Indexed OCR Text

Pages 321-340

الآية : ٤٩
٣٢١
وفي الصحيحين: أنَّ رسول الله وَ له كتب إلى هرقل: ((من محمد رسول الله إلى
هرقلَ(١) عظيم الروم، سلامٌ على من اتّبع الهدى))(٢).
وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) والبيهقيُّ في ((الشعب)) عن قتادة قال:
التسليمُ على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من اتبع
(٣)
الھدی(٣).
ولا يخفى أنَّ الاستظهارَ المذكورَ غيرُ بعيد لو كان كلامُهما عليهما السلام قد
انقطع بهذا السلام، لكنَّه لم ينقطع به، بل قالا بعده: ((إنَّا قد أوحي إلينا)» إلخ،
وكأنَّ هذه الجملة على جميع التفاسير استئنافٌ للتعليل. وقد يستدلُّ به على صحّة
القول بالمفهوم، فتأمل.
والظاهرُ أنَّ كلتا الجملتين من جملة المقول الملقَّن. وزعم بعضهم أن المقول
الملقَّن قد تمَّ عند قوله تعالى: ((قد جئناك بآيةٍ من ربِّك)»، وما بعدُ كلامٌ من
قبلهما عليهما السلام أتيا به للوعد والوعيد.
واستدلَّ المرجئةُ بقوله سبحانه: ((إنَّا قد أوحيَ)) إلخ على أنَّ غير الكفرة
لا يعذَّبونَ أصلاً.
وأجيبَ بأنَّه إنَّما يتمُّ إذا كان تعريفُ العذاب للجنس أو الاستغراق، أمَّا إذا
كان للعهد، أي: العذابُ الناشىء عن شدَّة الغضب أو الدائم مثلاً، فلا، وكذا
إذا أُريد الجنسُ أو الاستغراق الادعائيّ مبالغةً، وجُعِل العذابُ المتناهي الذي
يعقبه السلامةُ الغيرُ المتناهية كلا عذاب، لم يلزم أنْ لا يعذّب المؤمنُ المقصِّر في
العمل أصلاً.
﴿قَالَ﴾ أي: فرعون بعد ما أتياه وبلَّغاه ما أُمِرا به، وإنَّما طوى ذكر ذلك
للإيجاز والإشعار بأنَّهما كما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من غير ريثٍ، وبأنَّ
ذلك من الظهور بحيثُ لا حاجةً إلى التصريح به.
(١) قوله: من محمد رسول الله إلى هرقل. ليس في الأصل.
(٢) قطعة من الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) عن أبي سفيان
(٣) مصنف عبد الرزاق (٩٨٤١)، وشعب الإيمان للبيهقي (٨٩٠٧).

الآية : ٤٩
٣٢٢
وجاء عن ابن عباس أنَّهما لما أُمِرا بإتيانه وقول ما ذُكر له جاءا جميعاً إلى
بابه، فأقاما حيناً لا يؤذنُ لهما، ثمَّ أُذِن لهما بعد حجابٍ شديد فدخلا، وكان
ما قصَّ الله تعالى.
وأخرج أحمد وغيره عن وهب بن منبه أنَّ الله تعالى لمَّا أمرَ موسى عليه
السلام بما أمر أقبلَ إلى فرعون في مدينة(١) قد جعل حولها الأُسْد في غيضةٍ قد
غرسها، والأُسْدُ فيها مع ساستها إذا أشلتها على أحدٍ أُكِل، وللمدينة أربعةُ أبواب
في الغيضة، فأقبل موسى عليه السلام من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلمَّا
رأتهُ الأسد صاحت صياحَ الثعالب، فأنكر ذلك السَّاسة، وفرِقوا من فرعون، فأقبل
حتى انتهى إلى الباب فقرعه بعصاه، وعليه جبَّةُ صوفٍ وسراويل، فلمَّا رآهُ البوَّابُ
عجبَ من جرأته، فتركه ولم يأذن له، فقال: هل تدري بابَ من أنت تضرب؟
إنَّما أنت تضربُ باب سيِّدك. قال: أنت وأنا وفرعون عبيدٌ لربي، فأنا ناصرُه،
فأخبر البوابُ الذي يليه من البوَّابين، حتَّى بلغ ذلك أدناهم، ودونه سبعون
حاجباً، كلُّ حاجبٍ منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله تعالى، حتى خلص
الخبرُ إلى فرعون، فقال: أدخلوه عليّ، فلمَّا أتاه قال له فرعون: أعرفك؟ قال:
نعم. قال: ألم نربِّك فينا وليداً، فردَّ إليه موسى عليه السلام الذي ردّ، قال
فرعون: خذوه، فبادرَ عليه السلام فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين، فحملت على
الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قَتَلَ بعضُهم بعضاً، وقام
فرعون منهزماً حتى دخل البيت، فقال: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه،
قال موسى: لم أؤمر بذلك إنَّما أمرتُ بمناجزتك، وإنْ أنت لم تخرج إليَّ دخلتُ
عليك، فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له: أنت اجعل
ذلك، فقال فرعون: اجعله إلى أربعين يوماً، ففعل، وكان لا يأتي الخلاء إلَّا في
كلِّ أربعين يوماً مرَّةً، فاختلفَ ذلك اليوم أربعين مرَّةً، وخرجَ موسى عليه السلام
من المدينة، فلمَّا مَرَّ بالأُسد خضعت له بأذنابها وسارت معه تشيِّعُه ولا تهيِّجه
ولا أحداً من بني إسرائيل(٢).
(١) في الأصل: المدينة.
(٢) الزهد للإمام أحمد ص ٨٣-٨٤، وسلفت أجزاء منه.

الآية : ٤٩
٣٢٣
الأطنة
والظاهر أنَّ هارون كان معه حين الإتيان، ولعلَّه إنَّما لم يُذكر في هذا الخبر
اكتفاءً بموسى عليه السلام.
وقيل: إنَّهما حين عرضا عليهما السلام على فرعون ما عرضا شاورَ آسية،
فقالت: ما ينبغي لأحدٍ أنْ يَرُدَّ ما دَعيا إليه، فشاور هامان - وكان لا يبتُّ أمراً دون
رأيه - فقال له: كنتُ أعتقد أنَّك ذو عقلٍ، تكونُ مالكاً فتصيرُ مملوكاً، وربّاً فتصيرُ
مربوباً؟! فامتنعَ من قبول ما عرض عليه موسى عليه السلام.
وظاهرُ هذا أنَّ المشاورةَ قبل المقاولة، ويحتمل أنَّها بعدها، والأولى في أمثال
هذه القصص الاكتفاء بما في المنزَّل وعدمُ الالتفاتِ إلى غيره، إلَّا أنْ يوثق
بصحته، أو لا يكون في المنزَّل ما يعكِّرُ عليه، كالخبر السابق، فإنَّ كون فرعون
جعل الأجل يعكّر عليه ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قول موسى عليه السلام حين
طلب منه فرعون أنْ يجعلَ موعداً: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِينَةِ﴾ [طه: ٥٩] والظاهر عدم تعدُّد
الحادثة .
والجملة استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا قال حين أتياه وقالا له ما قالا؟
فقيل: قال: ﴿فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾﴾ لم يُضف الربَّ إلى نفسه، ولو بطريق حكاية
ما في قوله تعالى: ((إنَّا رسولا ربِّك))، وقوله سبحانه: ((قد جئناك بآيةٍ من ربِّك))؛
لغاية عتوِّه، ونهاية طغيانه، بل أضافه إليهما، لما أنَّ المرسِل لا بدَّ أن يكون ربّاً
للرسول. وقيل: لأنَّهما قد صرَّحا بربوبيَّته تعالى للكلِّ بأن قالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ كما وقع في سورة الشعراء [الآية: ١٦]، والاقتصارُ هاهنا على ذكر ربوبيَّته
تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود.
والفاء لترتيب السؤال على ما سبق من كونهما رسولي ربِّهما، أي: إذا
كنتما رسولَي ربُّكما الذي أرسلكما، فأخبرا من ربُّكما الذي أرسلَكما؟
وتخصيصُ النداء بموسى عليه السلام، مع توجيه الخطاب إليهما لما ظهرَ له
من أنَّه الأصلُ في الرسالة، وهارون وزيره، ويحتملُ أنْ يكون للتعريض بأنَّه ربُّه،
كما قال: ألم نربِّك فينا وليداً.
قيل: وهذا أوفقُ بتلبيسه على الأسلوب الأحمق.

سُوَلاطفة
٣٢٤
الآية : ٥٠
وقيل: لأنَّه قد عرفَ أنَّ له عليه السلام رتَّة، فأراد أن يسكته.
وهو مبنيٌّ على ما عليه كثيرٌ من المفسِّرين من بقاء رتَّةٍ في لسانه عليه السلام في
الجملة. وقد تقدَّم الكلام في ذلك.
﴿قَالَ﴾ أي: موسى عليه السلام، واستبدّ بالجواب من حيثُ إنَّه خُصَّ
بالسؤال: ﴿رَبَُّا﴾ مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ خبره.
وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربُّنا، والموصول صفته.
والظاهرُ أنَّه عليه السلام أرادَ بضمير المتكلِّم نفسه وأخاه عليهما السلام.
وقال بعض المحققين: أراد جميع المخلوقات تحقيقاً للحقِّ وردّاً على اللعين،
كما يفصحُ عنه ما في حيِّز الصلة.
و((كلَّ شيءٍ) مفعولٌ أول لـ ((أعطى))، و((خلقَه)) مفعولُه الثاني، وهو مصدرٌ
بمعنى اسم المفعول، والضمير المجرورُ لـ ((شيء)»، والعمومُ المستفادُ من ((كلّ))
يعتبرُ بعد إرجاعه إليه؛ لئلا يَرِدَ الاعتراضُ المشهور في مثل هذا التركيب،
والظاهر أنَّه عمومُ الأفراد، أي: أعطى كلَّ شيءٍ من الأشياء الأمرَ الذي طلبه
بلسان استعداده من الصورة والشكل والمنفعة والمضرَّة وغير ذلك، أو الأمرَ
اللائق بما نيطَ به من الخواصِّ والمنافع المطابق له، كما أعطى العينَ الهيئةَ
التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف
واليد والرجل واللسان، كلٌّ واحدٍ منها مطابقٌ لما عُلِّق به من المنفعة، غيرُ
ناب عنه.
وقيل: الخلقُ باقٍ على مصدريَّته بمعنى الإيجاد، أي: أعطى كلَّ شيءٍ الإيجاد
الذي استعدَّ له، أو اللائقَ به، بمعنى أنَّه تعالى أوجدَ كلَّ شيءٍ حسبَ استعداده، أو
على الوجه اللائق به. وهو كما ترى.
وحملَ بعضهُم العمومَ على عموم الأنواع دون عموم الأفراد، وقيل: إنَّ ذلك
لِئِلَّا يلزمَ الخُلْفُ، ويَرِدَ النقضُ بأنَّ بعض الأفراد لم يَكمُل لعارضٍ يعرض له.
والحقُّ أنَّ الله تعالى رَاعَى الحكمةَ فيما خلق وأمر تفضُّلاً ورحمةً، لا وجوباً،

الآية : ٥٠
٣٢٥
وهذا مما أجمعَ عليه أهل السنَّة والجماعة، كما نقل صاحب ((المواقف)) و((عيون
الجواهر)»، فكلُّ شيءٍ كاملٌ في مرتبته، حَسَنٌ في حدٍّ ذاته، فقد قال تعالى:
﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ [السجدة: ٦-٧].
وجعلُ العموم في هذا عموم الأنواع ممَّا لا يكاد يقول به أحد، وقال سبحانه:
﴿مَّا تَرَى فِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوُّتٍ﴾ [تبارك: ٣] أي: من حيث إضافتُه إلى الرحمن،
وخلقه إيَّه على طبق الحكمة بمقتضى الجود والرحمة، والتفاوتُ بين الأشياء
إنَّما هو إذا أضيفَ بعضها إلى بعض، فالعدولُ عمَّا هو الظاهر من عموم الأفراد إلى
عموم الأنواع لما ذكر ناشئٌ من قلَّة التحقيق.
وقيل: إنَّ سببَ العدول كون ((أعطى)) حقيقةً في الماضي، فلو حمل ((كلّ شيءٍ)
على عموم الأفراد يلزم أنْ يكون جميعُها قد وجد وأعطي، مع أنَّ منها بل أكثرها
لم يوجد ولم يُعْطّ بعدُ، بخلاف ما إذا حُمِل على عموم الأنواع فإنَّه لا محذورَ فيه،
إذ الأنواعُ جميعُها قد وجد، ولا يتجدَّد بعد ذلك نوع، وإن كان ذلك ممكناً. وفيه
بحثٌ ظاهرٌ فلیفهم.
وروي عن ابن عباس وابن جبير والسُّدِّيّ أنَّ المعنى: أعطى كلَّ حيوانٍ ذکرٍ
نظيرَه في الخلق والصورة أنثى. وكأنَّهم جعلوا كلَّا للتكثير، وإلَّا فالعموم مطلقاً
باطلٌ كما لا يخفى.
وعندي أنَّ هذا المعنى من فروع المعنى السابق الذي ذكرناه، ولعلَّ مراد من
قاله التمثيل، وإلّا فهو بعيدٌ جدّاً، ولا يكاد يقوله من نُسِب إليه.
وقيل: ((خلقه)) هو المفعول الأول، والمصدر بمعنى اسم المفعول أيضاً،
والضميرُ المجرور للموصول، و((كلَّ شيءٍ) هو المفعول الثاني. والمعنى: أعطى
مخلوقاته سبحانه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه ويرتفقون به. وقدَّم المفعول الثاني
للاهتمام به من حيثُ إنَّ المقصودَ الامتنانُ به، وتُسِب هذا القول إلى الجبائيّ،
والأول أظهرُ لفظاً ومعنى.
وقرأ عبد الله، وأناسٌ من أصحاب رسول الله وَله، وأبو نهيك، وابن
أبي إسحاق، والأعمش، والحسن، ونصيرٌ عن الكسائيّ، وابن نوح عن قتيبة،

سُو ◌َلاَطفة
٣٢٦
الآية : ٥٠
وسلام: ((خَلَقَهُ)) على صيغة الماضي المعلوم (١)، على أنَّ الجملة صفةٌ للمضاف إليه
أو المضاف على شذوذ، وحُذِف المفعولُ الثاني اختصاراً؛ لدلالة قرينة الحال
عليه، أي: أعطى كلَّ شيءٍ خلقَه تعالى ما يُصْلِحه أو ما يحتاجُ إليه، وجعل ذلك
الزمخشريُّ(٢) من باب: يعطي ويمنع، أي: كل شيءٍ خلقه سبحانه لم يُخلهِ من
عطائه وإنعامه، ورجَّحه في ((الكشف)) بأنه أبلغُ وأظهر. وقيل: الأوَّلُ أحسنُ صناعةً
وموافقةً للمقام، وهو عندي أوفقُ بالمعنى الأول للقراءة الأولى، وفيما ذكره في
«الکشف» تردُّد.
﴿ُمَّ هَدَى ®®﴾ أي: أرشدَ ودلَّ سبحانه بذلك على وجوده وجوده، فإنَّ من
نظر في هذه المحدثات وما تضمَّنته من دقائق الحكمة، علمَ أنَّ لها صانعاً واجبَ
الوجود، عظيمَ العطاء والجود.
ومحصَّل الآية: ربُّنا الذي خلق كلَّ شيءٍ حسب استعداده، أو على الوجه
اللائقِ به، وجعلَه دليلاً علیه جلَّ جلاله.
وهذا الجعلُ وإنْ كان متأخِّراً بالذات عن الخلق، وليس بينهما تراخٍ في الزمان
أصلاً، لكنَّه جيء بكلمة ((ثم)) للتراخي بحسب الرتبة، كما لا يخفى وجهه على
المتأمِّل.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): ((ثمَّ هدى)) إلى طريق الانتفاع والارتفاق
بما أعطاه، وعرَّفه كيف يتوصّل إلى بقائه وكماله؛ إمَّا اختياراً، كما في الحيوانات،
أو طبعاً، كما في الجمادات والقوى الطبيعية النباتية والحيوانية.
ولمَّا كان الخلقُ الذي هو تركيبُ الأجزاء وتسوية الأجسام متقدِّماً على الهداية
التي هي عبارةٌ عن إبداع (٣) القوى المحرِّكة والمدرِكة في تلك الأجساد وَسَّط
بينهما كلمةَ التراخي. انتهى.
ولا يخفى عليك أنَّ الخلقَ لغةً أعمُّ ممَّا ذكره، وأنَّ القوى المحرِّكة والمدرِكة
(١) البحر المحيط ٦/ ٢٤٧، وقراءة الكسائي المتواترة عنه كقراءة الجمهور. وانظر القراءات
الشاذة ص ٨٧.
(٢) في الكشاف ٥٣٩/٢.
(٣) في مطبوع تفسير أبي السعود ٦/ ٢٠: إيداع.

الآية : ٥٠
٣٢٧
داخلةٌ في عموم «كلَّ شيء» سواءٌ كان عمومَ الأفراد أو عموم الأنواع، وأنَّه لابدَّ من
ارتكاب نوعٍ من المجاز في ((هَدَى)) على تفسيره.
وقيل - على التفسير المرويِّ عن ابن عباس ومن معه -: ثم هداه إلى الاجتماع
بالفه والمناکحة. وقيل غير ذلك.
والله تعالى دَرُّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعَه وما أبينَه لمن ألقى الذهن،
ونظر بعين الإنصاف، وكان طالباً للحقِّ، ومن هنا قيل: كان من الظاهر أن يقول
عليه السلام: ربُّنا ربُّ العالمين، لكن سلك طريقَ الإرشاد والأسلوب الحكيم،
وأشار إلى حدوث الموجودات بأسرها واحتياجها إليه سبحانه، واختلاف مراتبها،
وأنَّه تعالى هو القادر الحكيم الغنيُّ المنعِم على الإطلاق.
واستُدِلَّ بالآية على أنَّ فرعون كان عارفاً بالله تعالى، إلَّا أنه كان معانداً؛ لأنَّ
جملة الصلة لا بدَّ أن تكون معلومةً، ومتى كانت هذه الجملةُ معلومة له كان عارفاً به
سبحانه.
وهذا مذهبُ البعض فيه عليه اللعنة، واستدلُّوا له أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ
مَآ أَنَزَلَ هَتُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤] وقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَظَنُّواْ
أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرَْعُونَ﴾ [الآية: ٣٩] فإنَّه ليس فيه إلَّا إنكار المعاد دون المبدأ، وقوله
تعالى في ((الشعراء)): ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الآيات: ٢٣-٢٧] فإنَّه عنى به: إنِّي أطلبُ منه شرح الماهية، وهو
يشرحُ الوجود، فدلَّ على أنَّه معترفٌ بأصل الوجود، وبأنَّ ملكه لم يتجاوز القبط
ولم يبلغ الشام، ألا ترى أنَّ موسى عليه السلام لمَّا هرب إلى مدين قال له شعيب:
﴿لَا تَّخَفّْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فكيف يَعتقدُ أنَّه إله العالم. وبأنَّه
كان عاقلاً ضرورةَ أنَّه كان مكلَّفاً، وكلُّ عاقلٍ يعلمُ بالضرورة أنَّه وُجد بعد العدم،
ومن كان كذلك افتقرَ إلى مدبِّر، فيكونُ قائلاً بالمدبِّر، وبأنَّه سأل عنها (١) بـ (من))
طالباً للكيفيَّة، وفي ((الشعراء)) بـ ((ما)) طالباً للماهية.
(١) في (م): ها هنا.

سُو ◌َلاَظَة
٣٢٨
الآية : ٥١
والظاهر أنَّ السؤالَ بـ ((من)) سابقٌ، فكأنَّ موسى عليه السلام لمَّا أقامَ الدلالة
على الوجود تركَ المنازعة معه في هذا المقام؛ لعلمه بظهوره، وشرعَ في مقامٍ
أصعب؛ لأنَّ العلمَ بماهيته تعالى غيرُ حاصلةٍ للبشر.
ولا يخفى ما في هذه الأدلَّة من القيل والقال.
ومن الناس من قال: إنَّه كان جاهلاً بالله تعالى بعد اتِّفاقهم على أنَّ العاقل
لا يجوزُ أن يعتقدَ في نفسه أنَّه خالق السماوات والأرض وما فيهما، واختلفوا في
كيفية جهله، فيحتملُ أنَّه كان دهريّاً نافياً للصانع أصلاً، ولعلَّه كان يقولُ بعدم
احتياج الممكن في وجوده إلى مؤثِّر، وأنَّ وجود العالم اتفاقيٍّ كما نقل عن
ذيمقريطيس وأتباعه، ويحتملُ أنَّه كان فلسفياً قائلاً بالعلَّة الموجبة، ويحتملُ أنَّه كان
من عبدة الكواكب، ويحتملُ أنَّه كان من عبدة الأصنام، ويحتمل أنَّه كان من
الحلولية المجسِّمة. وأمَّا ادعاؤه الربوبيَّة لنفسه، فبمعنى أنَّه يجبُ على من تحت يده
طاعتُه والانقيادُ له وعدمُ الاشتغال بطاعة غيره.
واستُدلَّ بشروعه في المناظرة وطلب الحجَّة دون السفاهة والشغب مع كونه
جباراً شديدَ البطش على أنَّ الشغبَ والسفاهة مع من يدعو إلى الحقِّ في غاية
القبح، فلا ينبغي لمن يَدَّعي الإسلام والعلم أن يرتضي لنفسه ما لا يرتضيه(١)
فرعونُ لنفسه. وباشتغال موسى عليه السلام بإقامة الدليل على المطلوب على فساد
التقليد في أمثال هذا المطلب، وفسادِ قول القائل: إنَّ معرفةَ الله تعالى تستفادُ من
قول الرسول. وبحكاية كلام فرعون وجوابٍ موسى عليه السلام على أنَّه يجوزُ
حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب؛ لئلا يبقى الشكّ، وعلى أنَّ المحقَّ يجبُ عليه
استماعُ شبهة المبطل حتَّى يمكنَه الاشتغالُ بحلّها.
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوْلَى ﴾﴾ لما شاهد اللعينُ ما نظمَه عليه السلام في سلك
الجواب من البرهان النيِّر، على الطراز الرائع، خاف أنْ يَظهر للناس حقِّيَّةٌ(٢)
مقالاته عليه السلام، وبطلان خرافاتِ نفسه ظهوراً بيِّناً، أرادَ أن يصرفَه عليه السلام
(١) في (م): ما لم يرتضه.
(٢) في الأصل: حقيقة. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٠ وعنه نقل المصنف.

الآية : ٥٢
٣٢٩
عن سننه إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلُّقَ لها في نفس الأمر بالرسالة من
الحكايات، موهماً أنَّ لها تعلُّقاً بذلك، ويشغلَه عما هو بصدده، عسى يظهر فيه نوعٌ
غفلةٍ، فيتسلَّقَ بذلك إلى أنْ يَدَّعي بين يدي قومه نوعَ معرفة، فقال: ((فما بال)» إلخ.
وأصل البال: الفكر، يقال: خطر ببالي كذا، ثم أُطلِقٍ على الحال التي يُعتنى
بها، وهو المراد، ولا يثَّى ولا يُجمع إلَّا شذوذاً في قولهم: بالات.
وكأنَّ الفاء لتفريع ما بعدها على دعوى الرسالة، أي: إذا كنتَ رسولاً فأخبرني
ما حالُ القرونِ الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟
﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ﴾ أي: إنَّ ذلك من الغيوب التي
لا يعلمُها إلَّ الله تعالى، وإنَّما أنا عبدٌ لا أعلم منها إلَّا ما علمنيه من الأمورِ
المتعلّقة بالرسالة، والعلمُ بأحوال القرون وما جرى عليهم على التفصيل ممَّا
لا ملابسة فيه بمنصب الرسالة كما زعمت.
وقيل: إنَّما سأله عن ذلك ليختبر أنَّه نبيٍّ أو هو من جملة القُصَّاص الذين
دَارِسُوا قصصَ الأمم السالفة.
وقال النّقَّاش: إنَّ اللعين لمَّا سمع وعظَ مؤمن آل فرعون: ﴿يَقَوْمِ إِّ أَغَافُ
عَلَيِّكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ﴾ الآية [غافر: ٣٠] سأل عن ذلك، فردَّ عليه السلام علمَه
إلى الله تعالى؛ لأنَّه لم يكن نزلت عليه التوراةُ، فإنَّه كان نزولُها بعد هلاك فرعون.
وقال بعضهم: إنَّ السؤال مبنيٌّ على قوله عليه السلام: ((والسلام على من اتبع
الهدى)) إلخ، أي: فما حال القرون السالفة بعد موتهم من السعادة والشقاوة،
والمراد بيانُ ذلك تفصيلاً، كأنَّه قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت ففصّل لنا حالَ من
مضى من السعادة والشقاوة، ولذا ردَّ عليه السلام العلمَ إلى الله عزَّ وجلَّ، فاندفع
ما قيل: إنَّه لو كان المسؤول عنه ما ذكر من السعادة والشقاوة لأجيبَ ببيان أنَّ من
اتَّبَع الهدى منهم فقد سَلِم، ومن تولَّى فقد عُذِّبَ حسبما نطقَ به قوله تعالى:
((والسلام)) إلخ.
وقيل: إنَّه متعلِّقٌ بقوله سبحانه: ((إنَّا قد أوحى إلينا)) إلخ، أي: إذا كان الأمرُ
كذلك فما بال القرون الأولى كذَّبوا ثمَّ ما عذِّبوا؟

الآية : ٥٢
٣٣٠
وقيل: هو متعلِّقٌ به، والسؤال عن البعث، والضمير في ((علمها)) للقيامة.
وكلا القولين كما ترى، وعودُ الضمير على القيامة أدهى من أمر التعلُّق وأمرّ.
وقيل: إنَّه متعلِّقٌ بجواب موسى عليه السلام اعتراضاً على ما تضمَّنه من علمه
تعالى بتفاصيل الأشياء وجزئياتها المستتبع إحاطةً قدرته جلَّ وعلا بالأشياء كلِّها ،
كأنه قيل: إذا كان علم الله تعالى كما أشرتَ، فما تقول في القرون الخالية مع
كثرتهم وتمادي مدَّتهم وتباعد أطرافهم، كيف إحاطةُ علمه تعالى بهم وبأجزائهم
وأحوالهم؟ فأجاب بأنَّ علمه تعالى محيطٌ بذلك كلُّه إلى آخر ما قصَّ الله تعالى.
وتخصيصُ القرون الأولى على هذا بالذكر مع أولوية التعميم، قيل: لعلم
فرعون ببعضها، وبذلك يتمكّنُ من معرفة صدق موسى عليه السلام إنْ بَيَّن أحوالها.
وقيل: إنَّه لإلزام موسى عليه السلام وتبكيته عند قومه في أسرع وقتٍ، لزعمه
أنَّه لو عمَّم ربّما اشتغل موسى عليه السلام بتفصيل علمه تعالى بالموجودات
المحسوسة الظاهرة، فتطولُ المدَّةُ ولا يتمشَّى ما أراده.
وأيّاً ما كان يسقط ما قيل: إنَّه يأبى هذا الوجهُ تخصيصَ القرون الأولى من بين
الكائنات، فإنَّه لو أخذها بجملتها كان أظهر وأقوى في تمشّي ما أراد. نعم بُعد هذا
الوجه ممَّا لا ينبغي أن ينكر.
وقيل: إنَّه اعتراضٌ علیه بوجهٍ آخر، كأنَّه قیل: إذا کان ما ذکرت من دلیل
إثبات المبدأ في هذه الغاية من الظهور، فما بالُ القرون الأولى نسوه سبحانَه ولم
يؤمنوا به تعالى، فلو كانت الدلالة واضحةً وجبَ عليهم أنْ لا يكونوا غافلين عنها.
ومآله - على ما قال الإمام - معارضةُ الحَجَّة بالتقليد(١).
وقريبٌ منه ما يقال إنَّه متعلّق بقوله: (ثم هدى)) على التفسير الأوَّل، كأنه قيل:
إذا كان الأمرُ كذلك فما بال القرون الأولى لم يستدلَّوا بذلك فلم يؤمنوا.
وحاصل الجواب على القولين أنَّ ذلك من سرِّ القدر، وعلمُه عند ربي جلَّ
شأنه ﴿فِ كِتَبٍ﴾ الظاهرُ أنَّه خبرٌ ثانٍ لـ («علمها)»، والخبر الأول: ((عند ربِّي)).
(١) تفسير الرازي ٦٦/٢٢ .

الآية : ٥٢
٣٣١
وجوِّز أن يكونا خبراً واحداً، مثل: هذا حلوٌ حامض. وأن يكون الخبر ((عند
ربي)) و((في كتاب)) في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف، أو هو معمول
له (١). وأنْ يكونَ الخبر: ((في كتاب)»، و((عند ربي)) في موضع الحال من الضمير
المستتر فيه، والعامل الظرف، وهو يعملُ متأخّراً على رأي الأخفش.
وقيل: يكون حالاً من المضاف إليه في ((علمها)). وقيل: يكون ظرفاً للظرف
الثاني. وقيل: هو ظرف للعلم. ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال: ولا يجوز أن
يكون ((في كتاب)) متعلَّقاً بـ ((علمها))، و((عند ربي)) الخبر؛ لأنَّ المصدرَ لا يعملُ
فيما بعد خبره(٢).
وأنت تعلم أنَّ أولَ الأوجُه هو الأوجَه، وكأنَّه عنى عليه السلام بالكتاب اللوح
المحفوظ، أي: علمها مثبتٌ في اللوح المحفوظ بتفاصيله، وهذا من باب المجاز،
إذ المثبت حقيقةً إنَّما هو النقوش الدالّة على الألفاظ المتضمِّنة شرحَ أحوالهم
المعلومة له تعالى.
وجوَّزَ أنْ يكون المراد بالكتاب الدفتر، كما هو المعروف في اللغة، ويكون
ذلك تمثيلاً لتمكّنه وتقرُّره في علمه عزَّ وجلَّ بما استحفظَه العالمُ وقَّده بكتبته في
جريدة، ولعلَّه أولى. ويُلوِّح إليه قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَى ﴾﴾ فإنَّ
عدم الضلال والنسيان أوفقُ بإتقان العلم.
والظاهر أنَّ فيه على الوجهين دفعَ توهُّم الاحتياج؛ لأنَّ الإثباتَ في الكتاب
إنَّما يفعلُه من يفعله لخوف النسيان، والله تعالى منزَّةٌ عن ذلك، والإثبات في اللوح
المحفوظ لحِكمٍ ومصالحَ يعلمُ بعضها العالمون.
وقيل: إنَّ هذه الجملة على الأول تكميلٌ لدفع ما يتوهّم من أنَّ الإثبات في
اللوح للاحتياج؛ لاحتمال خطأ أو نسيانٍ، تعالى الله سبحانه عنه، وعلى الثاني
تذييلٌ لتأكيد الجملة السابقة، والمعنى: لا يخطىء ربِّي ابتداءً بأن لا يدخلَ شيءٌ
من الأشياء في واسع علمه، فلا يكونَ علمه سبحانه محيطاً بالأشياء، ولا يذهبُ
(١) أي: معمول للخبر، انظر الإملاء ١٢٢/٢.
(٢) الإملاء ٢/ ١٢٢.

٣٣٢
الآية : ٥٢
عليه شيءٌ بقاءً بأنْ يخرجَ عن دائرة علمه جلَّ شأنُه بعد أن دخَلَ، بل هو عزَّ وجلَّ
محيطٌ بكلِّ شيءٍ علماً أزلاً وأبداً. وتفسيرُ الجملتين بما ذكر ممَّا ذهب إليه القفَّال،
ووافقه بعضُ المحقّقین، ولا یخفی حسنه.
وأخرج ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنَّهما بمعنّى واحد(١). وليس بذاك.
والفعلان قيل: منزَّلان منزلةَ اللازم، وقيل: هما باقيان على تعدِّيهما،
والمفعولُ محذوفٌ، أي: لا يضلُّ شيئاً من الأشياء ولا ينساه. وقيل: شيئاً من
أحوال القرون الأولى.
وعن الحسن: لا يضلُّ وقتَ البعث ولا ينساه، وكأنَّه جعل السؤال عن البعث،
وخصَّص لأجله المفعول. وقد علمت حاله.
وعن ابن عباس أنَّ المعنى: لا يتركُ من كفرَ به حتى ينتقم منه، ولا يترُ من
وخَّده حتى يجازيه. وكأنَّه - تَظُبه - جعلَ السؤال عن حالهم من حيث السعادة
والشقاوة، والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال، فتدبّر ولا تغفل.
وزعم بعضهم أنَّ الجملة في موضع الصفة لـ ((كتاب))، والعائدُ إليه محذوف،
أي: لا يضلَّه ربي ولا ينساه.
وقيل: العائد ضميرٌ مستترٌ في الفعل، و((ربي)) نصب على المفعول، أي: لا يضلُّ
الكتابُ ربي، أي: عنه، وفي ((ينسى)) ضمير عائدٌ إليه أيضاً، أي: ولا ينسى الكتابُ
شيئاً، أي: لا يدعه على حدٍّ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
والعجبُ كلُّ العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال.
وإظهار ((ربِّي)) في موقع الإضمار للتلذُّذ بذكره تعالى، ولزيادة التقرير والإشعار
بعلِّيَّة الحكم، فإنَّ الربوبيَّة ممَّا تقتضي عدمَ الضلال والنسيان حتماً .
وقرأ الحسن وقتادة والجحدريُّ وحمَّادُ بن سلمة وابنُ محيصن وعيسى الثقفيّ:
(لا يُضِلُّ) بضمِّ الياء(٢)، من أضلَّ وأضللتُ الشيء وضللتُه، قيل: بمعنى.
(١) وأخرجه الطبري في تفسيره ٨٣/١٦-٨٤.
(٢) البحر المحيط ٢٤٨/٦، وانظر تفسير القرطبي ٧٨/١٤.

الآية : ٥٣
٣٣٣
وفي ((الصحاح)) عن ابن السكِّيت يقال: أضللتُ بعيري، إذا ذهبَ منك،
وضللتُ المسجد والدار(١) إذا لم تعرف موضعهما، وكذلك كلُّ شيءٍ مقيمٍ لا يُهتدى
إليه(٢). وحُكي نحوه عن الفرَّاء(٣) وابن عيسى.
وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين، جعلُ ((ربي)) منصوباً على
المفعوليَّة، والمعنى: لا يُضِلُّ أحدٌ ربي عن علمه، وجعلُه فاعلاً، والمعنى: لا يجدُ
ربي الكتابَ ضالاً، أي: ضائعاً (٤).
وقرأ السلميُّ: ((لا يُضَلُّ ربي ولا يُنْسى)) ببناء الفعلين لما لم يسمَّ فاعلُه(٥).
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ إلخ يحتملُ أنْ يكون ابتداءً كلام منه عزَّ وجلَّ،
وكلامُ موسى عليه السلام قد تمَّ عند قوله تعالى: ((ولا ينسى))، فيكون الموصول
خبر مبتدأ محذوف، والجملة على ما قيل: مستأنفةٌ استئنافاً بيانيّاً، كأنَّه سبحانه لمَّا
حكى كلامَ موسى عليه السلام إلى قوله: ((لا يضلُّ ربي ولا ينسى)) سُئل: ما أراد
موسى بقوله: ((ربِّي))؟ فقال سبحانه: هو ((الذي جعل)) إلخ، واختار هذا الإمامُ، بل
قال: يجبُ الجزم به(٦) .
ويحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام، على أنْ يكون قد سمعَه من الله
عزَّ وجلَّ، فأدرجه بعينه في كلامه، ولذا قال: ((لكم)) دون: لنا، وهو من قبيل
الاقتباس، فيكون الموصول إمَّا مرفوع المحلِّ على أنَّه صفةٌ لـ ((ربِّي))، أو خبر مبتدأ
محذوف كما في الاحتمال السابق، وإمَّا منصوب على المدح، واختار هذا
الزمخشريُ(٧) .
وعلى الاحتمالين يكون في قوله تعالى: ((فأخرجنا)) التفاتٌ بلا اشتباه.
(١) في (م): والزاد. والمثبت من الأصل، وهو موافق للصحاح.
(٢) الصحاح (ضلل).
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١٨١/٢.
(٤) الإملاء ٢/ ١٢٢.
(٥) البحر المحيط ٢٤٨/٦.
(٦) تفسير الرازي ٦٨/٢٢.
(٧) الكشاف ٢/ ٥٤٠ .

سُوَلاَ طَّفة
٣٣٤
الآية : ٥٣
أو على أنَّ موسى عليه السلام قال ذلك من عنده غير سامع له من الله عزَّ
وجلَّ، وقال: فأخرج به، بإسناد أخرج إلى ضمير الغيبة، إلّا أنَّ الله تعالى لمَّا
حكاه أسنده إلى ضمير المتكلِّم؛ لأنَّ الحاكي هو المحكيُّ عنه، فمرجع الضميرين
واحد، وظاهر كلام ابن المنير اختیارُ هذا، حیث قال بعد تقريره: وهذا وجهٌ حسن
رقيقُ الحاشية، وهو أقربُ الوجوه إلى الالتفات(١).
وأنكر بعضهم أن يكون فيه التفاتٌ.
أو على أنَّه عليه السلام قاله من عنده بهذا اللفظ غير مغيَّرِ عند الحكاية.
وقوله: ((أخرجنا)) من باب قول خواصِّ الملك: أمرنا وعمرنا وفعلنا، وإنَّما يريدون
الملك.
أو هو مسندٌ إلى ضمير الجماعة بإرادة: أخرجنا نحن معاشرَ العباد بذلك الماء
بالحراثة أزواجاً من نباتٍ شتَّى، على ما قيل.
وليس في ((أخرجنا)) على هذا وما قبله التفات.
ويحتمل أنْ يكون ذلك كلامَ موسى عليه السلام إلى قوله تعالى: ((ماء))، وما بعده
كلامُ الله عزَّ وجلَّ، أوصلَه سبحانه بكلام موسى عليه السلام حين الحكاية لنبيِّنَا وَّه.
والأولى عندي الاحتمالُ الأوَّل، بل يكادُ يكون كالمتعيّن، ثم الاحتمالُ
الثاني، ثمَّ الاحتمال الثالث، وسائرُ الاحتمالات ليس بشيء. ووجهُ ذلك لا یکاد
يخفى .
وسيأتي إن شاء الله تعالى في ((الزخرف)) نحو هذه الآية.
والمهد في الأصل مصدر، ثمَّ جعل اسم جنس لما يُمهد للصبيّ، ونصبه على
أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل)) إنْ كان بمعنى صيَّر، أو حالٌ إنْ كان بمعنى خَلَق.
والمراد: جعلها لکم کالمهد.
ويجوزُ أنْ يكون باقياً على مصدريَّته غيرَ منقولٍ لما ذكر، والمراد: جعلها ذاتَ
مهدٍ، أو ممهّدةً، أو نفسَ المهد مبالغةً.
(١) الانتصاف ٥٤٠/٢ .

الآية : ٥٣
٣٣٥
وجُوِّز أنْ يكون منصوباً بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أي: مهَّدها مهداً، بمعنى بسطها
ووطَأها، والجملةُ حالٌ من الفاعل أو المفعول.
وقرأ كثير: ((مهاداً)(١)، وهو - على ما قال المفضل - كالمهد في المصدريَّة
والنقل.
وقال أبو عبيد(٢): المهاد اسم، والمهد مصدر.
وقال بعضُهم: هو جمع: مهد، كگَعْب وكِعَاب. والمشهور في جمعه مُهُود.
والمعنى على الجمع: جعلَ كلَّ موضعٍ منها مهداً لكلِّ واحدٍ منكم.
﴿وَسَلَّكَ لَّكُمْ فِيَا سُبُلًا﴾ أي: حصَّل لكم طرقاً، ووسَّطها بين الجبال والأودية،
تسلكونها من قطرٍ إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها .
وللدلالة على أنَّ الانتفاعَ مخصوصٌ بالإنسان كرَّر ((لكم))، وذكره أوَّلاً لبيان أنَّ
المقصودَ بالذات من ذلك الإنسانُ.
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي: من جهتها، أو منها نفسها، على ما في بعض
الآثار ﴿مَّهُ﴾ هو المطر ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِءَ﴾ أي: بذلك الماء وواسطته، حيثُ إنَّ الله
تعالى أودعَ فيه ما أودعٍ - كما ذهب إلى ذلك الماتريديَّة وغيرهم من السلف
الصالح - لكنَّه لا يؤثِّر إلَّا بإذن الله تعالى، كسائر الأسباب، فلا ينافي كونَه عزَّ
وجلَّ هو المؤثِّر الحقيقيّ، وإنَّما فعل ذلك سبحانه مع قدرته تعالى الكاملة على
إيجاد ما شاء بلا توسيط شيءٍ، كما أوجدَ بعض الأشياء كذلك؛ مراعاةً
للحكمة .
وقيل: (به)) أي: عنده، وإليه ذهب الأشاعرةُ، فالماء كالنار عندهم في أنَّه ليس
فيه قوَّةُ الرِّيِّ مثلاً، والنار كالماء في أنَّها ليس فيها قوةُ الإحراق، وإنَّما الفرقُ
بينهما في أنَّ الله تعالى قد جرت عادتُه أنْ يخلقَ الرِّيَّ عند شرب الماء، والإحراقَ
عند مسيس النار، دون العكس. وزعموا أنَّ من قال: إنَّ في شيءٍ من الأسباب قوة
(١) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. انظر التيسير ص١٥١،
والنشر ٣٢٠/٢.
(٢) كذا في (م) والبحر المحيط ٢٥١/٦، وفي الأصل: أبو عبيدة.

سُالطَّفة
٣٣٦
الآية : ٥٣
تأثيرٍ أودعَها الله تعالى فيه فهو إلى الكفر أقربُ منه إلى الإيمان. وهو لعمري من
المجازفة بمكان.
والظاهرُ أن يقال: فأخرجَ، إلَّا أنَّه التفتَ إلى التكلُّم؛ للتنبيه على ظهور ما فيه
من الدلالة على كمال القدرة والحكمة بواسطة أنَّه لا يُسندُ إلى العظيم إلَّا أمرٌ
عظيم، والإيذان بأنَّه لا يتأتَّى إِلَّا من قادرٍ مطاعٍ عظيم الشأن ينقادُ لأمره ويُذْعِنُ
لمشيئته الأشياءُ المختلفة، فإنَّ مثلَ هذا التعبيرٌ يعبِّر به الملوكُ والعظماء النافذُ
أمرهم. ويقوِّي هذا الماضي الدالُّ على التحقُّق (١)، كالفاء الدالّة على السرعة،
فإِنَّها للتعقيب، على ما نصَّ عليه بعضُ المحقّقين، وجعلَ الإنزال والإخراج
عبارتين عن إرادة النزول والخروج معلَّلاً باستحالة مزاولة العمل في شأنه تعالى
شأنه.
واعترض عليه بما فيه بحث، ولا يضرُّ في ذلك كونه تعقيباً عرفيّاً، ولم تجعل
للسبيَّة؛ لأنَّها معلومةٌ من الباء.
وقال الخفاجيُّ: لك أن تقول: إنَّ الفاءَ لسببيَّة الإرادة عن الإنزال، والباء
لسبيَّة النباتِ عن الماء، فلا تكرار، كما في قوله تعالى: ﴿لِنُحْعِىَ بِهِ﴾ [الفرقان: ٤٩]
ولعلَّ هذا أقرب(٢). انتهى.
وأنت تعلم أنَّ التعقيبَ أظهرُ وأبلغ، وقد ورد على هذا النمطِ من الالتفاتِ
للنكتة المذكورة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ
أُخْتَلِفًا أَلْوَتُهَا﴾ [فاطر: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَحِكُم
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ
الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩].
﴿أَزْوَجًا﴾ أي: أصنافاً، أطلق عليها ذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض.
﴿مِّن نََّاتٍ﴾ بيانٌ وصفةٌ لـ ((أزواجاً))، وكذا قوله تعالى: ﴿شَقَّ ﴾﴾ أي:
متفرِّقة، جمع: شتيت، كمريض ومرضى، وألفه للتأنيث.
(١) في (م): التحقيق.
(٢) حاشية الخفاجي ٢٠٨/٦.

الآية : ٥٤
٣٣٧
وجوَّزَ أبو البقاء أن يكونَ صفةً لـ ((نبات))(١)؛ لما أنه في الأصل مصدرٌ يستوي
فيه الواحد والجمع، يعني أنَّها شتَى مختلفةُ النفع والطعم واللون والرائحة
والشكل، بعضُها يصلح للناس، وبعضها للبهائم.
وقالوا: من نعمته عزَّ وعلا أنَّ أرزاق العباد إنَّما تحصلُ بعمل الأنعام، وقد
جعلَ الله تعالى علفَها ممَّا يفضلُ عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.
وقوله تعالى: ﴿كُواْ وَآَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ معمول قولٍ محذوف وقعَ حالاً من ضمير
(فأخرجنا)) أي: أخرجنا أصنافَ النبات قائلين: ((كلوا)) إلخ، أي: معدِّيها
الانتفاعكم بالذات وبالواسطة، آذنين في ذلك. وجوِّز أنْ يكون القول حالاً من
المفعول، أي: أخرجنا أزواجاً مختلفةً مقولاً فيها ذلك. والأول أنسبُ وأولى.
و((رعى)) - كما قال الزَّجَّاج - يستعمل لازماً ومتعدِّياً، يقال: رعت الدابَّة رعياً،
ورعاها صاحبُها رعايةً، إذا أسامها وسرَّحها وأراحها.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من شؤونه تعالى وأفعاله، وما فيه من معنی
البعد للإيذان بعلوٍّ رتبته، وبعد منزلته في الكمال. وقيل: لعدم ذكر المشار إليه
بلفظه .
والتنكير في قوله سبحانه: ﴿لَيَتٍ﴾ للتفخيم كمّاً وكيفاً، أي: لآياتٍ كثيرة
جليلة واضحة الدلالة على شؤون الله تعالى في ذاته وصفاته ﴿لَأُوْلِ النُّعَى
٥٤٦
جمع نُهَيَة بضمِّ النون، سمِّيَ بها العقل لنهيه عن اتِّباع الباطل وارتكاب القبيح،
كما سُمِّ بالعقل والحِجْر، لعَقله وحَجره عن ذلك. ويجيء الُّهى مفرداً بمعنى
العقل، كما في ((القاموس))(٢)، وهو ظاهر ما روي عن ابن عباس هنا، فإنَّه قال:
أي: لذوي العقل. وفي روايةٍ أخرى عنه أنه قال: لذوي التُّقى. ولعلَّه تفسير
باللازم.
وأجاز أبو عليٍّ أنْ يكون مصدراً كالهدى، والأكثرون على الجمع، أي: لذوي
العقول الناهية عن الأباطيل.
(١) الإملاء ٢/ ١٢٢.
(٢) مادة (نهى).

سُورَةٌطَنْ
٣٣٨
الآية : ٥٥
وتخصيص كونها آيات بهم؛ لأنَّ أَوْجُهَ دلالتها على شؤونه تعالى لا يعلمُها إلَّا
العقلاء، ولذا جعل نفعها عائداً إليهم في الحقيقة، فقال سبحانه: ((كلوا وارعوا))
دون: كلوا أنتم والأنعام.
١﴾ أي: من الأرض ﴿فَلَقْتَكُمْ﴾ أي: في ضمن خلق أبيكم آدم عليه السلام
منها، فإنَّ كلَّ فردٍ من أفرادِ البشر له حظّ من خلقه عليه السلام، إذ لم تكن فطرتُه
البديعة مقصورةً(١) على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجاً منطوياً على فطرة
سائر أفراد الجنس انطواءً إجماليّاً مستتبعاً لجريان آثارها على الكلّ، فكان خَلْقُه
عليه السلام منها خلقاً للكلِّ منها .
وقيل: المعنى: خلقنا أبدانَكم من النطفة المتولِّدة من الأغذية المتولِّدة من
الأرض بوسائط.
وأخرج عبدُ بن حميد وابنُ المنذر عن عطاء الخراسانيّ قال: إنَّ المَلَكَ ينطلقُ
فيأخذُ من تراب المكان الذي يُدْفَنُ فيه الشخصُ، فيذرُّه على النطفة، فيخلق من
التراب والنطفة(٢).
﴿وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بالإماتة وتفريق الأجزاء، وهذا وكذا ما بعدُ مبنيٌّ على
الغالب، بناءً على أنَّ من الناس من لا يبلى جسدُه كالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، وإيثار كلمة ((في)) على كلمة ((إلى)) للدلالة على الاستقرار المديد فيها.
﴿وَمِنْهَا نُخْرِيُّكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ بتأليف أجزائكم المتفيّة المختلطةِ بالتراب على الهيئة
السابقة، وردّ الأرواح من مقرِّها إليها. وكونُ هذا الإخراج تارةً أخرى باعتبار أنَّ
خلقَهم من الأرض إخراجٌ لهم منها، وإن لم يكن على نهج التارة الثانية، أو التارة
في الأصل اسم للتور الواحد، وهو الجريان، ثم أطلق على كلِّ فعلة واحد من
الفعلات المتجدّدة، كما مرَّ في المرَّة.
(١) في الأصل: مقصودة. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٢/٦ والكلام منه.
(٢) الدر المنثور ٣٠٢/٤، وأخرجه ابن عدي في الكامل ١٩٣٤/٥، وابن عبد البر في التمهيد
٤٠٠/٢٤، وجاء في هامش الأصل ما نصه: وذكروا أن التراب الذي خلق منه نبينا # * كان
من الكعبة، إلَّا أنه نقل في الطوفان إلى محلِّ قبره الشريف عليه الصلاة والسلام. اهـ منه.

٣٣٩
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
وما ألطفَ ذكر (١) قوله تعالى: ((منها خلقناكم)) إلخ بعد ذكر النبات وإخراجه من
الأرض، فقد تضمَّن كلَّ إخراج أجسامٍ لطيفةٍ من الترباء الكثيفة، وخروجُ الأموات
أشبهُ شيءٍ بخروج النبات هذا.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿طه﴾ يا طاهراً بنا، هادياً إلينا، أو يا طائف
كعبة الأَحَدِيَّة في حرم الهويّة، وهادي الأنفس الزكيَّة إلى المقامات العليَّة. وقيل:
إِنَّ ((ط)) لكونها بحساب الجمَّل تسعة، وإذا جمع ما انطوت عليه من الأعداد،
أعني: الواحد والاثنين والثلاثة، وهكذا إلى التسعة: بلغ خمسةً وأربعين، إشارةً
إلى آدم؛ لأنَّ أعدادَ حروفه كذلك، و((هـ) لكونها بحساب الجمَّل خمسة،
وما انطوت عليه من الأعداد يبلغ خمسة عشر، إشارة إلى حوا بلا همز، والإشارةُ
بمجموع الأمرين إلى أنَّهِ وَله أبو الخليقة وأمُّها، فكأنَّه قيل: يا من تكوَّنت منه
الخليقة، وقد أشار إلى ذلك العارفُ ابن الفارض قُدِّس سرُّه بقوله على لسانٍ
الحقيقة المحمديَّة :
وإِنِّي وإنْ كنت ابنَ آدم صورةً فلي منه معنى شاهدٌ بأبوَّتي(٢)
وقال في ذلك الشيخ عبد الغني النابلسي عليه الرحمة:
كلُّ الخليقة(٣) ثم لو ترك الغِطا(٤)
طه النبيُّ تكوَّنت من نوره
وقيل: ﴿طه﴾ في الحساب أربعة عشر، وهو إشارةٌ إلى مرتبة البدريَّة، فكأنه
قيل: يا بدر سماء عالم الإمكان. ﴿مَآ أَّْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ * إِلَّا نَذْكِرَةٌ لِّمَنْ
يَخْتَى﴾ أي: إلَّا لتذكِّر من يخشى أيَّام الوصال التي كانت قبل تعلُّق الأرواح
بالأبدان، وتخبرهم بأنَّها يحصلُ نحوها لهم لتطيبَ أنفسُهم وترتاحَ أرواحُهم، أو
لتذكِّرهم إِيَّاها ليشتاقوا إليها، وتجري دموعهم عليها، ويجتهدوا في تحصيل ما يكون
(١) لفظة: ذكر، ليست في الأصل.
(٢) ديوان ابن الفارض ص ١٠٥.
(٣) في (م) والديوان: البرية.
(٤) في الأصل و(م): القطا، والمثبت من ديوان النابلسي ٢٤٦/٢.

سُورَةٌطَبْ
٣٤٠
التفسير الإشاري (١ - ٥٥)
سبباً لعودها، ولله تعالى درُّ من قال:
مضت فجرت من ذكرهنَّ دموعُ
سقَى الله أيَّاماً لنا ولياليا
وهل لي إلى أرض الحبيب رجوعُ(١)
فيا هل لها يوماً من الدهر أوبةٌ
وقيل: ((من يخشى)) هم العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَوْ﴾ [فاطر: ٢٨]، ولمَّا كان العلم مظنة العُجب والفخر ونحوهما ناسبَ أن يذكر
صاحبُهُ عظمةَ الله عزَّ وجلَّ؛ ليكونَ ذلك سوراً له مانعاً من تطرُّق شيءٍ ممَّا ذكر.
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ العرشُ: جسمٌ عظيمٌ خلقه الله تعالى - كما قيل - من
نور شعشعانيّ، وجعله موضعَ نورِ العقل البسيط الذي هو مشرقُ أنوار القدم،
وشرَّفه بنسبة الاستواء الذي لا يكتنه.
وقيل: خلق من أنوارٍ أربعة مختلفة الألوان، وهي أنوار: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولذا قيل له: الأطلس. وإلى هذا ذهبت
الطائفةُ الحادثة في زماننا المسمّاة بالكشفيَّة.
وذكر بعضُ الصوفيَّة أنَّ العرشَ إشارةٌ إلى قلب المؤمن الذي نسبةُ العرش
المشهور إليه كنسبة الخردلة إلى الفلاة، بل كنسبة القطرة إلى البحر المحيط، وهو
محلُّ نظرٍ الحقِّ، ومنصَّة تجلِّيه، ومهبطٌ أمره، ومنزل تدلِيه، وفي ((إحياء العلوم))
لحجَّة الإسلام الغزالي: قال الله تعالى: ((لم يسعني سمائي ولا أرضي، ووسعني
قلبُ عبديّ المؤمن الليِّن الوادع))(٢)، أي: الساكن المطمئن. وفي ((الرشدة)) لصدر
الدين القونويّ قُدِّس سرُّه بلفظ: ((ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلبُ
عبديَ المؤمن التقيِّ النقيِّ الوادع))، وليس هذا القلبُ عبارةً عن البُضعة
الصنوبريَّة، فإنَّها عند كلِّ عاقلٍ أحقرُ من حيث الصورة أنْ تكونَ محلَّ سرِّه جلَّ
وعلا، فضلاً عن أن تسعه سبحانه، وتكونَ مطمحَ نظره الأعلى ومستواه عزَّ
شأنه، وهي وإن سمِّيت قلباً فإنَّما تلك التسمية على سبيل المجاز وتسميةِ الصفة
والحامل باسم الموصوف والمحمول، بل القلبُ الإنسانيُّ عبارةٌ عن الحقيقة
(١) سلفا ٨٠/١٣.
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ١٥. وسيأتي كلام العراقي عليه.