدلُّ ضمناً على أنَّه تعالى خَلَقها ووسَّعها
للسابلة مع ما فيه من التأكيد؛ لأنَّ البدلَ كالتكرار، وعلى نيَّة تكرار العامل،
والمبدل منه ليس في حكم السقوط مطلقًا .
وقال في ((الكشاف)»(٥): هو حال من ((سبلاً))، ولو تأخّر لكان صفةً، كما في
قوله تعالى في سورة نوح: ﴿لِتَتْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِبَابًا﴾ [الآية: ٢٠] وإنَّما لم يُؤْتَ به
كذلك، بل قدِّم فصار حالًا؛ ليدلَّ على أنَّه في حال جَعْلها سبلًا كانت واسعةً، ولو
أتى به صفةً، لم يدلَ على ذلك.
وأَوجب بعضُهم كونَه مفعولًا، وكون ((سبلًا» بدلًا منه، وكذا أَوجب في قوله
تعالى: ((لتسلكوا)) إلخ، كون (سبلًا)) مفعولًا، وكون ((فجاجاً)) بدلًا، قائلًا: إنَّ الفَجَّ
(١) الزِّقُّ: السِّقاء، أو جِلْدٌ يُجَزُّ ولا ينتف للشراب وغيره. القاموس (زقق).
(٢) الدر المنثور ٣١٨/٤، وتفسير الطبري ٢٦٢/١٦.
(٣) في المفردات (فجج).
(٤) في معاني القرآن وإعرابه ٣٩٠/٣.
(٥) ٢/ ٥٧٠.