Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ١٤
٢٦١
وقوله تعالى: ﴿لِذِكْرِىّ ﴾﴾ الظاهر أنَّه متعلّقٌ بـ ((أقم))، أي: أقم الصلاة
لتذكرني فيها؛ لاشتمالها على الأذكار، وروي ذلك عن مجاهد. وقريبٌ منه ما قيل:
أي: لتكون لي ذاكراً غير ناسٍ؛ فِعْلَ المخلصين في جعلهم ذكرَ ربِّهِم على بال منهم
وتوكيل هممهم وأفكارهم به. وفُرِّقَ بينهما بأنَّ المراد بالإقامة على الأول تعديلُ
الأركان، وعلى الثاني: الإدامةُ، وجُعِلت الصلاةُ في الأول مكاناً للذكر ومقرّه
وعلّته، وعلى الثاني جُعِلت إقامةُ الصلاة - أي: إدامتُها - علةً لإدامة الذكر، كأنَّه
قيل: أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمِّك في الذكر، كقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ﴾ [البقرة: ٤٥] وجُوِّز أنْ يكون متعلُّقاً بـ ((اعبدني)) أو
بـ ((أقم))، على أنه من باب الإعمال، أي: لتكون ذاكراً لي بالعبادة وإقامة الصلاة.
وإذا عُمِّمَ الذكر ليتناول القلبيَّ والقالبيّ جازَ اعتبارُ باب الإعمال في الأوَّل أيضاً،
وهو خلاف الظاهر. وقيل: المراد: ((أقم الصلاة لذكري)) خاصةً، لا ترائي بها،
ولا تشوبها بذكر غيري. أو: لإخلاص ذكري، وابتغاء وجهي، ولا تقصد بها
غرضاً آخر، كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢] أو: لأنْ أذكُرَك بالثناء، أي:
لأثني عليك وأثيبك بها. أو: لذكري إيَّها في الكتب الإلهية، وأمري بها. أو:
لأوقات ذكري، وهي مواقيتُ الصلوات، فاللام وقتيّةٌ بمعنى ((عند)»، مثلها في قوله
تعالى: ﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَّكَّعْتُ لِيَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤] وقولك: كان ذلك لخمسٍ ليالٍ خَلَوْنَ.
ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها، وروي ذلك عن
أبي جعفر، واللام حينئذ وقتيَّةٌ أو تعليليةٌ. والمراد: أقم الصلاة عند تذكّرها، أو
لأجل تذكُّرها، والكلام على تقدير مضاف، والأصل: لذكر صلاتي. أو يقال:
إنَّ ذكر الصلاة سببٌ لذكر الله تعالى، فأطلق المسبّب على السبب، أو: إنَّه وقعَ
ضميرُ الله تعالى موقع ضمير الصلاة لشرفها، أو: إنَّ المراد للذكر الحاصل منِّي،
فأضيف الذكرُ إلى الله عزَّ وجلَّ لهذه الملابسة، والذي حمل القائل على هذا
الحمل أنَّه ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه وَلِّ نام عن صلاة الصبح،
فلمَّا قضاها قال: ((من نسيَ صلاةً فليقضها إذا ذكرَها، فإنَّ الله تعالى قال: (وَأَقِ
الصَّلَوةَ لِذِكْرِىٌ)(١). فظنَّ هذا القائلُ أنَّه لو لم يحمل هذا الحمل لم يصح
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤): (٣١٦) من حديث أنس بن مالك

سُورَةٌ طَّة
٢٦٢
الآية : ١٥
التعليل، وهو من بعض الظنّ، فإنَّ التعليلَ كما في ((الكشف)) صحيحٌ، والذكرُ
على ما فسِّر في الوجه الأول، وأرادَ عليه الصلاة والسلام أنه إذا ذكرَ الصلاة
انتقل من ذكرها إلى ذكر ما شُرِعت له، وهو ذكر الله تعالى، فيحمله على
إقامتها .
وقال بعض المحققين: إنَّه لما جُعل المقصودُ الأصليُّ من الصلاة ذكرَ الله
تعالى، وهو حاصلٌ مطلوبٌ في كلِّ وقت، فإذا فاته الوقت المحدود له ينبغي
المبادرةُ إليه ما أمكنه. فهو من إشارة النصِّ لا من منطوقه حتى يحتاج إلى التمثّل،
فافهم.
وإضافة ((ذكر)) إلى الضمير تحتملُ أنْ تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، وأن
تكون من إضافة المصدر إلى فاعله، حسب اختلاف التفسير.
وقرأ السلميُّ والنخعيُّ وأبو رجاء: ((للذِّكرَى)) بلام التعريف وألف التأنيث(١).
وقرأت فرقةٌ: ((لذكرى)) بألف التأنيث بغير لام التعريف(٢)، وأخرى: ((للذكر))
(٣)
بالتعريف والتذكير
٠
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ﴾ تعليلٌ لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، أي:
كائنةٌ لا محالة. وإنما عبَّر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرض
أمرٍ محقَّقٍ متوجِّهٍ نحو المخاطبين.
﴿أَكَدُ أُخْفِيهَا﴾ أقرب من: أنْ أخفي الساعة ولا أظهرُها بأنْ أقول: إنَّها آتية،
ولولا أنَّ في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت، وحاصله: أكاد
أبالغُ في إخفائها، فلا أجمل كما لم أفصِّل.
(١) البحر المحيط ٢٣٢/٦. وقال الزمخشري في الكشاف ٥٣٢/٢: وقرأ رسول الله وتالقول:
((للذكرى)). اهـ. وكذا نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٧، ٩٠ للنبي وَل# وزاد
نسبتها لأبي عبد الرحمن السلمي.
(٢) البحر ٦/ ٢٣٢، والقراءة في صحيح مسلم (٦٨٠): (٣٠٩)، وتفسير الطبري ٣٣/١٦
منسوبة للزهري. ونسبها النحاس في إعراب القرآن له ٣/ ٣٥ لأبي عبد الرحمن وأبي رجاء
والشعبي.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٢٣٢.

الآية : ١٥
٢٦٣
والمقاربةُ هنا مجاز، كما نص عليه أبو حيان(١). أو أريد إخفاء وقتها المعيّن،
وعدم إظهاره، وإلى ذلك ذهب الأخفشُ وابن الأنباريّ وأبو مسلم.
ومن مجيء ((كاد)) بمعنى أراد - كما قال ابنُ جِنِّي في ((المحتسب))(٢) - قوله:
(٣)
لو عاد من لهو الصبابة ما مضى
كادت وكدتُ وتلك خير إرادةٍ
وروي عن ابن عباس وجعفر الصادق ﴿يا أنَّ المعنى: أكادُ أخفيها من نفسي.
ويؤيِّده أنَّ في مصحف أبيٍّ كذلك، ورَوى ابن خالويه عنه ذلك بزيادة: ((فكيف
أظهركم عليها))(٤). وفي بعض القراءات بزيادة: ((فكيف أظهرها لكم))(٥). وفي
مصحف عبد الله بزيادة: ((فكيف يعلمها مخلوق)) (٦). وهذا محمولٌ على ما جرت به
عادةُ العرب من أنَّ أحدهم إذا أراد المبالغةً في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من
نفسي، ومن ذلك قوله :
أيَّامَ تَصْحَبُني هندٌ وأُخبرُها ما كدتُ أكتمُه عنِّي من الخبر(٧)
ونحو هذا من المبالغة قوله ◌َل# في حديث السبعة الذين يظلَّهم تحت ظله:
(ورجل تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمُ شمالُه ما تنفق يمينه))(٨).
وبجعل ذلك من باب المبالغة يندفعُ ما قيلَ: إنَّ إخفاءَ ذلك من نفسه سبحانه
محالٌ، فلا يناسبُ دخولَ ((كاد)) عليه، ولا حاجة إلى ما قيل: إنَّ معنى ((من
نفسي)»: من تلقائي، ومن عندي.
والقرينة على هذا المحذوف إثباتُه في المصاحف، وكونُه قرينةً خارجيَّةٌ لا يضرُّ،
إذ لا يلزم في القرينة وجودُها في الكلام.
(١) في البحر ٦/ ٢٣٢.
(٢) ٤٨/٢.
(٣) سلف ٤٣٥/١٣.
(٤) القراءات الشاذة ص٨٧. وذكرها أيضاً القراء في معاني القرآن ١٧٦/٢ .
(٥) ذكرها البغوي ٢١٤/٣، والقرطبي ٣٩/١٤، وأبو حيان ٢٣٣/٦.
(٦) انظر تفسير البغوي ٢١٤/٣، وتفسير القرطبي ٣٩/١٤، والبحر المحيط ٢٣٣/٦.
(٧) ذكره دون نسبة أبو حيان في البحر ٢٣٣/٦، والسمين في الدر المصون ٢٠/٨.
(٨) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، وأحمد (٩٦٦٥) من حديث أبي هريرة
:
.

٢٦٤
الآية : ١٥
وقيل: الدليلُ عليه أنَّه لا بد لـ ((أخفيها)) من متعلق، وهو من يُخْفى منه.
ولا يجوز أن يكون من الخلق؛ لأنَّه تعالى أخفاها عنهم، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ
عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] فيتعيَّن ما ذكر.
وفيه أنَّ عدم صحة تقدير ((من الخلق)) ممنوعٌ؛ لجواز إرادةِ إخفاءٍ تفصيلها
وتعيينها، مع أنَّه يجوز أنْ لا يُقَدَّر له متعلَّق، والمعنى: أُوجِد إخفاءها ولا أقول:
إنَّها آتية.
وقال أبو عليّ: المعنى: أكاد أظهرُها بإيقاعها، على أنَّ ((أخفيها)) من ألفاظ
السلب، بمعنى أزيل خفاءها، أي: ساترَها. وهو في الأصل ما يلفُّ به القِرْبة
ونحوها من کساء وما يجري مجراه. ومن ذلك قول امرئ القيس:
فإن تدفنوا الداءَ لا نَخْفِهِ وإنْ توقدوا الحربَ لا نقعدٍ(١)
ويؤيِّده قراءةُ أبي الدرداء وابنٍ جبیر والحسن ومجاهد وحمید، ورویت عن ابن
كثير وعاصم: ((أَخفيها)) بفتح الهمزة (٢)، فإنَّ خفاه بمعنى أظهره لا غير في
المشهور، وقال أبو عبيدة - كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة(٣) -: خَفَيت
وأخفیت بمعنی واحد.
ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس شيئاً
واحداً حتى تتعارض القراءتان، وقالت فرقة: خبر ((كاد)) محذوف: أكاد آتي بها،
كما حذف في قول ضابئ(٤) البرجمي:
تركتُ على عثمان تبكي حلائلُه(٥)
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني
(١) ديوان امرئ القيس ص١٨٦.
(٢) البحر المحيط ٢٣٢/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٨٧، والمحتسب ٤٧/٢. وقراءة ابن
كثير وعاصم المتواترة عنهما كقراءة الجمهور بضم الهمزة.
(٣) كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٦/٢ - ١٧ بنحوه. وأبو الخطاب هو الأخفش الكبير،
وهو شيخ أبي عبيدة، كما في السير ٧/ ٣٢٣. وعبارة أبي حيان في البحر ٢٣٢/٦ قريبة
من عبارة المصنف. والصواب أن أبا عبيدة رواه عن شيخه أبي الخطاب، كما في مجاز
القرآن ١٦/٢، وانظر تفسير الطبري ٣٧/١٦، وتفسير القرطبي ٣٦/١٤.
(٤) في الأصل و(م): صابئ. والمثبت من المصادر.
(٥) طبقات فحول الشعراء ١٧٤/١، وخزانة الأدب ٣٢٣/٩.

الآية : ١٥
٢٦٥
أي: وكدتُ أفعل، وتمَّ الكلام ثم استأنف الإخبار بأنَّه تعالى يخفيها، واختاره
النخَّاس(١).
وقالت فرقةٌ أخرى: ((أكاد)) زائدة، لا دخول لها في المعنى، بل المراد الإخبار
بأنَّ الساعةَ آتيةٌ، وأنَّ الله تعالى يخفي وقتَ إتيانها، وروي هذا المعنى عن ابن
جبير. واستدلُّوا على زيادة ((كاد)) بقوله تعالى: ﴿لَرْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ [النور: ٤٠]. وبقول
زيد الخيل :
فما إن يكاد قِرنُه يتنفَّسُ(٢)
سریعٌ إلی الھیجاء شائٍ سلاحَه
ولا حجّة في ذلك كما لا يخفى.
﴿لِتُجْزَِّى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾﴾ متعلّق بـ ((آتية)) كما قال صاحب ((اللوامح))
وغيره، وما بينهما اعتراضٌ لا صفة حتى يلزم إعمالُ اسم الفاعل الموصوف، وهو
لا يجوز على رأي البصريين، أو بـ ((أخفيها)) على أنَّ المراد أظهرها، لا على أنَّ
المراد أسترها؛ لأنَّه لا وجهَ لقولك: أسترها لأجل الجزاء. وبعضهم جوَّز ذلك،
ووَجَّهه بأنَّ تعميةَ وقتِها لتُنْتَظَر ساعةً فساعة، فيحترز عن المعصية، ويجتهد في
الطاعة. وتُعقّب بأنَّه تكلُّفٌ ظاهر، مع أنَّه لا صحةَ له إلَّا بتقدير: لينتظر الجزاء،
أو: لتخاف وتخشى.
و (ما)) مصدرية، أي: لتُجزى بسعيها وعملها إن خيراً فخير، وإنْ شرًّا فشر.
وهذا التعميمُ هو الظاهر.
وقيل: لتجزى بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها. وتخصيصُه
في معرض الغاية لإتيانها، مع أنَّه لجزاء كلِّ نفس بما صدرَ عنها سواءٌ كان سعياً
فيما ذكر، أو تقاعداً عنه بالمرَّة، أو سعياً في تحصيل ما يضادُّه؛ للإيذان بأنَّ المراد
بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة، وأما العقابُ بتركها فمن مقتضيات سوءٍ
اختيار العصاة، وبأن المأمورَ به في قوَّة الوجوب، والساعةً في شدة الهول
والفظاعة بحيثُ يوجبان على كلِّ نفسٍ أنْ تسعى في الامتثال بالأمر، وتَجِدَّ في
(١) في إعراب القرآن له ٣٥/٣.
(٢) ديوان زيد الخيل ص٧٤.

سُورَةٌ طَّة
٢٦٦
الآية : ١٦
تحصيل ما يُنجيها من الطاعات، وتحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي.
انتھی. ولا یخفی ما فيه.
وقيل: ((ما)) موصولة، أي: بالذي تسعى فيه. وفيه حذف العائد المجرور
بالحرف مع فقد شرطه. وأُجيبَ بأنَّه يجوز أنْ يكون القائل لا يشترط. وقيل: يُقَدَّر
منصوباً على التوسُّع.
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ خطابٌ لموسى عليه السلام، وزعم بعضهم أنَّه لنبينا وَّ لفظاً
ولأمَّته معنَى. وهو في غاية البعد.
﴿عَنْهَا﴾ أي: الساعة، والمراد عن ذكرها ومراقبتها. وقيل: عن الإيمان
بإتيانها، ورُجِّح الأولُ بأنَّه الأليقُ بشأن موسى عليه السلام، وإن كان النهي بطريق
التهييج والإلهاب.
ورجوع ضمير ((عنها)) إلى الساعة هو الظاهر، وكذا رجوع ضمير (بها)) في قوله
تعالى: ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾. وقيل: الضميران راجعان إلى الصلاة. وقيل: ضمير
((عنها)) راجعٌ إلى الصلاة، وضمير ((بها)) راجعٌ إلى الساعة. وقيل: الضميران
راجعان إلى كلمة ((لا إله إلا أنا)). وقيل: الأولُ راجعٌ إلى العبادة، والثاني راجعٌ
إلى الساعة. وقيل: هما راجعان إلى الخصال المذكورة.
وتقديم الجارِّ والمجرور على الفاعل لما مرَّ غير مرة من الاهتمام بالمقدَّم
والتشويق إلى المؤخّر، ولأنَّ في المؤشّر نوعُ طولٍ ربَّما يخلُّ تقديمه بجزالة النظم
الكريم.
والنهي وإن كان بحسب الظاهر نهياً للكافر عن صدِّ موسى عليه السلام عن
الساعة، لكنَّه في الحقيقة نهيٌ له عليه السلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجه
وآكده، فإنَّ النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدِّية إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهانيّ،
وإيطالٌ للسببية عن أصلها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنْكُمْ﴾ [المائدة: ٢] إلخ، فإنَّ
صدر الكافر حيثُ كان سبباً لانصدادِه عليه السلام كان النهي عنه نهياً بأصله
وموجبه، وإبطالاً له بالكليّة، ويجوزُ أن يكون نهياً عن السبب على أن يراد نهيه عليه
السلام عن إظهار لين الجانب للكفرة، فإنَّ ذلك سببٌ لصدِّهم إيَّاه عليه السلام،
كما في قوله: لا أرينَّك ها هنا. فإنَّ المرادَ به نهيُ المخاطب عن الحضور لديه،

الآية : ١٧
٢٦٧
سِوَلاَ طَّفة
الموجبٍ لرؤيته، فكأنَّه قيل: كن شديدَ الشكيمة، صلبَ المعجم، حتى لا يتلوح
منك لمن يكفر بالساعة وينكر البعث أنَّه يطمعُ في صدِّك عمَّا أنت عليه، وفيه حثّ
على الصلابة في الدين وعدم اللين المطمع لمن كفر.
﴿وَأَتَّبَعَ هَوَئِهُ﴾ أي: ما تهواه نفسُه من اللذَّات الحسيَّة(١) الفانية، فصدَّه عن
الإيمان. ﴿فَتَرْدَى ﴾﴾ أي: فتهلك، فإنَّ الإغفال عن الساعة وعن تحصيل
ما ينجي عن أحوالها مستتبعٌ للهلاك لا محالة.
وذكر العلّامة الطيبيُّ أنَّه يمكن أن يحملَ: ((من لا يؤمن)) على المُعرِض عن
عبادة الله تعالى، المتهالِك في الدنيا، المنغمس في لذّاتها وشهواتها؛ بدليل
((واتبع)) إلخ، ويحملَ نهيُ الصّدِّ على نهي النظر إلى متمتعاته من زهرة الحياة الدنيا،
ليكون على وزان قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ (﴾ لَا تَعُدَّنَ
عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا﴾ [الحجر: ٨٧ ٨٨] إلخ، ويحمَلَ متابعة الهوى على
الميل إلى الإخلاد إلى الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ
هَوَنَةٌ﴾ [الأعراف: ١٧٦] يعني: تَفَرَّغْ لعبادتي، ولا تلتفت إلى ما الكفرةُ فيه، فإنَّه
مهلٌ، فإنَّ ما أوليناك واخترناه لك هو المقصدُ الأسنى. وفي هذا حثٌّ عظيمٌ على
الاشتغال بالعبادة، وزجرٌ بلیغٌ عن الرکون إلی الدنیا ونعیمها. ولا یخلو عن حسن،
وإن كان خلاف الظاهر.
و ((تردى» يحتملُ أنْ يكون منصوباً في جواب النهي، وأن يكون مرفوعاً،
والجملة خبر مبتدأ محذوف، أي: فأنت تردی بسبب ذلك.
وقرأ يحيى: ((فتِردى)) بكسر التاء (٢).
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ®﴾ شروعٌ في حكاية ما كلَّفه عليه السلام من
الأمور المتعلقة بالخلق، إثر حكاية ما أُمر به من الشؤون الخاصَّة بنفسه. فـ ((ما))
استفهاميةٌ في محلِّ الرفع بالابتداء، و((تلك)) خبره، أو بالعكس، وهو أدخلُ بحسب
المعنى، وأوفق بالجواب. و((بيمينك)) متعلِّق بمضمرٍ وقع حالاً من ((تلك))، أي:
(١) في الأصل: الحسنة.
(٢) القراءات الشاذة ص ٨٧، والبحر المحيط ٢٣٣/٦.

٢٦٨
الآية : ١٨
وما تلك قارَّةً أو مأخوذةً بيمينك. والعامل فيه ما فيه من معنى الإشارة، كما في
قوله عزَّ وعلا حكايةً: ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢] وتسمِّيه النحاةُ عاملاً معنويًّا.
وقال ابن عطية(١): ((تلك)) اسم موصول، و((بيمينك)) متعلّقٌ بمحذوف صلته،
أي: وما التي استقرَّت بيمينك. وهو على مذهب الكوفيين الذين يقولونَ: إنَّ كلَّ
اسم إشارةٍ يجوزُ أن يكون اسماً موصولاً. ومذهب البصريين عدم جواز ذلك إلَّا
في ((ذا)) بشرطه.
والاستفهامُ تقريريّ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بيانُ المراد منه.
﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ نسبها عليه السلام إلى نفسه تحقيقاً لوجه كونها بيمينه،
وتمهيداً لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه السلام. واسمُها على ما روي عن
مقاتل: نبعة، وكان عليه السلام قد أخذها من بيت عصيّ الأنبياء عليهم السلام التي
كانت عند شعيب حين استأجرَه للرعي، هبط بها آدم عليه السلام من الجنة، وكانت
فيما يقال من آسها(٢).
وقال وهب: كانت من العوسَج، وطولُها عشرةُ أذرع على مقدار قامته عليه
السلام. وقيل: اثنتا عشرة ذراعاً بذراع موسى عليه السلام.
وذكر المسند إليه، وإن كان هو الأصل؛ لرغبته عليه السلام في المناجاة،
ومزيد لذاذته بذلك.
وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدريّ: ((عصيَّ)) بقلب الألف ياءً(٣)، وإدغامها في
ياء المتكلم على لغة هذيل، فإنَّهم يقلبونَ الألف التي قبل ياء المتكلم ياءً
للمجانسة، كما يُكسر ما قبلها في الصحيح. قال شاعرهم:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم فتُخرِّموا ولكلِّ جنبٍ مَضْرَعُ(٤)
(١) انظر المحرر الوجيز ٤١/٤.
(٢) الآس: شجر دائم الخضرة، بيضي الورق، أبيض الزهر أو ورديه. المعجم الوسيط (الآس).
(٣) البحر المحيط ٢٣٤/٦، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٧ عن ابن
أبي إسحاق فقط.
(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. وهو في شرح أشعار الهذليين ٧/١. وسلف ٢٥٠/١٣.

الآية : ١٨
٢٦٩
سُؤٌلاَ طَّة
وقرأ الحسن: ((عصايٍ)) بكسر الياء، وهي مرويةٌ عن ابن أبي إسحاق أيضاً
وأبي عمرو (١)، وهذه الكسرة لالتقاء الساكنين كما في ((البحر))(٢). وعن ابن
أبي إسحاق: ((عصائْ)) بسكون الياء(٣)، كأنَّه اعتبرَ الوقف، ولم يبال بالتقاء
الساكنين.
والعصا من المؤنثات السماعيَّة ولا تلحقُها التاء، وأوَّل لحنٍ سُمع
بالعراق - كما قال الفراء -: هذه عصاتي. وتجمع على عصي بكسر أوله وضمه،
وأعصٍ وأعصاء.
﴿أَتَوَكَّؤْ عَلَيْهَا﴾ أي: أتحاملُ عليها في المشي والوقوف على رأس القطيع
ونحو ذلك.
﴿وَأَهُثُّ بِهَا﴾ أي: أخبط بها ورقَ الشجر وأضربه ليسقط ﴿عَلَى غَنَى﴾ فتأكله.
وقرأ النخعيُّ - كما ذكر أبو الفضل الرازيّ وابن عطية -: ((أَهِشُّ)) بكسر
الهاء(*)، ومعناه كمعنى مضموم الهاء، والمفعول على القراءتين محذوفٌ كما أشرنا
إليه .
وقال أبو الفضل: يحتملُ أن يكونَ ذلك من هشَّ يَهِشُّ هشاشةً، إذا مال،
أي: أميلُ بها على غنمي بما يصلحها من السوق وإسقاط الورق لتأكله
ونحوهما، ويقال: هشَّ الورقُ والكلأُ والنبات: إذا جفَّ ولان. انتهى. وعلى
هذا لا حذف.
وقرأ الحسن وعكرمة: ((أهُسُ)) بضمِّ الهاء والسين المهملة(٥)، من الهسِّ، وهو
زجر الغنم، وتعديته بـ ((على)) لتضمين معنى الإنحاء، يقال: أنحى عليه بالعصا، إذا
رفعها عليه موهماً للضرب، أي: أزجرها منحياً عليها. وفي كتاب ((السين والشين))
(١) البحر المحيط ٢٣٤/٦. وانظر المحتسب ٤٨/٢ - ٤٩، والمحرر الوجيز ٤ /٤١.
(٢) ٦ / ٢٣٤.
(٣) البحر المحيط ٢٣٤/٦، وانظر الكشاف ٥٣٣/٢، وتفسير القرطبي ١٤/ ٤٢.
(٤) المحرر الوجيز ٤١/٤. وانظر المحتسب ٢/ ٥٠، والبحر ٢٣٤/٦.
(٥) البحر المحيط ٢٣٤/٦، وهي في القراءات الشاذة ص٨٧، والمحتسب ٥٠/٢ عن عكرمة
فقط .

سُورَةٌ طَّ
٢٧٠
الآية : ١٨
لصاحب ((القاموس)) يقال: هسَّ الشيء وهشه إذا فتَّه وكسره، فهما بمعنى(١). ونقل
ابن خالويه عن النخعيِّ أنَّه قرأ: ((أُهِشُّ)) من أهشّ رباعيًّا(٢).
وذكر صاحب ((اللوامح)) عن عكرمة ومجاهد: ((أُهُشُ)) بضمِّ الهاء وتخفيف
الشين المعجمة، ثم قال: لا أعرفُ وجهه إلَّا أن يكون بمعنى أهشُّ بالتضعيف،
لكن فرَّ منه؛ لأنَّ الشين فيه تفشِّ، فاستثقل الجمع بين التضعيف والتفشِّي، فيكون
كتخفيف: ظلت، ونحوه(٣). اهـ. وهو في غاية البعد.
وقرأت جماعة: ((غَنْمي)) بسكون النون. وأخرى: ((عَلَيَّ غَنَمي))(٤). على أنَّ
((عليَّ)) جارٌّ ومجرور، و((غنمي)) مفعولٌ صريحٌ للفعل السابق، ولم أقف على ذكر
كيفية قراءة هذه الجماعة ذلك الفعل، وهو على قراءة الجمهور ممَّا لا يظهر تعدِّيه
للغنم، وكذا على قراءة غيرهم إلَّا بنوع تكلُّف.
والغنم: الشاء(٥)، وهو اسمٌ مؤنثٌ موضوعٌ للجنس، يقع على الذكر والإناث
وعليهما جميعاً، ولا واحدَ له من لفظه، وإنَّما واحده: شاةٌ، وإذا صغَّرتَه، قلت:
غُنَيمة، بالهاء، ويجمع على أغنام وغنوم وأغانم، وقالوا: غنمان في التثنية، على
إرادة قطعتين.
وقدَّم عليه السلام بيانَ مصلحة نفسه في قوله: ((أتوكأُ عليها)) وثَنَّى بمصلحة
رعيتهِ في قوله: ((وأهشُّ بها على غنمي)) ولعلَّ ذلك لأنَّه عليه السلام كان قريبَ
العهد بالتوكُّؤْ، فكان أسبق إلى ذهنه، ويليه الهشُّ على غنمه.
وقد رَوى الإمام أحمد أنَّه عليه السلام بعد أن ناداه ربُّه سبحانه، وتحقَّق أنَّه
جلَّ وعلا هو المنادي قال سبحانه له: ادنُ مِنِّي، فجمع يديه في العصا، ثمَّ تحامل
حتى استقلَّ قائماً، فرعدت فرائصُه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطعَ
لسانه، وانكسر قلبه، ولم يبقَ منه عظمٌ يحملُ آخر، فهو بمنزلة الميت، إلّا أنَّ روحَ
(١) تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين ص ٦٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٨٧.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٢٣٤.
(٤) البحر المحيط ٢٣٥/٦. وذكر القراءتين أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١/٤.
(٥) في (م): الشاة.

الآية : ١٨
٢٧١
سُورَةً طَّفة
الحياةَ تجري فيه، ثم زحفَ وهو مرعوبٌ حتى وقفَ قريباً من الشجرة التي نودي
منها، فقال له الربُّ تباركَ وتعالى: ((ما تلك بيمينك يا موسى))؟ فقال ما قصَّ عزَّ
=(١)
.
وجل
وقيل: لعلَّ تقديم التوكُّؤْ عليها؛ لأنَّه الأوفقُ للسؤال بـ ((ما تلك بيمينك))، ثم
إنَّه عليه السلام أجملَ أوصافها في قوله: ﴿وَلِيَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى ﴾﴾ أي: حاجاتٌ
أُخَر، ومفردُه: مأربة، مثلثة الراء. وعومل في الوصف معاملة مفردِه ولم يقل:
أُخَر، وذلك جائزٌ في غير الفواصل، وفيها - كما هنا - أجوزُ وأحسن.
ونقل الأهوازيُّ في كتاب ((الإقناع)) عن الزهريّ وشيبة أنَّهما قرأا: ((مارب))
بغير همز(٢)، وكأنه يعني: بغير همزٍ محقَّق، ومحصَّله أنَّهما سهَّلا الهمزة بين
بین .
وقد روى الإمام أحمد وغيره عن وهب في تعيين هذه المآرب أنَّه كان لها
شعبتان ومحجن تحتهما، فإذا طال الغصنُ حناه بالمحجن، وإذا أراد کسرَه لواه
بالشعبتين، وكان إذا شاء عليه السلام ألقاها على عاتقه، فعلَّق بها قوسه وكنانته
ومخلاته وثوبه وزاداً إنْ كان معه، وكان إذا رتع في البَرِّيَّة حيثُ لا ظلَّ له ركزها،
ثمّ عرض بالزندين الزند الأعلى والزند السفلى على شعبتيها (٣)، وألقى فوقها كساءه
فاستظلَّ بها ما كان مرتعاً، وكان إذا ورد ماءً يقصر عنه رشاؤُه وصلَ بها، وكان
يقاتلُ بها السباع عن غنمه (٤).
(١) الزهد لأحمد ص ٨٠ - ٨١. وهو جزء من حديث وهب السالف ص٢٥١.
(٢) البحر المحيط ٢٣٥/٦.
(٣) نص العبارة كما في الدر المنثور ٢٩١/٤: ثم عرض بالوتد بين شعبتيها. ونصها كما في
مطبوع تاريخ دمشق ٤٦/٦١: ثم أعرض زنده بين شعبتيها. ونص عبارة الكشاف ٢/ ٥٣٤،
والبيضاوي ٢٠/٤، وأبي السعود ٦/ ١٠: وعرض الزندين على شعبتيها. قال الخفاجي في
حاشيته على البيضاوي ١٩٦/٦: وعرض بالتخفيف والتشديد، والزندان هما عودان يحك
أحدهما بالآخر فتخرج النار.
(٤) الدر المنثور ٢٩١/٤. وهو تتمة حديث الزهد السابق. لكن هذا الموضع مختصر في الزهد
لأحمد.

الآية : ١٨
٢٧٢
وذكر بعضهم أنَّه كان عليه السلام يستقي بها، فتطولُ بطول البئر، وتصير
شعبتاها دلواً، وتكونان شمعتين في الليل، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى
ثمرةً ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحملُ عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه،
ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوامَّ، وكانت تحدِّثه وتؤنسه.
ونقل الطبرسيُّ (١) كثيراً مما ذكر عن ابن عباس
والظاهرُ أنَّ ذلك ممَّا كان فيها بَعْد، وتكلَّف بعضهم للقول بأنه ممَّا كان
قَبْل، ويحتمل إنْ صَّ خبرٌ في ذلك، ولا أراه يصحُّ فيه شيء. وكأنَّ المراد من
سؤاله تعالى إيَّه عليه السلام أنْ يُعدِّد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا
ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه تعالى عقبَ ذلك الآيةَ العظيمة، كأنه جلَّ
وعلا يقول: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسيَّة عندها
كلُّ منفعة ومأربة كنت تعتدُّ بها وتحتفلُ بشأنها. فـ ((ما)) طالبةٌ للوصف، أو يقدر
المنفعة بعدها .
واختيار ما يدلُّ على البعد في اسم الإشارة للإشارة إلى التعظيم، وكذا في
النداء إيماء إليه، والتعداد في الجواب لأجله. و((مآرب أخرى)) تتميمٌ للاستعظام
بأنَّها أكثرُ من أن تحصى.
وذكر العصا في الجواب ليجريَ عليها النعوت المادحة، وفيه من تعظيم شأنها
ما ليس في ترك ذكرها، ويندفعُ بهذا ما أُورِد من أنَّه يلزم على هذا الوجه استدراك
(هي عصاي)) إذ لا دخل له في تعداد المنافع.
ويجوز أن يكون المراد إظهاره عليه السلام حقارتها ليريه عزَّ وجلَّ عظيمَ
ما يخترعه في الخشبة اليابسة ممَّا يدلُّ على باهر قدرته سبحانه، كما هو شأنُ من
أراد أنْ يظهرَ من الشيء الحقير شيئاً عظيماً، فإنَّه يعرضه على الحاضرين، ويقول:
ما هذا؟ فيقولون: هو الشيءُ الفلانيّ، ويصفونَه بما يبعدُ عما يريد إظهاره منه، ثمَّ
يظهر ذلك. فـ (ما)) طالبةٌ للجنس، و((تلك)) للتحقير، والتعدادُ في الجواب لأجلهِ،
و (مآرب أخرى)) تتميمٌ لذلك أيضاً بأن المسكوت عنه من جنس المنطوق، فكأنَّه
(١) مجمع البيان ١٦ / ٩٥ - ٩٦.

الآية : ١٨
٢٧٣
سُوَّلا طفة
عليه السلام قال: هي خشبةٌ يابسةٌ لا تنفعُ إلَّا منافع سائر الخشبات، ولذلك ذكر
عليه السلام العصا وأجرى عليها ما أجرى.
وقيل: إنَّه عليه السلام لما رأى من آيات ربه ما رأى غلبت عليه الدهشةُ
والهيبة، فسأله سبحانه وتكلّم معه إزالةً لتلك الهيبة والدهشة، فـ ((ما)) طالبةٌ إمّا
للوصف، أو للجنس.
وتكرير النداء لزيادة التأنيس، ولعلَّ اختيارَ ما يدلُّ على البعد في اسم الإشارة
لتنزيلِ العصا منزلة البعيد لغفلته عليه السلام عنها بما غلبَ عليه من ذلك.
والإجمالُ في قوله: ((ولي فيها مآربُ أخرى)) يحتملُ أن يكون رجاء أنْ يسألَه
سبحانه عن تلك المآرب، فيسمع كلامه عزَّ وجلَّ مرةً أخرى، وتطول المكالمة،
وتزداد اللذاذة التي لأجلها أطنبَ أوَّلاً، وما ألذَّ مكالمةَ المحبوب، ومن هنا قيل:
وأَمْلَى حديثاً يستطابُ فليتني أطلتُ ذنوباً كي يطولَ عتابُه(١)
ويحتمل أنْ يكون لعود غلبة الدهشة إليه عليه السلام، وزعم بعضُهم أنَّه تعالى
سأله عليه السلام ليقرِّره على أنَّها خشبة، حتَّى إذا قلبها حيَّةً لا يخافُها. وليس بشيءٍ.
وعلى جميع هذه الأقوال السؤالُ واحدٌ، والجواب واحدٌ كما هو الظاهر.
وقيل: ((أتوقّا عليها)) إلخ جوابٌ لسؤالٍ آخر، وهو أنَّه لمَّا قال: ((هي عصاي))
قال له تعالى: فما تصنع بها؟ فقال: ((أتوّأ عليها)) إلخ.
وقيل: إنَّه تعالى سأله عن شيئين؛ عن العصا بقوله سبحانه: ((وما تلك))، وعمّا
يملكُه منها بقوله عزَّ وجلَّ: ((بيمينك))، فأجاب عليه السلام عن الأول بقوله: ((هي
عصاي))، وعن الثاني بقوله: ((أتوّأ عليها)) إلخ. ولا يخفى أنَّ كلا القولين لا ينبغي
أن يُتَوَّأ عليهما، لا سيما الأخير.
هذا واستدلَّ بالآية على استحباب التوكُّؤ على العصا. وإن لم يكن الشخص
بحيث تكون وَتَراً لقوسه، وعلى استحباب الاقتصاد في المرعى بالهشِّ، وهو ضَرْبُ
الشجر ليسقطَ الورق دون الاستئصال، ليخلف فينتفع به الغير.
(١) البيت لابن سناء الملك، وهو في ديوانه ص٣٩. وفيه: عتاباً. بدل: حديثاً.

٢٧٤
الآية : ١٩، ٢٠
وقد ذكر الإمامُ فيها فوائدَ سنذكرُ بعضَها في باب الإشارة؛ لأنَّ ذلك أوفقُ به .
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ ينساقُ إليه الذهن، كأنَّه قيل: فماذا قال الله
عزَّ وجلَّ؟ فقيل: قال: ﴿أَلْفِهَا يَمُوسَى
فألقتْ عصاها واستقرَّت بها النوى
﴾ لترى من شأنها ما ترى، والإلقاء:
الطرح على الأرض، ومنه قوله :
كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر(١)
وتكرير النداء لمزيد التنبيه والاهتمام بشأنِ العصا، وكونُ قائل هذا هو الله
تعالى هو الظاهر، وزعم بعضهم أنَّه يجوزُ أنْ يكون القائلُ الملَك بأمر الله تعالى،
وقد أبعدَ غايةَ البعد.
تمشي وتنتقلُ
﴿فَأَلْقَئُهَا﴾ ريثما قيل له: ألقها، ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾﴾
بسرعة، والحيَّةُ اسمُ جنسٍ ينطلقُ على الصغير والكبير، والأنثى والذكر، وقد
انقلبت حين ألقاها عليه السلام ثعباناً، وهو العظيمُ من الحيَّات، كما يفصحُ عنه
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] وتشبيهُها بالجانِّ - وهو الدقيقُ
منها - في قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْثَرُّ كَأَنَّهَا جَآَنٌ﴾ [النمل: ١٠] من حيث الجلادة
وسرعة الحركة، لا من حيث صغر الجثّة، فلا منافاة.
وقيل: إنَّها انقلبت حين ألقاها عليه السلام حيةً صفراء في غلظ العصا، ثم
انتفخت وغَلُظت، فلذلك شُبِّهت بالجانِّ تارة، وسمِّيت ثعباناً أخرى، وعبّر عنها
بالاسم العامِّ للحالین.
والأوَّل هو الأليقُ بالمقام مع ظهور اقتضاء الآية التي ذكرناها له، وبعدها عن
التأويل.
وقد روى الإمام أحمد وغيره عن وهب أنَّه عليه السلام حانت منه نظرةٌ بعد أن
ألقاها، فإذا بأعظم ثعبانٍ نظرَ إليه الناظرون يرى(٢)، يلتمس كأنَّه يبتغي شيئاً يريد
أخذه، يمرُّ بالصخرة مثل الخَلِفَة من الإبل، فيلتقمُها ويطعن بالناب من أنيابه في
أصل الشجرة العظيمة فيجتثُّها، عيناه توقدان ناراً، وقد عاد المحجن عرفاً فيه شعرٌ
(١) البيت مختلف في نسبته، وسلف ١٠/ ١٠٢.
(٢) كذا في الأصل و(م) والدر المنثور. وفي مطبوع الزهد ص٨١: يدبُّ.

الآية : ٢١
٢٧٥
سُورَةً طَ
مثل النيازك، وعاد الشعبتان فماً مثلَ القليب الواسع، فيه أضراسٌ وأنيابٌ لها
صریف(١).
وفي بعض الآثار أنَّ بين لحييه أربعين ذراعاً، فلمَّا عاينَ ذلك موسى عليه
السلام ولَّى مدبراً ولم يعقِّب، فذهبَ حتى أمعنَ ورأى أنَّه قد أعجزَ(٢) الحيَّةَ، ثم
ذكر ربَّه سبحانه فوقفَ استحياءً منه عزَّ وجلَّ، ثم نُودي: يا موسى إليَّ ارجع حيث
كنت، فرجع وهو شديدُ الخوف، فأمره سبحانه وتعالى بأخذِها، وهو ما قصَّ الله
تعالى بقوله عزَّ قائلاً: ﴿قَالَ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ، والجملةُ استئنافٌ كما سبق:
﴿خُذْهَا﴾ أي: الحيّة، وكانت على ما روي عن ابن عباس ذَكَراً. وعن وهب أنَّه
تعالى قال له: خذها بيمينك ﴿وَلَا تَّخَفْ﴾ منها، ولعلَّ ذلك الخوف ممَّا اقتضتهُ
الطبيعةُ البشريَّة، فإنَّ البشرَ بمقتضى طبعه يخاف عندَ مشاهدة مثل ذلك، وهو
لا ينافي جلالةَ القدر.
وقيل: إنَّما خافَ عليه السلام؛ لأنَّه رأى أمراً هائلاً صدرَ من الله عزَّ وجلَّ
بلا واسطة، ولم يقف على حقيقة أمره، وليس ذلك كنارٍ إبراهيم عليه السلام؛
لأنَّها صدرت على يد عدوِّ الله تعالى، وكانت حقيقةُ أمرها كنارٍ على عَلَم، فلذلك
لم يخف عليه السلام منها، كما خاف موسى عليه السلام من الحيَّة.
وقيل: إنَّما خافَ لأنَّه عرف ما لقي من ذلك الجنس، حيثُ كان له مدخلٌ في
خروج أبيه من الجنة.
وإنما عطف النهي على الأمر؛ للإشعار بأنَّ عدم المنهيِّ عنه مقصودٌ لذاته،
لا لتحقيق المأمور به فقط.
وقوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ أي: بعد الأخذ ﴿سِيرَتَهَا﴾ أي: حالتها
﴿اَلْأُوْلَى ﴾﴾ التي هي العصويَّة، استئنافٌ مسوقٌ لتعليل الامتثال بالأمر والنهي،
فإِنَّ إعادتها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها وعدم الخوف منها .
ودعوى أنَّ فيه مع ذلك عِدَةً كريمةً بإظهار معجزةٍ أخرى على يده عليه السلام،
(١) الزهد ص٨١. وهو جزء من حديث وهب السالف ص٢٥١ .
(٢) لفظة: أعجز. ليست في الأصل.

سُو ◌َلاَّفة
٢٧٦
الآية : ٢١
وإيذاناً بكونها مسخّرةً له عليه السلام، ليكونَ على طمأنينةٍ من أمره، ولا تعتريه
شائبةُ تزلزل عند محاجَّةٍ فرعون = لا تخلو عن خفاء.
وذكر بعضُهم أنَّ حكمَة انقلابها حيَّةً، وأمره بأخذها، ونهيه عن الخوف = تأنيسُه
فيما يعلم سبحانه أنَّه سيقع منه مع فرعون، ولعلَّ هذا مأخذُ تلك الدعوى.
قيل: بلغَ عليه السلام عند هذا الخطاب من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان
يُدخِلُ يدَه في فمها، ويأخذُ بلحييها .
وفي رواية الإمام أحمد وغيره عن وهب: أنَّه لمَّا أمره الله تعالى بأخذها أدنى طرفَ
المِدْرَعة(١) على يده، وكانت عليه مدرعةٌ من صوفٍ، قد خلَّها بخلالٍ من عيدان، فقال
له ملك: أرأيتَ يا موسى لو أذن الله تعالى بما تحاذر أكانت المدرعةُ تغني عنك شيئاً؟
قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضَعْفٍ خلقت، فكشفَ عن يده ثمَّ وضعَها على فم
الحيّة، حتى سمع حسَّ الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاهُ التي عهدها،
وإذا يدُه في موضعِها الذي كان يضعُها فيه إذا توّا بين الشعبتين(٢).
والروايةُ الأولى أوفق بمنصبِه الجليل عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ◌ًَّا أنَّه عليه السلام نوديَ المرَّةَ الأولى:
يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثمَّ نوديَ الثانية: ((خذها ولا تخف»، فلم يأخذها،
ثم نوديَ الثالثة: إنَّك من الآمنين. فأخذَها(٣).
وذكر مكيٍّ في ((تفسيره)) أنَّه قيل له في المرة الثالثة: ((سنعيدها سيرتها الأولى)).
ولا يخفى أنَّ ما ذُكِر بعيدٌ عن منصب النبوَّة، فلعلَّ الخبر غيرُ صحيح.
والسِّيرة(٤) فعلةٌ من السير، تقال للهيئة والحالة الواقعة فيه، ثمَّ جُرِّدت لمطلق
الهيئة والحالة التي يكون عليها الشيء، ومن ذلك استعمالها في المذهب والطريقة
في قولهم: سيرةُ السلف، وقول الشاعر:
(١) ثوب لا يكون إلا من الصوف. القاموس (درع).
(٢) الزهد ص٨١. وهو جزء من حديث وهب السالف ص٢٥١ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٤٢٠ (١٣٤١٨).
(٤) بعدها في الأصل: في.

الآية : ٢١
٢٧٧
فأوُّل راضٍ سيرةً من يسيرُها(١)
فلا تغضبنْ من سيرة أنت سِرْتَها
واختلف في توجيه نصبها في الآية، فقيل: إنَّها منصوبةٌ بنزع الخافض،
والأصل: إلى سيرتها، أو: لسيرتها. وهو كثير، وإنْ قالوا: إنَّه ليس بمقيس. وهذا
ظاهر قول الحوفي: إنَّها مفعولٌ ثانٍ لـ ((سنعيدها))، على حذف الجارِّ نحو: ﴿وَأَخْثَرَ
مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وإليه ذهب ابنُ مالك، وارتضَاه ابنُ هشام(٢).
وجَوَّز الزمخشريُّ(٣) أنْ يكون: أعاد، منقولاً من عَادَه بمعنى عَاد إليه، ومنه
قول زهير:
فَصَرِّمْ حَبْلَها إذ صرَّمَتْهُ وعادَكَ أن تلاقِيَها عداءُ(٤)
فيتعدَّى إلى مفعولين.
والظاهر أنَّه غيرُ التوجيه الأول؛ لاعتبار النقل فيه، والخافضُ يحذفُ من:
أعاد، من غير نظرٍ إلى ثلاثيِّه. وتعدِّي: عادَ، بنفسِه مما صحَّ به النقل، فقد نقل
الطيبيُّ عن الأصمعيِّ أنَّ: عادك، في البيت متعدٍّ بمعنى صيَّرك(٥)، وكذا نقل
الفاضلُ اليمنيّ. وفي ((المغرب)): العودُ: الصيرورةُ ابتداءً وثانياً، ويتعدّى بنفسه
ويـ ((إلى)) و((على)) و((في) و((اللام))(٦).
وفي ((مشارق اللغة)) للقاضي عياض مثلُهُ(٧)، ونقل عن الحديث: ((أَعُدْتَ فَتَّاناً
يا معاذ)»(٨)؟ .
(١) البيت لخالد بن زهير الهذلي، كما في شرح أشعار الهذليين ٢١٣/١ وفيه: سنَّة، بدل:
سيرة. في الموضعين.
(٢) انظر مغني اللبيب ٢/ ٧٥٠.
(٣) في الكشاف ٢/ ٥٣٤ .
(٤) ديوان زهير ص٦٢ وفيه: العداء. بدل: عداء.
(٥) في الأصل و(م): صرفك. وهو تحريف. والمثبت من حاشية الخفاجي ١٩٦/٦. وعنه نقل
المصنف.
(٦) المغرب بترتيب المعرب (عود).
(٧) مشارق الأنوار ٢/ ١٠٤.
(٨) أخرجه بهذا اللفظ الشاشي في مسنده (١٤٠١) من حديث أبي سلمة. وروى مسلم في
صحيحه (٤٦٥): (١٧٩) نحوه من حديث جابر څله.

٢٧٨
الآية : ٢١
وقال أبو البقاء: هي بدل من ضمير المفعول بدل اشتمال، وجَوَّزَ أنْ يكون
النصبُ على الظرفية، أي: سنعيدُها في طريقتها الأولى(١).
وتعقّبه أبو حيَّان قائلاً: إنَّ سيرتَها وطريقتها ظرفٌ مختصٍّ، فلا يتعدَّى إليه
الفعل على طريقة الظرفيَّة إلَّا بوساطة ((في))، ولا يجوزُ الحذفُ إلَّا في ضرورة، أو
فيما شدَّت فيه العرب(٢).
وحاصله أنَّ شرطَ الانتصاب على الظرفيَّة هنا - وهو الإبهام - مفقودٌ. وفي
(شرح التسهيل)) عن نحاة المغرب أنَّهم قسموا المبهمَ إلى أقسام؛ منها المشتقُّ
من الفعل كالمَذْهب، والمصدر الموضوع موضع الظرف، نحو قَصْدك، ولم
يفرِّقوا بين المختوم بالتاء وغيره. فالنصب على الظرفية فيما ذكر غيرُ شاهِّ
ولا ضرورة.
وجَوَّزَ الزمخشريُّ واستحسنَه أن يكون ((سنعيدها)) مستقلًّا بنفسه غير متعلق
بـ ((سيرتها)) بمعنى أنَّها أنشئت أَوّل ما أنشئت عصًا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب
حيَّةً، فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولاً، و((سيرتها)) منصوباً على أنَّه
مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ مقدر، أي: تسيرُ سيرتَها الأولى، أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها
الأولى، حيثُ كنتَ تتوّأ عليها، وتهشُّ بها على غنمك ولك فيها المآرب التي
عرفتها(٣). انتهى.
والظاهرُ أنَّه جعلَ الجملةَ من الفعل المقدَّر وفاعله حالاً، ويجوز أن تكون
استئنافاً، ولا يخفى عليك أنَّ ما ذكره وإنْ حسن معنى إلَّا أَّه خلافُ المتبادر.
هذا والآيةُ ظاهرةٌ في جواز انقلاب الشيء عن حقيقته؛ كانقلاب النحاس إلى
الذهب، وبه قال جمعٌ، ولا مانع في القدرة من توجُّه الأمر التكوينيّ إلى ذلك
وتخصيص الإرادة له.
وقيل: لا يجوز؛ لأنَّ قلبَ الحقائق محالٌ، والقدرةُ لا تتعلَّقُ به.
(١) إملاء ما من به الرحمن ١٢٠/٢.
(٢) البحر المحيط ٢٣٦/٦.
(٣) الكشاف ٢/ ٥٣٤.

الآية : ٢٢
٢٧٩
سُورَةٌ طَّف
والحقُّ الأول، بمعنى أنَّه تعالى يخلقُ بدل النحاس مثلاً ذهباً، على ما هو رأي
بعض المحققين، أو بأنْ يسلب عن أجزاء النحاس الوصفَ الذي صار به نحاساً،
ويخلقَ فيه الوصف الذي يصير به ذهباً، على ما هو رأي بعض المتكلِّمين، من
تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات. والمُحَالُ إنَّما هو انقلابُه ذهباً مع
كونه نحاساً؛ لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً، وانقلابُ العصا
حيَّةً كان بأحد هذين الاعتبارين، والله تعالى أعلم بأيِّهما كان، والذي أميل إليه
الثاني، فإنَّ في کون خلق البدل انقلاباً خفاءً كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ أمرٌ له عليه السلام بعد ما أخذَ الحيَّة
وانقلبت عصاً كما كانت.
والضمُّ: الجمع، والجناح - كما في ((القاموس)) -: اليد، والعضد، والإبط،
والجانب، ونفسُ الشيء. ويجمع على أجنحة وأجْنُح(١). وفي ((البحر)): الجناحُ
حقيقةٌ في جناح الطائر والملك، ثمَّ تُوسِّع فيه، فأطلق على اليد والعضد وجنب
الرجل، وقيل لمجنبتي العسكر: جناحان، على سبيل الاستعارة، وسُمِّيَ جناحُ
الطائر بذلك؛ لأنَّه يجنحه(٢)، أي: يميِّله عند الطيران.
والمراد: أدخل يدك اليمنى من طوق مدرعتك، واجعلها تحت إبط اليسرى،
أو تحتَ عضدها عند الإبط، أو تحتها عنده، فلا منافاةً بين ما هنا وقوله تعالى:
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَنِكَ﴾ [النمل: ١٢].
﴿َتَّخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ جعله بعضهم مجزوماً في جواب الأمر المذكور،
على اعتبار معنى الإدخال فيه. وقال أبو حيان وغيره: إنَّه مجزومٌ في جواب أمرٍ
مقدَّرٍ، وأصل الكلام: اضمم يدك تنضمّ، وأخرجها تخرج، فحذف ما حذف من
الأول والثاني، وأبقى ما يدلُّ عليه(٣). فهو إيجازٌ يسمى بالاحتباك.
ونصب ((بيضاء)) على الحال من الضمير في ((تخرج))، والجارُّ والمجرور متعلّقٌ
(١) القاموس (جنح).
(٢) في البحر ٢٣٦/٦: يجنح به.
(٣) البحر ٢٣٦/٦.

سُورَةٌ طَّة
٢٨٠
الآية : ٢٢
بمحذوف هو حالٌ من الضمير في ((بيضاء)»، أو صفةٌ لـ ((بيضاء)»، كما قال الحوفيّ،
أو متعلّق به، كما قال أبو حيان(١)، كأنه قيل: ابيضَّت من غير سوء، أو متعلّق
بـ ((تخرج)، كما جوّزه غيرُ واحد.
والسوء: الرداءة والقبح في كلِّ شيء. وكنَّى به عن البَرَص، كما كثَّى عن
العورة بالسوأة؛ لما أنَّ الطباعَ تنفرُ عنه والأسماع تمجُّه، وهو أبغضُ شيءٍ عند
العرب، ولهذا كنَّوا عن جَذِيْمَة صاحب الزبَّاء - وكان أبرص - بالأبرش والوضَّاح.
وفائدة التعرُّض لنفي ذلك الاحتراسُ، فإنَّه لو اقتصرَ على قوله تعالى: ((تخرج
بيضاء)) لأوهم - ولو على بعد - أنَّ ذلك مِن بَرَص، ويجوز أن يكون الاحتراسُ عن
توهُّم عيب الخروج عن الخلقة الأصليّة، على أنَّ المعنى: تخرج بيضاء من غير
عيبٍ وقبحٍ في ذلك الخروج، أو عن توهم عيبٍ مطلقاً .
يُروى أنَّها خرجت بيضاءَ لها شعاٌ كشعاع الشمس يغشي البصر، وكان عليه
السلام آدَمَ اللون.
﴿ءَايَةً أُخْرَى ﴾ أي: معجزةً أخرى غير العصا. وانتصابها على الحالية من
ضمير ((تخرج)) - والصحيحُ جوازُ تعدُّد الحال لذي حالٍ واحد - أو من ضمير
((بيضاء))، أو من الضمير في الجارِّ والمجرور على ما قيل، أو على البدليَّة من
(بيضاء))، ويرجع إلى الحاليّة من ضمير ((تخرج)).
ويجوز أن تكون منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ، أي: خذ آيَةً، وحُذِف لدلالة الكلام.
وظاهر كلام الزمخشريٌّ(٢) جوازُ تقدير: دونك، عاملاً، وهو مبنيٍّ على ما هو
ظاهر كلام سيبويه من جوازٍ عمل اسم الفعل محذوفاً. ومنعَه أبو حيَّان(٣)؛ لأنَّه
نائبٌ عن الفعل، ولا يحذف النائبُ والمنوبُ عنه.
ونُقِّضَ بـ ((يا)» الندائية، فإنها تحذفُ مع أنَّها نائبةٌ عن أدعوا.
(١) البحر المحيط ٢٣٦/٦.
(٢) في الكشاف ٢/ ٥٣٤.
(٣) في البحر ٢٣٦/٦.