Indexed OCR Text
Pages 401-420
الآية : ٧٧ ٤٠١ أو قدَّر كلَّ جزءٍ من أجزاءِ الطريق طريقاً يابساً، كما قيل في: نطفةٍ أمشاجٍ، وثوبٍ أخلاق، أو حيثُ أريد بالطريق الجنس، وكان متعدِّداً حسب تعدُّد الأسباطَ، لا طريق واحدة على الصحيح جاء وصفه جمعاً. وقيل: يحتملُ أنْ يكون اسم جمع. والظاهر أنَّه لا فرق هنا بين اليبس بالتحريك واليبس بالتسكين معنًى؛ لأنَّ الأصلَ توافُق القراءتين، وإنْ كانت إحداهما شاذَّةً. وفي ((القاموس)): اليَبْسُ بالإسكان ما كان أصلُه رطباً فجفّ، وما أصلُه اليبوسة ولم يعهد رطباً يَبَسٌ، بالتحريك، وأمَّا طريقُ موسى عليه السلام في البحر، فإنَّه لم يُعْهد طريقاً لا رَظْباً ولا يابساً، إنَّما أظهرَه الله تعالى لهم حينئذٍ مخلوقاً على ذلك(١). اهـ. وهذا مخالفٌ لما ذكره الراغبُ من أنَّ اليبسَ - بالتحريك - ما كان فيه رطوبةٌ فذهبت، والمكانُ إذا كان فيه ماءٌ فذهب(٢). وروي أنَّ موسى عليه السلام لمَّا ضرب البحر وانفلقَ حتى صارت فيه طُرقٌ بعثَ الله تعالى ريح الصبا، فجفَّفت تلك الطرق حتى يبست. وذهب غيرُ واحدٍ أنَّ الضربَ بمعنى الجعل، من قولهم: ضرب له في ماله سهماً، وضرب عليهم الخراج، أو بمعنى الاتخاذ، فينصب مفعولين؛ أوَّلُهما ((طريقاً))، وثانيهما (لهم)). واختار أبو حيان (٣) بقاءَه على المعنى المشهور، وهو أوفقُ بقوله تعالى: ﴿أَنِ أَضْرِبِ يِّعَصَاكَ الْمَجَرِّ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. وزعم أبو البقاء أنَّ (طريقاً)) على هذا الوجه مفعولٌ فيه(٤)، وقال: التقدير: ((فاضرب لهم)) موضع طريق. (١) القاموس (يبس). (٢) المفردات (يبس). (٣) في البحر ٢٦٤/٦. (٤) كذا في الأصل و(م). وهو خطأ؛ فنص العبارة في الإملاء ١٢٥/٢: (( ... طريقاً)) التقدير: موضع طريق، فهو مفعول به على الظاهر. قال السمين الحلبي في الدر المصون ٨١/٨: فقوله: على الظاهر، يعني أنه لولا التأويل لكان ظرفاً. سُو ◌َلاَ طَّ ٤٠٢ الآية : ٧٧ ﴿لَّا تَخَفُ دَرَكًا﴾ في موضع الحال من ضمير ((فاضرب))، أو الصفة الأخرى لـ (طريقاً))، والعائدُ محذوف، أي: فيها، أو هو استئنافٌ كما قال أبو البقاء، وقدَّمه على سائر الاحتمالات(١). وقرأ الأعمشُ وحمزة وابن أبي ليلى: ((لا تَخَفْ)) بالجزم على جواب الأمر(٢)، أعني: ((أسر))، ويحتمل أنَّه نهيٌ مستأنفٌ، كما ذكره الزجَّاج. وقرأ أبو حيوة وطلحة والأعمش: ((دَرْكاً)) بسكون الراء (٣)، وهو اسمٌ من الإدراك، أي: اللحوق، كالدَّرَك بالتحريك. وقال الراغب: الدرك بالتحريك في الآية: ما يلحقُ الإنسان من تبعةٍ(٤). أي: لا تخاف تبعةً، والجمهور على الأوَّل، أي: لا تخاف أنْ يدرككم فرعونُ وجنودهُ من خلفكم. ﴿وَلَا تَّخْتَى (٧)﴾ أن يغرقكم البحرُ من قُدَّامكم، وهو عطف على ((لا تخافُ))، وذلك ظاهرٌ على الاحتمالات الثلاثة في قراءة الرفع. وأمَّا على قراءة الجزم، فقيل: هو استئنافٌ، أي: وأنت لا تخشى. وقيل: عطفٌ على المجزوم، والألفُ جيء بها للإطلاق مراعاةً لأواخر الآي، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّوْنَاَ السَّيِلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو هو مجزومٌ بحذف الحركة المقدَّرة كما في قوله: إذا العجوزُ غضبتْ فطلِّقِ ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ(٥) وهذا لغةٌ قليلةٌ عند قوم، وضرورةٌ عند آخرين، فلا يجوزُ تخريج التنزيل الجليل الشأن عليه، أو لا يليقُ مع وجود مثل الاحتمالين السابقين، أو الأول منهما. (١) الإملاء ١٢٥/٢. (٢) البحر ٢٦٤/٦، وقراءة حمزة في التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. (٣) البحر ٢٦٤/٦، وهي في القراءات الشاذة ص ٨٨ منسوبة لأبي حيوة فحسب. (٤) المفردات (درك). (٥) الرجز لرؤبة بن العجاج. انظر خزانة الأدب ٣٥٩/٨، وهو في ديوان رؤية ص ١٧٩ (الأبيات المنسوبة إليه). الآية : ٧٨ ٤٠٣ الوطن والخشيةُ أعظمُ الخوفِ، وكأنَّه إنَّما اختيرت هنا؛ لأنَّ الغرق أعظمُ من إدراك فرعون وجنوده؛ لما أنَّ ذاك مظنَّةُ السلامة، ولا ينافي ذلك أنَّهم إنَّما ذكروا أولاً ما يدلُّ على خوفهم منه حيث قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ولذا سُورِع في إزاحته بتقديم نفيه، كما يظهر بالتأمُّل. ◌ِفَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.﴾ أي: تبعهم ومعه جنودُه، على أنَّ: أتبع بمعنى تبع، وهو متعدٍّ إلى واحد، والباء للمصاحبة، والجارُّ والمجرور في موضع الحال، ويؤيِّد ذلك أنَّه قرأ الحسن وأبو عمرو في روايةٍ: ((فاتَّبعهم)) بتشديد التاء(١). وقرئ أيضاً: ((فأتبعهم فرعون وجنوده))(٢). وقيل: أتبع متعدٍّ إلى اثنين هنا كما في قوله تعالى: ﴿وَأَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُ﴾(٣) [الطور: ٢١]، والثاني مقدَّرٌ، أي: فأتبعهم رؤساءَ دولته، أو عقابه. وقيل: نفسَه، والجارُّ والمجرور في موضع الحال أيضاً. وعن الأزهريِّ أنَّ المفعولَ الثاني ((جنوده))، والباء سيف خطيب، أي: أتبعهم فرعونُ جنودَه، وساقهم خلفهم، فكان معهم يحثّهم على اللحوق بهم. وجُوِّزَ أنْ يكون المفعولُ الثاني ((جنوده))، والباء للتعدية، فيكون قد تعدَّی الفعل إلى واحدٍ بنفسه وإلى الآخر بالحرف. وأيّاً ما كان، فالفاء فصيحةٌ معرِبةٌ عن مضمرٍ قد طُوي ذكرُه ثقةً بغاية ظهوره، وإيذاناً بكمال مسارعة موسى عليه السلام إلى الامتثال بالأمر، أي: ففعل ما أُمر به من الإسراء بعبادي، وضرب الطريق لهم، فأتبعهم فرعونُ بجنوده. وزعم بعضُهم أنَّ الإيحاء بالضرب كان بعد أَنْ أتبعهم فرعونُ وتراءى الجمعان. والظاهر الأوَّل. روي أنَّ موسى عليه السلام خرجَ بهم أوَّل الليل يريدُ القُلْزُم، وكانوا قد (١) البحر المحيط ٦/ ٢٦٤، وقراءة أبي عمرو المشهورة عنه كقراءة الجمهور. (٢) البحر المحيط ٢٦٤/٦، وتفسير الرازي ٩٣/٢٢. (٣) هي قراءة أبي عمرو. انظر التيسير ص ٢٠٣، وستأتي في موضعها. سُؤَلاَ ٤٠٤ الآية : ٧٨ استعاروا من قوم فرعونَ الحليَّ والدوابَّ لعيدٍ يخرجونَ إليه، وكانوا ستمئة ألفٍ وثلاثة آلاف ونيِّفاً، ليس فيهم ابنُ ستين ولا عشرين، وفي روايةٍ أنهم خرجوا وهم ستمئة ألف وسبعون ألفاً(١) وأخرجُوا معهم جسدَ يوسف عليه السلام؛ لأنَّه كان عَهِدَ إليهم ذلك، ودلَّتهم عجوزٌ على موضعه، فقال لها موسى عليه السلام: احتكمي، فقالت: أكونُ معك في الجنة، فاتصل الخبر بفرعون، فجمعَ جنوده وخرج بهم، وكان في خيله سبعون ألف أدهم، وكانت مقدِّمتُه فيما يُحكى سبعمئة ألف فارس. وقيل: ألف ألف وخمسمئة ألف، فقَصَّ أثرهم حتى تراءى الجمعان، فعظم فزع بني إسرائيل، فضرب عليه السلام بعصاه البحرَ فانفلق اثني عشر فرقاً، كلُّ فرقٍ كالطّود العظيم، فدخلوا، ووصل فرعون وجنوده إلى المدخل، فرأوا البحر منفلقاً، فاستعظموا الأمر، فقال فرعون لهم: إنَّما انفلقَ من هيبتي، فدخل على فرس حصان، وبين يديه جبريلُ عليه السلام على فرس حجر، وصاحت الملائكة عليهم السلام، وكانوا ثلاثة وثلاثين ملكاً: أن ادخلوا، فدخلوا حتى إذا استكملوا دخولاً خرج موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين، ولم يخرج أحدٌ من فرعون وجنوده. ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ أي: علاهم منه وغمرهم ما غمرَهم من الأمر الهائل الذي لا یقادر قدره، ولا یبلغ کنھه . وقيل: غشيهم ما سمعتَ قصتَه. وليس بذاك، فإنَّ مدارَ التهويل والتفخيم خروجُه عن حدود الفهم والوصف، لا سَماع القصة. والظاهر أنَّ ضميري الجمع لفرعون وجنوده. وقيل: لجنوده فقط؛ للقرب، ولأنَّه أُلقيَ بالساحل، ولم يتغظّ بالبحر، كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِيْكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]. وفيه أنَّ الإنجاء بعد ما غشيَه ما غشيَ جنوده، وشكَّ بنو إسرائیل في هلاكه، والقربُ ليس بداعٍ قوي. وقيل: الضميرُ الأوَّل لفرعون وجنوده، والثاني لموسى عليه السلام وقومه، (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: لا يخفى أن هذه المبالغات مما لم يثبت فيها خبر صحیح. اهـ منه. الآية : ٧٩ ٤٠٥ سوباطنة وفي الكلام حذفٌ، أي: فنجا موسى عليه السلام وقومه، وغرق فرعون وجنوده. انتھی. ولیس بشيءٍ کما لا يخفى. وقرأت فرقةٌ منهم الأعمش: ((فغشًّاهم من اليمِّ ما غشَّاهم))(١)، أي: غطّاهم ما غطّاهم، فالفاعل ((ما)) أيضاً، وترك المفعول زيادة في الإبهام. وقيل: المفعول ((من اليمِ))، أي: بعض اليم، ويجوزُ أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى شأنه، و((ما)) مفعول. وقيل: هو ضمير ((فرعون))، والإسناد مجازيٌّ؛ لأنَّه الذي وَرَّطهم للهلكة. ويبعدُه الإظهار في قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أي: سلك بهم مسلكاً أدَّاهم إلى الخسران في الدين والدنيا معاً، حيث أُغرقوا فأدخِلوا ناراً. ﴿َوَمَا هَدَى ﴾ أي: وما أرشدَهم إلى طريقٍ موصلٍ إلى مطلبٍ من المطالب الدينيّة والدنيويّة، والمراد بذلك التهكُّم به، كما ذكر غيرُ واحد. واعترض بأنَّ التهكمَ أنْ يُؤْتَى بما قُصد به ضدُّه استعارةً ونحوها، نحو: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] إذا كان الغرضُ الوصف بضدٍّ هذين الوصفين، وكونه لم يهدِ إخبارٌ عمَّا هو كذلك في الواقع. وأجيبَ بأنَّ الأمر كذلك، ولكن العرف في مثل: ما هدى زيدٌ عَمراً، ثبوت كون زيدٍ عالماً بطريق الهداية مهتدياً في نفسه، ولكنَّه لم يهدِ عَمراً، وفرعون أضلُّ الضَّالين(٢) في نفسه، فكيف يتوهّم أنَّه يهدي غيره، ويحقِّق ذلك أنَّ الجملةَ الأولى كافيةٌ في الإخبار عن عدم هدايته إيَّاهم، بل مع زيادة إضلاله إيَّهم، فإنَّ من لا يَهدي قد لا يُضِلُّ، وإذا تحقَّقَ إغناؤها في الإخبار على أتمٍّ وجهٍ تعيَّن كونُ الثانية بمعنی سواه، وهو التھگم. وقال العلامة الطيبي: توضيحُ معنى التهكّم أنَّ قوله تعالى: ((وما هدى)) من باب التلميح، وهو إشارةٌ إلى ادِّعاء اللعين إرشادَ القوم في قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، فهو كمن ادَّعى دعوى وبالغَ فيها، فإذا حانَ وقتُها ولم يأتِ بها، قيل له: لم تأتٍ(٣) بما اذَّعيت! تهكُّماً واستهزاءً. انتهى. (١) القراءات الشاذة ص ٨٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٦٤. (٢) في الأصل: الظالمين. (٣) في حاشية الخفاجي ٢١٩/٦: لم لم تأت ... ٤٠٦ الآية : ٨٠ ويعلم ممَّا ذُكر المغايرةُ بين الجملتين، وأنه لا تکریر. وقيل: المراد: وما هداهم في وقتٍ ما، ويحصلُ بذلك المغايرة؛ لأنَّه لا دلالة في الجملة الأولى على هذا العموم، والأول أولى. وقيل: ((هدى)) بمعنی اهتدى، أي: أضلَّهم وما اهتدى في نفسه، وفيه بعد. وحَمل بعضُهم الإضلال والهداية على ما يختصُّ بالدينيِّ منهما. ويأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيويِّ. وجعلهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاء منه ممَّا لا يقبله الطبعُ المستقيم. واحتجَّ القاضي بالآية على أنَّه تعالى ليس خالقاً للكفر؛ لأنَّه تعالى شأنُه قد ذَّ فيها فرعون بإضلاله، ومن ذمَّ أحداً بشيءٍ يُذَمُّ إذا فعله. وأجيبَ بمنع اطّراد ذلك. ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ حكايةٌ لما خاطبهم تعالى به بعد إغراق عدوِّهم وإنجائهم منه، لكن لا عقيبَ ذلك، بل بعد ما أفاضَ عليهم من فنون النعم الدينيّة والدنيويَّة ما أفاض. وقيل: إنشاءُ خطابٍ للذين كانوا منهم في عهد النبيِّ وَّهِ، على معنى أنَّه تعالى قد منَّ عليهم بما فعل بآبائهم أصالةً، وبهم تبعاً . وتُعقّب بأنَّه يردُّه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ [طه: ٨٣] إلخ ضرورة استحالة حمله على الإنشاء، وكذا السباق، فالوجهُ هو الحكاية بتقدير ((قلنا)) عطفاً على ((أوحينا))، أي: وقلنا يا بني إسرائيل ﴿قَدْ أَنَّنَكُم مِّنْ عَدُوِلُمْ﴾ فرعون وقومه، حیث كانوا يسومونكم سوءَ العذاب، يذبِّحونَ أبناءكم ويستحيون نساءكم. وقرأ حميد: ((نجَّيناكم)) بتشديد الجيم من غير همزةٍ قبلها، وبنون العظمة (١). وقرأ حمزةٌ والكسائيُّ (٢) والأعمش وطلحة: ((أنجيتكم)) بتاء الضمير(٣). (١) البحر المحيط ٢٦٥/٦. (٢) التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٦٥. الآية : ٨٠ ٤٠٧ ﴿وَ عََّكُمْ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ﴾ بالنصب على أنَّه صفةُ المضاف. وقرئ بالجرِّ(١)، وخرَّجه الزمخشريُّ على الجوار، نحو: هذا جُحْرُ ضبِّ خَرِبٍ(٢). وتعقّبه أبو حيان بأنَّ الجرَّ المذكور من الشذوذ والقلَّة بحيث ينبغي أنْ لا تُخرَّج القراءةُ عليه، وقال: الصحيحُ أنَّه نعتٌ للطور؛ لما فيه من اليمن، وإمَّا لكونه عن يمين من يستقبل الجبل(٣). اهـ. والحقُّ أنَّ القلَّة لم تصل إلى حدٍّ منع تخريج القراءة - لا سيما إذا كانت شاذّةً - على ذلك، وتوافق القراءتين يقتضيه. وقوله: وإمّا لكونه ... إلخ، غيرُ صحيح على تقدير أنْ يكون الطورُ هو الجبل، ولو قال: وإمَّا لكونه عن يمين من انطلق من مصر إلى الشام لكان صحيحاً . ونصب ((جانبَ)) على الظرفيَّة، بناءً على ما نقل الخفاجيُّ(٤) عن الراغب وابن مالك في ((شرح التسهيل)) من أنَّ سُمِع نصبُ ((جنب)) وما بمعناه على الظرفيَّة. ومَنع بعضهم ذلك لأنَّه محدودٌ، وجعله منصوباً على أنَّه مفعول: واعدنا، على الاتِّساع، أو بتقدير مضاف، أي: إتيانَ جانب .. إلخ، وإلى هذا ذهبَ أبو البقاء(٥). وإذا كان ظرفاً فالمفعول مقدَّرٌ، أي: وواعدناكم بواسطة نبيِّكم في ذلك الجانب إتيانَ موسى عليه السلام للمناجاة، وإنزالَ التوراة عليه. ونسبةُ المواعدة إليهم مع كونها لموسى عليه السلام نظراً إلى ملابستها إيَّاهم، وسرايةٍ منفعتها إليهم، فكأنَّهم كلَّهم مواعدون، فالمجاز في النسبة، وفي ذلك من إيفاء مقام الامتنان حقَّه ما فيه. وقرأ حمزة والمذكورون معه آنفاً: ((وواعدتكم)) بتاء الضمير أيضاً (٦). وقرئ: (ووعدناكم)) من الوعد(٧). (١) القراءات الشاذة ص ٨٩، ونسبها لأحمد عن أبي عمرو، ثم قال: والنصب أحبُّ إليّ. (٢) الكشاف ٢/ ٥٤٧ . (٣) البحر المحيط ٢٦٥/٦. (٤) في حاشيته ٢٦٥/٦. (٥) الإملاء ١٢٥/٢. (٦) التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. (٧) هي قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي جعفر. انظر التيسير ص ٧٣، والنشر ٢١٢/٢. الآية : ٨١ ٤٠٨ الترنجبين والسُّمَانَى، حيث كان ينزلُ علیھم ١٨٠ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ أَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى المنُّ وهم في التَّيْهِ مثلُ الثلج من الفجر إلى الطلوع، لكلِّ إنسانٍ صاع، ويَبعث الجنوبُ عليهم السُّمَانى، فيأخذُ الواحد منهم ما يكفيه. ﴿ُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ أي: من لذائذه أو حلالاته، على أنَّ المراد بالطيب ما يستطيبُه الطبعُ أو الشرع، وجُوِّز أن يُراد بالطيبات ما جَمعت وصفي اللذَّةِ والحِلّ. والجملة مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان إباحة ما ذُكر لهم، وإتماماً للنعمة عليهم. وقرأ من ذكر آنفاً: ((رزقتكم))(١) . وقَدَّم سبحانه نعمةَ الإنجاء من العدوِّ؛ لأنَّها من باب درء المضارِّ، وهو أهمّ من جلب المنافع، ومن ذاق مرارةَ كيد الأعداء - خذلهم الله تعالى - ثمَّ أنجاه الله تعالى(٢)، وجعلَ كيدهُم في نحورهم = علم قدرَ هذه النعمة، نسأل الله تعالى أن يُثُمَّ نعمَه علينا، وأنْ لا يجعل لعدوٍّ سبيلاً إلينا. وثنَّى جلَّ وعلا بالنعمة الدينية، لأنَّها الأنْفُ في وجه المنافع، وأخَّر عزَّ وجلَّ النعمةَ الدنيويَّة؛ لكونها دون ذلك، فتّاً لمن يبيع الدین بالدنيا . وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، وتعدِّي حدود الله تعالى فيه بالسرف والبطر، والاستعانة به على معاصي الله تعالى، ومنع الحقوق الواجبة فیه. وقال ابن عباس ﴿يا: أي: لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه بغير حقّ. وقيل: أي: لا تدَّخروا. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿﴾: ((ولا تطغُوا)) بضمِ الغين(٣). ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَى﴾ جوابٌ للنھي، أي: فيلزمكم غضبي، ویجب لكم، مِن حَلَّ الدَّينِ يَحِلُّ - بكسر الحاء - إذا وجب أداؤه، وأصله من الحلول، وهو في الأجسام، ثمّ استعير لغيرها وشاع حتى صارت حقيقةً فيه. (١) التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. (٢) قوله: ثم أنجاه الله تعالى. ليس في الأصل. (٣) البحر ٢٦٥/٦. الآية : ٨١ ٤٠٩ سُورَةً طَّة ﴿﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى ﴾﴾ أي: هلك، وأصله الوقوع من علوّ، كالجبل، ثم استعمل في الهلاك للزومه له. وقيل: أي: وقعَ في الهاوية، وإليه ذهب الزَّجَّاج(١). وفي بعض الآثار أنَّ في جهنّم قصراً يُرمَى الكافرُ من أعلاه، فيهوي في جهنّم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله تعالى: ((فقد هوى))، فيكون بمعناه الأصليّ، إذا أريدَ به فردٌ مخصوصٌ منه، لا بخصوصه. وقرأ الكسائيُّ: ((فيحُلَّ) بضمِّ الحاء، ((ومن يحلُل)) بضمِّ اللام الأولى(٢). وهي قراءةُ قتادة وأبي حيوة والأعمش وطلحة، ووافق ابن عتبة في ((يحلُل)) فضمّ. وفي ((الإقناع)) لأبي عليّ الأهوازيّ: قرأ ابن غزوان عن طلحة: ((لا يحِلَّنَّ عليكم)) بنونٍ مشددة وفتح اللام وكسر الحاء، وهو من باب لا أرينَّكَ هنا. وفي كتاب ((اللوامح): قرأ قتادة وعبد الله بن مسلم بن يسار وابن وثَّاب والأعمش: ((فُيُحِلَّ» بضمِّ الياء وكسر الحاء، من الإحلال، ففاعله(٣) ضميرُ الطغيان، و((غضبي)) مفعوله، وجُوِّزَ أنْ يكون هو الفاعل، والمفعول محذوف، أي: العذاب أو نحوه(٤). ومعنى (يَحُلّ)) مضموم الحاء: ينزل، من حلَّ بالبلد إذا نزل، كما في «الكشاف)»(٥). . وفي «المصباح)): حلَّ العذابُ يحِلُّ ويَحُلُّ، هذه وحدها بالكسر والضم، والباقي بالكسر فقط (٦). والغضبُ في البشر ثورانُ دم القلب عند إرادة الانتقام، وفي الحديث: «اتَّقوا الغضب، فإنَّه جمرةٌ توقد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة (١) في معاني القرآن له ٣/ ٣٧٠. (٢) التيسير ص ١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. (٣) في الأصل: وفاعله. (٤) البحر المحيط ٢٦٥/٦. والقراءات المذكورة مع ما يتعلق بها جميعها منه. (٥) ٥٤٨/٢. (٦) المصباح المنير (حلل). سُوَلاَ طَّة ٤١٠ الآية : ٨٢ عينيه))(١). وإذا وُصف الله تعالى به لم يُرَد هذا المعنى قطعاً، وأريد معنى لائقٌ بشأنه عزَّ شأنه، وقد يراد به الانتقام والعقوبة، أو إرادتهما، نعوذُ بالله تعالى من ذلك. ووصفُ ذلك بالحلول حقيقةٌ على بعض الاحتمالات ومجازٌ على بعضٍ آخر. وفي ((الانتصاف)) أنَّ وصفَه بالحلول لا يتأتَّى على تقدير أنْ يراد به إرادة العقوبة، ويكون ذلك بمنزلة قوله وَل﴾: ((ينزلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا))(٢). على التأويل المعروف، أو (٣) عبّر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيراً عن الأثر بالمؤثّر، كما يقول الناظر إلى عجيب من مخلوقات الله تعالى: انظر إلى قدرة الله تعالى، يعني أثر القدرة، لا نفسها(٤). ﴿وَإِّي لَغَفَّارٌ﴾ كثيرُ المغفرة ﴿لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك، على ما روي عن ابن عباس. وقيل: منه، ومن المعاصي التي من جملتها الطغيان فيما رزق(٥). ﴿وَءَامَنَ﴾ بما يجبُ الإيمان به. واقتصر ابن عباس ﴿مّ فيما يروى عنه على ذكر الإيمان بالله تعالى، ولعلَّه من باب الاقتصار على الأشرف، وإلَّ فالأفيدُ إرادةُ العموم مع ذكر التوبة من الشرك. ﴿وَعَمِلَ صَِحًا﴾ أي: عملاً مستقيماً عند الشرع، وهو بحسب الظاهر شاملٌ للفرض والسنة، وعن ابن عباس ها تفسير ذلك بأداء الفرائض. أُهْتَدَى ﴾﴾ أي: لزم الهدى واستقامَ عليه إلى الموافاة، وهو مرويٌّ عن الحبر. والهدى يحتمل أن يراد به الإيمان، وقد صرَّح سبحانه بمدح المستقيمين على ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]. (١) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه الطويل، أخرجه الترمذيُّ في سننه (٢١٩١)، وأحمد (١١١٤٣). وحسنه الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة ص ١٧٠ . (٢) سلف ٣٢٦/١. (٣) في الأصل: و. (٤) الانتصاف ٥٤٨/٢ . (٥) في تفسير أبي السعود ٣٣/٦ - والكلام منه -: فيما ذكر. الآية : ٨٢ ٤١١ وقال الزمخشريُّ: الاهتداءُ هو الاستقامةُ والثباتُ على الهدى المذكور، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح(١). وأيّاً ما كان، فكلمةُ (ثمَّ)) إمَّا للتراخي باعتبار الانتهاء، لبُعده عن أول الانتهاء، أو للدلالة على بُعْدِ ما بين المرتبتين، فإنَّ المداومةَ أعلى وأعظم من الشروع، كما قيل: لكلِّ إلى شأوِ العلى وَثَبَاتُ(٢) ولكن قليلٌ في الرجالِ ثباتُ(٣) وقيل: المراد ثمَّ عمل بالسنة. وأخرج سعيد بن منصور عن الحبر أنَّ المرادَ من ((اهتدى)): علم أنَّ لعمله(٤) ثواباً يُجزى عليه(٥). ورويَ عنه غيرُ ذلك. وقيل: المراد: طهّر قلبه من الأخلاق الذميمة، كالعجب والحسد والكِبْر وغيرها . وقال ابن عطية: الذي يقوى في معنى ((ثمَّ اهتدى)) أنْ يكون: ثمَّ حفظ معتقداته من أن تخالف الحقَّ في شيءٍ من الأشياء، فإنَّ الاهتداء على هذا الوجه غيرُ الإيمان وغير العمل(٦). انتهى. ولا يخفى عليك أنَّ هذا يرجعُ إلى قولنا: ثمَّ استقامَ على الإيمان بما يجبُ الإيمان به على الوجه الصحيح. (١) الكشاف ٥٤٨/٢ . (٢) جاء فوقها في الأصل: نسخة: حركات. اهـ. وكذا جاء في حاشية الخفاجي ٢١٩/٦، ويتيمة الدهر ١٣٦/٥. (٣) هو لأبي القاسم عبد الواحد بن محمد بن علي بن الحريش الأصبهاني. كما في يتيمة الدهر ١٣٦/٥، وفيه: عزيز، بدل: قليل. (٤) في الأصل: لعلمه. (٥) الدر المنثور ٣٠٤/٤. (٦) المحرر الوجيز ٤ / ٥٧. ٤١٢ الآية : ٨٣ ورَوى الإماميَّةُ من عدة طرق عن أبي جعفر الباقر ﴿بُ أنَّه قال: ثمَّ اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت، فوالله لو أنَّ رجلاً عبد الله تعالى عمرَه بين الركن والمقام، ثمَّ مات ولم يجىء بولايتنا، لأكبَّه الله تعالى في النار على وجهه . وأنت تعلم أنَّ ولا یتھم وحبّهم څُ ممَّا لا كلام عندنا في وجوبه، لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك، مع كونها حكايةً لما خاطبَ الله تعالى به بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ممَّا يستدعي القول بأنَّه عزَّ وجلَّ أعلَم بني إسرائيل بأهل البيت، وأوجبَ عليهم ولايتهم إذ ذاك، ولم يثبت ذلك في صحيح الأخبار. نعم رَوى الإماميَّة من خبر جارود بن المنذر العبديِّ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال له: (يا جارود، ليلة أسري بي إلى السماء أوحَى الله عزَّ وجلَّ إليَّ؛ أن سل من أرسلنا قبلَك من رسلنا: علامَ بُعثوا؟ قلت: علامَ بُعثوا؟ قال: على نبوَّتك وولاية عليٍّ بن أبي طالب والأئمة منكما، ثمَّ عرَّفني الله تعالى بهم وبأسمائهم)) ثمَّ ذكر وَله أسماءهم واحداً بعد واحد إلى المهدي. وهو خبرٌ طويلٌ يتفجَّرُ الكذبُ منه، ولهم أخبارٌ في هذا المطلب كلُّها من هذا القبيل، فلا فائدةَ في ذكرها إلَّا التطويل. والآية تدلُّ على تحقّق المغفرةِ لمن انَّصف بمجموع الصفات المذكورة، وقصارى ما يفهم منها عند القائلين بالمفهوم عدمُ تحقُّقها لمن لم يتَّصف بالمجموع، وعدمُ التحقُّق أعمُّ من تحقُّق العدم، فالآية بمعزلٍ عن أن تكون دليلاً للمعتزليِّ على تحقّق عدم المغفرة لمرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة، فافهم. واحتجَّ بها من قال: تجبُ التوبة عن الكفر أوَّلاً، ثمَّ الإتيانُ بالإيمان ثانياً، لأنَّه قدَّم فيها التوبة على الإيمان. واحتجَّ بها أيضاً من قال بعدم دخول العمل الصالح في الإيمان؛ للعطف المقتضِي للمغايرة. حکایةٌ لما جری بینه تعالی وبین موسی ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَنْمُوسَى AP عليه السلام من الكلام عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعَدة المذكورة سابقاً (١)، أي: وقلنا له: أيُّ شيءٍ عَجَّل بك عن قومك؛ فتقدَّمت عليهم. والمراد (١) قوله: سابقاً، ليس في الأصل. الآية : ٨٤ ٤١٣ بهم هنا عند كثير - ومنهم الزمخشريُ(١) - النقباء السبعون، والمراد بالتعجيل تقدُّمه عليهم، لا الإتيان قبل تمام الميعاد المضروب، خلافاً لبعضهم، والاستفهام للإنكار، ويتضمَّن - كما في ((الكشف)) - إنكارَ السبب الحامل لوجود مانع في البين؛ وهو إيهام إغفال القوم وعدم الاعتداد بهم، مع كونه عليه السلام مأموراً باستصحابهم وإحضارهم معه، وإنكارَ أصل الفعل؛ لأنَّ العجلة نقيصةٌ في نفسها، فكيف من أولي العزم اللائق بهم مزيدُ الحزم. متضمِّنٌ لبيان ٨٤ وقوله تعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى اعتذاره عليه السلام، وحاصلُه: عرض الخطأ في الاجتهاد، كأنَّه عليه السلام قال: إِنَّهم لم يبعدوا عني، وإنَّ تقدُّمي عليهم بخطاً يسيرة، وظنِّي أنَّ مثل ذلك لا يُنكر، وقد حملني عليه استدامةُ رضاك، أو حصولُ زيادته، وظنِّي أنَّ مثل هذا الحامل يصلحُ للحمل على مثل ما ذُكر، ولم يخطر لي أنَّ هناك مانعاً لينكر عليَّ. ونحو هذا الإسراعُ المزيلُ للخشوع إلى إدراك الإمام في الركوع طلباً لأنْ يكونَ أداءُ هذا الركن مع الجماعة التي فيها رضا الربِّ تعالى، فإنَّهم قالوا: إنَّ ذلك غير مشروع. وقدَّم عليه السلام الاعتذارَ عن إنكار أصل الفعل؛ لأنَّه أهمُّ. وقال بعضهم: إنَّ الاستفهام سؤالٌ عن سبب العجلة يتضمَّن إنكارها؛ لأنَّها في نفسها نقيصةٌ انضمَّ إليها الإغفال وإيهام التعظيم (٢)، فأجاب عليه السلام عن السبب بأنَّه استدامةُ الرضا، أو حصولُ زيادته، وعن الإنكار بما محصَّلُه أنَّهم لم يبعدوا عنّي، وظننتُ أنَّ التقدَّم اليسير - لكونه معتاداً بين الناس - لا ينكر، ولا يعدُّ نقيصةً. وعلل تقديم هذا الجواب بما مرَّ. واعترض بأنَّ مساق كلامه بظاهره يدلُّ على أنَّ السؤال عن السبب على حقيقته، وأنت خبيرٌ بأنَّ حقيقةَ الاستفهام محالٌ على الله تعالى، فلا وجه لبناء الكلام عليه . (١) الكشاف ٥٤٨/٢ . (٢) أي: إغفال القوم الذين كانوا معه، والتعظم عليهم. انظر تفسير البيضاوي ٢٨/٤. ٤١٤ الآية : ٨٤ وأجيبَ بأنَّ السؤال من علَّام الغيوب محالٌ، إن كان لاستدعاء المعرفة، أمَّا إذا كان لتعريف غيره، أو لتبكيته، أو تنبيهه، فليس محالاً . وتُعقّب بأنَّه لا يَحسنُ هنا أن يكون السؤالُ لأحد المذكورات، والمتبادر أن یکون للإنكار. وفي ((الانتصاف)): أنَّ المراد من سؤال موسى عليه السلام عن سبب العجلة، وهو سبحانه أعلم = أن يعلِّمَه أدبَ السفر؛ وهو أنَّه ينبغي تأخّر رئيس القوم عنهم؛ ليكونَ بصرُه بهم(١) ومهيمناً عليهم، وهذا المعنى لا يحصلُ مع التقدُّم، ألا ترى كيف عَلَّم الله تعالى هذا الأدبّ لوطاً، فقال سبحانه: ﴿وَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] فأمَرِه عزَّ وجلَّ أنْ يكون آخرهم، وموسى عليه السلام إنَّما أغفلَ هذا الأمر مبادرةً إلى رضا الله تعالى، ومسارعةً إلى الميعاد، وذلك شأنُ الموعود بما يسرُّه، يودُّ لو ركب [إليه] أجنحةَ الطير، ولا أسرَّ من مواعدة الله تعالى له عليه الصلاة والسلام. (٢) انتھی(٢). وأنت تعلم أنَّ السؤال عن السبب ما لم يكن المراد منه إنكار المسبّب لا يتسنَّى هذا التعليم. وقال بعضهم: الذي يلوحُ بالبال أنْ يكون المعنى: أيُّ شيءٍ أعجلَك منفرداً عن قومك؟ والإنكارُ بالذات للانفراد عنهم، فهو منصبٌّ على القيد، كما عرف في أمثاله، وإنكار العجلة ليس إلَّا لكونها وسيلةً له، فاعتذرَ موسى عليه السلام عنه بأنِّي أخطأت في الاجتهاد، وحسبتُ أنَّ القدر اليسير من التقدُّم لا يخلُّ بالمعيَّة، ولا يعدُّ انفراداً، ولا يَقدحُ بالاستصحاب، والحاملُ عليه طلبُ استدامة مرضاتك بالمبادرة إلى امتثال أمرك، فالجواب هو قوله: ((هم أولاء على أثري))، وقوله: «وعجلت إليك رب لترضى)، كالتتميم له. اهـ. وهو عندي لا يخلو عن حسن. (١) في الانتصاف: ليكون نظره محيطاً بطائفته ونافذاً فيهم. (٢) الانتصاف ٥٤٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. الآية : ٨٤ ٤١٥ سُورَلَ طفة وقيل: إنَّ السؤالَ عن السبب، والجواب إنَّما هو قوله: ((وعجلت)) إلخ، وما قبله تمهيدٌ له. وفيه نظر. وعلى هذا وما قبله لم يكن جوابُ موسى عليه السلام عن أمرين ليجيء سؤالُ الترتيب، فيجابَ بما مرَّ، أو بما ذكره الزمخشريُّ من أنَّه عليه السلام حارَ لمَا ورد عليه من التهيُّب لعتاب الله عزَّ وجلَّ، فأذهلَه ذلك عن الجواب المنطبق المترتّب على حدود الكلام(١)، لكن قال في ((البحر)): إنَّ في هذا الجواب إساءة الأدب مع الأنبياء عليهم السلام(٢). وهذا(٣) شأنُ الزمخشريِّ معهم صلى الله تعالى وسلم عليهم. والمراد من ((إليك)): إلى مكان وعدك، فلا يصلحُ دليلاً للمجسِّمة على إثبات مكانٍ له عزَّ وجلَّ. ونداؤه تعالى بعنوان الربوبيَّة؛ لمزيد الضراعة والابتهال، رغبةً في قَبول العذر. و ((أولاء)) اسمُ إشارةٍ - كما هو المشهور - مرفوعُ المحلِّ على الخبرية لـ ((هم))، و((على أثري)) خبرٌ بعد خبر، أو حال، كما قال أبو حيان(٤). وجوز الطبرسيُّ كون ((أولاء)) بدلاً من ((هم))، و((على أثري)) هو الخبر(٥). وقال أبو البقاء: ((أولاء)) اسمٌ موصول، و((على أثري)) صلته (٦)، وهو مذهبٌ كوفيّ. وقرأ الحسنُ وابن معاذ عن أبيه: ((أولائٍ)) بياءٍ مكسورة (٧). وابن وثاب وعيسى في رواية: ((أولا)) بالقصر. وقرأت فرقة: ((أولايَ)) بياء مفتوحة(٨). وقرأ عيسى (١) الكشاف ٥٤٩/٢ . (٢) البحر ٢٦٧/٦. (٣) في (م): وذلك. (٤) في البحر ٢٦٧/٦. (٥) مجمع البيان ١٢٧/١٦. (٦) إملاء ما من به الرحمن ١٢٥/٢ . (٧) القراءات الشاذة ص ٨٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٦٧. (٨) البحر المحيط ٢٦٧/٦. ٤١٦ الآية : ٨٥ ويعقوب وعبد الوارث عن أبي عمرو وزيدُ بن علي ◌ّبًا: ((على إثْري)) بكسر الهمزة وسكون الثاء(١). وحكى الكسائيُّ: ((أُثْرِي)) بضم الهمزة وسكون الثاء(٢)، وتروى عن عيسى(٣). وفي ((الكشاف)»(٤) أنَّ (الأَثَرِ)) بفتحتين أفصحُ من ((الإِثْر) بكسرٍ فسكون، وأمَّا الأَثْر (٥) فمسموٌ في فِرِند السيف، مدوَّنٌ في الأصول، يقال: أَثْر السيف وإثره، وهو بمعنى الأثر غريب. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه السلام، وهو السُّ في وروده على صيغة الغائب، لا أنَّه التفاتٌ من التكلُّم إلى الغيبة؛ لما أنَّ المقدَّر فيما سبق على صيغة التكلّم، كأنَّ قيل من جهة السامعين: فماذا قال له(٦) ربُّه تعالى حينئذٍ؟ فقيل: قال سبحانه: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ أي: اختبرناهم بما فعلَ السامريُّ أو: أوقعناهم في فتنة، أي: ميلٍ مع الشهوات، ووقوعٍ في اختلاف. ١٨٥ ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾ من بعد فراقك لهم، وذهابك من بينهم ﴿وَأَخَلَّهُمُ السَّامِىُّ حيث أخرجَ لهم عجلاً جسداً له خوار، ودعاهم إلى عبادته. وقيل: قال لهم بعد أنْ غاب موسى عليه السلام عنهم عشرينَ ليلةً: إنَّه قد كَمَلَت الأربعون - فجعل العشرين مع أيَّامها أربعينَ ليلة - وليس من موسى عينٌ ولا أثر، وليس إخلافه ميعادَكم إلَّا لما معكم من حلي القوم، وهو حرامٌ علیکم، فجمعوه، وكان من أمر العجل ما كان. والمراد بـ ((قومك)) هنا الذين خلَّفهم مع هارون عليه السلام، وكانوا - على ما قيل - ستمائة ألف، ما نجا منهم من عبادة العجل إلَّا اثنا عشر ألفاً، فالمراد بهم غير المراد بـ ((قومك)) فيما تقدَّم، ولذا لم يؤتَ بضميرهم. (١) البحر المحيط ٢٦٧/٦، وقراءة يعقوب - وهي من رواية رويس عنه - في النشر ٣٢١/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ٨٨-٨٩. (٣) البحر المحيط ٢٦٧/٦. (٤) ٢/ ٥٤٨ . (٥) بفتح فسكون، انظر تاج العروس (أثر). (٦) لفظة: له، ليست في الأصل. الآية : ٨٥ ٤١٧ وقيل: المراد بالقوم في الموضعين: المتخلِّفون(١)؛ لتعيُّن إرادتهم هنا، والمعرفة المعادةُ عينُ الأولى، ومعنى ((هم أولاء على أثري)»: هم بالقرب منِّي ينتظرونني. وتعقّبه في ((الكشف)» بأنَّه غيرُ ملائم للفظ الأثر، ولا هو مطابقٌ لتمهيد عُذر العَجَلة، ومن أين لصاحب هذا التأويل النقلُ بأنَّهم كانوا على القرب من الطور. وحديثُ المعرفة المعادة إنَّما هو إذا لم يَقُم دليلُ التغاير، وقد قام. على أنَّ لنا أن نقول: هي عينُ الأولى؛ لأنَّ المراد بالقوم الجنسُ في الموضعين، لكنَّ المقصودَ منه أولاً النقباء، وثانياً المتخلِّفون، ومثله كثير في القرآن. انتهى. وما ذكره من نفي النقل الدالِّ على القرب فيه مقالٌ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً من الأخبار ما يدلُّ بظاهره على القرب، إلَّا أنَّا لم(٢) نقف على تصحيحه أو تضعيفه. وما ذكر من تفسير ((هم أولاء على أثري)» على إرادة المتخلِّفين في الأوَّل أيضاً نقلَه الطبرسيُّ عن الحسن، ونُقل عنه أيضاً تفسيرُه بأنَّهم على ديني ومنهاجي، والأمر عليه أهون. والفاء لتعليل ما يُفهمه الكلامُ السابق، كأنَّه قيل: لا ينبغي عجلتُك عن قومك، وتقدُّمك عليهم، وإهمالُ أمرهم لوجهٍ من الوجوه، فإنَّهم لحداثة عهدهم باتِّباعك ومزید بلاهتھم وحماقتهم بمكانٍ یحیڤُ فیه مکرُ الشیطان، ویتمگَّن من إضلالهم، فإنَّ القومَ الذين خلَّفتهم مع أخيك قد فُتنوا وأضلّهم السامريُّ بخروجك من بينهم، فكيف تأمنُ على هؤلاء الذين أغفلتَهم وأهملتَ أمرهم. وفي (إرشاد العقل السليم)): إنَّها لترتيب الإخبار بما ذُكر من الابتلاء على إخبار موسى عليه السلام بعجلتِهِ، لكن لا لأنَّ الإخبار بها سببٌ موجبٌ للإخبار به، بل لما بينهما من المناسبة المصحِّحة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيثُ إِنَّ مدارَ الابتلاء المذكور عجلةُ القوم (٣). وليس بذاك. (١) في (م): المتخلفين، وهو خطأ . (٢) في (م): لا. (٣) تفسير أبي السعود ٣٤/٦. سُوَلاَّفة ٤١٨ الآية : ٨٥ وأمَّا قولُ الخفاجيّ: إنَّها للتعقيب من غير تعليل، أي: أقولُ لك عقبَ ما ذُكر: إنَّا قد فتنًّا. إلى آخره (١) = ففيه سهوٌ ظاهرٌ؛ لأنَّ هذا المعنى إنَّما يتسنَّى لو كانت الفاءُ داخلةً على القول، لكنَّها داخلةٌ على ما بعده، وظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ الفتنَ وإضلال السامريِّ إِيَّهم قد تحقَّقا ووقعا قبل الإخبار بهما، إذ صيغةُ الماضي ظاهرةٌ في ذلك. والظاهرُ أيضاً - على ما قرَّرنا - أنَّ الإخبار كان عند مجيئه عليه السلام للطور، لم يتقدَّمه إلَّا العتابُ والاعتذار. وفي الآثار ما يدلُّ على أنَّ وقوعَ ما ذُكر كان بعد عشرينَ ليلة من ذهابه عليه السلام لجانب الطور. وقيل: بعد ستٍّ وثلاثين يوماً. وحينئذٍ يكونُ التعبير عن ذلك بصيغة الماضي لاعتبار تحقُّقه في علم الله تعالى ومشيئته، أو لأنَّه قريبُ الوقوع مترقَّبه، أو لأنَّ السامريَّ كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدَّى لترتيب مباديها وتمهيد مبانيها، فَزَّل مباشرةَ الأسباب منزلةً الوقوع. والسامريُّ عند الأكثر - كما قال الزَّجَّاج - كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل، من قبيلةٍ تُعرف بالسَّامرة، وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريِّين(٢). وقيل: هو ابنُ خالة موسى عليه السلام. وقيل: ابن عمِّه. وقيل: كان عِلْجاً من كرمان. وقيل: كان من أهل باجَرْمى (٣)؛ قريةٍ قريبةٍ من مصر، أو قريةٍ من قرى موصل. وقيل: كان من القبط، وخرج مع موسى عليه السلام مُظهِراً الإيمان، وكان جاره. (١) حاشية الخفاجي ٦/ ٢٢٠. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٧١/٣. (٣) في الأصل: باجرمآء، وهي بالقصر، كما صرح به الشهاب في حاشيته ٢٢١/٦. وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٣١٣/١: بفتح الجيم، وسكون الراء، وألف مقصورة: قرية من أعمال البليخ، قرب الرقة من أرض الجزيرة. الآية : ٨٦ ٤١٩ وقيل: كان من عُبَّاد البقر، وقع في مصر، فدخل في بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه عبادةُ البقر(١). واسمه - قيل - موسى بن ظَفَر. وقيل: منجا. والأوَّل أشهر. وأخرج ابنُ جرير عن ابن عباس أنَّ أمَّه حين خافت أنْ يُذبح خلَّفته في غارٍ، وأطبقت عليه، فكان جبريلُ عليه السلام يأتيه فيغذُوه بأصابعه في واحدةٍ لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، ولم يزل يغذُوه حتى نشأ(٢). وعلى ذلك قول من قال: عقولُ مربِّيه وخابَ المؤمَّلُ إذا المرء لم يُخلق سعيداً تحيّرت وموسى الذي ربَّاهُ فرعونٌ مرسَلُ(٣) فموسى الذي ربَّاه جبريلُ كافرٌ وبالجملة كان عند الجمهور منافقاً يظهر الإيمان ويبطنُ الكفر. وقرأ معاذ: (أضلُّهم)) (٤) على أنَّه أفعل تفضيل، أي: أشدُّهم ضلالاً؛ لأنَّه ضالٌّ ومضل . ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ،﴾ عند رجوعه المعهود، أي: بعد ما استوفى الأربعينَ؛ ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وأخذ التوراة، لا عقيبَ الإخبار المذكور، فسببيَّة ما قبل الفاء لما بعدها إنَّما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله تعالى: ﴿غَضْبَنَ أَسِفَأْ﴾ لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلةً عليه حقيقةً، فإنَّ كونَ الرجوع بعد تمام الأربعين أمرٌ مقرَّرٌ مشهورٌ لا يُذْهِب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذکور، كما إذا قلت: شايعتُ الحُجَّاج ودعوت لهم بالسلامة، فرجعوا سالمين، فإنَّ أحداً لا يرتاب في أنَّ المراد رجوعُهم المعتاد، لا رجوعُهم إثر الدعاء، وأنَّ سبيّة الدعاء (١) هو من قول ابن عباس رؤثًا. وأخرجه عنه النسائي في الكبرى (١١٢٦٣) وهو حديث الفتون الطويل، وقد سلفت منه مقاطع. وقد ذكره ابن كثير في تفسيره ٢٨٥/٥-٢٩٣ ثم قال ... ممَّا أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. والله كأنه تلقَّاه ابنُ عباس شِـ أعلم (٢) تفسير الطبري ٦٦٩/١ . (٣) سلف ٤/ ٣٢٤. (٤) البحر المحيط ٦/ ٢٦٧. سُالطَّة ٤٢٠ الآية : ٨٦ باعتبار وصفِ السلامة، لا باعتبار نفسٍ الرجوع. كذا في ((إرشاد العقل السليم))(١). وهو ممَّا لا ينتطح فیه کبشان. والأَسِفُ: الحزين، كما روي عن ابن عباس، وكان حزنه عليه السلام من حيث إنَّ ما وقع فيه قومُه مما يترتَّب عليه العقوبة، ولا يدَ له بدفعها. وقال غير واحد: هو شديدُ الغضب. وقال الجبائيُّ: متلهِّفاً على ما فاته، متحيِّراً في أمر قومه، يخشى أن لا يمكنه تدارگه. وهذا معنى للأسف غیرُ مشهور. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا فعل بهم لما رجع إليهم؟ فقيل: قال: ﴿يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الهمزةُ لإنكار عدم الوعد ونفيه وتقرير وجوده على أبلغ وجهٍ وآكده، أي: وعدكم ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾ لاَ سبيلَ لكم إلى إنكاره. والمراد بذلك إعطاءُ التوراة التي فيها هدى ونور. وقيل: هو ما وعدَهم سبحانه من الوصول إلى جانب الطور الأيمن، وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض، والمغفرة لمن تاب وآمن، وغير ذلك مما وعدَ اللهُ تعالی أهل طاعته. وعن الحسن أنَّ الوعدَ الحسن الجنَّةُ التي وعدها من تمسَّك بدينه. وقيل: هو أن يُسمِعهم جلَّ وعلا كلامَه عزَّ شأنه. ولعلَّ الأوَّل أولى. ونصب ((وعداً)) يحتمل أن يكون على أنَّه مفعولٌ ثانٍ، وهو بمعنى الموعود، ويحتمل أن يكون على المصدريَّة، والمفعول الثاني محذوف. والفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ للعطف على مقدَّر، والهمزة لإنكار المعطوف ونَفيه فقط. وجُوِّزَ أن تكون الهمزةُ مقدَّمة من تأخيرٍ لصدارتها، والعطف على ((لم يعدكم))؛ لأنَّ بمعنى: قد وعدكم. واختارَ جمعٌ الأول. و((أل)) في ((العهد)) له، والمرادُ زمانُ الإنجاز. وقيل: زمانُ المفارقة، أي: أَوَعَدَكُم سبحانه ذلك فطال زمانُ الإنجاز أو زمان المفارقة للإتيان به ﴿أَمْ أَرَدُّمْ أَنْ (١) ٦/ ٣٥.